قال الشيخ -وفقه الله-: أما القول بأنه لا يمسح في السفر ولا في الحضر، فإن المالكية لا يعرّجون عليه ولا يكاد كثير منهم يعرفه، وأظن أن صفة ما روي فيه عن مالك أنه قال: لا أمسح، فإن كانت الرواية هكذا فقد يتأول على أنه إنما اختار ذلك في خاصة نفسه، لا أنه ينكر جواز ذلك وإن كان لفظ الرواية يقتضى إنكار جواز مسح السفر فإنه يكون وجهه التمسك بالآية وتقدمَتهَا على أحاديث المسح، وقد أشار مالك فيما روي عنه إلى ذلك فقال: إنما هي أحاديث، وكتاب الله أحق أن يتبع.
فأما جواز المسح فالحجة له (٢٩) الأحاديث الواردة في المسح. وقد ذكر بعض التابعين من بلوغها في الكثرة ما ربما دل على أنها ترتفع عن رتبة أخبار الآحاد وتلحق بما هو متواتر في المعنى والمفهوم، كمثل ما ذهب إليه أهل الأصول فيما نقل من الأخبار في بعض آيات الرسول ﷺ أنها متواترة على المعنى والمحصول.
وأما وجه القول بالتفرقة بين الحضر والسفر في المسح فلأن أكثر الأحاديث إنما وردت في السفر، ولأن السفر محل الرخص، وقد خص (٣٠) بالقصر والفطر، والتنفُّل عندنا على الدابة، وشبه ذلك.
ويصح أن يجعل حديث السباطة المتقدم حجة على المسح في الحضر لأن الغالب أن السباطة، وهي المزبلة، إنما (٣١) تكون في الحواضر، وقد قال: "سباطة قوم" فأضافها إلى قوم مخصوصين، ولو كانت في الفلوات لم تكن كذلك.
وهل من شرط جواز المسح على الخفين أن يلبسهما على طهارة أم لا؟
стр. 352
مذهب داود أنه يجوز المسح عليهما إذا كان قد لبسهما ورجلاه طاهرتان من النجاسة وإن لم يكن مستبيحاً للصلاة والفقهاء على خلافه.
وسبب الخلاف قوله ﷺ "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" هل ذلك محمول على أن الطهارة اللغوية أو الشرعية. وهذا المعنى قد اختلف أهل الأصول فيه، وهو تقدمة الاسم العرفي على اللغوي، أو تقدمة اللغوي على العرفي، والخلاف فيما ذكرنا كالخلاف في قوله "توضؤوا مما مست النار" هل يحمل ذلك على الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليد أو على الوضوء الشرعي.
واختلف القائلون باشتراط الطهارة الشرعية: هل يجزي أن يمسح عليهما المتيمم. وهذا على الخلاف في التيمم: هل يرفع الحدث أم لا؟
واختلف فيمن لبس خفين على خفين هل يمسح على الأعلين؟ والخلاف مبنى على الخلاف في القياس على الرخص. وكذلك اختلف في المُحْرِم إذا تعدى فلبس الخفين هل يمسح عليهما؟ وينبني الخلاف (٣٢) على الخلاف في سفر المعصية: هل تباح فيه الرخص (٣٣) كأكل الميتة وشبه ذلك؟
فإن غسل الرجلين خاصة بنية الطهارة، ثم لبس خفيه، وأكمل بعد ذلك بقية وضوئه فإنه يختلف في جواز المسح عليهما، ويبنى الخلاف على أصلين مختلف فيهما جميعاً، وهما: هل يصح الوضوء مع التنكيس أم لا؟ وهل يرتفع الحدث عن كل عضو بتمام غسله أو يتوقف ارتفاع الحدث عن إكمال الوضوء؟ فمن صحح الوضوء مع التنكيس، ورأى أن الحدث
стр. 353
يرتفع عن كل عضو بغسله خاصة اقتضى مذهبه جواز المسح في المسألة المذكورة.
١٥٣ - قوله: "أُمِرْنَا بِإعْفَاءِ اللِّحَى" (ص ٢٢٢).
قال أبو عبيد: هو أن تكثر وتوفر. يقال: عفا الشيء إذَا كثر وزاد، وأعفيته أنا، وعفا إذا درس، وهو من الأضداد، ومنه الحديث "فعلى الدنيا العفاء" أي الدروس، ويقال التراب.
١٥٤ - قوله ﷺ : "فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا" (ص ٢٣٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف في غسل اليد قبل إدخالها في الإِناء عند الوضوء: هل ذلك عبادة، أو معلل بالنظافة؟ فاحتج من قال: عبادة، بقوله: ثلاثاً، قالوا: ولو كانت علته النظافة ما احتيج إلى التكرير إذ ذلك يحصل في مرة واحدة. وهذا الذي قالوه مثل ما احتج به أصحابنا على الشافعي في غسل الإِناء من ولوغ الكلب وأنه لو كان من النجاسة لأجزأت المرة.
واحتج من قال: إنه معلل بالنظافة بقوله ﷺ "فَإنَّ أحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ"، وإذا كان الجسد طاهراً فأكثر ما في ذلك أن تنال يده أوساخ.
وفائدة الخلاف في هذه المسألة هل يؤمر المتوضىء بغسل يده وإن كانت نقية، أو كان قد عرض له في أثناء الوضوء ما نقض طهارته: هل يؤمر بغَسْل اليد ثانية، وإن كان غَسَلَها أولاً؟ فمن جعل ذلك عبادة أمره بالغسل في الوجهين. ومن عَلّل بالنظافة (٣٤) لم ير ذلك مأموراً به.
стр. 354
١٥٥ - في حديث سَلْمَان ﵀: "نَهَانَا أنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ لِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ، وَأنْ نَسْتَنْجِيَ بالِيَمِينِ أوْ أنْ نَسْتَنْجِيَ بِأقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أحْجَارٍ، أوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أوْ عَظْمٍ" (ص ٢٢٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: اتفق المذهب على النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند البول والغائط في الفلوات واختلف في جواز ذلك في القرى والمدائن إذا لم تكن مراحيض مبنية على ذلك. وظاهر المذهب أن المراحيض إذا كانت مبنية على شكل يقتضي استقبال القبلة واستدبارها أنه لا يكلف الانحراف، وقول أبي أيوب في الحديث: "ونحن ننحرف ونستغفر الله" (٣٥) يدل على أنه يرى الانحراف ولو كانت مبنية.
ووجه الخلاف الذي قدمناه عندنا في استقبالها في المدائن معارضة قوله ﷺ "لا نستقبل القبلة" بفعله ﵇ حين رآه ابن عمر ﵁ عَلَى لَبنَتَيْن (٣٦) فمن أنزل فعله ﷺ منزلة قوله خصص عموم قوله بفعله، ومن رأى أن الأقوال تقدم على الأفعال لم يخصص، ومنع ذلك في المدائن.
وقد يُتأوَّلُ أيضاً حديث ابن عمر ﵁: أن اللبنتين كانتا مبنيتين. وذلك من القسم الذي أشرنا إلى الاتفاق عليه من أصحابنا.
ويصح أن نبني الخلاف من جهة المعنى على اختلافهم في تعليل منع استقبال القبلة للبول في الفلوات: هل هو لحرمة القبلة أو المصلين إليها من الملائكة؟ فمن جعله لحرمة القبلة منعه في المدائن على السطوح، وفي الشوارع، وإن كان مستتراً بالحيطان لأن قبلته إلى الحيطان، ومن علله بالمصلين لم يمنع لوجود السواتر.
واختلف عندنا في كشف الفرج عند الجماع مستقبل القبلة: هل ذلك مثل
стр. 355
استقبالها للبول والغائط؟ وسبب الخلاف هل ذلك لأجل العورة أو لأجل الحدث؟ فمن جعل العلة الحدث جعل الجماع بخلاف البول في الاستقبال.
وفي بعض روايات الحديث "وَلَكِنْ شَرّقُوا أوْ غَرِّبُوا" (٣٧)، وهذا محمول على أنه إنما خاطب به قوماً لا تكون الكعبة في شرق بلادهم، ولا غربها، ولعل كذلك الأمر في مدينة الرسول ﷺ .
١٥٦ - "ذكر النهي عن الاستنجاء باليمين" (٣٨).
وفي بعض الأحاديث أيضاً "النهي عَنْ مَسِّ الذّكَرِ بِاليمين" (٣٩) فينبغي لمن أراد أن يستجمر من البول أن يأخذ ذكره بشماله ثم يمسح به حجرا لِيَسْلم (٤٠) على مقتضى الحديثين.
وقوله "وَأنْ يَسْتَجْمِرَ بثلاثة أحجار" (٤١) يحتج به من قال من أصحابنا: لا يقتصر على أقل من ثلاثة ولو حصل الإِنقاء بدونها، وهذا نحو ما ذكرنا من حجة من قال: تغسل اليد ثلاثاً قبل إدخالها في الإِناء، وإن كانت نقية.
وأما قوله: "لا يستنجى بروثة ولا عظم" فقد قيل: علة منعه لأجل أنه زاد الجن وعلف دوابهم. وقيل: لأن الروثة تزيد في نجاسة المكان، والعظم لا ينقى لملوسته، وعَقْدُ "ما يجزىء الاستنجاء عندنا به كل مُنَقٍّ طاهر، ليس بمطعوم، ولا ذي حرم".
стр. 356
فقولنا: منق، احتراز من العظم والزجاج. وقولنا: طاهر، احتراز من النجس. وقولنا: ليس بمطعوم، احتراز من الأطعمة. وقد يدخل فيه طعام الجن، وقولنا: ولا ذي حُرمة، احتراز من حيطان المساجد وشبه ذلك. وقد شذَّ بعض الفقهاء ولم ير الاستنجاء بالماء العذب، وهذا بناء على أنه طعام عنده، والاستنجاء بالطعام ممنوع.
اختلف الناس بما استحب في الاستنجاء، فقال بعضهم: الماء، وقول بعضهم: الأحجار، وقال بعضهم: الأولى الجمع بين ذلك، فالحجر لإِزالة العين، والماء لإِزالة الأثر.
١٥٧ - "ذِكْرُ حَدِيث وُلُوغِ الكَلْب".
قال الشيخ -أيده الله-: اختلف في غسل الإِناء من ولوغ الكلب هل هو تعبد أو لنجاسته (٤٢) فعندنا أنه تعبد، واحتج أصحابنا بتحديد (٤٣) غسله (ص ٢٣٤) سبع مرات أنه لو كانت العلة النجاسة لكان المطلوب الإِنقاء وقد يحصل في مرة واحدة. واختلف عندنا: هل يغسل الإِناء من ولوغ الكلب المأذون في اتخاذه؟ فيصح أن يبنى الخلاف على الخلاف في الألف واللام من قوله "إذا ولغ الكلب" هل هي للعهد، أو للجنس، فإن كانت للعهد اختص ذلك بالمنهي عن اتخاذه، لأنه قد قيل: إنما سبب الأمر بالغسل التغليظ عليهم لينتهوا عن اتخاذها، وهل يغسل الإِناء من ولوغه في الطعام؟ فيه أيضاً خلاف. ويصح أن يبنى على خلاف أهل الأصول في تخصيص العموم بالعادة إذ الغالب عندهم وجود الماء لا الطعام.
стр. 357
[البول في المسجد] (٤٤).
١٥٨ - في الحديث: "أنَّ أعْرَبِيًّا بَالَ في المَسْجِدِ فَقَامَ إلَيْهِ بَعْضُ القَوْمِ، فَقَالَ ﷺ : دَعُوهُ لَا تُزْرِمُوهُ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِن مَاء فَصَبَّهُ عَلَيْهِ" (ص ٢٣٦).
قال الشيخ: قوله ﷺ "دعوه" يحتمل أن يكون خشي إن قام على تلك الحال تنجس (٤٥) مواضع كثيرة في المسجد. ويحتمل أن يكون خشي إن قطع عليه أن تَضُرَّ بِهِ الحقنة.
قال الهروي في شرحه للحديث الذي بال فيه الحسن فأخذ من حجره فقال: "لَا تُزْرِمُوا ابْنِي" يقول: لا تقطعوا عليه بوله، والإِزرام: القطع، وزرم البول: انقطع.
وأما صب الدلو على بول الأعرابي، فاحتج به أصحابنا على الشافعي في قوله "إن الماء اليسير إذا حلت فيه النجاسة اليسيرة عاد نجساً، وإن لم يتغير"، وانفصل بعض الشافعية عن ذلك بأن طروّ النجاسة على الماء بخلاف طروّ الماء عليها، ونحن لا نسلم لهم التفرقة بين ذلك لأنه ماء خالط نجاسة فلا فرق في التحقيق بين طروّه عليها، وطروّها عليه. ولهم في الماء القليل تحل فيه النجاسة اليسيرة حديث "إذَا جَاوَزَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثاً". وهذا ليس الحجة به من جهة نصه، وإنما هي من جهة دليله فإن لم نقل بدليل الخطاب سقط احتجاجهم به فيما دون القلتين، وإن قلنا بدليل الخطاب قلنا في مقابلته قوله ﷺ : "خَلَقَ الله المَاءَ طَهُورًا".
وتفرقة الشافعية بين طروّ النجاسة على الماء، وطروّ الماء عليها انبنى
стр. 358
على ذلك عندهم خلاف فيمن غسل نجاسة عن ثوبه هل تكون الغسالة التي خالطتها النجاسة الخارجة من الثوب نجسة أم لا؟ فقال بعضهم: تكون طاهرة لأن الماء طارىء عليها، ويحتج بصب الماء على بول الأعرابي وأنه بعد أن خالطه الماء لم ينجس بقعة أخرى يمر عليها.
قال بعض أصحابنا: إن قوله في المدونة: إن من لم يجد إلا ماء حلت فيه النجاسة اليسيرة وهو قليل: إنه يتيمم. هذا كقول الشافعي. وقال بعض أصحابنا: إنما المراد بقوله "يتيمم" يعني ويتوضأ به لا أنه يتركه جملة، وعلى هذا لا يكون موافقاً للشافعي.
[بول الصبي والصبية] (٤٦)
١٥٩ - قوله في الحديث: "أُوتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِصَبِىٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ" (ص ٢٣٧).
قال الشيخ ﵀: اختلف في بول الصغير الذي لم يأكل الطعام: هل يغسل منه الثوب؟ فقيل: لا يغسل [وقيل يغسل] (٤٧)، وقيل يغسل بول الجارية خاصة.
فوجه غسله قياسه على بول الكبير كما أن الرجيع منه نجس كالكبير. ووجه أن لا يغسل ما في بعض الأحاديث أنه نضحه ﵇ (٤٨) ولم يغسله. وهذا تؤول على وجوه فقيل: المراد بالنضج هاهنا صب الماء عليه من غير عرك وهو يذهب مع الصب خاصة، وقيل: إن الماء في قوله: "بال على ثوبه" عائدة على الطفل، أي بال الطفل على ثوب نفسه وهو
стр. 359
في حجره ﷺ فنضح ﵇ خوفاً أن يكون طار على ثوبه منه شيء.
ووجه التفرقة بين الغلام والجارية اتباع ما وقع في الحديث فلا يتعدى به ما ورد فيه. وهذا أحسن من التوجيه بغير هذا المعنى مما ذكروا.
[غسل المني] (٤٩)
١٦٠ - حديث عائشة ﵂ في ذكر المني: "لَقَدْ رَأيْتُنِي أفرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُول الله ﷺ " (ص ٢٣٨).
هذا الحديث يحتج به الشافعية على طهارة المني إذ لم يذكر الغسل. وقال بعض أصحابنا: قيل إنها بالماء فركته. والحجة لنا على نجاسته الحديث الآخر الذي فيه: "أنه ﷺ لَمَّا أرَادَ الإِحْرَامَ لِلصَّلَاةِ رَأى فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا فَانْصَرَفَ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ وَفِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الماء". وقال بعض أصحابنا: هو نجس بخروجه من موضع البول. وهذا إشارة إلى أنه إنما نجسه إضافة النجاسة إليه فانظر ما الذي ينبغي على هذا التعليل أن يكون حكم منيِّ ما يؤكل لحمه من الحيوان إذ بوله طاهر.
١٦١ - (٥٠) - قوله: "جَاءَتْ امْرَأةٌ إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ. (٥١) إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قال: تحتُّه ثُمَّ تَقْرُصُه بِالمَاءِ ثُمَّ تَنْضِحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ" (ص ٢٤٠).
قال الهروي: أقْرَصِيهِ بِالمَاء أي قطعيه. وحَتَّ الشيء قشره وحكه. ومنه الحديث: "أنه قال لامْرَأةٍ فِي الدم يُصِيب الثَّوْبَ حُتِّيهِ بِضِلْع، أي حُكِّيه". وقوله: ثم لتنضَحْه، قال: الهروي: ومن السنن العشر الانتضاح
стр. 360
بالماء وهو أن يأخذ قليلاً من الماء فينضح به. مذاكيره بعد الوضوء لينفي به الوسواس.
قال الشيخ ﵀: قال بعض أصحابنا: هذا الحديث غير معمول به لأنه اعتقد أنه إنما أمرها أن تنضح موضع النجاسة. وتأوله غيره على غير ذلك وقال: ولعله إنما أمرها أن تنضح غير تلك البقعة مما يشك فيه هل أصابته النجاسة؟
١٦٢ - قوله ﷺ في الحديث: "فِي صَاحِبيْ القَبْرَيْنِ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرِ. أمَّا أحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بَالنَّمِيمَةِ وَأمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ" وفي رواية أخرى: "مِن البَوْلِ" (٥٢) وَفِي غير هذا الكتاب "يستَبْرِىءُ" بِالبَاءِ (ص ٢٤٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: قوله ﵇: "وَمَا يُعَذّبَانِ فِي كَبِيرِ" ثم ذكر النميمة وقد تكون من الكبائر. فيحتمل أن يريد: في كبير عليهم تركه وإن كان كبيرا عند الله.
والمنهي عنه على ثلاثة أنحاء: منه ما يشق تركه على الطباع كالملاذّ المنهي عنها، ومنه (٥٣) ما يؤكده الطبع ويدعو إليه، كالنهي عن تناول السموم وإهلاك النفس، ومنه ما لا مشقة على النفس في تركه. فهذا القسم مما يقال ليس بكبير على الإِنسان تركه.
واحتج المخالف بهذا الحديث على نجاسة بول ما يؤكل لحمه. فأما رواية "بوله" بالإِضافة فلا تعلق له به لأنه قصره على بول الرجل، وأما الرواية الثانية فقد يتعلق بها طرداً لاسم البول فيقول: متى وُجِد ما يقع عليه.
стр. 361
هذه التسمية وجب أن يكون نجساً. واحتج أصحابنا بطواف النبيء ﷺ عَلَى البَعِير وَلَا يُؤْمَنُ أنْ يَبُولَ.
وقوله "يستنزه ويستتر من البول". يشير ظاهره إلى أن علة التعذيب أنه لا يتحفظ من النجاسة. وأما رواية "يَسْتَبرِىء" ففيها زيادة على هذا المعنى، لأنه إذا لم يستبرىء فقد يخرج منه بعد الوضوء ما ينقض وضوءه، فيصير مصلياً بغير وضوء فيكون الإِثم لأجل الصلاة أيضاً.
وأما جعل الجريدتين على القبرين، فلعله ﵇ أوحي إليه بأن العذاب يخفف عنهما ما لم ييبسا ولا يظهر لذلك وجه إلا هذا.
قوله في الحديث: "فدعا بعسيب رطب". قال الهروي في تفسير الحديث الذي فيه "فجعلت أتتبعه يعني القرآن من اللخاف والعُسُبِ" العُسُب جمع عسيب وهو سعف النخل. وأهل العراق يسمونه الجريد والعواهن. واللخاف: حجارة بيض رقاق. قال أبو عبيد في مصنفة: رقاق عريضة.
[الكلام في الحيض] (٥٤)
١٦٣ - قول عائشة ﵂: "كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا أمَرَهَا رَسُولُ الله ﷺ أنْ تَأتَزِرَ فِي فَورِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُيَاشِرُهَا قَالَتْ: وَأيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كما كان رسول الله ﷺ يَمْلِكُ إرْبَهُ" (ص ٢٤٢).
قال الهروي في تفسير قول الله سبحانه ﴿وَيْسألونَكَ عَنِ المَحِيض﴾ (٥٥): قال ابن عرفة (٥٦): المحيض والحيض: اجتماع الدم إلى ذلك المكان وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه. يقال: حاضت
стр. 362
المرأة وتحيضت تحيض حيضاً ومحاضاً ومَحِيضا إذا سأل الدم منها في أوقات معلومة، فإذا سأل في غير أيام معلومة من غير عرق المحيض قلت: استُحِيضَتْ فهي مُسْتَحَاضة، قال ويقال: حاضت المرأة وتحيّضت ودرست وعركت وطمثَت.
قال الشيخ ﵀: يحتمل أن يكون إنما أمر رسول الله ﷺ أن تَأتَزِرَ في فَوْرِ الحَيْضَة خشية أن يناله أذى حين مضاجعته لأن الدم حينئذ يثج أي يندفع وليس كذلك الحال في آخر الحيضة.
وقوله "ثم يباشرها" يحتمل أن يراد به مماسة الجسد لأن إصابة الحائض من تحت الإِزار يمنعه أهل العلم.
وقد اختلف أهل العلم في أقل الحيض الموجب لترك الصلاة؛ فمذهب مالك أن الدفعة من الدم حيض، ومذهب الشافعي يوم وليلة، فإذا انقطع قبل ذلك فليس بحيض، ومذهب أبي حنيفة كالشافعي إلا أنه يجعل حد ذلك ثلاثة أيام. ومقتضى مذهبهما أن المرأة إذا رأت الدم كفت عن الصلاة فإن بلغ إلى الحد الذي ذكروه لم يجب عليها قضاء وإن انقطع قبل ذلك قضت. وَألْزَمْنَا المُخَالِف أن يقول في الاستبراء: إن الدفعة من الدم تجزىء فيه كما قلنا: إن ذلك موجب لترك الصلاة. وقال الأبهري من أصحابنا القياس أن تكون الدفعة من الدم يعتد بها في الاستبراء ويكون قُرْءًا، ولكن أخَذْنَا بالاحتياط لبراءة الأرحام وصيانة الأنساب.
قال الشيخ: وقد ذكر بعض الناس أن نساء الأكراد يحضن لمعة أو دفعة فقط.
والحُيَّضُ ثلاث مبتدأة ومعتادة ويائسة. فأما المبتدأة إذا رأت الدم فتمادى بها فقيل تجلس خمسة عشر يوماً فإن زاد على ذلك كانت مستحاضة. وقيل: تترك الصلاة قدر أيام لداتها. قيل معناه: أترابها، وهل تستظهر على ذلك أم لا؟ فيه قولان.
стр. 363
وأما المعتادة إذا زاد الدم على أيام عادتها فقيل: تتم خمسة عشر يوماً، وقيل: تستظهر على أيامها ثم تغتسل وتصلي. والقول في الحيض مبسوط في كتب الفقهاء وليس هذا موضع بسطه.
وأما اليائسة (٥٧) إذا رأت دماً فإنه لا يكون براءة للأرحام، واختلف هل تترك له الصلاة والصيام؟ وسيأتي ذكر المستحاضة.
وقول عائشة ﵂: "وَأيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ" قال الهروي في حديث عائشة: "كان أمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ" أرادت الحاجة، تعنى: أنه كان غالباً لهواه ﷺ . والإِرب والإِربة والمَأرَبَةُ: الحاجة. قال غيره: والأرَبَ أيضاً بفتح الهمزة والراء، وأما المأربة فبفتح الراء فيها وضمها.
١٦٤ - قول أمِّ سَلمَةَ ﵂: "بَينَمَا أنَا مُضْطَجِعَةٌ فِي الخَمِيلَةَ إذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : أنُفِسْتِ؟ " الحديث (ص ٢٤٣).
قال الهروي (٥٨) وغيره: نُفِستْ المرأة ونَفِسَتْ، إذا ولدت فإذا حاضت قلت: نَفِسَتْ بفتح النون لا غير. وقول عائشة ﵂: "أمرني أن أناوله الخُمْرة" قال الهروي في تفسير الحديث: إنه كان يسجد على الخمرة (٥٩) تعني هذه السجادة. وهي مقدار ما يضع الرجل عليه حرَّ وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة من خوص.
стр. 364
[الكلام في المذي] (٦٠)
١٦٥ - قوله: "إنَّ عَلِيًّا ﵁ أمَرَ المِقْدَادَ أنْ يَسْألَ لَهُ رَسُولَ الله ﷺ عِنِ المَذْي. وَفِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ: فَسَألَهُ فَقَالَ: منه الوضوء" ولم يبين في هذا الحديث على أي وجه وقع سؤاله: هل سأله سؤالاً يخصّ السائل أو يعمه وغيره؟ وفي أخرى قال: فَأرْسَلْنَا المِقْدَادَ ثم قال: فَسألَهُ عَنِ المَذْيِ يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ" (ص ٢٤٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: لم يبين على أي صفة أمره علي ﵁ أن يسأل له، فإن كان لم يلتفت عَلَى أيّ وجه وقع له سؤاله ففيه دليل على أنه كان يرى أن القضايا في الأعيان تتعدى. وهي مسألة خلافٍ بين أهل الأصول لأنه لو كان يقول ما يتعدى لأمره ﵁ أن يسميه له ﵇ إذ قد يبيح له ما لا يبيح لغيره؛ إلا أنه قد ذكر في إحدى الروايتين المتقدمتين أن السؤال من المقداد لرسول الله ﷺ وقع على صفة تعم.
وفيه أيضاً أن عليًّا ﵁ كلف من يسأل له مع القدرة على المشافهة فإن كان أراد أن يكون سؤال الرسول ﷺ بحضرته فيسمع منه، وإنما احتشم من مشافهته لكون ابنته عنده فلا اعتراض في ذلك. وإن لم يرد ذلك فإنه يقال: كيف يجتزىء بخبر الواحد عن النبيء ﷺ مع القدرة على القطع وسماع قوله. وهل يكون هذا كالاجتهاد مع القدرة على النص. وفي ظاهر الرواية المذكور فيها: أنه قَالَ: فَأرْسَلْنَا المِقْدَادَ، إشارة إلى أنه لم يحضر مجلس السؤال.
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف أصحابنا في المذي هل يجزي منه الاستجمار كالبول أو لا بدّ من الماء؟. وقال: من فرق بينهما إنما رخص
стр. 365
في ذلك في الأحداث لأنها تعتري الإِنسان غلبة في مواضع لا يتفق وجود الماء فيها ويشق الصبر إلى وجوده، وهي أيضاً متكررة والمذي لا يتكرر، ويكون غالباً مكتسباً ففارق الحدث.
واختلف القائلون بغسل الذكر من المذي هل يجزىء أن يغسل منه ما يغسل من البول أو لا بد من غسل جميعه؟ والخلاف (٦١) يبنى على الخلاف في تعليق الحكم بأول الاسم أو بآخره لأن في بعض الروايات يغسل ذكره واسم الذكر ينطلق على البعض والكل، واختلف أيضاً: هل يفتقر في غسل ذكره إلى نية أم لا؟
[وضوء الجنب] (٦٢)
١٦٦ - قوله في حديث عائشة ﵂: "إذًا كَانَ جُنُبًا فَأرَادَ أنْ يَأكُلَ أوْ يَنَامَ تَوضَّأ وُضوءَهُ لِلصَّلَاةِ" (ص ٢٤٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: ذكر عن ابن عمر ﵁ أنه كان يأخذ بذلك في الأكل. ومحمل الوضوء عندنا قبل الأكل على غسل اليد ولعل ذلك لأذى أصاب اليد، وأما وضوء الجنب قبل أن ينام فقد وقع لِمالك ﵁ أنه قال: هو شيء ألزِمَه من الخوف عليه. واختلف في تعليله فقيل: ليَبِيتَ على إحدى الطهارتين خشية أن يموت في منامه، وقيل: بل لعله أن ينتشط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه. ويجري الخلاف في وضوء الحائض قبل أن تنام على الخلاف في هذا التعليل، فمن علل بالمبيت على أحدى الطهارتين، جاء عنه أنها تَتَوضَّأ.
стр. 366
١٦٧ - ففي الحديث: "أنَّ عَبْدَ الله بْنَ قَيْسٍ (٦٣) قَالَ: سَألْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ وِتْرِ رسول الله ﷺ " فذكر الحديث "قلت: كيف كان يصنع في الجنابة: أكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أنْ يَنَامَ أمْ يَنَام قَبْلَ أنْ يَغْتَسِلَ؟ قَالَتْ: كل ذَلِكَ كَان يَفعَل" (ص ٢٤٩).
قال الشيخ: يحتمل أن يكون وجه سؤاله عن هذا أن في بعض الأحاديث أن الجنب لا تقربه الملائكة. ومعلوم من حاله ﷺ أنه لا يبقى على حالة تبعد الملائكة منه، ألا ترى أنه ﷺ كان يتقي أكل الثوم وشبهه، وعلل ذلك بمناجاة الملَك. وحديث عائشة ﵂ هذا يدل على [أن ذلك الحديث إن صح تأويلاً يحتمل أن يكون فيمن أخّر الغسل عن وقت واجب عليه] (٦٤) فيه الاغتسال لحضور الصلاة فيصير حينئذ عاصياً ولا تقربه الملائكة لعصيانه، ورسول الله ﷺ منزه عن هذه الحال فيحتمل تأخيره الغسل في حديث عائشة ﵂ على أنه في زمن يجوز فيه ذلك.
[احتلام المرأة] (٦٥)
١٦٨ - قوله ﷺ لِعَائِشَة: "تَرَبتْ يَمِينُكِ". ولأمّ سَلَمَةَ: "تَرِبَتْ يَدَاكِ" (ص ٢٥٠ - ٢٥١).
قال الشيخ -وفقه الله-: تأوله مالك على أنه دعا لهما بالاستغناء لمّا بَعُد في نفسه أن يدعو عليهما بالفقر. وكذلك قال عيسى بن دينار: إن قوله ﵍ "تربت" بمعنى استغنت. قال الهروي في تفسير قول
стр. 367
الله سبحانه: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٦٦) أي لصق بالتراب من فقره. يقال: ترب الرجل، إذا افتقر، وأترب، إذا استغنى. قال: وفي الحديث "عَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ ترِبِتْ يَدَاك" (٦٧) قال ابن عرفة: أراد تربت يداك إن لم تفعل ما أمرتك [به] (٦٨). قال ابن الأنباري: معناه لله درّك إذا ما استعملت ما أمرتك به واتعظت بعظتي.
قال الشيخ -وفقه الله-: هذا اللفظ وشبهه يجري على ألسنة العرب من غير قصد للدعاء وعلى ذلك يحمل ما وقع له ﷺ مع زوجتيه المذكورتين. وقد وقع في رسالة البديع أن قال: وقد يوحش اللفظ وكله وِدٌّ ويكره الشيء وليس من فعله بُدّ. هذه العرب تقول: لا أب لك للشيء إذا أهمّ، وقاتله الله، ولا يريدون الذم، وَوَيْلُ أُمِّهَ، للأمر إذا تم للألباب في هذا الباب أن تنظر إلى القول وقائله، فإن كان وليا فهو الولاء وإن خَشُن، وإن كان عدوا فهو البلاء وإن حَسُن.
قال الهروي: وقال النبيء ﷺ في حديث خُزيمة: "أنِعم صباحاً تربت يداك" يدل على أنه ليس بدعاء عليه بل هو دعاء له وترغيب في استعمال ما تقدمت الوصاة به. ألا تراه قال: أنعم صباحاً، ثم أعقبها بتربت يداك والعرب تقول: لا أب لك ولا أم لك، يريدون: لله درك ومنه قول الشاعر: [الطويل]
هَوَتْ أمُّهُ مَا يَبْعَثُ الصُّبْحُ غَادِيًا ... وَمَاذَا يُؤَدِّي اللَّيْلُ حِينَ يَؤُوبُ
فظاهره: أهلكه الله، وباطنه: لله درّه.
стр. 368
[الغسل للجنابة] (٦٩)
١٦٩ - وقوله في الحديث الآخر: إنَّ امْرَأةً قَالَتْ: يا رسول الله هَلْ تَغْتَسِلُ المَرْأةُ إذًا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَتْ لَهَا عَائِشة ﵂ تربت يداك، وَأُلَّتْ" (ص ٢٥١).
أي أصابتها الأَلَّة وهي الحربة، قال ابن السكّيت: الأُلَّ جمع ألَّة وهي الحَربة، ومِنه قولُهُمْ: مَا لهُ أُلَّ وَغُلَّ؟ [أي أصابته الألَّة أي الحَربة].
قال الشيخ -وفقه الله-: ذكر مسلم حديث عباس بن الوليد عن يزيد ابن زُريع قال: حدثنا سعيد عن قتادة أن أنس بن مالك حدثه أن أمّ سُلَيْم حدثت أنَّهَا سَألَتْ نِبِيءَ الله ﷺ عَنِ المَرْأةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا" الحديث (ص ٢٥٠).
وفيه فقالت "أم سليم" قال بعضهم: هكذا في أكثر النسخ "فقالت أم سليم" وغُيِّر في بعض النسخ فجعل "فقالت أم سلمة" مكان "أم سليم" والمحفوظ من طرق شتى "فقالت أم سلمة".
١٧٠ - وخَرج مسلم أيضاً: "حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كريب قالا: أخبرنا أبو معاوية، وفي نسخة ابن الحذاء: حدثنا يَحْيى بن أيوب وَأبُو كُرَيب" والصواب ما تقدم في الحديث (ص ٢٥٤).
قالت مَيْمُونَة: "أدْنَيْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ غَسله ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ تَوَضَّأ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَتْ: فَغَسَلَ سَائِرَ جَسدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَغسل رِجْلَيْهِ ثُمَّ أتَيْتُه بِالمِنْدِيل فَرَدَّهُ" (ص ٢٥٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: استحب بعض العلماء أن يؤخر [غسل] (٧٠) رجليه إلى آخر غسله من الجنابة ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء.
стр. 369
وأخذ ذلك من حديث ميمونة هذا وليس فيه تصريح بل هو محتمل لها، لأن قولها: "توضّأ وضوءه للصلاة" الأظهر فيه إكمال الوضوء. وقولها آخرا "تنحّى فغسل رجليه" يحتمل أن يكون لأجل ما نالهما من تلك البقعة.
وأما تنشيف الماء عن الأعضاء في الطهارة فلا خلاف أنه لا يحرم ولا يستحب، ولكن هل يكره ذلك؟ فللصحابة فيه ثلاثة أقوال: فروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قَال: لَا يُكْرَهُ في الوضوء ولا في الغسل، وبه قال مالك والثوري. وحجتهم (٧١) ما رواه قيس بن سعد بن عبادة، قال: "دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ فوضعنا لَهُ الغَسْلَ فاغْتَسَلَ فَأتَيْتُهُ بِمِلْحَفَةٍ فالتحف فَرَأيْتُ المَاءَ وَالْوَرْسَ عَلَى كَتِفَيْهِ".
وروى معاذ أنه ﵇ "كَانَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ" فدل ذلك على أنه لا يكره.
وروي عن ابن عمر أنه كرهه فيهما. وبه قال ابن أبي ليلى وإليه مال أصحاب الشافعي. وحجتهم ظاهر حديث ميمونة ولأنه أثر عبادة فكره قطعه كدم الشهيد وكخلوف فم الصائم على أصل من نهى عنه (٧٢).
وروي عن ابن عباس أنه يكرهه في الوضوء دون الغسل. وحجته ما روي "أن أم سلمة ناولته الثوب ليتنشف به فلم يأخذه وقال: إني أحب أن يبقى عليّ وضوئي" ولم يثبت عنده في الغسل دليل قاطع على الكراهة فأجازه.
стр. 370
١٧١ - وقع في الحديث: "دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلَابِ فَأخَذَ بِكَفِّهِ بَدَأ بِشقِّ رَأسِهِ الأيْمَنِ" (ص ٢٥٥).
قال الشيخ -وفقه الله- الحِلاب هاهنا إناء يحلب فيه، وليس كما ظن البخاري أنه نوع من الطيب وأشار في تبويبه إلى هذا. ويقال للحلاب أيضاً المِحْلَب (بكسر الميم وفتح اللام) قال الشاعر في الحلاب: [الخفيف]
صَاحِ أبْصَرْتَ أوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ فَي الضَّرْعِ مَا قَرَى فِي الحِلَابِ؟
قوله: "ثُمَّ أفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدهِ" قال الشيخ -وفقه الله-: هذا وأمثاله مما يحتج به الشافعي في أن التدلك في الطهارة ليس بواجب والمشهور من مذهبنا وجوبه. ووقع لبعض أصحاب مالك ما يدل على أن التدلك مستحب عنده.
وقوله "هو الفَرَقُ من الجنابة" قال أحمد بن يحيى: الفرق اثنا عشر مدا. قال أبو الهيثم: هو إناء يأخذ ستة عشر رطلا وذلِكَ ثلاثة آصع.
قال الشيخ -وفقه الله-: كذلك فسره سفيان في كتاب مسلم أنه ثلاثة آصع ويروى (بإسكان الراء وبفتحها).
١٧٢ - قوله في الحديث: "تَأخُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ". وفي الحديث الآخر "خذِي فِرْصَة مُمَسَّكَةً" (ص ٢٦٠ - ٢٦١).
قال الهروي في باب الفاء مع الراء: الفرصة: القطعة من القطن والصوف. ويقال: فرصت الشيء قطعته بالمفراص (٧٣) قال الشيخ -وفقه الله-: أنكر ابن قتيبة أن يكون (بالفاء والصاد) وقال: إنما ذلك قُرضة (بالقاف
стр. 371
والضاد المعجمة) أي قطعة. وأنكر أيضاً على أن من تأول أن المسك في هذا الموضع الطيب. وقال: لم يكن للقوم وسع في الحال يستعملون الطيب في مثل هذا وإنما معناه الإِمساك. فإن قالوا: إنما سُمع رباعياً والمصدر منه إمساك. قيل: قد سُمع أَيضا ثلاثياً فيكون مصدره مَسْكًا. قال الشيخ - وفقه الله-: وأنكر ابن مكّي على الأطباء قولهم (٧٤): القوّة الماسكة. وقال: إنما الصواب الممسكة لأنه سمع رباعياً قال الشيخ -وفقه الله-: لعله لم ير ما حكيناه عن ابن قتيبة.
١٧٣ - قوله في باب المستحاضة: "جَاءَتْ فَاطِمَة بنت أبِي حُبَيش ابن عَبْد المُطّلب" (ص ٢٦٢).
هكذا في أكثر النسخ. قالَ بعضهم: عبد المطلب هاهنا وهم. والصواب ابن المطلب بن أسد.
وفي هذا الباب حديث عن عائشة ﵂: "أنّ ابنة جحش كانت تستحاض سبع سنين" (٧٥) وفي بعض النسخ عن أبي العباس الرازي "أن زينب بنت جحش".
قال بعضهم: هو وهم. وليست زينب إنما هي أم حبيبة بنت جحش. قال الدارقطني: عن أبي إسحاق الحربي: [الصحيح] (٧٦) قول من قال: أم حبيب، بلا هاء واسمها حبيبة. قال الدارقطني: قول أبي إسحاق صحيح وكان أعلم الناس بهذا الشأن. قال غيره: وقد روى "عن عمرة عن عائشة أنَّ أم حبيبة" الحديث.
стр. 372
١٧٤ - قوله ﷺ : "إذَا أقْبَلَتْ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ" (ص ٢٦٢).
قال الشيخ -أيده الله-: اختلفت روايات أحاديث المستحاضة وألفاظها. وبيان ذلك يحتاج إلى بسط لا يتمكن هاهنا. واختلف أهل العلم في المرأة إذا تمادى بها الدم بعد زمان الحيض. فأما مالك فقال: لا تزال بحكم الطاهر حتى يتغير الدم ويرجع إلى حال دم الحيض فتترك الصلاة حينئذ على تفصيل في المذهب هو مذكور في كتب الفقه (٧٧).
وقال المخالف إذا أتت أيام عادتها في الصحة تركت الصلاة وإن لم يتغير الدم. وتعلق بظاهر هذا الحديث وبحديث آخر وهو أظهر منه وهو قوله في طريق أخرى (٧٨) "امْكُثِي قَدْرَ ما كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي (٧٩).
وقال بعضهم: إذا جهلت (٨٠) أيام عادتها في مقدارها ومحلها من الشهر فإنها تغتسل لكل صلاة وتصلي لِجواز أن تكون في تلك الصلاة صادفت انقضاء حيضها المعتاد وتصوم رمضان وشهراً آخر بعده لجواز أن تكون في كل يوم من أيام رمضان صادفت أيام حيضتها المعتادة، وإن كانت حاجَّة طافت للإِفاضة طوافين بينهما خمسة عشر يوما.
١٧٥ - قَولُهَا: إنّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكن فِي حُجْرَة أخْتِهَا زَيْنَب" (ص ٢٦٣).
قال أبو عبيد: المركن: الإِجّانة، كانت تغسل فيها الثياب. وقولها:
стр. 373
"أحرُورِيةٌ أنْتِ؟ " (٨١). قال الهروي: الحرورية منسوبة إلى حروراء قرية تعاقدوا فيها.
١٧٦ - (٨٢) قوله ﷺ : "إذَا أُعْجِلْتَ وَأقْحَطْتَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ" (ص ٢٦٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: استعار ﵇ لعدم الإِنزال اسم القحط لما كان القحط عبارة عن عدم المطر. وقال الهروي في تفسير حديث "من جامع فأقحط فلا يغتسل" معناه: أن يفتر ولم ينزل مثل الإِكسال. يقال: أكسل الرجل إذا جامع ثم أدركه الفتور فلا ينزل.
١٧٧ - وقوله ﷺ :"إنَّمَا الماءُ مِنَ المَاءِ" (ص ٢٦٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: هذا الحديث يحتج به من لا يوجب الغسل من التقاء الختانين. وإنما الحجة به من جهة دليل الخطاب. وقد اختلف أهل الأصول في القول به، فمن نفى دليل الخطاب لم يكن عنده في الحديث حجة، ومن أثبته صح له الانفصال عن الحديث بوجوه:
أحدها: أنه قد قيل: إن ذلك في أول الإِسلام ثم نسخ.
والثاني: أن يكون محمولاً على المنام أنه لا يجب الاغتسال فيه إلا من الماء. وأما الحديث الذي فيه: "أنه خرج إلى رسول الله ﷺ ورأسه يقطر ماء فقال له: لعلنا أعجلناك" (٨٣) فإن لم يحمل على الوطء في غير الفرج فيحمل على أنه منسوخ.
١٧٨ - قوله ﷺ : "إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأرْبَعِ" (ص ٢٧١) ".
стр. 374
قال الهروي: قيل هي اليدان والرجلان، وقيل: بين رجليها (٨٤) وشفريها.
١٧٩ - قال الشيخ خرج مسلم في "باب الوضوء مما مست النار (٨٥). قال ابن شهاب: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن" (ص ٢٧٢).
قال بعضهم: هكذا عند جميع الرواة للكتاب. وأصلحه ابن الحذاء بيده فأفسده فجعل مكان عبد الملك عبد الله والصواب عبد الملك. وهكذا رواه الزبيدي عن الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر وهو أخو عبد الله ابن أبي بكر.
١٨٠ - "قول أبِي هُرَيْرَة: إنَّمَا أتَوَضَّأُ مِنْ أثْوَارِ أقِطٍ أكَلْتُهَا" (ص ٢٧٢).
قال الهروي: الأثوار واحدها ثور. وهي قطعة من الأقِط.
[الكلام في جلد الميتة] (٨٦)
١٨١ - قوله ﷺ في حديث ابن عباس: "أنَّ مَيْمُونة أخبرته أنَّ دَاجنَةً كَانت لِبَعْضِ نِسَاءِ رَسُول الله ﷺ وَسَلَّمَ فَمَاتَتْ فقال رسول الله ﷺ : ألَا أخَذْتُمْ إهَابهَا فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ" وفي حديث آخر: "فَدَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ". وفي حديث آخر: "إذَا دُبغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ" (ص ٢٧٦ - ٢٧٧).
قال الهروي: دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاء وغيرها. الواحدة: داجنة، وقد دجن في بيته، إذا لزمه، وكلب داجن ألف البيت. والمداجنة حسن المخالطة.
стр. 375
قال الهروي وغيره: والإِهاب يجمع على الأُهُب والأَهَبُ يعني (بضم الهمزة والهاء وبفتحهما أيضاً).
قال الشيخ -وفقه الله-: ورد في جلد الميتة أحاديث مختلفة واختلف الناس أيضاً في جلد الميتة. فقال أحمد بن حنبل: لا ينتفع به وأجاز ابن شهاب الانتفاع به والجمهور على منع الانتفاع به قبل الدباغ، ومختلفون في الجلد الذي يؤثر فيه الدباغ؛ فعند أبى يوسف وداود أنه يؤثر في سائر الجلود حتى الخنزير. ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة والشافعي هكذا، إلا أننا وأبا حنيفة والشافعي نستثني الخنزير ويزيد الشافعي في استثنائه الكلب وألحق الأوزاعي وأبو ثور بهذا الذي استثناه جلد ما لا يؤكل لحمه. واتفق كل من رأى الدباغ مؤثرا في جواز الانتفاع على أنه يؤثر في إثبات الطهارة الكاملة سوى مالك في إحدى الروايتين عنه فإنه منع أن تؤثر الطهارة الكاملة (٨٧). وهذا يجب أن يعتبر فيه قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيّتَةُ﴾ (٨٨) فإن سلم أن الجلد حيٌّ دخل في هذا الظاهر (٨٩) وكان ما يورد من الأحاديث بتخصيصه تخصيصاً لعموم القرآن بأخبار الآحاد. وفي ذلك اختلاف بين أهل الأصول، والخلاف المتقدم كله يدور على خبرين متعارضين: ما الذي يستعمل منهما والمستعمل منهما ما مقتضاه؟ فأخذ ابن حنبل بقوله: "لَا تَنْتَفعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإهَابٍ (٩٠) وَلَا عصَب". وأخذ الجمهور بقوله ﷺ "إذَا دُبغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ". وهذا الحديث خاص والعام يردّ إلى الخاص ويكون الخاص بياناً له.
وقال بعض هؤلاء: الحديث خرج على سبب وهو شاة ميمونة -رضي
стр. 376
الله عنها- والعموم إذا خرج على سبب قصر عليه عند بعض أهل العلم (٩١) وألحق بهذا السبب البقرة والبعير وشبه ذلك للاتفاق على أن حكم ذلك حكم الشاة. وقال بعضهم: بل يتعدى ويعم بحكم مقتضى اللفظ ويجب حمله على العموم في كل شيء حتى الخنزير. وقال بعضهم: فإن العموم يخص بالعادة ولم يكن من عادتهم اقتناء الخنازير حتى تموت فيدبغوا جلودها.
قال بعضهم: ولا الكلب أيضاً لم يكن من عادتهم استعمال جلده وقال بعضهم: بل يحصر هذا العموم بقوله ﷺ : "دباغ الأديم ذكاته" فأحلَّ الذكاة محل الدباغ فوجب أن لا يؤثر الدباغ إلا فيما تؤثر فيه الذكاة. والذكاة إنما تؤثر عند هؤلاء فيما يستباح لحمه لأن قصد الشرع بها استباحة اللحم فإذا لم يستبح اللحم لم تصح الذكاة وإذا لم تصح الذكاة لم يصح الدباغ المشبه به.
وقد أشار بعض من انتصر لمالك إلى سلوك هذه الطريقة فرأى أن التحريم [تأكد] (٩٢) في الخنزير واختص بنص القرآن عليه، فلهذا لم تعمل الذكاة فيه فلما تَقَاصر عنه في التحريم ما سواه لم يلحق به في تأثير الدباغ. وقد سلك هذه الطريقة أيضاً أصحاب الشافعي ورأوا أن الكلب خص في الشرع بتغليظ لم يرد فيما سواه من الحيوان فألحق بالخنزير.
وأما الأولون الذين ذكرنا مخالفتهم لهؤلاء في الأخذ بالظاهر فإنهم أيضاً يخالفونهم في المعنى، ويرون أن الدباغ أنزل في الشرع منزلة الحياة لما
стр. 377
كان يحفظ الجلد من التغيير والاستحالة كما تحفظه الحياة. وأما ابن شهاب فتعلق بحديث لم يشترط فيه الدباغ وقد رواه. مقيدًا ولعله نسي ما رواه (٩٣).
١٨٢ - في الحديث: "أنَّ عَائِشَة ﵂ انْقَطَعَ عِقْدُهَا فَأقَامَ رُسُولُ الله ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا علَىَ مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ" (ص ٢٧٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: قال بعض أصحابنا: يباح السفر للتجارة وإن أدّى إلى التيمم ويحتج له بهذا الحديث لأن إقامتهم على التماس العقد ضرب من مصلحة المال وتنميته وذكر في الحديث نزول آية التيمم (٩٤).
قال الشيخ -أيده الله-: التيمم في اللغة القصد، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (٩٥) ومنه قول الشاعر: [الطويل]
سلِ الرَّبْعَ: أنّى يَمّمَتْ أمُّ أسْلَمَا ... وَهَلْ عَادَةٌ لِلرَّبْعِ أنْ يَتَكَلَّمَا
وأما الذي يتيمم به فالمشهور من مذهب مالك الأرض وما يصعد عليها مما لا ينفك منه غالباً. ومذهب الشافعي أنّ التيمم بالتراب خاصة. وعندنا قولة نحو قول الشافعي. واختلف عندنا في التيمم على الثلج والحشيش والحجة للقولة المشهورة عن مالك قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٩٦) والصعيد ينطلق على وجه الأرض وقوله ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ
стр. 378
الأرْضُ مَسْجَدًا وطَهُورًا". ويحتج للشافعي وللقولة الشاذة عندنا بما وقع في أحد طرق هذا الحديث وهو قوله ﷺ "وترابها طهورا" فيذكر التراب.
وأما حدّ التيمم ففيه ثلاثة أقوال: قيل إلى الكوعين، وقيل إلى المرفقين، وقال ابن شهاب: إلى الآباط. فمن قال: إلى الكوعين، كان بناء على تعليق الحكم بأول الاسم ويؤيده بحديث أيضاً فيه "وجْهَك وكَفّيك" (٩٧). ومن قال: إلى الآباط بناه على تعليق الحكم بآخر الاسم إذ ذلك أكثر ما ينطلق عليه اسم يد. ويؤكده ما وقع في بعض روايات حديث العقد أن الراوي قال: فتيممنا إلى الآباط أو قال: إلى المناكب وأما من قال: إلى المرافق، فإنه رده إلى الوضوء لما كانت الصلاة تستباح به كما تستباح بالوضوء. والحكم إذا أطلق في شيء وقيد فيما بينه وبينه مشابهة اختلف أهل الأصول في رده إليه كهذه المسألة والعتق في الكفارة في الظهار: هل يشترط فيه الإِيمان ويردّ إلى كفارة القتل.
١٨٣ - قوله في الحديث: "كُنّا فِي السَّرِيَّة فَأجْنَبْنَا" (ص ٢٨٠).
قال الهروي: قال الفراء: يُقال جَنِبَ الرجل وأجْنَبَ من الجنابة. قال وقال الأزهري: سمي الجنب جنباً لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر فتجنبها (٩٨) وأجنب عنها. وقال القتبي (٩٩) سمي بذلك لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل، والجنابة البعد.
١٨٤ - قال الشيخ: خرج مسلم في باب التيمم: "روى اللَّيث بن سَعد عَن جَعْفر بن رَبِيعة عَنْ ابن هُرْمز عن عُمَيْر مَوْلَى ابن عباس أنه سَمِعَهُ يَقول: أقْبَلْتُ أنَا وَعَبْد الرحمن بن يَسَار مَولى مَيْمُونةَ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أبِي
стр. 379
الجَهْم" هكذا وقع عند الجلودي والكسائي وابن ماهان وهو خطأ والمحفوظ "أقْبَلْت أنَا وعَبْدُ الله بن يَسَار" وكذلك. رواه البخاري: "عن ابن بُكَير عَن الليث أقبَلْتُ أنا وَعَبْدُ الله بن يسار" (ص ٢٨١).
وهذا الحديث ذكره مسلم مقطوعاً (١٠٠) وفي كتابه أحاديث يسيرة مقطوعة متفرقة في أربعة عشر موضعاً منها هذا الحديث الذي ذكرناه. وهو أولها وسننبه على كل شيء منها في موضعه إن شاء الله.
١٨٥ - قال الشيخ -وفقه الله-: وكذلك خرج مسلم في الحديث: "أنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجَس" قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن علية عن حُمَيد الطَوِيل عَن أبي رَافع عَنْ أبِي هُرَيْرَة أنّه لَقِيَهُ ﷺ في طَرِيق مِن طُرق المَدِينَة وَهْوَ جُنُب" هكذا في النسخ كلها: "حميد الطويل (١٠١) عن أبي رافع [عن أبي هريرة" (ص ٢٨٢).
وهذا منقطع، وإنما يرويه حميد عن بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع] (١٠٢). وهكذا أخرجه البخاري وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنده.
١٨٦ - قوله في الحديث: "كان رسول الله ﷺ إذَا دَخَلَ الكَنِيفَ قال: اللهم إنِّي أعُوذ بِكَ مِنَ الخُبْثِ والخَبَائِثِ" (ص ٢٨٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: قوله "كان إذا دخل" يحتمل أن يكون معناه إذا أراد الدخول كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١٠٣) معناه: إذا أردت أن تقرأ.
стр. 380
وأما قوله: "الخبث والخبائث " فإن الهروي قال: قال الهيثم: الخبث (بضم الباء) جمع الخبيث وهو الذكر من الشياطين، والخبائث جمع الخبيثة وهي الأنثى من الشياطين (١٠٤).
قال أبو بكر: الخبث الكفر، والخبائث الشياطين. قال الشيخ: والأول أشبه لأن تلك المواضع مواضع الشياطين.
١٨٧ - في الحديث: "أُقِيمَت الصَّلَاةُ وَرَسُول الله ﷺ يُنَاجِي رَجُلاً فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أصْحَابُهُ ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى" (ص ٢٨٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: يحتمل أن تكون مناجاته ﵊ وتأخيره المبادرة للصلاة بعد الإِقامة إنما كانت لأجل أن الذي ناجاه فيه أمر مهم من أمر الدين كان تقديم النظر فيه أولى من المبادرة إلى العبادة.
стр. 381
٣ - كتاب الصلاة
١٨٨ - (١) - فيه قال أبو سعيد الخدري: "قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إذا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّن" (ص ٢٨٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف في المصلي: هل يحكي المؤذن إذا سمعه وهو في الصلاة؟ فقيل: يحكيه في الفريضة والنافلة. وقيل: لا يحكيه فيهما. وقيل: يحكيه في النافلة خاصة. فمن رأى أن الشغل (٢) بالصلاة أولى، لم يحكه. ومن قال: يحكيه فيهما، قدّم الأخذ بعموم الحديث. ومن قال: يحكيه في النافلة، فلأن الأمر فيها أخف منه في الفريضة.
١٨٩ - وفي حديث "عمر ﵁ (٣) إذا قال المؤذن: حَيَّ
стр. 382
على الصلاة، قال: لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَاّ بالله، ثُمَّ قال (٤): حَيَّ على الفلاح، قَالَ: لَا حَولَ وَلَا قُوةَ إلا بالله" (ص ٢٨٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: الحيعلة معناه: الدعاء إلى الصلاة. والأجر في الدعاء يحصل لمن يُسْمِع بها، فيصح أن يكون ﵇ أمر من يحكي المؤذن أن يجعل الحوقلة موضع الحيعلة ليكون له من الأجر نحو ما فاته (٥) من أجر الإِسماع لأن الذكر الذي أمره أن يحكيه في الأذان يحصل لمعلنه الأجر ولمخفيه الأجر.
قال المطرز في كتاب الياقوت له وفي غيره: إن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعةٌ. وهي بسمل الرجل إذا قال: بسم الله، وسبحل إذا قال: سبحان الله، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل إذا قال: حي على الفلاح، وحمدل إذا قال: الحمد لله، وهلل إذا قال: لا إله إلا الله، وجعفَل، إذا قال: جعلت فداك. زاد الثعالبي الطبقلة حكايته قول: أطال الله بقاءك، والدمعزة حكاية قول: أدام الله عزك. قال غيره: قال ابن الأنباري: ومعنى حيّ، في كلام العرب: هلمّ وأقْبِلْ، فالمعنى: هلموا إلى الصلاة وأقبلوا إليها. وفتحت الياء من: حَيَّ، لسكونها وسكون الياء التي قبلها كما قالوا: ليت. ومنه قول عبد الله بن مسعود ﵁: إذا ذكر الصالحون فحيهلا (٦) بعمر. فمعناه: أقبلوا على ذكر عمر ﵁. قال: ومعنى حيّ على الفلاح. هلموا إلى الفوز. يقال: أفلح الرجل، إذا فاز وأصاب خيراً. ومن ذلك الحديث الذي يروى "استفلحي برأيك" معناه: فوزي برأيك. قال لبيد:
стр. 383
[الرمل]
أعْقِلِي إن كنت لَمَّا تعقلي ... ولقد أفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَل
معناه: ولقد فاز. وقيل معنى: حَيَّ على الفلاح: هلموا إلى البقاء، أي أقبلوا على سبب البقاء في الجنة، والفلح والفلاح عند العرب: البقاء. قال الشاعر: [السريع]
لِكُلِّ هم من الهموم سَعَهْ ... وَالمُسْيُ والصُّبْح لَا فَلَاحَ مَعَهْ
أراد لا بقاء معه ولا خلود. وقال لبيد: [الرجز]
لو كان حيٌّ مدركَ الفلاح ... أدْرَكَهُ مُلَاعِبُ الرِّمَاحِ
وقوله : ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٧) قيل: معناه الفائزون، وقيل: الباقون في الجنة. والفلح والفلاح أيضاً عند العرب: السجود.
١٩٠ - (٨) - وقوله: "ويُؤتر (٩) الإِقامة إلا الإِقامة" (ص ٢٨٦).
قال الشيخ: المشهور عن مالك إفراد الإقامة لأنه المعمول به في المدينة. وعند الشافعي: أنها مثنى، يقول المؤذن: قد قامت الصلاة، مرتين وهو عمل أهل مكة عنده. وقد روي عن مالك رواية شاذة مثل قول الشافعي.
стр. 384
١٩١ - (١٠) - قوله ﷺ : "المُؤَذّنُونَ أطْوَلُ النَّاس أعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ" (ص ٢٩٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف في تأويل هذا، فقيل: معناه أطول الناس تشوفا إلى رحمة الله، لأن المتشوف يطيل عنقه لما يتشوف إليه فكنى عن كثرة ما يرونه من ثوابهم بطول أعناقهم. وقال النَّضْر بن شميل: إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا يغشاهم ذلك الكرب. وقال يوسف بن عبيد: معناه الدنوّ من الله تعالى. وهذا قريبٌ من الأول الذي ذكرناه. وقيل: معناه أنّهم رؤساء (١١) والعرب تصف السادة بطول الأعناق. قال الشاعر: [البسيط]
طوال أنْضِية (١٢) الأعناق واللِّمَمِ
وقيل: معناه أكثر الناس أتباعاً. وقال ابن الأعرابي: معناه أكثر الناس أعمالاً. وفي الحديث "يخرج عنق من النار" أي طائفة، ويقال: لفلان عنق من الخيل، أي قطعة. ورواه بعضهم: إعناقاً، أي إسراعاً إلى الجنة من سير العَنَق. قال الشاعر: [المتقارب]
ومن سَيْرِهَا العَنَق المُسْبَطِرْو ... العَجْرفية بَعْدَ الكَلال
العجرفية: ضرب من السير. ومنه الحديث "كان يسير العنق فإذا وجد
стр. 385
فجوة نَصّ". ومنه الحديث: "لا يزال الرّجل مُعْنِقًا ما لم يصب دماً". يعني منبسطا في سيره يوم القيامة (١٣)
قال الشيخ -وفقه الله-: وقد احتج بهذا الحديث من رأى أن فضيلة الأذان أكثر من فضيلة الإِمامة. وفي ذلك اختلاف بين أهل العلم أيهما أفضل المؤذن أم الإِمام؟ واحتج من قال: إن الإِمامة أفضل فإنه ﷺ كان يؤم ولم يكن يُؤَذِّنُ وما كان ﷺ ليقتصر على الأدنى ويترك الأعلى.
واعتذر عن ذلك بأنه ﷺ ترك الأذان لما يشتمل عليه من الشهادة له بالرسالة والتعظيم لشأنه فترك ذلك إلى غيره. وقيل: إنما ترك ذلك لأن فيه الحيعلة وهي أمر بالإِتيان إلى الصلاة فلو أمر في كل صلاة بإتيانها لما استخف أحد ممن سمعه التأخر وإن دعته الضرورة إليه. وذلك مما يشق. وقيل أيضاً: لأنه كان ﷺ في شغل عنه. وقد قال عمر ﵁: لو أطقت الأذان مع الخِلِّيفى لأذَّنْتُ. والخليفَى (١٤) الخلافة.
١٩٢ - (١٥) - قوله: "كان رسول الله ﷺ يَرْفَعُ عند الافْتتاح والرُّكُوع والرَّفْعِ مِنه" (ص ٢٩٢) (١٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف قول مالك في الرفع عند الركوع والرفع منه وإنما قال بإسقاطه مع صحة الرواية لما له وقع من ظواهر أخر تدل على إسقاطه، ولأن رواية سالم عن أبيه عن النبيء ﷺ ، ورواية نافع موقوفة على ابن عمر ﵁.
стр. 386
١٩٣ - (١٧) - قوله في حديث أبي هريرة: "كان رسول الله ﷺ يقول: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَه، فِي الرَّفْعِ حينَ يَرْفَعُ صلْبَه ثمّ يقول: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْد" (ص ٢٩٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: إن كان أراد صلاة كان فيها ﷺ إماماً فذلك حجة للقول الشاذ عن مالك أنه كان يرى أن الإِمام يقول اللفظتين جميعاً: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. والمشهور عنه أنه يقتصر على قوله: سمع الله لمن حمده، وحجته على ذلك قوله ﷺ : "فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا ولك الحمد (١٨) ولم يذكر: ربّنا ولك الحمد، للإِمام. وفي هذا التعلق نظر لأن القصد بالحديث تعليم المأموم ما يقوله. ومحل (١٩) قوله له، ولا يعتمد على إسقاط ذكر ما يقول الإِمام بذلك لأنه ليس هو الغرض بالحديث. وعلى هذه الطريقة جرى الأمر في اختلاف قول مالك في الإِمام: هل يقول: آمين في صلاة الجهر؟ فقال في أحد قوليه: لا يقولها، لأنه قال ﷺ "إذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين (٢٠)، ولم يذكر أن الإِمام يؤمّن". وقال في القول الآخر: بل يؤمن، لقول ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين، ولحديث آخر، وفي التعلق أيضاً بقوله: إذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، من التعقب ما قدمناه. وإنما قدمنا الكلام على حديث التأمين لارتباطه بما كنا فيه.
١٩٤ - قال الشيخ: خرج مسلم في باب استفتاح القراءة بالحمد لله: "حدثنا ابن مهران عن الوليد عن الأوزاعي عن عبدة أن عمر بن الخطاب ﵁ كمان يجهر بهؤلاء الكلمات: سُبْحَانَكَ اللهم" (ص ٢٩٩).
стр. 387
قال بعضهم: هكذا أتى إسناده: (عن) (٢١) عبدة أن عمر، مرسلاً. وفي نسخة ابن الحذاء: عن عبدة أن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو وهم. والصواب: أن عمر. وكذلك في نسخة أبي، زكرياء الأشعري عن ابن ماهان. وكذلك روي عن الجلودي. ثم ذكر مسلم بعد هذا حديثا عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس قال: "صليت خلف النبيء ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" (٢٩٩). وهذا هو المقصود في الباب وهو حديث متصل.
١٩٥ - (٢٢) - قوله ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" (ص ٢٩٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في اشتراط قراءة أم القرآن في صحة الصلاة. والمشهور عندنا اشتراط قراءتها في جل الصلاة، وأما اشتراط ذلك في كل ركعة ففيه قولان مشهوران. وقوله ﷺ "لَا صَلَاة" اختلف أهل الأصول في مثل هذا اللفظ إذا وقع في الشرع على ماذا يحمل؟ فقال بعضهم: يلحق بالمجملات لأن نصه يقتضي نفي الذات، ومعلوم ثبوتها حسا فقد صار المراد مجهولاً. وهذا الذي قالوه خطأ لأن المعلوم من عادة العرب أنها لا تضع هذا (٢٣) لنفي الذات وإنما تورده مبالغة فتذكر ليحصل لها ما أرادت من المبالغة، وقال آخر (٢٤): بل يحمل على نفي الذات وسائر أحكامها، وتخص الذات بالدليل على أن الرسول لا يكذب. وقال آخرون: لم تقصد العرب قط إلى نفي الذات ولكن لنفي أحكامها.
стр. 388
ومن أحكامها الكمال والإِجزاء في هذا الحديث، فيحمل اللفظ على العموم فيهما. وأنكر هذا بعض المحققين لأن العموم لا يصح دعواه فيما يتنافى. ولا شك أن نفي الكمال يشعر بحصول الإِجزاء. فإذا قدروا الإِجزاء منتفيا بحق العموم قدّر ثابتاً بحق إشعار نفي الكمال بثبوته، وهذا يتناقض، وما يتناقض لا يحمل الكلام عليه وصار المحققون إلى التوقف بين نفي الإِجزاء ونفي الكمال، وادعوا الاحتمال من هذه الجهة لا مما قال الأولون، فعلى هذه المذاهب يُخرّج قوله ﷺ "لا صلاة ... " الحديث.
١٩٦ - وقوله ﷺ : "من صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأ فِيهَا بِأمّ القُرْآنِ فَهْيَ خِدَاجٌ" (ص ٢٩٦).
قال الهروي وغيره: الخداج: النقصان، يقال: خدجت الناقة، إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق. وأخدجته: إذا ولدته ناقص الخلق وإن كان لتمام الحمل. ومنه قيل لذي الثدية: مُخْدَج اليد، أي ناقصها.
قال أبو بكر قوله: فهي خداج أي ذات خداج، فحذف ذات وأقيم الخداج مقامه على مذهبهم في الاختصار. ويجوز أن يكون المعنى فيه مخدجة، أي ناقصة فأحل المصدر محل الفعل كما قالوا: عبد الله إقبال وإدبار، وهم يريدون: مقبل ومدبر.
قال الشيخ -وفقه الله-: إذا ثبت أن المراد بقوله: "خداج" أي ناقصة فقد يستدل به من حمل قوله "لا صلاة " في الحديث المتقدم على نفي الكمال لأن إثبات النقص المراد به نفي الكمال.
١٩٧ - قوله ﷺ : "إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبّر ثم اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا" الحديث (ص ٢٩٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: قوله: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن"
стр. 389
تعلق به أصحاب أبي حنيفة في أن القراءة لا تتعين ولا تجب قراءة أم القرآن بعينها لأنه ﷺ أحاله على ما تيسر. وظاهر هذا. إسقاط تعيين قراءة أم القرآن. ومن أوجب قراءتها يرى هذه الإِحالة إنما وقعت على ما زاد على أم القرآن فإن ذلك لا يتعين إجماعاً. ويستدل على ذلك بالأحاديث الدالة على وجوب قراءة أم القرآن.
وأما أمره بالطمأنينة في الركوع والسجود فعندنا قولان في ذلك: أحدهما: نفي إيجاب الطمأنينة تعلقاً بقوله "اركعوا واسجدوا" ولم يأمر بزيادة على ما يسمى ركوعاً وسجوداً.
والثانى: إيجابها تعلقاً بهذا الحديث، وقد خرج مخرج التعليم فوجب
إثبات الوجوب لكل ما ورد فيه إلا ما خرج بدليل.
١٩٨ - (٢٥) - قوله ﷺ : "قَد عَرَفْتُ (٢٦) أنَّ بعْضكُمْ خَالَجَنِيهَا" (ص ٢٩٨).
معناه: نازعني القرآن، كأنّه ينزع ذلك من لسانه، وهو مثل حديثه ﷺ "ما لي أنازَعُ القُرْآن".
١٩٩ - (٢٧) - قول أنس: "صلّيْت مع النبيء ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلَمْ أرَ مِنْهُمْ أحَدًا يَقْرأُ بِسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم" (ص ٢٩٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: تعلق أصحابنا بهذا في أن: بسم الله الرحمن الرحيم، ليست من أم القرآن خلافاً للشافعي في قوله: "إنّهَا آية من أم
стр. 390
القرآن". والإِجماع على أنها بعض آية من سورة النمل قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢٨). وقد أشبع القاضي في كتاب الانتصار الرد على من قال: إنها من أم القرآن في غير هذا الموضع وبسط من ذلك ما فيه كفاية، وإنما غرضنا هاهنا الكلام على ما يتعلق بالحديث.
٢٠٠ - قوله: "فَأزَمّ القومُ" (ص ٣٠٣).
أي سكتوا ولم يجيبوا. يقال: أزمّ القوم فهم مُزمُّون. ويروى "فَأزَم" ومعناه يرجع إلى الأول وهو الإِمساك عن الكلام أيضاً. ومنه سميت الحِمْية أزْمًا.
وقوله: "لقد خشيت أن تبْكَعَنِي" أي تستقبلني بها. يقال: بكعت الرجل بكعا، إذا استقبلتَه بما يكره (٢٩)، وهو نحو التبكيت.
٢٠١ - (٣٠) - قال الشيخ ﵀: وقع في باب الصلاة على النبيء ﷺ حديث مقطوع الإِسناد وهو الثاني من الأحاديث الأربعة عشر التي تقدم ذكرها على الجملة. قال: مسلم: "حدثنا صاحب لنا قال حدثنا إسماعيل عن الأعمش" وذكر حديث كعب بن عجزة "ألا أهدي إليك هدية". هكذا في نسخة ابن ماهان في رواية الجلودي عن إبراهيم عن مسلم حدثنا محمد بن بكار حدثنا إسماعيل بن زكرياء عن الأعمش هكذا سَمَّاه وجوّده" (ص ٣٠٦).
٢٠٢ - (٣١) - قوله: "لمَّا صَلَّوْا بِصَلَاتِهِ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ وَهُمْ قِيَامٌ فَأشَارَ إلَيْهم ﵇ أنِ اجْلِسُوا" الحديث (ص ٣٠٩).