١٩٣ - (١٧) - قوله في حديث أبي هريرة: "كان رسول الله ﷺ يقول: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَه، فِي الرَّفْعِ حينَ يَرْفَعُ صلْبَه ثمّ يقول: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْد" (ص ٢٩٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: إن كان أراد صلاة كان فيها ﷺ إماماً فذلك حجة للقول الشاذ عن مالك أنه كان يرى أن الإِمام يقول اللفظتين جميعاً: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. والمشهور عنه أنه يقتصر على قوله: سمع الله لمن حمده، وحجته على ذلك قوله ﷺ : "فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا ولك الحمد (١٨) ولم يذكر: ربّنا ولك الحمد، للإِمام. وفي هذا التعلق نظر لأن القصد بالحديث تعليم المأموم ما يقوله. ومحل (١٩) قوله له، ولا يعتمد على إسقاط ذكر ما يقول الإِمام بذلك لأنه ليس هو الغرض بالحديث. وعلى هذه الطريقة جرى الأمر في اختلاف قول مالك في الإِمام: هل يقول: آمين في صلاة الجهر؟ فقال في أحد قوليه: لا يقولها، لأنه قال ﷺ "إذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين (٢٠)، ولم يذكر أن الإِمام يؤمّن". وقال في القول الآخر: بل يؤمن، لقول ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين، ولحديث آخر، وفي التعلق أيضاً بقوله: إذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، من التعقب ما قدمناه. وإنما قدمنا الكلام على حديث التأمين لارتباطه بما كنا فيه.
١٩٤ - قال الشيخ: خرج مسلم في باب استفتاح القراءة بالحمد لله: "حدثنا ابن مهران عن الوليد عن الأوزاعي عن عبدة أن عمر بن الخطاب ﵁ كمان يجهر بهؤلاء الكلمات: سُبْحَانَكَ اللهم" (ص ٢٩٩).
стр. 387
قال بعضهم: هكذا أتى إسناده: (عن) (٢١) عبدة أن عمر، مرسلاً. وفي نسخة ابن الحذاء: عن عبدة أن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو وهم. والصواب: أن عمر. وكذلك في نسخة أبي، زكرياء الأشعري عن ابن ماهان. وكذلك روي عن الجلودي. ثم ذكر مسلم بعد هذا حديثا عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس قال: "صليت خلف النبيء ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" (٢٩٩). وهذا هو المقصود في الباب وهو حديث متصل.
١٩٥ - (٢٢) - قوله ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" (ص ٢٩٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في اشتراط قراءة أم القرآن في صحة الصلاة. والمشهور عندنا اشتراط قراءتها في جل الصلاة، وأما اشتراط ذلك في كل ركعة ففيه قولان مشهوران. وقوله ﷺ "لَا صَلَاة" اختلف أهل الأصول في مثل هذا اللفظ إذا وقع في الشرع على ماذا يحمل؟ فقال بعضهم: يلحق بالمجملات لأن نصه يقتضي نفي الذات، ومعلوم ثبوتها حسا فقد صار المراد مجهولاً. وهذا الذي قالوه خطأ لأن المعلوم من عادة العرب أنها لا تضع هذا (٢٣) لنفي الذات وإنما تورده مبالغة فتذكر ليحصل لها ما أرادت من المبالغة، وقال آخر (٢٤): بل يحمل على نفي الذات وسائر أحكامها، وتخص الذات بالدليل على أن الرسول لا يكذب. وقال آخرون: لم تقصد العرب قط إلى نفي الذات ولكن لنفي أحكامها.
стр. 388
ومن أحكامها الكمال والإِجزاء في هذا الحديث، فيحمل اللفظ على العموم فيهما. وأنكر هذا بعض المحققين لأن العموم لا يصح دعواه فيما يتنافى. ولا شك أن نفي الكمال يشعر بحصول الإِجزاء. فإذا قدروا الإِجزاء منتفيا بحق العموم قدّر ثابتاً بحق إشعار نفي الكمال بثبوته، وهذا يتناقض، وما يتناقض لا يحمل الكلام عليه وصار المحققون إلى التوقف بين نفي الإِجزاء ونفي الكمال، وادعوا الاحتمال من هذه الجهة لا مما قال الأولون، فعلى هذه المذاهب يُخرّج قوله ﷺ "لا صلاة ... " الحديث.
١٩٦ - وقوله ﷺ : "من صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأ فِيهَا بِأمّ القُرْآنِ فَهْيَ خِدَاجٌ" (ص ٢٩٦).
قال الهروي وغيره: الخداج: النقصان، يقال: خدجت الناقة، إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق. وأخدجته: إذا ولدته ناقص الخلق وإن كان لتمام الحمل. ومنه قيل لذي الثدية: مُخْدَج اليد، أي ناقصها.
قال أبو بكر قوله: فهي خداج أي ذات خداج، فحذف ذات وأقيم الخداج مقامه على مذهبهم في الاختصار. ويجوز أن يكون المعنى فيه مخدجة، أي ناقصة فأحل المصدر محل الفعل كما قالوا: عبد الله إقبال وإدبار، وهم يريدون: مقبل ومدبر.
قال الشيخ -وفقه الله-: إذا ثبت أن المراد بقوله: "خداج" أي ناقصة فقد يستدل به من حمل قوله "لا صلاة " في الحديث المتقدم على نفي الكمال لأن إثبات النقص المراد به نفي الكمال.
١٩٧ - قوله ﷺ : "إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبّر ثم اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا" الحديث (ص ٢٩٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: قوله: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن"
стр. 389
تعلق به أصحاب أبي حنيفة في أن القراءة لا تتعين ولا تجب قراءة أم القرآن بعينها لأنه ﷺ أحاله على ما تيسر. وظاهر هذا. إسقاط تعيين قراءة أم القرآن. ومن أوجب قراءتها يرى هذه الإِحالة إنما وقعت على ما زاد على أم القرآن فإن ذلك لا يتعين إجماعاً. ويستدل على ذلك بالأحاديث الدالة على وجوب قراءة أم القرآن.
وأما أمره بالطمأنينة في الركوع والسجود فعندنا قولان في ذلك: أحدهما: نفي إيجاب الطمأنينة تعلقاً بقوله "اركعوا واسجدوا" ولم يأمر بزيادة على ما يسمى ركوعاً وسجوداً.
والثانى: إيجابها تعلقاً بهذا الحديث، وقد خرج مخرج التعليم فوجب
إثبات الوجوب لكل ما ورد فيه إلا ما خرج بدليل.
١٩٨ - (٢٥) - قوله ﷺ : "قَد عَرَفْتُ (٢٦) أنَّ بعْضكُمْ خَالَجَنِيهَا" (ص ٢٩٨).
معناه: نازعني القرآن، كأنّه ينزع ذلك من لسانه، وهو مثل حديثه ﷺ "ما لي أنازَعُ القُرْآن".
١٩٩ - (٢٧) - قول أنس: "صلّيْت مع النبيء ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلَمْ أرَ مِنْهُمْ أحَدًا يَقْرأُ بِسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم" (ص ٢٩٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: تعلق أصحابنا بهذا في أن: بسم الله الرحمن الرحيم، ليست من أم القرآن خلافاً للشافعي في قوله: "إنّهَا آية من أم
стр. 390
القرآن". والإِجماع على أنها بعض آية من سورة النمل قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢٨). وقد أشبع القاضي في كتاب الانتصار الرد على من قال: إنها من أم القرآن في غير هذا الموضع وبسط من ذلك ما فيه كفاية، وإنما غرضنا هاهنا الكلام على ما يتعلق بالحديث.
٢٠٠ - قوله: "فَأزَمّ القومُ" (ص ٣٠٣).
أي سكتوا ولم يجيبوا. يقال: أزمّ القوم فهم مُزمُّون. ويروى "فَأزَم" ومعناه يرجع إلى الأول وهو الإِمساك عن الكلام أيضاً. ومنه سميت الحِمْية أزْمًا.
وقوله: "لقد خشيت أن تبْكَعَنِي" أي تستقبلني بها. يقال: بكعت الرجل بكعا، إذا استقبلتَه بما يكره (٢٩)، وهو نحو التبكيت.
٢٠١ - (٣٠) - قال الشيخ ﵀: وقع في باب الصلاة على النبيء ﷺ حديث مقطوع الإِسناد وهو الثاني من الأحاديث الأربعة عشر التي تقدم ذكرها على الجملة. قال: مسلم: "حدثنا صاحب لنا قال حدثنا إسماعيل عن الأعمش" وذكر حديث كعب بن عجزة "ألا أهدي إليك هدية". هكذا في نسخة ابن ماهان في رواية الجلودي عن إبراهيم عن مسلم حدثنا محمد بن بكار حدثنا إسماعيل بن زكرياء عن الأعمش هكذا سَمَّاه وجوّده" (ص ٣٠٦).
٢٠٢ - (٣١) - قوله: "لمَّا صَلَّوْا بِصَلَاتِهِ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ وَهُمْ قِيَامٌ فَأشَارَ إلَيْهم ﵇ أنِ اجْلِسُوا" الحديث (ص ٣٠٩).
стр. 391
قال الشيخ -وفقه الله-: تعلق بعض الناس بهذا الحديث ورأى أن الإِمام إذا صلّى جالساً لعذر أن من ائتم به يجلس لجلوسه. وأكثر الفقهاء على خلاف هذا وأنهم لا يجلسون ولا يسقطون فرض القيام مع قدرتهم عليه لفرض الموافقة للإِمام. وعندنا قولان في صحة إمامة الجالس لعذر بالقيام:
أحدهما: إجازة ذلك تعلقاً بإمامة النبيء ﷺ الناس في مرضه الذي مات فيه على أحد التأويلين أنه الإِمام دون الصديق.
والثاني: منع ذلك تعلقاً بقوله ﷺ "لَا يَؤُمَنَّ أحَدٌ بعدي جالساً".
٢٠٣ - قال الشيخ: وخرج مسلم في حديث "خُرُوج النَّبيء ﷺ في مَرَضهِ بين رجلين" في نسخة الجلودي والكسائي "بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر". ووقع في نسخة ابن ماهان "بين الفضل بن عباس ورجل آخر" جعل الفضل مكان عباس. وهكذا قال: "عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله عن عائشة قالت: فخرج ويده على الفضل بن عباس ويد على رجل آخر" (ص ٣١٢).
٢٠٤ - (٣٢) - وقوله: "اشْتَكَى رَسُولُ الله ﷺ فَصَلَّيْنَا وَرَاءهُ وَهْوَ قَاعِدٌ وَأبُو بكر يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ" وَفِي طريق آخر: "صَلَّى لَنَا رسول الله ﷺ وَأبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإذَا كَبَّرَ رسول الله ﷺ كَبَّرَ أبُو بكر ليُسْمِعَنَا" (ص ٣٠٩).
قال الشيخ -أيده الله-: اختلف الناس: هل كان النبيء ﷺ هو الإِمام في هذه الصلاة. وفائدة الخلاف جواز إمامة الجالس بالقائم. وقد تقدم الخلاف فيه ووجهه.
وقوله "وأبو بكر يسمع الناس" فيه حجة لقول من أجاز الصلاة بالمسمع.
стр. 392
وقد اختلف في ذلك شيوخنا فقال بعضهم: لا تصح الصلاة بالمسمع لأن المقتدي به اقتدى بغير الإِمام، وقال بعضهم: بل تصح لأن المسمع عَلَمٌ على الإِمام فكان مقتديا بالإِمام، وقال بعضهم: إن أذِن الإِمام للمسمِّع في الإِسماع صح الاقتداء به لأنه يصير حينئذ من اقتدى به اقتدى بالإِمام لما كان على إذنه. وحديث أبي بكر ﵁ الذي ذكرناه في الطريقين جميعاً حجةٌ لمن أجاز.
٢٠٥ - وقد ذكر مسلم بعد هذا أنه ﷺ قال في حديث آخر لأصحابه: "تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي وَليَأتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكمْ" الحديث (ص ٣٢٥).
فأجاز الائتمام بمن ائتم به، ولا فرق بين الاقتداء بالفاعل أو القائل. وقد بوب النسائي على هذا الحديث: الائتمام بمن ائْتَمَّ بالإِمام، كما بوب البخاري أيضاً على الحديث الذي قدمناه: باب من أسمع الناس تكبيرة الإِحرام.
٢٠٦ - وأما قوله ﷺ : "إنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ" (ص ٣١٨).
فقيل معناه: إنه أراد ﷺ ذمّ التصفيق في الصلاة، لأنه من فعل النساء في غير الصلاة. وقيل: بل معناه تخصيص النساء بالتصفيق في الصلاة وإِن ذلك يجوز لهن لا لكم.
٢٠٧ - وأمّا قوْلُهَا: "إنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُل أسِيفٌ" (ص ٣١٤).
فقال الهروي وغيره: تعنى سريع الحزن والبكاء وهو الأسوف أيضاً، والأسيف في غيرها العَبْد، وأما الأسِف فهو الغضبان ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (٣٣).
стр. 393
٢٠٨ - (٣٤) وقوله ﷺ : "إنِّي لأرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي" (ص ٣١٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: قال بعض المتكلمين: يمكن أن يكون خلق الباري إدراكاً في قفاه ﷺ أبصر به من وراءه وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكثر من هذا فلا يستنكر هذا، وإنما يستنكر هذا المعتزلة لأنها تشترط في خلق الإِدراك بنية مخصوصة. والرد عليهم مستقصى في كتاب علم الكلام (٣٥).
٢٠٩ - خرج مسلم في "باب القراءة في صلاة الصبح: نَا هَارُون نَا حجاج عن ابْنِ جُرَيْجٍ وحَدَّثَنَا ابن رَافع نَا عَبْدُ الرَّزاق أن ابن جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ محمد بن عَبَّاد قَالَ أخبرني أبو سَلَمَة وَعَبْدُ الله بن عَمْرِو بن العَاصِ" هكذا في إسناده من حديث حجاج عن ابن جريج قال فيه "عبد الله بن عمرو ابن العاص" (ص ٣٣٦).
وفي حديث "عبد الرزاق عن ابن جريج (٣٦) وابن عمرو" لم يقل: ابن العاصي قال بعضهم: وهو الصواب.
وعبد الله بن عمرو المذكور في هذا الإِسناد ليس بابن العاصي إنما هو رجل من أهل الحجاز روى عنه محمد بن عباد.
٢١٠ - قول ابن مسعود ﵁: "إيِّاكُمْ وهَيْشَاتِ الأسْواقِ" (ص ٣٢٣).
стр. 394
قال أبو عبيد: وَهَوْشَات. والهوشة: الفتنة والهَيْج والاختلاط. يقال: تَهوش القوم إذا اختلطوا. ومن قريب من هذا المعنى ما وقع في خبر آخر: "مَنْ أصَابَ (٣٧) مَالاً مِن مَهَاوِش". قال أبو عبيد: هو كل مال [أخذ] من غير حله، وهو شبيه بما ذكرنا من الهوشات. وقال بعض أهل العلم: الصواب: "من جمع مالاً من تهاوش" بالتاء أي من تخاليط.
[فصل النداء والصف الأول] (٣٨)
٢١١ - قوله ﷺ : "لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ والصَفِّ الأوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" (ص ٣٢٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: في هذا الحديث إثبات القرعة مع تساوي الحقوق، وأما تشاحهم في الصف الأول فبيّن وجههُ إذ قد لا يحْملهم أجمعين. وأما تشاحهم في النداء مع جواز أذان الجماعة في زمن واحد، فيمكن أن يكون أراد (٣٩) أن يؤذن واحد بعد واحد لئلا يُخفي بعضهم صوت بعض وتشاحّوا في التقدمة فكانت القرعة.
٢١٢ - قول ابن عمر (٤٠): "لَا تَدعْهُنَّ يَخْرُجْنَ يَتَّخِذْنَهُ دَغَلاً" (ص ٣٢٧).
قال الشيخ: ذكر الهروي قوله في حديث آخر: "اتخذوا دين الله دغلا" أي يخدعون الناس. وأصل الدغل الشجر الملتف الذي يكمن فيه أهل الفساد.
стр. 395
وقال الليث: معنى (٤١) ادغلوا في التفسير. يقال: أدغلت في هذا الأمر، إذا أدخلت فيه ما يخالفه. قال: وإذا دخل الرجل مدخلاً مريباً (٤٢) قيل: دغل فيه.
وقوله: "فزبره ابن عمر" معناه: انتهره. قال صاحب الأفعال: زبرت الكتاب كتبته، والشيء قطعته، والرجل انتهرته، والبِئر طويتها بالحجارة.
٢١٣ - (٤٣) - قوله: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٤٤) (ص ٣٢٩).
قال الشيخ ﵀: قيل معناه: أي بقراءتك سمى القراءة صلاة كما سمى الصلاة قرآنا في قوله : ﴿وقرآنَ الفَجْر﴾ (٤٥). وقالت عائشة ﵂ في كتاب مسلم: "أنزلت هذه في الدعاء" (٤٦).
٢١٤ - قوله ﷺ : "عَامِدينَ إلَى سُوقِ عُكَاظٍ" الحديث (ص ٣٣١).
قال الشيخ -وفقه الله-: ظاهر الحديث أنهم آمنوا عند سماع القرآن ولا بد لمن آمن عند سماعه أن يعلم حقيقة الإِعجاز وشرائط المعجزة وبعد ذلك يقع له العلم بصدق الرسول ﷺ ، فإما أن يكون الجن علموا ذلك أو علموا من كتب الرسل المتقدمة ما دلّهم على أنه هو النبي الصادق المبشَّر به.
стр. 396
٢١٥ - (٤٧) - قال الشيخ: خرج مسلم في هذا الباب: "حدثنا قتيبة ابن سعيد وأبو الربيع الزهراني قال أبو الربيع نا حماد، نا أيوب عن عمرو ابن دينار عن جابر قال: كان معاذ يصلي مع النبيء ﷺ العشاء ثم يأتي مسجد قومه" الحديث (٤٨) (ص ٣٤٠).
قال بعضهم: قال أبو مسعود الدمشقي: قتيبة يقول في حديثه: عن حماد عن عمرو ولا يذكر أيوب ولم يبينه مسلم.
وقوله: "كان معاذ يصلي مع النبيء ﷺ العشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة" (ص ٣٤٠).
قال الشيخ: اختلف الناس في صحة صلاة المفترض وراء المتنفل واحتج من أجازها بحديث معاذ هذا "أنه كان يصلي بقومه بعد صلاته مع النبيء ﷺ ". ومن منع جواز صلاة المفترض وراء المتنفل يقول: "يحتمل أن يكون النبيء ﷺ لم يعلم فعلَ معاذ هذا ولو علمه لأنكره". ويحتمل أن يكون اعتقد في صلاته خلف النبيء ﷺ التنفل وصلى بقومه واعتقد أنه فرضه فلا يكون في فعله حجة مع الاحتمال، ووقع في بعض طرقه: "أن الرجل لما شكاه إلى النبيء ﷺ قال له: "إن معاذا صلى معك العشاء ثم أتانا فافتتح بسورة البقرة" وهذه الزيادة تنفي قول من قال: إن النبيء ﷺ لم يعلم بفعل معاذ لأنه هاهنا أعلم به ولم ينقل أنه أنكره. والظاهر أنه لو كان لنقل.
٢١٦ - وأما قطع الرجل الصلاة لإطالة الإِمام فإن الإِمام إذا أطال حتى خرج عن العادة وتعدى في الإِطالة وخشى المأموم تلف بعض ماله إن أتم
стр. 397
معه الصلاة، أو فوت غرض يلحقه منه ضرر شديدٌ أشد من المال، فإنه قد يسوغ له الخروج من إمامته لأنه قد جاء من الإِمام خلاف ما دخل معه عليه. وهذا موضع الاجتهاد ولعل الرجل تأول في القطع هذا (ص ٣٤٠).
٢١٧ - وأما ما ورد في كتاب مسلم من أحاديث إطالته ﵇ في بعض الصلوات (ص ٣٣٥).
فإنه قد ورد ما يعارضه وهو قوله ﷺ : "إن منكم منفِّرين فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة" (ص ٣٤٠).
وهذا أمر منه ﷺ بالتخفيف، وإشارة للتعليل فيبعد تطرق الاحتمال إليه. وما نقل من أفعاله التي ظاهرها الإِطالة فقد يحمل على أنه كان ذلك في بعض الأوقات ليبين للناس جواز الإِطالة أو على أنه ﷺ علم من حال من وراءه في تلك الصلوات أنهم لا يشق عليهم ذلك وأوحي إليه أنه لا يدخل عليه من [تشق عليه الإِطالة] (٤٩).
٢١٨ - (٥٠) - قوله: كان رسول الله ﷺ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيّ وَهْوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَقْرَأ بِالسُّورَةِ الخَفِيفَةِ أوْ بِالسّورة القَصِيرة" وفي بعض طرقه: "إنِّي لأدخل الصّلاة أُرِيدُ إطالتَهَا فَأسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبّي فَأخَفِّف لما أعلم مِن شِدَّةِ وَجْدِ أمّه بِهِ" (ص ٣٤٢ - ٣٤٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: قال بعض الناس: في هذا الحديث إشارة إلى صحة أحد القولين عندنا فيمن افتتح الصلاة النافلة قائما وأراد أن يجلس فيها لأن الإِطالة كما رجع عنها ولم تكن إرادته لها تُوجِبُهَا عليه فكذلك إرادة هذا القيام لا يوجبه عليه.
стр. 398
٢١٩ - (٥١) - قول عائشة ﵂: "فَقَدْتُ رَسول الله ﷺ لَيْلَةً فِي الفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي على بعضِ قَدَمِه وَهْوَ فِي السُّجُودِ" الحديث (ص ٣٥٢).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في لمس النساء: هل ينقض الوضوء؟ فقال بعضهم: لا ينقضه أصلاً، وحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٥٢) على معنى: جامعتم النساء. قال: وفي القراءة الأخرى: ﴿أو لامستم﴾ (٥٣). وهذا يؤكد ما قلناه لأن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين غالباً: وقال آخرون: يُنقض الوضوء، وحملوا قوله تعالى على مس اليد. واختلف هؤلاء: هل ينقض اللمس الوضوء على الإطلاق؟. فقال الشافعي: ينقضه على الإِطلاق تعلقاً بعموم الآية. وقال مالك وأبو حنيفة: لا ينقضه إلا مقيدا. واختلف هؤلاء أيضاً في التقييد ما هو؟ فقال مالك: حصول اللذة. وقال أبو حنيفة: حصول الانتشار. وردَّ هؤلاء على الشافعي بحديث عائشة ﵂ هذا ولم يُذكر فيه أنه ﷺ قطع صلاته لانتقاض وضوئه بمسها. وينفصل الشافعي عن هذا بأن يقول: يحتمل أن يكون مسَّتْه من فوق حائل ولهذا لم يقطع صلاته ﷺ .
٢٢٠ - (٥٤) - قوله: "كَانَ ﵇ إذَا قَعَدَ اطْمَأنَّ عَلَى فَخِذِهِ اليُسْرَى" (ص ٣٥٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في هيئة الجلوس في التشهدين. فقال أبو حنيفة: يجلس على قدمه اليسرى فيهما. وقال
стр. 399
مالك: يثنِي اليسرى وينصب اليمنى. ووافقه الشافعي على هذا في الجلسة الأخيرة، ووافق أبا حنيفة في الجلسة الأولى. قال أصحاب الشافعي: في التفريق فائدتان:
إحداهما: أن الإِمام يتذكر بهيئة جلسته هل هو في الأولى أو في الآخرة ويرجع لذلك إذا نسي.
والثانية: أن يكون من دخل وهو جالس يعلم هل انقضت صلاته أم لا.
٢٢١ - (٥٥) - قوله ﷺ : "سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَاب" (٥٦) (ص ٣٥٥).
قال الهروي وغيره: الآراب الأعضاء، واحدها إرب.
قال الشيخ -وفقه الله-: ذكر في هذا الحديث السجود على الجبهة والأنف. وقد اختلف المذهب عندنا في الاقتصار على أحدهما، فالمشهور في الاقتصار على الجبهة إجزاء الصلاة، وفي الاقتصار على الأنف أنها لا تجزي.
٢٢٢ - (٥٧) - قوله ﷺ : "تَقْطَعُ الصَّلَاةَ المَرْأةُ وَالحِمَارُ وَالكَلْبُ" الحديث (ص ٣٦٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في مرور هؤلاء بين يدي المصلي. فقال مالك وأكثر الفقهاء: لا يقطعون الصلاة. فإن قيل: إن كان هذا تعلقا بظاهر، فيه أنه لا يقطع الصلاة بشيء ولم يستثن منه، فهذا مقيد يجب أن يقضى به على المطلق. قيل: ورد ما يعارض هذا التقييد وهو
стр. 400
حديث عائشة ﵂ في اعتراضها بين يدي النبيء ﷺ . وهذا يعارض استثناء المرأة في الحديث الأول. وقال ابن حنبل: يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي قلبي عن الحمار والمرأة شيء. ووجه قوله هذا ما وقع في التقييد بالأسود في بعض طرق مسلم ولم يوجد ما يعارض هذا ووجد التعارض عنده فيما سواه فأشكل عليه.
٢٢٣ - (٥٨) - قوله: "لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" (ص ٣٥٧).
قال أبو عبيد في مصنفه. البهمة من أولاد الغنم. يقال ذلك للذكر والأنثى وجمعها بَهْمٌ. قال ابن خالويه: وجمع البَهم بِهَامٌ.
٢٢٤ - وقوله: "نَاهَزْتُ الاحْتلَامَ" معناه قاربته (ص ٣٦١).
[الكلام في التيمم] (٥٩)
٢٢٥ - قوله ﷺ : "فُضّلْتُ عَلَى الأنْبِيَاءِ بِسِتٍّ" الحديث. وفيه "وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ طهورًا ومسجدًا" (ص ٣٧١).
قال الشيخ: قد تقدم قولنا: إن مالكا يحتج بجواز التيمم على ما سوى الترابِ من الأرض بهذا الحديث، وَإنَّ الشافعى احتج بالحديث الثاني الذي فيه "وترابها طهورا" ورأى أنه مفسر للأول.
وقوله "مسجدا"، قيل: إن من كان قبله إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة كالبِيَع والكنائس.
стр. 401
وقول ﷺ : "وأُحِلَّتْ لِي الغَنَائمُ" هو من خصائصه ﷺ ، وكان من قبله لا تحل لهم الغنائم بل كانت تجمع ثم تأتي نار من السماء فتأكلها.
٢٢٦ - قوله ﷺ : "يَا بَنِي النَّجَار ثَامِنُونِي بحَائِطِكُم". وذكر في هذا الحديث: "أنّه كان في حائط بني النجار قُبُورُ المُشْرِكين". وقال فيه "إنها نُبشَتْ" (ص ٣٧٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: قيل يؤخذ من هذا أنّ المشتري يبدأ بذكر الثمن، وفي هذا نظر لأنه لم ينص ﷺ عن ثمن مقدر بذله في الحائط وإنما ذكر الثمن مجملاً، فإن كان أراد القائل إن فيه التبدية بذكر الثمن مقدرا فليس كما قال لما بيناه (٦٠).
وأما نبش القبور وإزالة الموتى فيمكن أن يكون لعلة أن أصحاب الحائط لم يملكوهم تلك البقعة على التأبيد، أو لعله تَحْبيس وقع منهم في حالة الكفر والكافر لا تلزمه القرب كما قالوا: إذا أعتق عبدا وهما كافران له أن يرده في الرق، قبل إسلامهما ما لم يخرج العبد من يده ولم يقدّر أن أيدي أصحاب الحائط زالت عن القبور لأجل من دفن فيها.
٢٢٧ - قوله في حديث تَحْوِيل القِبْلة: "فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَمَرَّ بِنَاسٍ من الأنْصَارِ وهُمْ يُصَلُّونَ فَحَدَّثَهُمْ بالحديث فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ البَيْتِ" (ص ٣٧٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف أهل الأصول في النسخ إذ ورد: متى يتحقق حكمه على المكلف [هل من حين وروده على الرسول ﷺ أو حين
стр. 402
بلوغ المكلف؟] (٦١). ويحتج لأحد القولين بهذا الحديث لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة (٦٢) وهم في الصلاة ولم يعيدوا ما مضى. وهذا دليل على أن الحكم إنما يستقر بالبلوغ، فإن قيل: كيف استداروا إلى القبلة عند خبره والنسخ في هذا لا يكون بخبر [الواحد قيل] (٦٣) فقد قالوا: إن النسخ بخبر الواحد كان جائزا في زمن رسول الله ﷺ وإنما منع ذلك بعده ﷺ . وقيل: إنما تلا عليهم الآيات التي فيها ذكر النسخ فتحولوا عند سماع القرآن فلم يقع النسخ بخبره وإنما وقع النسخ عندهم بما سمعوه من القرآن.
قال الشيخ: وقد ردُّوا إلى مسألة النسخ المتقدمة مسألة الخلاف في الوكيل إذا تصرف بعد العزلة (٦٤) ولم يعلم، فقالوا على القول بأن حكم النسخ لازم حين الورود ينبغي أن لا تمضي أفعاله بعد العزلة وإن لم يبلغه ذلك، وعلى القول الثاني تكون أفعاله ماضية ما لم تبلغه العزلة.
٢٢٨ - (٦٥) - قوله ﷺ : "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا من أمَّتِي خَلِيلاً لاتّخذتُ أبَا بَكْرٍ خَلِيلاً" (ص ٣٧٧)
قال ابن النحاس: الخليل المختص بشيء دون غيره، ولا يجوز أن يختص رسول الله ﷺ أحدا بشيء من أمر الديانة دون غيره قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية (٦٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: وقيل إن الخليل اشتق من الخَلّة (مفتوحة الخاء) وهي الحاجة. وقيل: من الخُلّة (بضم الخاء) وهي تخلل المودة
стр. 403
في القلب. وقيل في الخُلّة (ضم الخاء أيضاً) وهو نَبْت تَسْتَحْلِيه الإِبْل. قال ابن قتيبة وغيره: الحَمْض: ما ملح من النبت، والخلة ما حَلَا من النبت. تقول العرب: الخلة خبز الإِبل والحَمْض فَاكِهَتُهَا.
٢٢٩ - قول ابن مسعود ﵀: "سَيَكُون عليكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنِ مِيقَاتِهَا ويَخْنُقُونَهَا إلَى شَرَقِ المَوْتَى" (ص ٣٧٨).
قال أبو عبيد: سئل الحسن ابن محمد بن الحنفية عن هذا الحديث، فقال: ألم ترى إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان وصارت بين القول كأنها لجّة فكذلك شرق الموتى، وقال الهروي في تفسير قوله ﷺ حين ذكر الدنيا: إن ما بقي منها كشرق الموتى. قال ابن الأعرابي: له معنيان: أحدهما أن الشمس في ذلك الوقت إنما تثبت ساعة ثم تغيب فشبه ما بقي من الدنيا ببقاء الشمس تلك الساعة.
والثاني: شرق الميت بريقه، فشبه قلة ما بقي من الدنيا ما بقي من حياة الشرِق بريقه حتى تخرج نفسُهُ.
في الحديث: "إن علقمةَ والأسودَ دخلا على عَبْد الله فَجَعَل أحَدُهُما عن يمينه والآخر عن شماله"، وفي آخره: "فَلَمَّا صلّى قال: هكذَا فعل رسول الله ﷺ ".
قال الشيخ -وفقه الله-: إذا كان مع الإِمام ثلاث رجال قاموا وراءه بلا خلاف وإن كان واحدٌ قام عن يمينه. واختلف إذا كانا اثنين فذهب ابن مسعود إلى ما ذكر في هذا الحديث، والفقهاء سواه يرون أن يقوما وراء الإِمام.
٢٣٠ - قوله (٦٧): "إن ابن عباس قال في الإِقعاء: هِيَ سُنَّةُ النبيء ﷺ " (ص ٣٨٠).
стр. 404
قال الشيخ: لعل ابن عباس لم يعلم ما ورد من الأحاديث الناسخة التي فيها النهي عن الإِقعاء.
قال الهروي في تفسيره: نهى أن يُقْعِي الرجل في الصلاة. قال أبو عبيد: هو أن يُلْصِق الرجُل أليتَه بالأرض وينصِبَ ساقيه ويضع يده بالأرض كما يُقْعِي الكلب، قال وتفسير الفقهاء: أن يضع ألْيَتَه على عقبيه بين السجدتين، والقول هو الأول.
وقد روى عن النبيء ﷺ : "أنّه كان [يصلي] (٦٨) مقعيا". قَالَ ابْنُ شُمَيْل: الإِقعاء هو أن يجلس على وركيه وهو الاحتفازُ والاستيفاز.
قال الشيخ: حكى الثعالبي في أشكال الجلوس عن الأيمة: أن الإِنسان إذا ألصق عَقبيه بأليتيه قيل: أقعى، وإذا استوفز في جلوسه كأنه يريد أن يثور للقيام قيل: احتفز واقعنفز، أو قعد القعْفَزَي (٦٩) فإذا ألصق إليته بالأرض وتوسد ساقيه قيل: قرطس.
٢٣١ - في الحديث: "عَطَسَ رَجُلٌ فقلتُ: يَرْحَمُكَ الله قال: فرماني القَوْم بأبْصَارِهم" الحديث. وذكر فيه أنه ﷺ قال له: "إنّ هذه الصلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَام النَّاس" (ص ٣٨١).
قال الشيخ -وفقه الله- إن قيل وجه إنكارهم عليه وقوله "يرحمك الله" دُعاء، والدعاء للغير جائز عندكم في الصلاة. قيل: يحتمل أن يكون إنكارهم عليه لأنه قصد مخاطبة الغير بذلك فكان كالمتكلم. وقد قال ابن شعبان من أصحابنا: إذا قال في صلاته "اللهم افعل بفلان" جاز، وإن قال "يا فلان فعل الله بك" كالكلام. وهذا نحو ما ذكرنا من أنه بالقصد يخرج إلى الكلام.
стр. 405
وقد اختلف عندنا على قولين في المصلى إذا تَعَايا من لبس معه في صلاة في قراءته فردّ المصلي عليه هل تفسد بذالك صلاته؟ فجعله في أحد القولين بِرَدّه عليه كالمتكلم، وإن كان إنما قرأ قرآنا.
قال الشيخ -وفقه الله-: ولم يذكر في الحديث أمره بإعادة الصلاة لما وقع ذلك منه على جهة الجهل. وهذا حجة على المخالف في قوله: إن المتكلم ناسيا في الصلاة تفسد صلاته، لأنه إذا لما تفسد في الجهل فأحرى أن لا تفسد في النسيان.
قوله في هذا الحديث: "والله مَا كَهَرَنِي".
قال أبو عبيد وغيره: الكهْر الانتهار، وفي قراءة عبد الله: "فَأمَّا اليَتِيمَ فَلَا تكْهَرْ" (٧٠).
وفيه أيضاً: "إنّ منّا رِجَالاً يأْتُون الكُهَّانَ. قال: فلا تأتيهم".
قال الشيخ -وفقه الله-: نهاهم ﷺ عن إتيان الكهان لأنهم يجرّهم ذلك إلى تغيير الشرائع ثم يُلَبِّسون عليهم، والكاهن يُخْبِر عن غيب عن طريق غير موثوق به.
ومعنى قوله لما قال: "ومنّا رجال يتطيّرون" ذلك شَيْءّ يجدونه في صدورهم، أي يجدون ذلك ضرورة فلا ملام عليهم فيه ولكن إنما يكون اللوم على توقفهم عن إمضاء حوائجهم لأجل ذلك وهو المكْتسب فنهاهم أن يصدهم ذلك عَمَّا أرادوا فعله.
وقوله فيه: "كَانَ نَبِيءٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ يَخُطُّ فمن وافق خَطَّهُ فذالك".
أي من أصاب ذلك فقد أصاب. وقيل: إنّما ذلك على جهة الإِبعاد لمن يسلك هذا فكأنه يقول: وكيف لكم موافقة خطه؟
стр. 406
قال ابن عباس في تفسير هذا الحديث: هو الخطُّ الذي يخطه الحازي وهو علم قد تركه الناس. قال: يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حُلْوانا فيقول له: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام معه مِيل ثم يأتى إلى أرض رِخْوَة فيخط الأستاذ خطوطا بالعَجَلَة لئلا يلحقها العدد ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين فإن بقي خطان فهو علامة النجح وعلامة البيان وإن [بقي خط واحد فهو] (٧١) علامة الخيبة. والعرب تسميه الأسحم وهو مشؤومٌ عندهم.
قوله ﷺ : "للسَّوداء أيْنَ الله".
قال الشيخ -وفقه الله-: قيل: إنما أراد ﵇ أن يتطلب دليلاً على أنها موحدة فخاطبها بما تفهم به (٧٢) قصده إذ من علامات الموحدين التوجه إلى السماء عند الدعاء وطلب الحوائج لأن العرب التي تعبد الأصنام تطلب حوائجها من الأصنام والعجم من النيران، فأراد ﷺ الكشف عن معتقدها: هل هي من جملة من آمن؟ فأشارت إلى السماء وهي الجهة المقصودة عند الموحدين كما ذكرنا. وقيل: إنّما وَجْهُ السؤال بـ (أين) هاهنا سؤال عما تعتقده من جلال الباري سبحانه وعظمته، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلالته تعالى في نفسها والسماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين فكما لم يدلّ استقبال الكعبة على أن الله جلت قدرته فيها لم يدل التوجه إلى السماء، والإِشارة على أن الله سبحانه حالٌّ فيها.
٢٣٢ - وقول ابن مسعود ﵀: "قلنا يا رسولَ الله: كنّا نُسَلِّمُ عليك في الصّلاة فتَرُدُّ عَلَيْنَا فقَالَ ﵇: إنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلاً" (ص ٣٨٢).
стр. 407
قال الشيخ -من الناس من قال: يرد المصلي السلام نطقا وإن كان في الصلاة، ومنهم من قال: لا يردّ ما دام في حال الصلاة لا نطقا ولا بإشارة، وقيل: يرد بالإِشارة. أما القائل بالرد نطقا فيحتمل أن يكون لم يعلم أن ذلك نسخ ويحتج أيضا بأن ذلك نوع مما يباح في الصلاة. ووجه القول بأنه لا يردّ إشارة ولا نطقا للحديث المتقدم. ووجه القول بأنه (٧٣) يرد إشارة كما في أحاديث أخرى أيضاً من أنه ﷺ يردّ إشارة (٧٤).
٢٣٣ - قال الشيخ -وفقه الله-: قال مسلم في هذا الباب: "نا ابن نُمَيْر نا إسحاق بن منصور" (ص ٣٨٣). وفي بعض النسخ بدل: "نا ابن نمير حدثنا ابن مثنى". وفي بعضها إبدال ذلك "نا ابرت كثير". قال بعضهم والإِبدالان خطأ. والحديث إنما يرويه محمد بن عبد الله بن نمير عن إسحاق ابن منصور. وكذلك أخرجه البخاري في الجامع.
٢٣٤ - (٧٥) - قوله ﷺ : "إنَّ عَدُوَّ الله إبْلِيسَ جَاءَ بشِهَابٍ منْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي" وَذَكَرَ فِيهِ "أنْ لَوْلَا دَعْوَةُ سليمان ﵇ لأصْبَحَ مُوثَقًا يلعب بِهِ ولْدَانُ أهْلِ المدينَة" (ص ٣٨٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: الجن أجسام روحانية [لا يتأتى فيها الربط ولا الإيثاق] (٧٦) فيحمل هنا على أنه قد يتشكل على صورة يتمكن ذلك فيها على العادة ثم يمنع أن يعود إلى ما كان عليه حتى يتأتى اللعب به وإن خرقت العادة أمكن غير ذلك.
стр. 408
٢٣٥ - ذكر في الحديث "أنه ﷺ صَلَّى على المنبر وَنَزَلَ القَهْقَرَي حَتَّى سَجَدَ فِي أصْلِ المِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخر صَلَاتِهِ" (ص ٣٨٦)
قال الشيخ: أهل العلم يَنْهَوْن أن يصلي الإِمام على أرفع مما عليه المأموم وفِعْلُه ﷺ هذا يحتمل أن يكون لأن الارتفاع كان يسيراً. ويصلح أيضاً أن يقال: إنما منع هذا في أئمتنا لأنه ضرب من الكبر والترؤس وهو ﷺ معصوم من هذا. وأشبه ما علل به في الحديث من أنه من فَعَلَهُ لِيعلمهم الصلاة، ونزوله ﵇ القهقري لئلا يستدير القبلَة في الصلاة من غير ضرورة، وأما نزوله ﷺ وصعوده وإن كان عملاً في الصلاة فإنه لمصلحة الصلاة فلم يكن له تأثير، وقد أجاز أهل العلم المشي لغسل الدم في الرعاف وإن كان في الصلاة.
٢٣٦ - (٧٧) - قول أبي قتادة:"رأيت النبيء ﷺ يؤمّ النّاس وأمامة بنت أبي العاص، وهي بنت زينب ابْنَة رَسُول الله ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ" الحديث (ص ٣٨٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: حمل ذلك أصحابنا على أنه في النافلة. وهذا الحديث ظاهره أنه كان في الفريضة لأن إمامته بالناس في النافلة ليست معلومة.
٢٣٧ - (٧٨) - قوله ﷺ : "إذَا كَانَ أحَدُكُمْ يُصَلَّي فَلا يَبْصُقَ قِبَلَ وَجِهِهِ فَإنَّ الله قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى" (ص ٣٨٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: هذا يُتأول على نحو ما ذكرنا في حديث السوداء، وَكَأنّ تلك الجهة علامة على أن قاصدها هو موحد وأنها علَم على
стр. 409
التوحيد (٧٩)، ولها حرمة لكون المصلي متقرباً بتوجهه إليها إلى الله سبحانه، فَجَرَى ما وقع في الحديث إشارة إلى هذا المعنى. وقد اختلفت ألفاظ الأحاديث الواردة في هذا المعنى. ففي بعضها: نخامة، وفي بعضها: بصاقاً، وفي بعضها: مخاطاً، واختلاف هذه التسمية باختلاف مخارج تلك الأشياء فالمخاط من الأنف، والبزاق (٨٠) من الفم، والنُخَامة من الصدر. يقال منها: تنخّم الرجل وكذلك تنخّع وهي النخاعة والنخامة.
٢٣٨ - قوله ﷺ : "التَّفْلُ فِي المسجِدِ خَطِيئَةٌ" (ص ٣٩٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: قال ابن مكي في تثقيف اللسان: قول النبيء ﷺ : "وَإذَا رَأى أحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَن يَسَارِهِ ثَلَاثًا" وقوله ﷺ : "التفل في المسجد خطيئة".
هذا مما يغلط فيه الناس فيجعلونه بالثاء ويَضُمُّون الفعل المستقبل منه يقولون ثفل [الرجل] (٨١) يثفُل إذا بصق، والصواب: تفل (بالتاء) ويتفِل في المستقبل (بالكسر) لا غير. فأما النفث (فبالثاء المثلثة) وهو كالتفل إلا أن النفث نفخ لا بصاق معه، والتفل لا بد أن يكون معه شيء من الريق. هذا قول أبي عبيد في حديث النبيء ﷺ "أن روح القدس نفث في روعي" الحديث.
قال الشيخ: قال ابن السكيت في باب فَعْل وفَعَلٍ باختلاف المعنى: التفْل من تفل إذا بصق والتَّفَل ترك الطيب.
٢٣٩ - (٨٢) - قوله ﷺ : "اذْهَبُوا بِهَذِهِ الخَمِيصَةِ إلَى أبِي جهْم وائتُونِي بِأنْبِجَانيّة فِإنَّهَا ألْهَتْنِي آنِفًا فِي الصَّلاةِ" (ص ٣٩١).
стр. 410
قال الشيخ -وفقه الله-: يؤخذ من هذا الحديث كراهة التزويق في القبلة واتخاذ الأشياء الملهية فيها لأنه ﷺ علل إزالته للخميصة بإشغالها له في الصلاة فدلّ هذا على تجنب ما يوقع في ذلك. وأما بعثه بها إلى أبى جهم فلعله علم ﷺ أنه ينحيها كما فعل هو ﵇.
ويؤخذ أيضا من هذا الحديث ألا يصلي بالحُقنة ولا بكل معنى شغل عن استيفاء الصلاة.
٢٤٠ - (٨٣) - قال الشيخ -وفقه الله-: الأحاديث التي فيها النهي عن دخول المسجد لمن أكَلَ الثُّومَ وشبهَهُ (ص ٣٩٣).
قال أهل العلم: يؤخذ منها منع أصحاب الصنائع المنتنة كالحوّاتين والجزّارين مِن المسجد.
قال الشيخ -وفقه الله-: ووقع في بعض هذه الأحاديث جواز أكل هذه البقول مطبوخة، ووقع في كتاب مسلم: "أنه ﵇ أوتي بِقِدْر فيه خَضِرَات من بقول فوجد لها ريحاً فسأل فأخبر بما فيها من البقول، فقال: "قربوها" إلى بعض أصحابه، فلما رآه كره أكلها قال: "كل فإني أناجي من لا تناجي" (٨٤).
فظاهر هذا أن الكراهية باقية مع الطبخ. وهذا خلاف الأول.
قال الشيخ: قالوا: لعل قولهم (قدر) تصحيف من الرواة وذلك أن في كتاب أبي داود: "أنه ﷺ أوتي بِبَدْر". قال الشيخ: والبدر هاهنا هو الطبق. شبه بذلك لاستدراته كاستدارة البدر فإذا كان هكذا لم يكن مناقضا لِحديث الطبخ (٨٥) لاحتمال أن تكون كانت نَيّة.
стр. 411
وأما قوله ﷺ : "فإني اُّناجي مَنْ لَا تُنَاجي" فإنه يدل على أن الملائكة ﵈ تنزه عن هذه الروائح. وفي بعض الأحاديث: "أنها تَتَأذّى ممَّا يَتَأذَّى مِنْهُ بَنُو آدم" (٨٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: قالوا: وعلى هذا يمنع الدخول بهذه الروائح إلى المسجد وإن كان خالياً لأنه محل الملائكة.
٢٤١ - (٨٧) - قوله: "نَهَى رسول الله ﷺ أنْ يُصلّي الرّجُلُ مُخْتَصِرًا" (ص ٣٨٧).
قال الهروي: قيل هو أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها. وقيل: معناه أن يقرأ من آخر السورة آية أو آيتين ولا يقرأ السورة بكمالها في فرضه. هكذا رواه ابن سيرين عنه ورواه غيره "متخَصِّرًا". قال: ومعناه أن يصلي الرجل وهو واضع يده على خصره. ومنه الحديث: "الاختصار راحة أهل النار".
ونهى عن اختصار السجدة ويفسر على وجهين:
أحدهما: أن يختصر الآيات التي فيها السجدة فيسجد فيها.
والثاني: أن يقرأ السورة فإذا انتهى إلى (٨٨) السجدة جاوزها ولم يسجد لها، ومنه أخذ مختصرات الطرق.
٢٤٢ - قال الشيخ: ذكر مسلم في باب "إذَا حَضَرَ العَشَاءَ أحَدُكُمْ وَأقِيمَتِ الصَّلَاة فَابْدَؤوا بالعَشَاء". خرجه من حديث: عُبَيد الله بن عمر عن
стр. 412
نافع عن ابن عمر. ثُمَّ أردف ذلك فقال: "حدثنا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ حدثنا سُفْيان عن أيُّوب عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَر عن النبيء ﷺ ". هكذا في نسخة أبي العلاء بن ماهان سفيان عن أيوب، غير منسوبين. وفي رواية السجزي: "عن الجُلُودِي نا الصلت نا سفيان بن موسى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر" (ص ٣٩٢).
قال بعضهم: سفيان بن موسى هذا هو رجل من أهل البَصرة يروي عن أيوب، وهو ثقة وكذلك نسبه أبو مسعود الدمشقي في كتاب الأطراف: "عن مسلم عن الصلت بن مسعود عن سفيان بن موسى عن أيوب". وذكر الحاكم أن مسلما انفرد بالرواية لسفيان بن موسى عن أيوب، قال: وسمعت الدارقطني يقول: ذكر لبعض أصحابنا ممن يدعي الحفظ ونحن بمصر حديث لسفيان بن موسى عن أيوب فقال: هذا خطأ، إنما هو سفيان بن عيينة عن أيوب، قال: ولم يعرف سفيان بن موسى البصري، وهو ثقة مأمون. قال بعضهم: وقد غير هذا الإِسناد في بعض النسخ من كتاب مسلم وردّ سفيان عن أيوب بن موسى وهذا خطأ.
٢٤٣ - (٨٩) - قوله ﷺ : "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ ولَا هُوَ (٩٠) يُدَافِعُهُ الأخْبثَانِ" (ص ٣٩٣).
قال الهروي وغيره: يعني الغائط والبول.
قال الشيخ -وفقه الله-: قوله [هاهنا بحضرة الطعام] (٩١) نحو قوله أيضاً "إذَا قُرِّبَ العَشَاء وحضرت الصلاة فابدؤوا به قبل أن. تصلّوا صلاة
стр. 413
المغرب" (٩٢) معناه: أن به من الشهوة إلى الطعام ما يشغله عن صلاته فصار ذلك بمنزلة الحقن الذي أمره بإزالته قبل الصلاة.
٢٤٤ - (٩٣) - قال الشيخ -وفقه الله-: "إنكاره ﷺ على ناشد الضالة في المسجد" (ص ٣٩٧).
يؤخذ منه منع السّؤال من الطُّوَّاف في المسجد، ونشدتُ الضالة (٩٤) بمعنى طلبتها، وأنشدتها، إذا عرّفت بها. قاله يعقوب وغيره، ومنه قول الشاعر: [المتقارب]
إصَاخةَ النّاشِدِ للمُنْشِدِ
والإِصاخة بمعنى الاستماع. ومنه قول النبيء ﷺ : "مَا مِنْ دَابَّةٍ إلَاّ وَهْىَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ".
٢٤٥ - قال الشيخ -وفقه الله-: وقوله ﵇ في حديث نَاشِدِ الضَّالَّة: "إنَّمَا بُنِيَت المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ" (ص ٣٩٧).
يدل على منع عمل الصنائع فيها كالخياطة وشبه ذلك. وقد مَنَع بعض أهل العلم تعليم الصبيان في المساجدة فإن كان منعوا ذلك لأجل أخذ الإِجارة على ذلك التعليم فيكون ضربا من البيع في المسجد، ويجري ذلك أيضاً في غير الصبيان إذا كان بإجارة. وإن كان لمضرة المسجد بالصبيان لم يَشْرَكهم في ذلك إلا عن شاركهم في هذه العلة.
стр. 414
٢٤٦ - قال الشيخ -وفقه الله-: أحاديث السهو كثيرة والثابت منها خمسة أحاديث: حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري وهما جميعاً فيمن شك كم صلَّى. وذكر في حديث أبي هريرة "أنه سجد سَجْدَتَيْنِ ولم يذكُر مَوْضِعَهُما". وفي حديث أبي سعيد الخدري: "أنّه سجد قَبْلَ السَّلَام". وقد طُعِن في سند الخدري بأن مالكا أرْسَلَه وأسنده غَيْرُهُ من المحدثين. وهذا غير قادح فيه لأنه قد علم من عادة مالك وتحصيله أنه يرسل الأحاديث المسندة ثقَةً بأنه قد عُلم من عادته وأن ذلك لَا يُوقِع في النفوس منه اسْترابة.
ومن الخمسة أيضاً حديث ابن مسعود، وفيه: "القيام إبى خامسة والسجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ"، وحديث ذي اليدين وفيه: "السّلام من اثنتين والسجودُ بعد السّلام"، وحديث ابن بُحَيْنَة وفيه: "القيام من اثنتين والسجود قبل السّلام" (من ص ٣٩٨ إلى ص ٤٠٥).
وقد اختلف الناس في طريق الأخذ بهذه الأحاديث. فأما داود فلم يقس عليها وقال: إنما يستعمل ذلك فيما ورد فيه من الصلوات على حسب الترتيب في مواضع السجود المذكورة، وقال ابن حنبل كقول داود في هذه الصلوات خاصة وخالفه في غيرها، وقال: ما وقع فيها من سهو فإن السجود كله قبل السلام.
واخلتف من قاس عليها من الفقهاء سواهما في بنائها، فبعضهم قال: إنما تفيد هذه الأحاديث التخيير، وللمكلف أن يفعل أيَّ ذلك شاء من السجود قبلُ أو بعدُ في نقصٍ أو زيادة. وقال أبو حنيفة: الأصل ما فيه السجود بعد السلام، ورد بقية الأحاديث إليه. وقال الشافعي: الأصل ما فيه السجود قبل [السلام] ورد بقية الأحاديث إليه. ورأى مالك أن ما فيه النقص يكون السجود فيه قبل السلام وأن النقص علة في ذلك وأن ما فيه الزيادة يكون السجود فيه بعد [السلام]، وأن تلك الزيادة إشارة إلى أن العلة هى الزيادة. فأما الشافعي فطريقته البناء أن يقول: ذكر في حديث أبي سعيد
стр. 415
الخدري أنه قال ﷺ : "فإن كانت خامسة شفعها". ونص فيه على السجود قبل مع تقدير الزيادة وجوازها والمقدر حكمه كالموجود. ويتأول حديث ابن مسعود الذي فيه السجود بعد السلام على أنه ﷺ إنّما أعلم بسهوه بعد أن سلم ولو اتفق أن يعلم ذلك قبل أن يسلم لسجد حينئذ.
وأما حديث ذي اليدين فلأصحاب الشافعي فيه تأويلان:
أحدهما: أن قول الراوي: "سجد بعد السلام" يعني به السلام الذي في التشهد وهو قوله: السلام عليك أيها النبيء ورحمة الله [وبركاته].
والثاني: أنها كانت صلاة جرى الأمر فيها على السهو، فلعله ﷺ سها أن يسجد قبل أن يسلم فوقع منه السجود بعد أن سلم.
وأما قوله ﷺ في حديث ذي اليدين: "كلّ ذلك لم يكن" فقد اعتذر فيه العلماء باعتذارين:
أحدهما: أن المراد لم يكن القصر والنسيان معا، وكان الأمر كذلك وهذا اعتذار ضعيف.
والثانى: أن المراد الإِخبار عن اعتقاده وظنه فكأنه مقدّر النطق به وإن كان محذوفاً، فلو قال: كل ذلك لم يكن في ظني، ثم كشف الغيب أنه كان لم يكن كاذبا، فكذلك إذا قدر محذوفا مرادا.
واختلف أصحاب مالك فيمن وقع منه هذا الفعل المذكور في قصة ذي اليدين. فقال بعضهم: لا يؤخذ به لأن النسخ حينئذ كان مجوزا فعذر بذلك المتكلم، ولما استقر الأمر الآن لم يعذر. والرد على هذا القائل بأنهم تكلموا بعد أن أعلمهم أن لا نسخ. وانفصل عن هذا بأنه ﷺ سألهم فلا بد من مجاوبته للزوم طاعته فكان ذلك خارجاً عن الكلام الذي لا يلزم في الشرع. وقد يجاوب عن هذا أيضاً بأن يقال: يمكنهم أن يجاوبوه إشارة إذ لم يكن استدعَى منهم النطق.
стр. 416
وفي كتاب أبي داود ما يشير إلى هذا لأنه ذكر أن أبا بكر وعمر أشارا إليه أن يقوم. ولعل من روى أنهما قالا: نعم، أي أشارا فسمى الإِشارة قولاً.
واختلف أصحابنا أيضاً القائلون بأن هذا الحديث يعمل به إذا سلّم من اثنتين هل يعمل به إذا سلم من ثلاث؟ والأظهر أن لا فرق. وفي بعض طرق أحاديث ذي اليدين أن ذلك كان في الثالثة.
٢٤٧ - (٩٥) - قال عَبْدُ الله بنُ مسعود: "قَرَأ النّبيءُ ﷺ وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا" (ص ٤٠٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف في عدد سجود القرآن فقيل: إحدى عشرة سجدة ليس في المفصّل منها شيء. وقيل أربع عشرة ثلاث في المفصّل زيادة على الإِحدى عشرة المذكورة. وقيل: بل خمس عشرة. وزاد صاحب هذا القول: الآخرة من الحج. وذكْر مواضع هذه السجدات مذكور (٩٦) في كتب الفقهاء.
والأصل في إثبات السجود في المفصّل الأحاديث الواردة فيه. وأما حكم السجود فإن مذهب أبي حنيفة فيه أنه واجب ليس بِفرض على أهْله في التفرقة بين الواجب والفرض. ومذهبنا أن سجود التلاوة ليس بواجب. والظاهر أن بين أصحابنا خلافاً: هل هُوَ سنة أم فضيلة؟ فعدّه القاضي [عبد الوهاب] في تلقينه من فضائل الصلاة، وقال غيره من الشيوخ (٩٧): إنه سنة. وقالوا أيضاً: يستقرأ أنه سنة من تشبيهه إياه في المدونة بصلاة الجنائز في الوقت. وأقل أحوالها عندنا أنها سنة.
стр. 417
وأما الوقت الذي يباح فيه سجوده فقيل: يسجد في سائر الأوقات ما لم يسفر بعد الصبح أو تصفَّر الشمس بعد العصر. وقيل: لا يسجد بعد العصر ولا بعد الصبح. وقيل: يسجد بعد الصبح ما لم يُسفر ولا يسجد بعد العصر.
٢٤٨ - وأما صفة الجلوس في الصَّلاة فقد تقدم ذكره (ص ٤٠٨).
٢٤٩ - قوله في الحديث: "وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" (ص ٤١٥) (٩٨).
أي لا ينفع ذا الغِنى منك غناه. والجد: الغناء، والحظّ في الرزق، وفي الأمثال: جدّك لا كدّك.
٢٥٠ - قال الشيخ: ذكر مسلم في باب التكبير بعد انقضاء الصلاة قال: "نَا زُهير عن ابن عُيَيْنَة عن عَمْرو أخبرني به أبُو معبد عن ابن عباس" الحديث في نسخة ابن ماهان "ابن عيينة عن عمرو أخبرني جدي أبو معبد" هكذا في نسخة الأشعري وابن الحذاء عن ابن ماهان (ص ٤١٠).
وقوله "جَدِّي" تصحيف. وإنما صوابه "أخبرني بذا" يُرِيد بهذا: وليس لعمرو بن دينار جَدٌّ يروي عنه. وأبو معبد هو نافذ مولى ابن عباس. وعمرو ابن دينار هو أبو محمد مولى باذام وكان من الأبناء من فرس اليمن.
٢٥١ - قال الشيخ -وفقه الله-: وخرج مسلم بعد هذا في باب ما يقال بعد التسليم من الصلاة: "حدثنا ابن عون عَن أبي سَعِيد عن ورّاد كاتب المُغِيرة بن شعبة قال: "كَتَبَ مُعَاوية إلَى المُغيرة: اكتب إليّ بشيء سمعته من رسول الله ﷺ " (ص ٤١٥) هكذا وقع في هذا الإِسناد أبو سَعيد غير مسمى. وسماه البخاري في التاريخ الكبير: عبد ربّه، وتابعه على ذ لك ابن
стр. 418
الجَارُود وذكر البخاري: "عن إسحاق عن خالد عن الجُرَيْرِي عن عبد ربّه عن ورّاد". قال الدارقطني: لعله اسم أبي سعيد. قال البخاري: "قال عثمان بن عمر عن ابن عون عن أبي سعيد الشامي عن ورّاد". وقال ابن السكن في مصنفه: "أبو سعيد عن ورّاد هو ابن أخي عائشة من الرضاعة" ووَهِمَ في هذا لأن أبا سعيد رضيع عائشة اسمه كثير بن عبيد مشهور بذلك يعد في الكوفيين، وذلك رجل شامى. وأُرى دخل الوهم على ابن السكن من قبل أن عبد الله بن عون يروي عنهما جميعاً. وقد حكى ابن عبد البر: أن أبا سعيد في هذا الإِسناد هو الحسن البصري، وليس هذا بشيء. وقول البخاري ومن تابعه أولى.
٢٥٢ - قال الشيخ -وخرَّج مسلم في باب ما يقال بين التكبير والقراءة حديثا: "عن يحيى بن حَسَّان ويونس المُؤدب وغيرهما قالوا: نا عبد الواحد عن عمارة عن أبي زُرْعَة عن أبي هريرة كان ﷺ إذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثانية" الحديث. هذا حديث مقطوع من الأحاديث الأربعة عشر المقطوعة في هذا الكتاب (ص ٤١٩).
٢٥٣ - قوله في الحديث: "يا رسول الله ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَات العُلَى" (ص ٤١٦).
قال الهروي: واحد الدثور دَثْرٌ وهو المال الكثير. ومنه حديثه الآخر حين دعا لرَهْط طِهفة (٩٩): "وابعث راعيها في الدثر" يقال: مال دثرِ، ومالان دثر وأموال دثر.
قال الشيخ -وفقه الله-: وكذلك الدِّبر (بالباء وكسر الدال) معناه
стр. 419
أيضاً ومعنى الدثر واحد. قال ابن السكيت: الدِّبر [المال الكثير يقال] (١٠٠): مال دِبر وأموال دِبْر.
٢٥٤ - وقوله في الحديث: "وَقَدْ حَفَزَه النَّفَس" (ص ٤١٩)، أي اشتد به.
٢٥٥ - قال الشيخ -وفقه الله-: وخرّج مسلم حديث: "سهيل ابن أبي صالح عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة عن النبيء ﷺ قال: "من سبح [فى] (١٠١) دبر كل صلاة" الحديث، ثم خرجه بعد ذلك عن محمد بن الصَّبَّاح قال: "حدثنا إسماعيل بن زكرياء عن سهيل عن أبي عبيد عن عطاء عن أبي. هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " بمثله (ص ٤١٨ - ٤١٩) فذكر عَطَاءً غيْر مَنْسُوب. قال أبو مسعود الدمشقي: يُذكر أن محمد بن الصَّبَّاح نسبه فقال: عَطَاء بن يسار، وأخطأ فيه فإن كان هذا فإن مسلم بن الحجاج أسقط الخطأ من الإِسناد ليقرب من الصواب. وقد روى مالك هذا الحديث عن أبي عبيد مولى سليمان عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة موقوفاً.
٢٥٦ - قوله في حديث بشير (١٠٢) بن أبي مسعود: "أما علمت أنّ
جبريل ﵇ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رسولُ الله ﷺ " الحديث (ص ٤٢٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: ليس قَوْلُهُ هذا بحجّة مستقلة إذ لم يسم له في أيّ وقت صلّى به جبريل ﵇. والمفهوم منه أنه أحاله على أمر عَلِمَهُ عُمَرُ فهذا يكون حجة عليه.
وقوله "نزل فصلَّى" إذا اتُّبعَ فيه حقيقة اللفظ أعطى أن صلاة رسول الله
стр. 420
- ﷺ كانت بعد فراغ صلاة جبريل ﷺ ، لكن مفهوم هذا الحديث والمنصوص في غيره أن جبريل أمَّ النبيء ﷺ فيحمل قوله: "صلّى، فصلّى" على أن جبريل فَعل جزءاً من الصلاة ففعله النبيء ﷺ بعده حَتَّى تكاملت صلاتهما.
واحتج بهذا الحديث من يقول بجواز صلاة المفترض خلف المنتفل فقال: صلاة جبريل كانت نافلة. واعتضدوا (١٠٣) برواية من روى في حديث جبريل: "بهذا أمرتَ" (بالنصب) والجواب عن ذلك: أن نقول: إن كنتم أخذتم ذلك من مقتضى الحديث لأجل إخباره أن رسول الله ﷺ مأمورٌ بذلك فلا حجة فيه إذ ليس في إخباره له أنه أُمر بذلك دليل على أن جبريل لم يؤمر بذلك بل يصح أن يكون أُمر أيضاً، وإن كنتم أخذتم ذلك من أن جبريل لا يكلف ما كُلِّفْنَاهُ من شريعتنا. قيل: ولا يتعبّد أيضاً على جهة التنفل فتكون في حقه نافلة. ويصح أن يقال أيضاً: إنما يتم لكم ما احتججتم به إذا سلم لكم أن تلك الصلاة كانت واجبة على رسول الله ﷺ . فلو قيل: إنما استقر عليه وجوبها بعد بيان جبريل له في اليومين جميعاً فلا (١٠٤) تكون واجبة في حقه حين صلاها مع جبريل بل لم يكن في الحديث تعلق في هذا.
وأما رواية من روى "بهذا أمرتُ" (بالرفع) فهي حجة على رأي من يرى أن المأمور به هو الواجب فيقول: لا يخلو أن يكون جبريل ﵇ أمر أن يبلغ ذلك قولاً أو فعلاً أو خُيّر فيما شاء منهما. فلا يقال: إنه أمر أن يبلغ قولاً فخالف إذ لا يليق به ذلك، فإذا كان أمر أن يبلغه فعلاً أو خيّر فاختار الفعل صار بيانه واجباً وكان المؤتم به ائتم [بمن وجبت] (١٠٥)
стр. 421
عليه الصلاة. وأما على رأي من يرى أن المأمور به ينطلق عَلى غير الواجب فيكون الجواب على ما قدمناه قبل هذا.
٢٥٧ - وقوله في هذا الحديث: "ولَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائشةُ ﵂ أنّ رسول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي والشّمْس فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ" (ص ٤٢٦) حجّة له على عمر ﵀ لأن فيه دليلاً على تعجيل العصر وهي الصلاة التي وجده قد أخرها. وإنما كان فيه دليل على التعجيل من جهة أن الحجرة إذا كانت ضيقة أسرع ارتفاع الشمس منها ولم تكن موجودة فيها إلا والشمس مرتفعة في الأفق جداً. قال الهروي: قوله "لم تظهر" أي لها تعل السطح، ومنه قوله ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (١٠٦).
ومنه الحديث الآخر: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقَّ" أي عَالِينَ. قال الجعدي (١٠٧): [الطويل]
بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدَنَا وَجُدُودَنَا ... وَإنَا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا
أي علوا.
٢٥٨ - قوله ﷺ : إذا صَلَّيْتُمْ الفَجْرَ فَإنَّهُ وَقْتٌ إلَى أنْ يَطْلَعَ قرنُ الشّمسِ الأوّل" (من ص ٤٢٦ إلى ص ٤٣٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: في هذا الحديث ردٌّ على الاصْطَخْري الذي يقول: آخر وقت الصبح الإِسفار البَيّن.
وقوله: "قَرْنُ الشَّمْس الأوَّلِ" أي طَرَفُهَا الذي هو أوّل ما ييدو مِنها،
стр. 422
ولو لم يقيده بالأول لَظّنَّ السامع أنه يريد آخر ما يطلع منها وللأصطخري (١٠٨) ما وقع في حديث الوقتين وقد قال فيه: "إنه ﷺ صَلَّى في اليوم الثاني عند آخر الإِسفار، وقال ما بين هذين وقت".
وأما الظهر فقد اختلفت الأحاديث فيه في آخر وقتها ففي حديث القامة وفي حديث آخر ما لم يحضر وقت العصر. ووجه البناء أن نقول إنّ قوله "صلى به عند القامة" محمول على أن آخر الصلاة (١٠٩) ينقضي بانقضاء القامة فيكون هذا موافقاً لقوله ما لم يحضر وقت العصر لأن مبتدأ العصر في أول القامة الثانية. وهذا البناء يضعف أحد القولين: أن آخر القامة وقت الظهر والعصر معا.
أما الأحاديث المتعارضة في آخر وقت العصر فيدخل البناء فيها في موضعين:
أحدهما: بناء قوله القامتين مع الإِصفرار. فيقال: يحتمل أن يكون تحديده القامتين في حديث هو (١١٠) الاصفرار الذي حُدّ به في حديث آخر. فذكر الاصفرار مرة لأنه علم باد للعيان تعرفه الخاصة والعامة، وذكر القامتين أيضاً لتكون علامة لمن يعلم ذلك ممن ينظر في الأظلال.
والموضع الثاني: الذي يحتاج إلى البناء قوله في بعض الأحاديث "آخرُ وقت العَصْرِ الاصْفِرَار" وفي بعضها "آخر وقتها الغُرُوب". ويتجه في البناء طريقتان:
أحداهما: على طريقة من يقول بالتأثيم في تأخيرها إلى بعدِ الاصفرار
стр. 423
فتكون صفة البناء أن يقال: قوله: "إلى (١١١) الاصفرار" في حق من لا عذر له، ويكون آثما في التأخير بعد ذلك، وقوله "إلى الغروب" في حق أصحاب الضرورات والأعذار.
والأخرى على طريقة من لا يقول بالتأثيم، ويرى أن الخطاب يعم أصحاب الضرورات وغيرهم فيكون صفة البناء أن يحمل قوله "إلى الاصفرار" على آخر الوقت المستحب، وقوله "إلى الغروب" على آخر وقت الوجوب ويكون ما بين الاصفرار والغروب وقت كراهة.
قال الشيخ: ولو قال قائل: مقتضى الأحاديث (١١٢) أن الظهر لا حظ لها في القامة الثانية وأن التأثيم يتعلق بتأخيرها بعد القامة إلا أن يمنع من ذلك [دليل فيصار] (١١٣) إليه لأن الأحاديث الواردة في وقتها ليس فيها دليل على أن لها بعد القامة وقتا ولم يعارض هذه الأحاديث شيء سوى ما وقع في بعض أحاديث الجمع بين الصلاتين. ويحمل ذلك على أنه كان لضرورة وإنما كلامنا على غير وقت الضرورة لكان للنظر في قولهم مجال.
وأما العصر فلو قال قائل أيضاً في بناء أحاديثها: لعل قوله الاصفرار (١١٤) هو كقوله "إلى الغروب" في حديث آخر وأراد الاصفرار (١١٥) المُقارب للغروب. وَحُدَّ به حماية للذريعة لئلا يوقعها بعد الغروب فيستظهر بإمساك جزء قبل الغروب كما يفعل الصائم في استظهاره بإمساك جزء من الليل قبل الفجر وإن كان أكل يباح له في الحقيقة إلى الفجر إلا أنه لا يقدر على تحصيل ذلك إلا بإمساك جزء من الليل. ويؤيد
стр. 424
هذا البناء قوله في الحديث في كتاب مسلم: "وقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول" فقد جمع بين الاصفرار والمغيب لكان لذلك في النظر مجال أيضاً، لكن يقدح في هذا البناء حديث القامتين فإن الظاهر أن ذلك بعيد من الغروب، والأحاديث الواردة في آخر وقت المغرب يحمل اختلافها على تأكد الفضل في التعجيل على التأخير وإن كان الكل وقت فضيلة على هذه الطريقة ولكن أفضله أوله.
وأما أحاديث العتمة فإن ما وقع فيه "ثلث الليل" و"نصف الليل" فيبنى على أنه متقارب في الفضل. والذي وقع فيه "إلى الفجر" يحمل على أنه آخر وقت الوجوب.
حديث السائل له عن الأوقات وإحَالَتِهِ ﷺ (١١٦) على أن يُصَلِّيَ معه قالوا: يَدُلُّ على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. وهي مسألة خلاف بين الأصوليين. قال الشيخ: وقد انفصل عن هذا بأن البيان الذي وقع فيه الخلاف إنما هو أول بيان يكون. ولعله ﷺ إنما أخّر إخبار هذا لأنه قد تقدم بيانه لغيره وإشاعة هذا الحكم.
قال الشيخ -وفقه الله-: وإنما يكون هذا انفصالا إذا علمنا أنه ﷺ لم يلزم البيان إلا أول مرة. ولم يتحقق عندي الآن ما كلف ﵇ من هذا لأنه يجوز أن يتعبد بالبيان، لكل من سألَه.
٢٥٩ - (١١٧) - في الحديث: "إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأبْردُوا عَنِ الصَّلَاة" (من ص ٤٣٠ إلى ص ٤٣٣).
فأمر بالإِبراد التأخير وذكر في الكتاب: "عن خباب، قال: أتينا رسول
стр. 425
الله ﷺ نشكو إليه حر الرمضاء فلم يشْكِنَا. قال: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم".
قال "الشيخ -وفقه الله-: هذا الحديث معارض للأول. والأشبه في بيَانهما أنه إنما لم يشكهم لأنهم أرادوا أن يؤخروا إلى بعد الوقت الذي حدّ لهم في الحديث الآخر، وأمرهم بالإِبراد إليه فيزيدون على القدر الذي رخص لهم فيه.
وقوله: "فإن شدة الحرّ من فيح جهنم" قال الليث: الفيح سطوع الحر. يقال: فاحت القدر تفيح إذا غلت. وقوله "من حر أو حرور". قال الهروي وغيره: الحرور هو أشتداد الحر ووهجه بالليل والنهار. فأما السموم فلا يكون إلا بالنهار وقوله: "فشكونا إليه الرمضاء فلم يشكنا" يريد أنهم [شكوا إليه حر] (١١٨) الشمس وما يصيب أقدامهم منه في صلاة الظهر. ومعنى "لم يشكهم" لما يجبهم إلى ذلك. يقال: أشكيت فلاناً إذا ألجأته إلى الشكاية. وأشكيته أيضاً، إذا نزعت عن شكايته (١١٩).
٢٦٠ - قوله: "كأنما وُتِرَ أهْلَهُ ومَالَه" (ص ٤٣٥).
أي نقص. يقال: وترته، أي نقصته. قال أبو بكر: وفيه قول آخر، وهو أن الوتر أصله الجناية التي يجنيها الرجل على الرجل من قتله حميمه أو أخذه ماله.