← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13253

المعلم بفوائد مسلم

المازري

Полный текст (1 600 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عليه الصلاة. وأما على رأي من يرى أن المأمور به ينطلق عَلى غير الواجب فيكون الجواب على ما قدمناه قبل هذا. ٢٥٧ - وقوله في هذا الحديث: "ولَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائشةُ ﵂ أنّ رسول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي والشّمْس فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ" (ص ٤٢٦) حجّة له على عمر ﵀ لأن فيه دليلاً على تعجيل العصر وهي الصلاة التي وجده قد أخرها. وإنما كان فيه دليل على التعجيل من جهة أن الحجرة إذا كانت ضيقة أسرع ارتفاع الشمس منها ولم تكن موجودة فيها إلا والشمس مرتفعة في الأفق جداً. قال الهروي: قوله "لم تظهر" أي لها تعل السطح، ومنه قوله ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (١٠٦). ومنه الحديث الآخر: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقَّ" أي عَالِينَ. قال الجعدي (١٠٧): [الطويل] بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدَنَا وَجُدُودَنَا ... وَإنَا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا أي علوا. ٢٥٨ - قوله ﷺ : إذا صَلَّيْتُمْ الفَجْرَ فَإنَّهُ وَقْتٌ إلَى أنْ يَطْلَعَ قرنُ الشّمسِ الأوّل" (من ص ٤٢٦ إلى ص ٤٣٠). قال الشيخ -وفقه الله-: في هذا الحديث ردٌّ على الاصْطَخْري الذي يقول: آخر وقت الصبح الإِسفار البَيّن. وقوله: "قَرْنُ الشَّمْس الأوَّلِ" أي طَرَفُهَا الذي هو أوّل ما ييدو مِنها،

стр. 422

ولو لم يقيده بالأول لَظّنَّ السامع أنه يريد آخر ما يطلع منها وللأصطخري (١٠٨) ما وقع في حديث الوقتين وقد قال فيه: "إنه ﷺ صَلَّى في اليوم الثاني عند آخر الإِسفار، وقال ما بين هذين وقت". وأما الظهر فقد اختلفت الأحاديث فيه في آخر وقتها ففي حديث القامة وفي حديث آخر ما لم يحضر وقت العصر. ووجه البناء أن نقول إنّ قوله "صلى به عند القامة" محمول على أن آخر الصلاة (١٠٩) ينقضي بانقضاء القامة فيكون هذا موافقاً لقوله ما لم يحضر وقت العصر لأن مبتدأ العصر في أول القامة الثانية. وهذا البناء يضعف أحد القولين: أن آخر القامة وقت الظهر والعصر معا. أما الأحاديث المتعارضة في آخر وقت العصر فيدخل البناء فيها في موضعين: أحدهما: بناء قوله القامتين مع الإِصفرار. فيقال: يحتمل أن يكون تحديده القامتين في حديث هو (١١٠) الاصفرار الذي حُدّ به في حديث آخر. فذكر الاصفرار مرة لأنه علم باد للعيان تعرفه الخاصة والعامة، وذكر القامتين أيضاً لتكون علامة لمن يعلم ذلك ممن ينظر في الأظلال. والموضع الثاني: الذي يحتاج إلى البناء قوله في بعض الأحاديث "آخرُ وقت العَصْرِ الاصْفِرَار" وفي بعضها "آخر وقتها الغُرُوب". ويتجه في البناء طريقتان: أحداهما: على طريقة من يقول بالتأثيم في تأخيرها إلى بعدِ الاصفرار

стр. 423

فتكون صفة البناء أن يقال: قوله: "إلى (١١١) الاصفرار" في حق من لا عذر له، ويكون آثما في التأخير بعد ذلك، وقوله "إلى الغروب" في حق أصحاب الضرورات والأعذار. والأخرى على طريقة من لا يقول بالتأثيم، ويرى أن الخطاب يعم أصحاب الضرورات وغيرهم فيكون صفة البناء أن يحمل قوله "إلى الاصفرار" على آخر الوقت المستحب، وقوله "إلى الغروب" على آخر وقت الوجوب ويكون ما بين الاصفرار والغروب وقت كراهة. قال الشيخ: ولو قال قائل: مقتضى الأحاديث (١١٢) أن الظهر لا حظ لها في القامة الثانية وأن التأثيم يتعلق بتأخيرها بعد القامة إلا أن يمنع من ذلك [دليل فيصار] (١١٣) إليه لأن الأحاديث الواردة في وقتها ليس فيها دليل على أن لها بعد القامة وقتا ولم يعارض هذه الأحاديث شيء سوى ما وقع في بعض أحاديث الجمع بين الصلاتين. ويحمل ذلك على أنه كان لضرورة وإنما كلامنا على غير وقت الضرورة لكان للنظر في قولهم مجال. وأما العصر فلو قال قائل أيضاً في بناء أحاديثها: لعل قوله الاصفرار (١١٤) هو كقوله "إلى الغروب" في حديث آخر وأراد الاصفرار (١١٥) المُقارب للغروب. وَحُدَّ به حماية للذريعة لئلا يوقعها بعد الغروب فيستظهر بإمساك جزء قبل الغروب كما يفعل الصائم في استظهاره بإمساك جزء من الليل قبل الفجر وإن كان أكل يباح له في الحقيقة إلى الفجر إلا أنه لا يقدر على تحصيل ذلك إلا بإمساك جزء من الليل. ويؤيد

стр. 424

هذا البناء قوله في الحديث في كتاب مسلم: "وقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول" فقد جمع بين الاصفرار والمغيب لكان لذلك في النظر مجال أيضاً، لكن يقدح في هذا البناء حديث القامتين فإن الظاهر أن ذلك بعيد من الغروب، والأحاديث الواردة في آخر وقت المغرب يحمل اختلافها على تأكد الفضل في التعجيل على التأخير وإن كان الكل وقت فضيلة على هذه الطريقة ولكن أفضله أوله. وأما أحاديث العتمة فإن ما وقع فيه "ثلث الليل" و"نصف الليل" فيبنى على أنه متقارب في الفضل. والذي وقع فيه "إلى الفجر" يحمل على أنه آخر وقت الوجوب. حديث السائل له عن الأوقات وإحَالَتِهِ ﷺ (١١٦) على أن يُصَلِّيَ معه قالوا: يَدُلُّ على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. وهي مسألة خلاف بين الأصوليين. قال الشيخ: وقد انفصل عن هذا بأن البيان الذي وقع فيه الخلاف إنما هو أول بيان يكون. ولعله ﷺ إنما أخّر إخبار هذا لأنه قد تقدم بيانه لغيره وإشاعة هذا الحكم. قال الشيخ -وفقه الله-: وإنما يكون هذا انفصالا إذا علمنا أنه ﷺ لم يلزم البيان إلا أول مرة. ولم يتحقق عندي الآن ما كلف ﵇ من هذا لأنه يجوز أن يتعبد بالبيان، لكل من سألَه. ٢٥٩ - (١١٧) - في الحديث: "إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأبْردُوا عَنِ الصَّلَاة" (من ص ٤٣٠ إلى ص ٤٣٣). فأمر بالإِبراد التأخير وذكر في الكتاب: "عن خباب، قال: أتينا رسول

стр. 425

الله ﷺ نشكو إليه حر الرمضاء فلم يشْكِنَا. قال: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم". قال "الشيخ -وفقه الله-: هذا الحديث معارض للأول. والأشبه في بيَانهما أنه إنما لم يشكهم لأنهم أرادوا أن يؤخروا إلى بعد الوقت الذي حدّ لهم في الحديث الآخر، وأمرهم بالإِبراد إليه فيزيدون على القدر الذي رخص لهم فيه. وقوله: "فإن شدة الحرّ من فيح جهنم" قال الليث: الفيح سطوع الحر. يقال: فاحت القدر تفيح إذا غلت. وقوله "من حر أو حرور". قال الهروي وغيره: الحرور هو أشتداد الحر ووهجه بالليل والنهار. فأما السموم فلا يكون إلا بالنهار وقوله: "فشكونا إليه الرمضاء فلم يشكنا" يريد أنهم [شكوا إليه حر] (١١٨) الشمس وما يصيب أقدامهم منه في صلاة الظهر. ومعنى "لم يشكهم" لما يجبهم إلى ذلك. يقال: أشكيت فلاناً إذا ألجأته إلى الشكاية. وأشكيته أيضاً، إذا نزعت عن شكايته (١١٩). ٢٦٠ - قوله: "كأنما وُتِرَ أهْلَهُ ومَالَه" (ص ٤٣٥). أي نقص. يقال: وترته، أي نقصته. قال أبو بكر: وفيه قول آخر، وهو أن الوتر أصله الجناية التي يجنيها الرجل على الرجل من قتله حميمه أو أخذه ماله.

стр. 426

الكلام في الصلاة الوسطى (١٢٠) ٢٦١ - قوله ﷺ : "شَغَلُونَا عَن الصَّلَاةِ الوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ" الحديث (ص ٤٣٦). قال الشيخ -وفقه الله-: هذا فيه حجة لمن يقول: إنها العصر. وقد اختلف الناس في قوله تعالى: ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١٢١) مَا المراد به؟ فقيل: الجمعة، وقيل: بل الصلوات الخمس كلها. وقال آخرون: بل الوسطى صلاة من الخمس واختلفوا في عينها. فقال مالك: هى الصبح ووافقه ابن عباس ﵀. وقال زيد بن ثابت ﵀: هي الظهر. وقال أبو حنيفة والشافعي: هى العصر ووافقهما علي بن أبي طالب ﵁. وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب. وقال غيره: هي العتمة. فأما من قال: هي الجمعة، فإنه ضعيف لأن المفهوم أن الإِيصاء بالمحافظة عليها للمشقّة، والجمعة صلاة واحدة في سبعة أيام، ولا يلحق في حضورها مشقة في الغالب. وكذلك يضعف قول من قال: إن ذلك جميع الصلوات لأن أهل الفصاحة لا يذكرون شيئاً مفصلاً ثم يشيرون إليه مجملاً وقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١٢٢) فصرح بذكرها، وإنما يُجْمِلُ الفصحاء الشيء ثم يصرحون به بعد ذلك. وأما وجه الأقوال الأخرى فإنا نقول: ذكر الوسط إما أن يراد به التوسط في الركوع والسجود أو في العدد أو في الزمان. وأما الركوع والسجود

стр. 427

فإن حكم الصلوات فيه واحد فهذا القسم لا يراعى للاتفاق عليه. وأما القسمان الآخران فإن رَاعَيْنَا منهما العدد أدى إلى مذهب قبيصة بن ذؤيب في أنها المغرب لأن أكثر أعداد الصلوات أربع ركعات وأقلها اثنتان وأوسطها ثلاث فهي المغرب التي قال. وإن راعينا الأوسط في الزمان (١٢٣) كان الأبين أن الصحيح أحد قولين: إما الصبح أو العصر، فأما الصبح فإننا إذا قلنا: إن ما بين الفجر إلى طلوع الشمس ليس من النهار ولا من الليل كانت هي الوسطى لأن الظهر والعصر من النهار قطعاً والمغرب والعشاء من الليل قطعاً وبقي وقت الصبح مشتركاً فهو وسط بين الوقتين. وعلى القول بأن ذلكِ الزمان فن النهار يكون الأظهر أن الوسطى العصر (١٢٤) لأن الصبح والظهر سابقان للعصر والمغرب والعشاء متأخران عن العصر فهي إذًا وسط بينهما. وقد احتج أصحابنا للقول بأنها الصبحُ للمشقة اللاحقة في إتيانها وأنه زمن يصعب على الإِنسان القيام في من النوم في الشتاء للدثار والصيف من طيب الهواء. وقال من ذهب إلى أنها العصر: فإنها أيضاً كانت تأتي (١٢٥) في وقت أسواقهم واشتغالهم بمعايشهم فكان إتيانها أيضاً يشق عليهم، ووكد أمرها لئلا يشتغل عنها. وقد نبه الباري عَلَى أن البيع من أعظم ما يشغل عن الصلاة فقال: ﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾ (١٢٦). واحتجوا أيضاً لكونها العصر بالحديث المبتدأ به وهو قوله ﵇:

стр. 428

"شَغَلونَا عَنِ الصَّلَاةِ الوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشّمس" هذا يدل على أنها العصر. قال الشيخ ﵀: فإن قيل: ففي الكتاب في حديث "سفيان ابن عُيَيْنة عن البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى العَصْرِ﴾ فَقَرَأْنَاهَا ما شاء الله، ثم نَسَخَها الله جَلَّتْ قدرته فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال رجل: فهي إذًا صلاة العصر. فقال له البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله والله أعلم. فهذا القول قد أخبر فيه بنسخ أنها العصر. قلنا: يحتمل أن يكون إنما نسِخَ النطق بلفظة العصر، ألا ترى إشارة البراء إلى الاحتمال بقوله (١٢٧): والله أعلم. قال الشيخ: ويؤيد ما قلناه أن من أرجح الأقوال قول من زعم أنها الصبح أو العصر. ٢٦٢ - قوله ﷺ في الحديث الآخر: "مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ" (١٢٨) (ص ٤٤٠). قيل المراد بهما: الصبح والعصر. قال يعقوب (١٢٩): البردان الغداة والعشي، وهما الأبردان والقرَّتان والكَرّتان والعصران والصرعان والرِّدفان والفَتَيَان. ٢٦٣ - (١٣٠) - وقوله: "حَتَّى ابهارَّ اللَّيْلُ" (ص ٤٤٣).

стр. 429

أي انتصف، وبهرة كل شيء وسطه. قال أبو سعيد الضرير: ابهرار الليل: طلوع نجومه إذا تتامّت لأن الليل إذا أقبل أقبلت فحمته فإذا استنارت النجوم ذهبت تلك الفحمة. ٢٦٤ - (١٣١) - وقوله: "مُتَلَفِّعَاتٌ بمروطهنّ" (ص ٤٤٥). معناه: متجللات بأكسيتهن. وواحد المروط مِرط (بكسر الميم). ٢٦٥ - (١٣٢) - وقوله ﷺ في أحاديث: "إنَّ صَلَاةَ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بخمسمة وعشرين جزءًا" وفي حديث آخر: " [أنها تَفْضُلُهَا] بسَبْعٍ وعشرين درجة" (من ص ٤٤٩ إلى ٤٥١). قال الشيخ -أيده الله-: اختلف في بناء هذه الأحاديث فقيل: الدرجة أصغر من الجزء فَكَأنَّ الخمسة والعشرين جزءاَ إذا جُزّئت درجات كانت سبعا وعشرين. وقيل: بل يحمل على [أن] الباري سبحانه كتب فيها أنها أفضل بخمسة وعشرين ثم تفضل بزيادة درجتين. ويؤيد هذا التأويل أن في بعض الأحاديث خمساً وعشرين درجة. قال الشيخ: والأشبه عندي أن يكون محمل قوله: "بخمسة وعشرين وبسبع وعشرين" راجِعًا إلى أحوال المصلي وحال الجماعة، فإذا كانت جماعة متوافرة وكان المصلي، على غاية من التحفظ وإكمال الطهارة كان هو الموعود بسبع وعشرين، وإذا كان على دون تلك الحال كان هو الموعود بخمس وعشرين. والله أعلم. ٢٦٦ - قال الشيخ -وفقه الله-: في بعض هذه الأحاديث: "تَفْضُلُ صَلَاةَ أحَدِكُمْ فِي سوقِهِ" (ص ٤٥٩).

стр. 430

وحمله بعض شيوخنا على أنه ولو كانت جماعة في السوق لكانت كَالفذ في غير السوق، وعلى هذا يكون في ذكر السوق زيادة فائدة على ذكر الصلاة في البيت، ويصح أن تكون الصلاة في السوق أخفض منزلة (١٣٣) لأن ما فى بعض الأحاديث أنها مواضع الشياطين. وقد ترك ﷺ الصلاة في الوادي الذي ناموا فيه وقال: "إن به شيطانا". وقد يؤخذ من هذا الحديث الرد على داود في قوله: إن من صَلَّى فَذًّا وترك الجماعة أنها لا تجزئه تلك الصلاة لأن النبيء ﷺ [قال في بعض] (١٣٤) هذه الأحاديث: "أفضل من صلاة أحدكم وحده" فأتى بلفظ المبالغة والتفضيل بين صلاة الجماعة والفذ وأثبت فيها فضلا. ولو لم تكن مجزئة لم تكن جزءاً من الفرض الكامل، ولا يتوجه له هاهنا أن يقول: فإن لفظة أفعل (١٣٥) قد ترد لإِثبات صفة في إحدى الجهتين ونفيها عن الأخرى. ولعل صلاة الفذ كذلك لا فضل فيها لأن ذلك إنما يَرِدُ فيما أتى مطلقاً كقوله تعالى: ﴿أحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ (١٣٦)، وشبه ذلك وهو هاهنا قد خصّ ذلك بعدد فجعلها جزءاً من الفرض الكامل الفضل. وحقيقة التجزية أن يكون في الجزء جزء من الفضل الذي في الكل. ٢٦٧ - ويحتج داود على أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان بالحديث الذي ذكر فيه "تَحْرِيقَ بُيُوت قَوْم تَأخَّرُوا عَنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ" (ص ٤٥١). ومحملهم (١٣٧) عندنا على أنهم منافقون لأنه قال ﷺ "لو يعلم

стр. 431

أحدهم أنه يجد عظما سمينا" الحديث. ومعاذ الله أن تكون هذه صفات المؤمنين من الصحابة على فضلهم. ويؤخذ من حديث تحريق البيوت إثبات العقوبة في المال. ومذهب غيره من الفقهاء: أنها فرض على الكفاية. وعلى طريقة القاضي أنه لو تمالأ أهل بلد على ترك الأذان لقوتلوا، ينبغى أن تكون صلاة الجماعة كذلك. ٢٦٨ - قوله: "فَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرةٍ تصنع لهُ" (١٣٨) (ص ٤٥٥). قال ابن قتيبة: الخزيرة لحم يقطع صغاراً ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة. وقال الهيثم: إذا كان من دقيق فهي حريرة، وإذا كان من نخالة فهي خزيرة. وقال ابن السكيت: الخزيرة النَّفِيتة (١٣٩) من لبن أو ماء أو دقيق يتوسع به. [الكلام في الأذان والإِمامة] (١٤٠) ٢٦٩ - [قال الشيخ -وفقه الله-: قوله ﷺ : "فَأقْدَمُهُمْ سِلْمًا" (ص ٤٦٥). أي إسلاماً] (١٤١). ٢٧٠ - قال الشيخ -وفقه الله-: في قوله ﷺ : "إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمُّكُمْ أكْبَرُكُمْ" (ص ٤٦٦).

стр. 432

دلالة على أن الجماعة مأمورون بالأذان وإن لم يكونوا في مسجد. وفيه دلالة أيضاً على أن الأذان ليس بمستحق للأفضل. ويحتمل أن يكون الفرق بين الأذان والإِمامة (١٤٢) أن القصد من الأذان الإِسماع. وذلك متأت من غير الأفضل كَتَتأتِيه من الأفضل بل ربما كان الأنقص فضلاً أرفع صوتاً. وقد قال ﷺ في حديث آخر: "فاطلبوا لي أنداكم صوتا" وهو هاهنا بمعنى أبلغ في الإِسماع. قال الشاعر: [الوافر] فقلتُ: ادْعى وَأدعو إن أندى ... لِصوت أنْ يُنَادِيَ دَاعِيان وأما أمره ﷺ أن يؤم أكبر فنحمله على أنهم يتساوون (١٤٣) فيما سوى السن من الفضائل المعتبرة في الإِمامة بدليل قوله ﷺ في الحديث الآخر: "يؤم القوم أفقههم" (١٤٤). وتقديم الأفقه عندنا أولى ثم القاري بعده ثم بعد ذلك فضيلة السن، وعند أبى حنيفة: أن القاري أولى من الأفقه. وحجتنا عليه قول النبيء ﷺ "أفقههم" ولأن الحاجة تمس إلى الفقه في الصلاة أكثر من الحاجة إلى معرفة وجوهِ القراءات فإن احتج بقوله ﵇ في حديث آخر: "يؤم القوم أقرأهم" (١٤٥) قلنا فإن أصحابنا تأولوه على أن الأقرأ هاهنا هو [الأفقه] (١٤٦) لأن الصحابة ﵃ كانوا يتفقهون من القرآن فأكثرهم قرآنا أكثرهم فقها. ٢٧١ - ذكر في حديث الوادي: "أن النبيء ﷺ نَامَ" (ص ٤٧١). قال الشيخ -وفقه الله-: إن قيل: ما معنى قوله في الحديث الآخر:

стр. 433

"إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي" (١٤٧) وقد نام هاهنا حتى طلعت الشمس؟ قلنا: إن من أهل العلم من تأول قوله ﷺ : "إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي" على أن ذلك غالب حاله وقد ينام نادراً بدليل حديث الوادي. ومنهما من تأول "ولا ينام قلبي" على أنه لا تستغرقه آفة النوم حتى يوجد منه الحدث ولا يشعر. قال الشيخ: والأولى عندي أن يقال: ما (١٤٨) بين الحديثين تناقض، لأنه ذكر في الحديث: "إن عيني تنامان" وكذلك يوم الوادي إنما نامت عيناه فلما ير (١٤٩) طلوع الشمس وطلوعها إنما يدرك بالعين دون القلب. وقوله ﷺ : "اقْتَادُوا حَتَّى خرج من الوادي ثم صَلَّى". اختلف في علته فقيل: لأن الشمس كانت (١٥٠) طالعة. وإنما أمرهم ﵊ باقتياد رواحلهم حتى ارتفعت الشمس. [هذا يرده ما ورد في الحديث أنهم لم يستيقظوا حتى ضربتهم الشمس، أي آذتهم وذلك لا يكون إلا بعد ارتفاع الشمس] (١٥١) وقيل: إنما ذلك لما ذكر بعد من قوله ﵇: "إن هذا مَنْزِلٌ حَضَر فيه شَيْطَانٌ" وهذا هو الأظهر. قال الشيخ -وفقه الله-: مذهب أبي حنيفة أن المنْسيات لا تُقضى عند طلوع الشمس ويحتج بتأخير النبيء ﷺ حتى خَرج من الوادي. وهذا الحديث لا حجة له به لأنه كان في صلاته ذلك اليوم، وهو يوافق على أن صلاة اليوم تقضى عند طلوع الشمس والحجة عليه أيضاً.

стр. 434

٢٧٢ - قوله ﷺ : "فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذكَرهَا" فعم سائر الأوقات. وفي أحد طرقه أنه قال: ليس في النوم تفريط ثم قال بعد ذلك: "فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبِه لها فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" (ص ٤٧٣). قال الشيخ -وفقه الله-: يحتمل أن يكون ﵊ لم يرد إعادة تلك الصلاة المنسية حتى يصليها مرتين وإنما أراد أن هذه الصلاة وإن انتقل وقتها بالنسيان إلى وقت الذكر فإنها باقية على وقتها فيما بعد ذلك مع الذكر لئلا يظنّ ظانّ أن وقتها قد تغير. ٢٧٣ - قوله ﷺ : "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أْو نَامَ عَنْهَا" (ص ٤٧٧). قال الشيخ -وفقه الله-: الاتفاق على أن الناسي يقضي وقد شذّ بعض الناس فقال: ما زاد على خمس صلوات لا يلزم قضاؤها. ويصح أن يكون وجه هذا القول أن القضاء يسقط في الكثير للمشقة ولا يسقط فيما لا يشق كما أن الحائض يسقط عنها قضاء الصلاة. وعلله بعض أهل العلم بالمشقة لكثرة ذلك وتكرر الحيض، ولم يسقط الصوم (١٥٢) إذ ليس ذلك موجوداً فيه. وأما من ترك الصلاة متعمداً حتى خرجت أوقاتها فالمعروف من مذاهب الفقهاء أنه يقضي وشذ بعض الناس وقال: لا يقضي، ويحتج (١٥٣) بدليل الخطاب في قوله: "من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها" (١٥٤). دليله أن العامد بخلاف ذلك

стр. 435

فإن لم نقل بدليل الخطاب سقط احتجاجه. وإن قلنا بإثباته قلنا: ليس هذا هاهنا في الحديث من دليل الخطاب بل هو من التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا وجب القضاء على النّاسي مع سقوط الإِثم فأحرى أن يجب على العامد. والخلاف في القضاء في العَمْدِ كالخلاف في الكفارة في قتل العمد والخلاف فيهما انبنى على الخلاف: هل ما في الحديث المتقدم والآية المتقدمة من دليل الخطاب أو من مفهوم الخطاب؟. ٢٧٤ - وفي حديث الوادي من رواية أبي قتادة حين أتاه أبو قتادة بالمِيضَاة فقال النبيء ﷺ : "احفظ علينا مِيضَأتك فسيكون لها نَبَأ" ثمّ ذَكَر بَعْد ذلك "أنهم عَطِشُوا فأتَى بالمِيضَأة فجعل يصب وَأبُو قتادة يَسْقِي حَتَّى رَوُوا كُلُّهُمْ" (ص ٤٧٢). قال الشيخ -وفقه الله-: هذا فيه للنبيء ﷺ معجزتان: قولية، وفعلية. فالقولية إخباره ﵇ بالغيب وأنها سيكون لها نبأ، والفعلية تكثير الماء القليل. قوله: "ثمّ سَار حتى تَهَوَّرَ الليل". قال الهروي: معناه: حتى ذهب أكثره وانهدم كما يتهور (١٥٥) البناء. يقال: تهور الليل وتوهر. وقوله "حتى كاد ينجفل" أي ينقلب. وقوله ﵇ "أطلقوا لِي غُمَري" قال أبو عُبَيْد: يقال للقعب الصغير: غمر، وتغمرت: شربت قليلاً قليلاً، قال أعشى باهلة يرثي المنتشر:

стр. 436

[البسيط] تَكْفيه فَلْذةُ كَبد إن ألَمَّ بِهَا ... من الشِّواء ويُروى شربه الغُمَر وقوله ﷺ :"أحْسِنُوا المَلأَ" أي الخُلق. قال الفراء: أحسنوا إملاءكم، أي عَوْنَكُم من قولك: مَالأت فلانا، أي أعنته. وقوله: "فَمَجّ في الغَزْلَاوَيْن العُلْيَاوَيْن" قال ابن ولاّد: العزلاء بالمد عزلاء المزادة، وهو موضع مخرج الماء منها، قال الهروي: هو فمها الأسفل. قال الشيخ: والذي في كتاب مسلم يؤيد ما ذكره ابن ولّاد. وقوله: "فَهَدَى الله ذلِكَ الصِّرْم" قال يعقوب: الصِّرْم (بكسر الصاد) أبيات مجتمعة. ٢٧٥ - قول عائشة ﵂: "فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْن" الحديث (ص ٤٧٨). قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف في القصر في السفر فقال إسماعيل القاضي: هو فرض. وقال ابن سحنون: القياس فيمن أتم في السفر أن يعيد أبدا. وقال غيرهما من الفقهاء: بل الفرض التخيير بين القصر أو الإِتمام. واختلف هؤلاء: أيهما أفضل؟ فقال بعضهم: القصر أفضل، وهو قول الأبهري من أصحابنا وبلَّغه غيره من أصحابنا في الفضل إلى رتبة السنن. وقال الشافعى: الإِتمام أفضل. ويحتج من قال: إن القصر فرض بحديث عائشة المتقدم ويصحح الانفصال عنه بأن يقال: يحتمل أن تريد بقولها: "فرضت الصلاة" أي قدرت ثم تركت صلاة السفر على هيئتها في المقدار لا في الإِيجاب، والفرض في اللغة يكون بمعنى التقدير. ويحتج لمن قال: إنه ليس بفرض بقول الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١٥٦) ولا يقال في الجواب (*): لا جناح عليكم أن تفعلوا.

стр. 437

وأما السفر الذي يقصر فيه (١٥٧) فإن بعض الناس لم يَحدّه، واحتج بقول الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٥٨). وأكثر الناس على تحديده وكأنهم فهموا إنما خففت عن المسافر للمشقة فلم يكن عندهم القصر إلا في سفر تلحقهم فيه المشقة. واختلفوا في تقديره واختلافهم مذكور في كتب الفقهاء. (١٥٩) واختلف الناس أيضاً في الإِقامة التي إذا نواها المسافر صار في [حكم المستوطن] (١٦٠) ما هي؟ فقال ربيعة: يوم وليلة. وقيل: أربعة أيام بلياليها، وهو مذهب مالك وغيره. وقيل: اثنا عشر. وقيل: خمسة عشر. وقيل: سبعة عشر. فوجه قول ربيعة: أنه لما كان ذلك الأمد حداً للسفر المبيح للقصر والفطر كان حداً للإقامة والاستيطان. ووجه القول بالأربعة أنه ﷺ أباحَ للمُهَاجِر أن يُقيم بِمَكَّةَ بعد قضاء نسكه ثلاثاً والمهاجرون لا يستوطنون مكة فدل على أن الثلاث حكمهَا حكم السفَر للاستيطان. والخلاف الذي هو بقية الأقوال انبنى على الخلاف في مدة مقامه ﵇ بمكة عام الفتح ومقامه في حصار الطائف. ٢٧٦ - قول ابن عمر: "لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لأتْمَمْتُ" (ص ٤٨٠). قال الشيخ -وفقه الله-: يحتمل أن يكون معنى قول ابن عمر:

стр. 438

أن الصلاة إنما قصرت للتخفيف فإذا عاد هؤلاء ينتفلون فإن الإِتمام كان أولى. والمسبح: المنتفل والسُّبحة: صلاة النافلة. ٢٧٧ - وجاء في الحديث الآخر: "أن رسول الله ﷺ كَانَ يَسبّح عَلَى الرَّاحِلَة وَيُوتِرُ عَلَيْهَا وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَة" (ص ٤٨٧). قال الهروي: تسمى، الصلاة تسْبِيحا، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (١٦١) أي من المصلين. قال الشيخ: والتنفل على الدابة جائز في السفر الذي تقصر فيه الصلاة حيثما توجهت به الدابة، واختلف في السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، فأجازه بعض الشافعية في الحضر. ٢٧٨ - قال الشيخ: خرَّج مسلم في باب ما تقصر فيه الصلاة حديثا "عن جُبيرُ بن نُفَيْر قال: خرجت مع شُرَحبيل بن السِّمط إلى قرية على رأس سبعة عشر ميلاً أو ثمانية عشر ميلاً فصلَّى ركعتين فقلت له فقال: رَأيْتُ ابْنُ عُمَرَ صلَّى بذِي الحَلَيْفَةِ ركعتين" هكذا في نسخة ابن الحذاء: "رأيت ابْن عُمَرَ" والصواب "رَأيْتُ عُمَرَ" كذلك رواه الجُلُودي "رأيت عمر" (ص ٤٨١) والحديث محفوظ لعمر ﵁، وكذلك خرّجه ابن أبي شَيْبَة والبزار وغيرهما "عن عمر ﵁". ٢٧٩ - قوله: "خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ". (١٦٢) (ص ٤٨٥).

стр. 439

قال الشيخ - وقع في كتاب مسلم (بالذال المعجمة)، وشرحه الهروي في باب الراء مع الزاي وقال عن أبي عبيد: إن الرزع، الطين والرطوبة، وقد أرْزعت السماءُ فهي مرْزعة. [ذكر أحاديث الجمع بين الصلاتين] (١٦٣) ٢٨٠ - قال الشيخ: الجمع بين الصلوات المشتركة الأوقات تكون تارة سنة وتارة رخصة، فالسنة الجمع بعرفة والمزدلفة ولا خلاف فيه. وأما الرخصة فالجمع في المرض والسفر والمطر فمن تمسك بحديث صلاة النبيء ﷺ مع جبريل ﵇ وقدَّمه لم ير الجمع في ذلك. ومن خصه أثبت جواز الجمع في السفر بالأحاديث الواردة فيه وقاس المرض عليه فيقول: إذا أبيح للمسافر الجمع لمشقة السفر فأحرى أن يباح للمريض. وقد قرن الله تعالى المريض بالمسافر في الترخص له في الفطر والتيمُّم. وأما الجمع في المطر فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء. وعنه قولة شاذة: أنه لا يجمع إلا في مسجد الرسول ﷺ . ومذهب المخالف جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المطر. واحتج القائلون بالجمع بالحديث الذي فيه:"أنه ﷺ صلَّى بالمدينة ثمانياً وسبعاً" قال مالك: أرى ذلك في (١٦٤) المطر. وهذا

стр. 440

المعنى تأوله غيره فقال بالجمع بين الظهر والعصر على ما جاء في الحديث ولم يقل مالك بذلك في صلاة النهار وخص الحديث بضرب من القياس وذلك أن الجمع للمشقة اللاحقة في حضور الجماعة. وتلك المشقة إنما تدرك الناس في الليل لأنهم يحتاجون إلى الخروج من منازلهم إلى المساجد وهم في النهار متصرفون في حوائجهم فلا مشقة تدركهم في حضور الصلاة. وتأويل الحديث على أنه كان في مطر يضعفه ما في أحد طرق هذا الحديث وهو قول ابن عباس: "جَمَعَ رسولُ الله ﷺ بَيْنَ الظُّهرِ والعَصْر والمغرب والعشاءِ في المَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوف وَلَا مَطَرٍ (١٦٥) فقد نص ابن عباس على أنه لم يكن في مطر. قال الشيخ -وفقه الله-: وقيل في تأويله: إن ذلك كان في الغيم وأنه ﷺ صلى الظهر ثم انكشف لهم في الحال أنه وقت العصر فصلاها. وهذا يضعف جمعه في الليل لأنه لا يخفى دخول الليل حتى يلتبس وقت (١٦٦) المغرب مع وقت العشاء ولو كان الغيم. قال الشيخ: والأشبه أن يكون فعل ذلك في المرض. والذي ينبغي أن يحمل عليه ما أعيا بناؤه أو تأويله من أحاديث الجمع عند من لا يقول به: أنّه أوقع الصلاة الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها. ٢٨١ - قال الشيخ -وفقه الله-: خرّج مسلم في هذا الباب: "حدثنا أبو الطّاهر وعمرو بن سوَّاد قالا أخبرنا ابن وهب قال أخبرني جابر ابن إسماعيل عن عُقَيْل عن ابن شهاب عن أنس عن النبيء ﷺ أنه كان إذا عجل عليه السير" الحديث (ص ٤٨٩). روي هذا الإِسناد مجودا. ووقع في نسخة ابن ماهان: "أخبرنا ابن

стр. 441

وهب حدثني إسماعيل عن عقيل". فهذا وهم وإنما هو: جابر بن إسماعيل شيخ لابن وهب مصري. ووقع في بعض النسخ أيضاً: "ابن وهب عن ابن اسماعيل" وليس بشيء. ٢٨٢ - قال الشيخ: وخرّج مسلم في هذا الباب أيضاً حديث قرة ابن خالد قال: "حدثنا أبو الزبير المكي قال حدثنا عمرو بن واثلة أبو الطفيل قال حدثنا معاذ بن جبل قال: جمع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك" الحديث (ص ٤٩٠). هكذا أتى في هذا الإِسناد: أبو الطفيل عمرو بن واثلة. والمشهور المحفوظ في اسم أبى الطُّفَيْل عامر لا عمرو وإنما أتى هذا من قبل الراوي عن أبي الزبير. قال الشيخ: قال بعضهم هو عامر بن واثلة الليثي المكي من ليث بن بكر بن عبد مناة. ومن قال: أبو الطّفيل البكري نسبة إلى بكر بن عبد مناة وليس من بكر بن وائل. وقد نبه عليه البخاري في تاريخه الكبير فقال: اسمه عامر. وقال بعضهم: عمرو. وقال في الأوسط: اسم أبى الطّفيل عامر ونحوه في كتاب التمييز لمسلم. ٢٨٣ - قوله ﷺ للرّجل الذي رآه يُصَلِّي والمُؤَذِّنُ يُقِيم: "أتُصَلِّي الصِّبْحَ أرْبَعًا؟ " وفي حديث آخر "يُوشك أنْ تُصَلِّيَ الصُّبْحَ أرْبَعًا" (ص ٤٩٣). قال الشيخ -وفقه الله-: هذه إشارة إلى أن علة المنع حماية للذريعة لئلا يطول الأمر ويكثر ذلك فيظن الظان أن الفرض قد تغير. وهذا يقرب من المعنى الذي ذكرناه عن ابن عمر في إنكاره على المتنفل في السفر وبِنَحْوِ ما وجهنا به منع الركوع عند صلاة الصبح اعتذِر عن عثمان ﵁ في إتمامه الصلاة بمِنى، وإنما ذلك خِيفة أن يغتر الجهّال إذا صلَّى ركعتين ويظنوا أن الصلاة غُيرت. وقد شذ بعض الناس فأجاز أن يركع للفجر في المسجد والإِمام في الصلاة. ولعله لم تبلغه هذه الأحاديث أو تأول ذلك على أنه فيمن أخذ يصلّي الصبح وحده قبل صلاة الإِمام ثم يعيدها معه.

стр. 442

٢٨٤ - ذكر في بعض [طرق] (١٦٧) هذا الحديث أنه قال له: "بِأيّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدْتَ أبصَلَاتِكَ وَحْدَكَ أمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟ " (ص ٤٩٤). وقد اختلف في ركعتي الفجر: هل هما سنة أو فضيلة. وهذا الخلاف إنما هو راجع إلى زيادة الأجر وتأكيد فعلها لأن هذه الأقسام كلها لا يأثم من ترك منها شيئاً. وإنما يتفاضل أجره في فعلها فأعلاها أجرا هو المسمى بالسنة. ٢٨٥ - (١٦٨) قوله ﷺ : "إذا دَخَلَ أحَدُكُمْ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ" (ص ٤٩٥). قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف فيمن أتى المسجد بعد الفجر وقد ركع ركعتي الفجر: هل يحيي المسجد بركعتين؟ وسبب الخلاف معارضة عموم هذا الحديث لعموم الحديث الآخر الذي فيه النهي عن الصلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر. وقد قال بعض أصحابنا: إن من تكرر دخوله إلى المسجد فإنه تسقط عنه تحية المسجد كما أن المختلفين إلى مكة والمترددين إليها من الحطّابين وأهل الفاكهة يسقط عنهم الدخول بالإِحرام. وكذلك أسقطوا سجود التلاوة عن القَرَأةِ والمقرئين والوضوء لمس المصحف عن المتعلمين. ٢٨٦ - (١٦٩) -قول عائشة ﵂:"مَا رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يصلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى" الحديث (ص ٤٩٧). وقول النبيء ﷺ " في قيام رمضان: "ما مَنَعَنِي مِنَ الخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَاّ أنَّي خَشِيتُ أنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ" الحديث (١٧٠).

стр. 443

قال الشيخ: محمل ذلك على أنه ﷺ أوحى الله إليه بذلك وأعلمه الله أنه متى واظب على فعل مثل هذا فُرِض على أمته فأشفق ﵇ علي أمته وكان ﷺ كما قال الله : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٧١). ٢٨٧ - (١٧٢) - قوله ﷺ : "قَدْ أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يَا أمَّ هَانِىء" (ص ٤٩٨). هذا محتمل أن يريد به الخبر أن حكم الله تعالى أن من أجرته مجار، ويحتمل أن يكون رأيًا رآه في إنفاذ جوارها وحكماً ابتدأه من قِبَلِهِ ﷺ وقضى به في تلك النازلة. وعلى المراد بهذا اللفظ جرى الخلاف فيمن أجاره أحد من المسلمين هل يمضي ذلك على الإِمام ولا يكون له نقض جواره أم لا؟ ومن هذا النمط قوله ﷺ : "من قتل قتيلاً فله سَلَبُه" (١٧٣) هل هو إخبار عن الحكم أو ابتداء حكم في هذه القضية؟ وعلى هذا جرى الخلاف بيننا وبين الشافعي في القاتل هل يستحق السَّلَب حكماً أو حتى ينفله إياه الإِمام إن شاء. ٢٨٨ - (١٧٤) - قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف في العدد الذي يجمع من الركعات في الصلاة النافلة من غير فصل. فقال مالك: لا يجمع أكثر من ركعتين. وقال أبو حنيفة: يصلى اثنتين إن شاء أو أربعاً أو ستاً أو ثمانيا ولا يزيد على الثمان، فاعتمد مالك على حديث "مثنى مثنى"، وعلى حديث ابن عباس حين بات عند خالته ميمونة ﵄. وقدم ذلك

стр. 444

على غيره من الأحاديث لما ترجح به عنده من مصاحبة العمل له وغير ذلك. واحتج المخالف للاثنتين بهذه الأحاديث. والأربع (١٧٥) بما وقع في حديث عائشة ﵂: "أنّها قالت: كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أرْبعًا" وبما في صلاته ﷺ في اللّيل وبحديث أمّ هاني في الثّمان. ومالك قد يحمل ذلك على "أنه أيضاً ﷺ كان يُسَلِّمُ مِن رَكْعَتَيْنِ" إذ ليس في الأحاديث التصريح بأنه لم يسلّم. ويحتج أيضاً المخالف في بقية العدد المذكور بما في حديث عائشة ﵂ الذي وقع في الكتاب من صلاته ﷺ في الليل سَبْعًا وثمانياً. ويرجح المخالف مذهبه بأنه يستعمل جميع الأحاديث ولا يسقط منها شيئاً. ويقول: المذهب الذي يؤدي إلى استعمال الأحاديث أرجح من الذي يسقط بعضها. (من ص ٥٠٨ إلى ص ٥١٢). قال الشيخ -وفقه الله-: واختلف أيما أفضل في النوافل هل طول القيام وإن قل الركوع والسجود أم الإِكثار من الركوع والسجود وإن قصر القيام؟ فقيل: طول القيام أفضل لقوله ﷺ : "أفْضَلُ الصّلاةِ طولُ القنوت" (١٧٦) وقيل: بل الأفضل الإِكثار من السجود وإن خف القيام لِحديث أم هاني المذكور وقوله ﷺ : "أعِنِّي عَلَى ذلك بِكَثْرَة السُّجُودِ" (١٧٧) وقيل: أما في النهار فكثرة السجود أفضل لحديث أم هاني، وأما في الليل فطول القيام أفضل لما روي فيه من فعله ﷺ . ٢٨٩ - قال الشيخ -وفقه الله-: خرج مسلم في باب صلاة الضحى: "حدثنا عن الضحاك بن عثمان عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنَيْن عن أبي مرة مولى أمّ هاني عن أبي الدرداء. قال: أوصاني حبيبي بثلاث"

стр. 445

هكذا في الحديث عن أبي الدرداء قال بعضهم: وفي نسخة أبى العلاء: عن أم الدرداء مكان أبى الدرداء. والصواب: عن أبي الدرداء كما في نسخة أبي أحمد الجلودي (ص ٤٩٩). ٢٩٠ - قال الشيخ: وخرج مسلم في باب صَلَاةِ النَافِلة: "حدثنا عن إسماعيل بن عُلَية عَن الَوليد بن أبي هِشام عَن أبي بكر ابن مُحَمد عَن عَمْرة عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: كَان رَسُول الله ﷺ يَقْرَأ وَهْوَ قَاعِدٌ" الحديث (ص ٥٠٥). هكذا روي في هذا الإسناد الوليد بن أبي هاشم، ورده أبو عبد الله بن الحذاء في نسخته: الوليد بن هشام ووهم فيه. والصواب: ابن أبي هشام مكي، وهو مولى عثمان ﵁ يعدّ في البصريين وكذلك رواه أبو أحمد وأبو العلاء. وفي الرواة أيضاً الوليد بن هشام المعيطي شامي روى مسلم له أيضاً. ٢٩١ - (١٧٨) - وقول عَائشَة ﵂: "بَعْدَمَا حَطَمَهُ النَّاسُ" (ص ٥٠٦). قال الهروي: يقال: حطم فلانا أهلُه، إذا كبر فيهم كأنه لما حمله من أَثّقَالِهِمْ صيروه شيخاً محطوماً. والحَطْمُ: كَسْرُكَ الشْيءَ اليابس. ٢٩٢ - وَقولها: "لَمَّا بَدَّنَ وَثَقُلَ كَانَ أكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا" (ص ٥٠٦). [قال أبو عبيد] (١٧٩) بدَّن الرجل تبدينا إذا أسن. وأنشد: [الرجز] وَكُنْتُ خِلْتُ الشَّيْبَ والتَّبْدِينَا ... وَالْهَمَّ مِمَّا يُذْهِلُ القَرِينَا

стр. 446

قال: ومن رواهُ بدُن فليس له معنى في هذا لأنه خلاف صفته ﷺ . ومعناه كثرة اللحم. يقال: بَدُن يَبْدُنُ بَدَانَةً. قال الشيخ: أنكر أبو عبيد بَدُن (بضم الدال). وقد جاء في كتاب مُسْلم قول عائشة: "فلمّا أسن ﵇ وأخَذَ اللحم أوتر بسبع" (١٨٠). ٢٩٣ - قَولهُ ﷺ : "صلَاَةُ الأوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَال" (ص ٥١٥). قال الهروي وغيره: الأواب الكثير الرجوع إلى الله سبحانه. وقيل: المطيع، وقيل: الراحم، وقيل: المسبح. وقوله "إذَا رمضت الفصال" (١٨١) يعني ارتفاع الضحى. ورمض الفصال: أن تحترق الرمضاء، وهي الرمل فتبرك الفصال من شدة حرها وإحراقها أخفافها. ٢٩٤ - قوله ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثنَى مَثْنَى فَإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ" (ص ٥١٦). قال الشيخ -وفقه الله-: مذهب أبي حنيفة أن الوتر واجب وليس بفرض على طريقته وطريقة أصحابه في التفرقة بين الفرض والواجب مع أنهما جميعاً يأثم تاركهما عنده. وفرّق بعضهم بينهما بأن الواجب هو وجب بالسنة، والفرض ما وجب بالقرآن. وقال بعضهم: الواجب ما لا يكفر من خالف فيه، والفرض ما يكفر من خالف فيه. وهذه التفرقة عندنا غير صحيحة على مقتضى اللسان بل الأولى على حكم الاشتقاق أن يكون الواجب آكد من الفرض. وأما الوتر فهو عند مالك سنة وما وقع لبعض أصحابنا من تجريح تاركه. ولبعضهم أمر تأديبه محمول على أنه إنما استحق ذلك لأن تركه عنده عَلَمٌ على الاستخفاف بالدين لا لأجل أن الوتر فرض.

стр. 447

ولا يؤتر عندنا بواحدة لا شفع قبلها من غير عذر. وأوتر سحنون في مرضه بواحدة، وأجازه بعض أصحابنا في السفر. وقال الشافعى: يوتر بواحدة لا شفع قبلها من غير عذر فإن احتج له بقول النبيء ﷺ : "فَأوْترْ بِوَاحدة" (١٨٢) قلنا: لم يكن ذلك إلا بعد شفع، وإن احتج بأن سعدا أوتر بواحدة قلنا: لعله كان لعذر. وينبني الخلاف أيضاً بيننا وبينه على الخلاف في الوتر: هل هو وتر لصلاة العتمة أو لصلاة النافلة؟ فإن قيل: إنه للعتمة قاد ذلك إلى مذهبه وإن قيل: وتر للنوافل احتيج إلى شفع قبله كما قلنا. واختلف القائلون بأن لا بد من شفع قبل الوتر: هل يفصل بسلام بين الشفع والوتر أم لا؟ والحجة للفصل بينهما حديث: "ابن عباس أن النَبيِء ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْن" (١٨٣) الحديث، وحديث: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" (١٨٤). ٢٩٥ - قال الشيخ: وقوله "طُولُ القُنُوتِ" (ص ٥٢٠). فللقنوت سبعة معان: الصلاة، والقيام، والخشوع، والعبادة، والسكوت، والدعاء، والطاعة. قال ابن أبي زمنين وغيره: أصل القنوت الطاعة. ٢٩٦ - قوله: "ثُمًّ عَمَدَ إلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ" (ص ٥٢٧). الشجب: السقاء الذي قد استشنّ. وأخلق، وقال بعضهم: سقاء شاجب، أي يابس. وفي الحديث الآخر "فقام إلى شَنّ معلّق" (١٨٥) فبين

стр. 448

أن الشجب هو الشنّ والشنّ، هو السقاء الخلق، وجمعه شنان، ويقال للقربة شنّة (١٨٦). ٢٩٧ - وقوله: "فأتَى القربة فَأطْلَقَ شِنَاقَهَا" (ص ٥٢٥). قال أبو عبيد قال: أبو عبيدة: شناق القربة هو الخيط أو السير الذي تعلق به القربة على الوتد. يقال منه: اسْتشنقتها استشناقا. وقال غيره: الشناق خيط يشدّ به فم القربة. قال أبو عبيد: وهو أشبه القولين. قول ابن عبّاس ﵁: "فَأخَذَ أذُنِي يَفْتِلُهَا قِبَلَ وَجْهِهِ" (١٨٧) إنه أراد أن يذكر القصة بعد ذلك لصغر سنه. وقيل: لينفي عنه العين لما أعجبه قيامه معه. وقيل: إن في فَتْلِ الأذن تنبيها للفهم وقيل: وفي بعض طرق حديثه "فَكُنْتُ إذَا أغْفَيْتُ يَأخُذُ شَحْمَةَ أذُنِي [يَفْتِلهَا] " (١٨٨) فقد بين في هذا الحديث أنه إنما فعل ذلك لينبهه من النوم. ٢٩٨ - قوله ﷺ : "يَنْزِلُ رَبُّنَا تَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ" (الحديث (ص ٥٢١). قيل: معناه: ينزل ملك ربّنا، على تقدير حذف المضاف، كما يقال: فعل السلطان كذا، وإن كان الفعل وقع من أتباعه، ويضاف الفعل إليه لما كان عن أمره. ويحتمل أن يكون عبّر بالنزول عن تقريب الباري تعالى للداعين حينئذ واستجابته لهم وخاطبهم ﷺ بما جرت به عادتهم ليفهموا عنه. وكأنَّ المتقرب منا إذا كان في بساط واحد مع من يريد الدنو منه عبر عن ذلك بأن يقال: جاء وأتى، وإذا كان في علو قيل: نزل وتجلى. وقد ورد في الكتاب والسنة: جاء وأتى ونزل وتجلى.

стр. 449

٢٩٩ - (١٨٩) - قوله ﷺ : "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتَسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (ص ٥٢٣). قال الشيخ -وفقه الله-: ما الأفضل (١٩٠) في قيام رمضان لمن قوي عليه: هل إخفاؤه في بيته أم صلاته في المسجد؟ استحب مالك أن يقوم في بيته واستحب غيره قيامه في المسجد. يحتج لمالك بقوله ﷺ : "أفْضَلُ الصَّلَاةِ مَا كَانَ فِي بُيُوتِكُم إلَاّ الصَّلَاةَ المَكْتوبَة" وللمخالف بفعله ﷺ ، وبأن عمر ﵁ استحسن ذلك من الناس لما رأى قيامهم في المسجد. ومن جهة المعنى أن مالكا احتاط للنية وآثر المنفعة النفسية، والمخالف رأى الإِظهار أدعى إلى القلوب الآبية وأبقى للمعالم الشرعية. ٣٠٠ - "فَأمَّا لَيْلةُ القَدْرِ" (ص ٥٢٤). فمن الناس من قال: إنها ليلة في سائر السنة لكنه قال: إنما قلت ذلك لئلا يتّكل الناس. وقال غيره: بل هي في رمضان. وجل قول أهل العلم: إنها في العشر الأواخر، وإنها في الأفراد منها. وأحسن ما بُنيت عليه الأحاديث المختلفة في تعيينها أن يقال: إنها تختلف حالها فتكون سنة في ليلة وسنة في ليلة أخرى، وكأنه أجر يكتبه الله للعامل فيتفضل به في ليلة وفي غيرها من السنين في ليال أخر. ٣٠١ - قوله ﷺ : "اللَهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ" (ص٥٣٢). وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١٩١).

стр. 450

قيل معناه: مُنوّر السماوات والأرض، أي خالق نورها. ٣٠٢ - وَقَوْلهُ ﷺ في حَدِيث آخر: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ" (ص ٥٣٤). تتعلق به المعتزلة في أن الله تعالى سبحانه لا يخلق الشر. ونحمله على أن معناه لا يتقرب إليك بالشر. وقوله ﷺ : "سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ" (ص ٥٣٤). يحتج به من يقول: إن الأذنين من الوجه يغسلان لأنه ﷺ أضاف السمع إلى الوجه. قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف في حكم الأذنين فقيل: يمسحان لأنهما من الرأس. وقيل: يغسلان كما ذكرنا. وقيل: أما باطنهما فيغسل مع الوجه وأما ظاهرهما فيمسح مع الرأس. ٣٠٣ - (١٩٢) - قال الشيخ: خَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي بَابِ الحَضِّ عَلَى صَلَاة اللَّيْلِ: "حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بن سَعِيد حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن عُقيل عَن الزُّهِرِي عَن عَليّ ابن حُسَيْن أنَّ الحَسَنَ بن عَليّ حَدَّثَهُ عَن عَلِي ﵃ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵂ فَقَالَ: ألَا تُصَلُّونَ" الحديث (ص ٥٣٧). قال الدارقطني: كذا رواه مسلم "عن قتيبة أن الحسن بن علي". وقد تابعه على ذلك إبراهيم بن نصر النهاوندي والحنيني، وخالفهم النسائي والسراج وموسى بن هارون عن قتيبة قالوا: "إنّ الحسين بن علي". وكذلك قال أصحاب الزهري منهم صالح بن كيسان وابن جُريج وإسحاق بن راشد وابن أبي أنيسة وابن أبي عتيق وغيرهم: "عن الزهري عن علي بن حسين

стр. 451

ابن علي عن أبيه عن علي". وكذلك وقع في نسخة الجلودي: "الزهري عن علي بن حسين أنَّ الحسين بن علي حدّثه عن علي بن أبي طالب". وفي نسخة ابن ماهان: "عقيل عن الزهري عن علي بن حسين بن علي عن علي بن أبي طالب". هكذا روي عنه وأسقط من الإِسناد رجلاً قاله عنه أبو زكرياء الأشعري وابن الحذاء. والصواب ما تقدم. ٣٠٤ - (١٩٣) - قوله ﷺ : "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أحَدِكُمْ" الحديث (ص ٥٣٨). قال الشيخ -أيده الله-: بَوَّبَ البخاري عليه: عقد الشيطان على رأس من لم يصل. وفي الحديث: "أنه يعقد على قافية رأس أحدكم وإن كانت منه الصلاة بعد ذلك وإنما تنحل عقده بالصلاة والذكر". والذي يفهم من تبويب البخاري أن العقد إنما يكون على رأس من لم يصل فقط. وقد يعتذر عنه بأنه إنما قصد من يستدام العقد على رأسه بترك الصلاة، وقدّر من انحلت عقدُه كأنه لم تعقد عليه. قال الهروي وغيره: قفا (١٩٤) كل شيء وقافيته آخره. ٣٠٥ - (١٩٥) - قوله ﷺ : "عَلَيْكُمْ مِنَ الأعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا" (ص ٥٤٠). قال الشيخ -وفقه الله-: الملالة التي بمعنى السآمة لا تجوز على

стр. 452

الله سبحانه. وقد اختلف في تأويل هذا الحديث فقيل: إنما ذلك على معنى المقابلة، أي لا يدَعُ الجزاء حتَّى تَدَعُوا العمل. وقيل: "حتى" هاهنا بمعنى الواو فيكون قد نفى عنه جلت قدرته الملل فيكون التقدير لا يمل وتملّون. وقيل: حتى، بمعنى حين. ٣٠٦ - (١٩٦) - قوله ﷺ : "إذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإنَّ أحَدكم إذَا صَلَّى وَهْوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ" (ص ٥٤٢). قال الشيخ: هذا يحتج به على من يرى أن نفس النوم ينقض الطهارة كالحدث لأنه لم يعلل بانتقاض الطهارة وإنما قال: "فيسب نفسه". وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فقال المزني: النوم ينقض الطهارة قلّ أو كثر. وذكر عن بعض الصحابة ﵃: أنه لا ينقض الطهارة على أي حال كان. وغير هذين من الفقهاء يقول: ينقض على صفة وما هذه الصفة؟ أبو حنيفة يرى الاضطجاع ومالك يراعي حالة يغلب على الظن خروج الحدث فيها ولا يشعر. وما وقع بين أصحابه من مراعاة ركوع أو سجود أو اشتغال أو غير ذلك فإنما هو خلاف في حال، فبعضهم رأى تلك الحالة لا يشعر بالحدث معها، وبعضهم لم يرها. وأصل الفقه ما قلناه. ٣٠٧ - قوله ﷺ في القرآن: "فَلهْوُ أشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِن النَّعَمِ بِعُقُلِهَا" (ص ٥٤٤). قال الهروي: كل شيء كان لازما للشيء ففصل منه قيل: تفصّى منه كما يتفصّى الإنسان من البلية، أي يتخلص منها. قال الشيخ: وتفسيره في الحديث الآخر الذي بعده لأن فيه: "لهو

стр. 453

أشد تفلتا من الإِبل في عقلها". وهو جمع عقال نحو كتاب وكتب. والنعم تذكر وتؤنث وهي هاهنا الإِبل خاصة. ٣٠٨ - (١٩٧) - قوله ﷺ : "مَا أذِنَ الله لِشَيْءٍ مَا أذِنَ لِنَبِيءٍ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ" (ص ٥٤٥). قال الشيخ -وفقه الله-: أذن في اللغة بمعنى استمع. فأما الاستماع الذي هو الإِصغاء فلا يجوز على الله سبحانه. فهو مجاز هاهنا فكأنه عبّر عن تقريبه للقاري وإجزال ثوابه بالاستماع والقبول، وكذلك سماع الباري تعالى للأشياء لا يختلف. وإنما المراد هاهنا أنه يقرب الحسن القراءة أكثر من تقريب غيره. والتفاضل في التقريب وزيادة الأجور يختلف فتعبيره عن ذلك بما يؤدي إلى التفاضل في الاستماع مجاز. وأما قوله ﷺ : "يَتَغَنَّى بِالقُرْآن" فَيتأوّله من يجيز قراءة القرآن بالألْحان على ذلك المعنى. وقال الهروي: معنى "يتغنى به" يجهر به. ومثله قوله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". قال سفيان: معناه من لَمْ يستغن. يقال: تغنَّيت وتغانيت بمعنى استغنيت. قال غيره: كل من رفع صوته ووالى (١٩٨) به فصوته عند العرب غناء. قال الشافعي: معناه تَحْزِينُ القراءة وترقيقها. ومما يحقق ذلك قوله ﷺ في الحديث الآخر: "زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْوَاتِكُمْ"، قال غيره: من ذهب به إلى الاستغناء فهو من الغنى (١٩٩) ضد الفقر، وهو مقصور. ومن ذهب به إلى التطريب فهو من الغناء الذي هو مد الصوت وهو ممدود. ٣٠٩ - قوله ﷺ في: "الَّذِي يَتَتَعْتَعُ بِالْقُرْآن لَهُ أجْرَانِ" (ص ٥٤٩).

стр. 454

يحتمل أن يريد بالأجرين الأجر الذي يحصل له في قراءة حروف القرآن، وأجر المشقة التي تناله في القراءة. ٣١٠ - وقوله ﷺ : لأبَيّ بن كعب: "أمَرَنِي الله أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " (٢٠٠) (ص٥٥٠). قال الشيخ -وفقه الله-: قيل: إنما قرأ عليه رسول الله ﷺ ليأخذ أبيّ عنه ﵇، فإن كان أبَيّ لم يكن حافظاً لما قرأ عليه تعلم ذلك منه، وإن كان حافظاً له تعلم طريق القراءة وترتيبها، لأن القاري يصح منه أن يقرأ بالتطريب وبغير ذلك، فتؤخذ أيضاً عن الرسول ﷺ رتبة القراءة ليعلم القاري على أيّ صفة يقرأ القرآن. ٣١١ - ذكر في الحديث: "أنَّ عَبّدَ الله بنَ مسعودٍ لَمَّا شَمَّ رَائِحَةَ الخَمْرِ عَلَى الَّذِي أنْكَرَ عَلَيْهِ قِرَاءَةَ سُورَةَ يُوسف حَدَّهُ" (ص ٥٥١). وهذا حجة على أبي حنيفة الذي لا يوجب الحد بالرائحة. ٣١٢ - قوله ﷺ في البقرة وآلِ عمران: "إنَّهُمَا يَأتِيَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأنَّهُمَا غَمَامَتَانِ وكَأنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أوْ كأنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْر صَوافَّ" (ص ٥٥٣). قال الشيخ -وفقه الله-: قال بعض أهل العلم: يكون هذا الذي يؤتى به يوم القيامة جزاء عن قراءتهما، فأجرى اسمهما على ما كان من سببهما كعادة العرب في الاستعارة. قال أبو عبيد: الغَياية كل شيء يظل الإِنسان فوق رأسه مثل السحابة والغبرة. يقال: غايا القوم فوق رأس فلان بالسيف كأنهم أظلوا به. قال غيره: والفرقان القطعان.

стр. 455

٣١٣ - قوله ﷺ : "مَنْ قَرَأ هَاتَيْنِ الآيَتَيْن مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَة كَفَتَاهُ" (ص ٥٥٤ - ٥٥٥). يحتمل أن يريد: كفتاه من قيام الليل أو من أذى الشياطين. قال الشيخ: خرّج مسلم في باب فضائل القرآن حديث: "الأعمش عن إبراهيم عن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأ بِالآيَتَيْن" الحديث (ص ٥٥٥). قال بعضهم: سقط من نسخة أبى العلاء ذكر إبراهيم بن الأعمش وعلقمة. والصواب إثباته. وبه يتصل الإِسناد، وكذلك خرجه البخاري والنسائي. ٣١٤ - قوله ﷺ : "قُلْ هُوَ الله أحَدٌ تَعْدِلُ ثُلَثَ القُرْآنِ" وفي حديث آخر: "أنَّ الله جَزَّأ القُرْآنَ ثَلَاثَةَ أجْزَاءٍ فَجَعَلَ قُلْ هُوَ الله أحَدٌ جزْءًا مِنْ أجْزَاءِ القُرْآنِ" (ص ٥٥٦ - ٥٥٧). قال الشيخ -وفقه الله-: قيل معنى ذلك أن القرآن على ثلاثة أنحاء قصص وأحكام وأوصاف لله جلّت قدرته، وقل هو الله أحد تشتمل على ذكر الصفات فكانت ثلثا من هذه الجهة. وربما أسعد هذا التأويل ظاهر الحديث الذي ذكر فيه "أن الله تعالى جزّأ القرآن". وقيل: معنى ثلث القرآن لشخص بعينه قصده رسول الله ﷺ ، وقيل: معناه ان الله يتفضل بتضعيف الثواب لقارئها، ويكون منتهى التضعيف إلى مقدار ثلث ما يستحق من الأجر على قراءة القرآن من غير تضعيف أجر. وفي بعض روايات هذا الحديث: "أن رسول الله ﷺ حَشَدَ النَّاسَ وَقَالَ سَأقْرَأ علَيْكُمْ ثُلُثَ القُرْآن فَقَرَأ قُلْ هُوَ الله أحَدٌ". وهذه الرواية تقدح في تأويل من جعل ذلك لشخص بعينهِ. ٣١٥ - قوله ﷺ في حديث الذي قيل له: "إنَّهُ يَقْرَأ فِي كُلِّ صَلَاة بِقُلْ هُوَ الله أحَدٌ، لَمَّا قَالَ: إنِّي أحِبُّهَا، قَالَ ﵊: إنَّ الله يُحِبُّهُ" (ص ٥٥٧).

стр. 456

قال الشيخ -وفقه الله-: الباري لا يوصف بالمحبة المعهودة فينا، لأنه يتقدس عن أن يميل أو يمال إليه، وليس بذي جنس أو طبع فيتصف بالشوق الذي تقتضيه الجنسية والطبيعة (٢٠١) البشرية وإنما معنى محبته سبحانه للخلق إرادته لثوابهم وتنعيمهم على رأي بعض أهل العلم، وعلى رأي بعضهم أن المحبة راجعة إلى نفس الإِثابة والتنعيم لا للإِرادة. ومعنى محبة المخلوقين له إرادتهم أن يُنعِم (٢٠٢) ويحسن إليهم. ٣١٦ - قوله ﷺ : "أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أحْرُف فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ" (ص ٥٦٠). قال الشيخ -وفقه الله-: من الناس من ظن أن المراد بهذا سبعة معان مختلفة كالأحكام والأمثال والقصص إلى غير ذلك. وإنما غره في ذلك حديث رُويَ عن النبيء ﷺ " ذكر فيه: "أنْزِلَ القُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ "وفسره بهذا المعنى. [وهذا التأويل خطأ] (٢٠٣) لأنه ﵇ أشار في هذا الحديث إلى جواز القراءة بكل حرف وإبدال حرف من السبعة بحرف آخر وقد تقرر إجماع المسلمين على أنه لا يحل إبدال آية أمثال بآية أحكام. قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ (٢٠٤). وكذلك ظن آخرون أن المراد به إبدال خواتم الآي فيجعل مكان غفور رحيم، سميع بصير ما لم يتناقض المعنى فيبدل آية رحمة بآية عذاب. وهذا أيضاً فاسد لأنه قد استقر الإِجماع على منع تغيير القرآن ولو زاد أحد من المسلمين في كلمة منه حرفاً واحداً أو خفف مشدَّدا أو شدّد مخفَّفا لَبَادَرَ الناس إلى إنكاره فكيف بإبدال كثير من كلماته. وإذا فسد هذان. التأويلان قلنا ينبغي

стр. 457

أن يعلم أن الحرف في اللغة هو الطرفُ والناحية. ومنه حرف الوادي، أي طرفه وناحيته. ومنه تسميتهم الشكل المقطوع من حروف المعجم حرفاً لأنه ناحية وطرفٌ من الكلام. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (٢٠٥) يعني على غير طمأنينة لأن الشاك كأنه على طرف وناحية من الاعتقاد. وإذا ثبت هذا قلنا: قد اتضح أن الحرف من الأسماء المشتركة فينطلق على المذهب الأول الذي هو المعاني المختلفة لأن كل معنى منها طرف وناحية من صاحبه. وينطلق أيضاً على المذهب الثاني وهو إبدال خواتم الآي لأن كل مبدل طرف وناحية من الكلام. ولكن منعنا من حمل حديثنا هذا عليه ورود الشرع بِمنع الإِبدال فلا بد من حمله على أحرف يجوز إبدالها وليس إلا ما تقرر في الشريعة جواز إبداله وهو نحو الإِمالة والفتح فإن أحدهما يبدل بالآخر والتفخيم والترقيق والهمز والتسهيل والإِدغام والإِظهار وما أشبه ذلك. والغرض منه حمل الحديث على أنه أراد ناحية وطرفا من اللغات ولكن يبقى على هذا المذهب نظر آخر: هل المراد بذلك وجود قراءات سبع في كلمة واحدة أو يكون إنما أشار إلى تردد سبع لغات في سائر الآيات؟ فهذا مَا (٢٠٦) اختلف فيه أهل هذه الطريقة وللنظر فيه مجال. ٣١٧ - ووقع في بعض طُرق مُسلم عن أُبَيّ "أنَّ النبيء ﷺ لمَّا حسّن لِلْقَرَأةِ المُخْتَلِفَةِ قِرَاءَتَهُمْ مَا قَرَأوا بِهِ قَالَ أبَّي: فَسُقط في نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلَا إذْ كُنْتُ فِي الجَاهِلِيَّة. فَلَمَّا رَأى رَسُولُ الله ﷺ مَا قَدْ غَشِيَني ضَرَبَ صَدْرِي فَتَصَبَّبْتُ عَرَقًا فَكَأنَّمَا أنْظُرُ إلَى الله فَرَقًا فَقَالَ لِي يَا أُبَيُّ أُرسل إلَيَّ ... " الحديث (ص ٥٦١). قال الشيخ: وهذا مما ينبغي أن يحمل فيه على أبيّ أنه وقع في نفسه

стр. 458

خاطرٌ ونزْغة من الشيطان غير مستقرة لأن إيمان الصحابة ﵃ فوق إيمان من بعدهم واختلاف القراءات ليس بعظيم الموقع في الشبهات كيف وقد يتصور في النبوءات من القوادح للملحدين ما يتعب الذهن ويكدّ الخاطر الانفصال عنه. ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه تشكك بسبب ذلك ولا أصغى إليه وهل تبديل القراءات إلا أخفض (٢٠٧) مرتبة من النسخ الذي هو إزالة القرآن والأحكام رأسا ثم لم ينقدح في نفس أحد منهم بسبب ذلك شك مستقر فوجب لأجل هذا أن يحمل على أُبَيٍّ ما قلناه. ٣١٨ - قول عَلْقَمَةَ: "لَقِيتُ أبَا الدَّرْدَاء فقَال لِي: هَلْ تَقْرَأ قِرَاءَةَ ابْن مَسْعُود؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاقْرَأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٢٠٨) قال: فقرأت ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ فضحك ثم قال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها". وفي بعض طرقه: "ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ ولا أتابعهم" (ص ٥٦٥). قال الشيخ -وفقه الله-: يجب أن يعتقد في هذا الخبر وفيما سواه مما هو بمعناه مما جعلته الملحدة طعنا في القرآن وَوَهْنًا في نقله أن ذلك كان قرآنا ثم نسخ ولم يعلم بعض من خالف بالنسخ فبقي على الأول. ولعل هذا إنما يقع من بعضهم قبل أن يتصل به مصحف عثمان ﵁ المجمع عليه، المحذوف منه كل منسوخ قراءته. وأما بعد ظهور مصحف عثمان ﵁ واشتهاره فلا يظن بأحد منهم أنه أبْدَى فيه خلافاً. وأما ابن مسعود ﵁ فقد رويت عنه روايات كثيرة، منها لم يثبت عند أهل النقل وما ثبت منها مما يخالف ظاهره ما قلناه فإنه محمول على أنه كان يكتب في مصحفه القرآن ويلحق به من بعض الأحكام والتفاسير ما يعتقد أنه ليس بقرآن ولكن لم ير تحريم ذلك عليه، ورأى أنها صحيفته

стр. 459

يثبت فيها ما شاء، وكان من رأي عثمان والجماعة منع ذلك لئلا يتطاول الزمان وينقل عنه القرآن فيخلط به ما ليس منه فيعود الخلاف إلى مسألة فقهية، وهي جواز إلحاق بعض التفاسير بأثناء المصحف أو منع ذلك. ويحمل أيضاً ما روي من إسقاط المعوذتين من مصحفه على أنه اعتقد أنه لا يلزمه أن يكتب كل ما كان من القرآن وإنما يكتب منه ما كان له فيه غرض، وكأنَّ المعوذتين لقصرهما وكثرة دورهما في الصلاة والتعوذ بهما عند سائر الناس اشتهرت بذلك اشتهاراً استغنى معه عن إثبات ذلك في المصحف. ٣١٩ - قَوْلُ عُمر ﵁: "نَهَى النَّبِيءُ ﷺ عَن الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تطلُعَ الشَّمْسُ" (ص ٥٦٦). قال الشيخ -وفقه الله- التنفل بعد الصبح وبعد العصر من غير سبب يقتضيه منهي عنه. واختلف العلماء فيما له سبب كتحية المسجد وشبهه، فمنعه مالك أخذًا بعموم هذا الحديث، وأجازه الشافعي تعلقاً بحديث أمّ سلمَةَ في "صلاة النبيء ﷺ بَعْدَ العَصْرِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْر لَمَّا شُغِلَ عَنهُمَا" (٢٠٩). ٣٢٠ - قوله ﷺ في الشَّمْسِ: " فَإنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَي الشَّيْطَانِ". وفي حديث آخر: "تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ" (ص ٥٦٧ - ٥٧٠). قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف في المراد بقرن الشيطان هاهنا فقيل: قرن الشيطان حزبه وأتباعه. وقيل: قوته وطاقته، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (٢١٠)، أي مطيقين، وقيل: إن ذلك استعارة وكناية عن إضراره لما كانت ذوات القرون تتسلط بقرونها على الأذى استعير للشيطان ذلك. وقيل: القرنان جانبا الرأس فهو على ظاهره.

стр. 460

٣٢١ - قوله: "نَهَى عَن الصَّلَاةِ حِينَ تَضيَّفُ الشَّمْس لِلْغُرُوبِ" (ص ٥٦٨). قال أبو عبيد: أي إذا مالت للغروب، يقال: منه ضافت تضيف ضيفا، إذا مالت، وضِفْت فلانا أي ملت إليه ونزلت به، وأضفته أضيفه إذا أملته إليك وأنزلته عليك، والشيء مضاف إلى كذا، أي ممال إليه، والدعي مضاف إلى قوم ليس منهم، أي مسند إليهم، وأضفت ظهري، أي أسندته، وضاف السهم عدل عن الهدف، وصاف أيْضًا. ٣٢٢ - قوله: "فَإنَّ حينئذ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ" (ص ٥٦٩). قيل في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (٢١١) أي المملوّ، وقيل: المُوقد. ٣٢٣ - (٢١٢) - قول ابن عمر ﵁: "صَلَّى رسول الله صَلَاةَ الخَوْف بِإحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَالطَّائِفَةُ الأخْرَى مُواجِهَةُ العَدُوِّ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِي مَقَامِ أصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى العَدُوّ" الحديث (ص ٥٧٤ - ٥٧٥). قال الشيخ -وفقه الله-: اختلفت الأحاديث في هيئة صلاة الخوف فذكر ابن عمر ﵁ هذه الهيئة المذكورة. وروى صالح بن خَوَّات غيرها، وروى جابر هيئة أخرى غيرهما. وأحسن ما بنيت عليه هذه الأحاديث المختلفة أن يحمل على اختلاف أحوال أدّى الاجتهاد في كل حالة إلى إيقاع الصلاة على تلك الهيئة أحْصَنُ وأكثر تحرزا وأمنا من العدوّ، ولو وقعت على هيئة أخرى لكان فيها تفريط وإضاعة للحزم. وقد أنكر أبو يوسف أن يعمل بصلاة الخوف بعد النبيء ﷺ ورآها من خصائصه
следующие страницы →