وكبار فرقهم ثلاثة: الملكائية، والنسطورية، واليعقوبية.
الملل والنحل (ج ٢ ص ٣٢).
الياء
اليهود: ٣٢٧.
هم أمة موسى ﵇.
وكتابهم التوراة وهو أول كتاب نزل من السماء لأن ما نزل قبل التوراة كان يسمى صحفاً وهو ما نزل على إبراهيم ﵇ وغيره من الأنبياء. وهم قوم ومنهم العنانية والعيسوية وغيرهما.
الملل والنحل (ج ٢ ص ٩).
المُعْلم بفوائد مسلم
لِلإِمَامْ اَلمَازْرِي
المتوفى سنة ٥٣٦ هـ - ١١٤١ م
اَلجُزْء اَلثَاني
تَحقيقْ
فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر
المؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدّراسات
بيت الحكمة
стр. 564
المازري (أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر)
المعلم بفوائد مسلم لأبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازرى؛
تقديم وتحقيق محمد الشاذلي النيفر -
تونس: الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات (بيت الحكمة)؛
الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ١٩٨٨
(تونس: المطبعة العربية) -ج ٢، ٥٣١ ص؛ ٢٤ سم
إ. ق ٣٤٧/ ٨٨ (مسفر)
× _ ٠٤٠ _١٢ _ ٩٩٧٣
ISBN ............................... vol ٢
٥ _ ٠٧ _ ٩١١ _ ٩٩٧٣
جميع الحقوق محفوظة ١٩٨٨
стр. 565
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصّلاة والسّلام على سيد المرسلين
٥ - كتاب الزّكاة
٣٧١ - فيه حديث أبي سعيد الخُدْري عن النبيء ﷺ قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صدقةٌ" الحديث (ص ٦٧٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: أصل الزكاة في اللغة النماء. فإن قيل: كيف يستقيم هذا الاشتقاق ومعلوم انتقاص المال بالإِنفاق؟ قيل: وإن كان نقصاً في الحال، فقد يفيد النموّ في المآل، ويزيد في صلاح الأموال. وقد أفهم الشرع أنها شرعت للمواساة وأن المواساة إنما تكون فيما له مال من الأموال فلهذا حدُّ النُّصُبِ كأنه لم ير فيما دونها محملاً لذلك ثم وضعها في الأموال النامية: العين، والحرْث، والماشية. فمن ذلك ما ينمي بنفسه كالماشية والحرث. ومنها ما ينمي بتغيير عينه وتقليبه كالعين.
والإِجماع على تعلق الزكاة بأعيان هذه المسميات.
وأما تعلق الزكاة بما سواها من العروض ففيه للفقهاء ثلاثة أقوال: فأبو حنيفة يوجبها على الإطلاق، وداود يسقطها، ومالك يوجبها على المدير على شروط معلومة من مذهبه.
стр. 566
يحتج لأبي حنيفة بعموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١) ولداود بقوله ﵇: "ليسَ على المُسلِم في عبده ولَا فرَسِهِ صدقة". وفهم هاهنا أن ذلك لأجل كون ذلك خارجاً عن تلك الأموال لا لأجل أنه مقتنى، فأما مالك فيحمل عموم الآية على ما كان للتجارة والحديث على ما كان للقنية.
وحدود الشرع في نصاب كل جنس بقدر ما يحتمل المواساة فيه.
فأما العين فقد حدّ في نصاب الفضة منه خمس أواقي (٢). وذكر ذلك في الحديث دون الذهب لأن غالب تصرفهم كان بها. وأما نصاب الذهب فهو عشرون ديناراً، والمعول في تحديده على الإِجماع، وقد حكي فيه خلاف شاذ. وورد أيضاً فيه حديث عن النبيء ﷺ .
وأما الحرث والماشية فَنُصُبُهُمَا معلومة.
فإن نقص نصاب العين ولم يجز بجواز الوازنة لم تجب الزكاة فيه، وإن نقص يسيراً وجرى مجرى الوازنة وجبت الزكاة فيه؛ وإن كثر النقص وجرى مجرى الوازنة ففي وجوب الزكاة فيه قولان، فمن اتّبع مقتضى اللفظ والتحديد أسقطها، ومن اتّبع المقصود الذي هو الانتفاع بها كالانتفاع بالوازنة أوجب الزكاة. فإن زاد على هذه النُصُبِ شيء فهل يكون فيه شيء أم لا؟
أما ما زاد على النصاب في الإبل والغنم فغير مخصوص بزيادة من أجله من غير خلاف.
стр. 567
وأما ما زاد على النصاب في الورِق ففيه خلاف: أبو حنيفة جعله كالماشية، ومالك جعله كالحب. وأما ما دون النصاب في الحب فأبو حنيفة يوجب فيه الزكاة، ونحن نخالف. ويحتج لأبي حنيفة بقوله ﵇: "فيما سَقَتِ السماءُ العُشُر" ويحتج عليه بالأحاديث التي فيها التقييد بالنُّصُب. والمطلق يُرَدّ إلى المقيّد إذا كان في معنى واحد بلا خلاف. وله أيضا عموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣). ولنا في مقابلة العموم حديث الأوسق.
وفي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد خلاف بين الأصوليين. قال بعض العلماء: في حديث الأوسق إشارة إلَى أن لا زكاة في الخضر إذ ليست مما يكال.
وقال بعضهم أيضاً: إنه ظهر من حسن ترتيب الشريعة التدريج في المأخوذ من المال الذي يزكى بالجزء على حسب التعب فيه؛ فأعلى ما يؤخذ الخمس مما وجد من مال الجاهلية ولا تعب في ذلك. ثم ما فيه التعب من طرف واحد يؤخذ فيه نصف الخمس، وهو العشر فيما سَقَتِ السماء والعيون، وفيما سُقي بالنضح فكان فيه التعب في الطرفين يؤخذ فيه ربع الخمس، وهو نصف العشر، وما فيه التعب في جميع الحول كالعين يؤخذ فيه ثمن ذلك وهو ربع العشر، فالمأخوذ إذًا الخمس، ونصفه، وربعه، وثمنه.
وأما الوسق فهو ستون صاعاً بصاع النبيء ﷺ ، وهو خمسة أرطال وثلث. والوسق على هذا الحساب مائة وستون مَنَّا. قال شمر: كل شيء حَمَلْتَه فقد وسقته. يقال: ما أفعل كذا ما وسقت عَيْنٌ المَاءَ، أي حملته.
وقال غيره: الوسق ضَمُّك الشيء إلى الشيء بعضه إلى بعض. ومنه قوله
стр. 568
تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ (٤)، أي جمع وضم. ويقال للذي يجمع الإِبل فيطردها: واسق، وللإِبل نفسها: وسيقة، وطاردها يجمعها لئلا تنتشر عليه، وقد وسقتُها فاستوسقت، أي اجتمعت وانضمّت. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ (٥)، أي اجتمع ضوءه في الليالي البيض.
وأما الذود فقال أبو عبيد: هو ما بين الثنتين إلى التسع من الإِناث دون الذكور.
قال الشيخ: وقال غيره: قد يكون الذود واحداً فقوله ﷺ :"ليس فيما دون خمس ذود من الإِبل صدقة" كأنه قال: ليس فيما دون خمس من الإِبل.
وأما الأواقيّ فهي بتشديد الياء وبتخفيفها. قال ابن السكيت وغيره: الأوقيَّة بضم الهمزة وتشديد الياء وجمعها أواقيّ وأواق.
٣٧٢ - وأما الوَرِق (ص ٦٧٥) فإن الهروي قال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ (٦). الوَرِق والوَرْق والرِّقة: الدراهم خاصة.
قال غيره: الرِّقَة بتخفيف القاف. ومنه الحديث: "في الرِّقة ربُعُ العُشُر" وفي حديث آخر: "عفَوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتُوا صدقَة الرقة". قال أبو بكر: جمعها رقات ورقون. ومنه قولهم: وِجْدانُ الرقين (٧) يغطي أفن الأفين. يقول: الغني يغطي عيب المعيب ونقصانه، وغناه وقاية لحمقه، قال الهروي: ورجل وارق، كثير الورق. وأما الورِق فالمال كله.
стр. 569
قال الشيخ: وكما فُهِم عن الشريعة معنى تحديد النصاب فُهِم أيضاً أن ضرب الحول في العين والماشية عدل بين أرباب الأموال والمساكين، لأنه أمَدٌ الغالب حصول النماء فيه ولا يجحف بالمساكين الصبر إليه. ولهذا المعنى لم يكن في الثمر والحب حول لأن الغرض المقصود منه النماء والنماء يحصل عند حصوله.
ولهذه المعاني المفهومة حصل من العلماء الاتفاق على أن الزكاة لا تجب على الإِطلاق بل يتوقف وجوبها على شروط معتبرة بحال المالك والملك والمملوك.
فإن كان المالك صبيًّا فالزكاة عندنا واجبة في ماله. وأبو حنيفة لا يوجب في مال الصبي زكاة. وحجتنا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٨) فعمّ، وقوله ﷺ : "أمرتُ أن آخذها من أغنيائكم". وغير ذلك من العمومات. وتناقض أبو حنيفة بإيجابه الأخذ من مال الصبي في الحرث. ويحتج هو بقول الله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٩) والصبي غير مأثوم فلا يحتاج إلى تطهير. ويحتج أيضاً بأن الصبي غير مكلف فلا يتوجه الخطاب عليه. قلنا: الخطاب عندنا متوجه إلى مَن يَلِي مال الصبي بأن يخرج منه لا أن الصبي هو المخاطب به.
ووجه الخلاف بيننا وبينه من جهة المعنى أن هذا فرع بين أصلين:
أحدهما: نفقة الوالدين وهي واجبة في ماله باتفاقه.
والثانى: الجزية فإنها ساقطة عن الصغير الذّمّي باتفاق، فيَرُدّ ذلك أبو حنيفة إلى الجزية من جهة أنها شبيهة بما يؤخذ من الزكاة، ونرده نحن
стр. 570
إلى نفقة الوالدين. والشبه بينهما أنهما جميعاً من باب المواساة، فرد المواساة إلى المواساة أولى من ردها إلى ما هو عَلَم على الذلة والصغار، وهي تطهير وتزكية للأموال. وينقض عليه رده إلى ذلك الاتفاق منا ومنه على وجوب الزكاة على النساء وسقوط الجزية عنهن. وهذا دليل على أنهما ليسا بأصل واحد.
٣٧٣ - قوله ﷺ : "وأما خالدٌ فإنكم تَظْلِمُون خالدًا قد احْتَبَس أدراعه وأعتاده". وفيه أنه قال: "وأما العباس فهي عَلَيّ ومثلها معها". وفي غير هذا الكتاب "فهي عليه"، وفي رواية أخرى "فهي صدقة عليه ومثلها" وفي رواية أخرى "هي له ومثلها" (٦٧٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: قوله: "احتبس" فيه دلالة على جواز تحبيس العروض خلافاً لمن منعه. وفيه أيضاً إشارة إلى ثبوت التحبيس مع كون الشيء المحبس يعود إلى محبسه. وهذا على تأويل من رأى أن المال الذي في يديه ظن الساعي أنه ملكه وهو محبس. وقد تُؤُوِّل الحديث على أن معنى قوله: "تظلمون خالدا" أي أنه بصفة من لا يليق به منع الزكاة لأنه إذا حبس ماله تطوعاً فأحرى أن لا يمنع الواجب.
وأما قوله ﵇ في العباس ﵁: "هي علي ومثلها" يحتمل أن يريد أني أؤديها عنه. يدل عليه قوله ﷺ في عقيب ذلك: "إن العم صُنْوُ الأب". وقيل: معنى قوله "علي" أي له زكاة عامين قدَّمها. وهذا التأويل إنما يصح على قول من يرى جواز تقدم الزكاة قبل حولها. وأما رواية "هي له" فيقرب معناها من رواية "علي". وأما رواية "هي عليه ومثلها" فيحتمل أن يكون أخَّرهَا ﷺ عنه إلى عام آخر تخفيفاً ونظراً. وللإِمام تأخير ذلك إذا أداه الاجتهاد إليه.
وأما رواية "صدقة عليه" فبعيدة لأن العباس من الأقارب الذين لا تحل لهم الصدقة، إلا أن يقال: لعل ذلك من قبل تحريم الصدقة على النبيء
стр. 571
- ﷺ ، أو رأى ﵇ إسقاط الزكاة عنه عامين لوجه رآه. وقيل في الرواية المتقدمة التي قال فيها: "هي له" أنها بمعنى (عليه) قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَلَهُمُ (١٠) اللَّعْنَةُ﴾، أي عليهم. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١١) أي فعليها.
وأما قوله "احتبس أعتاده" فإن الهروي وغيره قال: العتاد هو ما أعده الرجل من السلاح والدواب والآلة للحرب ويجمع أيضاً أعتدة (١٢).
وأما قوله في رواية أخرى: "احتبس أدراعه وعقاره" فإن الهروي قال في الحديث الذي فيه "فردّ النبيء ﷺ ذَراوِيَهم وعقار بيوتهم". قال الأزهري: أراد متاع بيوتهم والأدوات والأواني (قال الحربي: أراد أراضيهم) (١٣). وقال ابن الأعرابي: عقار البيت ونَضَدُهُ: متاعه الذي لا يبتذل إلا في الأعياد، وبيت حسن العقار، أي حسن المتاع، وعقار كل شيء خياره، والعقر والعقار: الأصل، ولفلان عقار، أي أصل، ومنه الحديث: "من باع داراً أو عقاراً". والعقار: الأرضون.
وأما قوله ﷺ : "فإنّ عَمَّ الرجل صَنوُ أبيه" أراد أن أصله وأصل أبيه واحد. وقال ابن الأعرابي: الصنو: المثل، أراد مثل أبيه. وقيل في قول الله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ (١٤): إن معنى الصنوان أن
стр. 572
يكون الأصل واحداً. وفيه النخلتان والثلاث والأربع. والصنوان جمع صنو ويجمع أصناء مثل اسم وأسماء، فإذا أردت الجمع المكسر قلت: الصِّنيّ والصُّنِيّ.
[زكاة الفطر]
٣٧٤ - قول ابن عمر:"فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلى النَّاسِ" الحديث (ص ٦٧٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في زكاة الفطر: هل هي واجبة أم لا؟ فاحتج من قال بالوجوب بدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١٥). واحتج أيضاً بقوله: "فَرضَ زكاة الفطر". وقد قيل: إن "فَرَض" هاهنا بمعنى قَدَّر لا بمعنى أوجب. وأصل الفرض الحزّ والقطع، يقال: فرضت شِراكي إذا حززته وقطعت فيه خيطاً، وفرض الحاكم نفقة المرأة إذا قطع، وفرضتُ القرآن قطعتُ بالقراءة منه جزءاً، فإن كان الفرض غالباً استعماله في الوجوب كان حجة لمن يقول بالإِيجاب.
وهل من شرط وجوب زكاة الفطر ملك النصاب أم لا؟
عند المخالف أن من شرط وجوبها ملك النصاب، ومالك لا يشترط ذلك. فمن أخذ بعموم قوله: "فَرَض زكاة الفطر" على إطلاقها أوجبها على من لا نصاب له، ومن أخذ بقوله ﷺ : "أُمِرتُ أن آخذها من أغنيائكم" اشترط النصاب لكون من لا يملكه ليس بغني.
وأما زمن وجوبها فاختلف فيه عندنا فقيل: بغروب الشمس من آخر رمضان. وقيل: بطلوع الفجر من يوم الفطر. وقد قيل: ينبني الخلاف على ما وقع في هذا الحديث من قوله: "فرض زكاة الفطر من رمضان"
стр. 573
هل المراد هاهنا الفطر المعتاد في سائر الشهر فيكون الوجوب من الغروب؟ أو أراد الفطر الطارىء بعد ذلك الذي هو بطلوع الفجر من شوال فيكون الوجوب من حينئذ.
وفي قوله: "الفطر من رمضان" تنبيه على قول من يرى أنها لا تجب إلا على من صام ولو يوماً من رمضان.
قال الشيخ: وكأن سالك هذه الطريقة رأى أن العبادات التي تطول ويشقّ التحرز فيها من أمور توقع فيها وصماً جعل الشرع فيها كفارة من المال عوضاً عن التقصير، كالهدايا في الحج لمن أدخل فيه نقصاً يكفره بالهدي. وكذلك الفطرة كفارة لما يكون في الصوم. وقد وقع في بعض أحاديثها أنه قال: "تطهيراً من اللغو والرفث".
واختلف الناس أيضاً في إخراجها عن الصبيّ (إذ لا إثم عليه) (١٦). فمن قال: لا تجب عليه جنح إلى الطريقة التي ذكرنا وأن علتها التطهير وَهْوَ لا إثم عليه.
وحجتنا على من لم يُوجبها في مال الصبيّ ما وقع في بعض الأحاديث من قوله ﷺ : "على كل حرّ أو عبد صغير أو كبير". وكأنه وإن كان وجه التعبد بها التطهيرَ من الآثام فإن التعليل للغالب وإن وجد في بعض الأحاديث ما ليس فيه تلك العلة كما أن القصر في السفر للمشقة وإن وجد من لا يشق عليه ذلك فإنه لا يخرج من جملة من أُرْخِص له.
٣٧٥ - وأما قوله ﷺ : "عَلَى كُلٍّ حُر أوْ عَبْدٍ" (ص ٦٧٧).
فإن داود أخذ بذلك وقال: تجب على العبد كما اقتضاه اللفظ، ولكن على السيّد أن يتركه قرب الفطر يكتسب ذلك القدر ولا يكون له منعه من
стр. 574
ذلك تلك المدة التي يكتسب فيها كما لا يمنعه من صلاة الفرض.
ومذهبنا: أنها لا تجب على العبد، وهو بمنزلة الفقير، إذ السيد قادر على انتزاع ماله. ومحمل الحديث عندنا على أن (على) بمعنى (عن)، أي يخرجها السيّد عن عبده.
وأما القدر المخرج في زكاة الفطر من غير البُرّ مما يجزئ فيها فإنه صاع. واختلف إذا كان بُرًّا، فعندنا أنه لا يخرج منه أقل من صاع. وقال أبو حنيفة: يجزئه نصف صاع. ويحتج بما وقع في بعض الأحاديث من ذلك.
وأما الحديث الذي فيه: "كُنّا نُخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ " الحديث، فقد رُوي على طريقين:
فأما التي فيها "أو صاعا" فليس له تعلق فيها. بل ظاهرها حجة عليه لأن الطعام الذي أفرده باسم الطعام نوع زائد على بقية الأنواع المذكورة في الحديث. وقد قيل: إن العرب عندهم في إطلاق اسم الطعام أن المراد به البُرّ.
وأما الرواية التي ليس فيها (أو) وإنما فيها "صاعاً من طعام صاعاً من شعير" فقد يصح لهم أن يقولوا: إنما عدد بعد لفظ الطعام بدلٌ منه.
ومن حجتنا أيضاً أنه ﷺ ذكر أشياء من الأطعمة تختلف قيَمُها وسَاوَى بين ما يخرج منها فوجب أن لا ينقص من إخراج البر من الصالح وإن كانت قيمته أكثر من قيمة غيره.
٣٧٦ - قوله ﷺ : "بُطحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ" (ص ٦٨٠).
أي ألقي على وجهه. والقاع المستوى الواسع في وطاء من الأرض يعلوه ماء السماء فيُمْسكه ويستوِي نباته. ذكره الهروي في قوله تعالى: ﴿قَاعًا
стр. 575
صَفْصَفًا﴾ (١٧) وجمعه: قيعة وقيعان مثل جار وجيرة وجيران.
والقرقر المستوى من الأرض أيضاً المتسع. قال الثعالبي: إذا كانت الأرض مستوية مع الاتساع فهو الخبت والجدد والصَّحْصح ثم القاع والقرقر ثم الصفصف، وذكر غير ذلك. والجلحاء التي لا قرن لها، وفي حديث كعب: "ولأدعنّكِ جلحاء"، أي لا حصن عليك، والحصون تشبّه بالقرون، ولذلك قيل لها الصياصي (١٨) فإذا ذهبت الحصون جلحت القرى فصارت بمنزلة البقر التي لا قرون لها. والعقصاء: الملتوية القرنين. ورجل عَقِصٌ: فيه التواء وصعوبة أخلاق. والعضباء: وهي التي انكسر قرنها الداخل وهو المُشاش. وقد يكون العضب في الأذن أيضاً. والعضباء اسم ناقة النبيء ﷺ ، ولم تسْم كذلك من أجل شيء بها. والمعضوب: الزَّمِن الذي لا حراك به، والأعضب من ألْقَاب الزحاف هو ذهاب إحدى حركتي الوتد منه وذلك في الوافر خاصة، كما سُمي الثَّوْر الذي ذهب أحد قرنيه أعضب. أنشد الخليل شاهدا في ذلك: [الوافر]
إذَا نزل الشتاء بدارِ قَومٍ (١٩) ... تجنب جَار بيتهمُ الشتاء
وهو (٢٠) الأعضب يسمى في غير الوافر أَخرم فإذا كان في الطويل سمي أثلم، وليس هذا موضع شرحه.
٣٧٧ - قوله ﷺ : "الخَيْلُ ثَلَاثَةٌ" الحديث (ص ٦٨٢).
قال الشيخ -وفقه الله-: تعلق أبو حنيفة في إيجاب الزكاة في الخيل
стр. 576
بقوله في الحديث: "ولم ينس حق الله في ظهورها ولا في رقابها". فنقول: يصح أن يجعل ذلك على غير الزكاة. وقد قيل: يحتمل أن يكون المراد بذلك الحمل عليها في سبيل الله. وقد يقع ذلك على حالة يتعين على مالكها ذلك فيها، مع أن أبا حنيفة خالف إطلاق هذا الحديث وظاهره، لأنه لا يوجب أخذ الزكاة من عين الخيل بل يقول: إن ربها مخير بين أن يؤدي ديناراً على كل رأس منها، أو يقومها ويخرج ربع عشر القيمة. ولا تجب الزكاة عنده إلا في الإِناث، أو في الإِناث مع الذكور. وأما إن كان في ملكه الذكور منها خاصة فلا زكاة عليه فيها.
وأما قوله ﵇ في الحديث: "والذي يتخذها أشرًا" فإن ابن عرفة قال: إذا قيل: فعل ذلك أشرا وبطرا، فالمعنى لَجّ في البطر، ومنه ﴿كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ (٢١) أي لجوج في البطر، والبطر: الطغيان عند الحق، والأشر أيضاً سوء احتمال الغنى. والمرح،: التكبر. قال القُتَبي: الأشِر: المرِح المتكبر.
وقوله ﷺ : "ونِواءً لأهل الإِسلام" أي معاداة لهم، يقال: ناوأته نواء ومناوأة إذا عاديته. وأصله: أنه ناء إليك ونُؤْتَ إليه، أي نهضت. ومعنى استَنَّتْ: جرت. قال أبو عبيدة (٢٢): الاسْتِنَانُ: أن يحضر الفرس وليس عليه فارس. قال غيره: يستن في طِوَله، أي يمرح فيه من النشاط. ويقال: منه فرس سَنِين. والطِوَل: الحبل. قال ابن السكّيت: لا يقال إلا بالواو.
وقوله: "في رِقابها وظهورها".
قيل المراد بالرقاب هاهنا الإِحسان إليها. وقيل: يحمل عليها وَيُبَتِّل عطيتها.
стр. 577
والمراد بالظهور قيل: أن يحمل عليها ثم تعود إليه. وقيل: أن يُنْزيَهَا بغير عوض. والشرف ما يعلو من الأرض. وقال بعضهم: الشرف الطلق. فكأنه يقول: جرت طلقا أو طَلْقَين.
٣٧٨ - وأما قوله في الحديث:"قُلنا: يا رسول الله وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ ﷺ : إطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَلْبُهَا عَلَى الْمَاءِ" (ص ٦٨٥).
قال الشيخ: يحتمل أن يكون هذا الحقّ في موضع تتعين فيه المواساة.
وقيل: معنى قوله: "حَلْبُها على المَاء" أي يقربها للمصدق وييسّر ذلك عليه بإحضارها على الماء حتى يسهل عليه تناول أخذ الزكاة منها.
والمنحة عند العرب على معنيين: أحدهما أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، والأخرى أن يمنحه ناقة أو شاة فينتفع بلبنها ووَبَرِها (زمانا ثم يردّها) (٢٣)، وهو تأويل قوله في بعض الأحاديث "المنحة مردودة". والمنحة تكون في الأرض يمنحها الرجل أخاه ليزرعها. ومنه الحديث: "مَنْ كانت له أرض فَلْيَزْرَعْها أو يمنَحْها أخاه".
قال ابن حنبل: ومنحة الوَرق هو القرض. قال الفراء: يقال: منحته أمنَحُه وأمنِحُه. قال ابن دريد: أصل المنحة: أن يعطي الرجل رجلاً (٢٤) ناقة فيشرب لبنها أو شاة، ثم صارت كلّ عطية منحة. قال غيره: ومنيحة اللبن أن يجعلها الرجل لآخر سنة.
قال الشيخ: جعل أبو عبيد وابن دريد زمانها غير محدود، وفي حديث أم زرع: "آكل فأتمنح"، أي أطعم غيري.
стр. 578
٣٧٩ - قوله ﷺ : "جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أقْرَعَ" الحديث (ص ٦٨٤).
الشجاع: الحية الذكر. ومنه قول الشاعر: [الرجز]
الأفْعَوان والشجاع الشَّجْعَمَا
قال اللّحياني: يقال للحية: شُجاع وشِجاع وثلاثة أشجعة ثم شُجعان. ويقال: للحية أيضاً: أشجع. والأقرع من الحيات الذي تمعّط رأسه لكثرة سمّه، ومن الناس الذي لا شعر على رأسه لدائه. ونُغْض الكتف: هو العظم الرقيق الذي على طرفها، والناغض: فرع الكتف، قيل له: ناغض لتحركه. ومنه قيل للظليم: نَغْض (٢٥)، لأنه يحرك رأسه إذا عدا.
٣٨٠ - قوله ﷺ : "يمينُ الله مَلأَى سَحَّاء لا يَغيضُها شيءٌ" (ص ٦٩٠).
* قال الشيخ -وفقه الله-: هذا مما يتأول، لأن اليمين التي هي جارحة إنما كانت يمينا بنسبتها إلى الشمال فلا يوصف بها تعالى لأنها تتضمن إثبات شمال، وهذا يؤدي إلى التحديد ويتقدّس الباري سبحانه عن أن يكون جسماً محدوداً. وإنما خاطبهم ﷺ بما يفهمونه إذ أراد الإِخبار على أن الباري لا ينقصه الإِنفاق ولا يمسك خشية الإِملاق، جلت قدرته وعظمت عن ذلك. وعبر ﵇ عن قدرة الله سبحانه على توالي النعم بسَحّ اليمين إذ الباذل منّا والمنفق يفعل ذلك بيمينه.
وقد قال ﷺ : "وكِلْتَا يدَيْه يَمِين" فأشار ﵇ إلى أنهما ليستا بجارحتين إذ اليدان الجارحتان: يمين، وشمال. ويحتمل أن يريد ﵇ بذلك أن قدرة الله تعالى على الأشياء على وجه واحد لا تختلف
стр. 579
بالضعف والقوة، وأن المقدورات تقع بها على نسبة واحدة لا تتفاوت ولا تختلف في الضعف والقوة كما يختلف ما يفعله الإِنسان منا بيمينه وشماله، تعالى الله عن صفات المخلوقين ومشابهة المحدَثين.
٣٨١ - وأما قوله ﷺ : "وَبِيَدِهِ الأُخْرَى القَبْضُ والبَسْط" (ص ٦٩١).
فكأنه أفهم أنه تعالى وإن كانت قدرته واحدة فإنه يفعل بها المختلفات. ولما كان ذلك فينا لا يتمكن إلا بيدين عبّر عن قدرته على التصرف في ذلك بذكر اليدين ليفهمهم المعنى المراد بما اعتادوه من الخطاب على سبيل المجاز.
٣٨٢ - قال الشيخ -وفقه الله-: الحديث الذي فيه: "بَيْعُه ﵇ للمُدَبّر" (ص ٦٩٢).
يحتج به للشافعى (على جواز بيعه) (٢٦) تأوله أصحابنا على أن النبيء ﷺ إنما باعه عليه في الدَّين. والذي في كتاب مسلم تقوية للشافعي لأنه ذكر فيه أنه ﵇ قال له: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فَضَل شَيْء فَلِأهْلك". ولو كان بِيع للدين لَقُضِي الثمن للغُرَمَاء ولم يأمره أن يفعل فيه ما ذكر.
والشافعى أحلّ المدبّر في البيع محلّ الموصَى بعتقه. وأصح ما فرق به أصحابنا بينهما أن ذلك مبني على المقاصد، والتدبير عندهم علامة على أنه قصد أن لا يرجع في هذا الفعل ولا يحلّه، وليس كذلك الوصية، ولو صرح في الوصية بأنه لا يرجع فيها لشابهت التدبير.
стр. 580
٣٨٣ - قوله ﷺ : "لِمَيْمُونَةَ لَمَّا عَتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا: لَوْ أعْطَيْتِهَا (٢٧) أخْوَالَكِ كَانَ أعْظَمَ لأجْرِكِ" (ص ٦٩٤).
قال الشيخ: إن لم يكن لها قرابة إلاّ من قبل الأم فإن الوجه تخصيص الأخوال، وإن كان لها قرابة من الجهتين فيحتمل أنه خص قرابة الأم بذلك ورآهم أولى لأن الأم لما كانت أولى بالبرّ كانت قرابتها أولى بالصدقة.
٣٨٤ - قوله ﷺ : "بَخْ ذَلك مَالٌ رَابِحٌ" (ص ٦٩٣).
قال أبو بكر: معناه تعظيم الأمر وتفخيمه، وسُكِّنت الخاء فيه كما سُكِّنت اللام في: بلْ وهلْ. ومن قال: بخٍ بالخفض (والتنوين) (٢٨) شبّهه بالأصوات بِصَهٍ ومَهٍ. وقال ابن السكيت: بَخْ بَخْ وبَهْ بَهْ بمعنى واحد.
ومَن رواه "رابح" بالباء فمعناه: ذو ربح، كما يقال: رجل لَابِن وتامر، أيْ ذُو لَبَن وتمر، وكما قال النابغة: [الطويل]
.......................... كِلِيني لِهَمّ يا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ
أي ذي نصب.
ومن رواه: "رايح" بالياء فمعناه أنه قريب العائدة.
٣٨٥ - وفي الحديث أنه ﵇: "قَالَ لِلنِّسَاءِ: تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حَلْيِكُنَّ"، وأن زوجة عبد الله بن مسعود استأذنت النبيء ﷺ "هل يُجزِيها أن تُعطى صدقَتها لزوجها؟ " (ص ٦٩٤).
стр. 581
قال الشيخ: هذا جعله المخالف حجة على إثبات الزكاة في الحلي على أيّ وجه كان ملكه.
وعندنا: أن الحلي للباس لا زكاة فيه، وأن المتّخذ للبيع فيه الزكاة.
واختلف عندنا فيما اتخذت النساء من الحلي للكراء هل فيه الزكاة أم لا؟ وسبب الخلاف أنه فرع بين هذين الأصلين؛ فمن شبهه بحلي اللباس من جهة أنه لم يكتسب لتباع عينه لم يوجب فيه الزكاة. ومن شبهه بحلي التجارة من جهة أنه تجتنى منه منفعة أوجب فيه الزكاة. فأما المخالف فقد قال: قوله ﷺ "ولو مِنْ حَلْيِكُنّ" فيه دليل على إثبات الزكاة على الإطلاق.
ويصح لنا الانفصال عن ذلك بوجهين:
أحدهما: أنه لم يصرح بأن الصدقة هاهنا في الزكاة المفروضة (٢٩) في الأموال، فيحتمل أن يكون أراد صدقة التطوع أو الواجبة على غير جهة الزكاة للمواساة وشبه ذلك.
والوجه الثاني: أن قوله "ولو مِن حَلْيِكُنّ" ربما كان الأظهر فيه نفي الزكاة عن الحليّ، وأن حكمه بخلاف حكم غيره لأنه لا يقال فيما تجب فيه الزكاة: زكِّ ولو من كذا، وإنما يقال: زَكِّ ولو من كذا، فيما لا تجب فيه الزكاة ليكون في ذلك مبالغة، كما يقول القائل: افعل كذا وإن كان لا يلزمك، على سبيل الحث له على الفعل.
وأما إباحته فيه إعطاء الصدقة لزوجها، فيحتج به لأحد القولين عندنا في إعطاء المرأة زوجها زكاتها إذا كان فقيراً، ولكن إنما يصح الاحتجاج به
стр. 582
إذا عُلِم أن تلك الصدقة التي استأذنت فيها زكاة، وهو لَعمري الأظهر في لفظ الحديث لأنها سألت:"هل تجزي؟ ". وهذا اللفظ إنما يستعمل في الواجب غالباً.
٣٨٦ - قوله ﷺ في الحديث:"أنَّ رَجُلاً أتَى النَّبِيءَ ﷺ فقال: إن أمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا"، وفيه: "أفَلَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ" (ص ٦٩٦).
قال أبو عبيد: معناه ماتت فجأة فلتة (٣٠) وكل أمر فعل على غير مكث فقد افتلت. ويقال: افتلت الكلام واقترحه إذا ارتجله.
قال الشيخ: وأمَّا قوله في الصدقة عنها، فإن الاتفاق على أن الصدقة بالمال عن الميّت نافعة. واختلف في عمل الأبدان فمن قاسه على المال جعله نافعاً، ومن أخذ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣١) جعله غير نافع، وإن عورض بعض من يقول: إن عمل الأبدان لا ينفع بالحج عن الغير. قال: هي عبادة غلب المال فيها على عمل البدن فردّت إلى حكم الصدقة بالمال عن الغير على الجملة. ويحتج مَنْ قال: إن عمل البدن نافع بقوله ﷺ : "مَن مَاتَ وعليه صيام (٣٢) صَامَ عنه وليُّه" فيصير الخلاف مبنياً على معارضة الحديث لظاهر الآية، فمن قدّم الحديث جعل ذلك نافعاً ومن قدّم الظاهر لم يجعله نافعاً.
٣٨٧ - قوله ﷺ : "فِي بُضْع أحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أيأْتِيِ أحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُون لَهُ فِيهَا أجْرٌ؟ قَالَ: أرأيْتُمْ لَوْ وَضَعَها فِي حَرَامٍ أكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْزٌ؟ فَكَذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا فِي الحَلَالِ كَانَ لَهُ أجْرٌ" (ص ٦٩٧).
стр. 583
قال الشيخ -وفقه الله-: البُضْع: الجماع، والبُضع في غير هذا: الفَرْجُ. وقال الأصمعي: مَلَكَ فُلَانٌ بضع فلانة إذا ملك عُقدة نكاحها، وهو كناية عن موضع الغِشْيَانِ والمباضعة المباشرة والاسم البضع.
قال الشيخ -وفقه الله-: لا يقال: إن قولهم: "أيَأتِي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ " إنما بَعُدَ عندهم عَلَى طَرِيقَة المعتزلة في التقبيح والتحسين من جهة العُقُولِ، وأنَّهُ لَا يؤجر إلا على فعله. بل يحتمل أن يكون إنما بَعُدَ عندهم على ما عهدوه من حكم الشريعة وتقرر عندهم أن الأجور تكون بقدر المشاق، وهذا مما تدعو إليه الطباع وتستلذه. ووجه مراجعتهم له ﷺ لا إنكارًا مِنْهم للوحي ولكنه يحتمل أن يكون أرادوا أن يُبَيّنَ لهم (٣٣) موضع الحجة، فبين لهم وقاس القياس المتقدم، وهذا القياس الذي قرر ضربٌ من قياس العكس، وفي العمل به خلاف بين أهل الأصول. وهذا الحديث تقوية لأحد القولين.
قال الشيخ: ذهب الكَعْبِي إلَى أن ليس في الشريعة مُبَاحٌ. قال لأن كل فعل يفعله العبد من مشي وأكل وشبهه ينقطع به عن معصية (٣٤) فقد صار مأجوراً فيه من جهة كونه قاطعاً له عَنِ المعصية. وأقل ما نُبْطل (٣٥) عليه به هذا المذهب أن نقول: ينبغي أن يكون الإِنسان مأْجُورًا في الزنا إذا تشاغَلَ به عن معصية أخْرى.
فإن قال قائل: هل في هذا الحديث المتقدم إشارة يتعلق بها الكعبيّ لأنه جعله مأجورًا في وضع نطفته في الحلال لَمَّا صده ذلك عن وضعها
стр. 584
في حرام؟ (٣٦) قيل (٣٧): لا تعلق له بذلك لأن الأجر هاهنا إنما كان من جهة القصد إلى الاستعفاف بالحلال عن الحرام، ولو قصد بفعل المباح الانقطاع عن المعصية لأُجِر على قصده إلى ذلك. مع أنه يحتمل أن يكون ﵇ أراد بما ذكر التشبيه والتقريب إلى أفهامهم فكأنه قال (٣٨) لهم: أليس قد صح في عقولكم أن اللذة بالزنا يتعلق بها الإثم مع أن ذلك طبيعي، فكذلك لا يبعد أن تؤجروا على فعل ذلك على وجه الحلال، وإن كان طبيعياً.
وهذا التأويل الثاني إنما يصح في حقّ من فُهِم عنه استبعاد تعلق التكليف بالشهوة لما كانت طبيعية ولم يتعرض لما سوى ذلك مما تَفْترق (٣٩) فيه أحكام التكاليف.
٣٨٨ - قوله في الحديث: "عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ والثَّلَاثِمائَةِ السُّلَامَى" (ص ٦٩٨).
قال أبو عبيد: السُّلَامى في الأصل: عظم من فرسن البعير، كَأنَّ المعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة. قال في حديث خزيمة: "حتى آل السُّلَامى" يريد رجع إليه المخ. يقال: هو آخر ما يبقى فيه المخ.
٣٨٩ - قوله ﷺ : "تَقِيءُ الأرْضُ أفْلَاذَ كَبدهَا" (ص ٧٠١).
أي تُخرج الكنوز المدفونة فيها. قال ابن السِّكِّيت: الفِلْذُ لا يكون إلا للبعير وهو قطعة من كبده. يقال: فِلْذَةٌ واحدة ثم تجمع فِلَذًا أو أفْلَاذًا
стр. 585
وهي القطع المقطوعة طولاً. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (٤٠). وسمى ما في الأرض كبدا تشبيها بالكبد الذي في بطن البعير. وخص الكبد لأنه من أطايب الجزور.
وقوله: "تقيء" أي تُخرج وتُظهر.
٣٩٠ - قوله ﷺ : "مَا تَصَدَّقَ أحَدٌ بتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ إلَاّ أخَذَهَا الله بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ قَلُوصَهُ" وفي حديث آخر: "فَتَرْبُو في كَفِّ الرَّحْمن" (ص ٧٠٢).
قال الشيخ: قد ذكرنا استحالة اتصاف الباري سبحانه بالجوارح، وأن هذا وأمثالَه إنما عَبّر به ﵇ لهم على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه، فكنى هاهنا عن قبول الصدقة بأخذها بالكف واليمين، وعن تضعيف أجرها بالتربية.
٣٩١ - قوله ﷺ : "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُهَا وَأجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا". وقال ﵇ في إثم السيئة مِثْلَ ذَلك (ص ٧٠٤).
وهذا المعنى نحو ما قدمنا مِن أنّ مَن أعان على الفعل كمن فعله.
٣٩٢ - قوله: "ذَكَرَ رَسُولُ الله ﷺ النَّارَ فَأعْرَضَ وَأشَاحَ" (ص ٧٠٤).
"أشاح" له معنيان: جَدّ وانكمش على الإِيصاء باتقاء النار، والآخر: حَذِرَ النار كأنه ينظر إليها. قال الأصمعي: المُشِيح الجاد، والمشيح أيضاً
стр. 586
الحَذِر. وقال الفراء: المشيح على معنيين: المقبل إليك، والمانع لما وراء ظهره. قال: وقوله "أعرض وأشاح" أي أقبل.
٣٩٣ - قوله ﷺ : "مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ" (ص ٧١١)، أي شيئين.
قالَ الهروي في حديث أبي ذَرٍّ: "مَنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ زَوْجَينِ في سَبِيلِ الله ابْتَدَرَتْهُ حَجَبَةُ الجَنَّةِ. قيل: وما زوجان؟ قال: فرسان أو عبدان أو بعيران".
قال ابن عرفة: كل شيء قُرن بصاحبه فهو زوج. يقال: زوجت بين الإبل، أي قرنت كل واحد بواحد.
٣٩٤ - في الحديث: "أن أسْمَاء بنتَ أبي بكر ﵄ قالت: يا نبَّي الله، ليس لي شيء إلَاّ ما أدْخَلَ عَليَّ الزُّبيْر، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أن أرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَليَّ؟ فقال: ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ وَلَا تُوعِي فيُوعِيَ الله عَلَيْكِ" (ص ٧١٤).
وفي حديث آخر فقال: "أنْفِقِي أوِ انْضَحِي أوِ انْفَحِي وَلَا تُحْصِي" (ص ٧١٣).
قال الشيخ: إن كانت إنما سألته عن الإِعطاء مما يعطيها الزبير نفقة لها فبين جوازه، وإن كان إنما أرادت بقولها: "مما يُدخل عليّ الزبير" أي مما كان ملكاً له، فيكون محمل ذلك على أنه لا يكره ذلك منها وأنها عادة عوَّدوها أزواجهم.
قال ابن القوطية: نَفح الطِّيبُ نَفْحا تحرك، والرّيح هَبَّتْ بَارِدَةً ضد لَفَحَتْ، والدابة (٤١) بحافره ضرب، والرجل بالسيف ضرب به شزَرًا، وبالعطاء أعطى.
стр. 587
وفي حديث آخر: "ما أعطيتِ مِنْ كَسْبه من غير أمْرِهِ فَإنَّ نِصْفَ أجْرِهِ لَهُ" وهو نحو مما ذكرنا. وقوله: "من غير أمره" يحتمل أن يريد نطقا وأن عادتهم التوسعة لنسائهم في ذلك. وأما قسمة الأجر بينهما فمن جهة أن له أجْرَ الملك ولها أجرُ السعي.
وقوله ﷺ : "ارضخي" الرضخ: العطية القليلة. يقال: رضختُ من مالي رضيخة.
٣٩٥ - قوله ﷺ : "لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوافِ ... " الحديث (ص ٧١٩).
قال محمد بن سلام: قلت ليونس: ما الفرق بين الفقير والمسكين؟ فقال (٤٢): الفقير الذي يجد القوت والمسكين الذي لا شيء له. وقال ابن عرفة: الفقير عند العرب المحتاج، قال الله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤٣) أي المحتاجون (٤٤). والمسكين الذي قد أذله الفقر فإذا كان هذا إنما مسكنته من جهة الفقر حلت له الصدقة وكان فقيراً مسكينا، وإذا كان مسكيناً قد أذله شيء سوى الفقر فالصدقة لا تحل له، إذ كان سائغاً (٤٥) في اللغة أن يقال: ضرب فلان المسكين وظلم المسكين وهو من أهل الثروة واليسار، وإنما لحقه اسم المسكين من جهة الذلة، فمن لم تكن مسمكنته من جهة الفقر فالصدقة له حرام. وقد سمّى الله تعالى من له المِلْك مسكيناً فقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٤٦). وقال الشافعى: الفقراء هم الزمنَى الذين لا
стр. 588
حرفة لهم، وأهل الحرف الذين لا تقع حرفتهم من حاجتهم موقعاً، والمساكين السؤَّال ممن له حرفة تقع موقعاً ولا تغنيه وعيالَه.
٣٩٦ - قوله ﷺ : "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْألُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ (٤٧) فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ" (ص ٧٢٠) أي قطعة لحم.
يقال: أطعمه مُزْعة لَحْم، أي قطعةً منه ونتفةَ لحم أي قليلاً. ومزعت المرأة قُطْنَها إذا زَبَّدَتْهُ، أي قطعته ثم ألَّفَتْه تُجَوِّدُهُ بذلك. وفي الحديث: "فَصَارَ أَنْفُهُ كَأنَّهُ (٤٨) يَتَمَزَّعُ" أَيْ يَتَشَقَقُ ويتقطع غضباً.
٣٩٧ - قوله ﷺ : "إن الْمَسْألةَ (٤٩) لَا تَحِلُّ إلَاّ لأحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً " ثم قال: "وَرَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُوم ثلاثةٌ من ذوِي الحِجَا ... " الحديث (ص ٧٢٢).
قال الشيخ: أما الجميل هاهنا فيكون على أنه تحمل حمالة جائزة. وأما قوله ﵇: "حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا" فإنه هاهنا كلَّفه إثْبات فقره. وفي حديث آخر: "صدقوا السائل ولو أتى على فرس" فيحمل الأول على من كان معروفاً المَلَاء ثم ادعى الفقر، ويحمل الثاني على من جُهِل حاله.
٣٩٨ - قال الشيخ: خرّج مسلم في باب ما جاءك من هذا المال من غير مسألة فَخُذْهُ: "حدثني (٥٠) أبو الطاهر نا ابن وهب قال عمرو: يعني ابن الحَارِث حدثني ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن عبد الله بن السعدي
стр. 589
عن عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله ﷺ يعطيني (٥١) العطاء" الحديث (ص ٧٢٣).
هكذا روي هذا الإِسناد وفيه انقطاع سقط منه رجل بين السَّائب بن يزيد وعبد الله بن السعدي وهو حُوَيْطب بنُ عبد العزّى. قال النسائي: لم يسمعه السائب بن يزيد من عبد الله بن السعدي. ورواه عن حُوَيطب.
قال الشيخ: قال بعضهم: هو محفوظ من طريق عمرو بن الحارث، رواه أصحاب الزهري شعيب والزبيدي عن الزهري قال أخبرني السائب بن يزيد أن حويطبا أخبره أن عبد الله أخبره أنَّ عمر أخبره ﵃. وقد رواه يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب فوصله. ذكره أبو علي بن السكن في كتابه.
وفي هذا الإِسناد أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض وهو السائب ابن يزيد وحويطب بن عبد العُزَّى وعبد الله بن السعدي وعمر بن الخطاب ﵃.
٣٩٩ - قوله ﷺ : "قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌ عَلَى حُبّ اثْنَتَيْنِ (٥٢): العيش والمال" (ص ٧٢٤).
قال الشيخ: فيه إشارة إلى أن الإِرادة في القلب خلافاً لمن رأى أن ذلك في غيره من الأعْضَاء.
٤٠٠ - قوله ﷺ : "لَوْ كَانَ لِابْنِءَادَمَ وَادِيَان مِنْ مَالٍ ... " الحديث (ص ٧٢٥).
стр. 590
قال الشيخ: يحتمل أن يكون إنما خص هذا العدد فقال: "واديان" ولم يقل ثلاثة أو أكثر لأن أصول الأموال ذهب وفضة فعبر عن هذين الصنفين.
وأما قوله: "لا يملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب" فإنه يحتمل أن يريد بالجوف القلب. ويريد بذلك أنه لا يملّ من محبة المال نحو ما تقدم في قوله: "قلب الشيخ شاب". ويحتمل أن يريد غير القلب وأنه لا يَشْبَعُ. ويؤيد مَا تَأوَّلْنَاه من الاحتمال أن في حديث بعد هذا: "لَا يَمْلأ فم ابن آدم" (ص ٧٢٥).
وهذا يشير إلى ما تأوَّلْنَا من أنَّ المراد به الأغذية.
وفي حديث آخر: "لا يملأ نفس ابن آدم" (ص ٧٢٦).
وهذا يشير إلى ما تأولنا من أن المراد (٥٣) المحبة وما يكون بالقلب.
وكأنه ﷺ عبّر تارة بما يختص بأحد الوجهين، وعبّر تارة بما يختص بالوجه الآخر، وعبّر بالجوف عن اجتماعهما جميعاً إذ الجوف محلّ الأغذية، ومحل القلب الذي فيه المحبة والشهوات.
٤٠١ - قول الراوي (٥٤): "كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً نُشَبِّهُهَا بِالمُسَبِّحَاتِ فَأُنْسِيتُهَا" الحديث (ص ٧٢٦).
يحتمل أن تكون هي إحدى السور المتلوّة الآن ونسيها هو وحفظ منها الآية المنسوخة.
٤٠٢ - قوله ﷺ : "لَيْسَ الغِنَى عَن كَثْرَةِ الْمَالِ" الحديث (ص ٧٢٦).
стр. 591
يحتمل أن يريد الغِنَى النافع والذي يكفُّ عن الحاجة، وليس ذلك على ظاهره لأنه معلوم أن الكثير المال غنيٌّ.
٤٠٣ - قوله ﷺ : "أخْوَفُ مَا أخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ الله لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا! قالوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا؟ قَالَ: بَرَكَاتُ الأرْضِ. قَالُوا: وَهَلْ يَأتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ " الحديث (ص ٧٢٧).
قال الشيخ: قولهم: "هل يأتي الخير بالشر؟ " ربما وقع كالمعارضة التي تُطْلَبُ بها الفائدة ويسرع إلى النفوس قبولها لمضادة الخير للشر (٥٥) فيمكن أن يكون علم (٥٦) ﵇ أنهم لم يفهموا قصده فقال: "لا يأتي الخير إلا بالخير" (٥٧). ثم قال ﷺ : "أوَ خَيْرٌ هُوَ؟ " كَأنَّهُ يقول: وإن سلمت قولكم فليس هذا بخير لما يؤدي إليه ويوقع فيه.
ثم ضرب ﵇ مثلا يشير إلى حالة البَطِرِ والمقتصد والمكثر الذي يفرق ما جمع على صفة ينتفع بها فقال ﵇: "إن مِمَّا يُنْبِت الرَّبيع مَا يَقْتل حَبَطًا أوْ يُلِمُّ" كأنه قال: أنتم تقولون: إن الربيع خير وبه قوام الحيوان وها هو منه ما يقتل للتخمة عاجلاً أو يكاد (٥٨) يقتل، فحالة المتخوم كَحَالةِ البطر الذي يجمع ولا يصرف، فأشار بهذا إلى أن الاعتدال والتوسط في الجمع أحسن. ثم خشي أن يقع في النفس أن من المكثرين من لا ينفعه إكثاره، فضرب لهم المثل بآكلةِ الخَضِر وشبهها بمن (٥٩) يجمع ثم يفرقه في وجوه المعروف. ووصف ﷺ هذه الدابة بأنها تأكل حتى تمتلىء خاصِرَتاها ثم تَثْلِطُ فذكر أنها تمتلىء في أوّل ذكره لها لما كان التشبيه
стр. 592
يقتضي إفراده، ثم قال بعد ذلك: "ثم عادت فأكلت" ولم يقل: حتى امتلأت، كما قال أول مرة. وهذا يحتمل أن يريد به أنها تأكل من جنس الأكل الأول، فاستغنى عن إعادته (٦٠) هاهنا بالإشارة إليه. ويحتمل أن يريد أنها تعود إلى أكل معتدل. وكذلك حالة الجامع للمال في غالب الحال أنه يُفْني في جمعه أكْثَر عمره فإذا صَرَّفه ثم عاد إلى الكسب كان كسبه متوسطاً.
وقد قال الأزهري في هذا الحديث مَثَلان:
أحدهما: للمفرط (٦١) في الجمع المانع مِنَ الحق، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : "وإن ممّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ" (٦٢)، وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منه الماشية حتى تهلك.
والثاني: للمقتصد، وإليه الإِشارة بقوله ﷺ : "إلا آكلة الخَضِر" لأن الخضر ليست من أحْرار البقول. هذا معنى قول الأزهري في هذا الحديث.
قال الشيخ -وفقه الله-: روى هذا الحديث أبو سعيد الخدري فقال في طريق منه: "استقبلت الشمس ثلطت أو بالت واجترت". وقال في طريق آخر: "استقبلت الشمس ثم اجترت وبالت وثلطت". وهذا يوهم ظاهره الاختلاف وليس بمختلف لأن الحديثين جميعاً تضمناً أنها اجترت بعد استقبال الشمس.
ففي الأول منهما: ذكر بَوْلَها قبل أن تجتر.
وفي الثاني منهما: ذكره بعد الاجترار ولكن بحرف الواو التي لا توجب الرتبة وإنما حصل الترتيب في كون الاجترار وما عطف عليه بعد استقبال
стр. 593
الشمس، ولكن الأول من هذه المعطوفات غير مستفاد من حرف الواو.
وأما قوله: "حَبَطًا" فمن قولهم: حبطت الدابة تحبط حَبَطًا إذا أصابت مرعى طيباً فأفرطت في أكل حتى تنتفخ فتموت.
وأما قوله: "ثلطت" فقال أبو عبيد في المصنف: يقال: ثَلَط البعير يَثْلِط ثَلْطا إذا ألقاه سَهْلا رقيقاً.
قوله ﷺ : "إنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا حُلْوَة خَضِرَةٌ" (ص ٧٢٨).
قال الهروي: خضرة يعني غضة ناعِمة طرية. وأصله من خضرة الشجر. وسمعت الأزهري يقول: أخذ الشيء خضِرًا مَضِرًا إذا أخذه بغير ثمن. وقيل: غضاً طرياً.
٤٠٤ - قوله: "فأفاق يمسح عنه الرُّحَضَاءَ" (ص ٧٢٨).
يعني: العرق من الشدة وأكثر ما يسمى به عَرَقُ الحُمَّى.
٤٠٥ - قوله: "يَا رَسُولَ الله مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ وَالله إنِّي لأرَاهُ مُؤْمِنًا؟ (ص ٧٣٢).
يحتمل أن يكون إنما حلف على ما ظهر له منه لا على معتقده لأن البواطن لا تُعْلَمُ.
وقوله ﷺ : "أوْ مُسْلِمًا" دليلٌ على التفرقة بين الإِسلام والإِيمان لأن الإِيمان التصديق والإِسلام الاستسلام والانقياد إلى الشرائع، والإِيمان شعبة من ذلك فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيماناً لأنه قد ينقاد في الظاهر وهو منافق قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٦٣).
стр. 594
ذكر أنه يوم حنين لم يُعطِ الأنصار وأعطى ﵇ غيرهم. وهذا حجة لأحد القولين أن الغنيمة لا يملكها القائمون حتى يملكهم إياها الإِمام.
وهذا أصل مختلف فيه عندنا، وينبني عليه الخلاف فيمن سرق من الغنيمة أو زَنَى بأمة منها قبل أن تقسم.
٤٠٦ - ذكر في الحديث أن القائل قال: "إنَّ هَذِهِ قِسْمةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا وَلَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ الله" (ص ٧٣٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: مَنْ سبَّ النبيء ﷺ قُتل؛ ولم يذكر في هذا الحديث أن رسول الله انتقم من هذا القائل. ويحتمل أن يكون لم يفهم عنه الطعن في النبوة وإنما نسبه إلى أنه لم يعدل في القسمة. والمعاصي على قسمين: فأما الكبائر فهو ﵇ معصومٌ منها إجماعاً، وأما الصغائر فإن المجيزين لوقوعها من الرسل يمنعون أن تضاف إليه ﷺ على جهة الانتقاص. ولعله ﵇ لم يعاقب هذا القائل لأنه لم يثبت ذلك عليه وإنما ينقله عنه واحد وشهادة الواحد لا يراق بها الدم على هذا الوجه.
٤٠٧ - قوله ﷺ : "الأنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ" (ص ٧٣٨).
الشعار: الثوب الذي يلي الجسد، والدثار: الثوب الذي يلي الشعار فمعناه: الأنصار هم الخاصة والبطانة.
٤٠٨ - وقوله ﷺ : "لَوْ سَلَكَتِ الأنْصَارُ شِعْبًا" (ص ٧٣٥).
الشعب: هو الطريق في الجبل.
٤٠٩ - قوله ﷺ في الحديث الذي قال له: اعدل: "خِبْتُّ وَخَسِرْتُ إنْ لَمْ أعدل" (ص ٧٤٠).
رُوِي بضم التاء فيهما وبفتحهما. فأما الضم فظاهر المعنى، وأما الفتح
стр. 595
فتقديره: خبتَ أنتَ وخسرتَ إن لم أعدل أنا إذ كنت أنت مقتدياً بي وتابعاً لي.
٤٨٠ - ذكر من طريق أبى سعيد الخدري: "الخوارجَ وَوَصَفَهُم بِأنَّهُمْ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجرَهُمْ يَقْتَلُونَ أهْلَ الإِسْلَام" الحديث. وفي آخره: "لَئِنْ أدْرَكتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ" (ص ٧٤١).
قال الشيخ -وفقه الله-: قد يتعلق بظاهر هذا من يرى تكفيرهم (وقد اختلف أهل الأصول في تكفيرهم) (٦٤).
وقد ينفصل عن هذا من لا يرى تكفيرهم بأن يحمل قتلهم على أنه كالحدّ لهم على بدعتهم. وقد جاء الشرع بقتل مَن هو مسلم باتفاق في مواضعَ، أو يحمل ذلك على أنهم بانوا بدارهم ودعوا إلى بدعتهم. ويشير إلى هذا قوله ﵇: "يقتلون أهل الإِسلام". وفي بعض طرقه: "قال خالد أنا أضرب عنقه. فقال: لا (٦٥) لعله أن (٦٦) يكون يصلي. قال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال ﵇: إني لم أومَرْ أن أنْقُبَ عن (٦٧) قلوب الناس". فهذا ذكر فيه الصلاة وعلَّل ترك قتله بقوله: "لعله أن يكون يصلي" قال بعض شيوخنا: في هذا الحديث حجة على قتل تارك الصلاة.
٤١١ - قال أبو سعيد الخدري: "سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول: يَخْرُجُ في هذه الأمة (ولم يقل: منها) قومٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُم مع صلاتهم" الحديث (ص ٧٤٣).
стр. 596
قال الشيخ -وفقه الله-: هذا من أدل الشواهد على سعة فقه الصحابة ﵃ وتحريرهم الألفاظ. وفي تنبيه الخدري على التفريق بين (في) و (من) إشارة حسنة إلى القول بتكفير الخوارج لأنه أفهم بأنه لما لم يقل: (منها) دَلَّ على أنهم ليسوا من أمته ﷺ . وهذا وإن لم يكن مما يعتمد عليه فإنه قد أحسن ما شاء في تنبيهه على هذا اللفظ وإن كان قد روى أبو ذر بعد هذا فقال: "قال ﷺ : إنَّ بَعْدِي مِنْ أمَّتِى، أَو سَيَكُون بَعْدِي مِنْ أمَّتِي" الحديث (ص ٧٥٠).
٤١٢ - وفي رواية علي ﵁: "يَخْرُجُ مِن أمَّتِي" (ص ٧٤٨).
وقد (٦٨) وقع في هذا الحديث العبارة عنهم باللفظ الذي تجنبه أبو سعيد. وفي حديث الخوارج من إخباره ﵇ عن الغيوب ما يعظم موقعه منها إشارته ﷺ إلى ما يكون بعده من اختلاف الأيمة في تكفيرهم والتماري في ذلك بقوله (٦٩) ﷺ : "وتتمارى في الفُوق". وقد كادت هذه المسألة تكون أضد إشكالاً (عند المتكلمين) (٧٠) من سائر المسائل.
ولقد رأيت أبا المعالي وقد رغّب إليه الفقيه أبو محمد عبد الحق رحمهما الله في الكلام عليها فَهَربَ له من ذلك واعتذر له بأن الغلط فيها يصعب موقعه لأن إدخال كافر في الملة أو إخراج مسلم عنها عظيم في الدين.
وكذلك اضطرب فيها قول القاضي ابن الطيب، وناهيك به في علم الأصول. وأشار أيضاً القاضي ﵀ إلى أنها عن المُعْوِصَاتِ لأن القوم لم يصرحوا بنفس الكفر وإنما قالوا أقوالاً تؤدي إليه.
стр. 597
وأنا أكْشِفُ لك نكتة هي مدار الخلاف وسبب الإِشكال، وذلك أن المعتزلي مثلاً إذا قال: الله سبحانه عالم ولكنه لا عِلْم لَهُ، وحيّ ولكن (٧١) لا حياة لَه، وقع الالتباس في تكفيره (٧٢)، لأنه قد عُلم من دين الأمة ضرورة أنَّ مَنْ قَال: إنَّ الله ليس بِحَيٍّ ولا بعالم فإنه كافر، وقامت الحجة على أنه محال أن يكون عالمٌ ولا علم له، وأنَّ ذلك من الأوْصَافِ المعلّلة لا سيما إن قلنا بنفي الأحوال، فإن ذلك أوضح وآكد في أن نَفْيَ العلم نفيٌ لكون العالم عالِما، فَهَلْ يُقَدَّر أن المعتزلة لما (جهلت ثبوت العلم) (٧٣) جهلت كون الباري تعالى عالماً وذلك كفر بإجماع، واعترافها به مع إنكارها أصْلَهُ لا ينفع، أو يكون اعترافها بذلك وإنكارها أن تقول بأن الله غير عالم ينفعها (٧٤) وإن قالت بما (٧٥) يؤدى إلى منعها من هذا القول، والتكفير بِالمَآلِ هو موضع الإِشكال.
٤١٣ - وَأخْبَرَ ﷺ بِغَيْبٍ ثان وهو قوله ﷺ : "تَقْتُلُهُمْ أدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الحَقِّ". وفي بعض طرقه: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهَا أوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ". وفي بعض طرقه: "أقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الحَقِّ" (ص ٧٤٥ - ٧٤٦).
وفي هذا الإِخْبَار بالاختلاف الذي جرى بين علي ومعاوية ﵄ وتركِ تكفير إحدى الطائفتين أوْ تفسيقها بهذا القتال لأنه وصفهم بأنهم أدنى الطائفتين إلى الحق وأقرب وأولى (٧٦) وسماهم مسلمين.
стр. 598
وأما إخباره ﷺ بصفة الرجل وعلامته، وَوُجِدَ كذلك عند قتله، فذلك وَاضحٌ بَيِّنٌ في الحديث.
٤١٤ - وقوله ﷺ : "يَخْرُجُ مِنْ ضِئضِىءِ هَذَا" (ص ٧٤٢ - ٧٤٤).
الضِّئْضِىءُ: الأصل. ويروى أيضاً بصادين مهملتين، والمعنى واحد. وللأصل أسماء كثيرة منها النِّجَار والنُّحَاس والسِّنْخ والمَحْتِد والعُنْصر والعِيص وغير ذلك مما قد حكى عامتها أبو علي القالي في كتاب الأمالي.
قوله: ثم نظر إليه وهو مُقَفٍّ، المقفي المُوَلّي الذَّاهِبُ. والقُذَذُرِيش: السَّهم. والسِّيمَا: العلامة، وفيها ثلاث لغات: سيماء بالمد، وسيمى بالقصر، والثالثة السِّيمِيَا بزيادة ياء والمد لا غير، والقصر لغة القرآن. والبصيرة هى طريقة الدم وجمعها بصائر، والفُوق: الحز الذي يجعل فيه الوتر. والرِّصَافُ: مدخل السهم في النصل. قال الهروي: الرَّصفَة عَقَبَةٌ تُلْوى على مدخل النصل في السهم يقال: منه سهم مرصوف، والنَّضِي: القِدح. وقد فسره في الحديث.
وقوله ﷺ في صفة ذي الثُديَة:"كمثل ثدْي المرْأة أو كمثل البَضْعة تَدرْدرُ" أيْ تجِيء وتذْهبُ ومِثْلُهُ تقلْقلُ وتذبْذبُ وترجُرجُ (٧٧) وتمًرْمَرُ وتدَلْدَلْ.
٤١٥ - وقوله ﷺ : "الحَرْبُ خَدْعَةٌ" (ص ٧٤٦).
فيه ثلاث لغات: خُدْعة بضم الخاء وإسكان الدال وبضم الخاء وفتح الدال، وبفتح الخاء وإسكان الدال، حكاه كله ابن السكيت وأبو عبيد وغيرهما من الأيمة (٧٨).
стр. 599
٤١٦ - وقوله: "مُخْدَجُ اليَدِ" (ص ٧٤٧).
أي ناقصها، ومُثْدَنُ اليد. ويقال أيضاً: مَثْدُون اليد، معناه صغير اليد مجتمعها بمنزلة ثَنْدُوَةِ الثَّدْي. وكان أصله مُثْنَد اليد فقدمت الدال على النون كما قالوا: جَبذَ وجذب. وعَاثَ في الأرض وَعَثَا. والثَّنْدُوة مفتوحة الثاء بلا همزة فإذا ضُمَّتِ الثاء همزت.
٤١٧ - وقوله: "كَأنّها طُبْيُ شَاةٍ" (ص ٧٤٩) أي ضَرْع شاة.
قال الشيخ: الطُّبْي للشاة استعارة وإنما الطبي للكلاب وسائر السباع. قال أبو عبيد في مصنفه: ولذوات الحافر أيضاً. قال غيره: والضرع للشاة والبقرة والخِلْف للناقة. قال أبو عبيد: الأخلاف لذوات الخف ولذوات الظلف أيضاً. قال الهروي: يقال في ذات (٧٩) الخف والظلف خِلف وَضَرْعٌ.
وقوله: "وَأغَارُوا في سَرْح النَّاس" السرح والسارحة الإِبل والغنم.
وقوله: "فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهم"، قال الهروي في باب الواو مع الحاء المهملة: وَحَّشُوا برماحهم، أي رموا برماحهم. قال: ومنه الذي في حديث آخر: "فوَحَّشوا بأسنتهم فاعتنق بعضهم بعضا".
وقوله: "وَشَجَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ" أي داخلوهم بها.
٤١٨ - في الحديث أنه ﷺ : "وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: لَوْلَا أنِّي أخْشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأكَلْتُهَا" (ص ٧٥٢).
قال الشيخ: هذا فيه دليل على أن المال وإن كان الأقلُّ منه (٨٠) حرامًا
стр. 600
يجتنب لأن الزكاة في جنب الأموال يسيرة، فإذا امتنع من الأكل مع تجويز التحريم فأحرى مع ثبوته وتحققه.
وفيه دليل على أن اللقطة اليسيرة من الطعام وغيره مما لا يلتفت الناس إليه ولا ينتهون إلى طلبه تستباح (٨١)، لأنه إنما علّل في امتناعه من الأكل بالخشية من أن تكون صدقة والصدقة لا تحلّ له ﵇ ولا لبني هاشم عندنا. واختلف في صدقة التطوع هل تحل لآل النبيء ﷺ أم لا؟ واختلف في مواليه ﵇ هل حكمهم حكم آله؟
٤١٩ - قوله ﷺ "لَما قِيلَ لَهُ فِي الشَّاةِ إنّهَا صَدَقَة فَقَالَ ﷺ : قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا" (ص ٧٥٤).
قال الشيخ: فيه حجة لأحد القولين عندنا في جواز شراء لحم الأُضحية ممن أُعطيها ممن تحل له لأنه ﷺ قال: "بَلَغَتْ مَحِلَّهَا".
ووجه القول بالمنع من الشراء أن ذلك عند القائل به بمنزلة الحُبُس ولَوْ حَبَّس شيئاً على المساكين لم يبح لهم بيعه لكن هذا قد لا يسلم له.
٤٢٠ - قال الشيخ خَرَّج مسلم في باب لا تحلّ الصدقة للنبيء ﷺ ولا لآله حديث عبد المطلب: "أنَّ ربيعة (٨٢) والفضل بن عباس ... " الحديث. وفيه قال ﵇: "ادْعُوا لِي مَحْمِيَةَ بْن جَزْءٍ، وهو رجل من بني أسد". هكذا قال مسلم: "هو رجل من بني أسد" (ص ٧٥٤). والمحفوظ من بني زُبَيْد.
٤٢١ - قوله: "فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ" (ص ٧٥٢).
معناه: عرض له وقصد له.