قال الشيخ -وفقه الله-: هذا من أدل الشواهد على سعة فقه الصحابة ﵃ وتحريرهم الألفاظ. وفي تنبيه الخدري على التفريق بين (في) و (من) إشارة حسنة إلى القول بتكفير الخوارج لأنه أفهم بأنه لما لم يقل: (منها) دَلَّ على أنهم ليسوا من أمته ﷺ . وهذا وإن لم يكن مما يعتمد عليه فإنه قد أحسن ما شاء في تنبيهه على هذا اللفظ وإن كان قد روى أبو ذر بعد هذا فقال: "قال ﷺ : إنَّ بَعْدِي مِنْ أمَّتِى، أَو سَيَكُون بَعْدِي مِنْ أمَّتِي" الحديث (ص ٧٥٠).
٤١٢ - وفي رواية علي ﵁: "يَخْرُجُ مِن أمَّتِي" (ص ٧٤٨).
وقد (٦٨) وقع في هذا الحديث العبارة عنهم باللفظ الذي تجنبه أبو سعيد. وفي حديث الخوارج من إخباره ﵇ عن الغيوب ما يعظم موقعه منها إشارته ﷺ إلى ما يكون بعده من اختلاف الأيمة في تكفيرهم والتماري في ذلك بقوله (٦٩) ﷺ : "وتتمارى في الفُوق". وقد كادت هذه المسألة تكون أضد إشكالاً (عند المتكلمين) (٧٠) من سائر المسائل.
ولقد رأيت أبا المعالي وقد رغّب إليه الفقيه أبو محمد عبد الحق رحمهما الله في الكلام عليها فَهَربَ له من ذلك واعتذر له بأن الغلط فيها يصعب موقعه لأن إدخال كافر في الملة أو إخراج مسلم عنها عظيم في الدين.
وكذلك اضطرب فيها قول القاضي ابن الطيب، وناهيك به في علم الأصول. وأشار أيضاً القاضي ﵀ إلى أنها عن المُعْوِصَاتِ لأن القوم لم يصرحوا بنفس الكفر وإنما قالوا أقوالاً تؤدي إليه.
стр. 597
وأنا أكْشِفُ لك نكتة هي مدار الخلاف وسبب الإِشكال، وذلك أن المعتزلي مثلاً إذا قال: الله سبحانه عالم ولكنه لا عِلْم لَهُ، وحيّ ولكن (٧١) لا حياة لَه، وقع الالتباس في تكفيره (٧٢)، لأنه قد عُلم من دين الأمة ضرورة أنَّ مَنْ قَال: إنَّ الله ليس بِحَيٍّ ولا بعالم فإنه كافر، وقامت الحجة على أنه محال أن يكون عالمٌ ولا علم له، وأنَّ ذلك من الأوْصَافِ المعلّلة لا سيما إن قلنا بنفي الأحوال، فإن ذلك أوضح وآكد في أن نَفْيَ العلم نفيٌ لكون العالم عالِما، فَهَلْ يُقَدَّر أن المعتزلة لما (جهلت ثبوت العلم) (٧٣) جهلت كون الباري تعالى عالماً وذلك كفر بإجماع، واعترافها به مع إنكارها أصْلَهُ لا ينفع، أو يكون اعترافها بذلك وإنكارها أن تقول بأن الله غير عالم ينفعها (٧٤) وإن قالت بما (٧٥) يؤدى إلى منعها من هذا القول، والتكفير بِالمَآلِ هو موضع الإِشكال.
٤١٣ - وَأخْبَرَ ﷺ بِغَيْبٍ ثان وهو قوله ﷺ : "تَقْتُلُهُمْ أدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الحَقِّ". وفي بعض طرقه: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهَا أوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ". وفي بعض طرقه: "أقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الحَقِّ" (ص ٧٤٥ - ٧٤٦).
وفي هذا الإِخْبَار بالاختلاف الذي جرى بين علي ومعاوية ﵄ وتركِ تكفير إحدى الطائفتين أوْ تفسيقها بهذا القتال لأنه وصفهم بأنهم أدنى الطائفتين إلى الحق وأقرب وأولى (٧٦) وسماهم مسلمين.
стр. 598
وأما إخباره ﷺ بصفة الرجل وعلامته، وَوُجِدَ كذلك عند قتله، فذلك وَاضحٌ بَيِّنٌ في الحديث.
٤١٤ - وقوله ﷺ : "يَخْرُجُ مِنْ ضِئضِىءِ هَذَا" (ص ٧٤٢ - ٧٤٤).
الضِّئْضِىءُ: الأصل. ويروى أيضاً بصادين مهملتين، والمعنى واحد. وللأصل أسماء كثيرة منها النِّجَار والنُّحَاس والسِّنْخ والمَحْتِد والعُنْصر والعِيص وغير ذلك مما قد حكى عامتها أبو علي القالي في كتاب الأمالي.
قوله: ثم نظر إليه وهو مُقَفٍّ، المقفي المُوَلّي الذَّاهِبُ. والقُذَذُرِيش: السَّهم. والسِّيمَا: العلامة، وفيها ثلاث لغات: سيماء بالمد، وسيمى بالقصر، والثالثة السِّيمِيَا بزيادة ياء والمد لا غير، والقصر لغة القرآن. والبصيرة هى طريقة الدم وجمعها بصائر، والفُوق: الحز الذي يجعل فيه الوتر. والرِّصَافُ: مدخل السهم في النصل. قال الهروي: الرَّصفَة عَقَبَةٌ تُلْوى على مدخل النصل في السهم يقال: منه سهم مرصوف، والنَّضِي: القِدح. وقد فسره في الحديث.
وقوله ﷺ في صفة ذي الثُديَة:"كمثل ثدْي المرْأة أو كمثل البَضْعة تَدرْدرُ" أيْ تجِيء وتذْهبُ ومِثْلُهُ تقلْقلُ وتذبْذبُ وترجُرجُ (٧٧) وتمًرْمَرُ وتدَلْدَلْ.
٤١٥ - وقوله ﷺ : "الحَرْبُ خَدْعَةٌ" (ص ٧٤٦).
فيه ثلاث لغات: خُدْعة بضم الخاء وإسكان الدال وبضم الخاء وفتح الدال، وبفتح الخاء وإسكان الدال، حكاه كله ابن السكيت وأبو عبيد وغيرهما من الأيمة (٧٨).
стр. 599
٤١٦ - وقوله: "مُخْدَجُ اليَدِ" (ص ٧٤٧).
أي ناقصها، ومُثْدَنُ اليد. ويقال أيضاً: مَثْدُون اليد، معناه صغير اليد مجتمعها بمنزلة ثَنْدُوَةِ الثَّدْي. وكان أصله مُثْنَد اليد فقدمت الدال على النون كما قالوا: جَبذَ وجذب. وعَاثَ في الأرض وَعَثَا. والثَّنْدُوة مفتوحة الثاء بلا همزة فإذا ضُمَّتِ الثاء همزت.
٤١٧ - وقوله: "كَأنّها طُبْيُ شَاةٍ" (ص ٧٤٩) أي ضَرْع شاة.
قال الشيخ: الطُّبْي للشاة استعارة وإنما الطبي للكلاب وسائر السباع. قال أبو عبيد في مصنفه: ولذوات الحافر أيضاً. قال غيره: والضرع للشاة والبقرة والخِلْف للناقة. قال أبو عبيد: الأخلاف لذوات الخف ولذوات الظلف أيضاً. قال الهروي: يقال في ذات (٧٩) الخف والظلف خِلف وَضَرْعٌ.
وقوله: "وَأغَارُوا في سَرْح النَّاس" السرح والسارحة الإِبل والغنم.
وقوله: "فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهم"، قال الهروي في باب الواو مع الحاء المهملة: وَحَّشُوا برماحهم، أي رموا برماحهم. قال: ومنه الذي في حديث آخر: "فوَحَّشوا بأسنتهم فاعتنق بعضهم بعضا".
وقوله: "وَشَجَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ" أي داخلوهم بها.
٤١٨ - في الحديث أنه ﷺ : "وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: لَوْلَا أنِّي أخْشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأكَلْتُهَا" (ص ٧٥٢).
قال الشيخ: هذا فيه دليل على أن المال وإن كان الأقلُّ منه (٨٠) حرامًا
стр. 600
يجتنب لأن الزكاة في جنب الأموال يسيرة، فإذا امتنع من الأكل مع تجويز التحريم فأحرى مع ثبوته وتحققه.
وفيه دليل على أن اللقطة اليسيرة من الطعام وغيره مما لا يلتفت الناس إليه ولا ينتهون إلى طلبه تستباح (٨١)، لأنه إنما علّل في امتناعه من الأكل بالخشية من أن تكون صدقة والصدقة لا تحلّ له ﵇ ولا لبني هاشم عندنا. واختلف في صدقة التطوع هل تحل لآل النبيء ﷺ أم لا؟ واختلف في مواليه ﵇ هل حكمهم حكم آله؟
٤١٩ - قوله ﷺ "لَما قِيلَ لَهُ فِي الشَّاةِ إنّهَا صَدَقَة فَقَالَ ﷺ : قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا" (ص ٧٥٤).
قال الشيخ: فيه حجة لأحد القولين عندنا في جواز شراء لحم الأُضحية ممن أُعطيها ممن تحل له لأنه ﷺ قال: "بَلَغَتْ مَحِلَّهَا".
ووجه القول بالمنع من الشراء أن ذلك عند القائل به بمنزلة الحُبُس ولَوْ حَبَّس شيئاً على المساكين لم يبح لهم بيعه لكن هذا قد لا يسلم له.
٤٢٠ - قال الشيخ خَرَّج مسلم في باب لا تحلّ الصدقة للنبيء ﷺ ولا لآله حديث عبد المطلب: "أنَّ ربيعة (٨٢) والفضل بن عباس ... " الحديث. وفيه قال ﵇: "ادْعُوا لِي مَحْمِيَةَ بْن جَزْءٍ، وهو رجل من بني أسد". هكذا قال مسلم: "هو رجل من بني أسد" (ص ٧٥٤). والمحفوظ من بني زُبَيْد.
٤٢١ - قوله: "فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ" (ص ٧٥٢).
معناه: عرض له وقصد له.
стр. 601
وقوله ﷺ : "ما تُصَرِّرَانِ" أي ما تجمعانه في صدوركما من الكلام.
وكل شيء جمعته فقد صررته، وقوله: "قد بلغنا النِّكاح" أي الحلم. ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (٨٣)، وقول علي ﵁: "لَا أرِيم مكاني" معناه لا أبرح منه ولا أزول. قال زهير: [الوافر]
لِمَنْ طَلَلٌ بِرَامَةَ لَا يَرِيمُ ... عَفَا وَخَلَا لَهُ حُقْبٌ قَدِيمُ
стр. 602
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
٦ - كتاب الصيام
٤٢٢ - فيه قوله ﷺ "فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ" (ص ٧٥٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: ذهب بعض العلماء إلى أن الهلال إذا التبس يحسب له بحساب المنجمين، وزعم أن هذا الحديث يدل على ذلك. واحتجّ أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٢).
وحمل جمهور الفقهاء ما في الحديث على أن المراد به إكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر. وكذلك تأولوا قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ على أن المراد به الاهتداء في الطرق في البر والبحر. وقالوا أيضاً: لو كان التكليف يتوقف على حساب التنجيم لضاق الأمر فيه إذ لا يعرِف ذلك إلا قليل من الناس والشرع مبني على ما يعلمه الجماهير، وأيضاً فإن الأقاليم على رأيهم مختلفة ويصح أن يُرى في إقليم دون إقليم فيؤدي ذلك
стр. 603
إلى اختلاف الصوم عند أهلها مع كون الصائمين منهم لا يعوّلون غالبا على طريق مقطوع به ولا يلزم قوماً ما ثبت عند قوم.
قال رسول الله ﷺ : "الشهر تسع وعشرون" ثم قال ﵇: "فَإنْ غُمَّ عَليكم فاقْدُرُوا (٣) ثلاثين". معناه أن الشهر مقطوع بأنه لا بد أن يكون تسعاً وعشرين فإن ظهر الهلال وإلا فيطلب أعلى العدد الذي هو ثلاثون وهو نهاية عدده.
قول النبيء ﷺ : "فإن غُمَّ عليكم"، أي إن حَال بينكم وبين رؤيته غَيْم. ويقال: صُمْنَا لِلْغَمَّاءِ والغُمَّى، أي عن غير رؤية. ويروى: "فإن أغْمِي عليكم" يقال: غُمَّ علينا الهلال وغُمِّيَ، وأُغْمِي فهوِ مُغْمًى، وقد غَامَتِ السّماء تَغِيم غيمومة فهي غَائِمَة وَغَيْمة، واَغَامَتِ وَغيَّمَتْ وَتَغَيَّمَتْ وأغْمت وغُمِّيت وَغِينَتْ.
٤٢٣ - قوله ﷺ : "إنَّا أُمَّةٌ أُمُيّةٌ" (ص ٧٦١).
الأُمية هي التي على أصل ولادات (٤) أمهاتها لم تتعلم الكتاب فهي على ما ولدت عليه، ومنه ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (٤م) ﷺ نسب إلى ما ولدته عليه أمّه معجزةً له ﷺ .
٤٢٤ - قوله ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ" (ص ٧٦٢).
قال الشيخ: إذا ثبت الهلال عند الخليفة لزم سائر الأمصار الرجوع إلى ما عنده (وإن كان ذلك عند أهل مدينة) (٥) فهل يلزم غيرهم ما ثبت عنهم؟
стр. 604
فيه قولان. فأما الحديث فهو محتمل أن يريد بقوله: "صوموا لرؤيته" أي لرؤية من كان أو لرؤيتكم أنتم.
٤٢٥ - ويحتج من لا يوجب الصوم بما ذكره مسلم من حديث كُرَيب: "أنَّ أُمَّ الفَضْلِ بنت الحارث بَعَثَتْهُ إلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ. قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَيِّ رمضان وَأنَا بِالشَّام فَرَأيتُ الهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَة ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ ... " فَذَكَر الحَدِيثَ، وَذَكَر فِيهِ: "أنّه أعْلَمَ ابْنَ عَبَّاسٍ بذَلِكَ وَأنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَكِنَّا رَأيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَو نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ " (ص ٧٦٥).
قال الشيخ: والفرق بين رؤية (٦) الخليفة وغيره أن سائر البلدان لمّا كانت بحكمه فهي كبلد واحد. ويحتج للزوم الصوم من جهة القياس بأنه كما يلزم الرجوع إلى بعض أهل المصر فكذلك يرجع أهل مصر إلى أهل مصر آخر إذ العلة حصول الخبر بذلك.
قال الشيخ: إذا رُئِيَ الهلال بعد الزوال فهو لليلة المقبلة وإن رُئيَ قبل الزوال ففيه قولان: قيل للماضية وقيل للمقبلة. وقال بعض أصحاب الظاهر: أما في الصوم فيجعل للماضية وأما في الفطر فيجعل للمستقبلة. وهذا بناء منهم على الأخذ بالاحتياط وهو نحو القول بأنه إذا كان الشك يوم الغيم وجب الإِمساك.
وظاهر قوله: "صوموا لرؤيته" على مقتضى اللفظ يوجب الصوم حين الرؤية متى وجدت فإذا منع الإِجماع من وجوب الصوم على الإِطلاق حينئذ كان محمولاً على المستقبل (٧). ويكون حجة للقول بأنه لليلة المقبلة على
стр. 605
كل حال. وهذا على طريقة من رأى ذلك إذ لا فرق ما بين قبل الزوال وبعده عندهم.
ثم الرؤية إذا كانت فاشية (٨) صِيمَ بغير خلاف، وإن كان الغيم قبل (٩) فيه الشهادة بغير خلاف. وإن كان الصحو والمصر كبير ففي قبول الشهادة مع ذلك قولان، وهو خلاف في حال هل ذلك تهمة أم لا؟ وما الذي يقبل في ذلك؟
أما الفطر فمالك وأبو حنيفة والشافعي يقولون: لا يقبل الواحد. وقَبِله أبو ثور. وأما الصوم فاتفق هؤلاء على قبول الواحد فيه إلا مالكا خاصة. وأجاز أبو حنيفة فيه شهادة المرأة والعبد. وسبب الخلاف هل ذلك من باب الشهادة أم من باب الإِخبار؟ وكَأنَّ ما طريقه الشياع يُقْبَلُ فيه الواحد (١٠) كالخبر عن النبيء ﷺ بحكم من الأحكام، وما كان يختص به بعض الأشخاص كالقول لهذا عند هذا. وشبه ذلك فيطلب فيه اثنان. واعتمد من يجيز شهادة الواحد في الصوم بحديث الأعرابي وحديث ابن عمر: "شهدت عند رسول الله ﷺ ... " الحديث.
ويصح أن يحتج في ذلك بقوله ﷺ : "فَكُلُوا واشْرَبُوا حتّى ينادي ابن أم مكتوم" (ص ٧٦٨). فأمرهم ﷺ بالإِمساك عن أكل بخبره وهم في زمن يحل لهم الأكل فيه فكذلك إذا أخبر رجل عن رؤية الهلال.
٤٢٦ - قال الشيخ -وفقه الله-: خرّج مسلم في باب صفة الفجر الذي يحرّم الأكل حَدِيثَ شُعْبَةَ عن سوادة قال: "سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ" الحديث. ثم قال مسلم: "وحدثنا ابْنُ المُثَنَّى نا أبُو دَاوُدَ نا شُعْبَةُ
стр. 606
عَنْ سَوَادَةَ" (ص ٧٧٠) وفي نسخة ابن الحَذَّاءِ: "حَدّثَنا ابْنُ نُميْر" جَعَلَ ابْنَ نُمَيْر بدل ابن مُثَنَّى، قال بعضهم: والصواب: ابن مثنى، وكذلك رواه الجلودي وغيره.
٤٢٧ - قوله ﷺ : "شَهْرَا عيد لَا يَنْقُصَان" (ص ٧٦٦).
قيل: معناه لا ينقصان من الأجر وإن نقص العدد. وقيل: معناه في عام بعينه. وقيل: لَا يجتمعان ناقصين في سنة واحدة في غالب الأمر.
٤٢٨ - قوله ﷺ : "لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إلَاّ رَجُلاً كَانَ يَصُومُهُ" (ص ٧٦٢).
قال الشيخ: محمله على من صام تعظيماً للشهر واستقبالاً له بذلك. وأما إن صِيمَ يَومُ الشك على جهة التطوع ففيه اختلاف، وذلك لمن لم تكن عادته صوم ذلك اليوم أو نَذَرَهُ. وأمَّا صومه على جهة الإحتياط خوفاً أن يكون من رمضان فالمشهور عندنا النهي عنه، وأوجبه بعض العلماء في الغَيْم.
٤٢٩ - قوله ﵊: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" (ص ٧٧١).
قال الشيخ: ظاهره أنه ﷺ أشار إلى أن فساد الأمور يتعلق بتغيُّر (١١) هذه السنة التي هي تعجيل الفطر وأن تأخيره ومخالفة السنة في ذلك كالعَلَمِ عَلَى فسادِ الأُمور.
٤٣٠ - قوله ﷺ : "إذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ وَأدْبَرَ النَّهَارُ وَغَابَتِ الشَّمْسُ أفْطَرَ الصَّائِمُ" (ص ٧٧٢).
стр. 607
قال الشيخ -وفقه الله-: أحد هذه الأشياء يتضمن بقيتها إذ لا يُقبل الليل إلا إذا أدبر النهار، (ولا يدبر النهار) (١٢) إلا إذا غربت الشمس، ولكنه قد لا يتفق مشاهدة عين الغروب وشاهد (١٣) هجوم الظلمة حتى يتيقن بذلك غروب الشمس فيحل الإِفطار.
وقوله ﷺ : "فقد أفطر الصائم" إن حمل على أن المراد به قد صار مفطراً فلا بد فيكون ذلك دلالة على أن زمن الليل يستحيل الصوم فيه شرعاً. وقد قال بعض العلماء: إن الإِمساك بعد الغروب لا يجوز وهو كإمساك يوم الفطر ويوم النحر. وقال بعضهم: ذلك جائزٌ وله (١٤) أجر الصائم.
٤٣١ - واحتج هؤلاء بأن الأحاديث الواردة في الوصال التي (١٥) ذكرها مسلم في ألفاظها ما يدل على أن النهي عن ذلك تخفيف ورفق وفي بعض طرق مسلم: "نهاهم عن الوصال رحمة لهم". وفي بعض طرقه ﷺ : "لما أبَوْا أَن يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بهم يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأوْا الهلال فقال ﷺ : "لَوْ تَأخَّرَ الهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ" كَالْمُنَكِّلِ لهم، وفي بعض طرقه: "لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالاً يَدَعُ المُتَعَنِّقُونَ تَعَمقهم" (ص ٧٧٤ - ٧٧٦).
وهذا كله يدل على أنه لا يستحيل إمساك الليل شرعاً ولو كان مستحيلاً ما واصل ﵇ بهم ولا حملهم على ما لا يحل ولعاقب من خالف نهيه. وقال أحمد وإسحاق: لا بأس بالوصال إلى السحر. وخرج
стр. 608
البخاري: "لَا تُوَاصِلُوا فَأيُّكُمْ أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر" (١٦).
وقوله: "قالوا: إنّك تُواصل. قال: إنَّكمْ لَسْتُمْ فِيِ ذَلِكَ مِثْلِي إنِّي أبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي فَاكْلفُوا مِنَ الأعْمَالِ مَا تُطِيقُون". وهذا يحتمل أن يكون المراد به أن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والريّ ما يخلقه في قلب من أكل وشرب، أو يكون على حقيقة في ذلك يطعمه جَلَّتْ قدرته ويسقيه كرامة له ﷺ .
وقوله في بعض طرقه: "أنزل فاجدح لنا". الجدح: خلط الشيء يغيره، والمجدحَة: المِلْعَقَة
وقوله: "فاكلفوا " قال صاحب الأفعال: كلف وجهه كلفا، وكلفت بالشيء كلافة: تحملت وبه أولِعْتُ.
٤٣٢ - قول عائشة ﵂: "كَانَ يُقَبِّلُنِي وَهْوَ صَائِمٌ وَأيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَمَا كَانَ رسُولُ الله ﷺ يَمْلِكُ إرْبَهُ" (ص ٧٧٧).
قال الشيخ: اختلف الناس في جواز القُبْلَة لِلصائم. ومن بديع ما ورد في جواز ذلك قوله ﷺ : "لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِم: أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ " فأشار بذلك إلى فقه بديع، وذلك أن المضمضة قد تقرر عندهم أنها لا تنقض الصوم لأنهم كانوا يتوضئون وهم صيام، والمضمضة أوائل الشرب ومفتاحه كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، فكما ثبت عندهم أن أوائل (١٧) الشرب الذي هو المضمضة لا يُفسد الصوم فكذلك أوائل الجماع الذي هو القبلة لا تفسد (١٨) الصوم.
стр. 609
وفي هذا أيضاً إثبات القياس في الشريعة واستعمال الأشباه. والذي أشارت إليه عائشة ﵂ في الحديث المتقدم إليه يرجع فقه المسألة لأنها أشارت إلى أن النبيء ﷺ يقف عند القبلة (١٩) ويأمن على نفسه أن يقع فيما سواه بخلاف غيره من أمته فينبغي أن تعتبر حالة المقَبِّل (٢٠)، فإن كانت القبلة تثير من المقبّل الإِنزال كانت محرمة عليه لأن الإِنزال المكتسب يُمنع منه الصائم، فكذلك ما أوقع فيه وأدى إليه، وإن كان إنما يكون عنها المذي فيجري ذلك على حكم القضاء منه، فمن رأى أن القضاء منه واجب أوجب الكفّ عن القبلة، ومن رأى أن القضاء منه مستحب استحب الكفّ (٢١). وإن كانت القبلة لا تُؤَدي إلى شيء مِمَّا ذكر ولا تحرّك لذة فلا معنى للمنع منها إلا على طريقة من يَحمِي الذريعة فيكون للنَّهْي عن ذلك وجه.
وقد اختلف أصحابنا فيمن قبل قبلة واحدة فأنزل هل يكفر أم لا؟. وهذا مِنْهُم خلاف في حال، فمن رأى الكفارة اعتقد أن القبلة الواحدة يكون عنها الإِنزال ففاعلها قاصد إليه ومنتهك لحرمة الشهر فوجبت عليه (٢٢) الكفارة، ومن رأى لا كفارة اعتقد أنّ الإِنزال لا يمكن عنها غالباً، فالفاعل لها وإن وقع منه ذلك غير قاصد إليه ولا منتهك لحرمة الشهر. واتفقو إذا وَالَى القُبل فأنزل على الكفَّارة لاتضاح (٢٣) وقوع الإِنزال عند ذلك.
٤٣٣ - ذَكَر قَوْلَ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: "مَنْ أدْرَكَهُ الْفَجْرُ وَهْو جُنُبٌ فَلَا يَصُمْ" (ص ٧٧٩).
стр. 610
قال الشيخ -وفقه الله-: شذ بعض الناس فأخذ بظاهر هذا، ورأى أن صوم الجنب لا ينفعه. وقد أشار في كتاب مسلم إلى رجوع أبي هريرة عن ذلك وأرسل الحديث أولاً ثم أسنده لِمَا قيل له وأحال على الفضل بن عباس.
فإن قيل: كيف وجب رجوعه عن ذلك وَلِمَ قال بخلافه؟ ولِمَ أخذ جماعة العُلَماء بخلاف هذا الحديث إلا رجلاً أو رجلين فإنهما شذّا مع أن أبا هريرة رواه عَنِ الفضل بن عباس؟
قلنا: قد عارضه ما ذكر في هذا (٢٤) الحديث عن عائشة وأم سلمة ﵄ من أنه ﷺ كان يصبح جُنُبا من غير حُلمٍ ثم يصوم. وأشار في الحديث إلى أن أبا هريرة لما سمع هذا عنهما اعتذر بما اعتذر. وهذا فعل منه ﷺ والأفعال تُقدّم على الأقوال عند بعض الأصوليين، ومن قدم منهم الأقوال فإنه يرجح هاهنا الفعل لموافقته ظاهر القرآن لأن الله سبحانه أباح المباشرة إلى الفجر وإذا كانت النهاية إلى الفجر فمعلوم أن الغسل إنما يكون بعد الفجر إذ كان الجماع مباحاً إليه فاقتضى هذا صحة صوم من طلع الفجر عليه وهو جنب، فلما طابق ظاهرَ القرآن فعلُه ﷺ قدم على ما سواه.
وقد قيل: إن ما رواه أبو هريرة محمول على أن ذلك كان في أول الإِسلام لما كانوا إذا ناموا حَرُم عليهم الجماع فلما نسخ ذلك نسخ ما تعلَّق به.
قال الشيخ: خرّج مسلم في هذا الباب: "حدثنا محمد بن رافع نا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر قال: سمعت أبا هريرة يقول في قصصه: من أدركه
стр. 611
الفجر جنباً فلا يصم. قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث لأبيه فأنكر ذلك. هذا (٢٥) في النسخة عن الجلودي وفي نسخة ابن ماهان فذكر ذلك عبد الرحمن لأبيه.
(قال بعضهم: والرواية الأولى هي الصواب، ومعناها: أن أبا بكر ذكرها لأبيه عبد الرحمن) (٢٦). وجاء هذا من الراوي على معنى البيان، جعل قوله لأبيه بدلا بإعادة حرف الجر كأنه لما قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن ابن الحارث أراد أن يعلمك أن عبد الرحمن هو والد أبي بكر. ورواه حجاج عن ابن جريج قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث فأنكره ولم يقل لأبيه.
وما وقع في نسخة ابن ماهان من قوله: فذكر ذلك عبد الرحمن لأبيه، خطأ لا معنى له لأنه يؤدي إلى أن عبد الرحمن ذكره لأبيه الحارث وهذا غير مستقيم.
٤٣٤ - قوله: "جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ الله. قالَ: وَمَا أهْلَكَك؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأِتي فِي رَمَضَانَ ... " الحديث (ص ٧٨١).
قال الشيخ -وفقه الله-: أكثر الأمة على إيجاب الكفارة على المجامع في رمضان عامدًا. ودليلهم هذا الحديث وشذ بعض النّاس فقال: لا كفارة على المجامع وإن تعمد، واغتروا بقوله ﵇: "لما أمره أن يَتَصدَّقَ بِالعَرَقِ من التمر فشكى الفاقة. فقال: اذهب فأطْعِمه أهلَك". فدل ذلك عنده على سقوط الكفارة. وأحسن ما حمل هذا عليه عندنا على أنه أباح له
стр. 612
تأخيرها لوقت يسره لا على أنه أسقطها عنه. وليس في الحديث ما يدل على إسقاطها جملة.
وأما المجامع ناسيا في رمضان فقد اختلف أصحابنا في إيجاب الكفارة عليه. فقال بعضهم: تجب الكفارة لأنه ﷺ لم يستفسر السائل هل جامع عامداً أمْ ناسياً؟ فدل على (٢٧) أن الحكم لا يفترق. وقال بعْضهم: لا كفارة على الناسي لأن الكفارة تمحيص للذنوب والناسي غير مذنب ولا آثم.
واختلف الناس في المفطر بالأكل عامداً هل يكفر أم لا؟ فمن رأى أن الحدود والكفارات لا يقاس عليها، أو رأى في الجماع معنى يختص دون الأكل قصرَ الكَفَّارة على ما ورد به الخبر. ومن رأى إثبات القياس في الحدود والكفارات ورأى أن الأكل مساوٍ للجماع لاشتراكهما في كونهما انتهاكين لحرمة الشهر وتعلُّقِ المأثم بهما أوجب الكفارة فيه.
قال الشيخ: وقع في هذا الحديث: "هل تجد ما تُعْتِقُ؟ هل تستطيع أن تصوم؟ " هكذا على الترتيب.
فذهب بعض الفقهاء إلى الأخذ بظاهر هذا، ورأى أن استفهامه على هذا الترتيب يوجب ترتيب الإِيجاب في الكفارة على حسب ما وقع في السؤال ويكون ذلك كالكفارة في الظهار.
وذهب بعضهم إلى التخيير لما ذكر بعد هذا في طريق آخر: "قال: أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يُعْتِق رَقبة أو يصومَ أوْ يُطْعِمَ" (ص ٧٨٢) ولفظة (أو) تقتضي التخيير. وفي بعض طرقه: "أفطر في رمضان". فهذا قد يتعلق بعمومه من يساوي بين الأكل والجماع في الكفارة، ودعوى العموم في مثل هذا ضعيف عند أهل الأصول.
стр. 613
وأما قوله: "بِعَرَقِ تَمْر" ففسره ابن عيينة وقال: هو الزَّبِيل (٢٨). قال الأصمعي: ويقال له عرقة أيضاً، وهو كل شيء مَضْفور فهو عَرَقٌ.
٤٣٥ - قوله: "إن رسول الله ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ ثُمَّ أفْطَرَ". وفي طريق آخر من هذا الحديث: "قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا (٢٩) يَتَّبِعُونَ الأحْدَثَ فَالأحْدَثَ مِنْ أمْرِهِ ﷺ وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ" (٧٨٤ - ٧٨٥).
قال الشيخ: محمل قول ابن شهاب على أن النسخ في غير هذا الموضع وإنما أراد أن الأواخر من أفعاله ﷺ تنسخ الأوائل إذا كان مما لا يتمكن فيه (٣٠) البناء؛ إلا أن يقول القائل فإن هذا من ابن شهاب ميل إلى القول بأن الصوم لا ينعقد في السفر فيكون كمذهب بعض أصحاب الظاهر. وهذا غير معروف عنه.
قَوْلُهُ: "فَصَامَ حَتّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، ثمّ ذكر أنّه دَعَا بقدح من ماء ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال ﷺ : أُولَئِكَ العُصَاة أولئك العصاة".
قال الشيخ -وفقه الله-: جلّ الفقهاء على أن من أصبح صائماً في الحضر ثم سافر أنَّهُ لا يُفطر في يومه.
وذهب بعضهم إلى أن ذلك له وكأنَّ هذا فرع بينَ أصلين:
أحدهما: أنَّ من أصبح صائماً ثم عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ فإنّه يباح له الفطر.
والثاني: أن من افتتح الصلاة في السفينة حضرية ثم انبعثت به السفينة
стр. 614
في أثناء الصلاة متوجهة إلى السفر أن يتم صلاة حضر، فيرد المخالف الفطر إذا حدث السفر إلى الفطر إذا حدث المرض.
ويرده (٣١) الآخرون إلى الصلاة المذكورة. والفرق عندنا بين طروّ المرض على الصائم وطُروّ السفر: أن طرو السفر أمر مكتسب فخوطب فيه بحالة الابتداء والمرض أمر غالبٌ. وقد يكون أيضاً مرض لا يمكن معه الصوم على حال.
وأما قوله: "أولئك العُصَاة ... " فلا يكون (٣٢) حجة لمن يقول: إن الصوم لا ينعقد في السفر، لأنه يحتمل أن يريد أنه قد شقّ عليهم الصوم حتى صاروا منهيين عنه فعصوا لذلك. ويؤيد هذا التأويل أنه قال في بعض طرق هذا الحديث: "إنّه قيل له: إن الناس قد شقّ عليهم الصيام" على أن من يحتج بهذا الحديث على جواز الفطر بعد أن أصبح صائماً إنما يكون (٣٣) له حجة إذا سُلّم له أنه ﷺ افتتح النهار بالصيام ثم أفطر. ونحن نقول: يحتمل أن يكون قوله هاهنا: "صام ثم أفطر" أي ابتدأ النهار بالفطر من أوَّله ولم يعقد صوماً ثم حله.
٤٣٦ - قوله ﷺ : "لما رَأى رَجُلاً ظُلِّلَ (٣٤) عَلَيْه: لَيْسَ البِرُّ (٣٥) أنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ" (ص ٧٨٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في صوم رمضان في السفر، فذهب بعض أصحاب الظاهر إلى أن الصوم لا ينعقد فيه، وأن من صام فيه
стр. 615
رمضان قَضَى أخْذًا منه بظاهر الآية وبهذا الحديث. وجمهور العلماء على خلاف هذا المَذْهَب، وقد اختلفوا: هل الصوم أفضل أم الفطر، أم هما سواء؟ فقيل: الصوم أفضل، لما ورد في ذلك من صومه ﷺ هو وعبد الله بن رواحة، ولغير ذلك من الأحاديث ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣٦) فعمّ. وقيل: الفطر أفضل للحديث المتقدم، وهو قوله ﵇: "ليس البِرُّ أنْ تَصُومُوا في السفر"، ولقوله في هذا الكتاب: "هي رخصة من الله فمن شَاءَ أخذ بها فحسنٌ، ومن أحب أن يصوم فلا جناح"، فقد جعل الفطر حَسَنا والصوم لا جناح فيه. فهذه إشارة إلى تفضيل الفطر على الصوم. وقيل: بل الصوم والفطر (٣٧) سواء لقوله ﷺ للذي سأله عن الصيام في السفر: "إن شئت فصم وإن شئت فَأفْطِرْ".
قال الشيخ: أما احتجاج المخالف على أن الصوم في السفر لا يجزىء بالحديث المتقدم وهو: "ليس البر أن تصوموا في السفر" فإنا نقول: هو عموم خرج على سبب، فإن قلنا بقصره على سببه كما ذهب إلى ذلك بعض الأُصوليين لم يكن له فيه حجة، وإن لم نقل بقصره قلنا: يحتمل أن يكون المراد به لمن كان على مثل حال ذلك الرجل وبلغ به الصوم إلى مثل ذلك المبلغ. ويحمل على ذلك بالدليل الذي قدمناه في فضيلة الصوم، أو يحتمل أن يريد: أن ليس للصوم فضيلة على الفطر تكون برًّا.
٤٣٧ - قوله ﷺ : "لما وجد اليهود يصومون عاشُورَاءَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم فَصَامَهُ ﷺ وأَمَرَ بِصِيَامِهِ" (ص ٧٩٦).
قال الشيخ: خبر اليهود غير مقبول، فيحتملِ أنْ يَكُونَ ﷺ أُوحي إليه بصدقهم فيما حكوا من قصة هذا اليوم، أو يكونَ قد تواتر عنده ﵇
стр. 616
خبره حتى وقع له العلم بذلك، ومع ذلك أيضاً فإنه ﷺ قد يكون كان من شرعه تعظيم الأيام التي تظهر فيها الرسل ويُدِيلُ الله لهم على الكفرة، واستحسان الصوم فيها.
٤٣٨ - قوله: "يُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ" (ص ٧٩٦).
الشارة: الهيئة واللباس، يقال: ما أحسن شِوَارَ الرجل وشارَتَهُ: أي لباسه وهيئته.
٤٣٩ - قال الشيخ: خرّج مسلم في هذا الباب: "حدثنا ابن أبي شَيْبَة وابْنُ نُمَيْر قَالا نا أبو أسامة" (ص ٧٩٦).
قال بعضهم: في نسخة ابن الحذاء: "نا بن أبي شيبة وابن أبي عمر قالا نا أبو أسامة" جعل ابن أبي عمر مكان ابن نمير. وهذا وهم والأوّلُ (٣٨) هُو الصواب، وهي رواية الجُلُودِي وَغَيْرِهِ.
٤٤٠ - قول ابن عباس ﵁: "إذَا رَأيْتَ هِلَال المُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأصْبِحْ يوم التَّاسِعِ صَائِمًا" وَقَال: "هَكَذَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَصُومُه" (ص ٧٩٧).
قال الشيخ: عندنا أنَّ يَوْمَ عاشوراء هو اليوم العاشر (٣٩) من المحرم. وعند المخالف أنه التاسع، فمن قال: إنه العاشر تعلق بأن مقتضى هذا اللفظ كونه يوم العاشر (٤٠) وهو مأخوذ من العشر. ومن قال: إنه التاسع تعلق بهذا الحديث، وبما ورد عن العرب في تسميتها اليوم الثالث مِنْ أيَّام الوِرْد رِبْعًا، وكذلك على هذا الحساب يحسبون أيَّامَ الأظْمَاء والأوْرَادِ فيكون التاسع عشرًا على هذا.
стр. 617
٤٤١ - قوله ﷺ في يوم عاشوراء: "مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ كَانَ أكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إلَى اللَّيْلِ" (ص ٧٩٨).
قال الشيخ: يتعلق بهذا من يُجيز إحْدَاثَ النيّة في الصوم بعد الفجر لقوله ﷺ : "من كان لم يَصُمْ فَلْيَصُمْ". وظاهر هذا استئناف النية (٤١). ومالك يمنع من ذلك على الإِطلاق لقوله ﷺ : "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ" فَعَمَّ كُلَّ صِيَامٍ.
٤٤٢ - قوله: "اللُّعْبَةُ مِنَ العِهْنِ" (ص ٧٩٩).
العِهن: الصوف واحدتها عِهْنَة مثْلُ صوف وصوفة، وقيل: لا يقال لِلصُّوفِ عِهْنٌ إلَاّ إذا كَانَ مَصْبُوغًا. قال زهير: [الطويل]
كَأنَّ فُتَاتَ العِهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ ... نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ
٤٤٣ - قوله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" (٤٢) (ص ٨٠٣).
قال الشيخ: أخذ بظاهر هذا الحديث وأجاز أن يصوم عن الميّت وَليّه أحمد وإسحاق وغيرهما. وجمهور الفقهاء على خلاف ذلك. ويتأولون هذا الحديث على معنى إطْعَامِ الحَيّ عن وليّه إذا مات وقد فرط في الصوم فيكون الإِطعام قائمًا مقام الصيام.
٤٤٤ - قال الشيخ: خَرّج مسلم في صيام أيام التشريق: "حدثنا سُرَيْجُ (٤٣) بْنُ يُونُسَ نَا هُشَيْم قَالَ نا خَالِدٌ عن أبي المَلِيحِ عَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِي
стр. 618
قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أيَّامُ التَّشْرِيقِ أيَّام أكْل وَشُرْبٍ" (ص ٨٠٠).
وقع في نسخة ابن ماهَان: "نُبَيْشَة الهُذَلِيَةَ" بتَاء التأنيث في الهذلية. وهذا وهَم. ونبيشة اسم رجل معروف في الصحابة وهو ابن عم سلمة بن المُحَبّق الهُذَلِي.
وأما وصفه ﷺ لها "بأنها أيام أكل وشرب" فيتعلق به أبو حنيفة في منع صيام أيام مِنى حتى للمتمتع الذي لا يجد الهَدْيَ، وبما رُوي أنه نَهَى عن صيام أيام مني. وخالفه مالك وأجاز للمتمتع الذي لا يجد الهَدْيَ صِيَامَهَا لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٤٤). وهذه الآية نزلت يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة وشرط في القرآن أن تكون هذه الثلاثة الأيام (٤٥) في الحج، فإذا صام التاسع وأفطر العاشر للنهي عن صومه لم يبق لها محل في الحج إلا أيام منى، وذلك يقتضي صحةَ ما قال مالِك.
٤٤٥ - قوله: "جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: إنِّي نَذَرْتُ أنْ أصُومَ يَوْمًا فَوَافَقَ يَوْمَ أضْحَى أوْ فِطرٍ. فَقَالَ ابْنُ عُمَر: أمَرَ الله بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنَهَى النَّبِيءُ ﷺ عَنْ صِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ" (ص ٨٠٠).
قال الشيخ: تَوَقَّف ابن عمر عن الفتوى تورعاً، وأشار لتعارض الأدِلَّة. وقد اختلف فقهاء الأمصار في ناذر صوم يوم (٤٦) الفطر أو الأضحى، فالذي ذهب إليه مالك أن من نذر صوم الفطر أو الأضحى فلا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤه ولا صومه. وقال أبو حنيفة: يصوم يوماً آخر عوضاً عنه، وإن صامه في نفسه مع النهي عن صومه أجزأه.
ولنا عليه قوله ﷺ : "لا نذر في معصية" وصوم هذا اليوم معصية
стр. 619
لثبوت النهي عنهُ. واتفاق العلماء على النهي عنه وتعويض يوم آخر ليس من مقتضى لفظ نذره فلا معنى لإِلزامه إياه وإن كان قد وقع عندنا قولان فيمن نذر صوم ذى الحجة هل يقضي يوم النحر؟ وقد يكون من أوجب (٤٧) القضاء من أصحابنا رأى النذر منعقدا (٤٨) بإجماع فيما سوى يوم النحر وما نهي عن صومه فأجرى يوم النحر في الانعقاد (٤٩) مُجرى ما سواه بحكم التبع له، وألزم تعويضه لَمَّا امتنع صومه بعينه بخلاف من جرد النذر ليوم النحر خاصَّة.
٤٤٦ - قوله ﷺ "لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْن الأيَّامِ ... " الحديث (ص ٨٠١).
قال الشيخ: قال مالك: في موطَّئه لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقْتَدَى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن. وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأُراه كان يتحراه.
قال الشيخ: وقد ذكر بعضُ الناس أن الذي كان يصومه ويتحراه محمد ابن المنكدر. وقال الدَّاودي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث ولو بلغه لَمْ يُخالفْه.
٤٤٧ - قوله ﷺ : "إذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ وَهْوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إني صَائِمٌ" (ص ٨٠٥).
قال الشيخ: أعمال البر النوافل يُستحب إخفاؤها غالباً ولكن دعت
стр. 620
الضرورة لذكر هذا منها على جهة العذر لَئِلَاّ يُحْدِثَ بتخلفه تشاجرًا وبغضاء (٥٠) إذا كان المراد أن يقول ذلك نطقا ليعتذر به.
٤٤٨ - قوله ﷺ : "فَإِنْ امْرُؤٌ قاتَلَهُ أوْ شَاتَمَهُ (٥١) فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ إنّي صَائمٌ" (ص ٨٠٦).
قال الشيخ: يحتمل أن يكون المراد بذلك أن يخاطب بذلك نفسه على جهة الزجر لها عن السَّبَاب والمشاتمة.
٤٤٩ - قوله في الحديث: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَاّ الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ الله مِن رِيحِ المِسْكِ" (ص ٨٠٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: تخصيصه الصوم (٥٢) هاهنا بقوله "لي" وإن كانت أعمال البر المخلَصة كلها له تعالى لأجْلِ أنَّ الصَّوْمَ لا يمكن فيه الرِّياء كما يمكن في غيره من الأعمال لأنه كفّ وإمْسَاكٌ وحال المُمْسِكِ شِبعا أوْ لِفَاقة كحال الممسك تقرباً، وإنما القصد وما يُبطنه القلب هو المُؤَثِّر في ذلك، والصلوات والحج والزكاة (٥٣) أعمال بدنية ظاهرة يمكن فيها الرياء والسمعة فلذلك خُصّ الصوم بما ذكره دونها.
وأما قوله: "أطْيَبُ عند الله من ريح المِسْك" فمجاز واستعارة لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شيء فتستطيبه وتنفر عَن آخر فتستقذره والله تعالى يتقدس عن ذلك، ولكن جرت
стр. 621
العادة فينا بتقريب الروائح الطيبة منّا. واستعير ذلك في الصوم لتقريبه من الله سبحانه.
و"خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ" بضم الخاء: تغيره. قال الهروي (٥٤): يقال خَلَفَ فوه إذا تغير، يَخْلُف خُلُوفا. ومنه حديث على ﵁: "وسئل عن قبلة الصائم فقال: "وما إرْبُك إلى خُلُوف فِيها". ويقال: نومة الضحى مَخلَفَةٌ لِلْفَم، أيْ مُغَيِّرَةٌ.
٤٥٠ - قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: "قال لي (٥٥) رسول الله ﷺ : يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالت: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ. قَالَ: فَإنِّي صَائِمٌ، قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أوْ جَاءَنَا زَورٌ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ قلْتُ: يَا رَسُولَ الله أهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أوْ جَاءَنَا زَوْرٌ وَقَدْ خَبَّأتُ لَكَ شَيْئًا. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قلتُ: حَيْسٌ، قَالَ: هَاِتيهِ، فَجئْتُ بِهِ فَأكَلَ ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ أصْبَحْتُ صَائِمًا". قَالَ طَلْحَةُ: "فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بهذا الحديث فقال: ذلك بمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِن مَالِهِ فَإنْ شَاءَ أمْضَاهَا وَإنْ شَاءَ أمْسَكَهَا" (ص ٨٠٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: اتَّفَقَ مَالِكٌ والشافعي على أن من دخل في حج تطوعاً فإنه لا يقطعه. واختلفا في صلاةِ التطوع وصَوم التطوع (٥٦) فمنع مالك قَطْعَها وأجازه الشافعيُّ لهذا الحديث. وتعلق مالكٌ بالظواهر المانعة من قطع العمل وإبطاله وقياساً على الحج.
وقولها: "أو جاءني (٥٧) زورٌ أيْ زُوَّارٌ" قال ابن دريد وغيره: ومما
стр. 622
يكون الواحد والجماعة فيه سواءً في النعوت: رَجَلٌ زور وقوم زور. قَالَ الشَّاعِرُ: [الرجز]
كما تَهَادَى الفَتَيَاتُ الزَّوْرُ
وَقَوْلُهَا: "قُلْتُ: حَيْسٌ" قال الهروي: الحَيْسُ: ثريدة من أخلاط. قال ابن دريد: الحَيْس: التَّمْر مَعَ الأَقِطِ والسَّمْنِ. قال الشاعر: [الرجز]
التَّمْرُ وَالسَّمْنُ جَمِيعًا وَالأقِطْ ... الحَيْسُ إلَاّ أنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ
٤٥١ - قوله ﷺ : "مَنْ نَسِيَ وهوَ صَائِم فَأكل أو شرب فَلْيُتمَّ صَوْمَهُ فَإنَّمَا أطْعَمهُ الله وسَقَاه" (ص ٨٠٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: تَعَلَّقَ المخالف في إسقاط القضاء عمن أكل في رمضان ناسياً بظاهر هذا الخَبَر. ومَحْمَلُه عند المالكية الموجبين لِلْقضاء (٥٨) على نفي الحرج والإِثم بنسيانه.
والصوم على خمسة أقسام:
- واجبٌ بإيجاب الله تعالى معيّنٌ كرمضان.
- وواجبٌ بإيجاب الله تعالى مضمونٌ في الذمة كصيام الكفارات.
- وواجبٌ بإيجاب الإِنسان معيّنٌ كنذر صوم شهر بعينه.
- وواجبٌ بإيجاب الإِنسان مضمونٌ غير معيّن كنذر صوم شهر بغير عينه.
- والخامس: التطوع.
стр. 623
فمن أفطر في جميعها عمدًا فَإنَّه يَقْضِي ولا يُكَفِّر إلا رمضان فإنه يكفر ويقضي. ومن أفطر في جميعها سهوا فإنه يَقْضِي ولَا يُكَفِّرُ إلَاّ التَطوُّعَ فَإنَّهُ لَا يقضي ولا يكفر.
٤٥٢ - قوله: "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأبَدَ" (ص ٨١٤).
يحتمل أن يكون ذلك على وجه الدعاء. ويحتمل أن تكون هَاهُنَا (لا) بمعنى (لَمْ) كقوله تَعَالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (٥٩). وأما الأبد المذكور هاهنا فقيل: محمله على أنه يُدْخِلُ في صومها الأيام المنهي عن صومها كالعيدين وأيام التشريق.
قال الشيخ: والأشبه عندي في التأويل أن يكون محمولاً على أنه لمن يضرُّ به ذلك، ألَا تراه قد قال له: "فإنك إذا فعلت ذلك هَجَمَتْ لَكَ (٦٠) العين ونُهِكْتَ" إلى غير ذلك مما ذكره في هذا الموضع.
٤٥٣ - قوله ﷺ لِلرَّجل: "أصُمْتَ مِنْ سُرَر هَذَا الشَّهْرِ؟ يَعْنِي شَعْبَانَ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ لَهُ: إذَا أفْطَرْتَ رَمَضَانَ فصُمْ يَوْماً أوْ يَوْمَيْنِ، شك شعبة" (ص ٨٢٠).
قال الشيخ: ظاهر هذا مُخالفٌ لقوله ﷺ : "لا تُقَدِّمُوا الشهر بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْن" فيصح أنْ يُحْمَل هذا على أن الرجل كان مِمَّن اعتاد صِيَام السُرر أو نَذَر ذلك (٦١) وَخَشِيَ أن يكون إذا صام آخر شعبان دخل في النهي، فيكون فيما قال له ﷺ دليل على أنه لا يدخل في ذلك الذي نُهِيَ عنه من تَقَدُّمِ الشهر بالصوم وأنَّ المراد بالنهي مَن هو على غير حالته.
стр. 624
قال أهل اللغة: السِّرار ليلة يَسْتَسرُّ الهلال. يقال: سَرَار الشهر وسِرَاره وسُرره.
٤٥٤ - قوله: "نَفِهَتْ نَفْسُك" (ص ٨١٦)
أي أعْيَتْ وَكلَّتْ، والنافِهُ المُعيْى.
و"هجمت العَيْن" أي غارت ودخَلَتْ، ومنه: هَجَمْتُ على القوم، أي دخلت عليهم.
٤٥٥ - قوله ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَال كَانَ كَصِيَام الدَّهْرِ" (ص ٨٢٢).
قال الشيخ: قال بعض أهل العلم: معنى ذلك أن الحسنة لما كانت بعشر أمثالها كان مَبْلَغُ ما له من الحسنات في صوم الشهر والستةِ أيام ثلاثمائَةٍ وستِّينَ حسنةً عدد أيَّام السنة فكأنه صام سنة كاملة يكتب له في كل يوم منها حسنةٌ.
٤٥٦ - قوله ﷺ في ليلة القدر في حديث أبي سعيد الخدْري: "الْتَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ منْ رَمَضَان وَالْتَمِسُوهَا فِي التاسعة والسابعة والخامسة" ثم قال أبو سَعِيدٍ:"إذا مَضَتْ واحدة وعشرون فالتي تليها اثنَتَان وعشرون وهي التاسعة وإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة" (ص ٨٢٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: جعل أبو سعيد في ظاهر تأْوِيله التاسعة ليلة اثنتين وعشرين والسابعة ليلة أربعٍ وعشرين، وهذا على تمام الشهر. وتأوَّل غيره الحديث على أن التاسعة ليلة أُحَدٍ وعشرين والسابعة ليلة ثلاث وعشرين. قال بعضهم: وهذا إنما يصح على أن الشهر ناقص. وقيل: إنما يصح أن يكون المراد لسبع بَقِينَ سواها. وقد رُوي في بعض الأحاديث: "في تاسعة
стр. 625
تبقى وسابعة تبقى وخامسة تبقي". وهذا يتضح تأويله على نقصان الشهر إذا كان المطلوب الوتر. والأحاديث مختلفة، وقد قيل: إنها تختلف باختلاف الأعوام. وقد تقدم القول فيه.
قوله: "فجاء رجلان يَحْتَقَّانِ" قال بعضهم: معناه يدّعي كل واحد منهما حقا ويؤكده.
قوله بَعْد هذا في رواية أخرى مكان: "يحتقان" "يختصمان".
٤٥٧ - قوله: كَانَ رسولُ الله ﷺ : "يَعْتَكِفُ في العَشْر الأواخِر من رمضان" (ص ٨٣٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: الاعتكاف جائز عندنا على الجملة في سائر المساجد، وذُكر عن حذيفة أنه لا يراه إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبيء ﵇، ومسجد إيلياء بالشام. وقال الزُّهري (٦٢) لا يكون الاعتكاف إلا في الجامع. والحجة لنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٦٣) فعمَّ. ومن شرطه عندنا الصوم. وأجازه الشافعي من غيْرِ صَوْمٍ.
стр. 626
٧ - كتاب الحج (١)
٤٥٨ - قال: سُئِلَ رَسولُ الله ﷺ : "مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ المُحْرِم القَمِيصَ وَلَا العِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ" الحديث (ص ٨٣٥).
قال الشيخ: سُئل ﵇ عمَّا يَلْبَسُ (المحرم) (٢) فأجاب بِمَا يترك لباسه. وإنما عَدَلَ ﵇ إلى ذلك لأن المَتْروك ينحصر والملبوس لا ينحصر (فحصر له ما يترك) ليبين (٣) أن ما سِواه مُباحٌ لِبَاسُهُ.
وقوله ﵇: "ولا ثوبًا مَسّه وَرس ولا زعفران".
قال الشيخ: لأنّ الورس والزعفران طِيب والمحرم لَا يتطيب.
وقوله: "ولا الخفين إلَاّ أنْ لا يجد نعلين فَلْيَقْطَعْهُمَا" الحديث.
стр. 627
قال الشَّيْخُ: ذهب بعض الناس إلى أن الخفين لَا يُقطعان، لأن ذلك من إضاعة المال. وهذا الحديث رَدٌّ عليه. واختلف المبيحون قَطْعَ الخفين إذَا قَطَعهما وَلِبسَهما هَلْ يفتدي أم لا؟ فقيل: لا شيء عليه. وقيل: بل عليه الفدية. وليس ترخيصُهُ له في الحديث بمسقط للفدية كما أن الرخصة في حلق الرأس لم تسقُط معها الفدية.
ذُكر في حديث ابن عباس: "أنه إن لم يجد الإزار فليلبس السراويل" (ص ٨٣٥). وقال بذلك الشافعي، ولم يأخذ به مالك لسقوطه في رواية ابن عمر.
٤٥٩ - قوله ﷺ لِلْمُعْتَمِر: "انْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ"
(ص ٨٣٦).
قال الشيخ: لا خلاف في منع استعمال الطِّيب بعد التلبس بالإِحرام. واختلف الناس في جواز استعماله قبل الإِحرام واستدامته بعده. فمنع من ذلك مالك تعلقاً بهذا الحديث. وفيهِ أنه أمره بغسل ما عليه منه، وأجاز ذلك الشافعي وتأوَّل هذا الحديث على أن الطِّيب كان من زعفران وقد نُهِيَ الرجل أن يتزعفر. واحتج لمذهبه بقول عائشة: "كنت أطيِّب رسول الله ﷺ لإِحرامه قبل أن يحرم وَلِحلِّهِ قبل أن يطوف بالبيت". وانفصل أصْحَابُ مالك عن هذا بأنه يمكن أن تَكُون طيَّبتْه بما لا تبقى ريحه، أو يكون اغتسل للإِحرام بعد أن طيبته فذهب الطّيب عنه.
وقال أبو الفرج من أصحاب مالك: هذا من خواصّ النبيء ﵇ لأن المحرم انما منع من الطِّيب لئلا يدعوه إلى الجماع والنبيء ﷺ كان يملك إربه فيؤمن عليه ﵇ من التطيّب (٤)، فإن قيل: فَلِمَ لَمْ
стр. 628
يَأمرْ ﷺ بالفدية الأعرابي (٥) لِتَطَيُّبِهِ ولباسه؟ قيل: يحتمل أن يكون عذره لأنه لم يكن أوحي إليه بتحريم الطيب، أو لعله لم يطل مقامه عليه ولا انتفع به. وأصل مالك فيمن تطيّب جاهلاً أو ناسياً فإنما (٦) يفتدي إذا طال مكثه (٧) عليه، أو انتفع به. ومذهب الشافعي أن لا فدية عليه أصلاً. ومذهب أبي حنيفة يفتدي على كل حال.
وأما أمْرُه ﷺ بنزع الجبة فهو ردّ لقول من يقول من الفقهاء: إنه يشق مَا عليه من المخيط ولا ينزعه من رأسه لئلا يكون مغطياً لرأسه، والمحرم لا يغطي رأسه. ولم يستنكر تمزيق الثوب وإن كان إفساداً للمال كما لم يستنكر قطع الخفَّين كما جاء في الخبر: "وإن كان إفساداً لهما".
٤٦٠ - قوله: "وَقَّتَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةَ" الحديث (ص ٨٣٨).
قال الشيخ: للحج ميقاتان: ميقات زمان، وابتداؤه شوال، وميقات مكان وهي المواضع المذكورة في هذا الحديث. وميقات أهل العراق منها مختلف فيه فذكرها هنا ذات عرق مرفوعًا إلى النبيء ﷺ فيما يحسبه الراوي. وذكر في غير هذا الكتاب العقيق. ومنه استحب الشافعي لأهل العراق أن يُهِلُّوا.
وتقدمة الحج على ميقات الزمان مكروه عندنا. وتقدمته على ميقات المكان مكروه أيضاً عندنا إذا قدمه بمكان قريب لما في ذلك من التلبيس والتضليل عن المواقيت. وإن قدمه بمكان بعيد لا يلتبس الميقات به فظاهر المدونة كراهية ذلك وظاهر المختصر إجازته.
стр. 629
٤٦١ - قوله في الحديث: "فَهُنَّ لَهُمْ (٨) وَلِمَنْ أتَى عَلَيهنّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ مِمَّنْ أرَادَ الحَجَّ والعُمْرَةَ" (ص ٨٣٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: ظاهر هذا إسقاط الدم عمَّن جاوز الميقات غير مريد للحج والعمرة. وقد وقع في المذهب اضطراب في الصَّرورة (٩) إذا جاوزه غير مريد للحج. وأما إذا جاوزه مريدًا للحج ثم أحرم بعد مُجاوزته وهو في أثناء طريقه، فلا يسقط الدمَ الواجبَ عليه على الجملة رجوعُه إلى الميقات. وقال أبو حنيفة: يسقط إذا رجع إلى الميقات وَلبَّى لأنه قد استدرك ما فاته وأكمل ما نقصه.
٤٦٢ - قوله: "لَبَّيْكَ" (ص ٨٤٠).
هو مصدر مثنى للتكثير (١٠) والمبالغة. ومعناه إجابة لك بعْد إجابة ولزومًا لطاعتك. فتثنيته (١١) للتأكيد لا تثنية حقيقية (١٢) بمنزلة قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (١٣) أي نعمتاه على تأويل اليد هاهنا على النعمة ونعم الله لا تحصى. ويونس بن حبيب من أهل البصرة يذهب في "لبيك" إلى أنه اسم مفرد وليس بمثنى وأن ألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالمضمر على حَدّ (لَدَى). وعَلَى مذهب سيبويه أنه مثنى بدليل قلبها ياء مع المظهر (١٤). وأكثر الناس على ما ذهب إليه سيبويه. قال ابن الأنباري: ثنَّوا لبيك كما ثَنَّوْا حنانيك، أي تحننا بعد تحنّن. وأصل لبيك لبَّبْك، فاستثقلوا
стр. 630
الجمع بين ثلاث باءات فأبدلوا من الثالثة ياء كما قالوا من الظن: تظنَّيتْ، والأصل تظننت قال الشاعر: [الرجز]
يذهب بي في الشعر كل فن ... حتى يرد عَنِّي التظنِّي
أراد التظنن.
واختلف في معنى "لبيك" واشتقاقها كما اختلف في صيغتها. فقيل: معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تُلِبُّ دارك، أي تواجهها. وقيل: معناها مَحبّتِي لك، مأخوذٌ من قولهم: امرأة لَبَّة، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه. وقيل: معناها إخلاصي لك، مأخوذ من قولهم: حسبٌ لباب، إذا كان خالصاً محضاً. ومن ذلك لُبّ الطعام ولُبابه. وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، مأخوذ من قولهم: قد لب الرجل في المكان وألب إذا أقام فيه ولزمه. قال طفيل: [الطويل]
رَدَدْنَ حُصَيْنًا مِنْ عَدِيٍّ وَرَهْطِهِ ... وَتَيمٌ تُلبّي بالعُروج وتَحْلُبُ
وقال آخر: [الوافر]
مَحَلّ الهَجْرِ أنْتَ بِهِ مُقِيمٌ ... ملبّ مَا تَزُولُ وَلَا تَرِيمُ
قال ابن الأنباري: وإلى هذا المعنى كان يذهب الخليل والأحمر.
وأما قوله: "إن الحمد والنعمة لك" (ص ٨٤١). فيروى بكسر الهمزة من (إن) وبفتحها. قال ثعلب: الاختيار كسر (إن) وهو (١٥) أجود معنى من الفتح لأن الذي يكسر (إن) يذهب إلى أن المعنى: إن الحمد والنعمة
стр. 631
لك على كل حال. والذي يفتحها يذهب إلى أن المعنى: لبيك لأن الحمد لك، أي لبيك لِهذا السبب. ويجوز: والنعمةُ لك، بالرفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره: إن الحمد لك والنعمة لك. قال ابن الأنباري: وإن شئت جعلت خبر (إن) محذوفاً.
وأما قوله: "والرغباء إليك" فيروى بفتح الراء والمد، وبضم الراء والقصر. ونظيرها العُلْيَا والعَلْيَاء والنُّعْمى والنَّعْمَاءُ.
قال الشيخ -وفقه الله-: عند مالك والشافعي أن الحج يصح الدخول فيه بالنية خاصة وأنه (ينعقد بالقلب) (١٦) كما ينعقد بالصوم. وعند أبي حنيفة لا ينعقد (إلا بمقارنة التلبية) أوْ سوق (الهدي) إلى عقد القلب.
وأما حكم التلبية فإن أبا حنيفة يراها واجبة، ومالك والشافعي لا يوجبانها. واختلف إذا لم يأت بها فعند مالك أن الدم يلزمه، ولم يُلزم الشافعي تاركَها دمًا.
٤٦٣ - قول ابن عمر ﵀: "تَلقَّيْت التلبية" (ص ٨٤٢).
أي أخذتُها بسرعة، ويروى: "تلقنت" بالنون.
وقوله: "بَيْدَاؤُكُمْ هذه الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا" (ص ٨٤٣).
البيداء: مَفازة لا شيء فيها، وبين المسجدين أرضٌ ملساء اسمها البيداء.
فأنكر ابن عمر على مَن يقول: إن النبيء ﷺ إنما أحرم من البيداء، وهو يقول: إنما أحرم ﵇ من المسجد.
وأما قوله: "تَكْذِبُونَ فِيهَا" فمحمول على أنه أراد أن ذلك وقع منهم على جهة السهو ولا يُظن به أنه ينسب إلى الصحابة ئعَمُّدَ الكذب الذي لا يحل.
стр. 632
٤٦٤ - قَوْلُ ابْنِ جُرَيجٍ لابْنِ عُمَرَ: "رَأيْتُكَ تَصْنَعُ أرْبَعًا لَمْ أرَ أحَدًا مِنْ أصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، ثُمَّ ذَكَرَ مَسَّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ وَلُبْس النِّعَالِ السِّبْتِيَةِ" وغير ذلك مما في الحديث (ص ٨٤٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ لَا يَصْنَعُهَا غيرك مجتمعة وإن كان يصنع بعضها ثم سمى له علة فعله في الثلاث وأنه رأى النبيء ﷺ فعل ذلك. ويحتمل أن يكون ﵇ إنما خصّ هذين الركنين لأنهما على قواعد إبراهيم ﵇ وترك الآخرين لمَّا قصرا عن قواعد إبراهيم.
وأما قوله: "رأيتك تصبغ بالصفرة" فقيل: المراد به صباغ الشعر، وقيل: صباغ الثوب. والأشبه أن يكون صَبْغَ الثياب لأنه أخبر إنما صبغ اقتداءً بالنبيء ﷺ وهو ﵇ لم يُذكر عنه أنه صبغ شعره. وأما إجابته لمَّا سأله عن تَأخِير إهلاله إلى يوم التروية بأنه لم يَر رسول الله ﷺ يُهلّ حتى تنبعث به راحلته فإنه أجابه بضرب من القياس لَمَّا لم يتمكن له من فعل النبيء ﷺ في ذلك الشْيء بعينه ما تمكن في غيره مما سماه (١٧) له. وَوَجْه هذا القياس أنه لَمَّا رآه ﷺ إنما أهلّ عند الشروع في الفعل أخّر أيضاً هو الإِهلال إلى يوم التروية الذي يُبتدأ فيه بأعمال الحج من الخروج إلى مني وغير ذلك.
وأما وجه اختيار غيره من العلماء لمن أحرم من مكة أن يُهلّ من أول العشر فإن ذلك ليحصل للمحرم من الشَّعث ما يساوي فيه من أحرم عن المواقيت.
وأما النعال السَّبتية فقال الأزهري (١٨): إنما سميت سِبتية لأن شعرها
стр. 633
قد سُبِتَ عنها، أي حلق وأزيل. يقال: سبت رأسه إذا (١٩) حلقه. قال الهروي: وقيل: سميت سبتية لأنها انسبتت بالدباغ، أي لانت. يقال: رطبة منسبتة، أي لينة. قال: والسِّبت: جلود البقر المدبوغة بالقَرَظ (٢٠).
٤٦٥ - قوله: "وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ" (ص ٨٤٥).
الغَرْز: ركاب الناقة.
٤٦٦ - قول عائشة ﵂: "كُنْتُ أطيِّبُهُ لِحِلّهِ وَلِحُرْمِهِ" (ص ٨٤٦).
الحُرْمُ: الإِحْرَامُ بالحج.
٤٦٧ - قوله: "أهْدَى الصَّعْبُ بن جَثَّامَةَ إلَى النبيء ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ وَهْوَ مُحْرِمٌ. قَالَ: فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وقَالَ: لَوْلَا أنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبلْنَاهُ مِنْكَ " (ص ٨٥١).
قَالَ الشَّيْخُ -وفقه الله-: بَوَّبَ البُخَارِي عَلَى هذا الحديث ما دلّ على أنه تأول أنَّ الحِمار كان حَيًّا. فعلى هذا يكون فيه حجة على أن المحرم يُرْسل ما كان في يده من صيد. وفيه أيضاً أنَّ الهِبَة لا تدخل في ملك الموهوب إلَاّ بالقبول لها وأن قدرته على ملكها لا يصيره (٢١) مالكاً لها. [وفيه إشارة إلى صحة القول بأن من وهب لرجل أو أوصى له بمن يعتق عليه أنه لا يعتق (عليه حتى) (٢٢) يقبله وأنَّه لا يدخل في ملكه قبل قبوله إياه] (٢٣).
стр. 634
وفيه تقوية لأحد القولين: إن من اشترى أباه بالخيار لم يعتق عليه لأنه لما يجعله بقدرته على أن يملك بالقبول مالكاً.
وانظر هل يصح أن يحمل هذا على أن الهبة تدخل في الملك من قبل أن يقبلها ويكون إنما لما يرسل الحمار لأنه لم يكن في يد النبيء ﷺ فأشبه من أحرم وفي بيته صيد؟ فيقال: لا يصح هذا لأنه ﷺ لو ملك الحمار لما يردَّه عليه فيكون قد عرَّض به للقتل، ولو أن محرما في بيته صيد لم ينبغ أن يَهبَهُ في حال الإِحرام لمن يستبيح ذبحه فيكون كمن عرض بصيد للقتل.
وقد اختلف مالِك والشافعي فيمن أحرم وفي بيته صيد هل يرسله أم لا؟
وسبب الخلاف بينهما قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢٤)، هل المراد بالصيد هاهنا الاصطياد فلا يجب أن يرسل ما في البيت من الصيد (٢٥)، أو المصيدُ نفسه الذي هو الصيد فيرسله وإن كان تقدم اصطياده له قبل الإِحرام؟.
وفي بعض طرق حديث الصَّعْب ما يقدح في تأويل من تأول الحديث على أن الحمار حي وهو قوله: "أهدى الصعب بن جثَّامة للنبيء ﷺ رِجْلَ حمار". وفي طريق آخر: "عجز حمار وحش يقطر دماً" وفي طريق آخر: "شق حمار" (ص ٨٥١).
٤٦٨ - وفي رواية زيد بنِ أرقم: "أُهْدِيَ للنَّبِيءِ ﷺ عُضْوٌ من لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ وقَالَ (٢٦): لَا نَأْكُلُهُ إنَّا حُرُمٌ" (ص ٨٥١).
стр. 635
قال الشيخ: وبهذه الروايات يحتج من يقول من الناس: إن المُحْرِم لا يأكل لحم الصيد (٢٧) وإن لم يُصَد من أجله. ويذكر ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر ﵃، وتلا (٢٨) عليّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢٩)، وحمل الصيد على المصيد.
والحجة على هؤلاء حديث أبي قتادة المذكور بعد هذا. وفيه: "أنه ﷺ أكل لحم الصيد وأباحه لغيره من المحرمين". ويمكن بناء حديث أبي قتادة مع حديث زيد على مذهب مالكَ فيقال: امتنع من الأكل في حديث زيد لأنه صِيد من أجله ولم يمتنع في حديث أبي قتادة لأنه لم يُصَد من أجله، لكن قد يقدح في هذا البناء أنه ﷺ إنما علّل امتناع أكله بأنه حُرُم، ولم يقل: إنه صِيدَ من أجْلي.
وفي حديث أبي قتادة أنهم قالوا له: لا نعينك عليه وسألهم ﷺ : "هَلْ أعَانُوهُ". وفي إطلاق المعونة حجة على أبي حنيفة الذي يرى أن المعونة لا تؤثر إلا أن يكون الصيد لا يصح صيده دونها. وهذا الحديث هاهنا إنما ذكر فيه معونة مطلقة ولم يشترط. وذكر فيه أن بعضهم أكَلَ من الصيد وبعضهم لم يأكل وأنه ﷺ لم يلُم أحدًا منهم على ما فعل. وهذا دليل على أن الاجتهاد في مسائل الفروع يَسُوغُ.
٤٦٩ - قوله ﷺ : "خَمْسٌ مِن الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ" (٣٠) الحديث (ص ٨٥٦).
قال الشيخ: مالكٌ والشافعي يريان أن التحريم متعلق بمعاني هذه الخمس