← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13253

المعلم بفوائد مسلم

المازري

Полный текст (1 600 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

لك على كل حال. والذي يفتحها يذهب إلى أن المعنى: لبيك لأن الحمد لك، أي لبيك لِهذا السبب. ويجوز: والنعمةُ لك، بالرفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره: إن الحمد لك والنعمة لك. قال ابن الأنباري: وإن شئت جعلت خبر (إن) محذوفاً. وأما قوله: "والرغباء إليك" فيروى بفتح الراء والمد، وبضم الراء والقصر. ونظيرها العُلْيَا والعَلْيَاء والنُّعْمى والنَّعْمَاءُ. قال الشيخ -وفقه الله-: عند مالك والشافعي أن الحج يصح الدخول فيه بالنية خاصة وأنه (ينعقد بالقلب) (١٦) كما ينعقد بالصوم. وعند أبي حنيفة لا ينعقد (إلا بمقارنة التلبية) أوْ سوق (الهدي) إلى عقد القلب. وأما حكم التلبية فإن أبا حنيفة يراها واجبة، ومالك والشافعي لا يوجبانها. واختلف إذا لم يأت بها فعند مالك أن الدم يلزمه، ولم يُلزم الشافعي تاركَها دمًا. ٤٦٣ - قول ابن عمر ﵀: "تَلقَّيْت التلبية" (ص ٨٤٢). أي أخذتُها بسرعة، ويروى: "تلقنت" بالنون. وقوله: "بَيْدَاؤُكُمْ هذه الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا" (ص ٨٤٣). البيداء: مَفازة لا شيء فيها، وبين المسجدين أرضٌ ملساء اسمها البيداء. فأنكر ابن عمر على مَن يقول: إن النبيء ﷺ إنما أحرم من البيداء، وهو يقول: إنما أحرم ﵇ من المسجد. وأما قوله: "تَكْذِبُونَ فِيهَا" فمحمول على أنه أراد أن ذلك وقع منهم على جهة السهو ولا يُظن به أنه ينسب إلى الصحابة ئعَمُّدَ الكذب الذي لا يحل.

стр. 632

٤٦٤ - قَوْلُ ابْنِ جُرَيجٍ لابْنِ عُمَرَ: "رَأيْتُكَ تَصْنَعُ أرْبَعًا لَمْ أرَ أحَدًا مِنْ أصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، ثُمَّ ذَكَرَ مَسَّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ وَلُبْس النِّعَالِ السِّبْتِيَةِ" وغير ذلك مما في الحديث (ص ٨٤٤). قال الشيخ -وفقه الله-: يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ لَا يَصْنَعُهَا غيرك مجتمعة وإن كان يصنع بعضها ثم سمى له علة فعله في الثلاث وأنه رأى النبيء ﷺ فعل ذلك. ويحتمل أن يكون ﵇ إنما خصّ هذين الركنين لأنهما على قواعد إبراهيم ﵇ وترك الآخرين لمَّا قصرا عن قواعد إبراهيم. وأما قوله: "رأيتك تصبغ بالصفرة" فقيل: المراد به صباغ الشعر، وقيل: صباغ الثوب. والأشبه أن يكون صَبْغَ الثياب لأنه أخبر إنما صبغ اقتداءً بالنبيء ﷺ وهو ﵇ لم يُذكر عنه أنه صبغ شعره. وأما إجابته لمَّا سأله عن تَأخِير إهلاله إلى يوم التروية بأنه لم يَر رسول الله ﷺ يُهلّ حتى تنبعث به راحلته فإنه أجابه بضرب من القياس لَمَّا لم يتمكن له من فعل النبيء ﷺ في ذلك الشْيء بعينه ما تمكن في غيره مما سماه (١٧) له. وَوَجْه هذا القياس أنه لَمَّا رآه ﷺ إنما أهلّ عند الشروع في الفعل أخّر أيضاً هو الإِهلال إلى يوم التروية الذي يُبتدأ فيه بأعمال الحج من الخروج إلى مني وغير ذلك. وأما وجه اختيار غيره من العلماء لمن أحرم من مكة أن يُهلّ من أول العشر فإن ذلك ليحصل للمحرم من الشَّعث ما يساوي فيه من أحرم عن المواقيت. وأما النعال السَّبتية فقال الأزهري (١٨): إنما سميت سِبتية لأن شعرها

стр. 633

قد سُبِتَ عنها، أي حلق وأزيل. يقال: سبت رأسه إذا (١٩) حلقه. قال الهروي: وقيل: سميت سبتية لأنها انسبتت بالدباغ، أي لانت. يقال: رطبة منسبتة، أي لينة. قال: والسِّبت: جلود البقر المدبوغة بالقَرَظ (٢٠). ٤٦٥ - قوله: "وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ" (ص ٨٤٥). الغَرْز: ركاب الناقة. ٤٦٦ - قول عائشة ﵂: "كُنْتُ أطيِّبُهُ لِحِلّهِ وَلِحُرْمِهِ" (ص ٨٤٦). الحُرْمُ: الإِحْرَامُ بالحج. ٤٦٧ - قوله: "أهْدَى الصَّعْبُ بن جَثَّامَةَ إلَى النبيء ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ وَهْوَ مُحْرِمٌ. قَالَ: فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وقَالَ: لَوْلَا أنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبلْنَاهُ مِنْكَ " (ص ٨٥١). قَالَ الشَّيْخُ -وفقه الله-: بَوَّبَ البُخَارِي عَلَى هذا الحديث ما دلّ على أنه تأول أنَّ الحِمار كان حَيًّا. فعلى هذا يكون فيه حجة على أن المحرم يُرْسل ما كان في يده من صيد. وفيه أيضاً أنَّ الهِبَة لا تدخل في ملك الموهوب إلَاّ بالقبول لها وأن قدرته على ملكها لا يصيره (٢١) مالكاً لها. [وفيه إشارة إلى صحة القول بأن من وهب لرجل أو أوصى له بمن يعتق عليه أنه لا يعتق (عليه حتى) (٢٢) يقبله وأنَّه لا يدخل في ملكه قبل قبوله إياه] (٢٣).

стр. 634

وفيه تقوية لأحد القولين: إن من اشترى أباه بالخيار لم يعتق عليه لأنه لما يجعله بقدرته على أن يملك بالقبول مالكاً. وانظر هل يصح أن يحمل هذا على أن الهبة تدخل في الملك من قبل أن يقبلها ويكون إنما لما يرسل الحمار لأنه لم يكن في يد النبيء ﷺ فأشبه من أحرم وفي بيته صيد؟ فيقال: لا يصح هذا لأنه ﷺ لو ملك الحمار لما يردَّه عليه فيكون قد عرَّض به للقتل، ولو أن محرما في بيته صيد لم ينبغ أن يَهبَهُ في حال الإِحرام لمن يستبيح ذبحه فيكون كمن عرض بصيد للقتل. وقد اختلف مالِك والشافعي فيمن أحرم وفي بيته صيد هل يرسله أم لا؟ وسبب الخلاف بينهما قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢٤)، هل المراد بالصيد هاهنا الاصطياد فلا يجب أن يرسل ما في البيت من الصيد (٢٥)، أو المصيدُ نفسه الذي هو الصيد فيرسله وإن كان تقدم اصطياده له قبل الإِحرام؟. وفي بعض طرق حديث الصَّعْب ما يقدح في تأويل من تأول الحديث على أن الحمار حي وهو قوله: "أهدى الصعب بن جثَّامة للنبيء ﷺ رِجْلَ حمار". وفي طريق آخر: "عجز حمار وحش يقطر دماً" وفي طريق آخر: "شق حمار" (ص ٨٥١). ٤٦٨ - وفي رواية زيد بنِ أرقم: "أُهْدِيَ للنَّبِيءِ ﷺ عُضْوٌ من لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ وقَالَ (٢٦): لَا نَأْكُلُهُ إنَّا حُرُمٌ" (ص ٨٥١).

стр. 635

قال الشيخ: وبهذه الروايات يحتج من يقول من الناس: إن المُحْرِم لا يأكل لحم الصيد (٢٧) وإن لم يُصَد من أجله. ويذكر ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر ﵃، وتلا (٢٨) عليّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢٩)، وحمل الصيد على المصيد. والحجة على هؤلاء حديث أبي قتادة المذكور بعد هذا. وفيه: "أنه ﷺ أكل لحم الصيد وأباحه لغيره من المحرمين". ويمكن بناء حديث أبي قتادة مع حديث زيد على مذهب مالكَ فيقال: امتنع من الأكل في حديث زيد لأنه صِيد من أجله ولم يمتنع في حديث أبي قتادة لأنه لم يُصَد من أجله، لكن قد يقدح في هذا البناء أنه ﷺ إنما علّل امتناع أكله بأنه حُرُم، ولم يقل: إنه صِيدَ من أجْلي. وفي حديث أبي قتادة أنهم قالوا له: لا نعينك عليه وسألهم ﷺ : "هَلْ أعَانُوهُ". وفي إطلاق المعونة حجة على أبي حنيفة الذي يرى أن المعونة لا تؤثر إلا أن يكون الصيد لا يصح صيده دونها. وهذا الحديث هاهنا إنما ذكر فيه معونة مطلقة ولم يشترط. وذكر فيه أن بعضهم أكَلَ من الصيد وبعضهم لم يأكل وأنه ﷺ لم يلُم أحدًا منهم على ما فعل. وهذا دليل على أن الاجتهاد في مسائل الفروع يَسُوغُ. ٤٦٩ - قوله ﷺ : "خَمْسٌ مِن الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ" (٣٠) الحديث (ص ٨٥٦). قال الشيخ: مالكٌ والشافعي يريان أن التحريم متعلق بمعاني هذه الخمس

стр. 636

دون أسمائها، وأنَّهَا إنما ذكرت لينبه بها على ما شَرِكَها (٣١) في العلة؛ لكنهما اختلفا في العلة ما هي؟ فقال الشافعي: العلة أن لحومها لا تُؤكل وكذلك كل ما لا يؤكل (٣٢) لحمه من الصيد مثلها. ورأى مالك أن (العلة كونها) (٣٣) مضرة وأنه إنما (ذكر) الكلب العقور لينبه به على ما يضر بالأبدان على جهة المواجهة (والمغالبة) (٣٤). وذكر العقرب لينبه بها على ما يضر بالأجسام على جهة الاختلاس. وكذلك ذكر الحدأة والغراب للتنبيه على ما يضر بالأموال مجاهرة، وذكر الفأرة للتنبيه على ما يضر بالأموال اختفاء. وقد اختلف في المراد بقوله: "الكلب العقور" فقيل: هو الكلب المألوف. وقيل: بل المراد به كل ما يفترس لأنه يسمى في اللغة كلبًا. ومذهب مالك أنَّ ما لا يبتدىء (٣٥) جنسه بالأذى كسباع الطير لا يقتل إلا أن يخافه المَرء على نفسه فتؤدي مدافعتُه إياها إلى قتلها فلا شيء عليه. وأما صغار ما يجوز قتله فهل يقتل أم لا؟ فيه قولان: فَعَلى القول بأنها لا تُقتل إن قتلت هل على قاتلها جزاء أم لا؟ فيه قولان. ٤٧٠ - ذَكَر حديث كَعْب بن عُجْرَةَ في حلق الرأس وقولَه ﵇: "هَلْ تُؤْذِيكَ هَوَّامُ رَأسِكَ؟ قَالَ: نعم. قال: فَاحْلِقْ رَأسَكَ ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسكًا، أوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّام، أوْ أطْعِمْ ثَلَاثَة آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ" (ص ٨٦١). قَال الشَّيْخ -وفقه الله-: إن حلق رأسه لعذر فعليه أحد ثلاثة أشياء:

стр. 637

صيام، أو صدقة، أو نسك. وكذلك إذا حلقه لغير عذر فهو مخير عندنا أيضاً، خلافاً لمن قال: إذا حلقه اختيارًا فلا بُدَّ من الدم. وذهب بعض الناس إلى أنه إذا حلق رأسه ناسياً فلا دم عليه. ٤٧١ - قوله في حديث ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْر: "حُجِّي واشْتَرِطِي وَقُولِي اللَّهُمَّ وَمَحلِّي حيث حبستني" (٣٦) (ص ٨٦٧). قال الشيخ: من الناس من ذهب إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث وأجاز الاشتراط. وجمهور الفقهاء على أن ذلك لا ينفع وحملوا الحديث على أنها قضية في عَيْنٍ خُصَّتْ بها هذه المرأة. وفيه دلالة على أن الإِحصار بمرض لا ينحلّ به المحرم من إحرامه ولو كان ينحل به لم يفتقر للشرط في هذا الحديث. ٤٧٢ - قوله: "نُفِسَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِذِي الحُلَيْفَةِ فَأمَرَهَا رَسُولُ الله ﷺ أنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ" (ص ٨٦٩). قال الشيخ: في الحج ثلاثة أغْسَال: أحَدُهَا للإِحْرَامِ، وَالثَّانِي لِدُخُولِ مكة، والثالث للوقوف بعرفة. وآكدها غسل الإِحرام، والحائض والنفساء يغتسلان للإِحرام والوقوف ولا يغتسلان لدخول مكة لأنه لأجل الطواف وهما لا يدخلان المسجد. ٤٧٣ - قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولَ الله ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا من أهَلَّ بِالْحَجِّ" الحديث. وفيه: "لَمْ أهْلِلْ (٣٧) إلَاّ بِعُمْرَةٍ" (ص ٨٧٠). قال الشيخ: ذَكَرت أنها أهلّت بعمرة وقالت في غير هذا: "خرجنا

стр. 638

لا نُرى إلا الحج" فيحتمل أن يكون قولها: "لَا نُرَى" (ص ٨٧٢) أن ذلك كان اعتقادها من قبل أن تُهل ثم أهلت بالعمرة. ويحتمل أن تريد بقولها "لَا نُرَى" حكايةً عن فعل جلّ الصحابة ولم ترد نفسها. واختلف الناس: ما الأفضل هل الإِفراد أم القِرَان أم التمتع؟ فقال مالك وغيره: الإِفراد، وقال أبو حنيفة: القِران. وقال الشافعي وأهل الظاهر: التَّمتع. وسننبه على ما احتجّ به هؤلاء لما اختاروه فيما بعد. واختلفت (٣٨) الرواة أيضاً فِيما فعله النبيءُ ﷺ : هل كان إفرادًا أم قرانا أم تمتعا؟ وقد اعترض بعض المُلحدة على هذا الاختلاف وقالوا: هي فعلة واحدة فكيف اختلفوا فيها هذا الاختلاف (٣٩) المتضاد؟ وهذا يؤدي إلى الخلف في خبرهم وقلة الثقة بنقلهم. وعن هذا الذي قالوه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن الكذب إنما يدخل فيما طريقه النقل ولم يقولوا: إنه ﷺ قال لهم: إني فعلت كذا، بل إنما استدلوا على معتقده بما ظهر من أفعاله ﵇ وهو موضع تأويل، والتأويل يقع فيه الغلط، فإنما وقع لهم فيما طريقه الاستدلال لا النقل. والجواب الثاني: أنه يصح أن يكون ﷺ لَمَّا أمر بعض أصحابه بالإِفراد وبعضَهم بالقِران وبعضَهم بالتمتع أضاف النقلة إليه ﷺ ذلك فعلا وإن كان إنما وقع ذلك منه ﵇ قولاً فقالوا: فعل ﷺ كذا، كما يقال: رجم النبيء ﷺ ماعزًا، وقتل السلطان اللّصّ أي أمَرَ ﷺ برجمه وأمر السلطانُ بقتله.

стр. 639

والجواب الثالث: أنه يصح أن يكون ﵇ قارنا وفَرَّق بين زمان إحرامه بالعمرة وإحرامه بالحج فسمعت طائفة قوله أولاً "لبيك بعمرة" قالوا: كان معتمراً، وسمعت طائفة قوله آخرًا (٤٠) "لبيك بحج" فقالوا: كان مفرداً، وسمعت طائفة القولين جميعاً فقالوا: كان قارناً. وهذا التأويل يكون فيه حجة لأبي حنيفة في قوله: إن القِران أفضل إذا كان هو الذي فعله ﵇. وأما قوله لعائشة: "وأهِلّي بحَجٍّ واترُكِي العُمرة" فقيل: ليس المراد هاهنا بترك العمرة إسقاطَها جملةً وإنما المراد ترك فعلها مفردة وإرداف الحج عليها حتى تفسير قارنة. ويؤيد هذا أن في بعض طرقه "وأمسكي عن العمرة". ويؤيده أيضاً أنه ذكر بعد هذا أنه ﷺ قال لها يوم النَّفْرِ "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" (ص ٨٧٩) فأبت فأمرها ﵇ أن تمضي مع عبد الرحمن أخيها. فإن عُورِضْنَا في هذا التأويل بقوله في آخر الحديث لما مضت مع أخيها: "هذه مكان عمرتك" قلنا: يحتمل أن يكون ذلك لأنها أرادت أن تكون لها عمرة مفردة كما كانت أحبَّتْ أن تفعل أولاً فقال ﷺ لها: "هذه مكان التي أردت إفرادها". وقد قيل: إنَّها كانت من جملة من فسخ الحج في عمرة ولم تشرع في العمرة حتى حاضت فأمرها ﵇ أن تبقى على حكم الحج من غير فسخ. وقوله ﵇ لها: "انْقُضي رأسكِ وامتشطي" (ص ٨٧٠). تأول بعض شيوخنا أنه يحمل على أنها اضطرت لذلك لأذى برأسها فأباح لها ذلك كما أباح لكعب بن عجرة الحلاقَ لأذى برأسه. وقد ذكر فيه تأويل ثان فيه تعسف وهو أنها أعادت الشكوى بعد جمرة العقبة فأباح لها الامتشاط حينئد. وهذا بعيد من ظاهر لفظ الخبر.

стр. 640

٤٧٤ - وقوله ﵇: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ" (ص ٨٧٠). يحتمل أن يكون قال لهم ذلك عند عقد الإِحرام ليكون ما فعلوه قِرانا، أو قال لهم ذلك بعد أن أحرموا بالعمرة المفردة فيكون ذلك إردافا. وقد قال أبو حنيفة: إن المعتمر في أشهر الحج المريد الحج إذا كان معه هدي فلا يحل من عمرته ويبقى على إحرامه حتى يحج تعلقاً بظاهر هذا الحديث. وقد قلنا: إنه يحتمل أن يكون أمَرَهم بذلك عند عقد الإِحرام فلا يكون له فيه حجة. وتعلق أيضاً بإخباره ﵇ أن المانع له من الإِحلال سَوقُ الهدي، واعتذر بذلك لأصحابه لمّا أمرهم بالإِحلال. وهذا لا يسلم له لأن النبيء ﷺ لم يكن معتمرًا وقد أخبرت عائشة أن الذين أهلُّوا بالعمرة طافوا وسَعَوْا ثم حَلُّوا، ولم يفرق بين من كان معه هدي أو لم يكن. وقولها: "وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا" فيه حجة على أبي حنيفة في قوله: إن القارن لا يطوف طوافا واحدا. وقد تُؤُوِّل (٤١) قولها: "أنهم طافوا طوافا واحدا" على أنهم طافوا طوافين على صفة واحدة. وهذا فيه بعدٌ ويؤيد قولها قوله ﵇ أيضاً المتقدم: "سعيك وطوافك يجزيك لحجك وعمرتك". ٤٧٥ - ذكر قول عائشة: "أن النبيء ﷺ أهلَّ بحج" (ص ٨٧١). وفيه حجة لمالك على أن الإِفراد أفضل لأن عائشة تعلم من حال النبيء ﷺ في حلّه وحَرَمِه ما تعرف المرأة من زوجها فَكَانَتْ روايتها أرجح.

стр. 641

ولمالك أيضاً حديث جابر ﵀ وهو قد استقصى فيه ما جرى في حجته ﵇، وذكر فيه الإِفراد (ص ٨٨١). ومما يُرجح به الإِفراد أن الخلفاء بعده ﷺ ورضي عنهم أفردوا ولو لم يكن ﵇ مفردًا لم يواظبوا على ذلك ويتفقوا على اختيار الإِفراد، إذ لا يتركون فعله ﵇ ويفعلون خلافه، ولأن الإِفراد لا جبران فيه فكان أفضل مما يجبر بالدم. ٤٧٦ - وقوله ﷺ : "لصفية ﵂: عَقْرَى حَلْقَى" (٤٢) (ص ٨٧٧). معناه: عقرها الله وأصابها بوجع في حلقها. وهذا ظاهره الدعاء عليها وليس بدعاء في الحقيقة. وهذا من مذهبهم معروف، قال أبو عُبَيْد: صوابه عَقْرًا حَلْقًا لأن معناه: عقرها الله عقرًا. قال غيره: مثل سقاه سقيا ورعاه رعيا. وقيل: "عَقْرَى حَلْقَى" بغير تنوين صواب لأن معناه جعلها الله كذلك فالألف فيهما للتأنيث مثل: غَضْبى وحُبْلى. وقيل: "عَقْرى" أي جعلها الله عاقرا، و"حَلْقَى" من قولهم: حلقت المرأة قومها بشومها. ٤٧٧ - قول عائشة ﵂: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ نُلَبِّي لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً" (ص ٨٧٨). قال الشيخ: يحتمل أن يكون قولها: "لا نذكر"، أي لا ننطق بذلك. وهذا كمذهب مالك أن النية تجزىء في ذلك دون النطق. ويحتمل أن يكون أرَادَتْ عَقَدَتْ إحراما مبهما. وهذا أحد التأويلات أيضاً في إحرامه ﷺ في حجته أنه كان أولاً مبهما حتى أوحي إليه بتعيين ذلك على الخلاف المذكور فيه. والأظهر من التأويلين الأول، وأنها أرادت النطق لأنها ذكرت فيما تقدم أنها كانت أهَلَّت بعمرة فيبعد تأويلُ الإِبهام مع هذا.

стр. 642

٤٧٨ - قوله ﷺ : "لَوْ أنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ مَعِي حَتَّى أشْتَرِيَهُ ثُمَّ أَحِلُّ" (ص ٨٧٩). قال الشيخ -وفقه الله-: يتعلق به من يقول: إن التمتع أفْضَلُ إذ لا يتمنى ﵇ إلا ما هو أفضل. ويحتمل أن يريد بهذا الفسخ الذي هو خاص لأصحابه لأجل مخالفتهم للجاهلية ولم يرد بذلك المتعة التي يذهب إليها المخالف. ٤٧٩ - قول جابر: "أهْلَلْنَا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ خالِصًا بالحَجِّ وَحْدَهُ ... " الحديث، وَذَكرَ فِيهِ: "أنَّهُ أمَرَهُمْ أنْ يَحِلُّوا". وفي آخره: "قال سُرَاقَةُ بْنُ مَالِك بن جُعْشُمْ: ألِعَامِنَا أمْ للأَبِد؟ فَقَالَ بَلْ للأبِد" (ص ٨٨٣). قال الشيخ -وفقه الله-: (جمهور) (٤٣) الفقهاء على أنَّ فسخ الحج في عمرة إنَّما كان خاصًا (٤٤) بالصحابة وأنه ﵇ إنما أمَرَهُمْ بذلك ليخالفوا ما كانت الجاهلية عليه من أنها لا تستبيح العمرة في أشهر الحج وتقول: إذَا بَرأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. قال بعض أصحاب الظاهر: ب ل ذلك جائز إلى الآن. واحتجوا بقوله ﵇ لسراقة: "بَلْ للأبد". ويحتمل عندنا أن يريد بقوله: "بل (٤٥) للأبد" الاعتمار في أشهر الحج لا فسخ الحج في العمرة. واحتجوا أيضاً بما في بعض طرق

стр. 643

الحديث (٤٦) لَمَّا قال (٤٧) سراقة: "ألِعامنا أم للأبد؟ فقال: دخلت العمرة في الحج لا بل لأبد أبد". ويحتمل عندنا أن يريد بقوله: "دخلت العمرة في الحج" أي جازت العمرة في أشهر الحج خلافًا لما كانت الجاهلية تعتقده. ويحتمل أن يكون دخولها في الحج في عمل القارن. وقد تأوله بعض من لم ير العمرة واجبة على أن المُرَاد به سُقُوط فرْضِ العمرة بالحَجّ، فمعنى دخول العمرة في الحج سقوط وجوبها بِهِ. وقَدْ ذكر النسائي في كتابه: "أنه سئل فقيل له: ألِعَامنا أم للأبد؟ فقال: لكم خاصة" فهذا يؤكد ما قلناه. ويحمل على هذا الفسخ (٤٨) وهو الذي لَهُم خاصة. والأول على إجازة العمرة في أشهر الحج هو الذي لهم وللناس بعدهم. ٤٨٠ - وقولهم: "بَرَأ الدَّبَر" (ص ٩٠٩). يريدون دَبَرَ ظهر الإِبل عند إنصرافها من الحج، كانت تَدْبَرُ بالمَسِير عليها إلى الحج. "وَعَفا الأثَرُ" معناه: امّحى ودرس، ويكون "عفا" أيضًا بمعنى كَثُر وهو من الأضداد، قال الله تعالى: ﴿حتَّى عَفَوْا﴾ (٤٩) أي كَثُروا. ويروى "عفا الدَّبْر". ٤٨١ - وقوله: "كُلَّما أتَى حَبْلاً مِن الحِبَال أرْخَى لَهَا" (ص ٨٩١) من باب حجة النبيء ﷺ .

стр. 644

قال الشيخ: الحبال دون الجبال. قال ابن السكِّيت: الحبل مستطيل الرمل (٥٠). ٤٨٢ - وقول: "رَكِبَ القصواء" (٥١) (ص ٨٨٦) ويعني ناقته. قال ابن قُتَيْبة: كانت للنبيء ﷺ نُوق منها: القصواء والجَدْعَاء والعَضْبَاء. قال أبو عُبيد: العضباء اسم ناقة للنبيء ﷺ ولم تُسم بذلك لشيء أصابها. ٤٨٣ - قوله ﷺ : "وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله" (ص ٨٨٦). قيل المراد بالكلمة قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٥٢). ويحتمل أن يكون "بكلمة الله" أي بإباحة الله تعالى المنزلة في كتابه. قوله ﷺ : "وَلَكُمْ عليهنّ أنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُوشَكُمْ أحدًا تَكْرَهُونَهُ فَإنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ" (ص ٨٨٦). قيل المراد بذلك: ألّا يستخلين مع الرجل ولم يرد زِناها، لأن ذلك يوجب حَدَّها، ولأن ذلك حرام مع من نكره نحن أو لا نكره وقد قال: "أحَدًا تَكْرَهُونَهُ". ٤٨٤ - ذَكَرَ: "أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وابنَ الزُّبَيْر رحمهما الله اخْتَلَفَا فِي المتعة. فأما ابن الزبير فإنه نَهَى عنها، وقال جابر: على يدي دَارَ الحديث، تَمَتَّعْنَا مع رسول الله ﷺ فَلَمَّا قَامَ (٥٣) عُمر قال: إن الله كان يُحلّ لرسوله

стр. 645

- ﷺ ما شاء بما شاء وإن القِران نَزَلَ مَنَازِلَهُ فَأتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَة". وفي بعض طرقه: "فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ فَإنَّهُ أتَمُّ لِحَجِّكُمْ وَأتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ" (ص ٨٨٥). قال الشيخ: اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج، فقيل: هي فسخ الحج في العمرة. وقيل: بل هي العُمْرَةُ في أشهر الحج، ثم الحَجُّ بعدها، ويكون نهيه عن ذلك على جهة التَّرغيب فيما هو الأفضل الذي هو الإِفراد، وليكثر تَرَدُّدُ الناس إلى البيت. والتمتع عندنا له ستة شروط: أن يعتمر ويحج في عام واحد في سفر واحد، ويقدم العمرة على الحج، ويفرغ منها ثم ينشىء الحج ويوقع العمرة أو بعضها في أشهر الحج، ويكون غير مكي. فإن اختل (٥٤) من هذه الشروط الستة شرط واحد لم يكن عليه دَمٌ. ٤٨٥ - قوله: "نَحَر ﷺ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأشْرَكَهُ فِي هَدْيه، ثُمَّ أمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ وَطُبِخَتْ فَأكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا" (ص ٨٨٦). قال الشيخ: لمّا كان الأكل من جميع لحمها فيه كلفة جمعه في قدر واحدة ليكون تناوله من المرق كالأكل من الجميع. وقد ذكر (٥٥) بعض أصحاب المعاني أنه ﵇ إنما اقتصر على نحْرِ ثلاث وستين بدنة بيده وَوكَّل لعليّ ما سِوَى ذلك ليشير بذلك إلى منتهى عمره وليكونَ قد نحر عن كل عام من عمره. بدنة بيده (٥٦).

стр. 646

٤٨٦ - قوله: "مِثْل حَصَى الخَذْفِ" (ص ٨٨٦). قال الليث: الخذف رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك، أو تجعل (٥٧) مخذفة من خشب ترمي بها بين إبهامك (٥٨) والسبَّابَةِ. ٤٨٧ - "وَأمَّا الحُمْسُ" (ص ٨٩٣). فقال أبو الهيثم: هم (٥٩) قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجَدِيلة قَيس، سموا حُمْسا لأنهم تحمسوا في دينهم، أي تَشَدَّدوا، وكانوا لا يقفون بعرفة ولا يخرجون من الحرم ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من حرم الله وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها. وقال الحربي عن بعضهم: سموا حُمْسًا بالكعبة لأنها حمساء حجرها أبيض يضرب إلى السواد. ٤٨٨ - قال الشيخ: خرج مسلم في هذا الباب: "حدثنا أبو كُرَيْب حدثنا أبو أسَامَةَ حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تَطُوف بالبيت عُراةً إلّا الحُمْسَ" هكذا عند أبي أحمد والكسائي في إسناد هذا الحديث (ص ٨٩٤). وعند ابن ماهان: "قال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة" فجعل "ابن أبي شيبة" بدل " أبي كريب" (٦٠). قوله: "وفلَانٌ كَاِفرٌ بِالْعُرُشِ" (ص ٨٩٨). أي هو مقيم بعُرُش مكة، وهي بيوتها (المعنى: أني سبقته إلى الإِسلام) (٦١). قال أبو العباس: ويقال: اكْتَفر الرجل إذا لزم الكُفُور، وهي

стр. 647

القُرى. وفي حديث أبي هريرة ﵀: "لَيُخرِجَنَّكُمُ الرُّومُ مِنْهَا كَفْرًا كَفْرًا" أي قرية قرية. وفي حديث عمر (٦٢) ﵁: "أهل الكُفُور: هم أهل القبور" يعني القرى النائية عن الأمصار ومجتمع أهل العلم. قال أبو عبيد: وسميت بيُوت مكة عرشا لأنها عيدان تنصب وتظلل. ويقال لها: عُرُوشٌ وعُرُش، فمن قال: عُرُوش فواحدها عَرْشٌ، ومن قال: عُرُش فواحدها عريش مثل قَليب وقُلُب. وفي حديث ابن عمر: "إذا نظر إلى عُرُوش مكة قطع التلبية". والعُرْش في غير هذا: عِرْق في أصل العنق، ومنه قول أبي جهل لابن مسعود يوم بدر: خذ سيفي فاحْتَزَّ بِهِ رَأسِي من عُرْشِي. ٤٨٩ - قولها (٦٣) في البدنة: "فَأشْعَرَهَا فِي صفحة سَنَامِها الأيمن" (ص ٩١٢). الإِشعار: الإِعلام. وإشعار الهدي هو أن تجعل (٦٤) على البدنة علامة يعلم بها أنها من الهدي، والعرب تقول: بيننا شعار، أي علامة، وما شعرت بكذا، أي ما علمت به، وشعائر الحج علاماته وآثاره، ومشاعره معالمه، وسمي المشعر الحرام مشعرًا لأنه من علامات الحج. وصفحة السنام: ناحيته. قال الشيخ: ذهب بعض الناس إلى أن الإِشعار يكون في الجانب الأيمن

стр. 648

أخذًا بهذا الحديث. والمشهور من مذهب مالك أن الإِشعار في الجانب الأيسر. قول الرجل لابن عباس: "ما هذه الفتيا الّتي قد تشعبت (٦٥) بالناس أن من طاف (بالبيت فقد حل) (٦٦) فقال: سنة نبيكم ﷺ وإن رغمتم" (٦٧) (ص ٩١٢). قال الشيخ: قال بعض (شيوخنا: لعله يريد) (٦٨) فيمن فاته الحج أنه يحل بالطواف والسعي. وهذا التأويل فيه بعد، لأنه قد قال بعد ذلك: وكان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حلّ. فقيل له: من أين تقول ذلك؟ فقال من قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٦٩). قال: وكان يأخذ ذلك من أمر النبيء ﷺ حين أمرهم أن يَحِلُّوا في حجة الوداع. ٤٩٠ - وقوله في حديث أسماء بنت عميس وعائشة: "أنّهم لمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا" (ص ٩٠٦). قال الشيخ: "مسحوا" بمعنى طافوا لأن الطائف يمسح الركن فعبر عن الطواف ببعض ما يفعل فيه. ومنه قول ابن أبي ربيعة: [الطويل] ولما قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ ... وَمَسَّحَ بِالأرْكَانِ من هو (٧٠) ماسح

стр. 649

فكنى بالمسح عن الطواف. ويحتمل أن يكون مسحوا بالركن، أي طافوا وسعوا، وحذف ذكر السعي اختصارًا لما كان مرتبطًا بالطواف ولا يصح دونه. ويؤيد هذا التأويل أنها قالت فيما ذكره عنها بَعْدُ: "ما أتم الله حج امرىء ولا عمرتَه لم يطف بالبيت والمروة" (٧١)، إلا أن يتأول عليها أنها إنما أرادت بالإِتمام الكمال لا الصحة. ويحتمل أن يكون ذلك على رأي من رأى أن السعي غير واجب. وفيه اختلاف بين الناس، وقد رأيت بعض أهل العلم أشار إلى أن من الناس من ذهب إلى أن المعتمر إذا دخل الحرم حلّ وإن لم يطف ويسع وله أن يلبس ويتطّيب ويفعل ما يفعل الحلال ويكون طوافه وسعيه كأنَّه عمل خارج عن الإِحرام كما يكون رمْي الجمار والمبيت بمنى عملاً خارجاً عن الإِحرام. ٤٩١ - قول مُعاوية ﵁: "قَصَّرْتُ مِنْ رَأس النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ الْمَرْوَةِ (٧٢) بِمِشْقَصٍ" (ص ٩١٣). احتج به من قال: إن النبيء ﷺ كان في حجة الوداع متمتعا. ويحتمل عندنا أن يكون ذلك في غير حجة الوداع وإنَّما كان في بعض عُمَرِه ﵇. قال أبو عبيد وغيره: نصل السهم إذا كان طويلاً ليس بعريض فهو مِشْقَص وجمعه مشاقص، فإذا كان عريضًا فهو مِعْبَلَة وجمعه مَعَابِل. ٤٩٢ - قال الشيخ: خرّج مُسلم بعد هذا: "حدثنا محمد بن حاتم

стр. 650

حدثنا ابن مَهْدِي حدثنا سَلِيم (٧٣) بن حَيَّانَ عن مروان عن أنس أنَّ عليا قدم من اليمن" الحديث (ص ٩١٤). وقع عند ابن ماهان في إسناده (٧٤) سليمان بن حيان بضم السين وزيادة نون. وهذا وَهم، وصوابه: سَلِيم، كما رواه أبو أحمد. ٤٩٣ - قوله: "رَمَل رسول الله ﷺ ثلاثة أطواف" (ص ٨٨٧). قال الشيخ: الرمل عندنا مشروع خلافًا لمن لا يراه. واختلف عندنا في وجوب الدم على من تركه. واختلف في إعادة الطواف لمن تركه إذا كان بالقرب. وقال بعض الشيوخ: هذا الخلاف ينبني على الخلاف في جواز رفضه. وفي الكتاب: "قيل لابن عباس في الرمل: هل هو سنة وإن قومك يزعمون أنه سنة؟ فقال: كذبوا وصدقوا" (ص ٩٢٢). قال الشيخ -أيده الله-: يعني صدقوا في أنه مشروع وكذبوا في أنه سنة. ٤٩٤ - قوله: "كَانُوا لا يُدَعُّونَ عَنْهُ وَلَا يُكْرَهُونَ" ووقع في نسخة: "ولا يكهرون" (ص ٩٢٢). أي لا يدفعون من قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ (٧٥). وقوله:"يكهرون" قد تقدم في كتاب الصلاة قول أبي عبيدة: الكهر الانتهار.

стр. 651

٤٩٥ - وقوله: "وَهَنَتْهم الحُمَّى" (ص ٩٢٣). أي أضعفتهم وأرَّقَتْهُم. قال الفراء: يقال: وهنه الله وأوهنه. ٤٩٦ - قول عمر ﵁ للحَجَر: "رأيت رسول الله ﷺ بِكَ حَفيّا" (ص ٩٢٦) أي معْنيا، وجمعه أحفياء. ٤٩٧ - ذكر (٧٦): "أنه ﵇ طَاف على راحلته" (ص ٩٢٦). (تعلق بهذا (٧٧) من أجاز الطواف راكبًا) (٧٨) لغير عذر. ومذهب مالك أن الطواف لا يركب فيه إلا لعذر. وقد ذكر في هذا الحديث أنه فعل ذلك ليراه الناس ويسألوه. وهذا رآه ﵇ عذرًا فلا يكون فيه حجة للمخالف. ٤٩٨ - قول عُرْوَة لعائشة ﵂: "مَا أرى عَلَى أحَدٍ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ شَيْئًا، فَقَالَتْ عائشة: بئْسَ مَا قُلْتَ" الحديث (ص ٩٢٩). قال الشيخ: هذا من بديع فقهها ومعرفتها بأحكام الألفاظ لأن الآية إنما اقتضى ظاهرها نفي الحرج عمن طاف بين الصفا والمروة فليس هو بنص في سقوط الوجوب، فأخبرته أن ذلك محتمل ولو كان نصًا في ذلك لكان يقول: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، لأن هذا يتضمن سقوط الإِثم عمن ترك الطواف. ثم أخبرته أن ذلك إنما كان لأن الأنصار تحرجت أن تمر بذلك الموضع في الإِسلام فأخبرت أن لا حرج عليها؛ وقد يكون الفعل

стр. 652

واجبًا ويعتقد المعتقد أنه قد يمنع من إيقاعه على صفة. وهذا كمن عليه صلاة ظهر فظن أنه لا يسوغ له إيقاعها عند الغروب؛ فيسأل، فيقال له: لا حرج عليك إن صليت، فيكون هذا الجواب صحيحًا ولا يقتضي نفي وجوب الظهر عليه. وقد اختلف الناس في السعى بين الصفا والمروة فقال بعض الصحابة: هو تطوع. وأوجبه مالك ورأى أن الدم لا يجبره. وقال أبو حنيفة: هو واجب ولكن الدم يجبره. ٤٩٩ - قوله ﷺ : "حِينَ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ: الصَّلَاةُ أمَامَكَ" (ص ٩٣٤). قال الشيخ: اختلف عندنا فيمن صلى تلك الليلة الصلاتين في وقتهما: هل يعيد إذا أتى المزدلفة أم لا؟ فقيل: يعيد لهذا الحديث، وقيل: لا يعيد، لأن الجمع سُنَّة، وذلك إذا ترك لا يوجب الإِعادة. ولا يتوجه مثل هذا الخلاف فيمن ترك الجمع بين الظهر والعصر بعرفة لأن المصلي للمغرب ليلة المزدلفة لما صلاها قبل الشفق صار كمن صلى صلاة قبل وقتها إنه يعيدها في وقتها والذي أخَّر صلاة العصر يوم عرفة ولم يصلها مع الظهر إن كان تركها بعد وقتها فصلاته لها بعد ذلك قضاء فلا معنى لأن يقال له: صلها ثانية كما قيل في المغرب. ٥٠٠ - قوله: "لَمْ يَزَلْ رَسُولُ الله ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمَرَة العَقَبَةَ" (ص ٩٣١). قال الشيخ: اختلف عندنا: متى يقطع الحاج التلبية هل عند الزوال أم عند الرواح إلى الصلاة أو إلى الموقف؟ وذهب المخالف إلى أنه لا يقطع حتى يرمي الجمرة، وتعلق بهذا الحديث واختار ذلك بعض شيوخنا

стр. 653

المتأخرين. واختلف القائلون بأنه لا يقطع حتى يرمي الجمرة هل يقطع التلبية إذا رمى أول حصاة أو حتى يتم السبع؟ ٥٠١ - ذُكر: "أنه ﵇ جَمَعَ في المُزْدَلِفَة بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بإقامة واحدة" ولم يذكر أنه أذَّنَ. (ص ٩٣٧). قال الشيخ -وفقه الله-: أخذ بهذا بعض الفقهاء. واختلف في هذا عندنا على ثلاثة أقوال، فقيل: لا يجمع بينهما إلا بأذانين وإقامتين، وقيل يجزي أذان واحد وإقامتان. وقد تقدم حديث جابر بما يؤيد هذا القول وقيل: تجزي إقامتان بغير أذان. ٥٠٢ - قول ابن مسعود: "مَا رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ صلَّى صَلَاةً إلّا لِمِيقَاتِهَا إلَاّ صلاتين (٧٩): صلَّى المغرب والعشاء بجمع، وصلّى الفجر يومئذ قبل ميقاته" (ص ٩٣٨). قال الشيخ: من (يقول: إن الإِسفار بالصبح) (٨٠) أفضل تعلق بهذا الحديث، وقال: قول ابن مسعود يدل على أنه ﵇ كان يؤخر صلاة الصبح وأنه عجّلها يومئذ قبل وقتها المعتاد. ٥٠٣ - قوله: "اسْتَأذَنَتْ سَوْدَةُ النَّبِيءَ ﷺ أن تُفِيضَ من جَمْع بِليل فأذن لها" (ص ٩٣٩). قال الشيخ: عندنا أن من ترك المبيت بالمزدلفة والوقوف بالمشعر حَجُّه تَامٌّ وعليه الدَّمُ. وعند المخالف يبطل حجه لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٨١)، والأمر على الوجوب.

стр. 654

٥٠٤ - قوله: "إن رسولَ الله ﷺ أذِنَ لِضُعُنِهِ" (٨٢) (ص ٩٤٠). سميت المرأة ضعنية باسم الهودج الذي تكون فيه. وضعينة الرجل: امرأته. قوله: "في ضَعَفَةِ أهل ابن عمر: فمنهم من يقْدَمُ منًى لصلاة الفجر، ومنهم مَنْ يَقْدَمُ بعد ذلك. فإذا قدموا رَموا الجَمْرَةَ" وَكَانَ ابن عمر يقول: "أرْخَصَ في أولئك رسول الله ﷺ " (ص ٩٤١). قال الشيخ: مذهب الشافعي جواز رمي الجمرة من نصف الليل، ويتعلق بأن أم سلمة قد رمت (٨٣) قبل الفجر وكان ﵇ أمرها أن تفيض وتوافيه الصبح بمكة. وظاهر هذا عنده (٨٤) تعجيل الرمي قبل الفجر. ومذهب الثَّوْري والنَخَعي أنها لا ترمى إلا بعد طلوع الشمس، ويتعلقان بحديث فيه: "أنه ﵇ قدم ضعفة أهله وأمرهم أن لا يرموا حتى تطلع الشمس". ومذهب مالك أن الرمي يحل بطلوع الفجر ويتعلق بما ذكر من حديث ابن عمر ﵁. ٥٠٥ - قال الشيخ: خرّج مسلم في هذا الباب: "حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم (٨٥) عن زيد بن أبي أُنيسة عن يحيى بن الحصين (٨٦) عن جدته قالت (٨٧): حججت مع رسول الله

стр. 655

- ﷺ " الحديث. قال مسلم: "واسم أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد وهو خال محمد بن سلمة، روى عنه وكيع وحجاج الأعور" (ص ٩٤٤). (قال بعضهم: كذا في رواية أحمد (٨٨) والكسائي، وفي نسخة ابن ماهان روى عن وكيع وحجّاج) (٨٩)، والأول هو الصواب. ٥٠٦ - قوله ﷺ : "الاسْتِجْمَار تَوٌّ وَالسَّعْيُ تَوٌّ والطواف تَوُّ " (ص ٩٤٥). معناه وترٌ. وفي حديث الشعبي "فما مضت إلا توَّة" أي ساعة واحدة ويقال في غير هذا: جاء فلان توا، أي قاصدًا لا يعرج على شيء. قولها: "حججت مع النبيء ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما أخذ بخِطَام نَاقَةِ النبِيءِ ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ حتى رمى جمرة العقبة" (ص ٩٤٤). قال الشيخ -وفقه الله-: ذهب بعض الفقهاء إلى جواز استظلال المُحْرِم راكبًا وتَعَلَّق بهذا الخبر. ومالك يكره ذلك. وأجاب بعض أصحابه عن هذا القدر (٩٠) الذي وقع في هذا الخبر لا يكاد يدوم. وقد أجاز مالك للمحرم أن يستظل بيده وقال: ما أيسر ما يثبت ذلك. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذا الاستظلال (٩١) المذكور في الحديث إنما كان عند مقاربة (٩٢) الإِحلال لأن برمي الجمرة يباح ذلك، فلعله تسهّل فيه كما يتسهل في الطيب عند طواف الإِفاضة.

стр. 656

وقد روي أن ابن عمر رأى رجلاً جَعَل ظلالاً على محمله فقال: اضْحَ لمن أحرمت له، يعني أبرز إلى الضحاء. قال الرياشي: رأيت أحمد بن أبي المعذل في يوم شديد الحر فقلت (٩٣): يا أبا الفضل هلاً استظللت فإن ذلك (٩٤) توسعة للاختلاف فيه، فأنشد: [الطويل] ضَحِيتُ لَه كَيْ أسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ ... إذِ الظِلُّ أضْحَى فِي القِيَامَةِ قَالِصًا فواسفي إن كان سعيك باطلا ... وَواحسرتي (٩٥) إن كان حجك ناقصا قال صاحب الأفعال: يقال: ضحيت وضحوت ضحيا وضحوا، إذا برزت للشمس، وضحيت ضحاء: أصابني حر الشمس قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (٩٦). ٥٠٧ - قوله ﷺ : "اللَّهُمّ ارْحَمْ المُحَلِّقِينَ! قالوا: والمقصرين رسول الله. قال: اللَّهُمَّ ارْحَمْ المُحَلِّقِينَ! قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: والمقصرين" (ص ٩٤٥). قال الشيخ: زعم بعض العلماء أن ذلك تحضيض على الحلاق لأجل أنه ﵇ لما أمرهم فحلّوا ولم يحل توقفوا استثقالاً لمخالفة أفعاله فلما عزم عليهم مالوا إلى التقصير لأنه أخف وأقرب شبها به ﷺ إذ لم يحل، أوْ لأنهم لم يكونوا اعتادوا الحلاق.

стр. 657

وقد اختلفوا في الحلاق، فمذهبنا: أنه عند التحلل نسك مشروع لأجل ظاهر هذا الحديث ولقول الله سبحانه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ (٩٧)، ووصْفهم بذلك يقتضي كونه مشروعًا. وقال الشافعي: ليس بنسك وهو مباح كاللباس والطيب لأنه ورد بعد الحظر (٩٨) فحمل على الإِباحة، ولأنه لو حلق في حال الحج لافتدى كما إذا لبس وتطيّب، ولو كان من النسك لم يلزمه فدية كما لو رَمى الجمار قبل وقتها فإن أقصى ما عليه أن يعيدها ولا يلزمه دَمٌ. وما ذكرناه من الظاهر يرد قوله هذا، وقد استقر في الشرع تحريم السلام في أثناء الصلاة المفروضة وأمر به في آخرها ولم يكن ذلك على الإِباحة بل حُمِل على الوجوب. واختلف الناس أيضًا في القدر الذي تتعلق (٩٩) به الفدية إذا حلق والمشروع منه عند التحلل. فعند الشافعي أقله ثلاث شعرات، وعند أبي حنيفة ربع الرأس، وعند أبي يوسف نصفه، وعند مالك كله في التحلل. وتتعلق الفدية عنده بما يماط به الأذى. ٥٠٨ - قوله: "لَمْ أشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِي قَال (١٠٠): ارْم وَلَا حَرَج. وقَالَ آخَرُ: لَمْ أشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أنحَرَ. قَالَ: انْحَرْ وَلَا حَرَجَ". وَفِي بَعْضِ طُرقِهِ: "حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ. قَالَ: ارْم وَلَا حَرَجَ" إلَى قولِهِ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" (ص ٩٤٨).

стр. 658

قال الشيخ -وفقه الله-: الذي يَفعله الحاج في مني ثلالة أشياء: رميٌ، ونحر، وحلق، فإن قدم من ذلك واحدا على صاحبه فلا فدية عليه؛ إلا في تقديم الحلاق على الرمي فإن عليه الفدية عندنا، لأنه حلق قبل حصول شيء من التحلّل (١٠١) فأشبه من حلق عقب الإِحرام. وعند المخالف لا فدية عليه لما وقع في بعض طرق هذا الحديث أنه قال: "ارْم وَلَا حَرَجَ". ومَحْمَلُ هذا عندنا على نفي الإِثم لا الفدية. وحمله المخالف على نفيهما جميعاً. وهكذا حمل ابن الماجشون أيضًا قوله في الحلق قبل النحر: "انحر ولا حرج " على نفي الإِثم لا الفدية لأنه يرى أن من حلق (١٠٢) قبل الذبح فقد أخطأ وعليه الفدية لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١٠٣). والمشهور عندنا أن لا فدية عليه ويحمل قوله ﵇ "ولا حرج" على نفي الإِثم والفدية جميعًا. وَيُحْمَلُ قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ على وصوله إلى منى لا نحره. وفي بعض طُرُق الحديث في غير كتاب مسلم "سعيت قبل أن أطوف". وهذا لا أعلم أحدًا قال به واعتدّ بالسعي قبل الطواف إلَاّ ما ذكر عن عطاءٍ. وممنوعات الحج المتعلقة بأحوال نفس الإِنسان المعتادة غالبًا شيئان، رفث، وإلْقَاءُ تفث. الرفث: الجماع وما في معناه. وإلقاء التفث حلق الرأس وتقليم الأظفار وما في معنى ذلك. ويمنع أيضاً من الصيد. والمحلل من جميع ذلك شيئان أيضًا:

стр. 659

أحدهما: تحليل أصغر وهو جمرة العقبة فيحل به (١٠٤) عندنا إلقاء التفث وَإن كنا نكرهُ منه استعمال الطيّب ولكن إن فعله بعد الرمي لم يفْتَدِ، ويُمنع من النساء والصيد خلافًا للمخالف في إجازته للصيد. ولنا عليه قول الله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١٠٥). وهذا يسمى محرمًا حتى يفيض لأن طواف الإِفاضة أحد أركان الحج وفرض من فروضه فلا تذهب عنه تسمية المحرم حتى يفعله. ولا معنى لتفرقة الشافعي في إصابته النساء بين الفرج وغيره لأن المنع فيهما واحد. والثاني: تحليل أكبر (١٠٦) وهو طواف الإِفاضة فيحلّ به من كل شيء على الإِطلاق (إذ لم يَبْقَ بعده من أركان الحج وفروضه شيءٌ) (١٠٧) إذا أتى به وقد رمى الجمرة. ٥٠٩ - قوله: "كان ابنُ عُمَر ﵁ يَرَى التحَصُّبَ سُنَّةً" (ص ٩٥١). التحصب: النوم بالشعب الذي مخرجه إلى الأبطح ساعة من اللَّيْل. ٥١٠ - قال الشيخ: خَرَّجَ مسلم في "باب الميت بمكة لياليَ مني: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة نا ابن نُمير وأبو أسامة قالا نا عبيد الله (١٠٨) عن نافع عن ابن عمر أن العباس استأذن النبيءَ ﷺ ... " الحديث (ص ٩٥٣). هكذا إسناده عند ابن ماهان، وكذلك رواه الكسائي عن ابن سفيان،

стр. 660

وكذلك خرَّجَهُ ابن أبي شيبة في مسنده. ووقع عند أبي أحمد الجلودي: "نا ابن أبي شيبة نا زهير وأبو أسامة" جعل زهيرا بدل ابن نمير وهو وَهَمٌ. ٥١١ - قول جابر: "خَرَجْنَا مع رسول الله ﷺ مُهِلِّينَ بالحجّ فَأمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أنْ نَشْتَرِكَ فِي الإِبِلِ وَالْبَقَر كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ". وفي بعض طرقه: "كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ نَشْتَرِكُ فِيهَا". وفي بَعْضِ طُرُقِهِ وَذَكَر الحُدَيْبِيَةَ فقال: "نَحَرْنَا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً اشْتَرَكْنَا كُلُّ سَبْعَةٍ في بَدَنَةٍ" (ص ٩٥٥ - ٩٥٦). قال الشيخ -وفقه الله-: هذا الحديث يتعلق به من أجَاز الاشْتِرَاكَ فِي الهَدْي. ومَالِكٌ يمنعه في الهدي الوَاجب. وعندنا في هدي التطوع قولان. والشافعي يجيزه في الواجب وإن كان بعضهم يريد اللحم وبعضهم يريد الفدية (١٠٩). وأبو حنيفة يجيزه (١١٠) إذا أراد جميعهم الفدية ويمنعه إذا أراد أحدهم اللحم. وأصحابنا يحملون قوله:"فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإِبل والبقر" على أنه هديٌ تُطُوِّعَ به ولَمْ يكن هديًا واجبًا. ومن منع من أصحابنا الاشتراك في هدي التطوع يحمله على أن الثمن من عند رجل واحد وإنما قصد أن يشركهم في أجره. واحتج أصحابنا بأن الواجب على مقتضى ظاهر القرآن هديٌ كامل لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١١١)، والجماعة إذا اشتركوا لم يتقرب كل واحد منهم إلَاّ ببعض هَدْي، ولأن المعيب من الهدايا لا يجزىء لنقصه مع كون مهديه أراق دما كاملاً فالمُريق بعض الدم أحرى أن لا يجزئه. وأما ما ذكره في نحرهم في الحديبية فيحمل على أنه هدي تطوّع لأن

стр. 661

المُحصَر بعدوّ إذا حلّ هل (عليه هدي) (١١٢) أم لا؟ ففيه قولان، والمشهور أن لا هدي عليه. وقد احتج من أوجب الهدي بقول الله تعالى: ﴿(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا) (١١٣) اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١١٤) وحمله على حصر العدوّ، واستدل بقوله بعد ذلك: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ (١١٥) وبقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ (١١٦). وظاهره أن المذكور الأول ليس بمريض. واختلف الناس الموجبون للهدي على المُحْصَر بظاهر هذه الآية: هل ينحره بمكانه لأنهم نحروا بالحديبية الهدايا أم لا ينحر إلا بمكة لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾؟ (١١٧). واختلفوا أيضاً إذا صدّه العدوّ عن حج تطوع فحلّ: هَلْ عليه القضاء أم لا؟ فعندنا لا قضاء عليه، وعند أبي حنيفة عليه القضاء، ولو صده عن حج الفريضة فلا يسقط (١١٨) عنه حجة الفريضة لأجل الصدّ، وعليه إذا حل أن يأتِيَ بها. وقال ابْنُ الماجشون من أصحاب مالك: إذا صُدَّ (١١٩) بغد أن أحرم بحجة الفريضة وحَلَّ سقط عنه الفرض. وحكى الداودي في كتاب النصيحة عن أبي بكر النّعِالِي (١٢٠): أن الفرض يسقط عنه إذا أراد الحج وصَدَّه العدوّ وإن لم يُحرم، وأظن أنه حكاه عن رجل آخر من أصحابنا. وكان بعض أشياخنا يستبشع هذا القول.

стр. 662

وأما إن صده (١٢١) المرض ومنعه من الوصول إلى البيت فإنه لا يحلّ عندنا إلا بوصوله إلى البيت فإذا وصل إليه وقد فاته الحج حل بعمرة وكان عليه القضاء. وقال أبو حنيفة: المرض يبيح له التحلل كالعدوّ لقوله ﵇: "من كُسِرَ أوْ عَرِجَ فقد حلّ". وحكي عن الفراء أنه يقال: أحصره المرض والعدوّ ولا يقال: حصره إلا في العدوّ خاصة. قال الشيخ: وحكى صاحب الأفعال: أحصره المرض والعدوّ منعاه من السير، وحصَرت القوم: ضيقت عليهم، وأحصَرْتُ الرجل وحصرته (١٢٢) حبسته. وقال ابن بُكَيْر: الإِحصار إحصار المرض، والحَصْر حصر العدوّ. قال: ورُوِي عن ابن عباس أنه قال: لا حَصْرُ إلّا حَصْرُ العدوّ فاعلم أن الحصر يكون بالعدوّ. وقال الشيخ: وإن حملت الآية على المرض فلا بد من إضمار: فحللتم، إذ لا يلزم الهدي بنفس المرض فإذا افتقرت (١٢٣) الآية إلى إضمار فليس لأبي حنيفة أن يُضْمر: فحللتم، إلا ولنا أن نضمر: ففاتكم الحج فحللتم بعمرة. وهكذا قوله ﵇: "من كُسِرَ أوْ عُرِجَ فَقد حلّ" معناه (١٢٤) عندنا على أنه يحلّ بوصوله إلى البيت واعتماره، إذ ظاهره أن يحل بنفس الكسر والعرج. وهذا لا يصح ولا بد من حمله (١٢٥) على تأويل: يصح. وللشافعية القائلين بأن الاشتراط في الحج يصح على ما تقدم بيانه أن يحملوا الحديث على أنَّه اشترط الإِحلال بالكسر والعرج.

стр. 663

٥١٢ - قول عايشة ﵂: "لقد رَأيْتُنِي أفْتِلُ القَلاِئِدَ لِهَدْي رَسُول الله ﷺ مِنَ الغَنِمِ" الحديث (ص ٩٥٨). فيه دَلالة على تقليد الغنم وهو مذهب ابن حبيب والشافعي والمشهور عندنا أنها لا تقلّد. وفيه دَلالة على رد قول من يقول: إن من قلد هديا وبعث به حرم عليه ما يحرم على الحاج وإن لم يُحْرِمْ هُوَ. ٥١٣ - قال الشيخ: خَرَّج مسلم في هذا الباب: "حدثنا إسْحَاقُ ابنُ مَنْصورنا عَبْدُ الصَّمَدِ نا أبي نا محمد بن جُحَادة عَنِ الحَكَم عَنْ إبراهيم عن الأسْوَد عَن عَايشة قالت: كنّا نقلّد الشَّاةَ" الحديث (ص ٩٥٩). هكذا إسناده عند ابن ماهان والرازي والكسائي، ووقع في بعض النسخ (المروية عن الجلُودي) (١٢٦): "نا إسحاق نا عبد الصمد نا محمد بن جُحادة، فسقط من الإِسناد ذكر والد عبد الصمد الراوي عن محمد بن جُحادة وهو خطأ. واسم والد عبد الصمد عبد الوارث بن سعيد العنبري تميمي مولاهم البصري يكنى أبا عبيدة. ٥١٤ - وخَرَّج مسلم في هذا الباب أيضًا بِإثْر هذا الحديث: "نا يَحْيىَ بنُ يحيى قَالَ. قَرَأتُ عَلى مَالِكٍ عن عبد الله بن أبي بكر عن عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن أنّها أخْبَرَتْهُ أنَّ ابْن زِيَادٍ كَتَبَ إلَى عَائِشَةَ أن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أهْدَى هَدْيًا حَرُمَ" (ص ٩٥٩). هكذا في كتاب مسلم (١٢٧) من جميع الطرق والمحفوظ فيه: "أن زياد بن أبي سفيان" وهكذا وقع في جميع الموطآت "أن زيادًا كتب". ٥١٥ - قوله في حديث أبي هريرة: "بَيْنَمَا رَجُل يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً

стр. 664

قَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : وَيْلَكَ ارْكَبْهَا. قَالَ: هِيَ بَدَنَةٌ يَا رَسُول الله. قَالَ: وَيْلَكَ ارْكَبْهَا" (ص ٩٦٠). قال الشيخ: هذا يتعلق بإطلاقه من يُجيز ركوب البدنة (١٢٨) من غير حاجة ويتعلق أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١٢٩). ولا تركَبُ عند مالك إلا للضرورة لقوله بعد هذا من طريق جابر: "اركبها بالمعروف إذا أُلْجِئْتَ إليها حتّى تجد ظهرا" (ص ٩٦١). وهذا الحديث مقيد يقضي على الحديث المطلق مع أنه شيءٌ أُخْرِجَ (١٣٠) لله تعالى فلا يرجع فيه ولو استبيحت المنافع من غير ضرورة لجاز استيجارها ولا خلاف في منع ذلك. ٥١٦ - قوله: "كَيْفَ أصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَليَّ مِنْهَا؟ فَقَالَ: اذْبَحْهَا ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا وَلَا تَأكُلْ مِنْهَا أنْتَ وَلَا أحَدٌ مِنْ أهْلِ رِفْقَتِكَ" (ص ٩٦٢). قال الشيخ: أمره أن يَصْبَغَ قلائدها ليُشعِر من يراها أنها هَدْيٌ فيستبيحها عَلَى الوجه الذي ينبغي، وقال بعض (١٣١) العلماء: إنَّمَا نَهَاهُ أن يأكل منها هو وأهل رفقته حماية للذريعة أنْ يُتَسَهَّل (١٣٢) في نَحْرِها قبل أوانه. و"أُبدع" بمعنى كَلَّ وحسر، وأُبْدع الرجل: كلّت ركابه أوْ عَطِبَتْ، قاله صاحب الأفعال.

стр. 665

قوله: "لأسْتَحْفِيَنَّ (١٣٣) عَنْ ذَلِكَ" (ص ٩٦٢). معناه لأُكْثِرَنَّ المسأله عنه. يقال: أحفى في السؤال وفي العناية، أي استبلغ فِيهِمَا. ٥١٧ - قوله ﷺ : "لَا يَنْفِرَنَّ أحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ" (ص ٩٦٣). قال الشيخ: في هذا (١٣٤) إثبات طواف الوداع. وعندنا أنه مستحب ولا دم في تركه، وعند الشافعي أن على تاركه الدَّم، وعند أبي حنيفة أنه واجب. يحتج أبو حنيفة بما في هذا الحديث. ولنا عليه قوله في حديث صفية لما أخبر ﵇ أنَّهَا حَاضَتْ فَقَالَ: "أحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ثُمَّ أُخْبِرَ أنَّهَا أفَاضَتْ. فَقَالَ: فَلَا إذًا" (ص ٩٦٤). فَلَوْ كَانَ طواف الوداع واجبًا لاحتبس من أجله كما يُحتبس من طواف الإِفاضة. ٥١٨ - قول ابن عباسٍ: "إمَّا لَا فَسَلْ فُلَانَةَ" (ص ٩٦٣). قال ابن الأنباري: قولهم: افعل هذا إمَّا لَا، معناه افعل كذا وكذا إن كنت لا تفعل غيره، فدخلت (ما) صلة لـ (إن) كما قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ (١٣٥) فاكتفى بـ (لا) من الفعل كما تقول العرب: من يسلم عليكم فسلم عليه وإلا فلا. قال: وفي حديث صفية: "إن عائشة قالت: إنّها زارت يوم النحر" (ص ٩٦٥)

стр. 666

فسمته طواف الزيارة. ومالك يكره أن يسمّى طواف الزيارة. ٥١٩ - قوله: "دخل رسول الله ﷺ البَيْتَ وَمَعَهُ أُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ ابنُ طَلْحَةَ فَأجَافُوا عَلَيْهُمُ البَابَ". وفيه: "أنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى بَيْنَ العَمُودَيْنِ" (ص ٩٦٧). قال الشيخ -وفقه الله-: مالِك يقول: لَا يُصَلَّى فِي الكعبة (الفريضة ويجوز) (١٣٦) أن يُصلّي فيها النافلة. والحجة للمنع قول الله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١٣٧) وَهذا لمن يكون خارجًا من البيت ممن يمكنه استقبال البيت واستدباره، ومن كان فيه فلا بد أن يكون مستقبلًا ناحية ما (١٣٨).قال بعض الشيوخ: إنما منع مالك صلاة الفريضة فيه على وجه الكراهة فمن صلّى فيه الفريضة أعاد في الوقت لأنه إنما ترك سنة. وقد ذكر في الآية التولية إلى المسجد ولو صلّى الفرض في المسجد لأجزأه باتفاق. ومعنى "أجافوا عليهم" (١٣٩): أغلقوا عليهم الباب. ٥٢٠ - قوله ﷺ لعايشة "لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ" وَأخْبَرَهَا ﵇: "أنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ" (ص ٩٦٨). وهذا دليل على أن الحِجْر من البيت. وعند مالِك والشافعي أن من طاف من داخل الحجر فهو كمن لم يطف. وعند أبي حنيفة أنه يعيد إلا أن يرجع إلى بلده فعليه الدَّمُ. وقد بين في الكتاب ما جرى من قصة ابن الزبير وهدمه للكعبة (١٤٠) وتغيير بنائها ثم ما كان بعد ذلك من تغيير بناء ابن الزبير.

стр. 667

٥٢١ - قول الخَثْعَمِيَّةَ: "يَا رَسُولَ الله إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الله فِي الحَجِّ وَهْوَ لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ : فَحُجِّي عَنْهُ" (ص ٩٧٤). قال الشيخ: يرى المخالف أن من عجز عن الحج وله مال فعليه أن يستنيب مَنْ يحج عنه. ويحتج بهذا وبقوله في حديث آخر: "أرَأيتِ لَوْ كَانَ على أبِيكِ دَيْنٌ" الحديث. وعندنا أنه لا تلزم (١٤١) الاستنابة. ولنا قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١٤٢). وهذا ظاهره استطاعة البدن، ولو كان المال لقال: إحْجَاجُ البيت، وَكأنَّ الحج فرعٌ بين أصلين: أحدهما عمل بدن مجرد كالصلاة والصوم فلا يستناب في ذلك. والثاني المال كالصدقة وشبه ذلك فهذا يستناب فيه، والحج فيه (١٤٣) عمل بدن ونفقة مال فمن غلّب حكم عمل البدن رده إلى الصلاة والصوم، ومن غلب حكم المال ردّه إلى الصدقات والكفارات. ٥٢٢ - قوله ﷺ : "لِلْمَرْأةِ الَّتِي رَفَعَتْ إلَيْهِ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله ألِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِ أجْرٌ" (ص ٩٧٤). قال الشيخ -أيده الله-: في هذا حجة لنا وللشافعي على أن الصغير ينعقد عليه الحج ويجتنب ما يجتنبه المحرم. وأبو حنيفة لا يرى ذلك وقد يقول أصحابه (١٤٤): يحمل هذا على أنه يراد به تمرين الصغار على الحج. وإن قالوا: يحتمل أن يكون هذا كان بالغًا. قلنا فما فائدة السؤال: هل له

стр. 668

حج؟ وهذا يبطل تأويلهم، وأيضًا فإن في بعض طرق الحديث في غير كتاب مسلم أن الصبي كان صغيرًا. ٥٢٣ - قوله ﷺ : "وَقَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ (١٤٥) فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أكُلّ عَامٍ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ ﵇: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ" الحديث (ص ٩٧٥). قال الشيخ: اخْتلف الناس في الأمْر المطلق. فقال بعضهم: يحمل على فعل مرة واحدة، وقال بعضهم: على التكرار، ومَال بعضهم إلى الوقف فيما زاد على مرة. وظاهر هذا أن السائل لرسول الله ﷺ إنما سأله لأن ذلك عنده محتمل (١٤٦)، فيصح أن يكون ذهب إلى بعض هذه الطرق، ويصح أن يكون إنما احتمل عنده من وجه آخر وذلك أن الحج في اللغة قَصْدٌ فِيه تكْرِيرٌ فيكون احتمل عنده التكرير من جهة اشتقاق اللفظ وما يقتضيه من التكرار، وقد تعلق بما ذكرنا عن أهل اللغة هاهنا من قال بإيجاب العمرة، وقال: لما كان قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١٤٧) يقتضي على حكم الاشتقاق التكرر، واتفق على أن الحج لا يلزم (١٤٨) إلا مرةً واحدة كانت العودة إلى البيت تقتضي أن تكون في عمرة حتى يحصل التردد إلى البيت كما اقتضاه الاشتقاق. ٥٢٤ - قوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَاّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرمِ" (ص ٩٧٥).

стр. 669

قال الشيخ: أبو حنيفة يشترط في وجوب الحج على المرأة وجودَ ذي محرم، والشافعي يشترط ذلك أو امرأة واحدة تحج معها. ومالك لا يشترط شيئاً من ذلك. وسبب الخلاف (١٤٩) معارضةُ عموم الآية بهذا الخبر فعموم الآية قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ (١٥٠) يقتضي الوجوب وإن لم يكن ذو محرم. والحديث يخصص ذلك فمن خصص الآية به اشترط المَحْرَم ومن لم يخصصها لم يشترط. وقد يحمل مالك الحديث على سفر التطوع، ويؤيد مذهبه أيضًا أن يقول: اتفق على أن عليها أن تهاجر من دار الكفر وإن لم يكن ذو محرم لمَّا كان سفرًا واجبًا فكذلك الحج. وقد ينفصَل عن هذا بأن يقال: إقامتها في دار الكفر لا تحلّ ويخشى على دينها ونفسها وليس كذلك التأخر عن الحج. وأيضًا فإن الحج. مختلف فيه: هل هو على الفور أو التراخي؟ ٥٢٥ - قوله: "أعْجَبْنَنِي (١٥١) وآنَقْنَنِي" (ص ٩٧٦). معنى آنقنني، أي أعجبنَنِي (١٥٢). وإنما جاز تكرار المعنى لاختلاف اللفظ، والعرب تفعل ذلك كثيرًا للبيان والتأكيد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (١٥٣) والصلاة من الله الرحمة، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١٥٤)، والطيب هاهنا الحلال، وينشد للحطيئة (١٥٥):

стр. 670

[الطويل] ألَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأرْضٌ بِهَا هِنْدُ ... وَهِنْدٌ أتُى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ والنأي هو البعد. وقال آخر (١٥٦): [البسيط] يَبْكِيكَ نَاءٍ بَعِيدُ الدَّارِ مُغْتَرِبٌ ... يَا لَلْكُهُولِ وَلِلشُّبَّانِ لِلْعَجَبِ والنائي هُوَ البعيد والمغترب، ومثلُه كثير. وفي حديث (١٥٧) ابنِ مسعود: "إذَا وَقَعْتُ فِي آلِ حَمِ وَقَعْتُ فِي رَوْضَاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ". قَالَ أبُو عُبيد: أي أتَتَبَّعُ مَحَاسِنَهُنَّ. وقال أبو حمزة: مَعْنَاهُ أسْتَلِذُّ بِقِرَاءَتِهِنَّ. والمُونِقُ المُعْجبُ، ومنه مَنْظَرٌ أنِيقٌ. ٥٢٦ - قَالَ الشَّيْخُ: خرّج مسلم في بَابِ لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ: "حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن سعِيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيء ﷺ " (ص ٩٧٧). قال بعضهم: هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخٍ عن أبي أحمد وأبي العلاء والكسائي، وكذلك رواه مسلم عن قتيبة عن الليث عن سَعيد، ومسلم أيضًا والبخاري عن ابن أبي ذيب (عن سعيد عن أبيه. واستدرك عليهما الدارقطني إخراجَهما عن ابن أبي ذئبٍ) (١٥٨)، وعلى مسلم حديثَ الليث بن سَعْد واحتج بِأن مالكا ويحيى بن أبي كثير وسهلا قالوا: عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.
следующие страницы →