فسمته طواف الزيارة. ومالك يكره أن يسمّى طواف الزيارة.
٥١٩ - قوله: "دخل رسول الله ﷺ البَيْتَ وَمَعَهُ أُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ ابنُ طَلْحَةَ فَأجَافُوا عَلَيْهُمُ البَابَ". وفيه: "أنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى بَيْنَ العَمُودَيْنِ" (ص ٩٦٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: مالِك يقول: لَا يُصَلَّى فِي الكعبة (الفريضة ويجوز) (١٣٦) أن يُصلّي فيها النافلة. والحجة للمنع قول الله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١٣٧) وَهذا لمن يكون خارجًا من البيت ممن يمكنه استقبال البيت واستدباره، ومن كان فيه فلا بد أن يكون مستقبلًا ناحية ما (١٣٨).قال بعض الشيوخ: إنما منع مالك صلاة الفريضة فيه على وجه الكراهة فمن صلّى فيه الفريضة أعاد في الوقت لأنه إنما ترك سنة. وقد ذكر في الآية التولية إلى المسجد ولو صلّى الفرض في المسجد لأجزأه باتفاق. ومعنى "أجافوا عليهم" (١٣٩): أغلقوا عليهم الباب.
٥٢٠ - قوله ﷺ لعايشة "لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ" وَأخْبَرَهَا ﵇: "أنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ" (ص ٩٦٨).
وهذا دليل على أن الحِجْر من البيت. وعند مالِك والشافعي أن من طاف من داخل الحجر فهو كمن لم يطف. وعند أبي حنيفة أنه يعيد إلا أن يرجع إلى بلده فعليه الدَّمُ. وقد بين في الكتاب ما جرى من قصة ابن الزبير وهدمه للكعبة (١٤٠) وتغيير بنائها ثم ما كان بعد ذلك من تغيير بناء ابن الزبير.
стр. 667
٥٢١ - قول الخَثْعَمِيَّةَ: "يَا رَسُولَ الله إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الله فِي الحَجِّ وَهْوَ لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ : فَحُجِّي عَنْهُ" (ص ٩٧٤).
قال الشيخ: يرى المخالف أن من عجز عن الحج وله مال فعليه أن يستنيب مَنْ يحج عنه. ويحتج بهذا وبقوله في حديث آخر: "أرَأيتِ لَوْ كَانَ على أبِيكِ دَيْنٌ" الحديث. وعندنا أنه لا تلزم (١٤١) الاستنابة. ولنا قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١٤٢). وهذا ظاهره استطاعة البدن، ولو كان المال لقال: إحْجَاجُ البيت، وَكأنَّ الحج فرعٌ بين أصلين: أحدهما عمل بدن مجرد كالصلاة والصوم فلا يستناب في ذلك. والثاني المال كالصدقة وشبه ذلك فهذا يستناب فيه، والحج فيه (١٤٣) عمل بدن ونفقة مال فمن غلّب حكم عمل البدن رده إلى الصلاة والصوم، ومن غلب حكم المال ردّه إلى الصدقات والكفارات.
٥٢٢ - قوله ﷺ : "لِلْمَرْأةِ الَّتِي رَفَعَتْ إلَيْهِ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله ألِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِ أجْرٌ" (ص ٩٧٤).
قال الشيخ -أيده الله-: في هذا حجة لنا وللشافعي على أن الصغير ينعقد عليه الحج ويجتنب ما يجتنبه المحرم. وأبو حنيفة لا يرى ذلك وقد يقول أصحابه (١٤٤): يحمل هذا على أنه يراد به تمرين الصغار على الحج. وإن قالوا: يحتمل أن يكون هذا كان بالغًا. قلنا فما فائدة السؤال: هل له
стр. 668
حج؟ وهذا يبطل تأويلهم، وأيضًا فإن في بعض طرق الحديث في غير كتاب مسلم أن الصبي كان صغيرًا.
٥٢٣ - قوله ﷺ : "وَقَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ (١٤٥) فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أكُلّ عَامٍ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ ﵇: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ" الحديث (ص ٩٧٥).
قال الشيخ: اخْتلف الناس في الأمْر المطلق. فقال بعضهم: يحمل على فعل مرة واحدة، وقال بعضهم: على التكرار، ومَال بعضهم إلى الوقف فيما زاد على مرة. وظاهر هذا أن السائل لرسول الله ﷺ إنما سأله لأن ذلك عنده محتمل (١٤٦)، فيصح أن يكون ذهب إلى بعض هذه الطرق، ويصح أن يكون إنما احتمل عنده من وجه آخر وذلك أن الحج في اللغة قَصْدٌ فِيه تكْرِيرٌ فيكون احتمل عنده التكرير من جهة اشتقاق اللفظ وما يقتضيه من التكرار، وقد تعلق بما ذكرنا عن أهل اللغة هاهنا من قال بإيجاب العمرة، وقال: لما كان قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١٤٧) يقتضي على حكم الاشتقاق التكرر، واتفق على أن الحج لا يلزم (١٤٨) إلا مرةً واحدة كانت العودة إلى البيت تقتضي أن تكون في عمرة حتى يحصل التردد إلى البيت كما اقتضاه الاشتقاق.
٥٢٤ - قوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَاّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرمِ" (ص ٩٧٥).
стр. 669
قال الشيخ: أبو حنيفة يشترط في وجوب الحج على المرأة وجودَ ذي محرم، والشافعي يشترط ذلك أو امرأة واحدة تحج معها. ومالك لا يشترط شيئاً من ذلك. وسبب الخلاف (١٤٩) معارضةُ عموم الآية بهذا الخبر فعموم الآية قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ (١٥٠) يقتضي الوجوب وإن لم يكن ذو محرم. والحديث يخصص ذلك فمن خصص الآية به اشترط المَحْرَم ومن لم يخصصها لم يشترط. وقد يحمل مالك الحديث على سفر التطوع، ويؤيد مذهبه أيضًا أن يقول: اتفق على أن عليها أن تهاجر من دار الكفر وإن لم يكن ذو محرم لمَّا كان سفرًا واجبًا فكذلك الحج. وقد ينفصَل عن هذا بأن يقال: إقامتها في دار الكفر لا تحلّ ويخشى على دينها ونفسها وليس كذلك التأخر عن الحج. وأيضًا فإن الحج. مختلف فيه: هل هو على الفور أو التراخي؟
٥٢٥ - قوله: "أعْجَبْنَنِي (١٥١) وآنَقْنَنِي" (ص ٩٧٦).
معنى آنقنني، أي أعجبنَنِي (١٥٢). وإنما جاز تكرار المعنى لاختلاف اللفظ، والعرب تفعل ذلك كثيرًا للبيان والتأكيد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (١٥٣) والصلاة من الله الرحمة، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١٥٤)، والطيب هاهنا الحلال، وينشد للحطيئة (١٥٥):
стр. 670
[الطويل]
ألَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأرْضٌ بِهَا هِنْدُ ... وَهِنْدٌ أتُى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ
والنأي هو البعد.
وقال آخر (١٥٦): [البسيط]
يَبْكِيكَ نَاءٍ بَعِيدُ الدَّارِ مُغْتَرِبٌ ... يَا لَلْكُهُولِ وَلِلشُّبَّانِ لِلْعَجَبِ
والنائي هُوَ البعيد والمغترب، ومثلُه كثير.
وفي حديث (١٥٧) ابنِ مسعود: "إذَا وَقَعْتُ فِي آلِ حَمِ وَقَعْتُ فِي رَوْضَاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ".
قَالَ أبُو عُبيد: أي أتَتَبَّعُ مَحَاسِنَهُنَّ. وقال أبو حمزة: مَعْنَاهُ أسْتَلِذُّ بِقِرَاءَتِهِنَّ. والمُونِقُ المُعْجبُ، ومنه مَنْظَرٌ أنِيقٌ.
٥٢٦ - قَالَ الشَّيْخُ: خرّج مسلم في بَابِ لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ: "حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن سعِيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيء ﷺ " (ص ٩٧٧).
قال بعضهم: هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخٍ عن أبي أحمد وأبي العلاء والكسائي، وكذلك رواه مسلم عن قتيبة عن الليث عن سَعيد، ومسلم أيضًا والبخاري عن ابن أبي ذيب (عن سعيد عن أبيه. واستدرك عليهما الدارقطني إخراجَهما عن ابن أبي ذئبٍ) (١٥٨)، وعلى مسلم حديثَ الليث بن سَعْد واحتج بِأن مالكا ويحيى بن أبي كثير وسهلا قالوا: عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.
стр. 671
(والصحيح عَنْ مسلم في حديثه هذا عن يحيى بن يحيى عن مالك عن سعيد عن أبي هريرة) (١٥٩) ليس فيه والد سعيد، كذلك خرّجه أبو مسعود الدمشقي، وكذلك رواه جلّ أصحاب مالك من رواة الموطأ عن مالك.
٥٢٧ - قوله ﷺ : "أعوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ" (ص ٩٧٨).
معناه شدته ومشقته. وأصله مِنَ الوعْث وهو الدَّهْس، والدَّهس: الرمل الرقيق والمشي فيه يشتد على صاحبه، فجُعل مثلا لكل ما يشق على صاحبه.
وقوله: "ومن الحور بعد الكور" (ص ٩٧٩) معناه من النقصان بعد الزيادة. وقيل معناه (١٦٠): أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد الكور، أي بعد أن كنا في الكور، أي في الجماعة. يقال: كار عمامته إذا لفّها، وحارها إذا نقضها، وقيل: يجوز أن يكون أراد بذلك: أعوذ بك أن تفسُد أمورنا وتنتقض بعد صلاحها كتنقض العِمامة بعد استقامتها على الرأس. ومن رواه "بعد الكون" بالنون فقال أبو عبيد: سُئل عاصم عن معناه فقال: ألم تسمع قولهم: حار بعد ما كان، يقول: إنه كان على حالة جَميلة فحار عن ذلك، أي رجع. وقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ (١٦١)، أي لَنْ (١٦٢) يَرْجِع. والحَوْر الرُّجوع.
٥٢٨ - وقوله: "إذَا أوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أوْ فَدْفَدٍ" (ص ٩٨٠).
الفدفد: الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع، وجمعه: فدافد.
٥٢٩ - قوله: "كَانَ حُمَيْد بن عبد الرحمن يَقُولُ: يَوْم النحر يوم الحج الأكبر" (ص ٩٨٢).
стр. 672
قال الشيخ: هذا مذهب مالك. وذهب الشافعي إلى أنه يوم عرفة. وحجتنا أن يوم النحر هو الذي يجتمع فيه جميع أهل الموسم من الحُمْسِ وغيرهم، وفيه كان الأذان وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (١٦٣).
٥٣٠ - قوله في حديث عائشة: "مَا مِنْ يَوْمٍ أكْثَرَ (١٦٤) مِنْ أنْ يُعْتِقَ الله فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وإنَّهُ لَيْدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ" (ص ٩٨٢).
قال الشيخ معناه: يدنو دُنُوّ كرامة وتقريب لا دنو مَسافة ومماسة.
٥٣١ - قوله ﷺ : "العُمْرة إلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَاّ الجَنَّةَ" (ص ٩٨٣).
قال الشيخ: مَعْنَى اعْتَمَرَ البيت زاره، والاعتمار الزيارة. قال الشاعر: [السريع]
يُهِلُّ بِالفَدْفَدِ رُكْبَانُهَا ... كَمَا يُهِلّ الرَّاكِبُ المُعْتَمِرْ
وقال آخر في معنى الاعتمار: والعمرة القصد. قال الشاعر: [الرجز]
لقد سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ ... مَغْزًى بَعِيدًا مِنْ بَعِيدٍ وَصَبَرْ
أراد حين قصد. والمبرور وزن مفعول من البر يحتمل أن يريد أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وَأصْلُهُ ألَاّ يتعدى بغير حرف جر إلّا أن يريد بمبرور
стр. 673
وصف المصدر فيتعدَّى حينئذ إليه إذ كل ما لا يتعدى من الأفعال فإنه يتعدى إلى المصدر.
ومعنى "ليس له جزاء إلا الجنة" أي لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه ولا بد أن يبلغ (١٦٥) به إدخالَه الجَنَّةَ.
٥٣٢ - قوله ﷺ : "لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صيدُه وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَته إلَاّ مَنْ عَرَّفَهَا" (١٦٦) (ص ٩٨٦).
قال الشيخ: اختلف الناس في قطع شجر الحرم هل فيه جزاء أم لا؟ فعند مالك لا جزاء فيه، وعند أبي حنيفة والشافعي فيه الجزاء. واحتجوا بأن بعض الصحابة حكم في دوحة ببقرة. ويحتج لمالك أن الجزاء لا يجب إلا بشرع والأصل براءة الذمة ولم يرد شرع بذلك.
وأما قوله: "لا يُنَفَّر صيده" فإن مذهب مالك أن صيد الحلال في الحرم يوجب عليه الجزاء. ولم ير ذلك داود ورأى الجزاء مختصًا بالإِحرام لا بالحرم كما اختص منع الطيب واللباس بالإِحرام لا بالحرم. وهذا غير صحيح لأن الصيد محرّم في الحرم ولو كان كاللباس والطيب لحلّ كما حلاّ. وحجة مالك عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١٦٧). ويعبر عمن حلّ بالحرم بأنه مُحْرِم كما يقال فيمن حل بنجد: منجد، وبتهامة: متهم. قال الشاعر: [الكامل]
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ... وَدَعَا فَلَمْ يُرَ مِثْلُهُ مَخْذُولاً
стр. 674
يعني ساكنا الحرم ولأن حرمة الحرم متأبدة والإِحرام مؤقت فكان المؤبد آكد. واختلف الناس أيضًا في الحلال إذا صاد صيدًا في الحلّ ثم أتى به الحَرَم فأراد ذبحه به (١٦٨)؛ فأجاز ذلك له مالك ومنعه أبو حنيفة وقال: يرسله. ولمالك عليه أنه لا يسمى صيدًا ما كان في اليد والقهر فلم يكن داخلاً في قوله: "ولا ينفّر صيده".
وكذلك اختلف مالك وأبو حنيفة فيمن صاد في الحرم هل يدخل في جزائه الصيام؟ فأثبته مالك ونفاه أبو حنيفة. ولمالك عموم الآية وفيها الصيام. ورأى أبو حنيفة أن ما يضمن ضمان إتلاف الأملاك (١٦٩) فلا معنى لدخول الصيام فيه. واستدل بأنه لو أطلقه لكان ضامنًا له حتى يعود الصيد إلى الحرم فصار الحرم كيد رجل مالك (١٧٠) يبرأ الغَاصب بإعادة الملك إليه.
وَأمَّا قوله: "لا يلتقط لقُطَته" فعند مالك أن حكم اللُّقطة في سائر البلاد حكم واحد. وعند الشافعي أن لقطة مكة بخلاف غيرها من البلاد وأنها لا تحلّ إلا لمن يعرّفها تعلقًا بهذا الحديث. ويحمل الحديث على أصلنا على المبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود إلا بعد أعوام فتدعو الضرورة لإِطالة التعريف بها بخلاف غير مكة.
وقوله: "يعضد" أي يقطع، يقال: عضد واستعضد بمعنى واحد، كما يقال: علا واستعلى. وقد تقدم ذكر المنشد.
٥٣٣ - قوله ﷺ في مَكَّةَ: "أُحِلّت لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" (ص ٩٨٨)
стр. 675
وفي حديث آخر ذكره مسلم بعد هذا: "أنه ﵇ دخلها وعلى رأسه عِمامة" (ص ٩٩٠).
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: لا يدخل (١٧١) مكة إلا بإحرام إلا لمثل إمام في جيشه للضرورة. وقائل هذا اتبع هذا الحديث على وجهه. واختلف قول مالك: هل دخول مكة بإحرام واجب أو مستحب؟ وأسقط ذلك مالك (١٧٢) عمن يكثر تردده إليها كالحطابين وأصحاب الفواكه.
٥٣٤ - قوله ﵇: "اكْتُبُوا لِأبِي شَاةٍ" (١٧٣) (ص ٩٨٨).
فيه دليل على جواز تدوين العلم والسنن وكتبه في الصحائف. ويحكى عن بعض السلف كراهية ذلك.
٥٣٥ - قوله ﷺ : "إنّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَأنَا أحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا" (ص ٩٩١).
قال الشيخ -وفقه الله-: مذهب مالك (١٧٤) أن المدينة حرم لهذه الأحاديث. وأنكره أبو حنيفة واحتجوا له بأن هذا مما يعم فلا يقبل فيه خبر الواحد، وبقوله ﵇ في حديث آخر: "ما فعل النغير يا أبَا عمير".
والجواب عن الأول: أن الحديث اشتهر عند أهل النقل وكثر واتفق على صحته، وقد يكون بيانه ﵇ بيانًا فاشيًا ولكن اكتفى الناس بنقل الآحاد فيه استغناء ببعضهم عن بعض.
стр. 676
وحديث النغير أجاب بعض أصحابنا فيه بجوابين:
أحدهما: أنه يمكن (١٧٥) أن يكون قبل تحريم المدينة.
والثاني: يمكن أن يكون أدخله من الحل ولم يصده في حرم المدينة.
قال الشيخ: وهذا الجواب الثاني لا يلزمهم عندي على أصولهم (١٧٦) وقد ذكرنا من قال: إن الحلال إذا دخل الحرم بالصيد وجب عليه إطلاقه. واختلف عندنا إذا صاد الصيد في حرم المدينة فالمشهور أن لا جزاء عليه لأن إثبات الحرمة لا يوجب إثبات الجزاء والأصل براءة الذمة. وقال ابن نافع: فيه الجزاء وقاسه على حرم مكة.
٥٣٦ - قوله ﷺ في جبل أحد: "جبل يحبّنا ونُحِبُّه" (ص ١٠١١).
قيل المراد: يُحبنا أهله فحذف المضاف وَأقام المضاف إليه مقامه، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (١٧٧) أي حب العجل. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١٧٨)، أي أهلها.
٥٣٧ - وقوله: "في حرم المدينة ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْرِ" (ص ٩٩٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: قال بعض العلماء: ذكر ثور هاهنا وهم من الراوي لأن ثورا بمكة، والصحيح "إلى أحد". وقد وقع في بعض نسخ كتاب مسلم مكان قوله "إلى ثور"، "إلى كذا" (١٧٩).
٥٣٨ - قوله: "ما بين لابتيها حرام" (ص ٩٩١).
стр. 677
قال الأصمعي: اللَاّبة الأرض ذات الحجارة السود (١٨٠)، وجمعها لابات في القليل، فإذا كثرت فهي لاب ولوب مثل قارة وقور وساحة وسوح وباحة وبُوح. قال الهروي: يقال ما بين لابتيها أجهل من فلان، أي ما بين طرفي المدينة.
٥٣٩ - وقوله ﷺ : "مَنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أوْ آوَى مُحْدِثًا" (ص ٩٩٤).
قال الشيخ: في (محدث) روايتان فتح الدال وكسرها؛ فمن فتح نسبه إلى نفس الإِحداث، ومن كسر (١٨١) نسبه إلى فاعل الحدث.
٥٤٠ - وقوله ﷺ : "لَا يَقْبَلُ الله مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلاً" (ص ٩٩٤).
قال الشيخ: اختلف في تفسير ذلك فقيل: الصرف الفريضة والعدل التطوع، وقال الحسن: الصرف النافلة والعدل الفريضة، وقال الأصمعي: الصَّرف التوبة والعدل الفدية. وروي ذلك عن النبيء ﷺ . وقال يونس: الصرف الاكتساب والعدل الفدية، وقال أبو عبيدة (١٨٢): الصرف الحيلة. وقال قوم: العدل المثل لقول الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (١٨٣) معناه أو مثل ذلك صيامًا. قال بعضهم: العَدْل والعِدْل لغتان لا فرق بينهما كالسَّلْم والسِّلْم. وقال الفراء: العَدْل ما عادل الشيء من غير جنسه (والعِدل ما عادل الشيء من جنسه) (١٨٤). يقال: عندي عَدل ثوبك، أي قيمته.
стр. 678
٥٤١ - قوله ﷺ : "ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ" (ص ٩٩٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: فيه دلالة لمن أجاز أمان المرأة ومن في معناها، وقد تقدم القول في ذلك.
٥٤٢ - قوله ﷺ : "ولا تخبط فيها (١٨٥) شجرة" (ص ١٠٠١).
الخبط بإسكان الباء مصدر خبطت، وخبط الشجر أن تضربه بعصا ليَتَحَاتَّ وَرَقُه، واسم الورق المخبوطِ خَبَطٌ بفتح الباء وهو من عَلف الإِبل، والذي يضرب به الشَّجر يسمى مِخْبَطًا بكَسر الميم، ويقال: خبط واختبط بمعنى واحد.
وفي الحديث: "لَوْ رأيت الظباء بالمدينة ما ذعرتها". الذعر: الفزع، ومنه قول زهير: [الكامل]
وَلأَنْتَ أشْجَع مِنْ أُسَامَةَ إذْ ... دُعِيتْ نَزَالِ وَلُجَّ فِي الذُّعْرِ (١٨٦)
٥٤٣ - وقوله: "إن عِيَالَنا لَخُلُوفٌ" (ص ١٠٠١).
أي لا راعي لهم ولا حامي، قال الأزهرى: يقال: الحي خُلُوف فيكون بمعنيين بمعنى المتخلفين المقيمين في الدار، ويكون بمعنى الغيب الظاعنين (قال ابن عرفة في قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ (١٨٧)
стр. 679
أي مع النساء. ويقال: الحيّ خلوف، أيْ خرج الرجال، وبقي النساء) (١٨٨).
٥٤٤ - وقوله: "قدمت المدينة وَهْيَ وَبِيئَةٌ" (ص ١٠٠٣).
أي ذات وباء، قاله ثعلب وغيره.
وفي الحديث الآخر: "فأصاب الأعرابي وعك في المدينة" (ص ١٠٠٦) أي مس حُمَّى.
٥٤٥ - وقوله: "اقْعُدِي لَكَاعِ" (ص ١٠٠٤).
(يقال امرأة لكاعِ) (١٨٩) ورجل لُكَع واللكع اللئيم، وأيضاً العبد، وأيضًا الغبي الذي لا يتجه لمنطق ولا لِغيره. أخِذ من الملاكيع وهو الذي يخرج مع السَّلَى من البطن. واللكع أيضًا الصغير، ومنه الحديث أن النبيء ﷺ طلب الحسن فقال: "أثَمَّ لكع؟ أثم لكع؟ " أي أثَمَّ الصغير؟. وسئل بلال بن جرير عن اللكع قال: هو في لغتنا الصغير، وإلى هذا ذهب الحسن إذ قال لإنسان: يا لكع، يريد يا صغير العلم. قال أهل النحو: ومما لا يقع إلا في النداء خَاصَّةً ولا يستعمل في غيره قولهم للمؤنث: يا خباث ويا لكاع. وربما استعمل في الشعر في غير النداء ضرورة، قال الحطيئة: [الوافر]
أطوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثُمَّءَاوِي ... إلَى بَيْتٍ قَعِيدَتُهُ لَكَاعِ
٥٤٦ - وقوله ﵇: "عَلَى أنقَاب المَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ" (ص ١٠٠٥).
стр. 680
قال الأخفش: أنقاب المدينة طرقها وفِجاجها.
٥٤٧ - وقوله ﷺ : "وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا" (ص ١٠٠٦).
أي يخلص ويصفو، والناصع الشيء الصافي النقي اللّون. ويعني ﵇ أنها تنفي من لا خير فيه ويَبْقَى فيها الطيبون.
وقول الأعرابي: أقِلْنِي بَيْعَتِي (ص ١٠٠٦) يريد: أقلني ما بايعتك عليه من البقاء بالمدينة.
٥٤٨ - وقول النبيء ﷺ : "لَا يَصْبِرُ عَلَى لأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا" (ص ١٠٠٤).
الِّلأوَاءُ: الجوع وشدة الكسب.
٥٤٩ - وقوله ﷺ : "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ المَدِينَةِ بأهليهم يُبِسُّونَ" (ص ١٠٠٨).
يعني يتحملون بأهليهم ويؤلبون أهل المدينة ويزينون لهم الخروج عنها إلى غيرها. يقال في زجر الدابة إذا سقتها: بِسْ بِسْ، وهو زجر السوق من كلام أهل اليمن. وفيه لغتان بسست وَأبْسست. وقول الله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (١٩٠) فصارت أرضا.
٥٥٠ - وقوله ﵇: "فمن أخْفَرَ مُسِلمًا" (ص ٩٩٩).
يعني من نقض عهده.
٥٥١ - قوله في الحديث: "كان يُؤْتَى بِأوَّلِ الثَّمَرِ" وفي آخر: " ثُمَّ يُعْطِيهِ أصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُه مِنْ الوُلْدَانِ" (ص ١٠٠٠).
стр. 681
قال الشيخ -وفقه الله-: يحتمل أن يكون أعطى ذلك الصغير لإِدْخَالِ مَسَرَّةٍ عليه وذلك في الأصغر أوجد منه في الأكبر، وقد يلوح في معناه أنه ﵇ فعله تَفَاؤُلا بنمو الثمرة وزيادتها بأن يدفعها إلى من هو في سن النماء والزيادة. ويكون هذا نحو ما تأول أهل العلم في قلب الرداء في الاستسقاء أنَّه تفاءلٌ لأن ينقلب الجدب خصبًا.
٥٥٢ - وأما قوله ﵇: "اللهم حوِّلْ حُمَّاهَا إلَى الجُحْفَةِ" (ص ١٠٠٣).
فقد قال بعض أهل العلم: إن أهل الجحفة يومئذ غير مسلمين.
٥٥٣ - وقوله ﵇: "ما بين منبري وبيتي (١٩١) روضة من رياض الجنة" (ص ١٠١٠).
يحتمل أن يكون يريد أن العمل فيه يؤدي إلى الجنة (١٩٢).
٥٥٤ - وقوله: "لِلعَوَافِي" (ص ١٠٠٩).
يعني السباع والطير والوحش، مأخوذ من عفوته أعفوه، إذا أتيته تطلب معروفه. يقال: فلان كثير الغاشية والعافية، أي يغشاه السُّؤَّال والطالبون.
٥٥٥ - وقوله في المدينة: "مَنْ أرَادَهَا بِدَهْمٍ" (١٠٠٨).
أي بغائلة وأمر عظيم.
стр. 682
٥٥٦ - قوله ﷺ : "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ". ثمَّ قال: "إلاّ الْمَسْجِدَ الحَرَامَ" (ص ١٠١٢).
(قال الشيخ: اختلف الناس في المراد بهذا الاستثناء فعندنا أن المراد إلا المسجد فإن مسجدي يفضله بدون الألْف) (١٩٣).
وهذا بناء على أن المدينة أفضل من مكة وهو مذهب مالك. ويحتج له بما قدمه مسلم قبل هذا من الأحاديث المرغبة في سكناها الدالة على فضلها. وقيل: إلا المسجد الحرام، فإنَّه أفضل من مسجدي. وهذا على أن مكة أفضل من المدينة ما سِوَى قبره ﵇.
٥٥٧ - ذكر في حديث: "أن امرأة اشتكت فنذرت: أن تصلي في مسجد بيت المقدس إن شفيت. فقالت لها ميمونة، يعني زوجة النبيء ﷺ : اجْلِسِي وصلي في مسجد الرسول" الحديث (ص ١٠١٤).
٥٥٨ - وفي حديث آخر: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَاّ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِد الحَرَام، وَالْمَسْجِد الأقصَى" (ص ١٠١٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: إنما خص ﵇ هذه المساجد لفضلها على ما سواها. فمن قال: لله علي صلاة في أحدها وهو في بلد غير بلادها فعليه إتيانُها. وإن قال: ماشيًا، فلا يلزمه المشي إلا في حرم مكة خاصة. وأما المسجدان الآخران، فالمشهور عندنا: أنه لا يلزم المشي إليهما ويأتيهما راكبًا إن شاء، وقال ابن وهب: بل يأتيهما ماشيًا كما سمى. وهنا أقْيَسُ على أصل المذهب لاتفاقهم على أن من قال: عَلَيَّ المشي إلى مكة، فعليه أن يمشي إليها، ذلك على أن المشي طاعة. وقد نبه النبيء ﷺ على ذلك بقوله: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا" فذكر كنرة الخطى إلى المساجد. وقيل أيضًا: إن كان على أميال يسيرة أتى
стр. 683
ماشيًا، والمشي ضعيف. وقد ذهب القاضي إسماعيل إلى أن من قال: عليّ المشي إلى المسجد الحرام أصلي فيه، فإنه يأتي راكبًا إن شاء ويدخل مكة مُحرِما. وأحَلَّ المساجد الثلاثة محلاً واحدًا في سقوط المشي إليْها، وإن نطق به إذا قصد الصلاة.
وإن نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة فلا يأتي إليها إذا لم يكن ببلده. قال بعض أصحاب مالك: إلا أن تكون قريبة على أميال يسيرة فيأتيها.
وإن نذر أن يأتيها ماشيًا أتى ماشيًا كما قال. ورأى أن ذلك خارج عن شد الرحال المذكور في الحديث. قال ابن حبيب مثل: أن ينذِر صلاة في مسجد بموضعه ومسجد جمعته والذي يصلي فيه. وألزم ابن عباس المدني إذا نذر الصلاة بمسجد قُبَا أن يأتيه. واحتج لهذا ابن حبيب بما ذكره مسلم بعد هذا لأنه ﵇ كان يأتيه كلّ سبت.
قال الشيخ -وفقه الله-: فإن قيل: إنّ مسجد النبيء ﷺ أفضل منه فكيف أتاه وأنتم أصَّلْتُم ألَاّ يُؤتى إلا ما كان أفضل؟ قلنا: قد ذكرنا عن بعض أصحابنا أن هذا إنما يعتبر (١٩٤) في شد الرحال وإعمال المطي، وأما ما كان على أميال يسيرة فيؤتى إليه، وإن كان المسجد الأقرب منه مثله في الفضل ومسجد قُبا قريب من المدينة. فإن قيل مع تساوي الفضل على ما قاله بعض أصحابكم على ما حكيت. والفضل هاهنا مختلف ومسجده ﵇ أفضل؟ قيل: الغرض من هذا النهي إنما وقع عن إعمال المطي وإذا لم تعمل ووجب الوفاء بالنذر مع تساوي البقاع على ما حكيناه عن بعض أصحابنا وجب، وإن اختلف الفضل على هذه الطريقة لأجل ورود الشرع بالوفاء بالنذر فهو على عمومه. وخص منه إعمال المطي وبقي ما سواه على أصله. وهذا اعتذار عما قاله ابن عباس وابن حبيب.
стр. 684
وأما إتيان النبيء ﷺ فلم يكن عن نذر فلا مانع يمنع منه لأن المتقرّب حيث اتفق له أو خفّ عليه فعل القربة.
وقد ألزم مالك المكيَّ إذا نذر الرباطَ بعَسْقلان وشبه ذلك من السواحل أن يخرج إليها وإن كان فيها إعمال المطي لغير المساجد الثلاثة، لأن المطي أعملت لمعنى وهو الرباط وذلك لا يوجد في المساجد الثلاثة. والحديث إنما ورد في إعمالها للصلاة لوجود ذلك المعنى من الصلاة فيها وزيادة عليه.
٥٥٩ - وقول المرأة في الحديث: "إن شُفِيتُ صَلَّيْتُ ببَيْتِ المَقْدَسِ وَقَوْل مَيْمُونَة لَهَا" (ص ١٠١٤).
قال الشيخ: ذهب بعض شيوخنا إلى نحو ما قالت ميمونة ﵂ ورأى أن المكيّ والمدني إذا نذرا الصلاة في بيت المقدس لا يخرجان إليه لأن مكانهما أفضل، ولو نذر المقدسي الصلاة في أحد الحرمين لأتاه لأنهما أفضل من مكانه.
وقياس قول مالك على هذه الطريقة: أن المكي إذا نذر إتيان مسجد المدينة أتاه، وإن نذر مدني إتيان مسجد مكة لم يأته لأن مسجد المدينة عنده أفضل من مسجد مكة. قال بعض شيوخنا: الأولى أن يأتي المدني مسجد مكة والمكي مسجد المدينة ليخرجا من الخلاف الذي وقع في فضل إحداهما على الأخرى.
٥٦٠ - قال الشيخ: خرّج مسلم في هذا الباب: "حدّثنا قتيبة وابن رُمح عن الليث عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن سعيد (١٩٥) عن ابن عباس أن امرأة" الحديث. هكذا في إسناده من جميع طرق هذا الكتاب "عن إبراهيم بن عبد الله". وكذلك خرّجه أبو مسعود الدمشقي عن مسلم من حديث ابن عباس "عن ميمونة" اتبع في ذلك الرواية ولم ينبه على ذلك. وإنما
стр. 685
يحفظ هذا الحديث: "عن إبراهيم بن عبد الله عن ميمونة" ليس فيه ابن عباس. قال بَعْضهم: هكذا رويناه في حديث الليث بن سعد. قال. النسائي: "روى هذا الحديث الليث عن نافع عن إبراهيم عن ميمونة" ولم يذكر ابن عباس. قال غيره: وكذلك رواه ابن جريج، وكذلك خرّجه البخاري: "عن الليث" ولم يذكر فيه ابن عباس. قال الدارقطني في كتاب العلل: قد رواه بعضهم "عن ابن عباس عن ميمونة ﵂". وليس بِثبت.
стр. 686
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨ - كتاب النكاح
٥٦١ - فيه قوله ﷺ : "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ... " الحديث (ص ١٠١٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: إنَّ المشهور (١) من قول فُقَهاء الأمصار أن النكاح مستحب على الجملة. وذهب داود إلى وجوبه. وسبب الخلاف تعارض الظواهر؛ فلداود قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) والأمر على الوجوب، وله الحديث المذكور، وله قوله ﵇ بعد هذا في حديث ذكر فيه التزويج. وقال فيه: "فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني" (ص ١٠٢٠).
ولفقهاء الأمصار عليه أن الله تعالى خيَّر في الآية بين النكاح وملك اليمين، والتَّسَرُّرُ غير واجب باتفاق، فلو كان النكاح واجبًا ما صح التخيير
стр. 687
بينه وبين ملك اليمين إذ لا يصح على مذهب أهل الأصول التخيير بين واجب وما ليس بواجب، لأن ذلك مُؤَدٍّ إلى إبطال حقيقة الواجب، وأن يكون تاركه غير آثم.
ولهم أيضًا قول الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣) ولا يقال في الواجب: أنت غير ملوم إن فعلته. وهذا نحو ما قال عروة لعائشة في السعي: "إنه لو كان واجبًا لم يقل: لا جناح عليك في فعله". وينفصلون عن حديث الباءة بأن داود إنما يوجب العقد خاصة دون الوطء (٤)، وذلك لا يحصل معه ما ذكر في الحديث من تحصين الفرج وغضّ البصر.
وقد قال بعض أصحابنا: إن قوله ﵇ في هذا الحديث: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" فيه حجة على أن النكاح ليس بواجب لأنه خيّر بينه وبين الصوم، والصوم المذكور هاهنا ليس بواجب. ونحا في هذا إلى ما ذكرنا من التخيير بين النكاح وملك اليمين، وليس هذا الأمر كذلك لأنه في الحديث رتب فقال: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" وهذا غير مستحيل أن يجمع فيه بين واجب وغير واجب. ويصح أن يقول قائل: أوجبت عليك أن تفعل كذا فإن لم تستطع فأندبك إلى كذا.
وأما الحديث الذي فيه: "فمن رَغِب عن سُنَّتِي" حمله على من أراد أن يفعل من التبتُّلِ وتحريم المحللات عن نفسه ما قد فسر في الحديث.
قال الشيخ -وفقه الله-: والذي يطلق من مذهب مالك أن النكاح مندوب إليه. وقد يختلف حكمه بحسب اختلاف الأحوال؛ فيجب تارة عندنا في حق من لا ينكف عن الزنا، لأنه قد وقع لبعض أصحابنا إيجابه
стр. 688
على صفة. ومحمله أنه على مثل من هو على هذه الحالة. ويكون مندوبًا إليه في حق من يكون مشتهيًا له ولا يخشى على نفسه الوقوع في المحرم ولا ينقطع به عن أفعال الخير ويكون مكروهًا لمن لا يشتهيه وينقطع به عن عبادته وقرباته. وقد يختلف فيمن لا يشتهيه ولا ينقطع به عن فعل الخير فيقال: يندب إليه للظواهر الواردة في الشرع بالترغيب فيه. وقد يقال: يكون في حقه مباحًا.
وقوله: "من اسْتَطَاع البَاءَةَ"
أصل الباءة في اللغة: المنزل، ثم قيل لعقد النكاح باءة لأن من تزوج امرأة بوأها منزلاً. والباءة هاهنا التزويج، وفيه أربع لغات: الباءة بالمد والهاء، والباء بالمد وحذف الهاء، والباهة بهاءين دون مد، والباهُ بِهَاء واحدة دون مُد. وقد يسمى الجماع نفسه باءة.
وليس المرادُ بالذي وقع في الحديث على ظاهره الجماع لأنه قال: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" ولو كان غير مستطيع للجماع لم يكن له حاجة إلى الصوم.
وقوله: "فإنه له وجاء" قال ابن ولاد وغيره: الوجاء بكسر الواو وممدود (٥) قال أبو عبيد: أراد أن الصوم يقطع النكاح، ويقال: للفحل إذا رضت انثياه قد وجيء وجَاءة. قال غيره: الوجاء أن توجأ العروق والخصيتان باقيتان بحالهما. والخصاء شق الخصيتين واستئصالهما. والجب أن تحمى الشفرة ثم تستأصل بِهَا الخصيتان.
وقوله: "فَعَلَيْهِ بِالصَّوْم".
стр. 689
فيه إغراء بالغائب. ومن أصول النحاة أن لا يغرى بغائب، وقد جاء شاذًا قول بعضهم: عَلَيْهِ رَجُلاً لَيْسَنِي، على جهة الإِغراء.
٥٦٢ - قوله في الحديث الآخر: "رُدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التّبَتُّلَ" (ص ١٠٢٠).
التبتل هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح، ثم استعير منه الانقطاع إلى الله سبحانه ومنه الحديث: "لَا رهبانية في الإِسلام ولا تَبَتُّل". قال الليث: البتول كل امرأة منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم. وقال أحمد ابن يحيى: سميت فاطمة البتول لانقطاعها عن نساء زمانها وعن نساء الأمَّة دِينا وفضلاً وحَسَبا ﵂.
٥٦٣ - قوله: "فأتى امرأة وهي تَمْعَسُ مَنِيئَةً" (ص ١٠٢١).
أي تدبغ، وأصل المعس الدَّلك. يقال: معسه يمعسه معسا. والمنيئة الجلد أول ما يدبغ. قال الكسائي: يسمّى ما دام في الدباغ. قال أبو عبيد: اسمه أول ما يدبغ مَنيئة على وزن فعيلة، ثم هو أفِيق وجمعه أُفق، ثم يكون أدِيما.
٥٦٤ - قوله: "قلنا ألا نستخصي فَنَهانا رسول الله ﷺ عن ذلك ثم رخَّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجَلٍ" (ص ١٠٢٢).
قال الشيخ: ثبت أنَّ نكاح المتعة كان جائزًا في أول الإِسلام ثم ثبت أنه فسخ بما ذكر من الأحاديث في هذا الكتاب وفي غيره وتقرر الإِجماع على منعه ولم يخالف فيه إلا طائفة من المبتدعة، وتعلقوا بالأحاديث الواردة في ذلك وقد ذكرنا أنها منسوخة بالحديث الذي فيه: "نهى عمر ﵁ عن المُتْعَتَيْن ... " الحديث (ص ١٠٢٣). ومحل ذلك على أن من خاطبه عمر قد خفي عنه النسخ، وأن عمر نهى عن ذلك تأكيدًا وإعلانًا بنسخه.
стр. 690
وقد يتعلق بقوله سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية (٦).
ومحمل ذلك عندنا على النكاح الجائز المؤبّد قالوا: وقراءة ابن مسعود هذه الآية: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل﴾، وقراءة ابن مسعود هذه ليست عندنا بحجة لأنها من طريق الآحاد والقرآن لا يثبت بخبر الواحد.
ولا يلزم العمل بخبر الواحد في مثل هذا المنقول على أنه قرآن على الصحيح من القول في ذلك. وذهب زُفَر إلى أن من نكح نكاحَ متعة فإن النكاح يتأبَّدُ.
قال الشيخ: وما أراه ذهب في هذا (٧) إلا إلى أن ذلك من باب الشروط الفاسدة إذا قارنت النكاح فإنها تبطل ويمضي النكاح فكان حكم الشرع التأبيد (٨) في النكاح. واشتراط هذا التأجيل فيه خلاف حكم الشرع فبطل ذلك الشرط ومضى النكاح على حكم الشرع.
وِاختلفت الرواية في كتاب مسلم في النهي عن المتعة. ففيه: "أنه ﷺ نَهَى عن ذلك يوم فتح مكة" (ص ١٠٢٤). وفيه: "أنه نهى عن ذلك يوم خيبر" (٩) (ص ١٠٢٧) فإن تعلق بهذا من أجاز المتعة وزعم أن هذا الاختلاف يقدحُ في الأحاديث الناسخة لأنه يراه تناقضا، قلنا: هذا خطأ وليس بتناقض لأنه يصح أن ينهى عن ذلك في زمان ثم ينهى عنه في زمان آخر تأكيدًا وإشهارًا فيسمع بعض الرواة نهيه في زمان ويسمع آخرون نهيه عن ذلك في زمان آخر، فينقل كل فريق منهم ما سمعه ولا يكون في ذلك تكاذب ولا تناقض.
٥٦٥ - قال الشيخ -وفقه الله-: خرّج مسلم في باب متعة النساء: "نا ابن بَشّار قال نا محمَّد بن جعْفَر نا شُعْبَةُ عن عمرو بن دينار قال:
стр. 691
سَمِعْتُ الحَسَنَ بن مُحَمَّد يحدث عن جَابِر بن عبد الله وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالا خرج علينا ... " الحديث. ثم أردفه بقوله: "حدثني أمَيَّةُ بن بِسْطَامَ العَبْسِيّ (١٠) نا يزيد يعني ابن زريع نا روح بن القاسم عن عمرو بن دينار عن الحسن يعني ابن محمد يحدث عن جابر وسلمة لبن الأكوع بهذا" (ص ١٠٢٢).
قال بعضهم: هكذا الإِسنادان في نسخة أبي العلاء، وسقط من نسخة أبي أحمد الجلودي والكسائي من إسناد يزيد بن زريع ذكرُ الحسن بن محمد بين عمرو بن دينار وسلمة بن الأكوع وجابر، وسقوطه وهم لأن الحديث حديث الحسن بن محمد عن جابر وسلمة. وكذلك رواه شعبة عن عمرو ابن دينار قال: سمعت الحسن بن محمد يحدث عن جابر وسلمة بذلك على ما تقدم.
٥٦٦ - قوله "كَأنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاء" (ص ١٠٢٣).
العَيْطَاء: الطويلة العنق باعتدال. قال أبو عبيد في مصنفه: هي العَيْطَاء والعنقاء، والعُطبُولُ. قال غيره: هي العَنَطْنَطَة أيضًا. قال أبو عبيد: العنطنطة الطويله ولم يذكر العنق.
٥٦٧ - قوله: "هَذا خَلقٌ مَحٌّ" (ص ١٠٢٤).
المَحُّ بفتح الميم: البالي، ويقال: مَحَّ الكتاب وأمح إذا درسِ. قال ابن القُوطِية: ومَحَّ الثوب وأمَحَّ إذا بِليَ. وأنشد غيره لقيس بن ذَرِيحٍ:
стр. 692
[الطويل]
تَلوح مَغَانيِهَا بِحَجْرٍ كَأنَّهَا ... رِدَاءُ يَمَانٍ قَدْ أمَحَّ عَتَيقُ
أي قديم.
٥٦٨ - قوله: "لَجِلْفٌ جَافٍ" (ص ١٠٢٦).
قال ابن السكيت: الجلف هو الجافي. قال غيره: وجاز تكرير المعنى لاختلاف اللفظ. وقد تقدم نظير هذا. قال الهروي: أصل الجلف الشاة المسلوخة بلا رأس ولا قوائم، ويقال: لِلدَّنِّ أيضًا جلف، ويشبه الرجل الأحمق بهما لضعف عقله. والجافي الغليظ. وفي حديث عمر: "لَا تَزْهَدَنَّ فِي جَفَاء الحَقْوِ" أي في تغليظ الإِزار، وقال الهروي في تفسيره صفَته ﷺ : "ليس بالجافي ولا المَهِينِ" أي ليس بالغليظ الخلقة ولا المحتقر، ويقال: ليس هو بالذي يجفو أصحابه ويهينهم. قال غيره: والجافي في غير هذا بن صفات الأسد أيضًا، كذلك قال ابن خَالَوَيْه في كتاب الأسد قال غيره: والجفاء بين الناس: التباعد.
٥٦٩ - وقوله: "إنِّكَ لَرَجُلٌ تَائِهٌ" (ص ١٠٢٧).
هو المترفّع عن طريق الحقّ.
٥٧٠ - قوله: "نَهَي ﷺ أنْ يَجْمَعَ الرَّجلُ بَيْنَ الْمَرْأةِ وَعَمَّتِها وَبَيْنَ الْمَرْأةِ وَخَالَتِهَا" (ص ١٠٢٨ - ١٠٢٩).
قال الشيخ: الفروج تستباح في الشريعة بالنكاح وملك اليمين ما لم يمنع من ذلك مانع. والمانع على قسمين: مانع يتأبَّدُ معه التحريم، ومانع لا يتأبَّدُ، فالذي يتأبد تحريمه على تفصيل نذكره وهو خمسة أقسام:
أحدها يرجع التحريم فيه إلى العين كالأُم والأُخت وشبههمَا، ولا خلاف في تأبيد تحريم ذلك، وباقيها يرجع التحريم فيها لعلة طرأت كالرضاع
стр. 693
المْشَبّه بالنسب، ولا خلاف في التأبيد به أيضًا (١١)، والصهر، ونكاح الملاعنة لمن لاعنها، والمتزوجة في العدة.
فأما الصهر فهو أربعة أقسام: تزويج الرجل امرأة ابنه، والابن امرأة أبيه فهذان القسمان يَحْرُمَان جميعًا بالعقد.
والقسم الثالث: تزويج الربيبة فإنها لا تحرم بالعقد ولا خلاف في ذلك.
والرابع: أم الزوجة، فمذهب الفقهاء وجمهور الصحابة أنها تَحْرُم بالعقد على البنت. وذكر عن علي ومجاهد أنها لا تحرم إلا بالدخول على البنت.
وسبب الخلاف في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (١٢). هل هذا النعت والتقييد راجع إلى النساء المذكورات آخرا أم عائد على المذكورات أولا وآخرا؟
والأرجح ما ذهب إليه الجمهور لوجوه:
منها: أن الاستثناءات والشروط عند جماعة من أهل الأصول تعود إلى أقرب المذكورات إليها وكذلك أصل النحاة أيضًا، ولأن العامل إذا اختلف لا يصح الجمع معه بين المنعوتات في نعت واحد وإن اتفق إعرابها، وهذا من ذلك لأن النساء المذكورات أولاً مخفوظات بالإِضافة والمذكورات آخرا مخفوظات بحرف الجر.
وأما الملاعنة فيتأبد تحريمها عندنا على من لاعنها وخالف فيه غيرنا.
وكذلك المتزوَّجَة في العدة مختلف في تأبيد تحريمها أيضًا.
стр. 694
وأما الذي لا يتأبَّد معه التحريم ويرتفع بِارْتِفَاعِه ويعود بعودته. فمنه ما يرجع إلى العدد كنكاح الخامسة. ومنه ما يرجع إلى الجمع كالجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمتها. ومنه ما يرجع إلى غير ذلك كالمجوسية والمرتدة وذات الزوج وشبه ذلك.
فأما من يحرم الجمع بينهن من النساء بالنكاح فيعقد على وجهين:
أحدهما: أن يقال كل امرأتين بينهما نسب لو كانت إحداهما ذكرا حرمت عليه الأخرى فإنه لا يجمع بينهما، وإن شئت أسقطت ذكر بينهما. نسب وقلت بعد قوله: لو كانت إحداهما ذكرا حرمت عليه الأخرى من الطرفين جميعًا.
وفائدة هذا الاحتراز بزيادة النسب أو من الطرفين جميعًا (مسألة نكاح المرأة وربيبتها فإن الجمع بينهما جائز ولو قدر أنّ امرأة الأب رجلٌ لحلت له الأخرى لأنها أجنبية ولأن التحريم لا يدور من الطرفين) (١٣). هذا حكم النكاح وتدخل فيه عمة الأب وخالته وشبه ذلك من الأباعد لأن العقد يشتمل على ذلك.
وأما الجمع بملك اليمين بين من ذكرنا تحريم الجمع بينهما بالنكاح ففيه اختلاف؛ فقيل: لا يجمع بين الأختين بملك اليمين، وهو جل أقوال الناس (١٤) لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١٥) وقيل: ذلك بخلاف النكاح لقول الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١٦) فعمّ فصار سببُ الخلاف أيَّ العمومين أولى أن يقدم وأي الآيتين أولى أن تخص
стр. 695
بها الأخرى؟ والأصح تقديم آية النساء والتخصيص بها لأنها وردت في نفس المحرمات وتفصيلهن فكانت أولى من الآية التي وردت في مدح قوم حفظوا فروجهم إلا عما أبيح لهم، وأيضًا فإن آية ملك اليمين دخلها التخصيص بالاتفاق إذ لا يباح له بملك اليمين ذوات محارمه اللائي يصح ملكه لهن وما دخله التخصيص من العموم ضَعُفَ (١٧).
قوله ﷺ : "لَا تَسْألُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا" الحديث (ص ١٠٢٩).
فيه النهي عن أن يسعى الإنسان في مضرّه غيره وإن أداه إلى منفعة نفسه لأن المرأة قد تكون كارهة لفراق زوجها.
٥٧١ - قال الشيخ -وفقه الله- خرّج مسلم في باب لَا يَنْكِحُ المحرم: "نا يَحْيَى بن يحيى عن مالك عن نافع عن نُبَيْه بن وَهُبٍ أن عمر ابن عُبَيْد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شَيْبَة بن جُبَيْر" ثم ذكره (١٨) بعد ذلك من حديث: "حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال نا نُبَيْه بنُ وهب قال: بعثني عمر بن عبيد الله وكان يخطب بنت شَيْبَة ابن عثمان على ابنه" (ص ١٠٣٠).
هكذا جاء في حديث حماد عن أيوب شيبة بن عثمان. وقال بعضهم: وذكر أبو داود هذا الحديث وزعم أن مالكاً وهم فيه، والقول عندهم قول مالك عن نافع عن نبيه أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان: أني أردت أن أُنكِحَ طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير قال: ورواه حماد بن زيد عن أيوب فقال (١٩): ابنة شيبة بن عثمان. وكذلك قال محمد بن
стр. 696
راشد عن عثمان بن عمر (٢٠) القرشي كما قال (٢١) أيوب. قال الدارقطني: الصواب ما قاله مالك وهي ابنة شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان الحجبي، كذلك نسبها إسماعيل بن أمية عن أيوب بن موسى عن نبيه، وكذلك قال يحيى بن أبي كثير عن نافع عن نبيه، وكذلك قال إسماعيل ابن عليه عن أيوب عن نافع عن نبيه، كما قال مالك. وكذلك قال عبد الحميد عن ابن جريج عن أيوب عن نافع. وكذلك قال شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن نبيه، وكذلك قال سعيد بن أبي هلال عن نبيه بن وهب فقد أصاب مالك في قوله: بنت شيبة بن جبير، وتابعه هؤلاء الذين ذكرناهم، وإنما وهم من خالفهم والله أعلم. وذكر الزبير بن بكار قال: ابنته هذه تسمى أمه الحميد.
٥٧٢ - قال الشيخ -وفقه الله- قوله ﷺ : "لَا يَنْكِحُ المُحرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ" (٢٢) (ص ١٠٣٠).
اختلف في نكاح المحرم: هل يجوز أم لا؟ فقيل: لا يجوز. وتعلق من لا يجيزه بهذا الحديث وشبهه. وقيل: يجوز، وتعلق من يجيزه بما روى: "أن النبيء ﷺ نكح ميمونة وهو محرم" فرجح من لا يجيز ذلك مذهبه بأن النهي الذي ورد من النبيء ﷺ قول والذي ذكر من حديث ميمونة فعل، والقول مقدم على الفعل لأنه يتعدى والفعل قد يكون مقصورًا عليه ﷺ ، وقد خص في النكاح وفي غيره بخصائص، وقد روي أيضًا في حديث ميمونة من طريق آخر أنه تزوجها وهو حَلال. وهذا ما يقوي (٢٣) تقدمه القول ها هنا بلا شك لأن القول أولى بأن يقدم من فعل مختلف فيه.
стр. 697
ويصح بناء الروايتين في الفعل فيقال: الرواية من روى أنه حلال هي الأصل وتحمل الرواية الأخرى على أن قوله "نكحها وهو محرم" أي حالٌّ في الحرم لا عاقد (٢٤) الإِحرام على نفسه ﷺ ومن حلّ بالحرم ينطلق عليه اسم محرم وإن كان حلالاً، فتبنى القولتان على هذا ويخرجان عن التكاذب.
وأما قوله ﷺ : "وَلَا يُنْكَحُ " فمعناه: ولا يعقد على غيره. ووجهه أنه لما كان ممنوعًا إنكاح نفسه مدة الإِحرام كان معزولا تلك المدة عن أن يعقد لغيره، وشابه المرأة التي لا تعقد على نفسها ولا عَلَى غيرها.
٥٧٣ - قوله ﷺ : "لَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضِ وَلَا يَخْطُبْ (٢٥) بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبِةِ بَعْضٍ" (ص ١٠٣٢). وفي حديث آخر:"لَا يبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تَنَاجَشُوا" (ص ١٠٣٣).
قال الشيخ: قوله ﷺ : "لا يبع على بيع أخيه" معناه: لَا يَسُمْ على سومه. وقد صرح بذلك في حديث آخر من هذا الكتاب. وعلته (٢٦) ما يؤدي إليه من الضرر. وقد كره بعض أهل العلم بيع المزايدة في الحِلَق خوفًا من الوقوع في ذلك، وإن قلنا إنما منع من ذلك مع التراكن إلى البيع خرج بيع الحِلق من ذلك، وكذلك الخطبة على خطبة الغير محمله عند أهل العلم (٢٧) على أن المنع إذا حصل التراكن بدليل حديث فاطمة بنت قيس لما أخبرت النبيء ﷺ بأنها خطبها ثلاثة فلم ينكر دخول بعضهم على بعض في الخطبة، وقوله لها: "أما أبو جَهْم فَلَا يَضَعُ عَصَاه عن عَاتِقِهِ".
ومعناه: أنه كثير الأسفار، وقد يعبر عن ترك السفر وعن الإِقامة بالمكان واجتماع الأمر فيه بإلقاء العَصَا.
стр. 698
قال الشاعر: [الطويل]
فَألْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى ... كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإِيابِ المُسَافِرُ
وذهب بعضهم إلى أن المعنى لا يرفع عصاه عن عَاتِقِهِ، يعني به الأدب ولم يرد به الضرب بالعصا، وعلى ذلك قول الشاعر: [السريع]
تركتُ أهلَ الصّبا وشأنهُمُ ... فلم تَعُدْ لِي العصا ولم أَعُدِ
معناه (٢٨): لم ترفع عليَّ عصا اللوم والعذل لأني عدلت عن اللهو والصبا. وقيل: إن المراد به إنّه كثير الضرب، وفي هذا حجة على جواز الضرب اليسير للزوجة لأن ظاهره إنكار الإِكثار من الضرب.
وأما قوله ﷺ : "لَا يبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ" فإن مالكا يمنع من ذلك. ومحمله عنده على أهل العمود ممن لا يعرف الأسعار. وأمَّا من يَقْرُب من المدينة ويعرف السعر فلا يدخل في ذلك. فإن قيل: كيف يقال هذا وهل تجوز مضرة شخص في ماله لمنفعة شخص آخر؟ قيل: إنما نظر في هذا ﷺ للأكثر على الأقل ورأى مضرة أهل البوادي في ذلك أخف لأن ما يبيعونه إنما هو غلة عندهم ولا أثمان لها عليهم وأهل الحواضر يخرجون في ذلك أثمانا تشق عليهم وإنما يباح الضرر على هذه الصفة لا مضرة مطلقة.
واختلف عندنا في الشراء للبادي هل يمنع كما يمنع البيع له؟
فقيل: هو بخلاف البيع لأنه إذا صار الثمن في يديه شابه أهل الحضر فيما يشترونه فيجوز أن يشتري له الحاضر فإن وقع البيع أو النكاح على الصفات المتقدمة التي ذكر النهي عنها ففي فسخه خلاف.
стр. 699
وأما قوله: "وَلَا تَنَاجَشُوا".
فصفة النجش عند الفقهاء: أن يزيد في السلعة ليغتر به غيره لا ليشتريها، فإن وقع ذلك وعلم أنْ الناجش من قبل البائع كان المشتري، بالخيار بين أن يمضي البيع أو يرده. وحكى القرويون (٢٩) عن مالك أن بيع النجش مفسوخ واعتلَّ بأنه مَنْهِيُّ عنه. وهكذا اعتلّ ابن الجهم لما رد على الشافعي فقال: الناجش عاص فكيف يكون من عصى الله يتم بيعه ولو صح هذا بعد (٣٠) العقد في الإِجرام والعِدةِ.
قال أبو بكر: أصل النجش مدح الشيء وإطراؤه. فمعناه لا يمدح أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيد. وقال غيره: النجش تنفير النَّاس عن الشيء إلى غيره. والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان.
٥٧٤ - قوله: "نَهَى ﷺ عن الشِّغَارِ" (ص ١٠٣٤).
قال الشيخ: أصل الشغار في اللغة الرفع، يقال: شَغَر الكلب، وإذا رفع رجله ليبول. وزعم بعضهم: أنه إِنما يقع ذلك من الكلب عند بلوغه الإِنزال والإِيلاد، فإن صح هذا كان التشبيه واقعاً متمكنا. وقال الهروي: قال بعضهم: والشَّغْر أيضًا البعد. ومنه قولهم: بلد شاغر، إذا كان بعيدًا من النَّاصر (٣١) والسلطان وهو (٣٢) قول الفراء. وقال أبو زيد: ويقال: اشتغر الأمر به، أي اتسع وعظم، قال غيره: ويقال: بلدة شاغرة، أي مفتتنة لا تمتنع من غارةٍ.
стр. 700
قال الشيخ ﵀: علَّل بعض العلماء النهي عن نكاح الشغار بأنه يصير المعقود به معقودًا عليه لأن الفرجين كل واحد منهما معقود به ومعقود عليه. على هذه الطريقة يكون فساده يرجع إلى عقده ويفسخ على هذا بعد الدخول وقبله. وزَعَم بعضهم أن ذلك راجع لفساد الصداق ولأنه كمن تزوج بغير صداق وعلى هَذا يمضي بالدخول (على إحدى الطريقتين عندنا في هذا الأصل. وقد روى علي بن زياد في كتاب خيرٌ من زنته عن مالك أنه يفوت بالدخول) (٣٣).
وحاول بعض شيوخنا أن يُخَرِّج من مذهبنا فيه قولاً ثالثا، وهو أنه يفوت بالعقد بناءً على أحد الأقوال عندنا فيما صداقه فاسد أنه يفوت بالعقد وأن الفسخ فيه قبل الدخول استحسان واحتياط.
٥٧٥ - قوله ﷺ : "إنَّ أحَقَّ الشُّروُطِ أنْ يُوَفَّى به مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ" (ص ١٠٣٥).
قال الشيخ ﵀: اختلف الناس: فيمن تزوج امرأة بشرط أن لا يخرجها من بلدها وما أشبه ذلك من الشروط، فقال بعض العلماء: إن ذلك يلزم للحديث المتقدم فإن علق هذا الشرط بطلاق أو عتاق لزم ذلك عند مالك، ولا يلزم عنده (٣٤) إذا لم يعلق ذلك بطلاق أو عتاق بل أوقعه شرطًا مجردًا لقوله ﷺ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطلٌ.
٥٧٦ - قوله ﷺ : "الأَيِّمُ أحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإذْنُهَا صُماتُها". وفي طريق آخر: "الثَّيِّب أحَقُّ مِنْ وَلِيِّهَا بنَفْسِهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإذْنُهَا سُكُوتُهَا". وفي بَعْضِ طُرُقِهِ: "وَالْبِكْرُ يَسْتَأذِنُهَا أبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَإذْنُهَا صُمَاتُهَا" (ص ١٠٣٧)
стр. 701
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في افتقار النكاح إلى وليّ، فأوجبه مالك على الإِطلاق، وأوجبه داود في البكر خاصة، وأسْقَطه أبو حنيفة في الثيبات وفي الأبكار البوالغ الجائزات الأُمور، واعتبر أبو ثور إذْنَ الوليّ خاصة؛ فَلِمَالك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣٥) فخاطب الأولياء، ولو لم يكن لهم في ذلك حق لما خاطبهم بذلك.
وقوله ﷺ : "لَا نِكَاحَ إلَاّ بِوَلِيٍّ". وقد قال بعض أهل العلم: إن لفظ النفي للذات الواقعة إذا ورد في الشرع فإنه وإن حمل على نفي الكمال أو تردد بينه وبين الجواز على ما سبق القول فيه قبل هذا فإن ذلك إنما يكون في العبادات التي لها موقعان موقع إجزاء وموقع كمال؛ وأما النكاح والمعاملات فليس لها إلا موقع واحد، وهو نفي الصحة.
وأمَّا داود فله قوله ﷺ : "الثيّب أحقّ بنفسها" الحديث المتقدم. ففرق فيه بين البكر والثيب فلو كانا يستويان في افتقارهما إلى الولاية لم يكن للتفرقة معنى. وقد نص في الثيب "أنها أحق بنفسها من وليها" وفي البكر أنها تُستأمر. وهذا نص ما ذهب إليه من التفرقة.
وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن المراد أنها أحق بنفسها في تعيين الأزواج لا في تولي العَقد كما قال داود: إنها أحق بهما جميعًا. قال أصحابنا: والدليل لما قلناه أن لفظة "أحق" من أبْنية المبالغة، وذلك يُشعر أن للولي حقا ما معها، وليس إلا ما قلناه من تولي العقد.
وأما أبو حنيفة فله القياس على البياعات فإنها تنعقد وإن باشرتها المرأة بنفسها. وكذلك إجارتها لنفسها وإذا ثبت أن بيعها وإجارتها لا يفتقران إلى ولاية والنكاح (٣٦) لا يخلو أن يكون بيعًا أو إجارة وأيَّ ذلك كان
стр. 702
وجب أن لا يفتقر لولاية قياسًا على ما قلناه. وتُحمل الظواهر الواردة بإثبات الولاية على الأمة والبكر الصغيرة، ويخص عمومها بهذا القياس وتخصيص العموم بالقياس مختلف فيه عند أهل الأصول.
وأما أبو ثور (٣٧) فله قوله ﷺ : "أيُّمَا امْرَأةٍ نُكِحَت بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنكاحها باطل فإن اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَان وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ".
ودليل هذا الخطاب أنها إذا نُكحت بإذن وليها فنكاحها صحيح، وأيضًا فإن الولي إنما أثبت لما يلحقه من المعرة بأن تضع نفسها في غير كُفُؤٍ (٣٨) فإذا أذن سقط حقه في ذلك فلا معنى لتولية العقد.
والولّي إذا تولّى العقد تولاه على قسمين: أحدهما يفتقر إلى إذن المنكَحة، والثاني لا يفتقر إلى ذلك.
فأما الذي يفتقر إلى ذلك فالعقد على سائر الثَّيبات إلَاّ ذاتَ الأب إذا تثيبت قبل البلوغ ففي افتقار عقد أبيها إلى استئذانها ثلاثة أقوال: عندنا إثباته على الإطلاق، وإسقاطه على الإِطلاق، وإثباته ما لم تبلغ فإذا بلغت سقط.
وأما التي تثيبتْ بعد البلوغ فلا أعلم خلافًا بين الأمة أنها لا تجبر إلا شيئاً ذكر عن الحسن أن الأب يُجبرهَا على الإطلاق. ولعله أراد التي تثيبت قبل البلوغ.
وأما الذي لا يفتقر (٣٩) إلى إذن فالسيد في أمته، والأب في ابنته البكر قبل أن تبلغ عند سائر العلماء إلا من شذَّ منهم. ورأيت بعض العلماء حكى
стр. 703
الاتفاق في ذلك. والرَّدُّ على هؤلاء الشواذ إن (٤٠) لم يثبت الاتفاق قبلهم قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ....﴾ (٤١) فأثبت من لم يحض من نسائنا فدل على صحة العقد عليها قبل البلوغ إذ غير البالغ لا يصح منها أن تعقد.
وهذا الجَبْر (٤٢) يختص بالآباء وأما غيرهم من الأولياء فلا يملكون جبر هذه البكر وإن كانت يتيمة على المشهور من المذهب عندنا وعندنا قول شاذ أن لغير الأب من الأولياء جبر البكر اليتيمة قياسًا على الأب، وأما إذا بلغت البكر فَجَبْرُ الأب إياها ثابت عندنا. وعند الشافعي استصحاباً لما اتفق عليه من ذلك أو لما ثبت بالدليل قبل البلوغ. وقال أبو حنيفة: لا يجبرها الأب إذا بلغت لما وقع ها هنا في كتاب مسلم من قوله: "يستأمرها أبوها".
ويحمل هذا عندنا على النَّدْب، وقد قال أبو داود: أوها ليس بمحفوظ في هذا الحديث، ولأن قوله: "الثيّب أحق بنفسها" دليله أن البكر لا تكون أحقَّ بنفسها، وقد جعل البكر البالغ أحق بنفسها كالثيب، وهذا ينافي دليل الخطاب الذي قلناه.
فأمَّا إذا عنست البكر في بيت أبيها، فالمذهب عندنا على قولين في جبره إياها على النكاح؛ فمن رأي أن العلة في الجبر مجردُ البكارة أثبته ها هنا لوجودها، ومن رأى أن العلة جهل البكر الصغيرة بالأُمور نفاه ها هنا لمعرفة هذه بالأمور لكبر سنها.
وإذا كانت الثيوبة مِن زنا فالمذهب أيضًا عندنا على قولين في تأثيرها في رفع الجبر؛ فمن رأى أن الثُّيُوبة بمجردها علةٌ في إسقاط الجبر أسقطه
стр. 704
ها هنا، ومن رأى أنها إنما تكون علة إذا انضاف إليها وصف آخر وهو أن تكون بنكاح أو شبهة نكاح (٤٣) لم يُسقط الجبر ها هنا.
والولاية على قسمين: عامة وخاصة؛ فالعامَّة ولاية الإسلام، والخاصة ولاية النسب أو ما حل محله كالوصي أو ما يُشَبَّهُ به كالمولَى الأعلى أو ما أقامه الشرع نائباً عنه كالسلطان، فولاية النسب أولى بالتقدمة من هذه الولايات المذكورات (٤٤) إلا أن يكون وصي من قبل الأب ففي تقدمته في البكر على أولياء النسب خلاف عندنا.
وإنما دخل الولي لينفي عن نفسه المَعَرَّة أن تضع نفسها في غير كُفُؤٍ والمشهور عندنا أن الكفاءة معتبرة بالدين دون النسب، وفي اعتبار اليسار من الزوج في المؤسرة، واعتبار الحرية الأصلية في متزوج العربية اضطراب في المذهب. وحديث فاطمة بنت قيس في تزويجها أسامة، وضاعة في تزويجها المقداد بن الأسود رد (٤٥) على ما يقول: إن النكاح يفسخ.
وقد حكى أبو حامد عن ابن الماجشون من أصحابنا أنها إذا تزوجت غير كفؤٍ فسخ النكاح وإن رَضُوا أجمعون.
ولعله يريد إذا تزوجت فاسد الدين ممن يغلب على الظن أنه يُفسد دينها فيصير ذلك حقاً لله سبحانه فيفسخ حينئذ.
ولو تزوجت بغير وليّ والزوجان يعتقدان إباحة ذلك أو يجهلان الحكم فيه لم يكن في ذلك حد، ولو كانا يعتقدان تحريم ذلك لم يكن في ذلك حد أيضاً إلا عند الصيرفي من أصحاب الشافعي فإنه رأى فيه الحد.
وطرد قوله: أن لا يكون فيه صداق ولا يلحق فيه نسب. وحجته قوله:
стр. 705
"الزانية التي تنكح نفسها". ويحتج بأن النبيذ يحدّ شاربه ولا يرفع فيه الحدَّ وجودُ الخلاف فيه. ومحمل قوله: "الزانية التي تنكح نفسها" على المبالغة عندنا في التشبيه وشدة الزجر لقوله في حديث آخر: "فيمن تزوجت بغير إذن وليها: فإن أصابها فلها مهرها"، وأما النبيذ فإنما (٤٦) لم يعتبر الخلاف فِيه لأن شاربه يحد وإن اعتقد تحليله، ولو اعتقد هذا تحليل النكاح بغير وليّ ما حُدَّ، وقد قال بعض الناس: إنما حدّ شارب النبيذ وإن اعتقد تحليله لأنها من مسائل الأصول التي لا يسوغ فيها طرق الاجتهاد المختلفة.
وهذا عندي فيه نظر وإثباتها من مسائل الأصول قد يعسر.
وقال أبو حامد: النكاح بغير وليّ له أصلان: أحدهما الزنا، والآخر النكاح الصحيح. والنكاح بغير وليّ وقع جنسه صحيحًا وإنما فسد للإِخلال ببعض شروطه، والنبيذ ليس له أصل محلَّلٌ يرد إليه ولا أصله الإِباحة فحرم للإِخلال ببعض شروطه فلهذا افترقا في الحد عندهم.
٥٧٧ - ذكر مسلم قول عائشة ﵂: "تَزَوَّجَنِي رَسُولُ الله ﷺ بِنْتَ سِتٍّ وبَنَى بِي بِنْتَ تِسْعٍ" (١٠٣٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: رأيت لابن حنبل أنه جعل التسع السنين (٤٧) حدّا للسنّ الذي تزوِّجُ فيه الأولياء البكر اليتيمة إذا رضيت لأجل حديث عائشة ﵂ هذا. وهذا لا معنى له إلاّ أن يريد أنه السن الذي تَمَيَّزُ فيه ويُعتد برضاها، أو يكون أراد أن هذا السنن قد تحيض فيه بعض الجواري.
٥٧٨ - وقوله ﷺ : "الأَيِّمُ أحَقُّ بِنَفْسِهَا" (ص ١٠٣٧).
الأيّم ها هنا هي الثيب خاصة، والأيم في غير هذا: التي مات زوجها