قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في افتقار النكاح إلى وليّ، فأوجبه مالك على الإِطلاق، وأوجبه داود في البكر خاصة، وأسْقَطه أبو حنيفة في الثيبات وفي الأبكار البوالغ الجائزات الأُمور، واعتبر أبو ثور إذْنَ الوليّ خاصة؛ فَلِمَالك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣٥) فخاطب الأولياء، ولو لم يكن لهم في ذلك حق لما خاطبهم بذلك.
وقوله ﷺ : "لَا نِكَاحَ إلَاّ بِوَلِيٍّ". وقد قال بعض أهل العلم: إن لفظ النفي للذات الواقعة إذا ورد في الشرع فإنه وإن حمل على نفي الكمال أو تردد بينه وبين الجواز على ما سبق القول فيه قبل هذا فإن ذلك إنما يكون في العبادات التي لها موقعان موقع إجزاء وموقع كمال؛ وأما النكاح والمعاملات فليس لها إلا موقع واحد، وهو نفي الصحة.
وأمَّا داود فله قوله ﷺ : "الثيّب أحقّ بنفسها" الحديث المتقدم. ففرق فيه بين البكر والثيب فلو كانا يستويان في افتقارهما إلى الولاية لم يكن للتفرقة معنى. وقد نص في الثيب "أنها أحق بنفسها من وليها" وفي البكر أنها تُستأمر. وهذا نص ما ذهب إليه من التفرقة.
وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن المراد أنها أحق بنفسها في تعيين الأزواج لا في تولي العَقد كما قال داود: إنها أحق بهما جميعًا. قال أصحابنا: والدليل لما قلناه أن لفظة "أحق" من أبْنية المبالغة، وذلك يُشعر أن للولي حقا ما معها، وليس إلا ما قلناه من تولي العقد.
وأما أبو حنيفة فله القياس على البياعات فإنها تنعقد وإن باشرتها المرأة بنفسها. وكذلك إجارتها لنفسها وإذا ثبت أن بيعها وإجارتها لا يفتقران إلى ولاية والنكاح (٣٦) لا يخلو أن يكون بيعًا أو إجارة وأيَّ ذلك كان
стр. 702
وجب أن لا يفتقر لولاية قياسًا على ما قلناه. وتُحمل الظواهر الواردة بإثبات الولاية على الأمة والبكر الصغيرة، ويخص عمومها بهذا القياس وتخصيص العموم بالقياس مختلف فيه عند أهل الأصول.
وأما أبو ثور (٣٧) فله قوله ﷺ : "أيُّمَا امْرَأةٍ نُكِحَت بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنكاحها باطل فإن اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَان وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ".
ودليل هذا الخطاب أنها إذا نُكحت بإذن وليها فنكاحها صحيح، وأيضًا فإن الولي إنما أثبت لما يلحقه من المعرة بأن تضع نفسها في غير كُفُؤٍ (٣٨) فإذا أذن سقط حقه في ذلك فلا معنى لتولية العقد.
والولّي إذا تولّى العقد تولاه على قسمين: أحدهما يفتقر إلى إذن المنكَحة، والثاني لا يفتقر إلى ذلك.
فأما الذي يفتقر إلى ذلك فالعقد على سائر الثَّيبات إلَاّ ذاتَ الأب إذا تثيبت قبل البلوغ ففي افتقار عقد أبيها إلى استئذانها ثلاثة أقوال: عندنا إثباته على الإطلاق، وإسقاطه على الإِطلاق، وإثباته ما لم تبلغ فإذا بلغت سقط.
وأما التي تثيبتْ بعد البلوغ فلا أعلم خلافًا بين الأمة أنها لا تجبر إلا شيئاً ذكر عن الحسن أن الأب يُجبرهَا على الإطلاق. ولعله أراد التي تثيبت قبل البلوغ.
وأما الذي لا يفتقر (٣٩) إلى إذن فالسيد في أمته، والأب في ابنته البكر قبل أن تبلغ عند سائر العلماء إلا من شذَّ منهم. ورأيت بعض العلماء حكى
стр. 703
الاتفاق في ذلك. والرَّدُّ على هؤلاء الشواذ إن (٤٠) لم يثبت الاتفاق قبلهم قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ....﴾ (٤١) فأثبت من لم يحض من نسائنا فدل على صحة العقد عليها قبل البلوغ إذ غير البالغ لا يصح منها أن تعقد.
وهذا الجَبْر (٤٢) يختص بالآباء وأما غيرهم من الأولياء فلا يملكون جبر هذه البكر وإن كانت يتيمة على المشهور من المذهب عندنا وعندنا قول شاذ أن لغير الأب من الأولياء جبر البكر اليتيمة قياسًا على الأب، وأما إذا بلغت البكر فَجَبْرُ الأب إياها ثابت عندنا. وعند الشافعي استصحاباً لما اتفق عليه من ذلك أو لما ثبت بالدليل قبل البلوغ. وقال أبو حنيفة: لا يجبرها الأب إذا بلغت لما وقع ها هنا في كتاب مسلم من قوله: "يستأمرها أبوها".
ويحمل هذا عندنا على النَّدْب، وقد قال أبو داود: أوها ليس بمحفوظ في هذا الحديث، ولأن قوله: "الثيّب أحق بنفسها" دليله أن البكر لا تكون أحقَّ بنفسها، وقد جعل البكر البالغ أحق بنفسها كالثيب، وهذا ينافي دليل الخطاب الذي قلناه.
فأمَّا إذا عنست البكر في بيت أبيها، فالمذهب عندنا على قولين في جبره إياها على النكاح؛ فمن رأي أن العلة في الجبر مجردُ البكارة أثبته ها هنا لوجودها، ومن رأى أن العلة جهل البكر الصغيرة بالأُمور نفاه ها هنا لمعرفة هذه بالأمور لكبر سنها.
وإذا كانت الثيوبة مِن زنا فالمذهب أيضًا عندنا على قولين في تأثيرها في رفع الجبر؛ فمن رأى أن الثُّيُوبة بمجردها علةٌ في إسقاط الجبر أسقطه
стр. 704
ها هنا، ومن رأى أنها إنما تكون علة إذا انضاف إليها وصف آخر وهو أن تكون بنكاح أو شبهة نكاح (٤٣) لم يُسقط الجبر ها هنا.
والولاية على قسمين: عامة وخاصة؛ فالعامَّة ولاية الإسلام، والخاصة ولاية النسب أو ما حل محله كالوصي أو ما يُشَبَّهُ به كالمولَى الأعلى أو ما أقامه الشرع نائباً عنه كالسلطان، فولاية النسب أولى بالتقدمة من هذه الولايات المذكورات (٤٤) إلا أن يكون وصي من قبل الأب ففي تقدمته في البكر على أولياء النسب خلاف عندنا.
وإنما دخل الولي لينفي عن نفسه المَعَرَّة أن تضع نفسها في غير كُفُؤٍ والمشهور عندنا أن الكفاءة معتبرة بالدين دون النسب، وفي اعتبار اليسار من الزوج في المؤسرة، واعتبار الحرية الأصلية في متزوج العربية اضطراب في المذهب. وحديث فاطمة بنت قيس في تزويجها أسامة، وضاعة في تزويجها المقداد بن الأسود رد (٤٥) على ما يقول: إن النكاح يفسخ.
وقد حكى أبو حامد عن ابن الماجشون من أصحابنا أنها إذا تزوجت غير كفؤٍ فسخ النكاح وإن رَضُوا أجمعون.
ولعله يريد إذا تزوجت فاسد الدين ممن يغلب على الظن أنه يُفسد دينها فيصير ذلك حقاً لله سبحانه فيفسخ حينئذ.
ولو تزوجت بغير وليّ والزوجان يعتقدان إباحة ذلك أو يجهلان الحكم فيه لم يكن في ذلك حد، ولو كانا يعتقدان تحريم ذلك لم يكن في ذلك حد أيضاً إلا عند الصيرفي من أصحاب الشافعي فإنه رأى فيه الحد.
وطرد قوله: أن لا يكون فيه صداق ولا يلحق فيه نسب. وحجته قوله:
стр. 705
"الزانية التي تنكح نفسها". ويحتج بأن النبيذ يحدّ شاربه ولا يرفع فيه الحدَّ وجودُ الخلاف فيه. ومحمل قوله: "الزانية التي تنكح نفسها" على المبالغة عندنا في التشبيه وشدة الزجر لقوله في حديث آخر: "فيمن تزوجت بغير إذن وليها: فإن أصابها فلها مهرها"، وأما النبيذ فإنما (٤٦) لم يعتبر الخلاف فِيه لأن شاربه يحد وإن اعتقد تحليله، ولو اعتقد هذا تحليل النكاح بغير وليّ ما حُدَّ، وقد قال بعض الناس: إنما حدّ شارب النبيذ وإن اعتقد تحليله لأنها من مسائل الأصول التي لا يسوغ فيها طرق الاجتهاد المختلفة.
وهذا عندي فيه نظر وإثباتها من مسائل الأصول قد يعسر.
وقال أبو حامد: النكاح بغير وليّ له أصلان: أحدهما الزنا، والآخر النكاح الصحيح. والنكاح بغير وليّ وقع جنسه صحيحًا وإنما فسد للإِخلال ببعض شروطه، والنبيذ ليس له أصل محلَّلٌ يرد إليه ولا أصله الإِباحة فحرم للإِخلال ببعض شروطه فلهذا افترقا في الحد عندهم.
٥٧٧ - ذكر مسلم قول عائشة ﵂: "تَزَوَّجَنِي رَسُولُ الله ﷺ بِنْتَ سِتٍّ وبَنَى بِي بِنْتَ تِسْعٍ" (١٠٣٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: رأيت لابن حنبل أنه جعل التسع السنين (٤٧) حدّا للسنّ الذي تزوِّجُ فيه الأولياء البكر اليتيمة إذا رضيت لأجل حديث عائشة ﵂ هذا. وهذا لا معنى له إلاّ أن يريد أنه السن الذي تَمَيَّزُ فيه ويُعتد برضاها، أو يكون أراد أن هذا السنن قد تحيض فيه بعض الجواري.
٥٧٨ - وقوله ﷺ : "الأَيِّمُ أحَقُّ بِنَفْسِهَا" (ص ١٠٣٧).
الأيّم ها هنا هي الثيب خاصة، والأيم في غير هذا: التي مات زوجها
стр. 706
أو طلقها. ومنه قوله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٤٨) والبكر التي لا زوج لها أيّم أيضًا. وكذلك الرجل الذي لا امرأة له، ويقال: تأيّمت المرأة إذا أقامت على الأُيُوم (٤٩) لا تتزوج.
وأنشد ثعلب: [الطويل]
وَقُولَا لَهَا يَا حَبَّذَا أنْتِ هَلْ بَدَا ... لَهَا أوْ أرَادَتْ بَعْدَنَا أنْ تأيَّمَا
قال أبو عبيد: يقال رجل أيّم وامرأة أيّم. وإنما قيل للمرأة أيّم لأن أكثر ما يكون ذلك في النساء فهو كالمستعار للرجَال، يقال: أيّم بَيّن الأيْمَةِ. ويقال: الغزو مَأيَمَة (٥٠)، أي يقتل الرجال فيصير نساؤهم أيَامى. وقد آمت المرأة (٥١) تئيم، وإمْتُ أنا. قال الشاعر: [الطويل]
لَقَدْ إمْتُ حَتَّى لَامَنِي كُلُّ صَاحِبٍ ... رَجَاءً لِسَلْمَى أنْ تَؤُم كَمَا إمْتُ
وفي الحديث: "كان يتعوذ من الأيْمة والعَيْمَة والغَيْمَة" فالأيمة أن تطول العزبة (٥٢). والعَيْمَة شدة الشوق إلى اللَّبن، يقال: ما له آمَ وَعَامَ، أيْ فَارقَ امْرَأتَهُ وَذَهَبَ لَبَنُه. والغَيْمَةُ شِدَّةُ العَطَشِ.
٥٧٩ - قوله ﷺ لِلْمُتَزَوِّجِ: انْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّ فِي أعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا" (ص ١٠٤٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: مَحْمَل هذا عندنا على أنه إنما ينظر عند
стр. 707
التزويج إلى ما ليس بعورة منها كالوجه واليدين لأن ذلك ليس بمحرَّم على غيره إلا إذا كانت شابة فيمنع (٥٣) الغير من ذلك خوف الفتنة لا لأجل العورة. وكَرِه لَهُ مالك أن يستغفلها. ومعناه: أن ينظر إليها على (٥٤) غفلة وغزة من حيث لا تشعر مخافة أن يطلع على عورتها.
٥٨٠ - قوله ﷺ : "كَأنَّمَا يَنْحِتُونَ الفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الجَبَلِ" (ص ١٠٤٠).
عُرْضُ الجَبَل والحائط وغيرهما: ما واجهك منه، وعُرْض الشيء أيضًا ناحيته.
٥٨١ - قوله: "في التي جاءت لِتَهَبَ نَفْسَهَا لِلنَّبِيءِ ﷺ فقال رجل: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال له النبيء ﷺ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ. ثُمَّ قَالَ: مَلَّكْتُكَهَا (٥٥) بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". وَفِي بَعْضِ طُرُقه: "قَدْ زَوَّجْتُكَ فَعَلَّمْهَا مِنَ القُرْآنِ" (ص ١٠٤٠ و١٠٤١).
قال الشيخ -وفقه الله-: قوله: "مَلَّكْتُكَهَا بما معك من القرآن" هذه باء التعويض (٥٦) كما يقال: بعتك ثوبي بدينار، ولم يرد أنه ملكه إياها بحفظه القرآن (٥٧) إكراما للقرآن لأنها تصير في معنى الموهوبة، وذلك لا يجوز إلا للنبيء ﷺ . وقال بعض الأيمة: إن فيه دلالة على أن الهبة لا تدخل في ملك الموهوب إلا بالقبول لأن الموهوبة كانت جائزة
стр. 708
للنبيء ﷺ ، وقد وهبت له نفسها فلم تصِر زوجة بذلك، قاله الشافعي.
وقال الرازي: فيه دلالة أيضًا على أن من خطب إلى رجل فقال: زوجني.
فقال الآخر: زوجتك، أن النكاح لازم وإن لم يقل له قد قبلت، بخلاف البيع.
قال الشيخ: لأن لفظ الحديث: "إن لم يكن لك بها حاجة فَزَوِّجنِيهَا".
وقال في آخره: "قد ملَّكْتُكَهَا بما معك من القرآن" ولم يقل: إنه قال: قبلت (٥٨).
وفي الحديث أيضًا دلالة على انعقاد النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج خلافًا للشافعي والمغيرة لأنه قد ذكر ها هنا "ملكتكها" (٥٩). وفي البخاري: "قد ملكتها". وفي بعض طرقه: "قد أمكَنَّاكَها". وعند أبي داود: "ما تحفظ من القرآن؟ قال: سورة البقرة والتي تليها. قال: قم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك".
وفيه أيضًا دلالة على جواز النكاح بإجارة. وعندنا في النكاح بالإِجارة قولان: الجواز والكراهة (٦٠). ومنعه أبو حنيفة في الحر وأجازه في العبد إلا أن تكون الإِجارة تعليم القرآن. وهذا الذي استثناه بالمنع هو الذي وقع في هذا الحديث إجازته ولكنه طرد أصله في أن القرآن لا يؤخذ عليه أجر.
ولم يذكر ها هنا في الحديث اشتراط معرفة الزوج لفهم المرأة وسرعة قبولها لما تتعلمه. وهذا محمله على أن أفهام النساء متقاربة مَبْلَغُها معروف أو في حكم المعروف.
стр. 709
وقوله ﷺ : "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد" (٦١).
تعلق به من أجاز النكاح بأقل من ربع دينار لأنه خرج مخرج التقليل، ومالك منعه بأقل من ربع دينار قياسًا على القطع في السرقة.
٥٨٢ - قول عَبْد الرَّحْمن بن عَوفٍ: "تزوّجت على وَزْن نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فقال ﷺ : أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" (ص ١٠٤٣).
النواة: خمسة دراهم. والأوقية: أربعون درهما. والنش: عشرون درهما.
قال الشيخ: الوليمة عندنا ليست بواجبة خلافًا لداود وأحد قولي الشافعي في إيجابها أخذا بهذا وحَمَلَهُ على الوجوب.
٥٨٣ - وقوله: "مَنْ لَمْ يُجِبِ الدّعوَة فقد عَصَى الله" (ص ١٠٥٥).
لأنه أطلق ذلك عليه في ترك الإِجابة وهي لو كانت واجبة ما دل ذلك على وجوب الوليمة، كما قيل: إن الابتداء بالسلام ليس بواجب والرد واجب، فكذلك غير بعيد أن تكون الدعوة ليست بواجبة والإِجابة واجبةٌ. وقد قال بعض البغداديين من أصحابنا لا يمتنع أن يطلق على من أخلّ بالمندوب تسميةُ عاص لأن المعصية مخالفةُ الأمر والمندوب مأمور به.
٥٨٤ - قوله: "وَعَليَّ بَشَاشَةُ العُرْسِ" (ص ١٠٤٣).
البشاشة: السرور والفرح، يقال: تبشبش فلان بفلان إذا أنَّسه (٦٢). وأصله من البشاشة والبش فرح الصديق بالصديق. قال الليث: بَشِشْت بالرجل، إذا أقْبلت عليه وتلطفت له في المسألة.
стр. 710
٥٨٥ - قوله: "محمد والخميس" (ص ١٠٤٣).
قال الأزهري (٦٣): الخميس: الجيش، سمي خميسًا لأنه مقسوم على خمسة: المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب، وقال: غيره سُمِّي الجيش خميسًا لأنهم يخمسون الغنائم.
ذكر في الحديث: "أن دحية قال للنبيء ﷺ : أعطني جارية من السبي فقال: اذهب فخذ جارية فأخذ صَفِيةَ". وقال فيه: "إن رجلاً قال له ﷺ : أعطيت دحية صفية ولا تصلح إلا لك. وإنه ﷺ قال: ادعوه بها، فلما جاء بها قال ﵇: خذ جارية من السبي غيرها". وفي بعض طرقه: "أعتَقَ صفية وجعل عتقها صداقها".
قال الشيخ -وفقه الله-: يحتمل عندي مَا جرى له مع دحية وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك برضا دحية وطيب نفسه، فيكون معاوضة جارية بجَارِية. فإن قيل: الواهب منهي عن شراء هبته فكيف عاوضه ها هنا عما وهبه؟
قلنا: لم يهبه ﷺ من مال نفسه فينهى عن الارتجاع وإنما أعطاه من مال الله على جهة النظر كما يعطى الإِمام النفل لأحد أهل الجيش نظرا فيكون ذلك خارجًا عن ارتجاع الهبة وشرائها.
والتأويل الثاني له: أن يكون إنما قصد ﷺ إعطاء جارية من حشو السبي ووخشه. فلما اطلع على أنَّ هذه (٦٤) من خياره وأن ليس من المصلحة إعطاء مثلها لمثله وقد يؤدي ذلك إلى المفسدة استرجعها لأنّها خلاف ما أعطى.
стр. 711
لكن في بعض طرق هذا الحديث قال: "وقعَتْ في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس ثم دفعها إلى أم سُلَيْم تصنعها وتُهيئُهَا وهي صفية بنت حُيَيّ". ففي هذه الرواية أنها أخذها في قسمة ولم يذكر الهبة وفيها أنه اشتراها منه، فعلى هذا يُستغنى عن الاعتذار عن ارتجاع الهبة.
وأما قوله: "وجعل عتقها صداقها" فإن الناس اختلفوا في هذا، فمنهم من أجاز ذلك لظاهر هذا الحديث. ومالك وغيره من الفقهاء يمنع ذلك وقال الشافعي: هي بالخيار إذا أعتقها فإن امتنعت من تزويجه فله عليها قيمتها.
فأما (٦٥) مالك وغيره ممن وافقه فيحمل هذا على أنه من خصائص النبيء ﷺ لأنه خص بالموهوبة. وأجيز له النكاح بغير مهر فلا يقاس غيره عليه فيما خص ﷺ به، والاعتبار عند بعض أصحابنا يمنع ذلك (٦٦) أيضًا لأنه إن قدّر أنها عقدت على نفسها النكاح قبل عتقها فذلك لا يصح إذ لا ملك لها في نفسها حينئذ. ولا يصح أيضًا عقد الإنسان نكاحه من أمته، وإن قدّر أنها عقدت بعد عتقها فلم يقع منها بعد ذلك رضى تطالب به، وإن كان يقدر قبل عتقها بشرط أن تعتق فقد عقدت الشيء قبل وجوبة والتزامها في هذا وجوب الشيء عليها قبل أن يجب لها لا يلزمها على الطريقة المعروفة عندنا.
وأما حجة الشافعي فإنه يقول: إنه عِتْق بعوض، فإذا بطل العوض في الشرع رجع في سلعته، أو في قيمتها إن لم يمكن (٦٧) الرجوع فيها.
стр. 712
وهذه لا يمكن الرجوع فيها وإن تزوجته بالقيمة الواجبة له عليها صح ذلك عنده.
٥٨٦ - قوله: "مُرُورِهِمْ" (ص ١٠٤٥).
يعني حبالَهم.
٥٨٧ - وقوله: "فَحَاسُوا حَيْسًا" (ص ١٠٤٤).
قال ابن دُرَيْد: الحيس: تمر وأقِط وسمن. قال الشيخ: وقد تقدم ذكره وقد بينه في الحديث بقوله: "إن الرجل كان يجيء بالأقط ويجيء الرجل بالتمر ويجيء الرجل بالسَّمْن فحاسوا حيسا".
٥٨٨ - وقوله: "فُحِيصَتِ الأرضُ أفَاحِيص وَجيء بالأنْطَاعِ" (ص ١٠٤٥).
يُقَالُ: فحصت عَن الشيء، إذا كشفت عنه، وفحصت التراب قلبته (٦٨) وفحص الطائر مّفْحَصًا لبيضه سَوَّاه. والأفاحيص واحدها أفحوص. والأنطاع واحدها نِطع وفيه أربع لغات: نِطْعٌ ونِطَع ونَطْعٌ ونطَعٌ (٦٩).
وقوله: "فَعَثَرَتِ الناقة العَضْبَاء" (ص ١٠٤٥).
العضباء اسم لها لا صفة. قال أبو عُبيد: أما ناقة النبيء ﷺ فإنها كانت تسمى العضباء وليس لِشيءٍ كان بأنها. قال الشيخ: وقد تقدم ذكر ذلك (٧٠).
стр. 713
وقوله: "زُهَاءَ ثِلَاثَمِائَة" (ص ١٠٥١).
أي مقدار ثلاثمائة. وزهاء ونهاء ولُهاء بمعنى واحد.
٥٨٩ - وقوله: "فإن كان صائما فَلْيُصَلِّ" (ص ١٠٥٤).
أي فَلْيَدْعُ لِأرْبَابِ الطعام بالمغفرة والبركة.
٥٩٠ - قوله ﷺ للمرأة التي بَتّ زَوْجُهَا طَلَاقَها: لَا تَرجِعِي إلى رِفَاعَةَ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتذُوقِي عُسَيْلَتَهُ" (٧١) (ص ١٠٥٥).
قال أحمد بن يحيى: هذا كناية عن حلاوة الجماع، قال أبو بكر: شبه لذة الجماع بالعسل وأنّثَ لأن العسل يذكر ويؤنث فمن أنَّثَهُ قال في تصغيره: عُسَيْلَة، ويقال: إنّما أنَّثَ على معنى النطفة.
ويقال: إنّما أنث لأنه أراد قطعة من العسل كما قالوا: ذو الثُّدَيَّةِ فَأنَّثوا على معنى قطعة من الثَّدْي.
قال الشيخ -وفقه الله-: جمهور العلماء على أن المطلقة ثلاثاً لا تحلّ بمجرد العقد حتى يدخل بها ويطأها. وانفرد ابن المسيب ولم يشترط الوَطْء (٧٢) وحمل قول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٧٣) على العَقْد دون الوطء كما حُمِل قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٧٤) على العقد. وهذا الحديث حجة عليه لأنَّا إن سلمنا أنّ
стр. 714
النكاح ينطلق على العقد حقيقة حتى يَصحّ (٧٥) دخوله في ظاهر الآية كان هذا الحديث مخصصا لها مبينًا للمراد بها فيُرجَع إليه.
وقوله ﷺ : "حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ".
تنبيه على وجود اللذة، وكنّى (٧٦) عنها بالعسل. ولعل توحيده ها هنا بقوله "عسيلة" إشارة إلى الفعلة الواحدة والوقاع الواحد لئلا يظن أنها لا تحلّ إلا بوطء متكرر. وقد قال بعض أهل العلم: إنه لو وطئها وهي نائمة لم تحلَّ بهذا الوطء لأنها لم تذق العسيلة. وقد شرط في الحديث ذوق الزوجين جميعًا لذلك.
واختلف عندنا هل تحل بالوطء الفاسد في عقد نكاح صحيح؟ فقيل: تحل لأنه يسمى نكاحًا ولوجود اللَّذَّة به المُنَبَّه عليها في الحديث، وقيل: لا تحل لأن محمل ظواهر الشرع وألفاظه على ما يصح في الشرع دون ما لا يصح.
٥٩١ - ذكر: "تأويل قَوْلِ الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٧٧) وَأنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله قَالَ: كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إذَا أتَى الرَّجُلُ الْمَرْأة مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أحْوَلَ فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وفي بعض طرقه: "إنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً (٧٨) وإن شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ" (٧٩) (ص ١٠٥٨ و١٠٥٩).
стр. 715
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في وطء النساء في أدبارهن هل ذلك حرام أم لا؟ وقد تعلق من قال بالتحليل بظاهر هذه الآية، وانفصل عنها من يحرّم بأن المراد بها ما نَزَلَتْ عليه من السبب والرد على اليهود فيما قالت، والعموم إذا خرج على سبب قصر عليه عند بعض أهل الأصول، ومن قال بتعديه وحمله على مقتضى اللفظ من التعميم كانت الآية حجة له في نفي التَّحريم، لكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع منه فيكون ذلك تخصيصًا لعموم الآية بأخبار الآحاد، وفي ذلك خلاف بين الأُصوليين.
وقال بعض الناس منتصرًا للتحريم: أجمعت الأُمة على تحريم المرأة قبل عقد النكاح، واختلفت بعد العقد هل حلّ هذا العضو أم لا؟ فيستصحب الإِجماع على التحريم حتى ينقل عنه ناقل. وعكسه الآخرون وزعموا أن النكاح في الشرع يبيح المنكوحة على الإِطلاق، فنحن مستصحبون لهذا حتى يأتي دليل يدل على استثناء بعض الأعضاءِ.
قوله: "مجبية" يعني على وجهها. قال أبو عبيد في حديث عبد الله (٨٠) وذكر القيامة فقال (٨١): "ويَجبُّون تَجْبِيَةَ رجل واحد قياما لرب العالمين" التجبية تكون في حالين: أحدهما: أن يضع يده على ركبتيه (٨٢) وهو قائم، والوجه الآخر أن ينكَبَّ على وجهه باركًا قال: وهذا الوجه هو المعروف عند الناس وقد حمله بعضهم على أنهم يَخِرُّون سجودًا، فجعل السجود هو التجبية.
وقوله: "في صِمَام واحد" يعني في جحر وَاحِدِ.
стр. 716
٥٩٢ - قوله: "أردنا أن نستمتع ونَعْزل ثمَّ سَألْنا رسول الله ﷺ عن ذلك" (ص ١٠٦١).
قال الشيخ: إنَّمَا سألوه عن ذلك لأنه قد يكون وقع في نفوسهم أن ذلك من جنس الموءودة. وفي كتاب مسلم بعد هذا: "أنّه ﵇ سُئِلَ عن العَزْل فقال ﷺ : ("ذلك الوَأدُ الخَفِيُّ") (ص ١٠٦٧)، ولأنَّه كالفِرَار مِنَ القدر وقد كرهه ابن عمر فأخبرهم ﷺ ) (٨٣) أن ذلك جائز وأن المُقَدَّر خلقه لا بد أن يكون، فالعزل عن الحرة لا يجوز إلا برضاها لحقها في الولد، والعَزْلُ عن الأمة بملك اليمين جائز من غير رضاها إذ لا حَقَّ لَهَا في وطء ولا استيلادٍ.
٥٩٣ - قول الحسن: "وَالله لَكَأنَّ هَذَا زَجْر" (ص ١٠٦٣).
أي نهي. ومعنى العَزْل أن يعزل الرجل المَاء عن رحم المرأة إذا جامعها حذرَ الحمل.
٥٩٤ - قال الشيخ: خرّج مسلم في هذا الباب: "حدثنا حجَّاجُ ابن الشَّاعِر قال نا أبو أحمد الزُّبَيْري (٨٤) قال نا سعيد بن حسان قاص أهل مكة قال: أخبرني عروة بن عياض بن عدي بن الخِيار النوفلي" (٨٥) (ص ١٠٦٥).
هكذا في الإسناد "عروة بن عياض". كذلك رواه ابن عيينة وأبو أحمد الزبيري كلاهما قال: "عن سعيد بن حسان عن عروة بن عياض" مسمى.
стр. 717
قال البخاري: عروة أخشى ألا يكون محفوظًا لأن عروة هو ابن عياض بن عمرو القاري. ورواه أبو نعيم عن سعيد بن حسان عن ابن عياض ولم يُسمِّه.
٥٩٥ - قوله:"إنّه أتى بامرأةٍ مُجحٍّ على باب فُسْطَاط فقال: لعلّه يريد أن يُلِمَّ بها. فقالوا: نَعَم. فقال ﷺ لقد هَمِمتُ أن ألعنه لعنًا يدخل (٨٦) مَعَهُ قبره كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحلّ له؟ " (ص ١٠٦٥).
قال الشيخ: المُجحّ ها هنا: الحامل التي قربت ولادتها. وإنّما غلَّظ ﷺ في هذا لما استقر في شريعته من النهي عن وطء الحامل.
وقوله: "كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ " إشارة إلى أنه قد يَنْمي الجنين بنطفة هذا الواطىء لأمِّه حَامِلاً فيصير مشاركًا فيه لأبيه وكان له بعض الولد فإذا حصلت المشاركة منع الاستخدام.
وهذا مثل قوله ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ لَا يَسْقِ مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ". وقال ابن عباس: "نَهَى ﷺ عن وطء الحبالى حتى يضَعْنَ ما في بطونهنّ". رَوَى هذا الحديث شُعبة عن يزيد (٨٧) بن خمير.
وهذا خُمَير بضم الخاء المعجمة هو خمير الرَّحَبي بفتح الراء والحاء المهملة بعدها باء منقوطة بواحدة تحتها منسوب إلى بني رحبة بطن من حمير. وهو رحبة بن زرعة بن سبا الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل.
стр. 718
٥٩٦ - قوله ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أنْهَي عَنِ الغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ فَارِسَ وَالرُّومَ يَصْنَعُون ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أوْلَادَهُمْ" (ص ١٠٦٦).
والغِيلة الاسم من الغَيْل، وهو أن يجامع الرجل امرأته وهي مُرضع. وقد أغال الرَّجل وأغْيَلَ إذا فعل ذلك. قال ابن السكيت: الغَيْل أن ترضع المرأة وهي حامل يقال منه: غالت وأغْيَلَتْ.
رَوَتْ عائشة هذا الحديث عن جُدامة بنت وهب الأسدية قال (٨٨) بعضهم: هي جُدَامَةُ بضم الجيم وبالدال المهملة، هكذا قال مالك. وقال سعيد بن أبي أيوب ويحيى بن أيوب (٨٩) بالذَّال المعجمة، والصواب ما قاله مالك. وجُدَامة في اللغة ما لم يندق من السنبل، كذلك قال أبو حاتم. وقال غيره: إذا تحاتّ البر (٩٠) فما بقي في الغربال من قصبه فهو الجدامة.
٥٩٧ - وقوله ﵇: "ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيّ" (ص ١٠٦٧).
الوأد دَفْنُ البنت (٩١) وهي حية، وجاء في الحديث:"نَهَى عن وأد البَنَاتِ". ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (٩٢) قال بعضهم: سميت مَوْءُودَةً لأنها تُثَقَّلُ بالتراب. يقال: منه وَأدَتْ المرأة ولدها وأدًا.
٥٩٨ - رَوَى مسلم بَعْد هَذَا حديثًا فيه: "حَدَّثَنِي حَيْوَةُ نا عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاس أنَّ أبَا النَّضْر حَدَّثَهُ" (ص ١٠٦٧).
стр. 719
قال بعضهم: حيوة هذا هو حيوة (بن شريح التميمي يُكَنَّى أبو زرعة. وهذا عياش بالياء المعجمة باثنتين من تحت وشين معجمة هُو ابن) (٩٣) عبّاس بالباء المعجمة بنقطة وبالسين المهملة. وهو القِتْبَاني بكسر القاف وإسْكانِ التاء منسوب إلى قِتبان بطن من رعين وعياش هذا رجلا مصري يكنّى أبا عبد الرحيم.
стр. 720
٩ - كتاب الرضاع (١).
٥٩٩ - وخَرّج مسلم بعد هذا حديثا فيه: "عَلِيُّ بْنُ هِشَامِ بْنِ البَريِد" (ص ١٠٦٨).
قال بعضهم: هو البريد بباء منقوطة بواحدة مفتوحة وبراء مهملة مكسورة يكنى أبا الحسن العايذي بذال معجمة وعين مهملة، مَوْلى لَهم وهو كوفي خزاز بخاء معجمة وزايين. روى له مسلم وحده دون البخاري.
٦٠٠ - قول عائشة ﵂: "جاء أفْلَح أخو أبي القُعَيْس (٢) يستأذن عَليَّ وكان أبُو القُعَيْس أبا عائشة من الرضاعة فقال ﷺ : ائْذني له" الحديث (ص ١٠٦٩).
وفي بعض طرقه: "قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل
стр. 721
فقال (٣): "إنّه عمّك فَلْيَلِجْ عليك". وفي بعض طرقه: "إنّه عمّك ... تَرِبَتْ يمينك". وفي بعض طرقه: "فإنه يحرُم من الرضاعة ما يَحْرم من النسَب".
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في لبن الفحل هل تقع به الحرمة؟ فأوقع به الحرمة جمهور الفقهاء. وذُكر عن ابن عمر وعايشة وغيرهما من الفقهاء أنه لا يؤثر ولا يتعلق به التحريم. وحجتهم في ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٤) ولم يذكر البنت كما ذكرها في تحريم النسب، وَلَا ذَكَر من يكون من جهة الأب كالعمة كما ذكر ذلك في النسب. ولا حجة لهم في ذلك لأنه ليس بنصّ وذكر الشىء لا يدل على سقوط الحكم عما سواه. وهذا الحديث نص فيه على إثبات الحرمة فيه لعائشة فكان أولى بأن يقَدَّمَ.
٦٠١ - قول أمّ حَبيبة للنبيء ﷺ : "أُخبرت أنّك تَخْطُبُ دُرَّةَ بنتَ أبِي سَلَمَة؟ فقال ﷺ : لو أنّها لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إنَّهَا بِنْتُ أخِي مِنَ الرَّضَاعَة أرْضَعَتْنِي وأبَاهَا (٥) ثُوَيْبَةُ" (ص ١٠٧٢).
قال الشيخ -وفقه الله-: جُمهور الفقهاء على تحريم الرَّبيبة وإن لَمْ تكن في الحجر (ويرون هذا التقييد المذكور في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ (٦) تنبيها على غالب الحال لا على أن الحكم مَقْصُورٌ عليه. وَدَاود يَرَى ذلك تقييدًا يتعلق الحكم
стр. 722
به ويحلّل الرَّبِيبة إذَا لَم تكن في الحِجر) (٧). وهكذا وقع في هذا الحديث (وذكر الحجر في هذا الحديث) (٨) يُؤَكِّدُ عنده ما قال.
٦٠٢ - قوله ﷺ : "لَا تُحرِّمُ المَصَّةُ وَالمَصَّتَان" وفي بعض طرقه: "الإمْلَاجَةُ وَالإِملَاجَتَانِ" (ص ١٠٧٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في القدر الواقع به الحرمة من الرضاع، فمذهب مالك أنه يقع بما قَلَّ أو كثر مما وصل إلى الجوف لقوله سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (والمصة توجب تسمية المرضعة أمًّا من الرضاعة. وقَدْ قالوا في الجواب عن هذا: إنما يكون ما قلتموه دليلاً لو كان صيغة اللفظ: واللاتي أرضعنكم أمهاتكم، فيثبت كونها أُمًّا بما قال من الرضاعة. قلنا: مفهوم الكلام: وأمّهاتكم اللَاّتي أرضعنكم) (٩) لأجل أنهن أرضعنكم، فيعود (١٠) هذا إلى معنى ما قالوه ويوجب تعليق الحكم بما يسمّى رضاعا.
وذهب داود إلى اعتبار ثلاث رضعات لأجل هذا الحديث. وقد نص فيه على سقوط الحرمة بالرضعة والرضعتين ويقول: لو سلمت (١١) كون القرآن ظاهرًا فيما قلتم لكان هذا مبينا له وبيان السنّة أحق أن يُتبع.
وقد وَقَع في بعض الأحاديث: "إنّما الرَّضَاع ما فتق الأمعاء" ووقع: "ما أنشز اللحم" بالراء والزاي، فبالرَّاء معناه: شدّهُ وأنماه، وأنشر الله الميت أي أحياه. وبالزاي معناه: زاد فيه وعظمه، مأخوذ من النشز،
стр. 723
وهو الارتفاع. وقرىء في السبع: ﴿إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (١٢) بالراء وبالزاي. وهذا يقوي عند داود نفي الحرمة بالمصة والمصتين إذ لا يفتقان المِعَى ولا ينشزان العظم. وهذا لم يسلمه له أصحابنا وزعموا أن لِلْمصّة الواحدة قسطا في فتق الإِمعاء ونشر العظم.
وعند الشافعي: لا تقع الحرمة بأقل من خمس رضعات. وحجته في ذلك ما رواه مسلم بعد هذا عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان فِيما أنزل من القرآن (١٣) "عشر رضعات معلومات يحرمن" ثم نسخن بـ"خمس معلومات" فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن. وقد شَذَّ بعض الناس أيضًا ورأى التحريم (١٤) لا يكون إلا بالعشر. وهذا الحديث لا حجة فيه لأنه محال على أنه قرآن. وقد ثبت أنه ليس من القرآن الثابت. ولا تحل القراءة به ولا إثباته في المصحف إذ القرآن لا يثبت يأخبار الآحاد. وهذا خبر الواحد فيسقط التعلق به.
فإن قيل: ها هنا (وجهان: أحدهما) (١٥): إثباته قرآنا، والثاني: إثبات العمل به في عدد الرضعات، فإذا امتنع إثباته قرآنا بقي الآخر وهو العمل به لا مانع يمنع منه لأن خبر الواحد يدخل في العمليات، وهذا منها.
قلنا: هذا قد أنكره حذاق أهل الأصول وإن كان قد مال إليه بعضهم. واحتج المنكرون له بأن خبر الواحد إذا توجهت عليه القوادح واستريب توقف عنه، هذا جاء آحادا بما جرت العادة أنه لا يجيء إلا تواترا فلم يوثق به كما وثق بأخبار الآحاد في غير هذا الموضع وإن زعموا أنه كان قرآنا ثم نسخ ولهذا لم يشتغل به أهل التواتر.
стр. 724
قيل: قد كفيتم مئونة الجواب إذ المنسوخ لا يعمل به، وعليه يحمل عندنا قول عائشة: "فتوفي رسول الله ﷺ (١٦) وهي فيما يُقْرأ من القرآن" تعني من القرآن المنسوخ. فلو أرادت فيما يقرأ من القرآن الثابت لاشتهر عند غيرها من الصحابة كما اشتهر سائر القرآن.
٦٠٣ - وقوله: "الإِمْلَاجَةُ وَالإِملَاجَتَانِ" (ص ١٠٧٤).
قال أبو عبيد: يعني المصة والمصتين. والمَلْجُ: المَصُّ، يقال: مَلَج الصبي أمّه يَمْلُجهَا ومَلِجَ يَمْلَجُ وأملجتِ المرأة صبيها. والإِملاجة أنْ تُمِصّه لبنها مرة واحدة.
وأما الرضاعة فقال ابن السكيت وغيره: فيها لغتان كسر الراء وفتحها،
وكذلك الرَّضاع. وقد رضع بفتح الضاد وبكسرها (١٧) لغتان، ورضُع
بضم الضَّاد، إذَا كان لَئِيمًا فهو راضع، وجمعه رضع. ومنه قَول ابن
الأكْوَعِ: [الرجز]
فاليَومُ يَوْمُ الرُّضَّعِ ........................
أي يوم هلاك اللئام.
٦٠٤ - وقوله ﷺ : "الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ" (ص ١٠٧٨).
أي أنّ الذي يسقى من الجوع اللبن هو الرضيع الذي له حُرْمة.
قال الشيخ -وفقه الله-: خرّج مسلم في هذا الباب: "حديثا عن حَبَّان عن همام" (ص ١٠٧٥).
стр. 725
وحَبَّان هذا بحَاء مهملة مفتوحة وباء منقوطة بواحدة وهو حَبّان بن هلال الباهلي البصري يُكَنَّى أبا حبيب. يروي عن همام بن يحيى وشعبة وغيرهما.
٦٠٥ - قوله في حديث سَالِم: "أرْضِعِيهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهْوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فتَبَسَّمَ (١٨) ﷺ وقَال: قَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ كَبِيرٌ" (١٩) وفي بَعْضِ طُرُقِهِ: "أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ" (٢٠) (ص ١٠٧٦).
قال الشيخ: اختلف الناس في رَضَاع الكبير، فجمهور العلماء على أنه لا يؤثر. وذهب داود إلى أنه يؤثر لأجل هذا الحديث وقد قال فيه: "أرضِعِيه ئحْرُمِي عليه". وحمله الجمهور على أن ذلك من خصائص سهلة. وقد ثبت أن أم سلمة وسائر أزواج النبيء ﷺ مَنَعْنَ أن يُدْخل عليهن بتلك الرضاعة أحد وقُلْنَ لعائشة إنه خاص في رضاعة سالم وحده. ولنا على داود قول الله سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٢١)، وتمامها بالحولين على ظاهر القرآن يمنع أن يكون حكم ما بعد الحولين كحكم الحولين. وهذا ينفي رضاعة الكبير وقد قال ﷺ في كتاب مسلم بعد هذا: "إنّما الرضاعة من المجاعة" لَمَّا وجد رجلاً عند عائشة فقالت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة. فقال: انظرن إخوتكنّ من الرضاعة فَإِنَّ الرضاعة من المجاعة".
وفي بعض الأحاديث في غير كتاب مسلم: "لَا يُحِّرمُ من الرّضاعة إلَاّ
стр. 726
ما فتق الأمعاء والثَّدي (٢٢) وكان قبل الفطام" (٢٣). وهذا ينفي رضاعة الكبير.
وعندنا في الرضاع بعد الحولين اضطراب في المذهب هل الأيام اليسيرة حكمها حكم الحولين أو الشهر؟ وقيل غير ذلك في المذهب.
وهذا كله راجع عندي إلى خلاف في الحال وهو القدْر الذي جرت العادة فيه باستغنائه بالطعام عن الرضاع، وقد قال أبو حنيفة: أقصاه ثلاثون شهرًا وليس كما قال، وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢٤) أمَدٌ تضمَّن أقلَّ الحمل وأكثر الرضاع فلا معنى لاعتباره في الرضاع وحده. وقال زفر: ثلاث سنين. والتحقيق في ذلك ما قلناه أولاً من اعتبار حال استغنائه بالرضاع عن الطعام على أصل المذهب.
وتضمّن أيضًا قوله: "إنّما الرضاع ما فتق الأمعاء" "وإنّما الرّضاع من المجاعة" الرد على داود في قوله: لا يحرّم الرضاع حتى يلتقم الثدي. ورأى أن قوله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٢٥) إنّما ينطلق على ملتقم الثدي. وقد نبه ﷺ ها هنا على اعتبار ما فتق الأمعاء. وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف صَبًّا في الحلق أو التقامًا للَّثدْي، ولعله هكذا كان رضاع سالم يَصُبُّه في حلقه دون مَسّه ببعض أعضائه ثدي امرأة أجنبية.
٦٠٦ - قول أم سلمة لعائشة ﵂: "إنّه يَدْخُلُ عَلَيْكِ الغُلَامُ الأيفع" (ص ١٠٧٧).
стр. 727
والأيفع هو الذي قد شارف الاحتلام ولم يحتلم، وجمع اليافع أيفاع، وقد أيفع الغلام فهو يافع، ويفَعَ الغلام أيضًا لغة، وغلام يافع ويَفَعَة، فمن قال: يافع ثَنَّى وجمع، ومن قال: يَفَعة كان في الاثنين والجمع بلفظ الواحد.
روى ابن شهاب بعد هذا حديثا "عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة (٢٦) عن أمه زينب". قال بعضهم: أبو عبيدة هذا لا يوقف على اسمه وهو أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى ابن قصي.
٦٠٧ - قوله في سَبْي أوطاس: "فَكَأنَّ نَاسًا من أصحاب النبيء ﷺ تحَرَّجُوا من غِشْيَانِهِنَّ مِن أجْل أزْوَاجهِنَّ من المشركين فَأنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢٧) (ص ١٠٧٩).
قال الشيخ -أيَّده الله-: السَّبْيُ عِنْدَنا في المشهور يَهدم النكاح بهذه الآية وسواء سُبِيَ الزوجان معا أو مفترقين. وقال ابن بُكَير عن مالك: إن سُبِيَا جميعًا واستُبْقِيَ الرَّجُلُ أُقِرّا على نكاحهما. ووجه المشهور من جهة الاعتبار أن بِسَبيِهَا ملكت منافعها ورقبتها فسقط ملك الزوج عن ذلك لاستحالة ملك واحد بين مالكين ها هنا. وكأنه رأى أيضًا أنها إذا جاءت بأمان ثم سبي الزوج فإن تمكينه منها عيب على سيده ولسيده أن يمنعه مما يعيبه فلهذا لم يفترق الحال في المذهب المشهور.
ورواية ابن بكير اعتل لها في كتابه بأنهما إذا سُبِيا معا فاستبقي الرجل فقد صار له علينا عهد فَلِمَوْضع هذا العهد وجب أن يكون أحَقَّ بها من المالك، هذا الذي اعتل يه ابن بكير.
стр. 728
ويحتمل عندي أن يحمل على أنهما لما أُقِرَّا لزم إقرار ما في يد الزوج من العصمة لأن إقرار الزوج إقرار لما يملك حتى ينتزع منه في ثاني حال، (وهذا الملك لا يصح انتزاعه في ثاني حال) (٢٨).
وقد اختلف الناس أيضًا في الأمة إذا بيعت وهي تحت زوج: هل يكون بيعها فسخا لنكاحها؟ فأبى من ذلك مالك وجمهور الفقهاء. وذهب بعض الصحابة إلى أن ذلك فسخ للنكاح أخذًا بعموم هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢٩) ولم يفرق بين ما ملكت أيماننا بسبي أو شراء، وهذا على عمومه عندهم.
وتحقيق القول في هذه المسألة أن هذا عموم خرج على سبب، فمن رأى قصر العموم إذا خرج على سبب لم يكن فيه حجة على جمهور الفقهاء لأنه كأنَّه (٣٠) قال: إلّا ما ملكت أيْمَانكم بالسبي، وإن قلنا: إنّ العموم إذا خرج على سبب يجب حمله على مقتضى اللفظ في التعميم اقتضى ذلك فسخ نكاح الأمة بالشراء كما يفسخ بالسبي.
لكن حدث بريرة في شراء عائشة لها ثم لم يفسخ ذلك نكاحها بل خيّرها ﵇ (لما عتقت) (٣١) في فسخ النكاح دلالة على أن البيع لا يفسخ نكاح الأمة ذات الزوج. ولكن هذا خبر واحد في تخصيص عموم القرآن فهل يخص به أم لا؟ فيه خلاف بين أهل الأصول فعلى هذا يخرج اختلاف العلماء في ذلك.
وقد قال بعض أهل العلم مفرقا بين السبي والشراء بأن السبي حدوث
стр. 729
ملك لم يكن أو كأنه لم يكن والشراء انتقال ملك إلى ملك فكأنَّ الأول أثر نقصا فأثّر في النكاح نقصا، والثاني لم يحدث ملكا لم يكن فلم يؤثر.
٦٠٨ - خرَّج مسلم هذا الحديث من طريق سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري ثم أردفه بحديث شعبة عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد فلم يذكر أبا علقمة في حديث شعبة (ص ١٠٧٩ و١٠٨٠).
قال بعضهم: هكذا في نسخة الجُلودي وابن ماهان، وكذلك خرجه أبو مسعود الدمشقي. وأما في نسخة ابن الحذاء ففيها ذكر أبي علقمة بين أبي الخليل وأبي سعيد ولا أدري ما صحته.
٦٠٩ - ذكر: "اختصام سعد بن أبي وقاص وعبد بن زَمْعَة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه. وقال عَبْد بن زَمْعَة: هذا أخي يا رسول الله وُلِدَ على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبها بيّنا بعتبة فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنتَ زمعة. قالت: فلم يَرَ سودةَ قط" (ص ١٠٨٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: يتعلق بهذا الحديث فصولٌ، منها: بماذا تكون الأمة فراشا؟ وَبِمَ تكون الحرة فراشا؟ وما الفرق بين الحرة والأمة في ذلك؟
فأمَّا الحرة فإنها تكون فراشا بالعقد، وهذا متفق عليه. وأما الأمة فإنها تكون فراشا بالوطء عندنا، فإذا جاءت بولد بعد اعتراف سيدها بوطئها وثبوت ذلك عليه ان أنكره لَحِق به الولد إلا أن ينفيه بعد دعوى الاستبراء منه.
واختلف في يمينه على ذلك على قولين، وقال أبو حنيفة: إنما تكون فراشا إذا ولدت ولدا استلحقه، فما جاءت به بعد ذلك فهو ولده إلَاّ أن ينفيه. وتعلق في ذلك بأن الأمة لو كانت فراشا بالوطء لكانت فراشا بالعقد كالحرة،
стр. 730
وبأنَّ ذلك يوجب أن يتعلق بها ما يتعلق بالحرة من الأحكام على صاحب الفراش.
وهذا الذي قاله غير صحيح لأن الحرة إنما تراد للوطء خاصة، فالعقد على نكاحها أنزل في الشرع منزلة وطئها لمّا كان هو المقصود به، والأمة تشترى لأشياء كثيرة غير الوطء فلم يجعل العقد عليها يصيّرها فراشا فإذا حصل الوطء ساوت الحرة ها هنا فكانت فراشا. وهذا هو الجواب عن السؤال الثالث الذي ذكرناه وهو التفرقة بين الحرة والأمة في الفراش. وهذا التعليل قاد بعض شيوخنا إلى أن زعم أن الشاب العَزْب إذا اشترى جارية عَلِيَّة لا تراد غالبا إلا للتسرّي وفهم أن ذلك غرضه منها وظهر من الحال أنه سَلَك بِهَا مسلك السُّريّة فإنها تكون فراشا وان لم يثبت وطؤها، ورأى أن هذه الأوصاف تُلْحِقها بالحرة وترتفع معها العلة المفرقة بين الحرة والأمة.
وتعلق بعض الشيوخ في نُصرة هذا المذهب بما وقع في كتاب العدة من المدونة في أمّ الولد إذا مات زوجها وسيّدها ولم يُدْرَ أوَّلُهُمَا مَوْتًا فإن عليها أقصَى الأجَلَيْن مع حيضة إذا كان بين الموتين أكْثَر من شهرين وخمس ليال، ورأى أنه إذا أمكن أن تحل لسيدها علَّق على ذلك الحكم المتعلق بوطئها. وانفصل بعضهم عن ذلك بأن أم الولد قد صارت كخزانة لسيدها بما تقدم من استيلادها فلهذا لم يعتبر اعترافه بالوطء بعد رجوعها إليه عن عصمة زوجها بخلاف الأمة التي لَم تَلِدْ قط.
وقد تنازع في هذا الحديث أصحاب أبي حنيفة وأصحاب مالك فقال أصحاب مالك: فإن الولد ها هنا ألحق بزمعة ولم يثبت أن هذه الأمة ولدت منه فيما قبل فدلَّ ذلك على بطلان قول أبي حنيفة: إن الولد لا يلحق إلا إذا تقدمه ولد مستلحق. وقال أصحاب أبي حنيفة: فإن هذا الحديث لا حجة لكم فيه لأنه لم يذكر أيضًا أن زمعة اعترف بوطئها وإنما ذكر أنه ﷺ ألحقه
стр. 731
بزمعة، وهذا الظاهر لم يقل به أحد منَّا ولا منكم فوجب ترك التعلق بهذا الحديث.
والجواب عن هذا أن محمله على أن زمعة علم ﷺ وطأه لها باعترافه (٣٢) عنده ﵇ أو باستفاضة ذلك عنه. وهذا التأويل يضطرنا إليه ما ذكرتموه من اتفاقنا على منع إلحاق ولدها بالميت إلا بعد سببٍ ما، ولكن اختلفنا في السبب ما هو؟ فقلنا: اعترافه بالوطء، وقلتم: استلحاق ولد قبل هذا، وولد قبل هذا معلوم أنه لم يكن، واعتراف زمعة بالوطء، لا يصح دعوى العلم بأنه لم يكن، فامتنع تأويلكم وأمكن تأويلنا فوجب حمل الحديث عليه.
ويتعلق بهذا الحديث فصل آخر وهو استلحاق الأخ لأخيه. وعندنا أن ذلك لا يصح. وعند الشافعي أنه يصح إذا لم يكن وارثٌ سِوَاهُ. ويتعلق الشافعي بظاهر هذا الحديث فإنه لم يثبت أن زمعة ادعاه ولدا ولا أنه اعترف بوطئه، فدلّ ذلك على أن المعوّل كان على استلحاق أخيه له. وهذا لا نسلمه لما قدمناه من أنه يمكن أن يكون ﷺ ثبت عنده وطء زمعة فألحق الولد لأجل ذلك. ومن ثبت وطؤه لا يفتقر عندنا إلى اعترافه، وإنما يصعب هذا على أصحاب أبي حنيفة ويعسر عليهم الانفصال عما قاله الشافعي لما قررناه من أن ولدا سابقا لم يكن، والوطء لا يعتبرونه، فلم يبق لهم إلا تسليم ما قاله الشافعي.
ولما ضاقت عليهم الحيل في هذا الحديث لما قررناه، قال بعضهم: فإن الرواية في الحديث: "هو لك عبد" وأسقط حرف النداء الذي هو (يا). قالوا: وإنما أراد ﷺ أن الولد لا يلحق بزمعة وأنه ابن أمته وعبد هو وارثه فيرث هذا الولد وأمه، وهذه الرواية التي ذكروها غير
стр. 732
صحيحة ولو صحت لرددناها إلى الرواية المشهورة وقلنا: ليس الأمر كما فهمتم وإنما يكون المراد يا عبد فحذف حرف النداء كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٣٣) فحذف حرف النداء.
ولأجل الاشتراك وقع عليهم الغلط: هل المراد عبد بمعنى قنّ أو المراد عبد اسم لهذا الرجل منادى بحذف حرف النداء؟ وكذا دعواهم (٣٤) في بعض الطرق أنّه لَمَّا أمر سودة بالاحتجاب قال: "ليس بأخ لك" رواية لا تصح وزيادة لا تثبت، فإن قيل: لو لم تكن ثابتة لما أمرها بالاحتجاب. قيل (٣٥) ذلك على جهة الاحتياط لمَّا رأى الشبه بعتبة. وقد جعله بعض أصحابنا أصلاً في الحكم للشيء بحكم واحد بين الحكمين لأنه ألحقه بزمعة، وذلك يقتضي (ألا تحتجب سودة منه وأمر سودة بالاحتجاب منه وذلك يقتضي) (٣٦) (ألا يكون ولدًا لزمعة ولا أخًا ولكنه قضى في الإِلحاق بحكم الفراش وقضى في الاحتجاب بحكم الاحتياط.
وقد عارض أصحابنا الشافعي فيما عَوّل عليه بأن سودةَ بنتُ زمعة (٣٧) فَلِم ثَبت استلحاق عبد لهذا الولد دونها والولد إنما يستلحق إذا استلحقه جميع الورثة وعبد ليس بجميع الورثة؟ وانفصلت الشافعية عن هذا بأن زمعة (٣٨) مات كافرًا وسودة مسلمة لم تَرِثْهُ فصارت كالعدم. وانحصر الأمر إلى ولده عبد فصار كأنه جميع الورثة.
وأجاب أصحابنا بأنها ابنته وإنما منعت ميراثه لاختلاف الدينين فكان
стр. 733
الواجب اعتبار رضاها هذا النسب وألَاّ يلحق عليها أخوها ما لم ترضه. وقد سلم ابن القصَّار عَنَّا (٣٩) (أنّا نقول) (٤٠): إن جميع الورثة إذا اعترفوا بإلحاق النسب لحق بالميت وإن لم يكونوا عدولا. وزعم أن ذلك مذهبنا قال: والقياس خلافه. وهذا عندي وَهْمٌ منه على المذهب وإنما هَذَا مذهب الشافعي كما قدمناه عنه. ورَأيُ الشافعي أن الورثة إذا أجمعوا حَلُّوا محل الميت، وإذا اختلفوا لم يصح أن يحلُّوا محلّ الميت مع اختلافهم. ولعل ابن القصار رأى شيئًا في المذهب تَأوَّلَ منه على المذهب هذا الذي ذكرنا عنه (٤١).
وقال بعض أصحابنا في الرد على الشافعي: لو كان جميع الورثة إذا أجمعوا على إلحاق نسب بالميت لحق به وحلّوا محل الميت للزم إذا أجمعوا على نفي حمل أمة وطئها أن ينتفي عن الميت حملها ويحلوا محل الميت في ذلك كما حلّوا محله في استلحاق النسب فيجب أن يحلّوا محلّه في نفي النسب. وهذا لا يلزمه لأن هذا العمل أحد الورثة (٤٢) ومن أصله مراعاة إجماع جميع الورثة فإجماعهم في الاستلحاق يمكن، وفي هذا النفي يستحيل فلهذا افترقا.
وقد تعلق بهذه المسألة التي نحن فيها اعتراف بعض الورثة بوارث مثل أن يعترف أحد الأخوين بأخ ثالث. وهذه مسألة اختلاف أيضًا؛ فعندنا أن المُقرّ يعطيه ما فضل في يده مما لو قسمت الفريضة (٤٣) على الجميع لاستحقه هذا المقرّ له من يد هذا المقَرّ. وقال بعض أصحابنا: بل يساويه
стр. 734
فيما في يده (٤٤). ويقدر ما أخذ سائر الورثة كأنه لم يكن وكأنّ الجائحة فيه على المقِر والمقرّ له متساوية لتساويهما في النسب. ولا معنى لتفضيل أحدهما على الآخر، وكأنه في القول المشهور الذي قدمناه رأى أن الجائحة لا يختص بها هذان الوارثان وكان المقر إنما اعترف له بالفاضل خاصّة فلا يزاد عليه.
وذهب بعض الناس إلى طريقة ثالثة وهي أن هذه الفضلة التي نالها الأولون لا يختص بها المُقَرُّ له بل يأخذ نصفها ويأخذ بقية الورثة النصف الآخر.
ووجه هذا عندي أن المقِرَّ تضمن إقراره شيئين:
أحدهما: أن الفضلة لا يستحقها في نفسه.
والثاني: أنَّ مستحقها هذا المقرّ له فيقول له بقية الورثة: أنت إذا اعترفت بأنك لا تستحقها عادت على ملك ميتنا، وإذا عادت على ملك ميتنا وجب أن يرثها ورثته ونحن ورثته ونحن نستحقها، ويقول المقرّ له: بل أنا المستحق لها لاعتراف (٤٥) من سلمتموها له أنها لي دونكم ولو لم يعترف لم يكن له طريق إليها فيصير ذلك كمال يتداعاه رجلان فيقسم بينهما نصفين.
وذهب الشافعي إلى أن المقرّ له لا يستحق شيئاً. ووجه هذا أن نسبه لم يثبت والميراث إنما يكون ثابتا بعد ثبوت النسب وهو فرع عنه، وإذا سقط الأصل سقط فرعه وما انبنى عليه.
وهذا يضارع طريقة أشهب عندنا إذا شهد له شاهد بالنسب أنه لا يأخذ المال، قال: لأن المال وإن قُضِيَ فيه بالشاهد الواحد فالنسب لا يقضى
стр. 735
فيه بالواحد، والمال فرع عن النسب وإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع. وإنما أردنا بما ذكرنا عن أشهب التنبيه على تناسب الطريقتين لا إلزامه أن يقول بمذهب واحد في المسألتين.
وفي قوله في الحديث: "إنه أمرها بالاحتجاب لشبهه بعتبة" دلالة على القضاء بالأشباه وتقوية للقول بالقافة.
٦١٠ - وقوله ﷺ : "وللعاهر الحجر" (ص ١٠٨٠).
العاهر: الزاني. فقيل: معناه أن الحَجر يُرجم به الزاني المحصن. وقيل معناه: أن الزاني له الخيبة ولا حظ له في الولد لأن العرب تجعل هذا مثلا في الخيبة كما يقال: له التراب إذا أرادوا الخيبة. والْعَهْر الزنا، ومنه الحديث: "اللَّهُمَّ أبْدِلْهُ بالعَهْر العِفَّة، وقد عهر الرجل إلى المرأة يَعْهَر إذا أتاها للفُجُور، وقد عَيْهَرت هي وتعَيْهَرت إذا زَنتْ.
قال الشيخ -وفقه الله-: قد أشبعنا الكلام على هذا الحديث ولم يَجْمع فيه أحد من المصنفين فيما علمت هذه الفُصول كَما جَمَعْنَاها ها هنا والله الموفق.
٦١١ - قوله: "إن مُجَزِّزًا نظر إلى زَيْد بْنِ حَارِثَةَ وَأْسَامَةَ بْنِ زيد فقال: إنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأقْدَامِ لَمِنْ بعض" وفي بعض طرقه: "فَسُرَّ بذلك النَّبِيء ﷺ وأعْجَبَهُ وأخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ ﵂، وَفِي بَعْض طُرُقه: "قالت عائشة: دَخَلَ عَليَّ مَسْرُورًا تَبْرُق أسَارِيرُ وَجْهِهِ" (ص ١٠٨١ و١٠٨٢).
قال الشيخ -وفقه الله-: كانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد وكان زيد أبوه أبيض من القطن. هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح أنه كان لوناهما كذلك، فلما قضى هذا القائف بإلحاق هذا النسب مع اختلاف اللون وكانت الجاهلية تُصْغِي إلى قول القافة سُرَّ
стр. 736
بذلك رسولُ الله ﷺ لكونه كَافًّا لهم عن الطعن فيه. وقد نعت زيد بغير ما نعت به (٤٦) أبو داوُدُ.
وقد اختلف الناس في القول بالقافة، فنفاه أبو حنيفة، وأثبته الشافعي، ونفاه مالك في المشهور عنه في الحرائر وأثبته في الإِماء. وقد روى الأبهري عن الرازي عن ابن وهب عن مالك أنه أثبته في الحرائر والإِماء جميعًا. والحجة في إثباته حديث مُجزِّز هذا ولم يك ﷺ لِيُسَرَّ بقول باطل.
وما تقدم أيضًا في حديث عبد بن زمعة أنه ﷺ لما رأى شبهه بعُتبة أَمَر سودة بالاحتجاب منه، ولأن الفراش إنما قضى به من جهة الظاهر ولا يقطع منه على أن الولد لصاحب الفراش فإذا فقدنا الفراش المؤدي لغلبة الظن تطلَّبْنا الظن من وجه آخر وهو الشبه.
واحتج من نفاه بأنه ﷺ لاعن في قصة العجلاني ولم يؤخر حتى تضع. ويرى الشبه قَدْ ذكر أيضًا في قصة المتلاعنين: إن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان ثم لم ينقض حكمه لما جاءت به على الصفة المكروهة ولا حَدَّهَا، فَدَلَّ ذلك على أن الشبه غير معتبر. وانفصل عن هذا بأن ها هنا فراشا يرجع إليه وهو مقدم على الشبه، فلم ينقض الحكم المبني عليه بظهور ما يخالفه مما ينحط عن درجته كما لم ينقض الحكم بالنص إذا ظهر فيما بعد أن القياس بخلافه.
وحجة التفرقة أن الحرائر لهن فراش ثابت يرجع إليه ويعوَّل في إثبات النسب عليه فلم يلتفت إلى تطلب معنى آخر سواه أخفض منه رتبة، والأمة لا فراش لها فافتقر إلى مراعاة الشبه.
وقولها: "تَبْرُقُ أسَاريرُ وَجْههِ" (ص ١٠٨١).
стр. 737
تعْني الخطوط التي في جبهته ﷺ مثل التكسر واحدها سَرَرٌ وسُرٌّ (٤٧)، والجَمْع أسْرَارٌ، والأسارير جمع الجمع، وفي صفته ﷺ : "وَرَوْنق الجَلَال يَطَّرِدُ فِي أسِرَّة جَبِينِهِ".
٦١٢ - قوله ﷺ لأُم سَلَمةَ: "لَيْس بِكِ عَلَى أهْلِكِ هَوَانٌ إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَإنْ شِئتِ ثَلَّثْتُ ثَمَّ دُرْتُ. قَالَت: ثَلَّثْ" وفي بعض طرقه: "إنْ شِئْتُ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ" وفي بعض طرقه: "إنْ شِئْتِ أنْ أسَبِّعَ لَكِ وَأْسَبِّعَ لِنِسَائِي وَإنْ سَبَّعتُ لك سبعت لنسائي" (ص ١٠٨٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: العدل بين الزوجات مأمور به قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٤٨). وقال ﷺ : "مَنْ كان له امرأتان يميل لِإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة شقه مائل". وفي الترمذي: "وشقه ساقط".
"وكان ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: اللهم قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". وعند أبي داود يعني القلب، وعندي أن ذلك هو المشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ يعني في محبة القلب وميل الطبع الغير المكتسب (٤٩).
وأما البكر إذا تزوجت أقام عندها سبعا وعند الثيب ثلاثاً لأجل هذا الحديث ولا قضاء عليه بعد ذلك لمن عنده من النساء، ولا يحاسب هذه الجديدة بهذه الأيام. وقال أبو حنيفة: فإنها تحاسب، ورَأى أن العدل والمساواة واجب في الابتداء كوجوبه في الاستدامة والاستمرار.
стр. 738
وقوله ﷺ : "للبكر سبع" يرد ما قال لأن هذه لام التمليك ومن مُلِّك الشيء لا يحاسب به ولا عليه، ولأنه لا معنى حينئذ للتفرقة بين البكر والثيب، ولا معنى أيضاً لاقتصار في العدد على الثلاث والسبع إذا كان القضاء واجبًا في جميع الأعداد. وتعلّق أبو حنيفة بالظواهر الواردة بالعدل وهي مخصوصة بهذا الحديث. وتعلق أيضًا بقوله لأم سلمة: "وَإنْ سَمَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسائي".
وهذا مما اختلف المذهب فيه عندنا، فمذهب مالك فيما ذكره ابن الموّاز عنه أنه ليس له أن يسبّع عند الثيب، ويمكن عندي أنْ يكون مالك رأى ذلك (٥٠) من خصائص النبيء ﷺ لأنه خص في النكاح بأمور لم تجزْ لأمته.
وقال ابن القصار: إذا سبّع للثيب سبّع لبقية نسائه أخذا بظاهر هذا (٥١) الحديث، ولا يدل عنده على سقوط الثلاث لها كما قال أبو حنيفة لأنه يحمل على أن الثلاث تجب لها من غير محاسبة بشرط ألَاّ تختار السبع فإن اختارت السبع والتوفر عاجلاً حوسبت. وهذا لا إحالة فيه ولا يعد في أن يجب للإِنسان الحق بشريطة على صفة ويسقط عند فقدها.
واختلف المذهب عندنا: هل ذلك حق للمرأة أو حق للزوج؟ فقيل: هو حق للمرأة بقوله: "للبكر سبع" وهذه لام التمليك. وقيل: هو حق للزوج على بقية نسائه لحاجته إلى اللذة بهذه الجديدة فجعل له في الشرع زيادة في الاستمتاع وإذا قلنا بأنه حق لها هل يُجْبَر عليه أم لا؟ اضطرب أهل المذهب فيه أيضًا.
стр. 739
٦١٣ - قوله ﷺ : "تُنْكَحُ الْمَرْأةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدينِهَا" (ص ١٠٨٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: في ظاهر هذا حجة لقولنا: إن المرأة إذا رَفَع في الصداق الزوج ليسارها ولأنها تسوق إلى بيته من الجَهاز ما جرت عادة أمثالها به (٥٢). وجاء الأمر بخلافه فإن للزوج مقالا في ذلك، ويحط من الصداق الزيادة التي زادها لأجل الجَهَاز على الأصح عندنا على أصلنا إذا كان المقصود من الجَهاز في حكم التبع لاستباحة البضع، كمن اشترى سلعتين فاستحقت الأدنى منهما فإنه إنما ينتقض البيع في قدر المستحقة خاصة.
وقوله: "لحسبها".
قال الهروي: احتاج أهل العلم إلى معرفة الحسب لأنه مما يعتبر به مهر مثل المرأة. قال شَمِر: الحسب الفعال الحسن للرجل وآبائه مأخوذ من الحِساب إذا حسبوا مناقبهم، وذلك أنهم إذا تفاخروا عدّ كلُّ واحد منهم مناقبه ومآثر آبائِه وحسَبها، فالحَسْب العدّ والمعدود حسَب كالنَّفْضِ والنَّفَضِ والخَبْطِ والخَبَطِ. وفي حديث آخر: "كَرَمُ الرّجل دِينُه وحَسَبُه خُلُقُه". وللحسب معنى آخر وهو عدد ذوي قرابته. بيان ذلك حديثه ﷺ "لمّا قدم عليه وفد هوازان يكلّمونه في سبيهم فقال لهم رسول الله ﷺ : اختاروا إما المال وإما السبي. فقالوا: أما إذ خيَّرْتَنا بين المال والحسب فإنا نختار الحسب"، واختاروا (٥٣) أبناءهم ونساءهم. وفي حديث سماك: "ما حَسَبوا ضيفهم" أي ما أكرموه. وفي حديث طلحة: "هذا ما اشترى طلحةُ من فلان فتاة بكذا درهما وبالحسب والطيب" أى بالكرامة وطيب النفس.
وحَسَبْتُ الرَّجل أجلسته على الحُسْبَانَةِ وهي الوِسَادَة الصَّغيرةُ.
стр. 740
٦١٤ - قوله ﷺ لِجَابِرٍ:"فَهَلَاّ بكْرًا تُلَاعِبُهَا" (٥٤). وفي بعض طرق هذا الحديث في كتاب مسلم: "فَأَيْنَ أنْتَ مِنَ العَذَارَى ولِعَابِهَا" (ص ١٠٨٧).
قال الشيخ: قال بعضهم: يحتمل أن يكون أراد بقوله ﵇: "تلاعبها" من اللُّعاب. ويدل عليه ما وقع في الطريق الأُخرى (٥٥) وهو قوله "ولُعَابُها". وما جاء في الحديث الآخر في الأبكار: "إنّهنّ أطيب أفواها وأنتق أرحاما"، ورواية أبي ذر في البخاري من طريق المستَمْلِي: "فَأيْن أنتَ من الأبكار" ولُعابها بالضم.
٦١٥ - قول جابر: "كُنْتُ على بعيرٍ لي قَطُوف" (ص ١٠٨٨).
القطوف: الذي يقارب الخطو في سرعة. وقال الثعالبي: إذا كان الفرس يمشي وثبا وثبا فهو قَطُوف، فإذا كان يرفع يديه ويقوم على رجليه فهو شَبُوب، فَإذا كان يلتوي براكبه حتى يسقط عنه فهو قَمُوص، فإذا كان مانعا ظهره فهو شَموس.
وقوله: "فَنَخَسَ بَعِيرِى بِعَنَزَةٍ" (ص ١٠٨٨).
قال أبو عبيد في مصنّفه: العَنزة مثل نصف الرُّمح أو أكبر شيئا، وفيها زُجّ مثل زُجّ الرمح. وقال الثعالبي: فإذا طالت شيئا فهي نَيْزَك ومِطْرد فإذا زاد طولها وفيها سنان عريض فهي آلة وحربة.
وقوله: "فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَة قال ﷺ : أمْهِلُوا حَتَّى ندْخُلَ لَيْلاً، أي عشاء حتى تمْتَشِطَ الشَّعِثةُ وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ" (ص ١٠٨٨).