بذلك رسولُ الله ﷺ لكونه كَافًّا لهم عن الطعن فيه. وقد نعت زيد بغير ما نعت به (٤٦) أبو داوُدُ.
وقد اختلف الناس في القول بالقافة، فنفاه أبو حنيفة، وأثبته الشافعي، ونفاه مالك في المشهور عنه في الحرائر وأثبته في الإِماء. وقد روى الأبهري عن الرازي عن ابن وهب عن مالك أنه أثبته في الحرائر والإِماء جميعًا. والحجة في إثباته حديث مُجزِّز هذا ولم يك ﷺ لِيُسَرَّ بقول باطل.
وما تقدم أيضًا في حديث عبد بن زمعة أنه ﷺ لما رأى شبهه بعُتبة أَمَر سودة بالاحتجاب منه، ولأن الفراش إنما قضى به من جهة الظاهر ولا يقطع منه على أن الولد لصاحب الفراش فإذا فقدنا الفراش المؤدي لغلبة الظن تطلَّبْنا الظن من وجه آخر وهو الشبه.
واحتج من نفاه بأنه ﷺ لاعن في قصة العجلاني ولم يؤخر حتى تضع. ويرى الشبه قَدْ ذكر أيضًا في قصة المتلاعنين: إن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان ثم لم ينقض حكمه لما جاءت به على الصفة المكروهة ولا حَدَّهَا، فَدَلَّ ذلك على أن الشبه غير معتبر. وانفصل عن هذا بأن ها هنا فراشا يرجع إليه وهو مقدم على الشبه، فلم ينقض الحكم المبني عليه بظهور ما يخالفه مما ينحط عن درجته كما لم ينقض الحكم بالنص إذا ظهر فيما بعد أن القياس بخلافه.
وحجة التفرقة أن الحرائر لهن فراش ثابت يرجع إليه ويعوَّل في إثبات النسب عليه فلم يلتفت إلى تطلب معنى آخر سواه أخفض منه رتبة، والأمة لا فراش لها فافتقر إلى مراعاة الشبه.
وقولها: "تَبْرُقُ أسَاريرُ وَجْههِ" (ص ١٠٨١).
стр. 737
تعْني الخطوط التي في جبهته ﷺ مثل التكسر واحدها سَرَرٌ وسُرٌّ (٤٧)، والجَمْع أسْرَارٌ، والأسارير جمع الجمع، وفي صفته ﷺ : "وَرَوْنق الجَلَال يَطَّرِدُ فِي أسِرَّة جَبِينِهِ".
٦١٢ - قوله ﷺ لأُم سَلَمةَ: "لَيْس بِكِ عَلَى أهْلِكِ هَوَانٌ إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَإنْ شِئتِ ثَلَّثْتُ ثَمَّ دُرْتُ. قَالَت: ثَلَّثْ" وفي بعض طرقه: "إنْ شِئْتُ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ" وفي بعض طرقه: "إنْ شِئْتِ أنْ أسَبِّعَ لَكِ وَأْسَبِّعَ لِنِسَائِي وَإنْ سَبَّعتُ لك سبعت لنسائي" (ص ١٠٨٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: العدل بين الزوجات مأمور به قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٤٨). وقال ﷺ : "مَنْ كان له امرأتان يميل لِإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة شقه مائل". وفي الترمذي: "وشقه ساقط".
"وكان ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: اللهم قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". وعند أبي داود يعني القلب، وعندي أن ذلك هو المشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ يعني في محبة القلب وميل الطبع الغير المكتسب (٤٩).
وأما البكر إذا تزوجت أقام عندها سبعا وعند الثيب ثلاثاً لأجل هذا الحديث ولا قضاء عليه بعد ذلك لمن عنده من النساء، ولا يحاسب هذه الجديدة بهذه الأيام. وقال أبو حنيفة: فإنها تحاسب، ورَأى أن العدل والمساواة واجب في الابتداء كوجوبه في الاستدامة والاستمرار.
стр. 738
وقوله ﷺ : "للبكر سبع" يرد ما قال لأن هذه لام التمليك ومن مُلِّك الشيء لا يحاسب به ولا عليه، ولأنه لا معنى حينئذ للتفرقة بين البكر والثيب، ولا معنى أيضاً لاقتصار في العدد على الثلاث والسبع إذا كان القضاء واجبًا في جميع الأعداد. وتعلّق أبو حنيفة بالظواهر الواردة بالعدل وهي مخصوصة بهذا الحديث. وتعلق أيضًا بقوله لأم سلمة: "وَإنْ سَمَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسائي".
وهذا مما اختلف المذهب فيه عندنا، فمذهب مالك فيما ذكره ابن الموّاز عنه أنه ليس له أن يسبّع عند الثيب، ويمكن عندي أنْ يكون مالك رأى ذلك (٥٠) من خصائص النبيء ﷺ لأنه خص في النكاح بأمور لم تجزْ لأمته.
وقال ابن القصار: إذا سبّع للثيب سبّع لبقية نسائه أخذا بظاهر هذا (٥١) الحديث، ولا يدل عنده على سقوط الثلاث لها كما قال أبو حنيفة لأنه يحمل على أن الثلاث تجب لها من غير محاسبة بشرط ألَاّ تختار السبع فإن اختارت السبع والتوفر عاجلاً حوسبت. وهذا لا إحالة فيه ولا يعد في أن يجب للإِنسان الحق بشريطة على صفة ويسقط عند فقدها.
واختلف المذهب عندنا: هل ذلك حق للمرأة أو حق للزوج؟ فقيل: هو حق للمرأة بقوله: "للبكر سبع" وهذه لام التمليك. وقيل: هو حق للزوج على بقية نسائه لحاجته إلى اللذة بهذه الجديدة فجعل له في الشرع زيادة في الاستمتاع وإذا قلنا بأنه حق لها هل يُجْبَر عليه أم لا؟ اضطرب أهل المذهب فيه أيضًا.
стр. 739
٦١٣ - قوله ﷺ : "تُنْكَحُ الْمَرْأةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدينِهَا" (ص ١٠٨٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: في ظاهر هذا حجة لقولنا: إن المرأة إذا رَفَع في الصداق الزوج ليسارها ولأنها تسوق إلى بيته من الجَهاز ما جرت عادة أمثالها به (٥٢). وجاء الأمر بخلافه فإن للزوج مقالا في ذلك، ويحط من الصداق الزيادة التي زادها لأجل الجَهَاز على الأصح عندنا على أصلنا إذا كان المقصود من الجَهاز في حكم التبع لاستباحة البضع، كمن اشترى سلعتين فاستحقت الأدنى منهما فإنه إنما ينتقض البيع في قدر المستحقة خاصة.
وقوله: "لحسبها".
قال الهروي: احتاج أهل العلم إلى معرفة الحسب لأنه مما يعتبر به مهر مثل المرأة. قال شَمِر: الحسب الفعال الحسن للرجل وآبائه مأخوذ من الحِساب إذا حسبوا مناقبهم، وذلك أنهم إذا تفاخروا عدّ كلُّ واحد منهم مناقبه ومآثر آبائِه وحسَبها، فالحَسْب العدّ والمعدود حسَب كالنَّفْضِ والنَّفَضِ والخَبْطِ والخَبَطِ. وفي حديث آخر: "كَرَمُ الرّجل دِينُه وحَسَبُه خُلُقُه". وللحسب معنى آخر وهو عدد ذوي قرابته. بيان ذلك حديثه ﷺ "لمّا قدم عليه وفد هوازان يكلّمونه في سبيهم فقال لهم رسول الله ﷺ : اختاروا إما المال وإما السبي. فقالوا: أما إذ خيَّرْتَنا بين المال والحسب فإنا نختار الحسب"، واختاروا (٥٣) أبناءهم ونساءهم. وفي حديث سماك: "ما حَسَبوا ضيفهم" أي ما أكرموه. وفي حديث طلحة: "هذا ما اشترى طلحةُ من فلان فتاة بكذا درهما وبالحسب والطيب" أى بالكرامة وطيب النفس.
وحَسَبْتُ الرَّجل أجلسته على الحُسْبَانَةِ وهي الوِسَادَة الصَّغيرةُ.
стр. 740
٦١٤ - قوله ﷺ لِجَابِرٍ:"فَهَلَاّ بكْرًا تُلَاعِبُهَا" (٥٤). وفي بعض طرق هذا الحديث في كتاب مسلم: "فَأَيْنَ أنْتَ مِنَ العَذَارَى ولِعَابِهَا" (ص ١٠٨٧).
قال الشيخ: قال بعضهم: يحتمل أن يكون أراد بقوله ﵇: "تلاعبها" من اللُّعاب. ويدل عليه ما وقع في الطريق الأُخرى (٥٥) وهو قوله "ولُعَابُها". وما جاء في الحديث الآخر في الأبكار: "إنّهنّ أطيب أفواها وأنتق أرحاما"، ورواية أبي ذر في البخاري من طريق المستَمْلِي: "فَأيْن أنتَ من الأبكار" ولُعابها بالضم.
٦١٥ - قول جابر: "كُنْتُ على بعيرٍ لي قَطُوف" (ص ١٠٨٨).
القطوف: الذي يقارب الخطو في سرعة. وقال الثعالبي: إذا كان الفرس يمشي وثبا وثبا فهو قَطُوف، فإذا كان يرفع يديه ويقوم على رجليه فهو شَبُوب، فَإذا كان يلتوي براكبه حتى يسقط عنه فهو قَمُوص، فإذا كان مانعا ظهره فهو شَموس.
وقوله: "فَنَخَسَ بَعِيرِى بِعَنَزَةٍ" (ص ١٠٨٨).
قال أبو عبيد في مصنّفه: العَنزة مثل نصف الرُّمح أو أكبر شيئا، وفيها زُجّ مثل زُجّ الرمح. وقال الثعالبي: فإذا طالت شيئا فهي نَيْزَك ومِطْرد فإذا زاد طولها وفيها سنان عريض فهي آلة وحربة.
وقوله: "فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَة قال ﷺ : أمْهِلُوا حَتَّى ندْخُلَ لَيْلاً، أي عشاء حتى تمْتَشِطَ الشَّعِثةُ وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ" (ص ١٠٨٨).
стр. 741
الاستحداد الاستفعال من الحديد يعني الاستحلاق به. وقد تقدم ذكره.
والمُغِيبة التي غاب عنها زوجها، يقال: أغابت المرأة، أي غَاب عنها زوجها فهي مُغِيبة بالهاء، وأشهدت إذا حَضَرَ زوجها فهي مُشْهِد بغير هَاءٍ.
وقوله ﵇: "إذا قَدِمْتَ الكَيْسَ الكَيْسَ (ص ١٠٨٨).
قال ابن الأعرابي: الكيس الجماع، والكيس العقل، فكأنَّه جَعَل طَلَبَ الولد عَقْلاً. ومنه الحديث: "أيُّ الْمُؤْمِنِينَ أكْيَسُ"، أي أعقل.
٦١٦ - وقوله ﷺ : "لَوْلَا بَنُو إسْرَاِئيلَ مَا خَنَزَ اللَّحم" (ص ١٠٩٢).
يقال: خنِز اللحم بفتح النون في الماضي وبكسرها فيه أيضا، والمصدر فيهما خَنَزًا وخُنُوزا إذا تغير وأنتن، وَمِثلُهُ خَزِن بكسر الزاى يَخْزَن خزنا وخزنا. قال طرفة بن العبد: [الرمل]
ثُمَّ لَا يَخْزَنُ فِيَنا لَحْمُهَا ... إنَّمَا يَخْزَنُ لَحْمُ المُدَّخِرْ
ويُرْوَى:
....................... إنَّما يَخْنَزُ لَحْمٌ مُدَّخَرْ.
стр. 742
١٠ - كتَابُ الطَّلَاقِ (١)
٦١٧ - قوله ﷺ : "في ابن عُمر لَمَّا طَلَّقَ امْرَأتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أمْسَكَ بَعْدُ وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ الله تَعَالَى أنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاء"؛ وفي بعض طرقه: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَإذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا. قَالَ: فَرَاجَعْتُهَا ثُمَّ طَلَّقْتُهَا لِطُهْرِهَا فَاعْتَدَدْتُ بتِلْكَ الطَّلْقَةِ الَّتِي طُلِّقَتْ وَهْيَ حَائِضٌ". وفي بعض طرقه: "أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأةً لَهُ وَهْيَ حَائِضٌ تطْلِيقَةً وَاحِدَةً" وفي بعض طرقه: "ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أوْ حَامِلاً" (ص ١٠٩٣ إلى ١٠٩٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: الطلاق في الحيض محرم ولكنه إن وقع لَزم. وقد ذكر ها هنا ابن عمر أنه اعتدّ بها. وذهب بعض النَّاس ممن شذَّ إلى أنه لا يقع الطلاق. وذُكر في هذا الحديث أنه لم يعتدّ بها. ورواية مسلم ها هنا أصح. وهكذا ذكر بعض الناس أيضًا أنّه طلقها ثلاثا. وذكر
стр. 743
مسلم عن ابن سِيرِين أنه أقام عشرين سنة يحدثه من لا يتهم أنه طلقها ثلاثا حتى لقي الباهلي، وكان ذا ثَبْت فحدثه عن ابن عمر أنه طلّقها تطليقة. وقد نص مسلم على أنها تطليقة واحدة من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر.
وأمرُهُ بمراجعتها واجبٌ عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي، ولا حجةَ لهما إنْ قالا: فإن الآمِرَ لابن عمر بالمراجعة أبوه ﵁ ولَيْسَ لأبيه أن يضع الشرع لأن أباه إنما أمره بأمر النبيء ﷺ فهو مبلغ إليه أمر النبيء ﷺ .
ومما يسأل عنه في هذا الحديث أنْ يقال: لِمَ أمره ﷺ أن يؤخّر الطلاق إلى طهر آخر بعد هذا (٢) الطهر الذي يلي حيضة الطلاق؟
وأجاب النَّاس عن هذا بأجوبة كثيرة:
أحدها: أن الطهر الذي يلي الحيض والحيضةَ التي قبله الموقع فيها الطلاق كالقُرْءِ الواحد فلو طلق فيه لصار كموقع طلقتين في قرء واحد، وهذا ليس هُو طلاق السنة.
والجواب الثاني: أنه عاقبهُ بتأخير الطلاق تغليظا عليه جزاءً عما فعله من المُحرَّم عليه، وهو الطلاق في الحيض. وهَذَا معتَرض لأن ابن عمر لم يكن يعلم الحكم ولا تحقق التحريم فتعمد ركوبه، وحاشاه من ذلك فلا وجه لعقوبته.
والجواب الثالث: أنه إنما أمره بالتأخير لأن الطهر الذي يلي الحيضة الموقع الطلاق فيها ينبغي أن ينهى عن الطلاق فيه حتى يطأ فيه فتتحقق الرجعة لئلا يكون إذا طلق فيه قبل أن يمس كمن ارتجع للطلاق لا للنكاح. واعتُرِض هذا بأنه يوجب أن ينهى عن الطلاق قبل الدخول لئلا يكون نكع أيضًا للطلاق لا للنكاح.
стр. 744
والجواب الرابع: أنه إنما نُهي عن الطلاق في هذا الطهر ليطول مُقامه معها، والظن بابن عمر أنه لا يمنعها حقها من الوطء فلعله إذا وطئها ذهب ما في نفسه منها من الكراهة وأمسكها ويكون ذلك حرصا على ارتفاع الطلاق وحَضّا على استبقاء الزوجية. وذكر ها هنا في الحديث: "وإن شاء طلق قبل أن يمَسّ، والطلاق في الطهر يُكره إذا مَسّ فيه. والعلة في ذلك أنه فيه تلبيس فلا يُدرى: هل حملت فتكون عدتها الوضع، أم لم تحمل فتكون عدتها الأقراء؟ وقد تظهر حاملاٌ فيندم على الفراق. وقد ذهب بعض الناس إلى أنه إذا فعل أُمِر بالرجعة كما يؤمر بها من طلق في الحيض.
واختلف المذهب عندنا إذا لم يرتجعها المطلق في الحيض حتى جاء الطهر الذي أبيح له الطلاق فيه: هل يجبر على الرجعة فيه لأنه حق عليه فلا يزول بزوال وقتة، أم لا يجبر على ذلك لأنه قادر على إيقاع الطلاق في الحال فلا معنى معه للارتجاع؟
٦١٨ - وقوله: "فَتِلْكَ لِلعدّة التي أمر الله أن يُطلَّق لها النساء" (ص ١٠٩٣).
فيه دلالة لقول مالك: "إن الأقراء التي تعتدّ بها المرأة هي الأطهار خلافا لأبي حنيفة في قوله: إنها الحِيَض، لأنه قال: فإن شاء طلق، يعني عند طهرها"، ثم قال: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلّق لها النساء". ومعنى "لها" أي فيها فأثبت ﵇ الطهر عدة ولا تعلق لهم بقوله "فتلك" وأن هذا لفْظ (تأنيث فيحمل على الحيضة وأنه لو كان المراد الطهر لقال: فذلك، لأن المراد ها هنا) (٣) تأنيث الحالة أو تأنيث العدة. وكذلك تعلّق أيضًا من تعلق من أصحابنا بدخول الهاء في الثلاث في
стр. 745
قوله سبحانه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤) أنَّه دلالة على أن المراد في القرآن بالأقراء الأطهار ولو أراد الحيضة لقال عزّ من قائل: ثلاث قروء، لأن العربَ تدخل التاء في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة وتحذفها من المؤنث فإثباتها في قوله: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يدل على أن المراد الأطهار. وهذا غلط لأن العرب قد تراعي في التذكير والتأنيث اللفظ المقرون به العدد فتقول: ثلاثة منازل، وهي تريد ثلاث ديار وإن كانت الدار مؤنثة لأن لفظ المنزل مذكر، وقد تعتبر المعنى أحيانًا. قال ابن أبي ربيعة: [الطويل]
فَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَا كُنْتُ أتَّقِي ... ثَلَاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَان وَمُعْصِرُ
فأنث على معنى الشخوص لا على اللفظ. وحكى أبو عمرو بن العلاء أنه سمع أعرابيا يقول: فلان جاءته كِتَابي فاحتقرها. قال: فقلت له: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال: نعم أليس بصحيفة؟ فأخبر أنه أنَّث مراعاة للفظ صحيفة (٥) الذي لم يذكره لما كانت في المعنى هي الكتاب المذكور، ونحو من هذا قول الشاعر: [الطويل]
أَتَهْجُرُ بَيْتًا بِالحِجَازِ تَلَفَّعَتْ ... بِهِ الخَوْفُ وَالأعْدَاءُ أمْ أنْتَ زَائِرُهْ؟
أراد المخافة، فأنَّثَ لذلك.
وقال آخر: [الطويل]
غَفَرْنا وَكَانَتْ مِنْ سَجِيَّتِنَا الغُفْرُ
أنَّثَ الغفر لأنه أراد المغفرة.
стр. 746
وقد تعلق أصحاب أبي حنيفة بأن المصير إلى القول بالأطهار خروجٌ عن ظاهر القرآن لأنَّ القُرُوء (٦) في اللغة تُطْلَقُ على الطهر وعلى الحيض وهو من الأسماء المشتركة، فإذا طلق وقد مضى من الطهر شيء فعندكم أنّها تعتدّ ببقية الطهر، وهذا يوجب كونَ العدة قُرْأيْن وبعض ثالث. فإذا قلنا بالحيض كانت العدة ثلاثة أقراء كوامل، إذ لا يصح الطلاق في الحيض. وقد أدَّى ابنَ شهاب هذا الاعتراض إلى أن ركَّب أن الطهر الذي وقع الطلاق فيه وقد ذهب بعضه لا يعتدّ به ويستأنف ثلاث طُهرات سِوَاه. وهذا مذهب انفرد به لأن كل من قال بأن الأقراء هي الأطهار يعتد بالطهر وإن مضى أكثره.
وقال بعضهم مجيبا عن بَعْض أصحاب أبي حنيفة (٧): إن القرء التنقل من حال إلى حال فالمستحِق بهذه التسمية على موجب هذا الاشتقاق وعلى ما أصَّلْناه آخر زَمَنِ الطهر الذي يليه الحيض ويعقبه الانتقال من حال إلى حال. فعلى هذا يسقط ما قاله أصحاب أبي حنيفة ويكون الاعتداد بثلاثة أقراء كوامل وإن ذهب بعض الطهر.
وأجاب بعض أصحابنا أيضًا بجواب آخر فقال: غير بعيد تسمية الشيئين وبعض الثالث ثلاثة، وقد قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٨) وهي شهران وعشرة أيام.
٦١٩ - وقوله: "فَلْيُرَاجِعْهَا" (ص ١٠٩٣).
الرَّجعة تصح في كل طلاق تقاصر عن نهاية ما يملك منه وليس معه فِداء، ووقع بَعْد وطءِ المرأة بعقد صحيح ووطءٍ جائز. وهي تصح (٩)
стр. 747
عندنا بالقول ولا خلاف في ذلك. وتصح عندنا بالفعل الحالِّ محلّ القول الدال في العادة على الارتجاع كالوطء والقبل واللمس بشرط القصد إلى الارتجاع به. وأنكر الشافعي صحة الارتجاع بالفعل أصلاً. وأثبته أبو حنيفة وإن وقع من غير قصد، وهو قول ابن وهب من أصحابنا في الواطىء بغير قصد.
وهذه المسألة مبنية عندي على مسألة قبلها وهي المطقه طلاقا رجعيا هل يوصف وطؤها بأنه محرم أم لا؟ فعندنا وعند الشافعي أنه محرم وأبى ذلك أبو حنيفة، وتجاذب المختلفون في هذا قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (١٠). فقال الحنفيون قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ يدل على إثبات الزوجية والزوجية إذا ثبتت يستحيل معها تحريم الوطء ولا دليل يلجىء إلى أن المراد من كان بعلاً لها (١١) لأن ذلك مجاز. وتعلق المالكيون بقوله تعالى: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، والردّ لا يكون إلا لما ذهب ولا ذاهب (١٢) إلا تحليل الوطء.
وتجاذبا أيضًا طرق الاعتبار لأن المطلقة طلاقا رجعيا يثبت لها التوارث وتستحق النفقة كمن لم تطلق وتجب عليها العدّة فتَسْري إلى البينونة بخلاف الزوجية (١٣). فَكُلُّ واحد من المختلفين ردّها إلى الأصل الموافق لمذهبه. وإذا ثبت هذا وصح بناء المسألة التي أشرنا إليها عليه قلنا: إذا كان الوطء عند أبي حنيفة غير محرم فلا معنى لقصد الاستباحة بالأفعال إذ الفعل في نفسه غير محرم فيستباح. وإذا قلنا بأن الوطء محرم فلا يستباح الشيء بنفسه
стр. 748
وإنما يستباح بغيره فماذا يكون هذا الغير؟ قصره الشافعي على الأقوال النطقية، وقصره أصحابنا على القصد.
وأشار بعض المتأخرين من شيوخنا إلى ترك التعويل على القصد بمجرده دون أن يُضَاف قول نفسي، وهو إيجاب الارتجاع في النفس فيكون الاختلاف على طريقة هذا الشيخ بيننا وبين الشافعي في تعيين القول ونحن متفقون على إثبات أصله فيقول الشافعي: القول النطقي، ونقول نحن: القول النفسي إذا صدر (١٤) عنه ما يدل عليه من الأحوال التي أشرنا إليها، ومختلف معه (١٥) في الفعل على حسب ما قدمناه.
والإشهاد على الرجعة، اختلف الناس فيه أيضًا: هل يجب أم يستحب؟ ومدار الاختلاف على قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١٦).
فالأمر بالشهادة ورد (١٧) بعد جملتين: فهل يعود إلى أقربهما إليه أو إليهما جميعا على اختلاف أهل الأصول في هذا الأصل؟ فَمَنْ رأى عود مثل هذا على أقرب المذكورات لم يكن في الآية دلالة على إثبات الإشهاد على الرجعة فضلا عن تفصيل حكمه. ومن رأى أن مثل هذا يعود إلى سائر الجمل وقَال بأنَّ الأمر مجرده على الندب استحب الإشهاد على الرجعة، ومن قال: مجرده على الوجوب أوجب الإشهاد على الرجعة وإن عورض بأن الإشهاد على الطلاق وهو أقرب المذكورين على الندب قال: خروجه بدليل (١٨) لا يوجب خروج الجملة الأولى عن الأصل.
стр. 749
٦٢٠ - وقوله في بعض طرقه: "ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أوْ حَامِلاً" (ص ١٠٩٥).
فيه دلالة على جواز طلاق الحامل على الإِطلاق دون التفصيل.
وهو أحد القولين عندنا في طلاقها وهي حائض. وقد منعه بعض أصحابنا، كما منع أيضًا طلاق من لم يدخل بها وهي حائض وأجازه الآخرون. وهذا راجع إلى الاختلاف في النهي عن الطلاق في الحيض (١٩)؛ فمن رأى أنه معلّل بتطويل العدة أجازه في الحامل وفي التي لم يدخل بها إذ الحامل مَن عدتُها (٢٠) الوضع فلا تطويل فيها، وَمَنْ لم يدخل بها لا عدّة عليها أصلاً فتوصف بطول أو قصر، ومن رآه غير معلل منع الطلاق في المسألتين.
هكذا يورده شيوخنا في التدريس وفيه نظر لأن قضية ابن عمر قضيةٌ في عين فإذا قلنا: إن النهي غير معلل افتقر المنع في المسألتين إلى دليل على القول بأنَّ القضايا في الأعيان لا تتعدى، وكونُ مجرد النهي غير معلل لا يوجب الحكم في المسألتين بالمنع.
وأما الطريقة الأخرى وهي إثبات التعليل فإنما يصح ما قالوه فيها أيضًا على القول بأن العلة إذا ارتفعت ارتفع حكمها. وهذا فيه تفصيل وتحقيق.
٦٢١ - وقوله: "أرَأيْتَ إنْ عَجَزَ واسْتَحْمَقَ؟ "، (ص ١٠٩٦).
في الكلام حذف، وتقديره: أفيرتفع الطلاق عنه إذا عجز واسْتَحْمَقَ؟
٦٢٢ - قول ابن عَبَّاسٍ: "كان الطلاق على عهد النبيء ﷺ وأبي بكرٍ وسَنَتَيْنِ من خِلَافَةِ عُمر طَلَاقُ الثلاثِ واحدةً فقال عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إن النَّاسَ قد استعْجَلُوا في أمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أنَاةٌ فلو أمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِم فَأمْضَاهُ
стр. 750
عَلَيْهِم"، وفي طريق أبي الصَّهْبَاء أنه قال (لابن عبّاس: "تعلم أنها" (٢١) كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر (وثَلاثًا مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ فقال ابنُ عَبَّاس: نَعَم". وفي طَريقٍ آخَرَ عن أبي الصَّهْبَاء: "ألم يَكُن طلاق الثلاث على عهد النبيء ﷺ وأبي بكر) (٢٢) واحدةً؟ فقال: قد كَانَ ذلك فلما كان في عهد عمر ﵁ تتابع (٢٣) الناسُ في الطَّلَاقِ فَأجَازَهُ عليهم". وفي كتاب أبي دَاود نَحْوُ هذا عن أبي الصَّهْبَاء إلَاّ أنّه قال: "كان الرجل إذا طلّق امْرأتَهُ قبل أن يدخل بها جَعَلُوه واحدةً" (ص ١٠٩٩).
قال الشيخ: طلاق الثلاث في مرة واحدة واقع لازم عند كافة الفقهاء. وقد شذ الحجاج بن أرَطَاة وابن مقاتل فَقَالَا: لا يقع، وتعلَّقا في ذلك بمثل هذا الخبر وبما قلناه إنّه وقع في بعض الطرق "أن ابن عمر طلقها ثلاثا في الحيض وأنه لم يحتسب به" (٢٤). وبما وقع في حديث رُكانَة: "أنه طلقها ثلاثا وأمره ﷺ بمراجعتها"، والرد على هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢٥) يعني أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تلافيه لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لا تقع أصلاً لَم يكن طلاق يبتدأ يقع إلا رجعيا فلا معنى للندم.
وأما حديث رُكانة فصحيحه: "أنه طلّق امرأته البتة فأتى رسول الله ﷺ فقال: ما أردت؟ قال: واحدة. قال: آللهِ؟ قال: والله. قال ﷺ : هو على ما أردت". فلو كانت الثلاث لا تقع لم يكن لتحليفه معنى.
стр. 751
وهذه الرواية أصَحُّ من روايتهم "أن ركانة طلق امرأته ثلاثا" لأنها رواية أهل بيت ركانة وهم أعلم بقصة صاحبهم. وإنما روى الرواية الأخرى بنو رافع ولم يَسْمَعُوا. ولعلهم سمعوا أنه طلّقها البتة وهم يعتقدون أن البتة هي الثلاث كرأي مالك فيها فعبروا عن ذلك بالمعنى وقالوا: طلقها ثلاثا لاعتقادهم أن البتة هي الثلاث.
وأما حديث ابن عمر فقد ذكرنا أن الصَّحيح منه أنها واحدة وقد ذكر ذلك مسلم من طريقين.
وأما قول ابن عباس: "كان طلاق الثلاث واحدة على عهد النبيء ﷺ : فقال بعض العلماء البغداديين: المراد به أنه كان المعتاد في زمن النبي ﷺ تطليقة واحدة وقد اعتاد الناس الآن التطليق بالثلاث، فالمعنى: كان الطلاق الموقع الآن ثلاثا يُوقع بواحدة فيما قبل إنكارًا لخروجهم عن السنة.
ورواية أبي الصهباء في أحد الطريقين: "أتعلم أنها كانت الثلاث تجعل واحدة"؟ تحتمل أيضًا هذا المعنى الذي قاله هؤلاء وإن كان هذا اللفظ الثاني أبعد من الأول قليلاً لقوله: كانت الثلاث تجعل واحدة ولكن يصح أن يريد كانت الثلاث الموقعة الآن تجعل واحدة، بمعنى توقع واحدة.
وقال آخرون يمكن أن يكون المراد به فيمن كَرَّر لفظ الطلاق فقال: أنتِ طالق أنت طالق، فإنها كانت عندهم محمولة في القديم على التأكيد فصار الناس الآن يحملونه على (التجديد) (٢٦) فألزموا ذلك لقصدهم له.
وقد زعم بعض مَن لا خبرة له بالحقائق أن ذلك كان ثم نُسخ. وهذا غلط فاحش لأن عمر ﵁ لا ينسخ ولو نسخ -وحاشاه منه- لبادرت الصحابة إلى إنكار ذلك عليه. وإنْ كان يريد أنه نسخ في
стр. 752
حياة النبي ﷺ (فمعنى ما أراد صحيح، ولكنه يخرج عن ظاهر الخبر في قوله "كان على عهد النبيء ﷺ وأبي بكر" لأنه إذا نسخ في عهد النبيء ﷺ ) (٢٧) لم يصدق الراوي فيما قال. فإن قال: فإن الصحابة قد تجمع على النسخ فيسمع ذلك منها. قلنا: صدقت ولكن يستدل بإجماعها على أنَّ عندها نصا نسخت به نصا آخر ولم ينقل إلينا الناسخ اكتفاء بإجماعها. وأما أن تنسخ من تلقاء نفسها فمعاذ الله لأنه إجماع على الخطأ، وهي معصومة منه. ولو قدر أن النسخ ظهر لهم في أيام عمر وقد أجمع عصر أبي بكر الصديق ﵁ على خلاف حكم الناسخ لم يصح ذلك لأنه يكون إجماعا على الخطأ. ونحن لا نراعي انقراض العصر وهو مذهب المحققين من أهل الأصول.
وأما رواية أبي داود عن أبي الصهباء أن ذلك كان فيمن لم يُدخل بها، فقد ذهب إلى هذا المذهب قوم من التابعين من أصحاب ابن عباس ورأوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها لأنها بالواحدة تبين. وبقوله: أنت طالق بانت، وقوله: ثلاثا، كلام وقع بعد البَيْنُونة فلا يعتدّ به، وهذا باطل عند جمهور العلماء لأن قوله: أنت طالق، معناه ذات طلاق وهذا اللفظ يصلح للواحدة فما زاد، وقوله: ثلاثة، تبيين لمعنى قوله: ذات طلاق، فلا يصح اطّراحه.
ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول: في الحرام يمين يكفرها، وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢٨) وذكر حديث سبب نزول قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢٩) وتواطؤَ عائشة وحفصة على قولهما: "أجد منك ريح مغافير".
стр. 753
قال الشيخ -وفقه الله-: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام، فاختلف أهل المذهب في ذلك. والمشهور أنها ثلاث تطليقات وينوى في أقل في غير المدخول بها خاصة. ولعبد الملك في المبسوط لا ينوى في أقل وإن لم يدخل. وعند أبي مصعب ومحمد بن عبد الحكم هى لمن لم يدخل بها واحدة والمدخول بها ثلاث. وذكر ابن خويز منداد عن مالك (أنها واحدة بائنة وإن كانت مدخولا بها. وحكى ابن سحنون عن عبد العزيز بن أبي سلمة) (٣٠) أنها واحدة رجعية.
وقد اختلفت أجوبة مالك وأصحابه في كتابات الطلاق فسلكوا فيها طرقًا مختلفة، ففي بعضها يحمل اللفظ على الثلاث ولا يُنَوَّى في أقل، وفي بعضها يُنوّى في أقل، وفي بعضها يحمل على الواحدة حتى ينويَ أكثر منها، وفي بعضها يُنوَّى قبل الدخول ولا يُنوَّى بعده، وفي بعضها فيمن لم يدخل بها واحدة وفي المدخول بها ثلاث.
هذا جملة ما يقولونه في ذلك، ويختلفون في بعض الألفاظ من أيّ هذه الأقسام هو. وتفصيل ذلك وذكر الروايات فيه وتعديد الألفاظ فيه طول، ولكنا نعقد أصلا يرجع إليه جميع ما وقع في الروايات على كثرتها ويعلم منه سبب اختلافهم فيما اختلفوا فيه.
ووجه تفرقتهم فيما فرقوا فيه، ووجه التنوية في بعض دون بعض: فاعلم أن الألفاظ الدالة على الطلاق إما أن تدل عليه بحكم وضع اللغة، أو بحكم عرف الاستعمال. أو لا يكون لها دلالة عليه أصلاً. فإن لم يكن لها دلالة عليه فلا فائدة في ذكرها ها هنا، وإن كانت لها دلالة عليه فلا يخلو إما أن تكون دلالتها عليه في اللغة أو في الاستعمال تتضمن البينونة والعدد كقولهم:
стр. 754
أنت طالق ثلاثا. فهذا لا يُخْتَلَف في وقوع الثلاث وأنه لا يُنَوَّى، ولا يفترق الجواب في المدخول بها وغير المدخول بها؛
أو تكون دلالتها على البينونة وانقطاع الملك خاصة، فينظر في ذلك هل يصح انقطاع الملك والبينونة بالواحدة أم لا يصح في الشرع إلا بالثلاث؟ وهذا أصل مختلف فيه أيضًا إذا لم تكن معه معارضة،
أو يكون يدل على عدد غالبا وقد يستعمل في غيره نادرًا فيحمل مع عدم القصد على الغالب ومع وجود القصد على النادر إذا قصد إليه وجاء مستفتيا فيه، وإن كانت عليه بينة فتختلف فروع هذا القسم، وإن كان يستعمل في الأعداد استعمالاً متساويًا وقصد إلى أحد الأعداد قبل منه (٣١) إن جاء مستفتيا أو قامت عليه بينة، وإن لم يكن له قصد فهذا موضع الاضطراب، فمن أصحابنا من يحمله على أقل الأعداد استصحابًا لبراءة الذمة وأخذا بالمتيقن دون ما زاد، ومنهم من يحمله على أكثر الأعداد أخذا بالاحتياط واستظهارا في صيانة الفروج لا سيما على قولنا: إن الطلقة الواحدة تحرم، فكأنّ الاستباحة بالرجعة مشكوك فيها ها هنا ولا تُسْتَبَاحُ الفُرُوجُ بالشك، فاضبط هذا فإنّه من أسرار العلم وإليه يَنْحَصِرُ جميع ما قاله العلماء المتقدمون في هذه المسائل وبه تضبط مسائل الفتوى في هذا الفن.
وأقرب مثال يوضح لك هذه الجملة ما نحن فيه من مسألة القائل (٣٢): الحلال عليّ حرام، فقولهم في المشهور: إنها ثلاث، وينوّى في غير المدخول بها في أقل بناء على أن هذا اللفظ وضع (٣٣) لإِبانة العصمة وأنها لا تبين بعد الدخول بأقل من ثلاث وتبين قبل الدخول بواحدة ولكنها في
стр. 755
العدد غالبا في الثلاث ونادرًا في أقل منه، فحملت قبل الدخول على الثلاث ونُوِّي في أقل.
وقول عبد الملك لا يُنَوّى في أقل وإن لم يدخل بناء على أنها موضوعة للثلاث كقوله: أنتِ طالق ثلاثا، وتلحق بأول الأقسام التي ذكرنا.
وقول أبي مصعب هي في التي لم يدخل بها واحدة والمدخول بِها ثلاث بناء على أنها لا تفيد عددا وإنما تفيد البينونة لا أكثر، والبينونة تصح في غير المدخول بها بواحدة ولا تصع في المدخول بها إلا بالثلاث على إحدى الطريقتين التي ذكرنا.
وقول ابن خُوَيْزِ مِنْدَاد عن مالك: إنها واحدة بائنة وإن كانت مدخولا بها بناء على أنها لا تفيد عددا كطريقة أبي مُصْعَب، ولكن عنده أن (٣٤) البينونة تصح بعد الدخول بواحدة، فمن ها هنا افترقت طرقهم.
وقول ابن أبي سلمة بناء على أنها تفيد انقطاع الملك على صفة (٣٥) ولا تستعمل غالبا في الثلاث، فحكم بكونها واحدة لصحة معنى اللفظ في الواحدة وهي كونها محرمة عندنا وإن كانت الطلقة رجعية.
وهكذا محمل قول عبد الملك وربيعة فى الخلية والبرية والبائنة: إنها في غير المدخول بها واحدة، مأخوذ من إحدى هذه الطرق التي ذكرنا، وتقوية أشهب (٣٦) في الخلية والبرية وإن كانت مدخولا بها على ما حكى عنه أبو الفرج تؤخذ (٣٧) أيضًا من إحدى هذه الطرق التي قدمنا، وعلى هذا يُخَرج من المسائل ما لا يحصى كثرة. فاحتفط به فإنه عقد حسن.
стр. 756
٦٢٣ - وقد كثر اختلاف الصحابة في مسألة القائل: الحلال عليَّ حرام ومن سواهم من العلماء: هل هو ظهار أم يمين تكفر أم لا يلزم فيه شيء إلا في الزوجة كما قال مالك؟ والذي يلزم في الزوجة فيه الخلاف الذي ذكرناه وفي بعض ما أوردناه كفاية.
٦٢٤ - وقوله في هذا الحديث: "إِني أجِدُ منك رِيحَ مَغَافِيرَ" وفيه " "جَرَسَتْ نَحْلَةُ العُرْفُط" (ص ١١٠٠ و ١١٠٢).
المغافير: جمع مُغْفُور وهو صمغ حلو كالناطف، وله رائحة كريهة تنضحه شجر يقال له: العرفط، وهو بالحجاز كثير.
وقوله "جرست" أي أكلت. قال أبو عبيد في مصنفه يقال: جرست النحل تَجْرِسُ جَرْسًا إذا أكلت لتعسِّل. قال الهروي (٣٨): ويقال للنحل: جوارس بمعنى أَواكل (٣٩).
٦٢٥ - قول عائشة ﵂: "لما أُمِر النبيء ﷺ بتَخْيِير أزواجِهِ بَدَأ بي فَقَال: إنّي ذاكرٌ لك أمْرًا وَلَا عليك أنْ لَا تَعْجَلِي حتى تَسْتأْمري أبَوَيْكِ، وقد عَلِم أَنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمَراني بفَرِاقِهِ، ثم تَلَتْ الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية (٤٠). وفي بعض طُرُق هذا الحديث عنها "أَنه ﵊ خيَّر نساءه فَلَمْ يَكُنَّ طَوَالقَ" وفي بعض طرقه "فاخْتَرْنَاه (٤١) فَلَمْ يَعُدَّهَا عَلَيْنَا شَيْئًا" (ص ١١٠٣ و١١٠٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: التخيير عندنا والتمليك حكمهما مفترق،
стр. 757
ففي التمليك وهو قوله: أمْرُكِ بِيَدِكِ، له التّناكر في الثلاث إذا نوى أقل، وفي التخيير لَا مناكرة له. وقال ابن الجهم من أصحابنا: له المناكرة في التخيير ويصدق أنه أراد واحدة وتكون بائنة. وهذا كله يُعرف وجه التحقيق فيه من العقد الذي قدمناه قبل هذا، فكأنهم في المشهور من المذهب رأوا أن التخيير وضع للبينونة ولا تكون في المدخول بها بأقل من ثلاث فلم يُمكنّوه من المناكرة. ورأى ابن الجهم أنها تكون بالواحدة البائنة فمكنَّه من المناكرة.
وفرَّق المذهب بين التخيير والتمليك لهذا المعنى أيضًا (٤٢)، وهو أن التخيير جرى الاستعمال فيه بالبينونة ولم يجر الاستعمال بذلك في التمليك فافترق حكمهما. وإذا ملّكها عددا فلا يخلو أيضًا أن يورده بلفظ لا يدل على الاقتصار على ما تضمنه أو لفظ (٤٣) يدل على الاقتصار عليه؛ فإن كان بلفظ لا يدل على الاقتصار فقضت بالأقلّ فلها ذلك لأنه ملكها العدد فما دونه وإن قضت بأكثر ففي لزوم العدد الذي ملكها خلاف، وإن كان بلفظ يدل على الاقتصار فقضت بأكثر، فهل يلزم ما ملكها؟ فيه خلاف أيضًا، وإن قضت بأقل ففي لزوم ما قضت به أيضًا خلاف.
ووجه الخلاف في الأكثر إذا قضت به: هل يسقط ما ملَّكها أو يثبُت؟ أن من أسقطه رأي أنه ملكها على صفة فقضت بخلافها فلا يلزمه ما قضت به لأنه إذا ملكها تطليقتين فقضت بالثَّلاث فإن الثلاث غير التطليقتين فلا يلزمه التطليقتان وقد قضت بغيرها.
ووجه القول باللّزوم أن (٤٤) الزائد على ما يملكه كالعدم فكأنها لم تنطق به واقتصرت على ما تملكه فلزمه.
стр. 758
ووجه الخلاف أيضًا إذا ملكها (٤٥) عددا فقضت بأقل (أن من لم) (٤٦) يلزمه فلأنها (٤٧) قضت على غير الصفة التي أَعْطَاها فلا يلزمه ما قضت به لا سيما وللملك في الَأعداد غرض لأن أكثر منها يُسقط (٤٨) النفقة، ويُحل الأخت المطلقة، ولا يلزم خلاف غرضه. وكمن باع منه ثلاثة أثواب فأراد قبول واحد منها فليس ذلك له.
وقد ألزم ابن القصار إذا ملكها أمرها وأمر امرأة أخرى معها فطلقت نفسها خاصة أن ذلك لا يلزمه. ورأى أنه في معنى من ملَّك عددا فقضت عليه بأقل منه، ومسألة ابن القصار هذه للنظر فيها عندي مجال وتفتقر إلى تفصيل.
ووجه القول بأنه إذا قضت بأقل لزم أنه كمن وُهِبَ ثلاثة أثواب فقبل واحدًا منها. وهذا للآخرين أن ينفصلوا عنه ويقولون: لو صح أن يكون له غرض في قبوله منه الثلاثة جميعًا لم يمكن الموهوب من قبول واحدٍ.
وقولها: "فلم يعد ذلك طلاقا" فيه رد على من يقول: إنه يلزمه الطلاق وإن اختارت الزوج.
٦٢٦ - قوله: "فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا" (ص ١١٠٤) أي دققته (٤٩). ومنه الحديث "فليَأْخُذ سبع تمرات من عجوة المدينة فَلْيَجَأْهُنّ"، أي فَلْيدقهن.
стр. 759
٦٢٧ - قولها: "عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ" (٥٠) (ص١١٠٥).
أي بخاصتك وموضع سرك. ومنه قوله ﷺ : "الأَنْصَارُ كرشي وعيبتي". قال ابن الأنباري: معنى كرشي أصحابي وجماعتي الذين أعتمد عليهم. وأصل الكرش في اللغة: الجماعة. قال: وجعل ﵇ الأنصار عيبته لخصوصيته إياهم ولأنه يطلعهم على أسراره. قال غيره: معنى عيبتي: خاصتي وموضع سري. قال أهل اللغة: والعَيْبة معناها في كلام العرب التي يَجعل فيها الرجل أفضل ثيابه وحر متاعة وأنفسه عنده.
٦٢٨ - وقوله: "هُوَ في المَشرُبَة" (ص ١١٠٦).
فيها لغتان فتح الراء وضمها. ورباح هذا هو بفتح الراء وبباءٍ معجمة بواحدة تحتها.
٦٢٩ - وقوله: "فلم أَزَلْ أُحَدِّثُه حتى كَشَرَ" (١١٠٧).
أي ابتسم. قال ابن السكِّيت: كشر وتبسم وابتسم وافتر وانكلَّ (٥١) كله بمعنى واحد، فإن زاد قيل: قهقه وزهزق (٥٢) وكركر، فإن أفرط قيل: استُغْرِبَ (٥٣) ضحكا. قال صاحب الأفعال: كَشرَ، أي أبدى أسنانه تبسمًا أو غضبًا.
٦٣٠ - وقوله: "فَبَيْنَمَا أنا فِي أمْرٍ أأتمِرُهُ" (٥٤) (ص ١١٠٨).
стр. 760
أي أرتئي فيه وأشاور نفسي. يقال: ائتمر رأيه، أي شاور نفسه، وارتأى قَبْل مُواقَعَةِ الأمْرِ.
٦٣١ - قوله: "فَإذَا هُوَ مُتَّكِىءٌ عَلَى رِمَال حَصِير" (ص ١١١٢).
قال ابن القوطية: رَملت الحصير رملا وأرملته: نسجته.
٦٣٢ - قال الشيخ -وفقه الله-: خرّج مسلم في باب اعتزال النبيء ﷺ نساءه حديثا (٥٥): "عن سفيان بن عُيَيْنَة عن يحيى بن سعيد سمع عبيد بن حنين وهو مولى العباس" (ص ١١١٠).
هكذا يقول ابن عُيَيْنَة: عبيد بن حنين مولى العباس. (قال البخاري: ولا يصح قول ابن عيينة) (٥٦). وقال مالك: مولى آل زيد بن الخطاب. وقال محمد بن جعفر بن أبي كَثِير: مولى بني زريق.
٦٣٣ - وخرّج مسلم في حديث فاطمة بنت قيس: "أن أبا عمرو ابنَ حفص طلّقها" هكذا يقول ابن شهاب: "عن أبي سلمة، وعن عبيد الله بن عبد الله عن أبي سلمة أن أبا عمرو بن حفص". وهكذا قال مالك: "عن عبد الله بن يزيد بن حفص بن المغيرة". وهكذا قال الأوزاعي: "عن يحيى بن أبي كَثِير عن أبي سلمة" (ص ١١١٦). وقال شيبان وأبان العطار: عن يحيى أن أبا حفص بن عمرو. فقلنا: والمحفوظ ما قالت الجماعة. وذكر الدولابي عن النسائي أن اسم أبي عمرو بن حفص هذا أحمد.
٦٣٤ - قال الشيخ -وفقه الله-: ذكر مسلم في حديث فاطمة
стр. 761
بنت قيس: "أنَّ زَوْجَهَا طلَّقها البتة وهو غَائبٌ فأرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ (٥٧) بشعير فأسْخَطَتْهُ. قال: والله مَا لَكِ عَلَيْنَا مِن شَيْءٍ. فَجَاءت إلى النَّبِيء ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فقال ﵇ لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ. فَأمَرَهَا أنْ تعْتَدَّ فِي بَيْتِ أم شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ امْرَأةٌ يَغْشَاهَا أصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابن أم مكتوم فَإنَّه رجل أعمى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فإذَا حَلَلْتِ فَآذنيني. قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أن مُعَاوِيَةَ بْنَ أبي سُفْيَان وأبَا جَهْم خَطَبَانِي. فَقَالَ ﷺ : أمَّا أبو جَهْمِ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَن عَاتِقِهِ، وَأمّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ فَانْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَرِهْتُهُ. ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أسَامَةَ فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا".
وفي بَعْضِ طُرُقِهِ: قالَ: "لا نفقة لَكِ وَلَا سُكْنَى".
وفي بعض طُرُقِهِ: "طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُم انْطَلَق إلى اليَمَنٍ فانْطَلَقَ خَالِدٌ فِي نَفَرٍ فقالوا: إن أبا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأتُهُ ثَلَاثًا فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفقَةٍ؟ وأرسل إلَيْهَا أنْ لَا تَسْبِقِيني بِنَفْسِكِ".
وفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: "طَلَّقَهَا آخِر ثَلَاث تَطْلِيقَاتٍ فَجَاءَتْ النَّبِيءَ ﷺ تَسْتَفتيه فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا".
وَفِي بَعْض طُرُقِهِ: " أرْسَلَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَهٍ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا".
وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: "عَنْ فَاطِمَةَ عَنِ النَّبيِىءِ ﷺ فِي المُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَة".
وفي بَعْضِ طُرُقِهِ: "قَالَ عُمر: لا نَتْركُ كِتَاب الله وَسُنَّةَ نَبِينا ﷺ لِقَوْل
стр. 762
امْرَأةٍ جَهِلَتْ أو نَسِيَتْ لَهَا السُّكْنَى والنَّفَقَةُ. قال الله تعَالى ذكره ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية (٥٨).
وفي بعض طرقه: "أمّا معَاوِيَةُ فَرَجُل تَرِبٌ لَا مَالَ لَهُ وأمَّا أبُو جَهْمٍ فَرَجُل ضَرّاب لِلنِّساء".
(وفي بعض طرقه: "أنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ بِنْت قَيْسٍ خَيْر فِي أنْ تذْكُرَ هَذَا الحديث") (٥٩).
وفي بعض طرقه: "يَا رَسُولَ الله طَلَّقَنِي ثَلَائًا وَأخَافُ أنْ يَقْتَحِمَ عَلَيَّ فَأمَرَهَا ﷺ فَتَحَوَّلَتْ" (ص ١١١٤) إلى (١١٢١).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في المطلقة البائِن الحائل (٦٠) هل لها السكنى والنفقة؟ فقال بعضهم: لها السكنى والنفقة. وقد ذكره مسلم عن عمر، وهو قول أبي حنيفة، وق آخرون: لا سكنى لها ولا نفقة، وهو قول ابن عباس وأحمد. وقال آخرون: لها السكنى ولا نفقة لها وهو مذهب مالك.
فأمَّا من أثبت لها السكنى والنفقة فتعلق بقول الله جلَّ ذكره ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٦١). وأما النفقة فإنها محبوسة عليه. وهذا عنده يوجب لها النفقة.
وقول عمر: "لا ندع كتاب ربّنا". فالذي يظهر في كتاب ربنا
стр. 763
إثبات (٦٢) السكنى خاصة. وفي قول عمر هذا إشارة إلى ترك (٦٣) تخصيص القرآن بأخبار الآحَاد إن كان أراد بقوله: "جَهلَتْ أو نسيت" جَواز ذلك عليها. وأما إن كان قطع به فَلَا إشارة فيه لذلك.
ويحتمل أن يكون رأى حكم السكنى مستقرا فيكون هذا الخبر نسخًا والنسخ لا يكون بأخبار الآحاد باتفاقٍ بعد زمان النبيء ﷺ ".
وحجة من يقول: لا سكنى لها ولا نفقة ما رواه مسلم ها هنا من قوله: "لا نفقة لك ولا سكنى".
وحجة مالك أن إثبات السكنى مأخوذ من ظاهر القرآن كما قدمنا، وهذا خبر واحد فقد لا يخص به العموم. وقد يعتلُّ بما اعتل به ابن المسيب من قوله: "تلك امرأة فتنت الناسَ" أنها كانت لَسِنَةً فوضعت على يد ابن أم مكتوم. وعن ابن المسيب أيضًا: "تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها" فأمرها ﵇ أن تنتقل، أو يكون ذلك لأنها خافت في ذلك المنزل بدليل ما رواه مسلم من قولها: "أخاف أن يقتحم علَيَّ". وقيل: إن المسكن لم يكن لزوجها. ولو كان السكنى ساقطًا لم يأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم ويقصرها على منزل معين.
وأما إسقاط مالك النفقة فلقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦٤). ودليل هذا الخطاب أنهن إن لم يَكُنَّ حوامل فلا يلزمنا الإِنفاق عليهن مع التصريح في حديث فاطمة بإسقاط النفقة ولا مدخل للتأويل في هذا كما دخل في السكنى فأكد هذا الخبرُ دليلَ خطاب القرآن فصار مالك إليه.
стр. 764
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة قال بعض العلماء:
فيه دلالة على جواز استفتاء المرأة وسماع المفتى كلامَها.
وجواز (الخِطبة على خِطبة الغير إذا لم يقع تراكن. وجواز) (٦٥) أمر المستشار بغير من استشير فيه.
وذكر عيوب الرجل للضرورة إلى ذلك (٦٦) عند المشورة من قوله "صعلوك ولا يضع عصاه".
وجواز التعريض في العدة من قوله "ولا تفِوِّتينَا نَفْسَكِ" (٦٧)، وجواز الضرب اليسير للمرأة من قوله "لا يضع عصاه" فإنما ذمه بالكثرة.
وجواز المبالغة في الكلام وأن ذلك لا يكون كذبا، ولا في الأيمان حِنثا لقوله: "لا يضع عصاه"، ومعلوم أنه قد يضعها.
وجواز إنكاح من ليس بكفء في النسب لأن أسامة مولى وفاطمة قرشية
ودلالة على زيارة الرجال المرأة إذا أمن عليها لقوله ﷺ : "تلك امرأة يَغْشَاهَا أصْحَابِي".
وزعم بعضهم أن فيه دلالة على جواز الطلاق ثلاثا. وقد تأول بعضهم أن ما وقع في بعض الطرق من قوله "طَلَّقَها ثلاثا" معناه آخر تطليقة كانت له فيها. وقد ذكر مسلم في بعض طرقه "فطلقها آخر ثلاث تطلقات". وقال بعض العلماء: لا يكون في هذا حجة لأن المطلق غائب فلا يمكن الإِنكار عليه.
стр. 765
وأما الطريق التي ذكرها مسلم: "عن الشعبى عن فاطمة بنت قيس عن النبيء ﷺ في المطلقة ثلاثا قال: ليس لها سكنى ولا نفقة". فمحمل هذا (٦٨) عندنا على أن المراد به كما ورد في الأحاديث المتقدمة وإن كان ظاهر هذا العموم، والعموم يمنع تأويل ما ذكرناه في السكنى عن فاطمة، لكن إذا حمل هذا على أن المراد به ما تقدم من الأحاديث من فتوى فاطمة صحّ ما تقدم فيه من التأويل.
٦٣٥ - ذكر حديث: "سُبَيْعَةَ لَمَّا تُوفي عَنْهَا زَوْجُهَا فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا فأخْبَرَهَا ﷺ بِأَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ" (ص ١١٢٢).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في الحامل المتوفى عنها زوجها، فالمشهور عندنا أنها بوضع العمل تنقضي عدتها، وإن وضعت قبل انقضاء أربعة أشهر وعشر قول الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦٩). فعمّ، ولم يفرق بين عدة وفاة ولا عدة طلاق، ولأجل حديث سُبَيْعة هذا. وقال بعض أصحابنا: عليها أقصى الأجلين لقوله جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٧٠)، فَعَمَّ، ولم يفرق بين أن تكون حاملاً أو حائلاً، فرأى أن هذه الآية توجب التربص أربعة أشهر وعشرًا فإذا انقضت فلا بد من طلب الوضع لأجل الآية الأخرى، ولأنه لا يصح نكاح الحامل فأخذ بموجب الآيتين (٧١) جميعا. وقد قال ابن مسعود: آية النساء القصرى (٧٢) نزلت آخرًا، يعني سورة الطلاق، وفيها البراءة بوضع الحمل، فأشار إلى أنها
стр. 766
تقضي على آية البقرة. وهذا ترجيح للمذهب المشهور. والعمومان (٧٣) إذا تعارضا وجب بناؤهما عند أكثر أهل الأصول. وإن أمكن في البناء طرق مختلفة طُلِب الترجيح (٧٤) وقد حصل ها هنا بحديث سُبيعة وبمَا قَاله ابن مسعود.
٦٣٦ - قوله ﷺ : "لَا يَحِلّ لاِمرأةٍ تُؤْمِنُ بالله وَاليوْم الَاخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيّتٍ فوْقَ ثَلَاثٍ إِلَاّ عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًا" (ص ١١٢٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: الإِحداد: الامتناع من الزينة والطيب. ويقال: منه أحَدَّتِ الَمرْأة وحدَّت. ومنه قيل: لِلَبوَّاب حدّاد لمنعه الداخل والخارج إلا بإذن. ولَمَّا نزل قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٧٥) قالت الكفرة: ما رأينا سجانين بهذه العدَّة. فقالت الصحابة: لا تقاس الملائكة بالحدَّادين، يعنون بالسجانين. ومنه سمّى الحديد حديدًا للامتناع به أو لامتناعه على من يحاوله. ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلبه في الجهات. قال النابغة: [البسيط]
إِلَاّ سُلَيْمَان إِذْ قَالَ الإِلَه لَهُ ... قُمْ فِي البَرِيَّةِ فاحْدُدْهَا عَن الفنَدِ
أي فامنعها.
وإنما منعت المعتدة في الوفاة من الزينة والتطيّب ولم تمنع منه المعتدة في الطلاق لأن الزينة والتطَيّب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه فنُهِيَ عنهما ليكون الامتناع منهما زاجرا عن النكاح لَمَّا كان الزوج في الوفاة
стр. 767
معدوما لا يحامي عن نسبه (٧٦) ولا يَزْجر عن زَوْجَتِه بخلاف المطلق الذي هو حي ويحتفظ عَلَى المطلقة فاستغنى بوجوده عن زاجر آخر.
٦٣٧ - وقوله في الحديث: "إن امرأة تُوُفِيِّ زَوْجُهَا (٧٧) فخافوا على عينها فَأتَوا النَّبيءَ ﷺ فاسْتَأْذَنُوهُ فِي الكُحْلِ، فقال ﷺ : قد كانت إحْدَاكُنَّ (في الجَاهِلِيَّةِ) (٧٨) تَكُونُ في شَرِّ بَيْتِهَا في أحْلَاسِهَا، أو في شَرِّ أحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا حَوْلاً فَإذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَخَرَجَتْ، أفَلَا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًا؟ (ص ١١٢٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: هذا يُتأول على مذهب مالك أنها لم يتحقق الخوف على عينها وإنما فهم ﷺ أن ذلك على جهة العُذْر عنده لا على أن الخوف ثَبَتَ. وأما لو ثبت الخوف حتى اضطرت معه إلى الكحل لجاز ذلك لها. وقال بعض العلماء معنى رميها بالبعرة، أي إِشارتها إلى أن طول المقام في سوء هذه الحال أسفا على الزوج هيّن لما توحيه المراعاة وكرم العشرة، كما يهون الرمي بالبعرة. وقال بعضهم: معناه أنها رمت بالعدة وراء ظهرها كما رمت بالبعرة.
٦٣٨ - وقوله في بعض طرق الحديث: "دَخَلَتْ حِفْشًا" (ص ١١٢٤).
الحِفْشُ: الخُصّ الحقير. وفي الحديث أنه قال لبعض مَن وجَّهه ساعيا فرجع بمال: "هَلَّا قعد في حِفش أمه ينتظر هل يهدى إليه أم لا؟ ". قال أبو عبيد: الحِفش: الدَّرْجُ وجمعه أحفاش. شَبَّه بيت أمه في صغره
стр. 768
بالدرج. وقال الشافعي: الحفش: البيت الذَليل القريب السمك سمي به لضيقه، والتحفش: الانضمام والاجتماع وكذلك قال ابن الأعرابي.
٦٣٩ - وقوله في الحديث: "ثم توتَى بدابة شاة (٧٩) أوْ طَيْرٍ فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات" (ص ١١٢٥).
قال القُتبِي: سألت الحجازيين عن الافتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تغتسل ولا تمسّ ماء ولا تقلّم ظفرا ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض، أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش. قال غيره: الفض: الكسر والقطع، ومنه فض الختم.
قال الشيخ -وفقه الله-: ذكر الهروي في كتابه أن الأزهري قال: رواه الشافعي: فتقبص (٨٠) بالقاف والباء والصاد وذكر أنَّه مفُسَّرٌ في بابه ولم يذكر في باب القاف والباء والصاد إِلا القبص، وهو الأخذ بأطراف الأصابع. وقد قرأ الحسن ﴿فَقَبَصْتُ قَبْصَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (٨١).
٦٤٠ - قال الشيخ: خرّج مسلم في هذا الباب: "حدّثنا محمد بن مثنى نا محمد بن جعفر نا شعْبة عن حُميد بْن نَافِع قال: سَمِعْتُ زينب بنتَ أم سلمة قالت: تُوفِّىَ حَمِيمٌ لأمّ حَبِيبَة فدعت بصفرة .. " الحديث (ص ١١٢٥).
هكذا رواه أبو أحْمَدَ الجُلُودِي وغيره وهو الصواب. ووقع في نسخة ابن الحَذَّاء "توفي حميم لأم سلمة" جعل أم سلمة بدل أم حبيبة. ورواه
стр. 769
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن حميد بن رَافع (٨٢) عن زينب بنت أبي سلمة". وفيه قالت زينب: "دخلت على أم حبيبةَ زوج النبيء ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان قَالت: ثم دخلت على زينب بنت جحش، ثم قالت زينب: سمعت أمَّ سلمة تقول جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ " الحديث.
وقوله: "توفي حَمِيمٌ لأم حبيبة" حميم الرجل وحَامَّتهُ خاصته ومن يقرب منه نَسَبُهُ.
وقوله: "لا تمَسّ طيبًا إلاّ إذا طَهُرت نُبْذَةً مِن قُسْطٍ أوْ أظْفَارٍ" يعني قطعة منه.
٦٤١ - حديث سَهْل وعُويْمر العجلاني وقول عُوَيْمر: "يَا رَسُول الله أرأيتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أيَقْتُلُه فتقتلونه، أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ ". إلى قوله "فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قبل أنْ يَأمُرَهُ رَسُولُ الله ﷺ " وفي بعض طرقه "فَكَانَتْ حَامِلاً"، وفي بعض طُرُقه: "فذلكم التفريق بين كل متلاعنين"، وفي بعض طرقه "ثُمّ فَرَّق بَيْنَهمَا رسولُ الله ﷺ "، وفي بَعْضِ طُرُقِهِ "مَالي؟ قَال: لَا مَالَ لَكَ إن كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهْوَ بِما اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإن كُنْتَ كَذَبْتَ فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا" (من ص ١١٢٩ إلى ١١٣٢).
قال الشيخ -وفقه الله-: قوله: "فكره المسائل وعابها" المسائل إذا كانت مما يضطر إليها السائل فلا بأس بها. وقد كان ﷺ يُسأل عن الأحكام فلا يكره ذلك، وإن كان السؤال على جهة (٨٣) التعنيت فهو منهى عنه. وعاصم هذا إنما سأل لغيره ولعله لم تكن به ضرورة إلى ذلك.
وأصل اللعان في الشريعة الضرورة لحفظ الأنساب ونفي المعرة عن الأزواج.
стр. 770
وقد اختلف المذهب (٨٤) فيمن قذف زوجته: هل يلاعن علي الجملة أو حتى يبين (٨٥) وجه دعواه؟ فمن رأى أن نفي الحد عن الزوج إذا رمى زوجته مقصود في الشرع في نفسه مكّنه من ذلك. وكذلك اضطرب المذهب أيضًا إذا ادَّعى الرؤية للزنا: هَلْ لا ينتفي (٨٦) الولد حتى يدعى مع ذلك الاستبراء، أو ينتفي وإن لم يدع استبراءً، وإن كان الحمل ظاهرا؟ فأحد الأقوال: أنه ينتفي الولد وإن كان الحمل ظاهرا. وقال بعض شيوخنا: ليس لهذا وجه إلا أن تكون مشاهدته لزناها الآن عَلَمًا عنده على اعتيادها لذلك ويغلب على ظنه منه أن الولد الذي هو حمل ظاهر من زان آخر فأبيح له نفيه بهذا الظن كما يباح له نفيه بإراقة الدم وإن كان لا يؤدي إلا (٨٧) إلى الظن لأن الحامل قد تحيض. ومن أنكر من أصحابنا أن ينفى الحمل الظاهر قال: فإن الولد للفراش. وقصارى ما في هذا التجويز أن تكون خانته قبل ولا ينتفي الفراش وأحكامه بالتجويز المجرد.
ومن أصحابنا من لم يوجب الاستبراء ولكنه شرط أن يكون الحمل ظاهرا لأن ظهوره مع ثبوت الفراش كالشاهد عليه بأنه منه، وإذا لم يكن ظاهرا فلا شاهد عليه يمنعه من نفيه.
وفي بعض طرق الحديث (٨٨): "ما وطئتها مذ كذا" فتعَلَّق بهذا من أصحابنا من لم يمكِّنْه من النفى إلا بالاستبراء، ومن لم يعتبره من أصحابنا تعلق بظاهر القرآن ولم يذكر فيه استبراء. وكذلك في بعض طرق الأخبار
стр. 771
لم يذكر فيه استبراء. وهذا العموم لا يخص بقوله "ما وطئتها مذ كذا" لأنه لم يذكر الحُكْمَ إذا لم يذكر ذلك فيكون تخصيصًا.
وقوله: "أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَه؟ " جعله بعض الناس حجةً على أن الزوج إن (٨٩) قتل رجلاً وزعم أنه وجده مع زوجته أنه يقتل به ولا يصدق إلا ببينة لأنه ﷺ لم ينكر عليه ما قال.
وقوله: "فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ " احتج به الشافعي على جواز الطلاق ثلاثا في كلمة واحدة. وانفصل أصحابنا عن هذا بأنها بانت منه باللعَان فوقعت الثلاث على غير زوجة فلم يكن لها تأثير. قالوا: لأنه خرّج النسائي عن محمود بن لبيد قال: "أخبر ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام ﷺ غضبان (٩٠) فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حيّ؟ وقام رجل فقال يا رسول الله: ألا أقتله" فالأخذ بالمنع بهذا الحديث أولى من حديث المتلاعنين مع الاحتمال الذي فيه.
وقد اختلف الناس أيضًا في المتلاعنين: هل تقع الفرقة بنفس اللعان أو حتى يقضي القاضي بالفراق؟ فقال أبو حنيفة: حتى يقضي القاضي بالفراق لقوله "ففرق بينهما"، وهذه إشارة للحكم. وعندنا أنه لا يفتقر إلى حاكم لقوله ﷺ في طريق أخرى "أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها" وقوله "ففارقها عند النبيء ﷺ فقال ﵇: ذاكم التفريق بين كُلِّ متلاعنين" ولم يعتبر قضية القاضي.
وقوله ﷺ : "لا سبيل لك عليها".
حمله جمهور العلماء على العموم فلا تحلّ له أبدا. قال بعض أصحابنا:
стр. 772
ومن جهة المعنى لأنه أدخل لُبسا في النسب فعوقب بالتحريم المؤبّد كأحد التعليلين عندنا في النّاكح في العدة. وانفرد البتّي فقال: إن اللعان لا يوثر في الفراق. وهذا الحديث حجة عليه.
واختلف الناس والقائلون بتأبيد التحريم إذا أكذب نفسه هل تحل له أم لا؟. فعندنا لا تحل له وإن أكذب نفسه أخذا بعموم قوله: "لا سبيل لك عليها" ولم يفرّق، قال أبو حنيفة: إذا أكذب نفسه حلتْ له لارتفاع المعنى المانع لإِكذابه نفسه.
واختلف المذهب عندنا على قولين مع قولنا: "إن بنفس التلاعن يقع التحريم من غير افتقار لحكم هل يقع التحريم بلعان الزوج وحده أم حتى يلتعنا جميعا؟. فقيل: بالْتعَان الزوج وحده لأن التحريم والفراق أمر مقصور عليه فيختص بما يكون منه ولا يفتقر إلى ما يكون من شخص آخر. وقيل: لا يقع ذلك حتى يلتعنا جميعاً، لأنَّ هذه الأحاديث إنما وقع فيها الألفاظ الدَّالّة على الفراق بعد التعانهما جميعًا ولا يتعدى ما وقع فيها.
٦٤٢ - ذكر قوله ﷺ بَعْد أن تلاعنا: "لَعَلَّهَا أنْ تَجِيءَ بِه أسْوَدَ جَعْدًا" (ص ١١٣٣).
هذا دليل على جواز لعان الحامل في حال حملها. وقد قال بعض أصحابنا: إنه إذا لاعن لنفي النسب لأجل استبرائه ولم يشاهد زنا فإنه لا يجب أن يلاعن وهي حامل لجواز أن يكون ريحا تَنفَشّ. وانفصل عن هذا الآخرون بأن الحمل قد يقطع عليه والغلط فيه بالريح نادر.
وقد عُلّقت في الشرع أحكامٌ على الحمل منها: إيجاب النفقة لها بالحمل، وردُّها بعيب الحمل ولم يسقط في الشريعة لاعتبار ذلك.
٦٤٣ - قوله: "قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ بن سَحْمَاء" (ص ١١٣٤).
قال الشيخ: اختلف الناس إذا قذف زوجته بشخص بعينه هل يُحَدُّ لَهُ أم
стр. 773
لا وإن لاعن لزوجته؟ فعند مالك أنه يحد للرّجل لأن الأصل إثبات الحدّ على القاذف وإِنما سقط عن الزوج بلعانه لأجل الضرورة إِلى ذلك وأنه لا يستغني عن ذكر زوجته، وأما الزاني بها فلا ضرورة به إلى ذكره وهو غني عن قذفه، فبقي على الأصل في وجوب الحدّ له.
قال الشافعي: لا يحدّ للرجل إذا أدخله في لعانه (وتعلّق بأنه ﷺ لم يحد الزوج لشريك) (٩١) وقد سماه.
وقال بعض أصحابنا: لا حجة فيه لوجهين: أحدهما أن شريكا كان يهوديًا، والثاني أن شريكا لم يطلب حدّه ولا قام يطلب عرضه فلم يكن في ذلك تعلق.
٦٤٤ - قول سَعْدٍ: "يا رسولَ الله الرَّجُلُ يَجِدُ مع امْرَأتِهِ رَجُلاً أيقتله؟ فقال ﷺ : لا. فقال سَعْدٌ: بلى والَّذِى أكْرَمَكَ (٩٢) بِالْحَقِّ. فقال ﷺ اسْمَعُوا مَا يَقُولُ سَيِّدُكُم" (ص ١١٣٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: معنى ذلك عندي أن قوله "بلى" بمعنى أنه لا تقر له نفسه لذلك وأن طباعه ربَّما غلبته وتستولي عليه الغيرة حتى يقتله وإن كان عاصيا لك في ذلك لا على أنه رَدَّ قول النبيء ﷺ وقَصَدَ مخالفته.
٦٤٥ - قوله: "إن جَاءَتْ بِهِ أكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ" (ص ١١٣٤).
قال الهروي: الجعد في صفات الرجال يكون مدحا ويكون ذَمًّا، فإذَا كان مدحا فله معنيان: أحدهما: أن يكون معصوب الخلق شديد الأسْر.
стр. 774
والثاني: أن يكون شعره غير سبط لأن السبوطة أكثرُها في شعور العجم.
وأما الجعد المذموم فله معنيان: أحدهما القصير المتردد، والآخر البخيل، يقال رجل: جعد اليدين وجعد الأصابع أيْ بَخِيلٌ.
٦٤٦ - وفي حديث آخر: "إنْ جَاءَتْ بِهِ جَعْدًا قَطَطا" (ص ١١٣٥).
القطط: الشَّدِيد الجعودة، يقال: رجل جعد وشعر جعد: بيّن الجعودة، وقطط: بيّن القطوطة.
وقوله: "حَمْش السّاقين".
أي دقيق السّاقين قال الهروي: امرأة حمشاء السّاقين (٩٣) كرعَاءُ اليدين (٩٤) إذا كانت دقيقتهما. قال غيره: والحموشة دقة الساقين.
٦٤٧ - وقوله: "إن جاءت بِه سَبِطًا قضيىء العَيْنِ" (ص ١١٣٤).
السبوطة: استرسال الشعر وانبساطه، ورجل سَبَطٌ وسَبِط بفتح البَاء وكسرها لغتان: بيّن السبوطة. وكذلك شعر سَبَطٌ وَسَبِطٌ وقد سَبُطَ شعر الرجل سبوِطة، وقضيىء العين فاسد العين. قال ابن دريد في الجمهرة (٩٥) يقال: قَضِئَتْ عين الرجل إذا احمَّرتْ ودمعت، وقد قَضِئت القربة. تقضأ قضأَ فهي قَضِئة على وزن فَعِلة (٩٦) إذا عفنت وتهافتت. قال ابن وَلّاد: وسقاء قضيء إذا طال مكثه في مكان ففسد وبلي. والقضأ مقصور مهموز: العيب (٩٧). قال ابن دريد: وَقَضِىء حسب الرجل قَضَأَ وقُضؤً، وقُضْأ
стр. 775
إذا دخله عيب، وإن في حسبه لقُضأة ولا نفعل كذا فإن فيه قُضْأة عَليَّ. قال الهروي: وقضِىء الثوب إذا تَفزَّر وتشقق. قال غيره: من طول البِلى وقوله: خَدْلاً آدَم. الخدل بخاء معجمة مفتوحة ودال مهملة: الممتلىءَ الساق. والآدم: الشديد السمرة وجمعه أُدْم مثل أحمر وحُمْر. وأما آدم إذا كان اسمًا فهو مشتق من أئمة الأرض وأديمها، أي وجهها فسمي بما خلق منه، وجمعه آدمون.
٦٤٨ - وقوله ﷺ يعني به لسعد بن عبادة (٩٨): "أسمعوا إلى ما يقول سيدكم" (ص ١١٣٥).
قال ابن الأنباري وغيره: السيد الذي يفوق في الفخر قومه، والسيد أيضًا الحليم، وأيضًا الحسن الخلق، وأيضًا الرئيس. قال الشاعر: [المتقارب]
فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا ... وإنْ كُنْتَ لِلْخَال (٩٩) فاذهب فَخَلْ
وأنشد ابن قتيبة: [مجزوء الرمل]
قَتَلْنَا سَيّدَ الخزْرج سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ (١٠٠)
٦٤٩ - وقوله: "يحبّ المِدْحة" (ص ١١٣٦).
كسر الميم لا يكون إلا معَ إدخال التاء للتأنيث فإذا ذهبت التاء بقي لفظ التذكير فتحت الميم فيقال: هو المَدح وهي المِدحة.