لم يذكر فيه استبراء. وهذا العموم لا يخص بقوله "ما وطئتها مذ كذا" لأنه لم يذكر الحُكْمَ إذا لم يذكر ذلك فيكون تخصيصًا.
وقوله: "أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَه؟ " جعله بعض الناس حجةً على أن الزوج إن (٨٩) قتل رجلاً وزعم أنه وجده مع زوجته أنه يقتل به ولا يصدق إلا ببينة لأنه ﷺ لم ينكر عليه ما قال.
وقوله: "فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ " احتج به الشافعي على جواز الطلاق ثلاثا في كلمة واحدة. وانفصل أصحابنا عن هذا بأنها بانت منه باللعَان فوقعت الثلاث على غير زوجة فلم يكن لها تأثير. قالوا: لأنه خرّج النسائي عن محمود بن لبيد قال: "أخبر ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام ﷺ غضبان (٩٠) فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حيّ؟ وقام رجل فقال يا رسول الله: ألا أقتله" فالأخذ بالمنع بهذا الحديث أولى من حديث المتلاعنين مع الاحتمال الذي فيه.
وقد اختلف الناس أيضًا في المتلاعنين: هل تقع الفرقة بنفس اللعان أو حتى يقضي القاضي بالفراق؟ فقال أبو حنيفة: حتى يقضي القاضي بالفراق لقوله "ففرق بينهما"، وهذه إشارة للحكم. وعندنا أنه لا يفتقر إلى حاكم لقوله ﷺ في طريق أخرى "أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها" وقوله "ففارقها عند النبيء ﷺ فقال ﵇: ذاكم التفريق بين كُلِّ متلاعنين" ولم يعتبر قضية القاضي.
وقوله ﷺ : "لا سبيل لك عليها".
حمله جمهور العلماء على العموم فلا تحلّ له أبدا. قال بعض أصحابنا:
стр. 772
ومن جهة المعنى لأنه أدخل لُبسا في النسب فعوقب بالتحريم المؤبّد كأحد التعليلين عندنا في النّاكح في العدة. وانفرد البتّي فقال: إن اللعان لا يوثر في الفراق. وهذا الحديث حجة عليه.
واختلف الناس والقائلون بتأبيد التحريم إذا أكذب نفسه هل تحل له أم لا؟. فعندنا لا تحل له وإن أكذب نفسه أخذا بعموم قوله: "لا سبيل لك عليها" ولم يفرّق، قال أبو حنيفة: إذا أكذب نفسه حلتْ له لارتفاع المعنى المانع لإِكذابه نفسه.
واختلف المذهب عندنا على قولين مع قولنا: "إن بنفس التلاعن يقع التحريم من غير افتقار لحكم هل يقع التحريم بلعان الزوج وحده أم حتى يلتعنا جميعا؟. فقيل: بالْتعَان الزوج وحده لأن التحريم والفراق أمر مقصور عليه فيختص بما يكون منه ولا يفتقر إلى ما يكون من شخص آخر. وقيل: لا يقع ذلك حتى يلتعنا جميعاً، لأنَّ هذه الأحاديث إنما وقع فيها الألفاظ الدَّالّة على الفراق بعد التعانهما جميعًا ولا يتعدى ما وقع فيها.
٦٤٢ - ذكر قوله ﷺ بَعْد أن تلاعنا: "لَعَلَّهَا أنْ تَجِيءَ بِه أسْوَدَ جَعْدًا" (ص ١١٣٣).
هذا دليل على جواز لعان الحامل في حال حملها. وقد قال بعض أصحابنا: إنه إذا لاعن لنفي النسب لأجل استبرائه ولم يشاهد زنا فإنه لا يجب أن يلاعن وهي حامل لجواز أن يكون ريحا تَنفَشّ. وانفصل عن هذا الآخرون بأن الحمل قد يقطع عليه والغلط فيه بالريح نادر.
وقد عُلّقت في الشرع أحكامٌ على الحمل منها: إيجاب النفقة لها بالحمل، وردُّها بعيب الحمل ولم يسقط في الشريعة لاعتبار ذلك.
٦٤٣ - قوله: "قَذَفَ امْرَأتَهُ بِشَرِيكِ بن سَحْمَاء" (ص ١١٣٤).
قال الشيخ: اختلف الناس إذا قذف زوجته بشخص بعينه هل يُحَدُّ لَهُ أم
стр. 773
لا وإن لاعن لزوجته؟ فعند مالك أنه يحد للرّجل لأن الأصل إثبات الحدّ على القاذف وإِنما سقط عن الزوج بلعانه لأجل الضرورة إِلى ذلك وأنه لا يستغني عن ذكر زوجته، وأما الزاني بها فلا ضرورة به إلى ذكره وهو غني عن قذفه، فبقي على الأصل في وجوب الحدّ له.
قال الشافعي: لا يحدّ للرجل إذا أدخله في لعانه (وتعلّق بأنه ﷺ لم يحد الزوج لشريك) (٩١) وقد سماه.
وقال بعض أصحابنا: لا حجة فيه لوجهين: أحدهما أن شريكا كان يهوديًا، والثاني أن شريكا لم يطلب حدّه ولا قام يطلب عرضه فلم يكن في ذلك تعلق.
٦٤٤ - قول سَعْدٍ: "يا رسولَ الله الرَّجُلُ يَجِدُ مع امْرَأتِهِ رَجُلاً أيقتله؟ فقال ﷺ : لا. فقال سَعْدٌ: بلى والَّذِى أكْرَمَكَ (٩٢) بِالْحَقِّ. فقال ﷺ اسْمَعُوا مَا يَقُولُ سَيِّدُكُم" (ص ١١٣٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: معنى ذلك عندي أن قوله "بلى" بمعنى أنه لا تقر له نفسه لذلك وأن طباعه ربَّما غلبته وتستولي عليه الغيرة حتى يقتله وإن كان عاصيا لك في ذلك لا على أنه رَدَّ قول النبيء ﷺ وقَصَدَ مخالفته.
٦٤٥ - قوله: "إن جَاءَتْ بِهِ أكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ" (ص ١١٣٤).
قال الهروي: الجعد في صفات الرجال يكون مدحا ويكون ذَمًّا، فإذَا كان مدحا فله معنيان: أحدهما: أن يكون معصوب الخلق شديد الأسْر.
стр. 774
والثاني: أن يكون شعره غير سبط لأن السبوطة أكثرُها في شعور العجم.
وأما الجعد المذموم فله معنيان: أحدهما القصير المتردد، والآخر البخيل، يقال رجل: جعد اليدين وجعد الأصابع أيْ بَخِيلٌ.
٦٤٦ - وفي حديث آخر: "إنْ جَاءَتْ بِهِ جَعْدًا قَطَطا" (ص ١١٣٥).
القطط: الشَّدِيد الجعودة، يقال: رجل جعد وشعر جعد: بيّن الجعودة، وقطط: بيّن القطوطة.
وقوله: "حَمْش السّاقين".
أي دقيق السّاقين قال الهروي: امرأة حمشاء السّاقين (٩٣) كرعَاءُ اليدين (٩٤) إذا كانت دقيقتهما. قال غيره: والحموشة دقة الساقين.
٦٤٧ - وقوله: "إن جاءت بِه سَبِطًا قضيىء العَيْنِ" (ص ١١٣٤).
السبوطة: استرسال الشعر وانبساطه، ورجل سَبَطٌ وسَبِط بفتح البَاء وكسرها لغتان: بيّن السبوطة. وكذلك شعر سَبَطٌ وَسَبِطٌ وقد سَبُطَ شعر الرجل سبوِطة، وقضيىء العين فاسد العين. قال ابن دريد في الجمهرة (٩٥) يقال: قَضِئَتْ عين الرجل إذا احمَّرتْ ودمعت، وقد قَضِئت القربة. تقضأ قضأَ فهي قَضِئة على وزن فَعِلة (٩٦) إذا عفنت وتهافتت. قال ابن وَلّاد: وسقاء قضيء إذا طال مكثه في مكان ففسد وبلي. والقضأ مقصور مهموز: العيب (٩٧). قال ابن دريد: وَقَضِىء حسب الرجل قَضَأَ وقُضؤً، وقُضْأ
стр. 775
إذا دخله عيب، وإن في حسبه لقُضأة ولا نفعل كذا فإن فيه قُضْأة عَليَّ. قال الهروي: وقضِىء الثوب إذا تَفزَّر وتشقق. قال غيره: من طول البِلى وقوله: خَدْلاً آدَم. الخدل بخاء معجمة مفتوحة ودال مهملة: الممتلىءَ الساق. والآدم: الشديد السمرة وجمعه أُدْم مثل أحمر وحُمْر. وأما آدم إذا كان اسمًا فهو مشتق من أئمة الأرض وأديمها، أي وجهها فسمي بما خلق منه، وجمعه آدمون.
٦٤٨ - وقوله ﷺ يعني به لسعد بن عبادة (٩٨): "أسمعوا إلى ما يقول سيدكم" (ص ١١٣٥).
قال ابن الأنباري وغيره: السيد الذي يفوق في الفخر قومه، والسيد أيضًا الحليم، وأيضًا الحسن الخلق، وأيضًا الرئيس. قال الشاعر: [المتقارب]
فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا ... وإنْ كُنْتَ لِلْخَال (٩٩) فاذهب فَخَلْ
وأنشد ابن قتيبة: [مجزوء الرمل]
قَتَلْنَا سَيّدَ الخزْرج سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ (١٠٠)
٦٤٩ - وقوله: "يحبّ المِدْحة" (ص ١١٣٦).
كسر الميم لا يكون إلا معَ إدخال التاء للتأنيث فإذا ذهبت التاء بقي لفظ التذكير فتحت الميم فيقال: هو المَدح وهي المِدحة.
стр. 776
٦٥٠ - وقوله: "هَلْ فِيهَا مِنْ أوْرَق" (ص ١١٣٧).
الأورق: الأسمر، وهو من الوُرْقَةِ، ومنه قيل للرَّمَادِ أوْرق وللجماعة ورْقاء.
٦٥١ - وقوله: "لَضَرَبْتُهُ بِالسيّفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ" (ص ١١٣٠).
أي غير ضارب بصفح السيف، وَصفْحا السّيف وَجْهَاه. وغراراه حَدَّاه (١٠١).
قال الشيخ -وفقه الله-: الحكم بالتقويم ها هنا لما يلحق الشريك من الضرر بعيب العتق ولِحقّ الله تعالى في إكمال الحرية؛ فإن كان للشريك مال: فهل يعتق نصيب من لم يُعْتِق بالسراية أم بالتقويم؟ ففيه (٥) اختلاف في المذهب، وإن كان الشريك معسرا: فهل لمن لم يُعتق اتباعه بالقيمة في ذمته وإكمال العتق عليه؟ فيه أيضًا قولان في المذهب. وعند أبى حنيفة أن المعتق إن كان موسرًا كان للآخر أن يعتق نصيبه أو يضمن شريكه أو يُسْتَسْعَى العبد، وإن كان معسرًا كان لشريكه العتق والاستسعاء (٦).
وتعلق مالك في نفي الاستسعاء بقوله في طريق ابن عمر: "وَإلَاّ فَقَدْ عُتِقَ مِنْهُ ما عتق" وظاهر هذا نفي الاستسعاء. وتعلق أبو حنيفة برواية أبي هُريرة في الاستسعاء. وقد قال بعض أصحابنا: إنها زِيَادَةٌ من كَلَامِ قتادة تلبَّس على بعض الرواة فأضافها إلى نفس الحديث. وقد ذكر ابن المُنْذر ما يُصَحَّح مَا قالَهُ أصحابنا. وذكر في سند الحديث عن بعض رواته قال: وَكَان يُفْتِي قَتَادَةُ. وذكر الاستسعاء على أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: "يستسعى العبد في نصيبه الذي لم يعتق"، أي يَخْتَدِمه بقدر نصيبه لئلَاّ يظن أنه يحرم استخدامه وإن كان قد وقع في بعض الروايات الاستسْعَاء في القيمة. وهذه الرواية تمنع هذا التأويل.
وقال بعض أصحابنا: لعلّ الراوي نقل بالمعنى، ولما سمع الاستسعاء في النصيب عبر عنه بالقيمة على ما فهم، وهذا عندي لا يعول عليه لأنه سوء ظن بالرواة، وتطريق إلى إفساد أكثر الأحاديث. وقد قالوا أيضًا هُمْ في تأويل الحديث الذي تعلقنا به: إن قوله: "وإلا فقد عُتق منه ما عتق" أنَّهُ أراد أن العتق بَرَدَ واستقر وإن تعذر الاستكمال لا يوفع ما وقع فيه والذي
стр. 779
قالوه يحتمل، وإنما يبقى النظر فيما قلناه: هل (٧) الأظهر من المحتملات؟ والظواهر يقع بها الترجيح بعضها على بعض. وقد نبَّهْنَا على ما في روايتهم من الاحتمال وما في روايتنا ولم يبق إلَاّ التمسك بالأظهر.
وفي غير كتاب مسلم: "عن جابر أن النبيء ﷺ قال: من أعْتَقَ عَبْدًا لَهُ شُرَكَاءُ وَلَهُ وَفَاء (٨) فَهْوَ حُرٌّ وَيَضْمَنُ نَصِيب شُرَكَائِهِ بِقِيمَتِهِ لما أسَاءَ مِنْ مُشَارَكتِهِمْ وَلَيْسَ عَلَى العبد شيء".
وفي هذا الحديث ثلاثُ فوائد: العتق بالسراية لقوله: "فهو حرّ"، والتعليل (٩) بحق الشريك لقوله: "لما أساء من مشاركتهم"، ونفي السعاية لقوله: "وليس على العبد شيء".
وقوله ها هنا في رواية أبي هريرة: "قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْد" إشَارَةٌ إلَى تَقْوِيم العبد كاملا ويعطي قيمة نصفه بنسبة قيمة الكلّ لأنه كان قادرًا على أن يدعو شريكه لبيع جملته فيحصل له نصف الثمن الحاصل في الجميع فإذا مَنَعَهُ من هذا ضمن له ما منعه منه.
وقد قال هذا بعض أهل العلم. واختلف المذهب في الشريكين إذا أعتقا وسِهَامُهُمَا مُخْتلفة وَلَهما شَرِيك ثالث: هل يضمنان على التساوى لأنَّهُمَا اشتركا في الإِتلاف ولو انفرد كل واحد منهما فأعتق لضمن جميع نصيب شريكه من غير أن يعتبر قلة نصيبه أو كثرته، أو يكونان يضمنان بقدر أملاكهما لأنَّ كونهما مالكين نفَّذ لهما العتق فلِلْملك إذاً مدخل في هذا فوقعت الغرامة بقدره. وقد غلِط ابن راهويه وذهب إلى أن معتق نصف الأمة لا يضمن بقيتها لأنه لم يذكر في الحديث إلاّ العبد. وأنكر حُذّاقُ
стр. 780
أهل الأصول هذا ورأوا أن الأمة في معنى العبد وأن هذا لا يلتبس على أحد سمع هذا اللفظ وقالوا: إذا كان الفرع في معنى الأصل قطعًا صار كالمنصوص عليه.
وأما قوله: "مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ" (ص ١١٤٠).
الشقص: النصيب، ومثله الشقيص، وكذلك قوله: "من أعتق شِركًا لَهُ في عبدٍ" الشرك: النصيب، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ (١٠)، أي من نصيب ويكون الشرك في غير هذا الشريك، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (١١) ويكون الشرك أيضًا الاشتراك يُقال: شَرِكْتُهُ في الأمر أشرَكُهُ شِرْكًا، ومنه حديث معاذ: "أجَازَ بَيْنَ أهْل اليمن الشِّرك" أراد الاشتراك في الأرض.
وقوله: "فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ".
يقال: عَتَقَ العَبْد في نفسه إذا صار حرًا وَأعْتَقَه سيِّدُه.
٦٥٣ - ذَكَرَ: "أن عَائِشَةَ أرَادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةٌ تَعْتِقُهَا فَقَالَ: أهْلُهَا نَبِيعَكُهَا عَلَى أنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَقَالَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فإنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أعْتَقَ".
و"عَن عَائِشَةَ أنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْهَا تَسْتَعِينُهَا (١٢) فِي كِتَابَتِهَا". في بعض الروايات: "ولم تكن قَضَتْ من كِتَابتها شَيْئًا فقَالت لها عائشة: ارْجِعِي إلَى أهْلِكِ فإنْ أحبّوا أن أقضي عنكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونُ وَلاؤُكِ لِي فعلتُ. فَذكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأهْلِهَا فَأبَوا وقالوا: إنْ شَاءَتْ أنْ تحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ
стр. 781
وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ للنّبِيء ﷺ فَقَالَ لَهَا: ابتاعي وَأعْتِقِي فَإنَّمَا الوَلَاء لِمَنْ أعْتَقَ. ثُمَّ قالَ ﷺ : مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِيِ كِتَابِ الله، مَنِ اشْتَرَطَ شرْطًا لَيْسَ في كِتَابِ الله فَلَيْسَ لَهُ وَإنْ اشْتَرَطَ مائَةَ شَرْطٍ شَرْطُ الله أحَقُّ وَأوْثَقُ".
وفي بعض طرقه: "وكان (١٣) زَوْجُهَا عَبْدًا فخيرها النبيء ﷺ فاختارت نَفْسَهَا" (ص ١١٤١ إلى ١١٤٣).
قال الشَّيخ -وفقه الله-: حديث بريرة هذا فيه فقه كثير والذي يُحتاج إلى ذكره ها هنا الكلامُ في جواز بيعها ابتداء. وقد اختلفت أقْوَال العلماء في بيع المُكَاتَب على الجملة، فأجازه بعضهم، ومنعه بعضهم. والجواز على أنه يَتَأدَّى منه المشتري لا على أنه تبطل كتابته لأن هذا لم نعلم من يذهب إليه. وكذلك أيضًا أجاز مالك بيع كتابته خاصة ويؤدي للمشتري فإن عجز رُقَّ له. ومنع ذلك ابن أبي سلمة (١٤) وربيعة وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ورَأوْا ذلك غررًا وجهلا بالمشتري لأنه لا يدري ما يحصل له هل نجومٌ أم رقبة (١٥).
وأجاز بعض أهل العلم بيع المكاتب للعتق (١٦) لا للاستخدام، وإن رضي بالبيع وقد عجز عن الأداء لفقره وضعفه عن التكسب جاز بيعه، وإن كان ظاهر المال ففي رضاه بالعجز قولان، فمن مكنه منه أجاز بيعه إذا رضي بالعجز والبيع، ومن منعه من ذلك لم يجز بيعه. والقولان في المذهب
стр. 782
عندنا وكذلك إن لم يكن له مال ظاهر ولكنه قادر على التكسب وتحصيل النجوم التي يعتق بها (١٧) في رضاه أيضًا بالعجز اختلاف في المذهب.
وفي بيع العبد القن بشرط العتق مِنْ مشتريه اختلاف بين الناس، وأجازه مالك والشافعي، ومنعه أبو حنيفة ولكنه قال: إنْ وقع البيع مضى بالثمن. وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن فقالا: يَمْضِي بالقيمة، فإذا تقرر هذا كله قُلنا بعده: لا بد من تطلب تأويل بيع بريرة وهي مكاتبة عند من منع (١٨) من بيع المكاتب فيقول من حكينا عنه: إنَّ بيعه جائز للعتق لا للخدمة. إنما جاز ها هنا لأن عائشة اشترتها للعتق وَأنَا أُجيزُه. ومَن يجيز بيع كتابة المكاتب يقول: لعلها اشترت كتابتها ويحتج بقوله ها هنا في كتاب مسلم: "فَإنْ أحبّوا أنْ أقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ" وهَذَا ظَاهره أنَّها لم تشتر الرقبة.
ومَنْ يمنع بيع المُكاتب وبَيْعَ كِتَابِتِه يقول: عجَزَتْ ورضيتْ بالبيع فلهذا اشترتها عائشة. وأما شراء العبد القنّ بشرط الإعتاق فيتعلق بهذا الحديث من يجيزه ويقول: قد اشترتها عائشة بشرط العتق وقال ﷺ : "ابتاعي وأعْتِقِي"، وهذا يصحح ما ذهبت إليه. ومَنْ يمنع بيع العبد القِنِّ بشرط العتق قد ينازع في هذا ويمنع من كون عائشة مشترية. وقد يحمله على قضاء الكتابة عن بَريرة أو على شراء الكتابة خاصة إن كان أحد يجمع بين هذين المذهبين، منع البيع وجواز بيع الكتابة. هَذَا وَجْة من الكلام على هذا الحديث.
وأمّا الوجه الثاني وهو المُشْكِل في (١٩) هذا الحديث فما وقع من طريق
стр. 783
هشام ها هنا وهو قوله ﷺ : "اشْتَرِيهَا وأعْتِقِيهَا واشْتَرِطِي (٢٠) لَهُمُ الوَلَاء"، فيقال: كَيْفَ أمَرَها ﷺ بهذا وفيه عقد بيع على شرط لا يجوز وتغرير بالبائعين إذْ شرطت لهم ما لا يصح وَخَدعتهم فيه وَلَمَّا صعب الانفصال عن هذا على بعض النَّاس أنكر هذا الحديث (٢١) أصلاً. يُحْكَى ذلك عن يحيى بن أكثم، وقد وقع في كثير من الروايات سقوط هذه اللفظة، وهذا (٢٢) مما يشجع يَحْيى على إنكارها.
وأما المحصلون من أهل العلم فتطلبوا لذك تأويلا واختلفوا فيه فقال بعضهم: "لَهُمْ" هَا هُنَا بمعنى عليهم (فيكون معناه: اشترطي عليهم الولاء. وعبر عن عَليهم بلفظ "لهم" كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ﴾ (٢٣) بمعنى عليهم (٢٤) ﴿وَإنْ أَسَأتُمْ فَلَهَا﴾ (٢٥) أيْ فَعَلَيْهَا (ويكون قيام النبيء ﷺ وَوَعْظُهُ لِمَا سلف لَهُم من شرط الولاء لأنفُسِهِمْ قبل ذلك) (٢٦). وقال آخرون: معنى "اشترطي" ها هنا أظهري لهم (٢٧) حكم الولاء. قال أوس بن حجر: يذكر رجلاً تدلى من رأس جبل بحبل إلى نبعة ليقطع فيتخذ منها قوساه: [الطويل]
فَأشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهْوَ مُعْصِمْ ... وَألْقَى بِأسْبَاب لَهُ وتوكّلا
стр. 784
معناه جعل نفسه عَلَمًا لذلك الأمر، ومنه قيل: أشراط الساعةِ بمعنى علاماتِها، ومنه سُمُّوا أصحاب الشرط لأنه كان لهم في القديم علامات يُعرفون بها. ومنه: الشرط في كذا، بمعنى أنه عَلَمٌ عليه. وقال آخرون: إنّما المراد بهذا الزّجر والتوبيخ لأنه ﷺ كَانَ بَيِّن لهم أن هذا الشرط لا يحلّ فلما أخذوا يتقاحمُونَ على مخالفته قال لعائشة هذا اللفظ، بمعنى لا تبالي بشرطهم لأنه باطل مردود وقد سبق بياني لهم ذلك لا على معنى الإِباحة لها والأمر لها بذلك، وقد ترد لفظة افعل وليس المرادُ بها اقضاءَ الفعل ولا الإِذن فيه كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٢٨) و ﴿كُونُوا حِجَارةً أوْ حَدِيدَا﴾ (٢٩).
وأما الوجه الثالث فإنه الكلام على قوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق". ولا خلاف بين الُعلماء في مُعْتِق عبده عن نَفْسِهِ أن وَلَاءَهُ لَهُ. واختلفوا إذا أعتقه عن غيره رجلٍ بعينه أو عن جميع المسلمين، فمذهبنا (٣٠) أن الولاء للمعتَقِ عنه كان رجلاً بعينه أو جماعة المسلمين. وقال ابن نافع من أصحاب مالك في المُعتق عن جماعة المسلمين: إن الولاء له دونهم. قال بعض شيوخنا: ويلزمه على ما قال أن يقول بمذهب المخالف: إن الولاء للمعتق وإن أعتق (عن رجل بعينه. واحتج من رأى أنّ الولاء للمعتق وإن أعتق) (٣١) عن غيره بقوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق" فعمَّ. وحمله مالك على أن المراد به: من أعتق عن نفسه، بدليل أن الوكيل إذا أعتق بإذن موكّله على العتق كان الولاء لمن وكّله وإن كان هو المعتق.
وقد وقع هنا سؤال مشكل، وهو: لو قال: أنت حرّ ولا ولاء لي عليك.
стр. 785
فأما ابن القصار فالتزم في هذا السؤال أن يكون الولاء للمسلمين. ونَّزل هذا القول منزلة قول القائل: أنت حر عن المسلمين. وكان بعض شيوخنا يخالفه في هذا ويرى أن بقوله: أنت حر، استقر الولاء له، واستئنافه بعد ذلك جملة ثانية هي قوله: "ولا ولاء لي عليك" لا يُغيّر حكم الجملة الأولى لأنه إخبار على أن حكم الجملة الأولى المستقرة بالشرع على خلاف ما حكم الله تعالى به، فيكون إخباره كذبا وفتواه باطلا، والباطل والكذب لا يلتفت إليه ولا يُعَوَّل في مثل هذه الأحكام عليه.
وأما الوجه الرّابع من الكلام على هذا الحديث فقوله: "فخيّرها رسولُ الله ﷺ وقد كان زوجها عبدًا" فلا خلاف بين أهل العلم في أن الأمة إذا عتقت تحت عبد أن لها الخيار في فسخ نكاحه.
واختلف الناس في الحر (٣٢) هل تخير إذا اعتقت تحته؟ فعندنا لا تخَيَّر لأن هذا الحديث قد ذكر فيه ها هنا أن زوجها كَان عَبْدًا والأصل ثبوت الأنكحة ولا سبيل إلى إثبات الفسخ عند طريان حوادث إلَاّ بشرع يدل على ذلك، وقد دل ها هنا عَلَى العَبْد فبقيَ الحر على الأصل.
وأما المخالف الموجب لها الخيار وإن كان زوجها حرًّا فتعلق برواية من روى أن زوجها كان حرّا. ونحن نرجّح مذهبها عليه بأن نقول: راوي حال هذا الزوج ابن عباس وعائشة، فأما ابن عباس فلم يختلف الرواة عنه أنه قال: كان زوجها عبدا. وأما عائشة فاختلفت الرواة عنها هل قالت "عبدا أو حرا؟ " والذي لا اختلاف عنه أولى أن يُتعلق بروايته من رواية من اختلف عنه.
وأما وجه الخلاف من جهة الاعتبار والمعنى فإن مالكا رأى أن العلّة ما يدركها من المعَرَّة لما صارت حرة يكون زوجها عبدًا وإذا كان زوجها حرا
стр. 786
فلا معرة عليها فلا وجه لتخييرها. وأما المخالف فيرى أن العلة كونها معقودا عليها بالجبر أولاً لحق العبودية فإذا صارت إلى حال من لا يُجبر لملكها نفسها كان لها حل (٣٣) العقد.
ويتعلق في ذلك بما قيل في بعض الطرق: "ملكتِ نفسك واختاري" أو كما قال، فأشار إلى أن العلة ملك النفس، وهذا يوجب المساواة بين الحر والعبد، فإذا ثَبت أن لها الخيار فإنها إذا مكنت الزوج من وطئها بعد علمهَا بالعتق سقط خيارها، وإن زعمت. أنها جاهلة بحكم الخيار. هذا المعروف من المذهب.
وقال بعض أصحابنا: فإن هذا بناءٌ على أنها ادعت ما لا يشبه من الجهل بالحكم لاشتهار هذا الحكم عند سائر الإِمَاءِ. ولو كانت ممن يَتَبَيَّن جهلها بهذا كحديثة العهد بالسبي من السودان وغيرهم لجرت على القولين فيمن زنا جاهلا بحكم تحريم (٣٤) الزنى هل يحد أم لا؟ وقد تعلق بعض أصحابنا بأن في بعض الأحاديث أنه علق على الخيار لها بأن لا توطأ ولَمْ يفرق بين وطئها جاهلة أو عالمة. والصحيح من هذا أنه لم يثبت أثر يسقط تخييرها إذا جهلت الحكم أنها باقية على حقها ولا معنى لتخريجهم الخلاف في ذلك لأن كل من ثبت له حق فلا يسقط إلا بنصّه على إسقاطه أو فعل يقوم مقام النص، (وتمكين العالمة بالحكم قائم مقام النص) (٣٥) منها على إسقاط حقها فسقط، وإذا كانت جاهلة لم يصدر عنها ما يدل على سقوط حقها فبقيت على الأصل في ثبوته.
وأما الوجه الخامس فقوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو
стр. 787
باطل وإن كان مائة شرط". فيجب أن يعلم أن الشروط المقارنة للبيع لا تخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون من مقتضى العقد كالتسليم، وجواز التصرف في المبيع، وهذا لا خلاف في جواز اشتراطه لأنه يُقْضَى به وإن لم يُشترط.
والثاني: أن لا تَكُون من مقتضاه ولكنها من مصلحته كالحميل والرهن واشتراط الخيار، فهذا أيضًا يجوز اشتراطه لأنه من مصلحته فأشبه ما كان من مقتضاه ولكنه إنما يقضى به مع الاشتراط وإن لم يشترط فلا يقضى به وبهذا يفارق القسم الأول.
والثالث: أن تكون خارجة (٣٦) عن ذلك مما لا يجوز اشتراطه في العقود بأن يمنع من مقتضى العقد أو يوقع فيه غررا. و (٣٧) غير ذلك من الوجوه الممنوعة. فهذا موضع اضطراب العلماء، ومسائل المذهب مضطربة فيه ولكن المشهور فيه على الجملة في القول المطلق أن البيع والشرط جميعا يُنقضان ويبطلان لقوله ﷺ : "مَنْ أحْدَثَ فِي دِيننَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فهْوَ رَدٌّ" لأنه قد وضع من الثَّمَن لأجل الشرط فصار له حصة من المعاوضة فيجب بطلان ما قابله من العوض لفساده والذي ينوبه من العوض (٣٨) مجهول. وهذا يؤدي إلى الجهالة بما يقابل ما سواه في العوض فوجب فسخ الكل لذلك. وقد قال بعض العلماء: فإن الشرط خاصة هو المختص بالبطلان لأجل حديث بَريرة.
وقد وقع في المذهب مسائل خرّج منها بعض الشيوخ هذه الطريقة
стр. 788
وجعلها قولاً في المذهب. ووجه المشهور ما قدمناه (٣٩) من الخبر والقياس وهو مقدم عندهم على هذا الحديث على أن حديث بَريرة لم يُنص فيه على صحة البيع إنما ذكر الشروط خاصة فبقي البيع يؤخذ حكمه من مواضع أخر في الشريعة.
وأما شراء عائشة فقد ذكرنا له وجوهًا من التأويل في قوله ﷺ : "اشترطي لهم الولاء" وإذا ثبتت تأويلات الحديث سقط تعلقهم بظاهره، وقول عائشة في بعض طرق حديث بَريرة: "لَاها الله لا أفعل ذلك" فيها لغتان إحداهما (٤٠): إثبات الألف، والأخرى إسقاطها لسكونها وسكون اللام (٤١) في الاسم فيصير اللفظ (٤٢) ها الله (٤٣) بمعنى: والله.
وأما الوجه السادس فما ذكره من أكله ﷺ مما تصدق به عليها. وقد تقدم الكلام عليه فيما سبق.
٦٥٤ - قال الشيخ -وفقه الله- خرّج مسلم في باب الولاء: حديثا "عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيء ﷺ " ثم قال بَعْده: "وحدثنيه إبراهيم بن دينار نا عبيد الله بن موسى قال نا شيبان يعني النحوي أبا معاوية" (٤٤) (ص ١١٤٦).
وفي نسخة ابن ماهان: "حدثنا إبراهيم نا عبيد الله قال (٤٥) نا سفيان
стр. 789
عن الأعمش" جعل سفيان بدل شيبان والصواب شيبان، ومثله في المناقب: "حدثنا القاسم بن زكرياء قال نا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن مالك بن الحارث (٤٦) عن أبي الأحوص" الحديث في مناقب عبد الله ابن مسعود وليس عندهم في هذا الموضع خلاف.
٦٥٥ - قوله ﷺ : "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا (٤٧) إلا أنْ يَجِدَه مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ"، وفي بعض طرقه: "وَلَدٌ وَالِدَهُ" (ص ١١٤٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في عتق الأقارب إذا مُلكوا فأنكره جملة بعض أهل الظاهر وتعلقوا بهذا الحديث، وأثبته جُمهور الأُمة، واختلفوا فيمن يثبت ذلك فيه، فعندنا في المذهب ثلاثة أقوال:
المشهور منها عن مالك: أن العتق يختص بعمودي النسب والإِخوة. ويدخل في قولنا: عَمُودَي النسب الآباء والأجداد والأمهات والجدات وإن عَلَوْا والولد وولد الولد وإن سَفلوا.
والقول الثاني: إثبات العِتق في عَمُودي النسب خاصة دون الإِخوة ذكره ابن خُوَيْزِ مِنْدَاد (٤٨).
والقول الثالث: عتق ذوي الأرحام المحرَّمة. ذكره ابن القَصّار.
وبما حكاه ابن خُوَيْز منداد قال الشافعي، وبما حكاه ابن القصار قال أبو حنيفة. فأما تعلق من أنكر العتق أصلا بقوله: "إلاّ أن يشتريَه فيُعتِقَه" وتقديره: أنّه لما أضاف العتق إلى الولد اقتضى أنْ يكون باختياره. وذلك
стр. 790
ينفي عتقه عليه جَبْرًا فإن هذا لا حجة لهم فيه. ومَحْمله عندنا على أنه يُعتَق باشترائه فأضاف العتق إليه لما كان عن أمر يكتسبه ويفعله، وهو الشراء.
وقد خرج الترمذي والنسائي وأبو داود عن سَمُرة أن النبيء ﷺ قال: "من مَلَك ذَا رَحِمٍ محْرَمٍ فهو حرٌّ". وعند الترمذي "ذاتَ محرم". وهذا يمنع من التعلُّق بالحديث الذي ذكروه ولو كان الأظهرُ في معناه ما قدروه لأنَّ النصوص أولى من الظواهر. ولهذا الحديث حملنا قوله "فيعتقه" على ما قلناه من التأويل وهو الحجة للقول الذي حكاه ابن القصار. وقد تعلق أصحابنا بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٤٩). وردَّ بهذا إضافة الكفرة الولد إليه فدلَّ على منافاة البنوَّة (٥٠) للعبودية وتعلقوا في الإِخوة بقوله: ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ (٥١) فَلَمَّا استحال ملك نفسه استحال ملك أخيه. وتعلقهم بهذه الآية في الإِخوة ضعيف ولهذه الآي وقع الاقتصار في المذهب المشهور على عتق عمودي النسب والإِخوة لا أكثر وكأنَّ الحديث لم يثبت عنده ولأجل ضعف التعليق بقوله: ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ نفى عتق الإِخوة وأثبت عتق البنوة لقوله الظاهر (٥٢) الوارد به في القرآن وأثبت عتق الأبوة بقوله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٥٣) وبقوله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٥٤) وليس من الإِحسان إليهما استرقاقهما.
стр. 791
فهذه وجوه الأقوال الثلاثة المذكورة في المذهب التي قال بجميعها فقهاء الأمصار الثلاثة (٥٥).
وقد اختلف المذهب عندنا هل يفتقر عتق الأقارب إلى حُكْم أم لا؟ فقيل: لا يفتقر إلى حُكم لقوله ﷺ : "مَنْ ملك ذَا رَحِمٍ مَحْرم فهو حرّ" وظاهر هذا الاقتصار على مجرد الملك دون الحكم، وقيل: بل يفتقر ذلك إلى حكم لأجل اضطراب العلماء في هذه المسألة. واختلاف المذهب فيها فيكون حكم الحاكم رافعًا للخلاف.
стр. 792
١٢ - كِتَابُ البُيُوعِ
٦٥٦ - فيه قول الراوي: "نهى رسول الله ﷺ عَن بَيْعَتَيْنِ: المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ" (ص ١١٥١).
أما الملامسة فَأنْ يَلْمُسَ كل واحدٍ منهما ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه.
قال الشيخ -وفقه الله-: الأحاديث الواقعة في البيوع ها هنا كثيرة ونحن نقدم فصل حسنًا يشتمل على عقد جيد ونَطَّلِعُ منه على أسرار في الشرع.
فاعلم أن العرب لبلاغتها وحكمتها وحرصها على تأدية المعاني إلى الأفهام بأدْنى ضروب الكلام تخص كل معنى بعبارة وإن كان مشاركا للآخر في أكثر وُجُوهه. فلما كَانَتِ الأمْلَاكُ تَنْتَقِل عن أيدي مالكيها بعوض (وبغير عوض سَمَّوْا المنتقل بعوض بَيْعا فحقيقة البَيْع نقل الملك بعوض) (١)،
стр. 793
ولكن المعاوضة إن كانت على الرقاب خصوها بتسمية البيع، وإن كانَتْ على المنافع خصوها بتسمية الإِجارة، إلا أن تكون المنافع منافع الفروج فخصُّوها أيضًا بتسميتهما نكاحا.
وإذا علمت حقيقة البيع ومعانيَ هذه التسميات فاعلم أن البَيْع يفتقر إلى أربعة أركان:
أحدهما (٢): متعاقدان أو من في معناهما. وقولنا: من في معناهما احتراز من أب عقد على ولديه أو وَصيّ على يتيميه (٣).
والثاني: معقود به.
والثالث: معقود عليه.
والرابع: العقد في نفسه.
فأما المتعاقدان فمن حقهما أن يكونا مطلقي اليد والاختيار، فقولنا: يكونا مطلَقَيْ اليد، احتراز (٤) لمن يحجر عليه، وهم أربعة أصناف:
أحدهم (٥): من يحجر عليه لحق نفسه وهو السفيه، ويدخل فيه المجنون والصغير والعاقل البالغ الذي لا يميز أُمورَ دنياه.
والثانى: من يحجر عليه لحق غيره ممن يملك أعيان ما في يديه كالسيد مع عَبده.
стр. 794
والثالث: من يحجر. عليه لمن (٦) يخاف أن يملك عينَ ما في يديه كالمريض مع ورثته، وقد تلحق به الزوجة مع زوجها، والمرتد مع المسلمين.
والرابع: من يحجر عليه لحق من يملك ما في ذمته كالمديان مع غرمائه ولكن طريق الحجر يختلف (٧) مع هؤلاء، ويُستقصَى (٨) كل فصل في موضعه إن شاء الله.
فالسفيه يمنع من البيع رأسا، وكذلك العبد إذا شَاء سيده، وكذلك المرتد والمديان إذا ضُرب على أيديهما، والمريض والزوجة يُمنعان إذا حابَيَا محاباة تزيد على ثلثهما.
وعندنا اختلاف في السفيه إذا كان مهملا فقيل: تمضي بِياعاته، وقيل: ترد إن كان ظاهر السفه وتمضي إن كان خَفِيَّه (٩). وكان المحققون من شيوخنا يختارون الرد لأن السفيه المحجور يرد بيعه اتفاقا فكأنَّ المحققين رأوا أن الرد من مقتضى السفه فردّوا أفعال المهمل. ورأى بعض أصحاب مالك الرد من مقتضى الحجر فأجازوا أفعاله إذْ لَا حَجْر عَلَيْه. والأصح عند شيوخنا أنه من مقتضى السفه لأن الحجر كان عن السفه ولم يكن السفه عَن الحجر، وإذا كان الحجر عن السفه، ومن مقتضاه وجب أن يكون الرد في السفيه المحجور عليه لأجل السفه لا لأجل الحجْر.
وكان شيخي ﵀ يقول: فإن السفه علة في رد الأفعال بدليل الاتفاق على رد أفعال الصغير والمجنون ومن بلغ سفيها ولم يبلغ الخمسة وعشرين (١٠) عاما فإن الاتفاق على رد فعل هؤلاء إذا كانوا في الحجر،
стр. 795
وَإذا ثبت رشد السفيه وجب تسليم ماله إليه، فدلّ ذلك على أن العلة وجود السفه والعلة حيثما وجدت اقتضت حكمها هذا المعنى الذي كان يشير إليه.
وكذلك اختلف المذهب في المحِجور عليه إذا رشد ولم يفك الحجر عنه: هل تَمْضِي أفعاله وهو عكس السفيه المهمل؟. والنظر عند شيخنا يقتضي جواز أفعاله لوجود علة الجواز وهي الرشد وارتفاع علة الردّ وهي السفه وهكذا يجري الاختلاف في المرتد إذا باع قبل الحجر عليه قياسا على السفيه المهمل.
والرشد عندنا المطلوب ها هنا في تدبير الدنيا وإصلاحها لا (١١) في إصلاح الدين. وقال بعض أصحابنا: بل الرشد إصلاحهما جميعاً، والأول أولى إذا كان الفاسق ممسكا لماله منمِّيا له لا يتلفه في المعاصي ولا أعظم فسقا من الكافر، وفسقه لم يوجب ردّ بياعاته إذا تحاكم إلينا وقد باع على الصحة من مسلم وقد حدَّ ﷺ الزُّنَاة وقطع السرَّاق وضرب شُرَّاب الخمر ولم ينقل إلينا أنه ﷺ حَجَّر عليهم. وهذا هو الأصح لهذا الذي قلناه ولغيره (١٢).
وأما قولنا: مطلق الاختيار، فلأن المكره المقصور الاختيار لا يلزمه عقده لأنَّ الله سبحانه أباح إظهار كلمة الكفر للإِكراه فدل على أن الإِكراه يصيّر المكره كغير القاصد، ومن لا قصد له لا يلزمه بيعه. وقد ألزمه المخالف طلاقَه وعتْقَه. وهذا التعليل يرد قوله ويرده أيضا قوله ﷺ : "رفع عن أمتي خطؤها ونسيانها (١٣) وما استكرهوا عليه".
стр. 796
وأما السكران فإن الحدود تلزمه. وقد حكى بعض الناس الإِجماع على أنه إذا قَتَل قُتِل. وقال بعض الناس: إنما فارق المجنون في ذلك لأنه متعدٍّ في شرب ما أزال عقله ومكتسب لما أدى إلى ذلك فكانت أفعاله كأفعال المكتسب القاصد. وقال بعضهم: فإنَّ رفع التكليف عن المجنون رخصة وتخفيف وهذا عاص بشربه والعاصي لا يرخص له. وأما عقوده فإن كان طلاقا أو عتاقا فالمشهور عندنا لزوم ذلك لأن ذلك من ناحية الحُدود فألحق بِهاَ في الحُكم. وقد رويت عندنا رواية شاذة في طلاقه أنه لا يلزم قياسا على المجنون. وسلّم بعض أصحابنا أنه لو صُبَّ في حلقه الخمر حتى ذهب عقله أن طلاقه لا يلزم حينئذ لأنه غير متعد في الشرب.
وأما بياعاته ففيها عندنا قولان: جمهور أصحابنا على أنها لا تلزمه لأنه بِسُكره يقصر ميزه (١٤) في معرفته بالمصالح عن السفيه والسفيه لا يلزمه بيعه وإن كان يقام الحد عليه كما يقام على السكران. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه تلزمه بياعاته كما تلزمه الحدود، وأما هِباته فتجري على القولين في بياعاته هذا حكم أحد الأركان وهو المتعاقدان.
وأما المعقود به والمعقود عليه فحكمهما واحد. وإنما تحسين التقسيم أدى إلى إفرادهما بالذكر وإلاّ فكل معقود به معقود عليه فيجب أن تَعْلَمَ أنَّ ما لا منفعة فيه أصلا لا يجوز العقد به ولا عليه لأن ذلك يكون من أكل المال بالباطل ولم يقصد باذل ما يُنتفع به إلى الهبة فيجوز له، وهذا الذي لا منفعة فيه أصلا (١٥) لا يصح ملكه إذا كان مما نهى الشرع عن تملكه كالميتة والدم ولحم الخنزير والخمر، إلَاّ أن الخمر إذا أجزنا تخليلها فقد سهّل في إمساكها للتخليل بَعْضُ أصحابنا. وأما ما فيه منفعة مقصودة فلا يخلو من ثلاثة أقسام:
стр. 797
أحدها: أن تكون سائر منافعه محرمة.
والثاني: أن تكون سائر منافعه محللّة.
والثالث: أن يكون بعضها محللا وبعضها محرما.
فإن كانت سائر منافعه محرمة صار هو القسم الأول الذي لا منفعة فيه كالخمر والميتة.
وإن كانت سائر منافعه محللة جاز بيعه إجماعا كالثوب والعبد والعقار والثمار وغير ذلك من ضروب الأموال.
وإن كانت منافعه مختلفة فهذه المواضع المشكلات في الأفهام ومزلَّة الأقدام، وفيه ترى العلماء يضطربون، وأنا أكشف لك (١٦) عن سره إن شاء الله ليهون عليك اختلافهم فيه.
فاعلم أنه تقدم لك أصلان: جواز البيع عند تحليل سائر المنافع، وتحريمه عند تحريم جميعها، فإذا اختلف عليك فانظر فإن كان جلّ المنافع والمقصود منها محرما حتى صار. المحلَّل من المنافع كالمطَّرح فإن البيع ممنوع، وواضح إلحاق هذا بأحد الأصلين المتفق عليهما لأن المطَّرح من المنافع كالعدم وَإذا كان كالعدم صار كأن الجميع محرّم وإن كان الأمر بعكس ذلك كان الحكم بعكسه، وهو أن يكون المقصود من المنافع وجلّها مباحًا والمحرم مطَّرحا في المقصود فواضح إلحاق هذا بالأصل الثاني وهو ما حَلَّ سائر منافعه.
وأشكل من هذا القسم أن تكون فيه منفعة محرّمة مقصودة مرادة وسائر منافعه سِواها محلل مقصود فَإِنّ هذا ينبغي أن يلحق بالقسم الممنوع لأن كون هذه المنفعة المحرمة مقصودة تؤذن بأن لها حصة من
стр. 798
الثمن وأن العقد اشتمل عليها كما اشتمل على سائر المنافع سِوَاهَا، وهو عقد واحد على شيء واحد لا سبيل إلى تبعيضه والتعاوض على المحرم منه (ممنوع فمنع الكُلُّ لاستحالة التمييز وأنَّ الباقي من المنافع المباحة يصير ثمنه مجهولاً) (١٧) لو قدر جواز انفراده بالتعاوض (١٨).
وربما وقع في هذا النوع مسائل تُشكل على العالِمِ فيلحظ المسألة بعين فكرته فيرى المنفعة المحرّمة ملتبسا أمرها هل هي مقصودة أم لا؟ ويرى ما سواها منافع مقصودة محللة فيمتنع من التحريم لأجل كون المقصود من المنافع محلّلا ولا ينشَد لإِطلاق الإِباحة لأجل الإِشكال في تلك المنفعة المحرّمة هل هي مقصود أم لا؟ فيقف ها هنا المتورّع، ويتساهل آخر فيقول بالكراهة ولا يمنع ولا يحرم ولكنه يكره لأجل الالتباس، فاحتفظْ بهذا الأصل فإنه من مُذْهَبَات العلم ومن قتله علما هان عليه جميع مسائل الخلاف الواردة في هذا الباب وأفْتَى وهو على بصيرة في دين الله تعالى.
ويكفيك من أمثلة هذا الباب على اتساعها وكثرتها ما وقع لأصحابنا من الاختلاف في بيع كلب الصَّيْد فإنه من لم يسمع فيه حديثا بالنهي عن بيعه واستعمل هذا الأصل خرج له حكمه منه فيقول: في الكلب من المنافع كذا وكذا، ويعدد سائر منافعه ثم ينظر هل جميعها محرّم فَيمنع البيع أو محلل فيجيز البيع أو مختلفة فينظر هل المقصود المحرم أو المحلل؟ ويجعل الحكم للغالب على ما بسطناه، أو تكون منفعة واحدة محرمة خاصة وهي مقصودة فيمنع على ما بيناه، أو ملتبِس كونها مقصودة فيقف أو يكرهَ على ما بينّاه. والعرض على هذا الأصل هو سبب اضطراب أصحابنا فيه، وكذلك بيع النجاسات ليزبَّلَ بها النبات ما وقع فيه في المدونة وفي الموازية ولابن القاسم ولأشهب على هذا الأصل يعرض ومنه يعرف الحق فيه.
стр. 799
وقد نبه ﷺ بأحسن عبارة وأقرب اختصار على هذا المعنى الذي بسطناه بقوله ﷺ في الخمْر: "إن الذي حَرَّم شُربَها حَرّم بيعها". ومن كلامه ﷺ هذا اقتضبْنَا (١٩) هذا الذي هو الأصل العظيم. وذلك أنّه أشار إلى أن المنفعة المقصودة من الخمر هي الشربُ لا أكثر فإذا حرّمت حرُمت المعاوضة لأن المشتريَ منعه الشرع من الانتفاع بها فَإذا بَذَل ماله وهو مطيع للشرع في أن لا ينتفع بها فقد سَفه وضَلَّ رشدَه وصار من أكل المال بالباطل.
وهكذا أيضًا نبه على هذا في الحديث الآخر الذي لعن فيه اليهود لما حَرّم عليهم الشَّحْم فباعوه وأكلوا ثمنه لأنَّ الشحم المقصود منه الأكل فإذا حُرِّم حُرِّم الثمن. وهذا من وضوحه كاد يلحق (٢٠) بالعقليات، ولهذا قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم" الحديث.
وقد نبه ﷺ على القسم الآخر المشكل لأنه لما قيل له في شحم الميتة: "يا رسولَ الله إنا نطلي به السفن" فأوردَ متنًا دل على المنع من البيع ولم يعذرهم بذلك ولا أباح البيع لاعتلالهم له بحاجتهم إليه في بعض المنافع. هذا على طريقة من يجيز استعمال ذلك في مثل هذه المواضع فتكون بعض المنافع محللة، ولكن المقصود الذي هو الأكل محرم فلم يرخص في البيع لذلك.
ويلحق بهذا المعنى بياعات الغرر لأنه قد لا يحصل المبيع فتصير المعاوضة على غير منتفع به، ويلحق بالقسم الأول الذي هو المعاوضة على ما لا منفعة فيه أصلا وقد تقدم، ولكن ذلك لكون عدم المنفعة فيه تحقيقا وهذا عدم المنفعة فيه تقديرًا وتجويزًا.
стр. 800
وأما العَقد فمن شرطه أن يخلَّص عن المنهيات كلها وهي محصورة فيما تقدم وفيما شَذَّ منه مما يرجع إلى أصول أخر كالنهي عن العقد عند صلاة الجمعة إلى غير ذلك مما ننبه عليه إن شاء الله عند وروده في أحاديث هذا الكتاب ويُستقصى (٢١) كل فصل في موضعه إن شاء الله.
٦٥٧ - قوله: "نَهَى ﷺ عن بَيْع الحَصَاة وعَنَ بَيْعِ الغَرَرِ" وفي حديث آخر: "نَهَى عَنَ بَيْع حَبل الحَبَلة قَال ابن عمر: كَانَ الجَاهِليَة يَتَبَايَعُون لَحْمَ الجَزُور إلى حَبَلِ الْحَبَلَة وَحَبَلُ الحَبَلَةِ أن تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي نُتِجَتْ فَنَهَاهُم ﷺ عن ذَلِكَ" (ص ١١٥٣ - ١١٥٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: تضمنت هذه الأحاديث النهي (عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر) (٢٢). وعن بيع حَبَل الحبلة. فأما الغرر فهو اسم جامع لبياعات كثيرة منها هاتان البيعتان: بيع الحصاة، وبيع (٢٣) حبَل الحبلة على أحد التأويلات فيهما.
فأما الغرر فما تردَّد بين السلامة والعطب أو ما في معنى ذلك، وذلك أنّهُ يلحق بمعنى إضاعة المال لأنه قد لا يحصل المبيع فيكون بذْل ماله باطلا. وقد نبه ﷺ على هذه العلة بقوله في بيع الثَّمرة قبل الزهو: "أرأيتَ إن منع الله الثّمرة بِم يأخذ أحدكم مال أخيه".
وقد رأينا العلماء أجمعوا على فساد بعض بِيَاعَات الغرر وأجمعوا على صحة بعضها واختلفوا في بعضها فيجب أن يبحث عن الأصل (٢٤) الذي يعرف منه اتفاقهم واختلافهم فنقول: إنا لما رأينَاهم أجمعوا على منع بيع
стр. 801
الأجنة والطير في الهواء والسمك في الماء ثم رأيناهم أجمعوا على جواز بيع الجُبَّة وان كان حشوها مغيّبًا عن الأبصار ولو بيع حشوها على انفراده لم يجز، وأجمعوا على جواز إجارة الدار مشاهرة مع جواز أن يكون الشهر ثلاثين أو تسعا وعشرين. وأجمعوا على دخول الحمام مع اختلاف الناس في استعمال الماء وطول لَبثهم في الحمام وعلى الشرب من الساقي مع اختلاف عادات الناس فيه أيضًا (٢٥).
قلنا: يجب أن يفهم عنهم أنهم منعوا بيع الأجنة لعظم غررها وشدة خطرها، وَأن الغرر فيها مقصود يجب أن يفسد العقود. ولما رأيناهم أجمعوا على جواز المسائل التي عددناها قلنا: ليس ذلك إلا لأن الغرر فيها نزْر يسير غير مقصود وتدعو الضرورة إلى العفو عنه، فإذا ثبت هذا وصَحّ ما استنبطناه (٢٦) من هذين الأصلين المختلفين قُلنا: يجب أن ترد جميع مسائل الخلاف الواقعة بين فقهاء الأمصار في هذا المعنى إلى هذا الأصل، فمن أجاز قدر أن الغرر فيما سئل عنه غير مقصود وقاسه على ما تقدم، ومن منع قدر أن الغرر مقصود وقاسه على ما تقدم أيضًا.
وأما بيع الحَصَاة فاختلف في تأويله اختلافا كثيرا، وأحسن ما قيل فيه تأويلات:
منها أن يكون المراد أن يبيع من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة (٢٧)، ولا شك أن هذا مجهول لاختلاف قوة الرامي وعوائق الرمي. وقيل معناه: أيُّ ثوب وقعت عليه حصاتي فهو المبيع، وهذا أيضًا مجهول كالأول. وقيل معناه: أرم بالحصاة فما خرج كان لي بعدده دنانير أو دراهم، وهذا أيضًا مجهول.
стр. 802
هذه ثلاث تاويلات متقاربة (٢٨) وكلها يصح معها المنع.
وقد قيل: تأويل رابع وخامس، قيل معناه: أنه إِذا أعجبه الثوب (٢٩) ترك عليه حصاة، وهذا إِذا كان بمعنى الخيار وجعل ترك الحصاة علمًا على الاختيار لم يجب أن يمنع إِلاّ أن تكون عادتهم في الجاهلية أن يُضيفُوا لذلك أمورًا تفسد البيعَ ويكون ذلك عندهم معروفا ببيع الحصاة مثل أن يكون متى ما ترك حصاة وَإن كان بعد عام وجب له البيع، فهذا فاسد.
وقيل أيضًا: كان الرجل يسوم الثوب وبيده حصاة فيقول: إذا سقطت من يدي فقد وجب البيع. (وهذا أيضًا إن كان معناه إذا سقطت باختياره وجب البيع) (٣٠) فهذا بيع الخيار إذا وقع على صفة بيع الخيار من مراعاة أجله وغير ذلك إلا أن يكون الثمن لم يقرراه (٣١) وبسقوطها من يده أو بوضعه إياها على التأويل الذي قبله يجب البيع ولكن على القيمة وهي مجهولة فيمنع هذا للجهالة بالثمن، وقد يكون هذا هو المَعْنِي في هذين القولين الأخيرين.
وأما بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ فقيل: فيه تأويلان: أحدهما: أن المراد ما حكاه مسلم من تفسير ابن عمر ﵄ أن البيع إلى نِتاج نِتاج الناقة (٣٢) فيكون ذلك تَنْبِيهًا على أن الثَّمن وإن كان معلوما في نفسه وجنسه فإنه تؤثر فيه الجهالة ببعض صفاته (٣٣) ويصير هذا أصلاً في النهي عن البيع بثمن إلى أجل مجهولٍ.
стр. 803
وقد اختلف المذهب عندنا في مسائل كالبيع إلى العطاء وهو خلاف في حال لا خلاف في فقه فمن أجاز البيع إلى العطاء رآه معلوما في العادة، ومن أباه رآه يختلف في العادة.
والتأويل الثاني: أن يكون المراد بيَع نِتاج نِتاج الناقة فيكون ذلك جهلاً بالمبيع وصفته. وفيه أيضا الجهالة بزمن تسليمه، وكل ذلك ممنوع.
والتاء في حَبَل الحَبَلَة للمبالغة، وقاله ابن الأنباري وغيره.
٦٥٨ - قوله ﷺ : "لَا يُتَلَقَّى (٣٤) الرُّكْبَان ببيع، وَلَا يَبعْ بَعْضكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَم فَمَن ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهْوَ بِخَيْر النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أن يَحْلبها فَإنْ رَضِيَها أمْسَكَهَا وَإن سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرِ". وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: "لَا تَلقوا الجَلَبَ فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ شيئًا فَإذَا أتى سَيِّدُهُ السُّوقَ فهْوَ بِالخِيَارِ". وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: "لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزَق الله بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ". وفي بَعْض طُرُقِهِ: "من ابتاع شَاةً مُصَرَّاةً فَهْوَ فِيهَا بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ". وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ" (ص ١١٥٥ إلى ١١٥٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: تَضَمَّنَ هذا الحديث النهي عن خمسة فصول تكلمنا على ثلاثة منها فيما تقدم عند الكلام على الخِطْبَة (٣٥) وهي البيع على بيع أخيه، والنَّجْشُ "ولا يبع حاضر لباد" ونتكَلَّم ها هنا على الفصلين الباقيين: التَّلقِّي والمُصَرَّاة.
فأما التلقّي فإنَّ النهي عنه معقول المعنى وهو ما يلحق الغير من الضرر ولكن يقدح ها هنا في نفس المتأمل معارضة فيقول: المَفْهُومُ من منع البَيْع
стр. 804
الحاضر للبادي أنْ لا يستقصِي البادي وأنْ يُوجَدَ السبيل لغبنه. والمفهوم مِن النهي عن التلقي أن لا يغبن البادي بدليل قوله ها هنا: "فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار".
والانفصال عن هذا أنّا كنّا قدمنا أنَّ الشرع في مثل هذه المسألة وأخواتها انبنى (٣٦) على مصلحة الناس، والمصلحة تقتضي أن ينظر للجماعة على الواحد ولا يقتضي أن ينظر للواحد على الواحد، ولَمَّا كان البادي إذا باع لنفسه انتفع سائر أهل السوق فاشتروا ما يشترونه رخيصًا وانتفع سائر سكان البلد نُظِر لأهل البلد عليه. ولما كان إنما ينتفع بالرخْص المتلقي خاصة وهو واحد في قبالة الواحد الذي هو البادي لم يكن في إباحة التلقي مصلحة لا سيما وينضاف إلى ذلك علة ثانية وهي لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم بالرخص وقطع المواد عنهم وهم أكثر من المتلقي فَنُظِر لهم عليه فعادت المسألة إلى المسألة الأولى فصارا أصلا واحدًا وانقلب ما ظنه الظانُّ في هذا من التناقض بِأن صَارا (٣٧) مِثلين يؤكد بعضهما بعضا (٣٨).
وقد اختلف المذهب عندنا فيمن لم يقصد التلقي ولم يبرز إليه خارج المدينة بل مرّ به على بابه بعضُ البداة: هل يشتري منه ما يحتاج إليه قبل وصوله إلى السوق؟ فقيل بالمنع لعموم الحديث، وقيل بالجواز لأن هذا لم يقصد الضرر ولا الاستبداد دون أهل السوق فلمْ يمنع. وقد جعل له في بعض الطرق ها هنا الخيار إذا جاء السوق ولم يفسخ البيع لَمَّا كان النهي (٣٩) لحق الخلق لا لحق الله سبحانه، ومن لم تثبت عنده هذه الزيادة
стр. 805
ورأى أن النهي يدل على فساد المنهيّ عنه فسخ البيع. وفي ذلك اضطراب في المذهب.
وفي هذا الحديث من الفوائد أيضا إثبات الخيار للمغبون لأنه إذا ثبت أن النهي عن التلقي لئلا يغبن الجالب لم يكن لإِثبات الخيار له معنى إلا لأجل الغبن أو لأنه يرجو الزيادة في السوق.
وأما التصريه فَإِنْ النهي عنها أيضا لحق الغير وهي أصل في تحريم االغش وفي الرد بالعيب وقد كان شيخنا أبو محمد بن عبد الحميد ﵀ يجعلها أصْلا في أن النَّهي إذا كان لحقّ الخلق لا يوجب (٤٠) فساد البيع لأن الأمة أجمعت على تحريم االغش في البيع. ووقع النهي عنه ها هنا ثم خيَّره ﷺ بعد ذلك في أن يتماسك (٤١) بالبيع، والفاسد لا يصح التماسك به.
وفي هذا الحديث دلالة على أن التدليس محرّم ويوجب الخيار للمشتري وإن كان بتحسين المبيع الذي يُؤَدي إلى الخدْع والغرور، وأن الفعل يقوم مقام النطق في مثل هذا لأن قصارى ما فيه أن المشتري رأى ضرعا مملوءًا فقدر أن ذلك عادتها فحلّ ذلك محلّ قول البائع: إن ذلك عادتها فجاء الأمر بخلافه وصار البائع لما دلّس كالقائل لذلك، وقد قال بعض الناس: لو كان الضرع مملوءًا لحما وظنه المشتري لبنا لم يكن له خيار من هذه الجهة لأجل أن البائعا لم يدلس عليه.
وأما رد الصاع من التمر فقد أنكره أهل العراق وَمَال إليه بعض أصحابنا لأنه جاء عندهم بخلاف الأصول من الغرامة عن اللّبن تمرا وَمُتلِفُ الشّيء إنّما يغرَم مثلَه أو قيمَته وأما جنسا آخر من العروض فلا. وأيضًا فإن الأصل
стр. 806
أن الخَراج بالضمان وأن المُعْتَلَّ لا يرد الغلَّة إذا رد بالعيب وهذا قد أمر ها هنا بالرد.
وجواب الجمهور من أصحابنا عن هذا أن يقولوا: أما الرد للتمر عن اللّبن فإنما ذلك لأنه قُوتُ بلدهم حينئذ وكأنه ﷺ رأى أن اللبن كانوا يريدونه للقُوت، وهذا يحل محله وهو أصل كسبهم للقوت فقضَى به وإذا كان عيش بعض البلاد غيره من الطعام قضى بالغالب من عيشهم.
وقد روي عنه ﷺ : "من ابتاع محفَّلة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ معها مثلَ أو مثلي لبنها قمحا" وقد ذكر مسلم ها هنا صاعا من طعام لا سمراء وهذا يدل على ما قلناه من مراعاة حال قوت البلد.
وأما اقتصاره ﷺ على الصاع مع اختلاف لبن الشاة والناقة واختلاف لبن النوق في أنفسها مع أنه لا يصح أن يلزم المتلفَ للكثير مثلُ ما يلزم المتلف لليسير، فقال بعض أهل العلم: إنما ذلك لأنه ﷺ أراد أن يكون ذلك حدًا يرجع إليه ليرتفع الخصام ويزول التنازع والتشاجر، وقد كان ﷺ حريصًا على رفع التشاجر عن أمته.
وهذا كما قضى في الجنين بالغرّة ولم يفصِل بين الذكر والأنثى مع اختلافهما في الديات لأن هذه المواضع لما كان يتعذر ضبطها عند البينات كثر التنازع فيها فرفعه ﷺ بأن جعل القضاءَ في ذلك واحدًا. وقد مر أبو يوسف وابن أبي ليلى على مقتضى القياس وقالا: يرد قيمة اللَّبن وحَمَلَا الحديث على أنه وقع بحكم الاتفاق لكون القيمة وقت قضائه ﷺ بذلك صاعا من تمر.
وقد قال بعض أهل العلم: إذا غلا الصّاع حتى صار يسْتبشع القضاءُ به عِوَضَ اللَّبن لكونه مقاربا لقيمة الشاة كلها فإنه حينئذ لا يقضى به وإن
стр. 807
غَرِمَ المشتري قيمة أعلى (٤٢) ما يرى أنه كان فيها من اللبن لم يكن عليه أكثرُ من ذلك.
واستلوح هؤلاء أن النبيء ﵇ إنما قضى بصاع واحد في لبن الشاة والناقة مع اختلافهما لأنه وإن قلّ لبن الشاة فهو أجود وإن كثر لبن الناقة فهو أدنى فصارا (٤٣) بهذا كالمتساويين فلا يكون في هذا حجة للأولين الذين جعلوا القضية بالصاع ضربة لازب.
وأما رد عوض اللبن مع كون الخراج بالضمان وأن المشتري لا يرد الغلة إذا رد بالعيب فلأن المصراة كان فيها لبن حين البيع ولم يكن غلة حينئذ فتكون للمشتري بل هو على ملك البائع كأحد أعضاء الشاة فرده إذا رد بالعيب واجب، فلما استحال رده بعينه لاختلاطه بما يحدث عند المشتري وجب أن يرد العوض عنه ويصير كالفائت ويقدر العوض عنه لرفع التنازع في ذلك كله لما بيّنا.
ولكن إنما يلزم على هذا أن يقال: فإذا ردها بعيب آخر غير التصرية وجب أن يرد عوض اللّبن أيضًا لما قلتموه. وقد قال محمد لا يرد عوض اللبن إلا إذا رده بالتصرية. قيل: هذا الذي قلتموه يلزم وقد التزمه بعض شيوخنا ولم يصوب ما قاله محمد في هذا وكأنَّ محمّدا رأى أنه شرع جاء في التصْرية خاصة فلم يتعدَّ فيه ما ورد الشرع به.
واختلف أيضًا إذا كانت الغنم التي صريت كثيرة هل يرد لجميعها صاعًا واحدًا أو لكل شاة صاعًا، والأصوب أن يكون حكم الكثير منها خلاف حكم الواحد لأنه من المستبشع في القول على مقتضى الأصول أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة وإن احتج علينا بأنه ﷺ
стр. 808
ساوى بين لبن الشاة والناقة مع كون لبن الناقة أكثر، قلنا: تقدم الجواب عن ذلك والانفصال عنه.
وقوله: "لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ" معناه: لا تجمعوا اللَّبن في ضرعها حتى يعظم، ومنه صَريت الماء في الحوض، أي جمعته. والصراة المياه المجتمعة، وصرى الماءَ في الظهر إذَا حبسه سِنِين لا يتزوج، وأهل اللغة يَقُولون: لَا تُصَرُّوا. وقد اختلف عن مالك فقيل عنه مثل هذا، وما وقع في الحديث الذي ذكرناه من ذكر المُحفّلة والمُحفلة هي المصراة بعينها، سميت محفلة لأن اللبن حُفِلَ في ضرعها وكل شيء كثرته فقد حفّلته، ومنه قيل احتفل القوم إذا كَثرُوا واجتمعوا.
٦٥٩ - وقوله ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" قال ابن عباس: "وَأحْسبُ كلَّ شَيءٍ مِثْلَهُ". وفي بعض طرقه: "حتَّى يَكْتَالَهُ. قلت لابن عباس: لِمَ؟ فَقَالَ: ألَا تَرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ والطّعَامِ مُرْجَأَ"، وفي بعض طرقه: "حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَيَقْبِضَهُ". وعن ابن عُمَرَ."كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ فَيَبْعَثُ علَيْنَا مَنْ يأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أنْ نَبِيعَهُ". وعن ابن عُمَرَ: " أنَّههُمْ كَانُوا يُضرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ إذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزافًا أنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يُحَوِّلُوهُ". وفي بعض طرقه: "حَتَّى يُؤْوُوهُ إلَى رِحَالِهِمْ" (ص ١١٥٩ إلى ١١٦١).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في جواز (٤٤) بيع المشتريات قبل قبضها؛ فمنعه الشافعيّ في كل شيء. وانفرد (٤٥) عثمان البَتِّي فأجازه في كل شيء. ومنعه أبو حنيفة في كل شيء إلا العقارَ وما لا ينتقل. ومنعه
стр. 809
آخرون في سائر المكيلات والموزونات. ومنعه مالك في سائر المكيلات والموزونات إذا كانت. طعاما؛ فتعلق من منع على الإِطلاق بقوله: "نهى عن ربح ما لم يضمن" ولم يفرِّق وعضد ما قاله أيضًا بما ذكره ابن عمر ها هنا من منع بَيْع الطعام الجزاف حتى يُؤْووه إلى رحالهم. واستثنى أبو حنيفة ما لم ينقل لتعذر الاستيفاء فيه المشار إليه في قوله: "نَهَى عَنْ بيْع الطَّعام حتى يُستوفَى".
وأما القولان الآخران فمأخوذان من قوله: "نَهَى عن بيع الطعام حتى يستوفى" فنقول: مَن منع سائر المكيلات يقتضب من هذا علة فلا يصح التعليل إلا بالكيل. وقد نبه عليه بقوله: "حتى يَكْتَالَه" فأجْرَى سَائر المكيلات مجرًى واحدًا.
ويقول مالك: فإن دليل خطاب الحديث يقتضي جواز غير الطعام ولو كان سائر المَكِيلات ممنوعا بيعها قبل قبضها لما خصّ الطعام بالذكر فلما خصه دَلَّ على أن ما عداه بخلافه. ويمنع من تعليل هذا الحديث بالكيل لأنه تعليل ينافي دليلَ الخطاب المعلِّل، والدليل كالنطق عند بعض أهل الأصول.
وقد أشار بعض أصحاب مالك إلى أن العلة العِينَةُ. وِاستدل بقول ابن عباس الذي ذكرناه لما سئل فقال: "ألا تراهم يتبايَعُون بالذّهب والطعام مُرْجَأَ"، أي مؤخرا، وكأنهم قصدوا إلى أن يدفعوا ذهبا في أكثر مِنْهُ (٤٦) والطعامُ محلّل. وفي البخاري عنه: "دَراهم بِدَرَاهِمَ والطعام مُرجأَ" وقد تَرَجَّح بعض أصحابنا في الطعام إذا أُمن فيه من العِينة التي هي سبب المنع على ما قال ابن عباس: هل يمنع بيعه قبل قَبْضه لظاهر الخبر أو يسهّل فيه؟ ورأيته يميل إلى التسهيل في مقتضى كلامه إذا وقع البيع فيه بالنَّقد، وما
стр. 810
أظن أن عثمان البَتّي سلك في إجازته بيع كل شيء قبل قبضه إلا هذه الطريقة وإن كان مذهبنا انفرد به. وهذا شاذ عند العلماء أضرب عن ذكره كثير منهم. وإذا وضح مأخذ كل مذهب من هذه المذاهب فينفصل أصحابنا عن تعلق الشافعي بقوله: "نهى عن رَبْح ما لم يضمن بجوابين".
أحدهما: أن يحمل على بيع الخيار وأن يبيع المشتري قبل أن يختار.
والثاني: أن يحمل ذلك على الطعام ويخص عموم هذا إذا حملناه على الطعام بإحدى طريقتين: إمّا دليل الخطاب من قوله: "نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى" فدل على أن ما عداه بخلافه، أو يخص بما ذكره ابن عمر من: "أنهم كانوا يبيعون الإِبل بالدراهم ويأخذون عنها ذهبا أو بالذهب ويأخذون عنها دراهم". وأضاف إجازة ذلك إلى النبيء ﷺ . وهذه إجازة ربح ما لم يضمن في العين. ونقيس عليه (٤٧) ما سِوَى الطَّعَام ويخص به النهي عن ربح ما لم يضمن. ويحمل قول ابن عمر الذي قدمناه على الاستحباب، والرواية التي فيها ذكر ضربهم يحمل على أنه فعل ذلك حماية للذريعة أو على أنهم اتخذوا ذلك عِينةً ممنوعة.
٦٦٠ - وقول أبي هريرة لِمَرْوان: "أحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ" (ص ١١٦٢).
يُريد صكوك الجار المذكورة في المدونة، وهي كُتب يكتب لهم فيها طعام يأخذونه. والصكاك والصّكوك جمع صَكّ وهو الكتاب.
٦٦١ - قوله: "نَهَى عن بيع الصُّبرة من التّمر لا يعلم مَكيلَتُها بالكَيْل المُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ" (ص ١١٦٢).