← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13253

المعلم بفوائد مسلم

المازري

Полный текст (1 600 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

أن الخَراج بالضمان وأن المُعْتَلَّ لا يرد الغلَّة إذا رد بالعيب وهذا قد أمر ها هنا بالرد. وجواب الجمهور من أصحابنا عن هذا أن يقولوا: أما الرد للتمر عن اللّبن فإنما ذلك لأنه قُوتُ بلدهم حينئذ وكأنه ﷺ رأى أن اللبن كانوا يريدونه للقُوت، وهذا يحل محله وهو أصل كسبهم للقوت فقضَى به وإذا كان عيش بعض البلاد غيره من الطعام قضى بالغالب من عيشهم. وقد روي عنه ﷺ : "من ابتاع محفَّلة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ معها مثلَ أو مثلي لبنها قمحا" وقد ذكر مسلم ها هنا صاعا من طعام لا سمراء وهذا يدل على ما قلناه من مراعاة حال قوت البلد. وأما اقتصاره ﷺ على الصاع مع اختلاف لبن الشاة والناقة واختلاف لبن النوق في أنفسها مع أنه لا يصح أن يلزم المتلفَ للكثير مثلُ ما يلزم المتلف لليسير، فقال بعض أهل العلم: إنما ذلك لأنه ﷺ أراد أن يكون ذلك حدًا يرجع إليه ليرتفع الخصام ويزول التنازع والتشاجر، وقد كان ﷺ حريصًا على رفع التشاجر عن أمته. وهذا كما قضى في الجنين بالغرّة ولم يفصِل بين الذكر والأنثى مع اختلافهما في الديات لأن هذه المواضع لما كان يتعذر ضبطها عند البينات كثر التنازع فيها فرفعه ﷺ بأن جعل القضاءَ في ذلك واحدًا. وقد مر أبو يوسف وابن أبي ليلى على مقتضى القياس وقالا: يرد قيمة اللَّبن وحَمَلَا الحديث على أنه وقع بحكم الاتفاق لكون القيمة وقت قضائه ﷺ بذلك صاعا من تمر. وقد قال بعض أهل العلم: إذا غلا الصّاع حتى صار يسْتبشع القضاءُ به عِوَضَ اللَّبن لكونه مقاربا لقيمة الشاة كلها فإنه حينئذ لا يقضى به وإن

стр. 807

غَرِمَ المشتري قيمة أعلى (٤٢) ما يرى أنه كان فيها من اللبن لم يكن عليه أكثرُ من ذلك. واستلوح هؤلاء أن النبيء ﵇ إنما قضى بصاع واحد في لبن الشاة والناقة مع اختلافهما لأنه وإن قلّ لبن الشاة فهو أجود وإن كثر لبن الناقة فهو أدنى فصارا (٤٣) بهذا كالمتساويين فلا يكون في هذا حجة للأولين الذين جعلوا القضية بالصاع ضربة لازب. وأما رد عوض اللبن مع كون الخراج بالضمان وأن المشتري لا يرد الغلة إذا رد بالعيب فلأن المصراة كان فيها لبن حين البيع ولم يكن غلة حينئذ فتكون للمشتري بل هو على ملك البائع كأحد أعضاء الشاة فرده إذا رد بالعيب واجب، فلما استحال رده بعينه لاختلاطه بما يحدث عند المشتري وجب أن يرد العوض عنه ويصير كالفائت ويقدر العوض عنه لرفع التنازع في ذلك كله لما بيّنا. ولكن إنما يلزم على هذا أن يقال: فإذا ردها بعيب آخر غير التصرية وجب أن يرد عوض اللّبن أيضًا لما قلتموه. وقد قال محمد لا يرد عوض اللبن إلا إذا رده بالتصرية. قيل: هذا الذي قلتموه يلزم وقد التزمه بعض شيوخنا ولم يصوب ما قاله محمد في هذا وكأنَّ محمّدا رأى أنه شرع جاء في التصْرية خاصة فلم يتعدَّ فيه ما ورد الشرع به. واختلف أيضًا إذا كانت الغنم التي صريت كثيرة هل يرد لجميعها صاعًا واحدًا أو لكل شاة صاعًا، والأصوب أن يكون حكم الكثير منها خلاف حكم الواحد لأنه من المستبشع في القول على مقتضى الأصول أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة وإن احتج علينا بأنه ﷺ

стр. 808

ساوى بين لبن الشاة والناقة مع كون لبن الناقة أكثر، قلنا: تقدم الجواب عن ذلك والانفصال عنه. وقوله: "لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ" معناه: لا تجمعوا اللَّبن في ضرعها حتى يعظم، ومنه صَريت الماء في الحوض، أي جمعته. والصراة المياه المجتمعة، وصرى الماءَ في الظهر إذَا حبسه سِنِين لا يتزوج، وأهل اللغة يَقُولون: لَا تُصَرُّوا. وقد اختلف عن مالك فقيل عنه مثل هذا، وما وقع في الحديث الذي ذكرناه من ذكر المُحفّلة والمُحفلة هي المصراة بعينها، سميت محفلة لأن اللبن حُفِلَ في ضرعها وكل شيء كثرته فقد حفّلته، ومنه قيل احتفل القوم إذا كَثرُوا واجتمعوا. ٦٥٩ - وقوله ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" قال ابن عباس: "وَأحْسبُ كلَّ شَيءٍ مِثْلَهُ". وفي بعض طرقه: "حتَّى يَكْتَالَهُ. قلت لابن عباس: لِمَ؟ فَقَالَ: ألَا تَرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ والطّعَامِ مُرْجَأَ"، وفي بعض طرقه: "حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَيَقْبِضَهُ". وعن ابن عُمَرَ."كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ فَيَبْعَثُ علَيْنَا مَنْ يأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أنْ نَبِيعَهُ". وعن ابن عُمَرَ: " أنَّههُمْ كَانُوا يُضرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ إذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزافًا أنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يُحَوِّلُوهُ". وفي بعض طرقه: "حَتَّى يُؤْوُوهُ إلَى رِحَالِهِمْ" (ص ١١٥٩ إلى ١١٦١). قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في جواز (٤٤) بيع المشتريات قبل قبضها؛ فمنعه الشافعيّ في كل شيء. وانفرد (٤٥) عثمان البَتِّي فأجازه في كل شيء. ومنعه أبو حنيفة في كل شيء إلا العقارَ وما لا ينتقل. ومنعه

стр. 809

آخرون في سائر المكيلات والموزونات. ومنعه مالك في سائر المكيلات والموزونات إذا كانت. طعاما؛ فتعلق من منع على الإِطلاق بقوله: "نهى عن ربح ما لم يضمن" ولم يفرِّق وعضد ما قاله أيضًا بما ذكره ابن عمر ها هنا من منع بَيْع الطعام الجزاف حتى يُؤْووه إلى رحالهم. واستثنى أبو حنيفة ما لم ينقل لتعذر الاستيفاء فيه المشار إليه في قوله: "نَهَى عَنْ بيْع الطَّعام حتى يُستوفَى". وأما القولان الآخران فمأخوذان من قوله: "نَهَى عن بيع الطعام حتى يستوفى" فنقول: مَن منع سائر المكيلات يقتضب من هذا علة فلا يصح التعليل إلا بالكيل. وقد نبه عليه بقوله: "حتى يَكْتَالَه" فأجْرَى سَائر المكيلات مجرًى واحدًا. ويقول مالك: فإن دليل خطاب الحديث يقتضي جواز غير الطعام ولو كان سائر المَكِيلات ممنوعا بيعها قبل قبضها لما خصّ الطعام بالذكر فلما خصه دَلَّ على أن ما عداه بخلافه. ويمنع من تعليل هذا الحديث بالكيل لأنه تعليل ينافي دليلَ الخطاب المعلِّل، والدليل كالنطق عند بعض أهل الأصول. وقد أشار بعض أصحاب مالك إلى أن العلة العِينَةُ. وِاستدل بقول ابن عباس الذي ذكرناه لما سئل فقال: "ألا تراهم يتبايَعُون بالذّهب والطعام مُرْجَأَ"، أي مؤخرا، وكأنهم قصدوا إلى أن يدفعوا ذهبا في أكثر مِنْهُ (٤٦) والطعامُ محلّل. وفي البخاري عنه: "دَراهم بِدَرَاهِمَ والطعام مُرجأَ" وقد تَرَجَّح بعض أصحابنا في الطعام إذا أُمن فيه من العِينة التي هي سبب المنع على ما قال ابن عباس: هل يمنع بيعه قبل قَبْضه لظاهر الخبر أو يسهّل فيه؟ ورأيته يميل إلى التسهيل في مقتضى كلامه إذا وقع البيع فيه بالنَّقد، وما

стр. 810

أظن أن عثمان البَتّي سلك في إجازته بيع كل شيء قبل قبضه إلا هذه الطريقة وإن كان مذهبنا انفرد به. وهذا شاذ عند العلماء أضرب عن ذكره كثير منهم. وإذا وضح مأخذ كل مذهب من هذه المذاهب فينفصل أصحابنا عن تعلق الشافعي بقوله: "نهى عن رَبْح ما لم يضمن بجوابين". أحدهما: أن يحمل على بيع الخيار وأن يبيع المشتري قبل أن يختار. والثاني: أن يحمل ذلك على الطعام ويخص عموم هذا إذا حملناه على الطعام بإحدى طريقتين: إمّا دليل الخطاب من قوله: "نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى" فدل على أن ما عداه بخلافه، أو يخص بما ذكره ابن عمر من: "أنهم كانوا يبيعون الإِبل بالدراهم ويأخذون عنها ذهبا أو بالذهب ويأخذون عنها دراهم". وأضاف إجازة ذلك إلى النبيء ﷺ . وهذه إجازة ربح ما لم يضمن في العين. ونقيس عليه (٤٧) ما سِوَى الطَّعَام ويخص به النهي عن ربح ما لم يضمن. ويحمل قول ابن عمر الذي قدمناه على الاستحباب، والرواية التي فيها ذكر ضربهم يحمل على أنه فعل ذلك حماية للذريعة أو على أنهم اتخذوا ذلك عِينةً ممنوعة. ٦٦٠ - وقول أبي هريرة لِمَرْوان: "أحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ" (ص ١١٦٢). يُريد صكوك الجار المذكورة في المدونة، وهي كُتب يكتب لهم فيها طعام يأخذونه. والصكاك والصّكوك جمع صَكّ وهو الكتاب. ٦٦١ - قوله: "نَهَى عن بيع الصُّبرة من التّمر لا يعلم مَكيلَتُها بالكَيْل المُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ" (ص ١١٦٢).

стр. 811

قال الشيخ: (إنَّما نُهِيَ عَنْ) هَذا (٤٨) لأنه قد يقع في الربا. ولا فرق بين تحقق التفاضل أو تجويزه في منع العقود، وهو أيضًا نوع من المزابنة. وسنتكلم عن المزابنة فيما بعد إن شاء الله تعالى. ٦٦٢ - قوله ﷺ : "البَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بالخيار مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَاّ بَيْعَ الخِيَارِ". وفي بعض طرقه: "إذَا تبايع الرَّجُلَان فَكُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا وَكَانَا جَمِيعًا أوْ يُخيِّرُ أحَدُهُمَا الآخَرَ فَإنْ خَيّر أحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعَ". وفي بعض طرقه: "إذا تَبَايَعَ المُتَبَايِعَانِ بِالْبَيْعِ فَكُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِن بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أوْ يَكُونُ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَار (٤٩) فَإنْ كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَار فَقَدْ وَجَبَ". وفي بعض طرقه: "لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إلَاّ بَيْع الْخِيَارِ" (ص ١١٦٣ - ١١٦٤). قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في الأخذ بظاهر هذا الحديث؛ فأخذ به الشافعي وجماعة غيره من الأيمة ورأَوا أن خِيَارَ المَجْلِسِ ثابت في البيع ولم يأخذ مالك به. واعتذر أصحابه عن مخالفته إياه مع أنه رواه بنفسه بمعَاذِير. منها: أنهم قالوا: لعله حمل التفرق ها هنا على التفرق بالأقوال فيكون معنى قوله "المتبايعان" أي المتساومَانِ مكانهما بالخيار ما داما يتساومان حتى يفترقا بالإِيجاب والقبول فيجب البيع وإن لم يفترقا بالأبدان. قالوا: والافتراق بالأقوال تسمية غير مستنكرة (٥٠) وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٥١) يعني المطلق، والطلاق لا يشترط فيه فرقة الأبدان. واستدلوا على هذا بما وقع في

стр. 812

الترمذي والنسائي وأبي داود من قوله: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله ولو كان له الفسخ قبل التفرق جبرًا لم يحتج إلى أن يستقيله. ولا وجه لحمل الاستقالة على الفسخ لأن ذلك بعيد عن مقتضاها في اللسان ولأنه أيضًا إذا قال أحدهما لصاحبه: اختر، فاختار، وجب البيع. ولا فرق بين هذا الالتزام الثاني والالتزام الأول لأن المجلس لم يفترقا عنه، فإذا وجب بالقول الثاني وجب بالقول الأول. واعتذر آخرون بأن قالوا: العمل إذا خالف الحديث وجب الرجوع إلى العمل لأن من تقدم لا يتهمون بمخالفة هذا الحديث الظاهر، إلا أنهم علموا الناسخ له فتركوه لأجله. وقال الآخرون: لعل المراد به الاستحثاث على قبول استقالة أحد المتبايعين وإسعاده بالفسخ وتكون الإِقالة في المجلس سنة بهذا الحديث وبعد الافتراق من المجلس تفضلاً واستحبابًا. وهذه التأويلات عندي لا يصح الاعتماد عليها. أما استعمال التفرق في الأقوال فلا شك أن استعماله في الأبدان أظهر منه، والأخذ بالظاهر أولى، وأيضًا فإن المتساومين لم يكن بينهما عقد ولا إيجاب ويُعْلَم أنهما بالخيار. وإنما يعلم الخيارُ بعد الإِيجاب بهذا الحديث. وأما قول بعض (٥٢) أصحابنا: إنه مخالف للعمل فلا يُعَوَّلُ عليه أيضًا لأن العمل إذا لَمْ يُرَدْ به عمل الأمة بأسرها أو عَمَلُ من يجب الرجوع إلَى عمله فلا حجة فيه لأن قصارى ما فيه أنْ يقول عالم لآخر: اتْرك عِلمك لعلمي. وهذا لا يلزم قبوله إلا ممن تلزم طاعته في ذلك. وكذلك حمل هذا على الندب بعيد لأنه نص على إثبات الخيار في المجلس من غير أن يذكر استقالة ولا علق ذلك بشرط. وأمْثل ما وقع لأصحابنا في ذلك عندي اعتمادهم على قوله: "ولا يحل لَهُ أن يفارق صاحبه" خشية أن يستقيله فإن الاستقالة فيما قالوه أظهر منها

стр. 813

في الفسخ بالجبر (٥٣) الذي يقوله المخالف، وإنما يبقى النظر في طريق هذه الزيادة وثبوتها ثم يجمع بينها وبين ما تقدم ويُينى بعضها على بعض أو يستعمل (٥٤) الترجيح إن تَعَذّر البناء وجهلت التواريخ، هذا هو الإِنصاف والتحقيق في هذه المسألة. وقد يتعلق أصحابنا بحديث اختلاف المتبايعين أنهما حكم فيهما بالتحالف والتفاسخ ولم يفرّق بين المجلس وغيره، فلو كان لهما الفسخ ما احتاجا إلى التحالف. ويحمل هذا عند المخالف على التحالف في الثمن في بيع وجب واستقرّ حتى لا يمكن فسخه. وحديثهم أخص من هذا فيكون بيانا له مع أن الغرض في حديث اختلاف المتبايعين تعليم حكم الاختلاف في الثمن. والغرض (٥٥) في البيعين بالخيار تعليم مواضع الخيار وأخذ الأحكام من المواضع المقصود فيها تعليمها أولى من أخذها ممَّا لم يقصد فيه ذلك. ٦٦٣ - قوله ﷺ لِلرّجُلِ الَّذي شَكَى إلَيْهِ أنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ: "مَن بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلابَةَ" (ص ١١٦٥). قال الشيخ: غَبْنُ المُسْتَرْسِل وهو المستسلم لبيعه ممنوع، وإذا وقع فله القيام ولا يلزمه الغَبْنُ. وإن لم يستسلم لبيعه وماكَسَهُ وكان بصيرًا بالقيمة عارفا بها فلا قيام له لأنه يكون حينئذ كالواهب لما غُبِن فيه، وإن كان غير بَصِير بالقيمة فهذا موضع اختلاف الأئمة، وقد تجاذبوا الاستدلال بالكتاب والسنة فاستدلوا أجمعون بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ (٥٦) بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا

стр. 814

أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥٧) فقال من أثبت الخيار بالمغابنة: إن أمضاها عليه أكل المال بالباطل وقد نهت عنه هذه الآية. وقال من أمضى البيع عليه: فإن ذلك عن تراض وقد استثنته هذه الآية. وكذك أيضًا تجاذبوا هذا الحديث فقال بعضهم: فإنه ﵇ أثبت له الخيار في بعض طرق هذا الحديث، وذلك يدل على ما قلناه من إثبات الخيار للمغبون، وقال من أمضى عليه المغابنة: لو كان له ذلك بمجرد الغبن ما افتقر إلى الشرط وهو قوله: "لَا خِلَابَةَ"، ورجَّح من أثبت الخيار مذهبه بما قدمناه في حديث النهْي عن تلقي الركبان لأنه ﵇ أثبت للجالب الخيار (٥٨) إذا جاء إلى السوق قَالوا: وليس ذلك إلا للغبن، وقد تقدم كلامنا على هذا الحديث في موضعه. وإذا قلنا بإثبات الخيار بالمغابنة فإنما ذلك فيما خرج عن المعتاد منْها الذي لا يكاد (٥٩) تسلم منه البياعات، وقد حدَّه بعض أصحابنا بالثلث لأنّ أكثر البياعات لا تكاد تسلم من الغبن اليسير، ولهذا انتصب التجار، وعليه تقع أكثر البياعات فكأنَّ المغبون على ذلك دخل. وقد قال بعض الناس: في هذا الحديث دلالة على أن الكبير إذَا سَفِهَ لا يحجر عليه. وقال بعضهم: هذا لا تعلق لهم فيه، لأنه لا يجب الحجر على المغبون وانتزاعُ ماله من يده إذا كان ممسكا له ولكنه يُنهى عن التجارة المؤدية لإِضاعة المال (٦٠). وقوله: "كان الرجل إذا بايع يقول لا خيابة" أشار بعضهم إلى أنه كان ألثغ (٦١) فلهذا غير الكلمة.

стр. 815

٦٦٤ - قوله: "نَهَى ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهُ". وفي بعض طرقه: "نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ". وفي بعض طرقه: "وَلَا (تَبِيعُوا النَّخْلَ حَتَّى يَزْهُوَ". وفي بعض طرقه: "وَلَا تبِيعُوا الثَّمَرَ" (٦٢) حَتَّى يَبْدُو صلَاحهُ" (ص ١١٦٥ - ١١٦٦). قال الشيخ: بيع الثّمر قبل الزهو على التبقية ممنوع، وعلى القطع جائز، وفيه خلاف إذا وقع على الإِطلاق. فحمل بعض شيوخنا على المدونة الجواز، وحمل عبد الوهاب على المذهب المنع. وذكر أن الإِجازة هي مذهب المخالف. واحتج للمنع بإطلاق النهي وهو قوله: "لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يبدو صلاحه". ولم يفرّق فخص شرط الجدّ (٦٣) بالاتفاق على جوازه وبقي الباقي على عمومه. وتعلق من أجاز بأنه علَّل المنع بما وقع في بعض الأحاديث من قوله: "أرأيتَ إن منع الله الثَّمَرَة فبِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟ " وإذا جدَّها في البيع على الإِطلاق أمِن من هذا الذي علل به النبيء ﷺ النهي فوجب الجواز. وسبب الاختلاف من جهة المعنى أن الأصلين المتقدمين قد اتفقنا في أحدهما (٦٤) على المنع، وفي الآخر على الجواز، فيجب أن يعتبر هذا الفرع المختلف فيه بأيّ الأصلين يُلْحق. فالأصَحُّ عند شيخنا ﵀ إلحاقه بأصل الجواز، لأن الإِطلاق في البيع لا يقتضي التبقية لأنها انتفاع بملك آخر لم يشترط (ولم يقع البيع عليه فللبائع أن يمنع من بقائها في نخله إذ لم يشترط) (٦٥) ذلك عليه ولا هو من مقتضى الإِطلاق وَإن كان (٦٦) مقتضى الإِطلاق القطع على ما بَيَّنَّا

стр. 816

كان الجواز أولى. وكمن باع صبرة طعام في داره فأراد المشترى أن يُبقيها في دار البائع شهرا فليس ذلك له باتفاق لأنه ليس من مقتضى الإِطلاق، فكذلك مسألتنا. وكأنَّ من منع يَرى أن العوائد في الثمار بقاؤها إلى الطياب فصار ذلك كالمشروط (٦٧). ولو اشترى صبرة طعام بالليل بحيث يتعذر نقلها قبل الصباح لم يلزم المبتاعَ إخراجُها من دار البائع في الوقت الذي لا يمكن الإِخراج فيه لأجل أنه كالمستثني بقاءها (٦٨) الزمن المعتاد. وإذا كان محمل البيع على التبقية عند هؤلاء وجب المنع بلا شك. وأما إذا بيعت الثمرة بعد الزهو مطلقا فعندنا تجب التبقية، وعند أبي حنيفة يجب القطع. وكذلك إذا بيعت بعد الزهو بشرط التبقية فيجوز عندنا، ويمنع عنذ أبي حنيفة، وكان عنده النّماء الحادث زيادة لَمْ توجد ولم تتحصل فلا يصح العقد عليها. وقد يعارَض في هذا الموضع بأن يقال: إن مذهبكم أنها بعد الزهو على التبقية، وليس ذلك من مقتضى الإِطلاق عندكم كما قلتموه في مسألة بيعها قبل الزهو على الإِطلاق. قلنا: كأنَّ مالكا وأصحابَه رأوا أن العادة مطردة في مشتريها بعد الزهو أنه لا يشتريها إلا للتبقية وحتى تصير (٦٩) إلى حال يمكن ادخارها فيها، فحمل الإِطلاق على المعتاد في ذلك. ويؤكد جواز اشتراط التبقية بعد الزهو قوله: "نهى عن بيع الثَّمَر حتى يزهو" فجعل غاية النهي الزَّهْوَ فإذا وقع الزهو وقعت الإِجازة على الإِطلاق بخلاف ما قبل الزهو لأنه نهى عن ذلك

стр. 817

أيضًا مطلقا ولم تجر (٧٠) في ذلك عادة واضحة فوقع فيه الاضطراب لذلك. وقوله: "حتّى يزهو" قال ابن الأعرابي: يقال: زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته وأزهى إذا احمرَّ أو اصفّر. قال غيره: يزهو خطأ في النخل إنما هو يُزْهِي. ٦٦٥ - قوله: "نَهَى عن المُزَابَنَةِ والمُحَاقَلَةِ. وَالمْزَابَنَةُ أنْ يُبَاعَ ثَمْرُ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ. والمحاقلة أنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ واسْتِكْرَاءُ الأرْض بِالْقَمْحِ". وفي بعض الطرق: "وَلَا تَبِيعُوا الثَّمر بالتَّمر". وذكر أنه "أرْخِصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَريَّةِ بِالرُّطَبِ أوْ بِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخَّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ". وفي بعض طرقه: "أرْخِصَ فِي العَرِيَّةِ يَأْخُذُ أهْلُ البَيْتِ بِخِرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا". وفي بعض طرقه: "أنَّه ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمرِ بالتَّمْرِ وقَالَ: ذَلِكَ الرِّبَا، تلك المزابنة، إلَاّ أنَّهُ أرْخَصَ فِي بَيْعِ العَرِيَّة النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْن يَأْخُذُهَا أهْلُ البَيْتِ بِخِرصهَا تمْرًا يَأْكُلُونَه". وفي بعض طرقه: "أرْخَصَ فِي بَيْعِ العَرَايا بِخِرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسةِ أوْسُقِ أوْ فِي خَمْسَةِ. يشك دَاوُد قَالَ: "خَمْسَةٍ أوْ دُونَ خَمْسةِ؟ قال: نعَمْ". وفي بعض طرقه: "نَهَى عن المزابنة والمزابنة (٧١)، بيع ثمر النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كيلا وَبيْعُ (٧٢) العِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً وَبَيْعُ الزَّرْعِ بِالحِنْطَةِ كَيْلاً". وفي بعض طرقه: "كُلّ ثَمَرٍ بِخِرْصِهِ" (ص ١١٦٨ إلى ١١٧١). قال الشيخ: ذكر ها هنا النّهي عن المُزَابنَة وفسّره بتفاسير مختلفة يجمعها عندنا أصل واحد وإن كان بَعْضُهَا أوْسَعَ من بَعْضٍ وأبسطَ، فقال في طريق:

стр. 818

"إنّها بيع ثمر النخل بالتمر" وزاد في طريق آخر: "الكرْم بالزبيب كَيْلا". وفي بعض طرقه (٧٣): "بيع الزَّرْعِ بالحنطة كيلا". وقال في بعض طرقه: "عن كل ثَمر بِخِرْصه". وَعقْدُ المذهب في المزابنة عندنا أنَّهَا بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهولٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَبَيْعُ مَجْهولٍ بمجهول من جنس واحد أيضًا. فإن كان الجنس مما فيه الربا دخله وجهان من التحريم: الرِّبَا، والمزابنة. أما دخول الرِّبا فيه فلجواز أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، ولا فرق بين تجويز ذلك أو تيقُّنه في المنع. وأما دخول المزابنة فيه فلأن أصل الزبن في اللغة الدفع ومنه قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (٧٤) يعني ملائكة النار لأنهم يدفعون الكفرة فيها للعذاب (٧٥). ومنه قيل للحرب زَبُون لأنها تدْفَعُ بَنِيهَا للموت. ومنه قول معاوية ﵀: ربما زبنت، يعني الناقة، فكسرت أنف حالبها. يقال للناقة إذا كانت عادتها أن تدفع حالبَها عَنْ حَلْبها زَبُون، فكأنَّ كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه بما يزْدَادُ منه، وإذا وقف أحدهما على ما يكره تدافعا فحرص على فسخ البيع وحَرَص الآخر على إمضائه. وهذا شبيهٌ بتسميتهم ما يؤخذ عن العيب أرْشا لما فيه من التنازع والخصومة، يقال: أرشتُ بَيْن القوم تأْرِيشا إذا أفسدتُ وألقيت بينهم الشر: والأرش مأخوذ من التأريش. وإذا ثبت أن هذا أصله فإذا كانت الأشياء متجانسة انصرفت الأغراض إلى القلة والكثرة فيقول كل واحد: لعل ما آخُذُه أكْثر فأغبن صاحبي (٧٦). وهذا لا يرتفع حتى يكونا جميعا معلومين. وأما

стр. 819

إن كانا مجهولين أوْ أحدهما، فهذا التدافع حاصل فمنع لذلك وإن لم يكن ما وقع عليه التبايع فِيه الرِّبا. وقوله في بعض الطرق: "وعن كل ثَمَر (٧٧) بِخَرْصِهِ" يُؤكد ما قلنا في تفسيرها لكن إذا تَباين الفَضل أنه في أحد الجانبين جاز ذلك فيما يجوز فيه التفاضل ويقدَّر المغبون واهبا للفضل لظهوره له وإذا كانت الأشياء مختلفة ولا مانع يمنع من العقد عليها لم يدخلها التزابن لصحة انصراف الأغراض لاختلاف المعاني في الأعواض (٧٨). وأما قوله: "والمُحَاقَلَة (٧٩) أن يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ واسْتِكْرَاءُ الأرْضِ بِالْقَمْحِ". هذا الذي وقع في التفسير في هذا الحديث. وبعض أهل اللغة يقول: الحَقْل اسم للزرع الأخضر، والحَقْل اسم للأرض نفسها التي يزرع فيها. وفي الحديث: "مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ" أيْ بِمَزارعكم. يقال للرجل (٨٠): احْقِلْ، أي ازْرع. وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن تغلظ سُوقه فَإِن كانت المحاقلة مَأخُوذَةً من هذا فهو من بَيع الزرع قبل إدراكه. قال: والحَقْلة المزرعة. ويقال: لَا تُنْبِتُ البَقْلَةَ إلا الحَقْلةَ. وقال أبو عبيد: هو بيع الطعام وهو في سنبله بالبر، مأخوذ من الحَقْل، وهو الذي يسميه الناس بالعراق القراح. وقال قوم: هي المزارعة بالجزء مما تنبت الأرض. قال الشيخ -وفقه الله-: الذي وقع في الحديث من التفسير يجمع

стр. 820

هذا كله لأنا إن قلنا إن ذلك تسمية للزرع الأخضر فكأنه نُهِي عن بيعه بالبر، إذْ بيعه بالعروض والعين يجوز إذا كان معلوما، وكأنَّ المحاقلة تدل على ذلك لأنها مفاعلة. ولذلك (٨١) قال أبو عبيد في تفسيرها: إنها بيع الطعام في سنبله بالبر. وظن الآخَرُون أنها بيعه قبل زهوه فكأنه قال: نهي عن بيع الزرع الأخضر. وهذا يطابق قوله: "نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيضَّ". فهذه طريقة من صرف التسمية إلى الزرع الأخضر. ووقع الاختلاف بينهم: هل المراد بيعه وهو أخضر قبل زهوه أم المراد بيعه في سنبله بقمح آخر لا يعلم حصول التماثل بينهما؟ والوجهان ممنوعان إذا بيع في الوجه الأول على التَّبْقِيَة. وطريقة مَن صرفه إلى الأرض نفسها اختلفت أيضًا: هل المراد اكتراؤها بالحنطة أم اكتراؤها بالجزء مما تنبت. والوجهان أيضًا ممنوعان عندنا. وخالفنا في جواز ذلك غيرنا من العلماء. وسنتكلم عليه فيما بعد إن شاء الله. وأما قوله: "أرْخِصَ في العَرِيَّة". فقد اختلف الناس في حقيقتها: فمذهبنا أنها هبة الثمر ثم اشتراؤه بتمر إلى الجدَاد (٨٢) يفعل ذلك للرفق بمُعْرَاهَا وحملِ المؤونة عنه، ويفعل ذلك لنفي تجشم المشقة بدخوله وخروجه للحائط. وعند الشافعي أنها النخلة يبيع صاحبُها رُطَبَهَا بتَمر إلى الجدَاد على ما وقع مِنْ تفسير يحيى ها هنا في كتاب مسلم. وفي بعض الروايات: "أنّهم شَكَوْا للنبيء ﷺ أنّهم لا ثمر عندهم وعندهم فضول أقولهم من التمر فأرخص لهم بأن يشتروا بذلك الرطب

стр. 821

لحاجتهم إليه". وعند أبى حنيفة أنها إعطاء الثمر هبة كما قال مالك، ولكنه يرى أن للواهب أن يرجع في هبته قبل القبض ولا يلزمُهُ إياها وكأنها باقية على ملكه فاسترجع ملكه وأعطى للمَوْهُوب المرتجَع منه تَمْرًا تفضلا منه وهبةً أُخرى. وهذا الذي قاله ساقط من وجوه، لأن ذلك لا تحريم فيه على أصله فيعبر عنه بالرخصة، فَإنْ قيل: إنّما عبر عن ذلك لارتجاعه هبته. قلنا: الهبة عندكم لا تلزم والإِنسان ليس بَممنُوع أن يرجع فيما لا يلزم على أن الترخيص بعد ذكر المزابنة وتفسيرها بأنها بيع الثمر بالتمر يشعر بأن فيها معنى من هذا الممنوع. وعلى أصلهم لا معنى فيها من هذا الممنوع، وقد وقع في بعض الطرق رخص في بيع العرايا فسمي ذلك بيعا. وعلى أصلهم ليس هناك بيع إذ لا يبيع الإِنسان ملكه بملكه، وأيضًا فإنه حدد الرخصة بخمسة أوْسُقٍ أوْ دُونَهَا ولا معنى للتحديد على أصلهم لأن للإِنسان عندهم أن يَرْتَجِعَ الهبة قلَّت أو كثرت. وقد اختلف أهل اللغة في هذه التسمية فَقَال بَعْضُهُمْ: ذلك مأخوذ من عروت الرجل، إذا أتَيْتَه تَسْأل معروفه، فأعراه نخلة على هذا أعطاه ثمرها فهو يَعْروها، أي يأتيها ليأكل ثمرها. وهم يقولون: سألني فأسألته وطلبني فأطلبته؛ فعلى هذه الطريقة وهي التِى فسرها بها بعض أهل العِلْمِ وهي التي صوَّب أبو عبيد في التفسير، وهو من أئمة اللغة، يتضح صحة ما قاله مالك لأن ما قاله الشافعي وأجازه ليس فيه هبة ولا عطية، وقال بعض أهل اللغة: إنها مأخوذة من كون المُعْرِي قد أخلى ملكه عنها وأعراها ملكه؛ وعلى هذا يصح (٨٣) صرف العرية إلى إخلائه ملكه من الثمر أو من بعض الشجر ويكون لما قاله الشافعي على طريقة هؤلاء في الاشتقاق وجه. ويؤكد الشافعي أيضًا ما قاله بما ذكرناه من التفسير الذي حكاه مسلم في كتابه.

стр. 822

وأما ما ذكرنا أنه وقع في بعض الطرق ها هنا أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك، فهذا مخالف في ظاهره لما أصَّلْناه لأنه لا يجوز بيعها بالرطب وإنما هي رخصة فلا تجوز إلا على ما وردت به. وجل الأحاديث لم يذكر فيها إلا شراؤها بالتمر، وهذا الذي وقع ها هنا بالرطب أو بالتمر لو تركنا. ومقتضى اللسان لاحتمل أن يكون شكا من الراوي: هل قال النبيء ﷺ بالرطب أم قال بالتمر؟ وشك الراوي يمنع من التعلق به في الرطب. وقد وفي غير كتاب مسلم: "عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه: أنه ﷺ رخَّص في بيع العرايا بالتمر وَالرطب"، بخلاف ما رواه مسلم: "عن سالم بن عبد الله عن زيد بحرف (أو) ". وقد قال بعضَ أصحابنا في حديث خارجة: هو حديث انفرد به راويه. وجاء بخلاف سائر الأحاديث وذلك يقدح فيه. وأشار بعض أصحابنا إلى حمله على الوجه الجائز المطابق (٨٤) لسائر الأحاديث وأن المراد بهذا اللفظ شراء الرطب ليؤكل بالتمر، ويكون المعنى على قولهم أنه قصد إلى ذكر الجنسين الْمتبايَع بهما على الجملة، وكأنَّ العرايا وقع فيها التبايع بالرطب والتمر أحدهما بالآخر، ولكن الصفة التي يقع ذلك عليها يؤخذ بيانها من الأحاديث الأُخر. وأما شك الراوي في الخمسة الأوسق فعندنا اختلاف في جواز البلوغ إليها، وقد قال بعض المخالفين: إذا شك الراوي بين خمسة فما دون فلا وجه للتعلق بروايته في تحديد مقدار ما دون الخمسة. ولكن وقع في بعض الروايات أربعة أوسق فيوجب الانتهاء إلى هذا المتيقّن (٨٥) وإسقاط ما زاد عليه. وإلى هذا المذهب مال ابن المنذر وألزم المزني الشافعي أن يقول به.

стр. 823

٦٦٦ - قوله ﷺ : "أيَّمَا نَخْل اشْتُرِيَ أُصُولُهَا وَقَدْ أبِّرت فَإنَّ ثَمَرَهَا لِلَّذِي أبَّرَهَا إلَاّ أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ اشْتِرَاءَهَا" (٨٦). وفي بعض طرقه: "من ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا إلَاّ أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ. وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إلَاّ أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" (ص ١١٧٢ - ١١٧٣). قال الشيخ -وفقه الله-: (قد نص في هذا الحديث على كونها مع الإِطلاق للبائع بعد الإِبار إلَاّ أن يشترط. ودليل هذا الخطاب أنَّهَا قبل الإِبّار للمشتري) (٨٧)، وهذا مذهبنا. وخالف في ذلك أبو حنيفةَ ورَأى أنّها قبل الإِبار للبائع كما هي له بعد الإِبار. وسبب الاختلاف بين الفقيهين أن مالكا يرى أنَّ ذِكْر الإِبار ها هنا القصدُ به تعليق الحكم عليه لِيَدُلَّ على أن ما عداه بخلافه، ويرى أبو حنيفة أن تعليق الحكم به إما للتنبيه به على ما لا يؤبر، ولغير ذلك (٨٨)، ولم يقصد به نفي الحكم عما سوى المذكور. وقال بعض أصحابنا: هذا منه دعوى إذ لا يمكن التنبيه بالمؤبر على ما لم يؤبر وإنما ينبه بالأدنى عن الأعلى أو بالمشكل عَلَى الواضح، وهذا خارج عن هذين القسمين مع أن الَّذِي قاله مالك له شَبَةٌ في الشرع. وذلك أن الثمرة قبل الإِبَّار تشبه الجنين قبل الوضع وبَعْدَ الإِبار تشبه الجنين بعد الوضع. فلما كانت الأجنّة قبل وضعها للمشتري وبعد وضعها للبائع وجب أن يجري الثمر هذا المجرى، وأما إذا لم تؤبر وثبت أنها للمشتري كما بيّنّاه فهل يجوز للبائع أن يشترطها؟. المشهور (٨٩) في المذهب عندنا أن ذلك لَا يجوز. وعلى إحدى الطريقتين عندنا أن المستثنى مُبَقَّى يجوز ذلك (٩٠) هكذا بنَاه بعض شيوخنا وبالإِجازة قال الشافعي.

стр. 824

وتلخيص مآخذ اختلافهم من الحديث أنّ أبا حنيفة استعمل الحديث لفظا ومعقولا، واستعمله مالك والشافعي لفظًا ودليلاً، ولكنّ الشافعي استعمل دلالته من غير تخصيص ويستعملها مالك مخصصة. وبيان ذلك أنّ أبا حنيفة جعل الثمرة للبائع في الحالين، وكأنه رأى أنَّ ذكر الإِبار تنبيه على ما قبل الإِبار على إحدى الطرق التي ذكرناها عنه. وهذا المعنى يسمَّى في الأصول معقولُ الخطاب، واستعمله مالك والشافعي؛ على أن المسكوت عنه حكمه (٩١) غير حكم المنطوق به، وهذا يسميه أهل الأصول دليل الخطاب، فإذا كان النطق: من باع ثَمَرًا بعد الإِبار فهي للبائع. إلا أن يشترطها المبتاع كان دليله أنها قبل الإبار للمبتاع إلا أن يشترطها البائع. وخص مالك بعض (٩٢) هذا الدليل بأنها (٩٣) قبل الإِبّار تشبه الأجنة فلا يجوز اشتراطها. ويُقوّي هذه الطريقة مع القول بأن المستثنى مشترَى، وإن إبّر بعضها ولم يؤبّر بعض، فإن كانا متناصفين فلكل واحد منهما حكم نفسه، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر فقيل أيضًا الحكم كذلك. وقيل: الأقل تبع للأكثر، ولو كان المبيع أرضا بزرعها وهو لم يظهر ففيه قولان. قيل: للمشتري كالثمر إذا لم يُؤبّر، وقيل: بل هو للبائع لأنه من الجنس الذي لا يتأبّر ولا يتكرر فأشبه ما دفن في الأرض وخالَف الثَّمر. وأما قوله في مال العبد: "فَمَالُهُ لِلْبَائِع إلَاّ أنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتاَعُ". فاعلم أن مِلْكَ العَبْدِ يزول عن سيّده على أربعة أوْجُهٍ: أحدها: أن يزول بعقد معاوضة كَالبَيْع والنكاح فالمال في ذلك للسيد

стр. 825

إلا أن يُشْتَرط عليه، خلافا للحسن البَصْري والزهري في قولهما: إن المال يتبع العبد في البيع وهذا الحديث يرد عليهما. والوجه الثاني: العتق وما في معناه من العقود التي تفضي إلى العتق وتُسْقط النفقة عن السيّد كالكتابة، فالمال للعبد إلَاّ أن يشترطَ، خلافا لأبي حنيفة والشافعي أنه للسيد في العتق. ودليلنا قوله ﷺ : "مَن أعتق عبدا وله مال فماله لَهُ إلا أن يشترطه السيِّد". فنحن نعيد الضمير في قوله "له" على العبد لأنه المذكور نطقا. وإنما ذكر السيد بكناية عنه ترجع إليه عند قوله "من أعتق" فلا بُدَّ أن يضمر عقيب قوله "أعتق" عائدٌ يعود إلى "السيّد" بحكم مقتضى لفظة "مَنْ" وعَوْد الضمير والكناية على الصريح أولى من عوده على الكناية والإِضمار، ولأن الكناية يملك بها ماله وهي سبب العتق فنفس العتق أولى. والوجه الثالث: الجناية فالمال فيها يتبع الرقبة وينتقل بانتقالها. والوجه الرابع: الهبة والصدقة، وفيهما. قولان عندنا، وإنما اختلف فيهما لأخذهما شَبَهًا من العتق الذي يتبع العبدَ فيه المالُ، وشَبَهًا من البيع الذي لا يتبعه فيه، فالبيع خرج من ملك إلى ملك بعوض على جهة الاختيار، والعتق خرج من ملك إلى غير ملك بغير عوض، والهبة خرجت بغير عوض فأشبهت العتق، ومن ملك إلى ملك فأشبهت البيع. ويجوز عندنا أن يشترطه المشتري وإن كان عينا والثمن عَيْنٌ (٩٤) وكأنَّه لا حصة له (٩٥) من الثمن فلا يدخله الربا. وهذا على أنه اشترطه للعبد وأبقاه على ملكه فكأنَّه لم يملك هو عينا دفع عوضها عينا أخرى، ولو اشترطه لنفسه ما جاز لتحقيق الربا حينئذ وصار كمن اشترى سلعة وذهبا بذهب، وذلك لا يجوز.

стр. 826

وقد قال أصحابنا (٩٦): في هذا الحديث دلالة على أبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن العبد لا يملك لأنه أضاف المال للعبد بلام المِلْك، واللَاّم ترد للملك: واليد والتصرف كقولهم: الوِلاية لفلان في المال، هكذا قيل في هذا. وعندي فيه نظر لأن الولاية لفلان ضَرْبٌ من الملك لتصرّفٍ مّا فلا يعد قسما ثانيا هذا المثال. وترد اللام للاختصاص كقولهم: الحركة للحجر والباب للدار، وهذا مبسوط في كتب النحاة. ٦٦٧ - قوله: "نَهَى ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ والمُزَابَنَةِ والمُعَاوَمَةِ والْمُخَابَرَةِ وعن الثُّنْيَا ورخَّص في العَرَايَا". وفي بعض طُرُقِهِ: "نَهَى عَنْ بَيْعِ السنين". وفي رواية: "عن بيع الثمر سنين" (ص ١١٧٤). قال الشيخ: تقدم الكلام على المُحاقلة والمزابنة والعرايا ونتكلم الآن على المعاومة والمخابرة والثُنْيَا. فأما بيع المعاومة فهو بيع الثمر سنين وقد فسره في كتاب مسلم. ووجه المنع فيه بَيِّنٌ، ومأخوذ مما تقدَّم من النهي عن بيع الثمر قبل زهوه لأنه إذا باع ثمرته سنين فمعلوم أن ثمرة السنة الثانية والثالثة لَمْ تخلق (٩٧)، وهي لو خلقت ولم تَزْهُ لم يجز العقد عليها فإذا لم تخلق أولى أن لا يجوز. وَأمَّا المخابرة فقد فسرها جابر في كتاب مسلم بـ "أنها الأرْض يَدفَعُها الرَّجل إلى الرَّجُلِ فينفق فيها ثم يأخذ من الثمر". وفسر المحاقلة ببيع الزرع القائم بالحب كَيْلاً. وهذا فيه معنى حسن يؤخذ مما تقدم. وذلك أنا قدمنا أن المحاقلة تنطلق على بيع الزرع الأخضر

стр. 827

بالحب وعلى كراء الأرض بالجُزْء فلما ذكرت ها هنا مع المخابرة وفسرها بأنها المعاوضة بالجزء عاد إلى تفسير المحاقلة بأنها بيع الزرع بالحب لئلا (٩٨) يفسرها بالمعنى الآخر فيكون تكريرًا لمعنى المخابرة. قال أهل اللغة: المخابرة هي المزارعة على النصيب كالثلث وغيره. والخُبْرَة: النصيب. قال الشاعر: [الطويل] إذَا ما جَعَلْتَ الشَّاة لِلنَّاس خُبْرَةً ... فَشأنَكَ إنِّي ذَاهبٌ لِشُئُونِي وقال الأزهري: الخُبر يكون زرعا ويكون أكّارًا. وقال ابنُ الأعرابى: أصل المخابرة مأخوذ من خَيْبر لأنه ﷺ كان أقرها في أيدي أهلها على النِّصف فقيل: خَابرهم، أي عَاملهم في خيبرَ (٩٩). وسنتكلم على معاملة أهل خيبر في موضعها إن شاء الله تعالى. وأما قوله: "وعن بيع الثُّنْيَا" فمَحْمله على ثُنيا لا تجوز أو على ما يؤدي إلى الجَهَالَة بالمبيع. وقد اتفق الجميع على جواز بيع الصُّبْرة واستثناء جُزء منها وأن ذلك سائغ (١٠٠). واختلفوا إذا استثنى مكيلةً معلومة فمنعه أبو حنيفة والشافعي أخذًا بظاهر هذا الحديث وتمسُّكًا بعموم نهيه عن بيع الثنيا. وأجاز مالك أن يستثنى منها من المكيلة ما يعلم أنه لا يزيد عن ثلث جميعها لأن ذلك عنده في حكم اليسير الذي لا يؤدي إلى الجهالة بالمبيع فوجب أن يجوز. ٦٦٨ - خَرَّج مسلم في هذا الباب حديثا: "عن زيد بن أبي أُنَيْسَةَ قَال: نَا أبو الوليد المكي عن جابر". ثم أرْدَفَ عليه: "حدثنا عبد الله

стр. 828

ابن هاشم (١٠١) نا بَهْز نا سَلِيم (١٠٢) بن حيَّان (١٠٣) نا سعيد بن مِينَاء عن جابر" ثم عطف بعده بحديث: "حمَّاد بن زيد عن أيوب عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء عن جابر" (ص ١١٧٥). قال بعضهم: أبو الوليد المكي الذي في الإِسناد الأول هو سعيد بن ميناء. وزعم الحاكم أن أبا الوليد الَّذِي في هذا الإِسناد اسمه يسار (١٠٤). وقال مثلَ ذلك ابن أبي حاتم الرازي. وردَّ ذلك عبد الغني وقال: لا هوَ وَهْمٌ إنما هو سعيد بن ميناء الذي روى عنه أيوب السِّخْتِيانِي وابن أبي أُنَيْسَة (قال البخاري في تاريخه: سعيد بن ميناءَ أبو الوليد المكي سمع جابرا وأبا هريرة روى عنه سَليم بن حيان وزيد بن أبي أُنَيْسَةَ) (١٠٥). وتابعه على ذلك مسلم، ولعَلَّ الحاكم إنما نَقَل ذلك من كتاب ابن أبي حاتم. ٦٦٩ - قول جابر: "إن النبيء ﷺ نَهَى عَنْ كِراء الأرْض". وفي بعض طرقه: "نهى أن تؤخذ الأرض أجرا (١٠٦) أو حَظًا". وفي بعض طرقه: "كُنَّا في زمن النبيء ﷺ نأخذ الأرض بالثُّلُثِ أو الرُّبْع بالمَاذِيَانَاتِ فقام ﷺ فقال: مَنْ كَانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أخَاهُ، فَإِنْ لَم يَمْنَحْهَا أخَاهُ فَلْيُمْسِكْهَا". وفي بعض طرقه: "سَمِعَهُ يَنْهَى عَنِ

стр. 829

المُزَابَنَةِ وَالحُقُولِ قَالَ جَابِرٌ: الحُقُول (١٠٧) كِرَاءُ الأرْضِ". وفي بعض طرقه: "نَهَى عَنِ المُزَارَعَةِ" (ص ١١٧٦ إلى ١١٨٤). قال الشيخ: اختلف الناس في منع كراء الأرض على الإِطلاق؛ فقال به طَاوُس وِالحسنُ أخْذًا بظاهر الحديث الذي ذكرناه: "أنّه نَهَى عن كراء الأرض" فعَمَّ، "وأنّه نَهَى عن المُحَاقلة" وفسَّرها الرَّاوي بكراء الأرض فأطلق أيضًا. وقال جمهور العلماء: إنَّمَا يمنع على التقييد دون الإِطلاق. واختلفوا في ذلك؛ فعندنا أنَّ كراءها بالجزء لا يجوز من غير خلافٍ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وقال بعض الصحابة وبعض الفقهاء بجوازه تشبيها بالقراض. وأما كراؤها بالطعام مضمونا في الذمة فأجازه أبو حنيفة والشافعي لقول رافع بن خَدِيج (١٠٨) في آخر حديثه: "فأمَّا شيء معلوم مضمون فلا بأس به". وحمل ذلك أصحابنا على تفسير الراوي واجتهاده فلا يلزم الرجوع إليه. وقال ابن نافع من أصحاب مالك: يجوز كراؤها بالطعام وغيره (١٠٩) كأن ينبت فيها أو لا إلا الحنطةَ وأخواتِها إذا كان ما تُكرى به خلاف ما يزرع فيها. وقال ابن كنانة من أصحاب مالك: لا تكرى بشيء إذا أعيد فيها نبت، ولا بأس بغيره كان طعاما أو غيره. وقد أضيف هذا القول لمالك. وقد تعلق أصحابنا بما روي أنه: "نهى عن كراء الأرض بالطعام" فعمّ،

стр. 830

ولأن (١١٠) النامي عنه (١١١) يقدر أنه على ملك رب الأرض وكأنّه باعه بطعام فصار كبيع الطعام بالطعام إلى أجل. وكذلك المشهور من مذهبنا النهي عن كرائها بما تنبته وإن لم يكن طعاما لما رُوي أنه نهى عن كراء الأرض بما يخرج منها. وقد قال ابن حنبل: حديث رافع فيه ألوان لأنه مَرّةً حدّث به عن عمومته ومرة عن نفسه، وهذا الاضطراب يُوهنه عنده، وقد خرّج مسلم: "أن رافعا سئل عن كراء الأرض بالذَّهب والوَرِقِ فقال: لا بأس به إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ على المَاذِيَانَاتِ وإقبال الجَدَاول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا فلم يكن للنّاس كراء إلا هذا". فلذلك زُجر عنه. فأما شيء معلوم مضمون فلا. وهذا إشارة منه إلى أن النهي تعلق بهذا الغرر وما يقع في هذا من الخطر ولهذا اضطرب أصحاب مالك فيه، وقالوا فيه: ما ذكرنا عنهم من الاختلاف. وفي بعض طُرق مسلم: "كنا نكري الأرض على أنّ لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تُخرج هذه فنهانا عن ذلك. وأما الوَرِق فلم ينهنا".

стр. 831

١٣ - كتاب المساقاة (١) ٦٧٠ - قوله (٢): "إن النبيء ﷺ عَامَل أهْلَ خَيْبَرَ بشطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ (٣) أوْ زَرْعٍ" (ص ١١٨٦). قال الشيخ: ذهب مالك والشافعي إلى جَواز المساقاة لأجل هذا الحديث. وأنكرها أبو حنيفة لأجل ما فيها من الغرر، وبيع الثمر قبل الزهو، وحمل حديث خيبر على أنهم كانوا عبيدًا له فما أخذ له وما أبقى له. وهذا لَا نسلّمه لأننا لو سلمنا أنه فتحها عَنوة وأنه أقرَّهُم على نحو ما قال لم يجز الرِّبَا بين العبد وسيده فلا يغنيه ما قال. والقائلون بجواز المساقاة اختلفوا فمنعها داود إلا في النخل خاصة (٤). ومنعها الشافعي إلا في النخل والكرْم. وأجازها مالك في سائر الشجر إذا

стр. 832

احتيج فيها للمساقاة. والمشهور عندنا منعها في الزرع إلا إذا عجز عنه صاحبه. فأما داود والشافعي فرأياها رخصة فقصراها على ما وقعت عليه فلم يتحقق داود إلا النخَل خاصة، ولم يتحقق الشافعي إلا النخلَ والكرْم، ونحن قسنا بقية الشجر عليهما لكونها في معناهما (٥) ولا مانع من القياس، إذا عُقل المعنى. ومتى تجوز المساقاة؟ فمذهبنا جوازها ما لم تطب الثمرة. وعندنا في جوازها بعد أن طابت قولان. وعند الشافعي لا تجوز المساقاة وقد ظهرت الثمرة، وقدر أنَّ الظاهر منها مملوك جميعه لرب النخل وهو عين قائمة فكأنه باع نصفه قبل الزهو بخدمة العامل. وعندنا أن المعاملة إنما وقعت على التنمية بنصف النامي، وذلك غير موجود والموجود قبل هذا غير مقصود فلم يؤثر في جواز المساقاة. ٦٧١ - وقوله "كَانَ الناس يُؤَاجِرون على عهد النبيء ﷺ عَلَى المَاذِيَانَاتِ وأقبال الجداول" (ص ١١٨٣). المَاذِيَانَات: ما يبنى على الأنهار الكبار وليس بالعربية ولكنها سواديّة. والسواقي دون الماذِيَانَات. وقوله: "نَهى عَن بيع الثمر قَبْلَ أن يُشْقِحَ" (ص ١١٧٥). قال الأصمعي: إذا تغير البُسْر إلى الحمرة قيل: هذه شُقْحة وقد أَشقَحَتْ. ٦٧٢ - خرَّج مسلم في باب المزارعة حديثا: "عن الليث عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبيء ﷺ دخل عَلَى أمّ بشر .. " هكذا في رواية أبي العلاء "أم بشر". وعند الجُلُودي "أم مبشّر". وفي النسخة

стр. 833

عند السجزي وأبي العباس الرازي "أم معبد أو أم مبشر" على الشك والمحفوظ في حديث اللّيث بن سعد "أم بِشر" (٦). وذكر مسلم في حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "أخبرتني أم مبشر أنها سمعت الحديث، قال بعض العلماء وأمّ مبشّر الأنصارية امرأة زيد بن حارثة يقال لها: أم بشر بنت البرا" كانت من كبار الصحابة روى عنها جابر بن عبد الله (ص ١١٨٨ و١١٨٩). وخرّج مسلم في هذا الباب أيضًا: "أخبرني أحمد بن سعيد بن إبراهيم نا روح بن عبادة نا زكرياء بن إسحاق عن عمرو عن جابر قال: دخل النبيء ﷺ عَلَى أم مَعْبَد .. " الحديث (ص ١١٨٩). قال الدمشقي: هكذا هذا الإِسناد أيضًا عند أبي الأزهر، يعني عن روح (٧) بن عبادة عن زكرياء عن عمرو عن جابر. والمشهور عن زكرياء عن أبي الزبير لا عن عمرو بن دينار. وأبو الأزهر هو أحمد بن الأزهر بن منيع النيسابوري سمع عبد الرزاق وأبا سلمة وروح بن عبادة ووهب بن جرير وغيرهم. ٦٧٣ - قوله ﷺ : "لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ تَمْرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ (٨) تأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بغَيْرِ حَقٍّ؟ " وفي بعض طرُقُهِ: "أصِيبَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ ﷺ : تصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّق النَّاس عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنهِ فَقَالَ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَاّ ذلِكَ". وفي بعض طُرُقِهِ "أنَّ النبي ﷺ أمَرَ بوَضْعِ الجَوَائِحِ" (ص ١١٩٠ و ١١٩١).

стр. 834

قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في الثمرة إِذَا اشْتُرِيَتْ فأُجِيحَتْ فقال بعضهم بِوَضْع الجائحة (٩) على الإِطلاق قَلَّتْ أو كَثُرتْ لقوله "أمَرَ بِوَضْعِ الجوائح"، وللحديث الآخَر المتقدم وهو قوله: "لَا يحل لَكَ أنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا"، الحديث. ومن جهة الاعتبار أنها بقى فيها السَّقْيُ على البائع لتَنْمِيتهَا فكان ذلك كالتوفية بالكيل أو الوزن (١٠) والمكيل أو الموزون (١١) إذا تَلِفَ قبل الكَيْل أو الوزن (١٢) فهو من البائع فكذلك هذا. وقال الآخرون: لا توضع الجوائح قَلَّت أو كَثُرَتْ. وقد ذكر ها هنا أنه أصيب في ثمار ابتاعها فكثُر دينه فأمر ﷺ بالصَّدقة عليه ودفع لغرمائه، فلو كانت توضع لَم يفتقر إلى هذا. وقال الأولون: قد تكون أُصيبت بعد الجدَاد وعليه دين من غيرها احتاج مَعَه للصدقة. قالوا: وقد قال في آخر الحديث لغرمائه "وليس لكم إلا ذلك" ولو كانت الجوائح لا توضع لكان لهم الطلب بالبقية. وينفصل هؤلاء عن هذا بأَن يحملوه على أن ليس لكم الآن إلا ذَلك لفلَسه وأنه يُنْظر إلى مَيْسُرة كما قال الله تعالى (١٣). وأمَّا مالك فقال بوضعها إذا بلغت الثلث، وكأنَّه خَصّ الظواهر الأُوَل بضرب من الاستدلال، وذلك أن الثمر لا تنفك من سقوط يسير منها أو غير ذلك من الأسْبَاب المتلفة للحقير منها فكأَنَّ المشتري دخل على ذلك فلا قيام له به. وإذا وجب العفو عن اليَسِير فَمَا قَصُر عن الثّلُثِ في حكم اليسير على ما دلَّت عليه الأصول. وقد قال بعض البغداديين من أصحابنا: الجائحة كاسمها، يشير إلى أن

стр. 835

اليسير المُغْتَفَر لا يكاد يسمى في العرف جائحة فلا يجب حمل الحديث عليه. ٦٧٤ - خرّج مسلم في باب الجوائح حديثين مقطوعين أحدهما: قوله: "حَدثَنَا غيرُ واحد من أصحابنا حدثني إسماعيل بن أبي أوَيْس قال حدثني أخي ... " الحديث (ص ١١٩١). وهذا الحديث يتصل لنا من طريق البخاري. رواه البخاري عن إسماعيل ابن أبي أويس، وقد حدث مسلم عن إسماعيل بن أبي أويس دون واسطة في كتاب الحَجّ، وفي آخر كتاب الجهاد، وَرَوَى أيضًا عن "أحمد بن يوسف الأزدي عن إسماعيل بن أبي أويس" في كتاب اللعان وفي كتاب الفضائل (١٤). وأما الحديث الثاني والمقطوع أيضًا في هذا الباب فهو قوله: "روى الليث بن سعد حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز" الحديث (١٥) (ص ١١٩٣).

стр. 836

١٤ - ومن كتاب التفليس ٦٧٥ - وقوله ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ مَالَهُ عِنْد رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ أوْ إنْسَانٍ قَدْ أفْلَسَ (١) فَهْوَ أحَقٌّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ" (ص ١١٩٣). قال الشيخ: اختلف الناس في مُشتَرِي السلعة إذا مات أو أفلس ولا وفاء عنده بثمنها وهي قائمة؛ فقال الشافعي: بائعها أحق بها في الموت والفلس. وقال أبو حنيفة: هو أسوة فيهما. وقال مالك: هو أحق في الفلس (٢) وأسوة في الموت. وحمل أبو حنيفة هذا الحديث على أن المَتَاع (٣) وديعة أو غصب لأنه لم يذكر البيع فيه. وتأويله هذا يرده (٤) ما خَرَّجَهُ أبو داود أنه ﷺ قال: "أيُّمَا رَجُلٍ بَاع مَتَاعًا فأفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَم يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ فإنْ مَاتَ المشتري

стр. 837

فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاء". وقال أيضًا: "فإن قَضَاه من ثمنها شيئًا فما بقي فهو أسوة الغرماء، وأيُّمَا امرىء هلك وعنده متاع امرىء بعينه اقتضى منه شيئًا أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء". فقد نص ها هنا على البيع ولا معنى لقول من قال منهم: قد يكون البيع ها هنا بمعنى التساوم كما قلتم أنتم في "البيعان بالخيار" إِن معناه: المتساومان (٥)، لأنه ذَكَر ها هنا: "ولم يقبض الذي باعه من ثمنها شيئًا" وقال: "فإن قضاه من ثمنها شيئًا"، ولا يصح أن يقتضي من ثمنها شيئًا (٦) وهما متساومان. فإذا وضح الرد على أبي حنيفة عدنا بعد ذلك إلى مالك والشافعي؛ فيقول مالك: قد فصل في هذا الحديث بين الموت والفلَس، والشافعي ساوى بينهما، فيقول الشافعي: إنه قد خرّج أبو داود قال: "أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس قال: "لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ إِن فلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به" فقد ساوى ها هنا بين الموت والفلس، وأنتم تفرقون بينهما فلا بد من طلب الترجيح، فنقول: قد يحمل ما تعلق به الشافعي على أنه في الودائع لا في البيع لأنه إنما ذكر "فوجد رجل متاعه بعينه" وقد يكون ذلك غصبا أو تعديا. وقال بعض أصحابنا: لعله مات وقد تبين فلسه وطلب هذا سلعَتَهُ فبادره الموت على أنه لم ينقل لفظ النبيء ﷺ . ويمكن أن يكون لَو نقله لتأولناه على غير ما حمله عليه. هذه طريقة الترجيح لنا على الشافعي. وأمّا قوله في الحديث: "فَإنْ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَمَا بَقِيَ فَهْوَ أسْوَةُ الغُرَمَاء". فظاهره أنه ليس له استرجاع السلعة، وقد قال بعض من أخذ بهذا الحديث: إن هذا الظاهر منه متروك بالقياس لأنه إذا ثبت أنه أحقّ بالكلّ

стр. 838

كان أحقَّ بالجزء، وإنما كان له ارتجاعها في التفليس لعيب الذمة التي دخل عليها فصار كمن وجد فيما اشتراه عيبا فله رده، وإنما لم يردّ في الموت وإن غابت الذمة (٧) لانقطاعها رأسا فيعظم ضرر بقية الغرماء، وفي الفلس لا يعظم ضررهم إذا قُدِّم عليهم لبقاء ذمة غريمهم. وإذا وضَحَ هذا من جهة القياس كان له رد ما قبض وارتجاع السلعة فإن أراد الغرماء دفع الثمن إليه ليمنعوه مِن أَخْذِ سلعته (٨) كان ذلك لهم لأنه إنما كان له ارتجاع السلعة لعلة فقد الثمن فإذا زالت العلة زال حكمها. وأبى ذلك الشافعي ولم يسقط حقه في الارتجاع بدفعهم الثمن إليه. واعتل له بأنه قد يطرأ غريم آخر فلا يرضى بما صنعه الغرماء من تسليم بعض مال الغريم في هذه السلعة وتفوت سلعته فيلحقه الضرر في ذلك. ٦٧٦ - خرّج مسلم في هذا الباب: "حدّثنا ابن أبي عُمَر نا هشام ابن سليمان عن ابن جريج ... " الحديث (ص ١١٩٣). هكذا في رواية أبي العلاء (٩) وأما في رواية الجُلُودي فجعل ابن نمير بدل ابن أبي عمر والصواب ابن أبي عمر. وقد تقدم في كتاب الحج حديثان: أولهما: "حدثنا ابن أبي عمر حدثني هشام بن سليمان" في: حديث حفصة (١٠) "ما شأن الناس حَلُّوا".

стр. 839

والثاني: حديث "لا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم". وفي كتاب الأشربة حديث آخر رواه ابن أبي عمر عن هشام بن سليمان. وابن أبي عمر هذا هو محمد بن يحيى العدني يعد في أهل مكة. وهشام ابن سليمان مكي أيضًا. ٦٧٧ - وخرّج مسلم أيضًا في كتاب التفليس حديث: "شعبة عن قتادة عن النَضْرِ بن أنس عن بَشِير بن نَهِيكٍ، عن أبي هريرة عن النبيء ﷺ قال: إذا أفْلَس الرجل فوجد متاعه بعينه فَهو أحَقّ بِهِ". ثم عقب بعده: "حدثنا زُهَير بن حرب قال نا إسماعيل بن إبراهيم نا سعيد بن أبي عروبة (١١) عن قتادة بهذا الإِسناد مثله" هكذا روى أبو أحمد الإسْنادَيْن: الأول من حديث شعبة، والثاني من حديث سعيد (ص ١١٩٤). ووقع في رواية ابن ماهان في الإِسناد الثاني شعبة مكان سعيد. والصواب ما رواه أبو أحمد. هكذا قال بعضهم. ٦٧٨ - وخرّج مسلم في إنظار المعسر والتجاوز عن الموسر: "حدثنا أبو سعيد الأشج نا أبو خالد الأحمر عَنْ سَعْدِ بن طارق (١٢) عن ربعي بن حِرَاش (١٣) عن حذيفة قال: أُتِيَ الله (١٤) بِعَبْدٍ من عبيده آتاه مَالَا ... " وذكر الحديث إلى آخره. وفيه: "فقال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعناه من في رسول الله ﷺ . وهكذا رُوي هذا الإسناد في كتاب مسلم" (ص ١١٩٥).

стр. 840

والحديث محفوظ لأبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري وحده لا لعقبة بن عامر الجهني. والوهم في هذا الإِسناد من أبي خالد الأحمر قاله الدارقطني. وصوابه: فقال عقبة بن عُمَر وأبو مسعود الأنصاري. كذلك رواه أصحاب أبي مالك سعد بن طارق وتابعهم نُعَيْم ابن أبي هند وعبد الملك بن عُمير ومنصور وغيرهم عن ربْعي بن حراش (١٥) عن حذيفة قالوا في آخر الحديث: "فقال عقبة بن عمر (١٦) وأبو مسعود". وهذه الأحاديث خرّجها مسلم في الباب أعني حديث منصور ونعيم بن أبي هند وعبد الملك بن عُمَيْر. ٦٧٩ - قوله ﷺ : "مطْل الغَنيّ ظُلْمٌ وَإذَا أُتْبِعَ أحَدُكُم عَلَى مَلِىءٍ فَلْيَتْبَعْ" (ص ١١٩٧). قال الشيخ -وفقه الله-: الكلام في الحوالة في ثلاثة فصول: أحدها: هل يجبر المحال على التحول؟ والثاني: هل يشترط في ذلك رضى المحال عليه؟ والثاني: هل تبرأ ذمة المحيل بالحوالة؟ فأما الفصل الأول فجمهور العلماء على أنه لا يُجْبَر على التحول وحملوا هذا الحديث على الندب. وقال داود: يجبر على التحول، وحمل الحديث على الوجوب. وأهل الأصول مختلفون في الأمر المجرد: هل يحمل على الوُجوب أم الندب؟ وأكد مَذْهبه من حمله على الندب بأن قال: إنما عامل على هذه الذمة وقد قال ﷺ : "المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهم" ولأنَّ أحَدًا لا يجبر على

стр. 841

بيع سلعته، وهذا مَلَك (١٧) ثمنه في هذه الذِّمَّة فلا يجبر على بيعه بذمّة أخرى، فدل هذا الاستدلال على أن المراد بالحديث الندب، وأكد هذا الاستدلال دلالة مجردةً عند من قال: إنه على الندب، أو نقله إلى الندب بهذه الدلالة من يقول: إن الأمر على الوجوب. وأما الفصل الثاني: فإن اشتراط رضى المحال عليه لا يعتبر عند أبي حنيفة والشافعي، أطلقا ذلك من غير تفصيل. وقال الإِصطخري: بل يعتبر رضى المحال عليه. وقال مالك: لا يعتبر رضاه إلا أن يكون المحال عليه عدوًّا لَهُ أو من تضر به حوالته عليه فلا يجبر على تمكينه من مطالبته. والرد على الإِصْطَخْرِي قوله ﷺ : "وَإذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مليء فَلْيَتْبَعْ" ولم يشترط رضى المحال عليه. وقياسا على ما لو وكَّلَ أحَدًا يقبض دينه فإن ذلك لا يعتبر فيه رِضَى المُوَكَّلِ عَلَيْه. ووجه اشتراط مالك ألا تكون عداوة إذْ في إحالة عدوه عليه إضرارًا به ولم يعامَلْ على ما يُؤذيه ويُضر به فكان من حقه أن يَمنع من ذلك. وَأمّا الفَصْلِ الثالث: فإن ذمة المُحيل تَبْرَأُ على الإِطلاق عند الشافعي، ولا تبرأ عند زُفَر. ومَالِكٌ يشترط في البراءة ألا يكون غرّه مِنْ فلس المحال عليه. وتوجيه ما قاله مالك ينتظم الردَّ عَلى المَذْهَبَيْنِ، فوجه ما قاله مالك أن الحوالة كالبيع فلهذا جعلت رخصةً من الدين بالدين والبيع ينقل الأملاك ويبرّأ (١٨) كل واحد من المتعاملَيْن إلا عند الاطلاع على ما يوجب التراجع كالاستحقاق في المبيع أو العيب. فإذا كان هذا قد باع ذمة بأخرى لم يكن له رُجوعٌ علي مبايعه إلَاّ أن يطلع على أنه غرّه وخدعه وأحاله على فقير يعلم فقره ويخفى على المحال فيكون ذلك عيبا يوجب له الرجوع.

стр. 842

٦٨٠ - وقوله: "نهى ﷺ عن بيع فضل الماء (يمنع به الكَلأ) (١٩) وفي بعض طرقه: "عن بيع ضراب الجمل (٢٠) وعن بيع الماء والأرض لتحرث" (٢١) وفي بعض طرقه: "لا يمنع فضل الماء ليمنع الكلأ" وفي بعض طرقه: "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ" (ص١١٩٧ - ١١٩٨). قال الشيخ: أما ضِراب الجمل (٢٢) وهو بيع نزوه على الناقة فأجازه مالك. وقال: لَا بأس بإجارة الفحل. ومنعه أبو حنيفة والشافعي لهذا الحديث. وقال بعض أصحابنا: نحن إنما نجيز إجارته وهذا إنما نهى عن بيعه وقد يكون هذا مخالفًا لذلك، كما نجيز إجارة الظئر للرضاع ونمنع بيع لبنها فكذلك تجوز إجارة الفحل للنَّزْو بخلاف بيعه. ولعلَّ هؤلاء يرون أن لفظة البيع لا تتضمن إنزاءً محدودا ولا أمرا معلوما ينتفع به، فيحملون الحديث في المنع على ذلك. وقد تعلق المخالف بقوله: "نَهَى عن عَسْب (٢٣) الفحل" لأجل أنه لم يذكر فيه لفظة البيع، وهذا أيضًا فيه إضمار محذوف، ولأصحابنا أن يقولوا فيه ما قالوا في الأول. واعتمد المخالف في المنع على أن المقصود غير معلوم ولا محصَّل وذلك يُلحقه بالغرر والخطَر فيمنع. وأصحابنا لا يسلمون ذلك ويجعلون المعاوضة وقعت على معلوم، والضرورة تدعو لجواز إجارته فوجب حمل الحديث على ما تأولناه، أو يحمل على الحث على مكارم الأخلاق والندب إلى إعارته لذلك ليكثر التناسل في الحيوان.

стр. 843

وأما "نهيه عن بيع الماء" وفي الطريق الآخر "عن فضْل الماء". فاعْلم أن من الناس من زعم أن الإِجماع قد حصل على أن من أخذ من دِجلة ماء في إنائه وجازه دون الناس أن (٢٤) له بيعَه إلا قولاً شاذَّا ذكر في ذلك لا يعتد بخلافه عنده. ومحمل النهي عن بيع الماء مطلقا أنه باع مجهولا منه أو باع ما لم يحتفره (٢٥) في أرضه واحتفره للسبيل، أو على أن النهي ندب للإِسعاف به لاحتقار ثمنه وعظيم حاجة الناس إليه. وقد اختلف الناس فيمن حفر بئرا للماشية في الفيافي هل له منع فضله؟ فعندنا ليس له منع ذلك بل يَبْذله بغير عِوَضٍ. ومن الناس من قال: لا يمنعه ولكن ليس عليه بذله بغير عوض بل بقيمته قياسا على المضطر لطعام غيره لإحياء نفسه فإنه لا يحل له منعه ولكن لا يلزمه بذل بغير عوض. وما وقع ها هنا من نهيه عن بيع فضل الماء يدل على صحة ما قلناه: ان الفَضْلَة لا تمنع، وأما إلزام المخالف بذلهَا بالقيمة قياسا على ما قالوه في الطعام فقياس غير صحيح لأن الطعام يُضر به بذله ولا يخلف ما بذله إلا بسعي ومشقة والماء ما ذهب منه عاد إليه مثله وتفجرت به الأرض فافترق الأصلان. وقوله: "لَا يُبَاعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الكَلأ" (٢٦). وقوله أيضًا: "لَا يُمْنَع فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكلأ". معناه أن أصحاب الماشية إذا مُنعوا الماء لم يردوا عليه، وإذا لم يردوا عليه امتنعوا من رعي ما حوله لعدم الشرب فيكون منعه الماء قصدًا لِمَنْع الكلأ الذي لا حق له فيه إضرارًا بالمسلمين ومنعًا لهم من حقوقهم، وذلك

стр. 844

غير جائز. وقريب من هذا يتأوَّل في اللفظ الآخر: "لَا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ". الكلأ مهموز مقصور بفتح الكاف هو المرعى. قال بعض أئمة أهل اللغة: الكلأ النبات. قال: ومعنى الحديث أن البئر تكون في البادية أو في صحراء ويكون قربها كلأ فإذا وَرد عليها واردٌ فغلب على ما بها ومنع من يأتي بعده من الاستقاء منها كان بمنعه الماء مانعًا للكلأ لأنه متى ورد رجل بإبله فأرعاهَا ذلك الكلأ ثُمَّ لم يسقها قتلها العطش، والذي يمنع ماء البئر يمنع النبات القريب منه. وهو مثل الحديث الآخر: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ". قال أبو القاسم الزجاجي: الكلأ اسم يقع على جميع النبات والمرعى، فإذا فصل بين الرَّطْبِ واليابس منه قيل للرَّطْب خَلّى مقصور ورُطْب بضم الراء وإسكان الطاء ولليابس حشيش ومنه يقال: أحشَّت الناقة ولدها إذا ألقته يابسًا. وحشّت يد فلان إذا يَبسَتْ. ٦٨١ - قوله: "نَهَى عَن ثَمَن الكلب ومَهْرِ البَغِىّ وحُلْوَان الكاهِن"، وفي بعض طرقه: "ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ ومَهْرُ البَغِيّ خَبِيثْ وَكسْبُ الحَجّامِ خَبِيثٌ" وفي بعض طرقه: "سَألْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ والسِنَّوْرِ فقال: زَجَر النبيء ﷺ عَنْ ذَلِكَ" (ص ١١٩٨ - ١١٩٩). قال الشيخ: قد تقدم في العقد الذي ذكرناه في افتتاح البيوع ما يعرف مِنْهُ علة النهي عَمَّا نهي (٢٧) عن بيعه. وعلة الجواز لما أجيز بيعه وأشرنا هناك لمسألة بَيْعِ الكَلْبِ، فمن أراد حقيقتها فليقف عليها هناك ولكن نلحق ها هنا ما يتعلق بالمسألة حتى لا تمر بنا فنخليها من فائدة.

стр. 845

فاعلَمْ أن كُلَّ حيوان ليس بنجس ولا ذي حرمة وينتفع به في الحال أو في المآل (٢٨) فإن بيعه جائز. وإنما قلنا "ليس بنجس" لأن الشافعي لما رأى الكلب نَجسا وجب أن يكون ذلك عنده علة في منع بيعه. ولهذا نَهَى عن بيع رجيع ابن آدم لنجاسته. وقد أشرنا في العَقْد الماضي إلى الكلام عليه. وإنَّما قلنا: "ولا ذي حرمة" احترازا من أم الولد والمكاتب والمعتق إلى أجل والمدبَّر. وإنما قلنا: "ينتفع به في الحال" لئلا يكون من الحشرات وغيرها مما لا منفعة فيه. واحترزنا بقولنا: "وفي المآل" (٢٨) من صغار العبيد الذين لا يقدرون على السعي الآن، فبيعهم جائز لما يرجى من المنفعة بهم في المستقبل وقد جعل الشرع هذا الرجاء للمنفعة قائما مقام حصول المنفعة في الحال. وأما بيع العبد المستأجر والمخدَم سنين وإن كان فيه منفعة في المآل فالمنع هناك لعلة أخرى ليس هذا موضع بسطها. ولا شك أن الكلب الَّذِي لا يحل كسبه واقتناؤه لا يجوز بيعه لأن بيعه حينئذ كالمعاوضة على ما لا منفعة فيه، وقد تقدم بيان المنع من ذلك (٢٩). وإن كان مما يحل اقتناؤه لزرع أو ضرع أو صيد فمن أصحابنا من كره بيعه لهذا الحديث وقال: ليس إباحة المنفعة تجيز (٣٠) المبايعة كأم الولد ينتفع بها ولا تباع. ومن أجاز بَيْعَه منهم حَمَل هذا الحديث على ما لا يحل اقتناؤه واتخاذه. وقد قدمنا أنه لا يجوز بيعه أوْ حَمَلَهُ على أنه كان حين أَمر بقتل الكلاب فلما وقعت الرخصة في كلب الضرع وما ذكر معه وأجيز اقتناؤه وقعت الرخصة في بيعه.
следующие страницы →