بيع سلعته، وهذا مَلَك (١٧) ثمنه في هذه الذِّمَّة فلا يجبر على بيعه بذمّة أخرى، فدل هذا الاستدلال على أن المراد بالحديث الندب، وأكد هذا الاستدلال دلالة مجردةً عند من قال: إنه على الندب، أو نقله إلى الندب بهذه الدلالة من يقول: إن الأمر على الوجوب.
وأما الفصل الثاني: فإن اشتراط رضى المحال عليه لا يعتبر عند أبي حنيفة والشافعي، أطلقا ذلك من غير تفصيل. وقال الإِصطخري: بل يعتبر رضى المحال عليه. وقال مالك: لا يعتبر رضاه إلا أن يكون المحال عليه عدوًّا لَهُ أو من تضر به حوالته عليه فلا يجبر على تمكينه من مطالبته. والرد على الإِصْطَخْرِي قوله ﷺ : "وَإذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مليء فَلْيَتْبَعْ" ولم يشترط رضى المحال عليه. وقياسا على ما لو وكَّلَ أحَدًا يقبض دينه فإن ذلك لا يعتبر فيه رِضَى المُوَكَّلِ عَلَيْه. ووجه اشتراط مالك ألا تكون عداوة إذْ في إحالة عدوه عليه إضرارًا به ولم يعامَلْ على ما يُؤذيه ويُضر به فكان من حقه أن يَمنع من ذلك.
وَأمّا الفَصْلِ الثالث: فإن ذمة المُحيل تَبْرَأُ على الإِطلاق عند الشافعي، ولا تبرأ عند زُفَر. ومَالِكٌ يشترط في البراءة ألا يكون غرّه مِنْ فلس المحال عليه. وتوجيه ما قاله مالك ينتظم الردَّ عَلى المَذْهَبَيْنِ، فوجه ما قاله مالك أن الحوالة كالبيع فلهذا جعلت رخصةً من الدين بالدين والبيع ينقل الأملاك ويبرّأ (١٨) كل واحد من المتعاملَيْن إلا عند الاطلاع على ما يوجب التراجع كالاستحقاق في المبيع أو العيب. فإذا كان هذا قد باع ذمة بأخرى لم يكن له رُجوعٌ علي مبايعه إلَاّ أن يطلع على أنه غرّه وخدعه وأحاله على فقير يعلم فقره ويخفى على المحال فيكون ذلك عيبا يوجب له الرجوع.
стр. 842
٦٨٠ - وقوله: "نهى ﷺ عن بيع فضل الماء (يمنع به الكَلأ) (١٩) وفي بعض طرقه: "عن بيع ضراب الجمل (٢٠) وعن بيع الماء والأرض لتحرث" (٢١) وفي بعض طرقه: "لا يمنع فضل الماء ليمنع الكلأ" وفي بعض طرقه: "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ" (ص١١٩٧ - ١١٩٨).
قال الشيخ: أما ضِراب الجمل (٢٢) وهو بيع نزوه على الناقة فأجازه مالك. وقال: لَا بأس بإجارة الفحل. ومنعه أبو حنيفة والشافعي لهذا الحديث. وقال بعض أصحابنا: نحن إنما نجيز إجارته وهذا إنما نهى عن بيعه وقد يكون هذا مخالفًا لذلك، كما نجيز إجارة الظئر للرضاع ونمنع بيع لبنها فكذلك تجوز إجارة الفحل للنَّزْو بخلاف بيعه. ولعلَّ هؤلاء يرون أن لفظة البيع لا تتضمن إنزاءً محدودا ولا أمرا معلوما ينتفع به، فيحملون الحديث في المنع على ذلك. وقد تعلق المخالف بقوله: "نَهَى عن عَسْب (٢٣) الفحل" لأجل أنه لم يذكر فيه لفظة البيع، وهذا أيضًا فيه إضمار محذوف، ولأصحابنا أن يقولوا فيه ما قالوا في الأول. واعتمد المخالف في المنع على أن المقصود غير معلوم ولا محصَّل وذلك يُلحقه بالغرر والخطَر فيمنع. وأصحابنا لا يسلمون ذلك ويجعلون المعاوضة وقعت على معلوم، والضرورة تدعو لجواز إجارته فوجب حمل الحديث على ما تأولناه، أو يحمل على الحث على مكارم الأخلاق والندب إلى إعارته لذلك ليكثر التناسل في الحيوان.
стр. 843
وأما "نهيه عن بيع الماء" وفي الطريق الآخر "عن فضْل الماء". فاعْلم أن من الناس من زعم أن الإِجماع قد حصل على أن من أخذ من دِجلة ماء في إنائه وجازه دون الناس أن (٢٤) له بيعَه إلا قولاً شاذَّا ذكر في ذلك لا يعتد بخلافه عنده. ومحمل النهي عن بيع الماء مطلقا أنه باع مجهولا منه أو باع ما لم يحتفره (٢٥) في أرضه واحتفره للسبيل، أو على أن النهي ندب للإِسعاف به لاحتقار ثمنه وعظيم حاجة الناس إليه.
وقد اختلف الناس فيمن حفر بئرا للماشية في الفيافي هل له منع فضله؟ فعندنا ليس له منع ذلك بل يَبْذله بغير عِوَضٍ. ومن الناس من قال: لا يمنعه ولكن ليس عليه بذله بغير عوض بل بقيمته قياسا على المضطر لطعام غيره لإحياء نفسه فإنه لا يحل له منعه ولكن لا يلزمه بذل بغير عوض. وما وقع ها هنا من نهيه عن بيع فضل الماء يدل على صحة ما قلناه: ان الفَضْلَة لا تمنع، وأما إلزام المخالف بذلهَا بالقيمة قياسا على ما قالوه في الطعام فقياس غير صحيح لأن الطعام يُضر به بذله ولا يخلف ما بذله إلا بسعي ومشقة والماء ما ذهب منه عاد إليه مثله وتفجرت به الأرض فافترق الأصلان.
وقوله: "لَا يُبَاعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الكَلأ" (٢٦). وقوله أيضًا: "لَا يُمْنَع فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكلأ".
معناه أن أصحاب الماشية إذا مُنعوا الماء لم يردوا عليه، وإذا لم يردوا عليه امتنعوا من رعي ما حوله لعدم الشرب فيكون منعه الماء قصدًا لِمَنْع الكلأ الذي لا حق له فيه إضرارًا بالمسلمين ومنعًا لهم من حقوقهم، وذلك
стр. 844
غير جائز. وقريب من هذا يتأوَّل في اللفظ الآخر: "لَا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ".
الكلأ مهموز مقصور بفتح الكاف هو المرعى. قال بعض أئمة أهل اللغة: الكلأ النبات.
قال: ومعنى الحديث أن البئر تكون في البادية أو في صحراء ويكون قربها كلأ فإذا وَرد عليها واردٌ فغلب على ما بها ومنع من يأتي بعده من الاستقاء منها كان بمنعه الماء مانعًا للكلأ لأنه متى ورد رجل بإبله فأرعاهَا ذلك الكلأ ثُمَّ لم يسقها قتلها العطش، والذي يمنع ماء البئر يمنع النبات القريب منه. وهو مثل الحديث الآخر: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ". قال أبو القاسم الزجاجي: الكلأ اسم يقع على جميع النبات والمرعى، فإذا فصل بين الرَّطْبِ واليابس منه قيل للرَّطْب خَلّى مقصور ورُطْب بضم الراء وإسكان الطاء ولليابس حشيش ومنه يقال: أحشَّت الناقة ولدها إذا ألقته يابسًا. وحشّت يد فلان إذا يَبسَتْ.
٦٨١ - قوله: "نَهَى عَن ثَمَن الكلب ومَهْرِ البَغِىّ وحُلْوَان الكاهِن"، وفي بعض طرقه: "ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ ومَهْرُ البَغِيّ خَبِيثْ وَكسْبُ الحَجّامِ خَبِيثٌ" وفي بعض طرقه: "سَألْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ والسِنَّوْرِ فقال: زَجَر النبيء ﷺ عَنْ ذَلِكَ" (ص ١١٩٨ - ١١٩٩).
قال الشيخ: قد تقدم في العقد الذي ذكرناه في افتتاح البيوع ما يعرف مِنْهُ علة النهي عَمَّا نهي (٢٧) عن بيعه. وعلة الجواز لما أجيز بيعه وأشرنا هناك لمسألة بَيْعِ الكَلْبِ، فمن أراد حقيقتها فليقف عليها هناك ولكن نلحق ها هنا ما يتعلق بالمسألة حتى لا تمر بنا فنخليها من فائدة.
стр. 845
فاعلَمْ أن كُلَّ حيوان ليس بنجس ولا ذي حرمة وينتفع به في الحال أو في المآل (٢٨) فإن بيعه جائز. وإنما قلنا "ليس بنجس" لأن الشافعي لما رأى الكلب نَجسا وجب أن يكون ذلك عنده علة في منع بيعه. ولهذا نَهَى عن بيع رجيع ابن آدم لنجاسته. وقد أشرنا في العَقْد الماضي إلى الكلام عليه. وإنَّما قلنا: "ولا ذي حرمة" احترازا من أم الولد والمكاتب والمعتق إلى أجل والمدبَّر. وإنما قلنا: "ينتفع به في الحال" لئلا يكون من الحشرات وغيرها مما لا منفعة فيه. واحترزنا بقولنا: "وفي المآل" (٢٨) من صغار العبيد الذين لا يقدرون على السعي الآن، فبيعهم جائز لما يرجى من المنفعة بهم في المستقبل وقد جعل الشرع هذا الرجاء للمنفعة قائما مقام حصول المنفعة في الحال.
وأما بيع العبد المستأجر والمخدَم سنين وإن كان فيه منفعة في المآل فالمنع هناك لعلة أخرى ليس هذا موضع بسطها. ولا شك أن الكلب الَّذِي لا يحل كسبه واقتناؤه لا يجوز بيعه لأن بيعه حينئذ كالمعاوضة على ما لا منفعة فيه، وقد تقدم بيان المنع من ذلك (٢٩).
وإن كان مما يحل اقتناؤه لزرع أو ضرع أو صيد فمن أصحابنا من كره بيعه لهذا الحديث وقال: ليس إباحة المنفعة تجيز (٣٠) المبايعة كأم الولد ينتفع بها ولا تباع. ومن أجاز بَيْعَه منهم حَمَل هذا الحديث على ما لا يحل اقتناؤه واتخاذه. وقد قدمنا أنه لا يجوز بيعه أوْ حَمَلَهُ على أنه كان حين أَمر بقتل الكلاب فلما وقعت الرخصة في كلب الضرع وما ذكر معه وأجيز اقتناؤه وقعت الرخصة في بيعه.
стр. 846
وأما مهر البغي (٣١) فهو ما يعطى على النكاح المحرم، وإذا كان محرّما ولم يستبح بعقد صارت المعاوضة عليه لا تحل لأن ما حرم الانتفاع به فكأنه لا منفعة فيه أصلاً.
وكذلك حُلْوان الكاهن لأنه يقول ما لا ينتفع به ويعان بما يعطاه على ما لا يحل، وقد قال بعض الناس: الكاهن (٣٢) الذي يُخبر بالغيب المستقبل؛ والعراف هو الذي يخبر بما أخفى وقد حصل في الوجود.
والبغي (٣٣) الفاجرة، وأصل بغي بَغُوي على وزن فعول بمعنى فاعلة (٣٤) وهو صفة لمؤنث فلذلك جاءت بغير تَاء كما تجيء إذا كانت بمعنى مفعول نحو رَكُوب وحلوب. ولا يجوز أن يكون بغي ها هنا فعيلاً ولو كان كذلك للزمته التاء كامرأة حليمة وكريمة. وكذلك حكم فعيل إذا كان لمؤنث وهو بمعنى فاعل.
والبغاء بكسر الباء ممدود الزنى والفجور من قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (٣٥). يقال: بغتِ المرأة تبغى بِغَاء بكسر الباء. وامْرَأةٌ بَغِيُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٣٦) وَجَمعُ بَغِيِّ بَغَايَا.
وأمَّا حُلْوَان الكَاهِنِ فهو ما يعطاه الكاهن (٣٧) ويجعل له على كهانته، يقال منه: حَلَوْتُ الرجل حُلْوانا، إذا حبوتُه بشيءٍ، والحُلوان: الرشوة
стр. 847
أيضًا. قال الهروي: قال بعضهم: أصله من الحلاوة شبيه (٣٨) بالشيء الحلو. يقال: حلوتُه إذا أطعمتُه الحُلْو كما يقال: عسلتُه إذا أطعمتَه العسل. قال أبو عبيد: الحُلوان أيضًا في غير هذا: أن يأخذ الرجل من مهر ابنتِهِ لنفسه وهو عَيْبٌ عند العرب قالت امرأة تمدح زوجها: [الرجز]
لَا يَأْخُذُ الحُلْوَانَ مِنْ بَنَاتنا (٣٩)
قال الشيخ: وأمَّا قوله: "كسب الحَجَّام خبيث".
فمحمله عندنا على أن المراد به التنزُّه عن كسبه لأنها من الصنائع الذميمة المستقذرة، والشرع يحض على مكارم الأخلاق والتنزُّه عن الدناءه. والدليل على ذلك قول ابن عباس في كتاب مسلم: "حجمَ النبيء ﷺ عَبْدٌ لبني بياضة فأعطاه النبيء ﷺ أجره وكلَّم سيده فخفَّف عنه من ضريبته" ولو كان سُحتا لَمْ يعطه. وقد ذهب بعض الناس إلى منع ذلك في الأحرار. واستعمل الحديث فيمن وقع على صفة ما وقع عليه، وأظنهم يجيزونه في العبد ليعلّف به نواضحه ورقيقه. وفي الترمذي أنه ﷺ استؤذن في إجارة الحجَّام فنهى الذي استأذنه عنها فلم يزل يستأذنه ويسأله عنها (٤٠) حتى قال: "أعلفه (٤١) نواضحك ورقيقك".
وأمَّا قوله في السِّنَّوْر: "زجَرَ عن ذلك".
فقال بعضهم: لعله على جهة الندب لإعارته لأنه إذا كان له ثمن شح
стр. 848
عليه، قال: أو لأنه لا يمكن ضبطه وإن ربط لم ينتفع به فوقع النهي لذلك. وقال بعضهم: لعَلَّه في السِّنَّوْر الوَحْشِي. وجمهور العلماء على أنه لا يمنع من بيعه، وذُكر كراهة بيعه عن أبي هريرة ومجاهد وغيرهما أخذًا بظاهر الحديث.
٦٨٢ - قوله: "أمَرَ رسول الله ﷺ بِقَتْلِ الكلاب إلاّ كَلْبَ صَيْدٍ أوْ كَلْبَ غَنَمٍ أوْ مَاشِيةٍ" (٤٢). وفي حديث آخر: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إلاّ كَلْبَ زَرْعٍ أو غَنَمٍ أوْ صَيْدٍ نقَصَ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ" (ص ١٢٠٠ - ١٢٠٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: أمَّا إذَا حُبست الكلاب لغير منفعة وحاجة إليها فإن ذلك ممنوع منه لما فيها من ترويع المسلمين والتوثب عليهم. وإذا دعت الضرورة لاقتنائها للتكسّب بها في الصيد أو حراسة المال كانت الحاجة إليها في تكسب المال أو حراسة (٤٣) تدعو لإِجازة اقتنائها.
وقد اختلف الناس في اتخاذها لحراسة الدور: هل يجوز ذلك قياسا على ما وقع في الحديث من إجازة اتخاذها لحراسة الزرع والضرع أم لا يجوز ذلك؟ وقد اعتلَّ بعض أصحابنا للنهي عن اتخاذها لحراسة الديار بأن في ذلك مضرةً وترويعًا للناس، وهي إنما تتخذ حراسةً من السارق، وقد تؤذي إذا كانت في الديار من ليس بسارق ومن لم يسرق بعد. وفي الحديث: "أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب". وهذا المعنى هو المفرّق بين اتخاذها في الديار واتخاذها لما ذكر في الحديث.
وكذلك أيضًا تنازع العلماء في كلب الصيد إذا اتخذه من ليس بصائد
стр. 849
هل يجوز أخذًا بظاهر هذا الحديث أو يُنهى عن ذلك ويكون معنى الحديث إلّا كلب صيد للصائد به؟
٦٨٣ - قوله ﷺ : "إن الله تعالى وَرسُولَهُ حَرَّمَا بيع الخمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأصْنَام. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله أرَأيْتَ (٤٤) شحوم الميتة فَإنها تُطْلَى بها (٤٥) السُفُن وتدهن بها الجلود ويَسْتَصبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا هُوَ حَرامٌ، ثُمَّ قَالَ ﷺ عِنْدَ ذلك: قَاتَلَ الله اليَهُودَ (٤٦) إنَّ الله لَمَّا حَرّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أجْمَلُوهُ (٤٧) ثُمَّ بَاعُوهُ فَأكَلُوا ثَمَنَهُ" (ص ١٢٠٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: قد تقدم في العَقْدِ الَّذِي افتتحنا به البُيُوعَ الكلام على هذا الحديث وأصّلنا ما يعرف منه ما يجوز بيعه مما لا يجوز وكشفنا عن علة ما يجوز بيعه مِمّا لا يجوز فلا فائدة في إعادته.
وقد قال الطبري في المحرمات: ما يجوز بيعه فإن اعترض به على ما تضمنه قوله ﷺ في هذا الحديث من إشارته إلى أن ما حرّم (٤٨) حرِّم بَيْعُه. قيل إنما هذا لنجاسته واليهود ترى الشحم نجسا، والذي أحللنا بيعه من المحرمات ليس بنجس.
والذي أراد بقوله: "لا هو حرام" تحريم البيع لا تحريم ما ذكروه من المنفعة، وإنما ظنُّوا أن هذه المنافع تكون سببًا للرخصة لهم في البيع فذكروا ذلك للنبيء ﷺ لعله أن يُبيح البيع لذلك فلم يفعل. وقد تقدم في
стр. 850
العقد الذي ذكرناه نحن في افتتاح البيوع الوجه الذي من أجله لم يعذرهم ﷺ ولم يرخص لهم في البيع. قال فإن قيل: فإن في بعض الأحاديث لما قيل له ﷺ في شحوم الميتة: إنّها تدهن بها السفن فقال: "لا تنتفعوا من الميتة بشيءٍ". قيل: هذا على الكراهية وتحرزًا من النجاسة أن تمسه بدليل ما وقع في حديث آخر: "أنه أباح الانتفاع بالسمن الذَّائب إذا وقعت فيه الفأرة". وإن طعنوا في بعض رواة هذا الحديث فكذلك حديثهم الذي عارضوا به أيضًا يُطعن في بعض رواته. هذا الذي عَلِقَ بحفظي من معنى كلام الطبري.
وأما قوله ﵇: "جَمَلوها" فمعناه: أذَابُوهَا. يقال: جَملتُ الشحم وأجملتُه إذا أذبتَه. وأنشد ابن الأنباري للبيد: [الرمل]
أوْنَهَتْهُ فَأتَاهُ رزقه ... فَاشْتَوَى لَيْلَةَ رِيحٍ وَاجْتَمَلْ
قال الهروي وغيره: الجَمِيل والصُّهَارة عند العرب ما أذيب من الشحم، والحَمّ (٤٩) ما أذيب من الألية. قال الراجز أنشده يعقوب: [الرجز]
يَهم فيه القَوْمُ هَمَّ الحَمِّ (٥٠)
قوله: يهم فيه، أي يذوب فيه.
стр. 851
١٥ - من كتاب الصَّرْف (١)
٦٨٤ - فيه قوله ﷺ : "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَاّ مِثْلاً بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بالْوَرقِ (٢) إلَاّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا منه غَائِبًا بِنَاجِزِ". وفي حديث آخر: "الوَرقُ بالذَّهَب رِبًا إلا هَاءَ وَهَاءَ وَالبُرّ بالبُرّ رِبًا إلَاّ هَاءَ وَهَاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبًا إلَاّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْر بِالتَّمْر رِبًا إلَاّ هَاءَ وَهَاءَ". وفي حديث آخر: نَهَى ﷺ عَنْ بَيْع الذَّهَبِ بالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلحِ إلَاّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ عينًا بِعَيْنٍ (٣) فَمَنْ زَادَ أوْ ازْدَادَ فَقَدْ أربَى" (ص ١٢٠٨ إلى ١٢١٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: التبايع يقع على ثلاثة أوجه عرضٌ بِعَرض، وعينٌ بعين وعرضٌ بعين.
стр. 852
ويقع التبايع بهذه الأجناس على ثلاثة أوجه أيْضًا يُؤخران جميعا، ويُنقدان جميعا، وينقد أحدهما ويؤخر الآخر.
فإن نُقدَا جَميعا كان ذلك بيعًا بِنقد: فإن بيع العين بمثله كالذهب بالذهب سُمِّي مراطلة، وإن بيع بعين خلافه كالذهب بالورق سمّي مصارفة، وإن بيع العرض بعين (٤) سمّي العين ثمنا والعرض مثمونا.
وان كانا مؤخرين جميعا: فذلك الدين بالدين وليس ببيع شرعي، لأنه منهى عنه على الجملة.
وإن نُقد أحدهما وأُخِّرَ الآخر: فإن كان المؤخر هو العين والمنقود هو العرض سمي ذلك بيعا إلى أجل، وان كان المنقود العين والمؤخر العرض سمي ذلك سلما ويسمى سلفا (٥).
ولو كانَا عرضين مختلفين سمي ذلك سلما أيضًا وسلفا ولا يبالي (٦) ما تَقَدَّمَ منهما أو تَأخَّر.
واعلم بعد ذلك أن الربا محرم في الشرع قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٧) "ولعن النبيء ﷺ آكل الرّبا وموكله" (٨) الحديث (ص ١٢١٩).
فإذا ثبت تحريمه وجب أن نعقد فيه أصلا يجمع سائر فروعه.
стр. 853
فاعلم أنّا قدمنا أن البيع يقع نقدًا ويقع نسيئة فأما بيع النقد وهو ما تناقدا فيه العوضين جميعا فيجوز التفاضل فيه والتماثل والبيع (٩) كيف يشاءانِ ما لم يكن التبايع في الأثمان أو الأطعمة المقتاتة فلا يجوز فيها التفاضل مع الجنسية، ولا يباع منها المثل (١٠) بمثله إلا مُتَسَاوِيًا، وإن اختلفت جاز التفاضل. وما سوى هاذين القسمين يجوز بيعه على الإِطلاق فحصل من هذا أن التفاضل مع الاختلاف في بياعات النقود يجوز على الإِطلاق، والتفاضل مع التمائل يجوز إلا فيما قدمناه الأثمان والمقتاتات.
والدليل علي الجواز مع اختلاف الأجناس على الإِطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١١)، وقوله ﷺ : "إذَا اختلفَ (١٢) الجنسان فبيعوا كيف شئتم".
والدليل علي إجازة التفاضل فيما سوى الثَّمن (١٣) والمقتات قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١٤). وأيضًا فإنه لو كان التفاضل في سائر الأشياء ممنوعا لم يكن لتخصيص النبيء ﷺ هذه الستة بتحريم التفاضل معنى، ولقال: التفاضل حرام عليكم في كل شيء، ولكن لما خص هذه الستة دل ذلك على أن التحريم ليس بعام في سائر الأشياء، وإنما يبقى النظر في هذه الستة: هل التحريم مقصورٌ عليها ويكون كشريعة غير معقولة المعنى أو يكون لاختصاصها بالتحريم معنى فيطلب ذلك المعنى فحيثما وجد حرم قياسا على الستة.
стр. 854
فأما أهل الظاهر النفاة للقياس فإنهم قصروا التحريم عليها وأباحوا التفاضل في سائر الأشياء سواها. وهذ بناء منهم على فاسد أصلهم في نفي القول بِالقيَاس. والرد عليهم مذكور في أصول الفقه.
وأما جمهور العلماء المثبتون للقياس فإنهم تطبوا لذلك معنى؛ فأمَّا مالك فإنه يعتقد أنها إنَّمَا حرم التفاضل فيها لأمرين: أما الذهب والفضة فلكونهما ثَمَنَيْنِ، وأما الأربعة المطعومة فلكونها تُدَّخَر للقوت أو تُصلح القوت، وقد قدمنا أن ذلك كلَّه مع تماثل الجنس.
وأمَّا الشافعي فوافقه على العلة في الذهب والفضة وخالفه في الأربعة، فاعتقد أن العلة كونها مطعومة.
وأما أبو حنيفة فخالفهما في الجميع واعتقد أن العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل.
فخرج من مضمون ذلك أن مالكا تطلب علته فحرم التفاضل في الزّبيب لأنه كالتمر في الاقتيات، وحرم التفاضل في القطنية لأنها في معنى القمح والشعير في الاقتيات، ويرى أن العلة الثَّمَنِية لم يتفق وجودُها إلَاّ في الذَّهب والفضة ولو اتفق أن يجيز الناس بينهم الجلود لنهى عن التفاضل فيها، وأما الشافعي فتطلب علته فحرم التفاضل في كل مطعوم، وأبو حنيفة يحرمه في كل مكيل أو موزون.
فأما مالك فإنه استلوح ما قال لأجل أن النبيء ﷺ لو أراد الكيل أو الوزن (١٥) لاكتفى (١٦) بأحد هذه الأربعة في الكَيْل ولا تظهر للزيادة على الواحد فائدة. وكلامه ﷺ كله فوائد لا سيما في تعليم الشرائع
стр. 855
وبيان الأحكام، وكذا (١٧) كان يقتصر على واحد منها لَوْ كانت العله (١٨) كونها مطعومة لأن الواحد منها كَمَا سواه مما ذكر معه في الحديث. ويقول: لما علم ﷺ أن المُراد الاقتيات أراد أن يُبينه بالتنبيه (١٩) عليه ليُبقيَ للعلماء مجالا في الاجتهاد ويكونَ داعيا لبحثهم الذي هو من أعظم القرب إلى الله سبحانه، وليوسّع لأمته في التعبد على حسب سعة أقوال علمائهم. وربما كانت التوسعة أصلح للحق أحيانا فَنَصَّ على البُر الذي هو أعلى المقتاتات ثم نصَّ على الشعير الذي هو أدناها لينبه بالطرفين على الوسط وتنتظم الحاشيتان ما بينهما. وإذا أراد إنسان ذكر جملة الشيء (٢٠) فربما كان ذكر طرفيه ونهايته أدَلَّ على استيعابه من اللفظ الشَّامل له. ولَمَّا عهد النبيء ﷺ عَادة الناس في زمنه أكل البر مع السعة والاختيار، والشعير مع الضرورة والإِقتار كان ذكره لهما تنبيهًا على السّلْت والأرز والذُّرة والدُّخن لأن من اعتاد أكلها (في بعض البلاد إما أن يأْكُلَهَا) (٢١) في حال سعته فيكون ذلك القمح منبها له على حكمها، أو في حال ضيقته (٢٢) فيكون ذكر الشعير منبها له، ولو اتفق أن يكون الدخن أو غيره هو الغالب في زمنه في قوت أهل الإِقتار لأمكن أن ينبه به بدلا من الشعير، وأمَّا التمر فإنه وإن كان يقتات ففيه ضرب من التفكه، والطبع يستحيله حتى أنه يُؤكل على غير جهة الاقتيات فأراد ﷺ أن يرفع اللُّبْس لأجل هذا المعنى الذي انفرد به ويَنُصَّ عليه مشيرا إلى أن كل مقتات وإن كان فيه زيادة معنى فإن ذلك لا يخرجه من بابه (٢٣) ولما علم ﷺ أن هذه الأقوات لا يصح اقتياتها إلا
стр. 856
بعد إصلاحها وإذا لم تكن مصلحةً تكاد أن تلحق بالعلم الذي لا ينتفع به في القوت أعطى ما لا قوام لها إلا به حكمها. ونبَّه بالملح على ما سواه مما يَحُلُّ محلّه في إصلاحها لأنه لا يقتات (٢٤) منفردا ولكنه يجعل ما ليس بقوت قوتا.
وأما الشافعي فإنه استلوح ما ذهب إليه من قوله ﷺ في حديث آخر: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ" (ص ١٢١٤)، فيقول: إني وإن لم أزاحمكم في تطلب التعليل فإن عموم هذا نص مذهبي، وإن زاحمتكم فيه فإنه يشير إلى ما قلت لأنه عَلَّقَ الحكم بالطعام وهو مشتق من الطعم ومعنى الاشتقاق هو علة الأحكام.
وأما أبو حنيفة فإنه سلك أيضًا قريبا من هذا المسلك فقال: فإن عامِل خيبر لما باع الصاع بالصاعين أنكر ذلك (٢٥) ﷺ فقال: "لا تفعلوا ولكن مثلا بمثل وبيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان". ومعلوم أنه لم يرد نفس الميزان وإنما أراد نَفْس المَوْزونِ فكأنه قال: وكذلك الموزون (فيقول أيضًا: إنْ لم أزاحم في التعليل استدللت بعموم قوله: وكذلك الموزون) (٢٦). وإن زاحمتكم فيه كان ذكر الوزن مشيرا للعلة.
وقال أصحابنا في الرد عليه: إن علته تجيز الرّبا في القليل الذي لا يتأتى فيه الكيل وعموم قوله ﷺ "البر بالبر" الحديث يوجب منع الربا فيه فقد صارت العلة أُخذت من أصل ينقضها عمومه، وذلك مِمَّا يبطل العلل، هذا الكلام في الربا في بياعات النقد.
стр. 857
وأما القسم الثاني: فهو الربا في النسيئة فنتكلم عليه في الحديث المذكور فيه السَّلَمُ (٢٧)، إن شاء الله.
وقد اشتمل الحديث على أن الرّبا في النقد في هذه الستة المذكورة، وذكر عن ابن عباس أنه أجاز دينارا بدينارين نقدًا وَذُكِر أنه رجع عنه فإِن ثَبَت عنه أنه كان يجيزه فيسقط هذا القسم على أصله ولا يكون ربا عنده إلا في القسم الآخر الذي وعدنا بالكلام عليه، وذكر عنه مسلم ما ظاهره أنه تعلّق بقوله ﷺ "الرّبا في النسيئة" (ص ١٢١٧).
وفي بعض طرق مسلم ("إنّما الربا في النَّسيئة") (٢٨) (ص ١٢١٨).
وفي بعض طرقه "لا ربا فيما كان (٢٩) يدًا بيد" (ص ١٢١٨). وروى البخاري "لا ربا إلا في النسيئة".
فإن قيل: كيف الوجه في بناء هذه الأحاديث مع قوله "الذهب بالذهب ... " الحديث. وفي آخره: "مثلاً بمثل سواءً بسواء يدًا بيد". فقد أثبت الربا مع كونه يدًا بيد. وهذا يمنع من حمله على أن المراد به النَّسِيئة حتى يكون مطابقًا لما تعلق به ابن عباس. وأيضا قوله للذي كان يبيع الصاعين من التَّمر بصاع "لَا صَاعَيْ تمر بصاع" الحديث (ص ١٢١٦).
قيل عنه: ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن يقال: قوله: "لا ربا إلا في النسيئة" يعني في العروض وما في معناها مِمّا هو خارج عن الستة المنصوص عليها وعمَّا يقاس عليها. ولا شك أن العروض يدخلها الربا نسيئة على ما سنبينه فيما بَعْدُ إن شاء الله.
стр. 858
والثاني: أن يكون المراد الأجناس المختلفة من هذه الستة أو ما في معناها، فإِنه لا ربا فيها إِلا مع النسيئة، فيحمل ما تعلق به ابن عباس على هذا حتى لا يكون بين الأحاديث تعارض وتناقض.
والجواب الثالث: أنه إِنما أراد بقوله: "إِنما الربا في النسيئة" إِثباتَ حقيقةِ الربا وحقيقةِ (٣٠) أن يكون في الشيء نفسه وهو الربا المذكور في القرآن في قوله ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣١) لأنهم كانوا يقولون: إِما أن تَقضي أو تُربي.
هذه طريقة في الجواب سلكها بعض العلماء. ولما عورض بما وقع من إطلاقاته ﷺ كقوله: "فمن زاد أو استزاد فقد أربى" وقد ذكر الذهب بالذهب والفضة بالفضة قال: هذا على جهة المجاز والتشبيه له بالربا. وهذا عندي بعيد مع قوله في حديث بلال لما باع الصاع بالصاعين فقال ﷺ : "أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا" (ص ١٢١٥)، فنصّ على أنه عين الربا. وهذا يبعد معه أن يكون أراد أنه يشبه الربا.
٦٨٥ - وقوله: "هَاءَ وَهَاءَ" (ص ١٢٠٩).
بعض المحدثين يقولون: إنها مقصورة، وحذاق أهل اللغة يمُدونها ويجعلون ذلك بدلا من الكافِ لأن أصلها: هَاكَ، يقولون: هاك السَّيْف، بمعنى خذه (٣٢) ويقال للاثنين: هَاؤمَا (٣٣) وللجماعة هَاؤْم قال الله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٣٤) ويقال: هَاءِ بالكسر.
стр. 859
٦٨٦ - وقوله: "وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ" (ص ١٢٠٨). بمعنى: لا تفضلوا. وقد يكون الشف في اللغة بمعنى النّقصان وهو من الأضداد.
٦٨٧ - خرّج مسلم في باب أكل الربا حديثاً عن جرير عن مغيرة قال: سألت إبراهيم فحدثنا عن عَلقمة (هكذا في نسخة ابن ماهان، وأما عند الجُلُودي فعن جرير عن مغيرة قال: سَأل شِبَاكٌ إبراهيم فحدثنا عن علقمة) (٣٥) فجعل السائل هو شِباك. وفي رواية أبي العلاء أن السائل هو المغيرة (ص ١٢١٨).
وشباك هذا هو ضَبِيّ كوفي مشهور بالرواية عن إبراهيم النخعي.
٦٨٨ - ذكر: "أنه أتى ﷺ وَهْوَ بِخَيْبَر بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ وَهْيَ مِنَ المَغَانِمِ تُبَاع فَأمَرَ ﷺ بِالذَّهَبِ الذي في القِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ثم قال لهم رسولُ الله ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بوزن". وفي بعض طرقه: "اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً فِيهَا اثْنَا عَشَرَ دينارا (٣٦) فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ فَفَصَّلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أكْثَرَ مِن اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فذكرت ذَلِكَ للنبيء ﷺ فقال: لا تُباع حتّى تُفَصَّلَ" (ص ١٢١٣).
قال الشيخ: مذهب مالك أن الذهب إذا كان مَعَهُ سلعة (٣٧) فلا يجوز بيعهما بذهب، وكذلك إذا كانت فضة وسلعة فلا يجوز بيعهما بفضة لأن ذلك يؤدي إلى التفاضل بين الذهبين، والذهب المنفرد (٣٨) جميع أجْزَائه مقابلة للذهب والسلعة فلم يقع التماثل ولا بَيْعُ الذهب بمثله سواء بسواء (لكنَّ
стр. 860
مالكا استثنى السيف المحلَّى إذا كَانَتْ حِلْيَتُه تبعاً له أن يباع بالفضة وإن كانت حليته فضةً) (٣٩). وأجاز ذلك لأنَّ الشرع أباح تحليته، ونزعه يشق وهو قليل تبع والأتباع غير مقصودة (٤٠) في العُقود.
وأما أبو حنيفة فيجيز ذلك إذا كان الذّهب المنفرد أكثر من الذهب المنضمّ للقلادة. ويرى أن ما زاد من الذهب المنفرد يكون في مقابلة السلعة وما سوى ذلك يكون في مقابلة الذهب سواء بسواء فيصيران كالعَقْدَيْن المُنفردَيْن (٤١) فلا يتصور الرّبا. ومن الناس من شَذَّ فأجاز ذلك على الإِطلاقْ من غير اعتبار يكون الذهب المنفرد أقلَّ أو أكثر. وأصحاب أبي حنيفة إذا احتججنا عليهم بحديث القلادة يقولون: قد ذكر ها هنا أن الذهب الذي كان فيها أكثر من الذهب المنفرد ونحن نمنع هذا الوجه (٤٢) لأنَّا اشترطنا في الإِجازة أن يكون الذهب المنفرد أكثر من الذهب المُنْضَمِّ للسلعة. وإنّما يمتنع هذا التأويل على المخالف الذي ذكرنا أنه يجيز ذلك على الإِطلاق.
ورأيت الطحاويَ ينفصل عن حديث القلادة بأنه إنما نهى عن ذلك لئلا يُغْبَنَ المسلمون (٤٣) في المغانم، وأنه ﷺ تخوف من الغَبْن، وقد ظهر ما تخوف منه لأنه وجد في ذهبه أكثر من الثمن. وقَدْ تَعَسَّفَ عِنْدي في هذا التأويل لأنه قد ذكر أنه ﷺ لَمَّا أمر بنزع الذهب الذي فيها قال لهم: "الذهب بالذهب وزنا بوزن". وهذا كالنطق بالعلة وكأنه ﷺ قال لهم:
стр. 861
"إنما أمرتكم بذلك حتى يحصل الذهب بالذهب سواء بسواء" ولو كان إنما أمر بذلك للغبن لقال ﷺ : الغبن لا يجوز في المغانم أو مَا يكون هذا معناه.
٦٨٩ - وأما قوله: "فجاءه (٤٤) بتَمْرٍ جَنِيب فقال: لا تفعل بع الجَمْع (٤٥) بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا" (ص ١٢١٥ - ١٢١٦).
فإن الجنيب صنف من أعلى التمر والجَمْع صنف من أدناه. وقيل: خلط من أنواع التمر.
وقد يتعلق بعموم هذا من لا يحمي الذريعة ويقول: قد أجازَ ها هُنَا أن يبيع الجَمْع بالدراهم ثم يشتري بها جنيبًا (٤٦) ولم يُفْرَقْ بين أن يشتريه ممّن باع الجَمع منه أو غيرِه ولم يتهم على كون الدراهم لغوًا، ومن يحمي الذريعة يَخصه بأدلّة أُخر.
٦٩٠ - قوله ﷺ : "إنّ الحلَال بيِّن وإنَّ الحَرَام بَيِّنٌ وبينهما مُشْتَبِهَاتٌ (٤٧) لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتقَى الشُّبُهَات اسْتَبْرَأ (٤٨) لِدِيِنهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يِرْتَعَ (٤٩) فيه. ألَا وَإنَّ لِكُلِّ ملِك حِمَى ألَا وَإنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ ألَا وَإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألَا وَهْيَ القَلْبُ" (ص ١٢١٩).
стр. 862
قال الشَّيخ: هذا الحديث جليل الموقع عظيم النَّفْع في الشرع حَتَّى قال بعض الناس: "إنه ثلث الإِسلام"، وذكر حديثين آخرين هما الثلثان الباقيان. وإنما نبه أهل العلم على عظم هَذَا الحديث لأن الإِنسان إنما تعبَّد بطهارة قلبه وجسمه فأكثر المَذامّ والمحظورات (٥٠) إنّما تنبعث من القلب فأشار ﷺ لإِصلاحه ونبّه على أن إصلاحه (٥١) هو إصلاح الجسم، وأنه الأصل. وهذا صحيح يُؤْمن به حتَّى من لا يؤمن بالشرع وقد نص عليه الفلاسفة والأطباء، والأحكام والعبادات التي يتصرف الإِنسان عليها بقلبه وجسمه تقع فيها مشكلات وأمور ملتبسات التساهل فيها وتعويد النفس الجرأة عليها تُكسب (٥٢) فَسَاد الدِّين والعِرض فنبَّه ﷺ على توقِّي هذه وضرب لها مثلا محسوسًا لتكون النفس له أشدَّ تصورا والعَقْل أعظم قبولا فأخبر ﵇ أن الملوك لهم أحمية لا سيما وهكذا كانت العرب تعرف في الجاهلية أن العزيز فيهم يحمي مروجا (٥٣) وأفنية فلا يُتجاسَر عليها ولا يدْنى منها مهابة من سطوته أو خوفا من الوقوع في حَوْزَتِهِ (٥٤). وهكذا محارم الله سبحانه من ترك منها ما قرب فهو من توسطها أبعد، ومن تحامى طرف الشيء أُمِن عليه أن يتوسط (٥٥) ومن تَطرف (٥٦)، توسَّط. وهذا كله صحيح.
وإنما بقي أن نتكلَّم على هذه الشبهات فنقول: فقد أكثر العلماء من الكلام على تفسير المشتبهات ونحن ننبهك على أمثل طريقة (٥٧).
стр. 863
فاعْلَمْ أن الاشتباه هو الالتباس وإنما يطلق في مقتضى هذه التسمية ها هنا على أمْرٍ مَّا أشبه أصلاً مّا ولكنه مع هذا يشبه أصلاً آخر يناقض الأصل الآخر فكأنه كثرت أشباهه فقيل: اشتبه بمعنى اختلط حتى كأنه شيء واحد من شيئين مختلفين، فإذا أحطتَ بهذا علما فيجب أنْ تَتطَلَّب هذه الحقيقة فنقول: قد تكون أصول الشرع المختلفة (٥٨) تتجاذب فرعا واحدا تجاذبًا متساويا في حق بعض العلماء ولا يمكنه تصور ترجيح، ورده لبعض الأصول يوجب تحريمه، ورده لبعضها يوجب تحليله فلا شك أن الأحوط ها هنا تجنب هذا ومن تجنبه وصف بالورع والتحفظ في الدين، وما أحد من المسلمين يعيب فاعل هذا بل المعلوم انطلاق الألسنة بالثناء عليه والشهادة له بالورع إذا عرف بذلك.
وقد سئل مالك عن خنزير الماء فوقف فيه. وكان شيخنا ﵀ يقول: لما تعارضت الآي عِنْده ونظر إلى عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (٥٩) فخاف أن يدخل في عمومه فيحرمَ ونظر إلى عموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (٦٠) وأمكن عنده أن يدخل في عموم هذه الآية فيحل ولم تظهر له طرق الترجيح الواضحة في أن يقدم آية على آية وقف فيه (٦١). ومن هذا المعنى أن يعلم أصل الحكم ولكنه يلتبس وجود شرط الإِباحة حتى يتردد بينه وبين شرط التحريم، وذلك أن الإِنسان يحل له أن يأكل ملكه أو ما في معناه مما أبيح له تملكه، ويحرم عليه أكل ملك غيره أو ما في معناه. وقد وجد النبيء ﷺ تمرة ساقطة فترك أكلها واعتلّ بأنه لولا أنَّه يخاف
стр. 864
أنْ تكون صدقة لأكلها. فلما كانت الصدقة محرمة عليه وشك هل حصل هذا التحريم هو هذه التمرة؟ (٦٢) تركها ولحقت بالمشتبهات.
وهذا إذا كان الاشتباه من جهة أصول الشرع بعد نظر صحيح فيها أو في القسم الأخير الذي ذكرناه مع فقد أصول يُرد إليها، وعدم أمارات وظنون يعول عليها؛ وأما إذا كان الأمر بخلاف ذلك فليس من الوَرع التوقف بل ربّما خرج بعضه إلى ما يكره.
وبيان ذلك بالمثال أن من أتى إلى ماءٍ لم يجد سواه ليتوضأ منه فقال في نفسه: لعل نجاسة سقطت فيه قبل أن أرد عليه وامتنع من الطهارة به (٦٣)؟ فإن ذلك ليس بممدوح وخارج عما وقع في الحديث لأن الأصل طهارة المياه وعدم الطواري واستصحاب هذا كالعَلَم الذي يظن منه (٦٤) أنه لم يسقط فيه شيء مع أن هذه الفكرة إذا مرّ معها تكررت ولم يَقِفْ عند حَدٍّ وأدى ذلك إلى انقطاع عن العبادات.
وكذلك لو أن إنسانًا اشتهى النساء ثم قال. لعل في العالم من رضع معي فلا يلقى امرأة إلا والعقل يجوّز ذلك فيها إذا كانت في سن يمكن أن ترضع معه فاجتنب جميع النساء لهذا الخاطر الفاسد لم يكن مصيبا، كمثل ما قلناه في الماء من استصحاب الحال في عدم هذه الأمور، وما يقع من الضرر بالإِصغاء إلى هذه الخواطر قد يتسع فيه الخرق فقد صارت الشكوك التي لا أصول لها وتتكرر في نفسه (٦٥) ويعظم الضرر بالمرور على موجبها ساقطةً في الشرع حتى كانت المداواة عند بعض الفقهاء.
стр. 865
والمستحسن إضراب النفس عنها والتغافل عن إخطارها بالبال، كما يقولون في المُوَسوس في الحدث بعد الوضوء: إنه يؤمر بأن يلهى عن ذلك ويعرَض عنه حتَّى إذا اعتاد الإِعراض عنه لم يتكرر عليه. وقد يكون هذا الشك له مستند (٦٦) ولكن الشرع عفا عنه لعظم الضرورة كمن تحقق أن امرأة أُرضعت معه والتبست عليه بنساء العالم فإنَّا إن قطعنا عليه (٦٧) شهوته وحرمنا (٦٨) نساءَ العالم جملة كان ذلك إضرارًا عظيما وكلهن محلل (٦٩) فلا يغلَّب حكم محرمة واحدة على مئي ألوف (٧٠) محللات ولو اختلطت هذه الرضيعة بنساء محصورات لنهي عن التزوج منهن لأن الشَّكَّ ها هنا له مستند وهو العِلْم بأن هناك رضيعة وشك في عينها وله قدرة على تحصيل غرضه مع القطع بسلامته من الوقوع في الحرام بأن يتزوج من نساء قوم آخرين.
وليس من الحزم (٧١) في الدين أن يكون له طريقان في تحصيل غرضه:
أحدهما: محلل هو أسْهل وأكثر فإن وقع فيه قطَع على عين التحليل.
والطريق الأخرى أقل وأندر وإن وقع فيه خاف أن يقع في عين الحرام فيعدل عن المحلّل بما يجوز أن يكون مُحرما. وبهذا فارقت هذه المسألة التي قبلها لأنه متى اختلطت بنساء العالم لا يقدر على تحصيل غرضه بطريق أخرى، فوجب ألا يكون للشك تأثير.
وإنما أرَيْتُك بهذه المسألة طريقة تسلكها وإلا فمسائل هذا النوع لَا
стр. 866
تحصى كثرة، ولكن أصول جميعها لا تنفك عن الأصول (٧٢) التي مُهِّدت لك. وقد يقلّ الضرر بالتحريم في بعض المسائل ويعظم في أخرى، ويتضح كون الشك له مستند في بعض المسائل ويخفى في أخرى، وقد تكثر أصول بعض المسائل وقد تتضح مساواة الفرع للأصل وقد تخفى، ومن مجموع هذا كله واختلافِ نظر الفقهاء فيه يقع بينهم التنازع والاختلاف.
من ذلك مسائل الشاك في عدد الطلاق، والشاك: هل حَنِث في يمينه أم لا؟ والشاك في زوجته هل تحبه أم لا؟ وقد حلف على أنها تحبه (٧٣) والشاك في الإناءين أيهما النجس؟ والشاك: هل أصابَتْ ثوبه نجاسة أم لا؟ والشاك في موضعها مع علمه بإصابتها ثوبه؟ إلى غير ذلك من المسائل التي كثر اضطراب العلماء فيها. وطريقتهم فيها هي التي نَبَّهناك عليها وأنت إذا أحطت بهذه الطريقة علماً أَغْنَتْك عن اضطراب الفقهاء.
وأيضاً (٧٤) هذا الحديث: هل المشتبهات المذكورات فيه واجب اجتنابها؟ وهل قوله: "من وقع في الشبهات وقع في الحرام" دلالة على أن اجتنابها واجب أم يكون المراد أنه قد يقع (٧٥) في الحرام لقوله بعد ذلك: "كالراعي يرعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أن يرتَع فيه" ولم يقل: يرتع فيه؟ فلا بد مع وصفه بأن اجتنابها استبراء للدين (٧٦) والعرض. والاستبراء يشير إلى أنها ليست بنفس الحرام الذي يجب أن يجتنب لأن هذه المسائل التي نصصنا على بعضها وأشرنا إلى بقيتها تختلف طرق الاشتباه فيها على ما أشرنا إليك به؛ فقد يقتضى بعضها التحريم وأن
стр. 867
الاجتناب واجب، وقد تدق طرق الاشتباه وتضعف فيكون الاجتناب (٧٧) حينئذ مستحبًا غير واجب، ولكنه ﷺ أتى بلفظ دالّ على استحباب التوقّي. ولا شك أن استحسان التوقي يعم جميعها ما لم تكن من الشكوك الفاسدة التي أشرنا إليها.
وقد يقال: هذه المشتبهات إما أن تكون حراما أو حلالاً، وقد قال ﷺ : "إن الحلَال بيّن وإنّ الحرام بَيّن" فإن كانت محرّمة فيجب أن تكون بيّنة على ظاهر قوله، وإن كانت محللة فيجب أن تكون بيّنة على ظاهر قوله أيضا. قيل: قد يقع منها ما هو مكروه وهو كثير فيها فلا يقال: إنه حرام بيّن لا حلال بيّن لا كراهة فيه (٧٨). وأيضا فقد يكون المراد ما استقر عليه الشرع من تحليل وتحريم مما نزل بيانه واضحا بيّنا (٧٩)، وإليه أشار بقوله ﷺ : "الحلالُ بيّن والحرام بيّن". ولا شك أن تحريم الربا (٨٠) والميتة والدم ولحم الخنزير بيّنٌ، ولا شك أنَّ تحليل الأكل من طيبات ما اكتسبنا، وتزويج النساء حلال بيّن، وإلى هذا وأمثاله أشار، وإن كانت المشتبهات لها أحكام ما، ولهذا قال: "لا يعلَمُهُنّ كثير من الناس" ولو كانت لا حكم لله فيها (٨١) لم يقل "لا يعلمهن (٨٢) كثير من الناس" لأن الكلَّ حينئذ لا يعلمونها.
وقد يدخل هذا الحديث في الاستدلال على حماية الذريعة وصحة القول به كما ذهب إليه مالك لقوله ﵇: "كالرّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أن يَرْتَع فيهِ".
стр. 868
وقد اختلف الناس في محل العقل من الإِنسان، فمذهب بعض الأئمة من المتكلمين أنه في القلب وإليه صار جمهور الفلاسفة. ويحكى عن أرسطاطاليس وهو رئيس الفلاسفة، وقالت الأطباء: إنه في الدماغ، ويحكى هذا عن أبي حنيفة. وقد احتج بعض الأيمة من المتكلمين على أنه في القلب بقوله : ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (٨٣) الآية. فأضاف العقل إلى القلب وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٨٤). واحتجوا أيضا بهذا الحديث وقد جعل النبيء ﷺ صلاح الجسد كلِّه وفساده كلِّه تابعا للقلب، والدّماغُ من جملة الجسد، فاقتضى ظاهر الحديث كون فساده وصلاحه تبعًا للقلب. وهذا يدل على أنه ليس بمحلّ للعقل.
وأمَّا الأطباء فإنما عُمْدَتُهُمْ على أن الدماغ يفسُد فيفسُد العقل ويكون منه الصرع والهَوَس عندهم. ويتغير مزاجه فيتغير العقل ويكون منه عندهم المالنخونيا (٨٥) وغير ذلك من العلل التي يسمونها، فاقتضى ذلك عندهم كون العقل في الدماغ. ولا حجة لهم في هذا لأن الله سبحانه قد يُجري العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ وإن لم يكن العقل فيه لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه في كتبهم بين الدماغ والقلب (نعم وهم) (٨٦) يجعلون بين رأس المعدة والدّماغ اشتراكا وينصون (٨٧) في كتبهم على أن المالنخونيا على قسمين:
стр. 869
شراسفيه (٨٨): وهي أبْخرة عندهم تصعد من نواح قريبة من المعدة، وقد يكون بِرَأس المعدة خِلْطٌ يبخر الأعْلَى فيتغير العَقْل. وهذا منهم نَقض لاستدلالهم.
والنوع الآخر: دماغية وهو من (٨٩) فساد مزاج الدماغ؛ والعَلَمُ عندهم عليهما أن ما دام على وتيرة واحدةٍ فهو من الدّمَاغ وما كان يختلف الأزمان فيه فهو من أسفل البدن فإذا صعد البخار تحرك وإذا سكَن سكَن.
٦٩١ - ذكر مسلم عن مَعْمَر: "أنّه أرسل غلامه بصاعِ قمح ليبيعَهُ ويشتري بثمنه شعِيرًا فأخذ الغلام صاعا وزيادة بعض صاعٍ فقال مَعْمَرٌ: رده ولا تأخذ إلا مثلا بمثل فإن النَّبِيءَ ﷺ قال: الطَّعامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ. وكان طَعَامُهُمْ يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. قيل: فإنَّه ليس بمثله قَالَ: إنِّي أخَافُ أن يُضَارِع" (٩٠) (ص ١٢١٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: مذهب مالك أن الشعير مع القمح صنف واحد لا يجوز التفاضل فيه لتقارب المنفعة فيه. وسنُبَيِّن في كلامنا على السلم وجْهَ مراعاته المنفعة دون مجرد الذوات، ونوضّح ذلك بأن القمح (٩١) قد يستدل به في نفسه فبين أعلاه وأدناه من التفاوت قريب مِمَّا بين القمح والشعير. ثم حصل الاتفاق على أنَّ أعلى القمح وأدناه لا يجوز التفاضل بينهما لتقارب الغرض فيهما (٩٢) فكذلك الشعير والقمح.
стр. 870
ومذهب الشافعي جواز التفاضل بين القمح والشعير، ومال إليه بعض شيوخنا المحققين واعتمد على أنه يخالف القمح في الصورة والتسمية، كما يخالف القمح التمر فوجب أن يكونا صنفين وقد قال ﷺ عقيب الحديث: "فإذا اختَلَفَت هذه الأصناف فَبيعُوا كيف شِئْتُمْ" (ص١٢١١).
وقد ذكر الترمذي: "بيعوا البُرّ بالشعير كيف شئتم يدا بيد" وبهذا احتج الشافعي.
[الشروط في البيع] (٩٣)
٦٩٢ - قول جابر ﵁: "إنّه باع من النبيء ﷺ جَمَلاً عَلَى أن لَهُ فَقَارَ ظَهْرِهِ إلَى المَدِينَة" الحديث (ص ١٢٢١).
قال الشيخ -وفقه الله-: من الناس من أجاز بيع الدابة واستثناء البائع رُكُوبَهَا أخذا بظاهر هذا الحديث؛ وأما مالك فيجيزه بشرط أن تكون مسافة هذا الركوب قريبة ويَحْمِلُ هذا الحديث عليه. وأما أبو حنيفة والشافعي فيمنعانه أصلاً لنهيه ﷺ عن بيع الثنيا وعن بيع وشرط، وكأنهما يريان أن هذا لم تكن فيه حقيقة البيع لأنه أعطاه الجمل والثمن لمَّا وصل إلى المدينة، أو لأن شرط الركوب لم يكن مقارنا للعقد ويرون أن التعلق بنهيه ﷺ عن بيع الثنيا وعن بيع وشرط أولى من هذه الفِعلة المحتملة.
ونحن نخصّ الحديثين بهذه الفعلة لأنهما عمومان وهذه أخص منهما والخاص يقضي على العام، وردُّه الجمل عليه لا يناقض كون الأوَّلِ بيعا وليس من وهب ما اشتراه بعد صحة اشترائه رافعا لكونه مشتريا له أوَّلا ولو ارتفع شراؤه وسقط لارتفعت هبته وسقطت، فلا يصح حمل الحديث على
стр. 871
أنه لم يقارن البيعُ هذا الشرطَ مع قوله فَبعْتُه إياه على أن لي فَقَار ظهره، وهذا نص في الاشتراط عند البيع.
وقد اختلفت الأحاديث في الشروط ومن لم يتفطن لطرق (٩٤) بنائها اضطرب الأمر عليه. وقد حكيَ أن رجلاً استفتى أبا حنيفة عن بيع وشرط؟ فقال: هما باطلان. ثم استفتى ابن شُبْرُمَة فقال: هما صحيحان. ثم استفتى ابن أبي لَيْلَى فقال: البيع صحيح والشرط فاسد (٩٥). قال السائل فقلت: سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا عليَّ في مسألة واحدة هذا الاختلاف. وأتى أبا حنيفة وأعلمه بما قال صاحباه فقال: "نَهَى النبيء ﷺ عن بيع وشرط". وأتى ابن شُبْرُمَة فاحتج له بحديث جابر هذا. وأتى ابن أبي ليلى فاحتج له بحديث بَرِيرَةَ المتقدم.
ونحن نبني الأحاديث فنقول: من الشروط ما يفسد العقدَ، ومنها ما لا يفسده. فما كان منها من مقتضى العقد كالتسليم أو مصلحة كالرهن والحميل صح البيع والشرط؛ وما كان ينافي موجب العَقْد ويدخل في الغرر والجهالة بالمبيع فسد العقد والشرط. وكان شيخنا ﵀ يقول: ما لا فائدة فيه ولا يؤدي إلى فساد في البيع ولا يُزاد في الثمن (٩٦) ولا ينقص منه لأجله فهذا الذي قد يقول فيه بعض أصحابنا: البَيْعِ صحيح والشرط باطل.
وقال بعض الناس: قول جابر: "وَزَن لي ثمن البعير فأرجح لي فيه"، دلالة على جواز هبة المَجْهُول.
وقوله: "أفقرني ظهره" الإِفقار في اللغة إعارة الظهر للركوب.
стр. 872
٦٩٣ - قوله: "استسلف بَكْرًا فقضى جَمَلاً خِيَارًا رَبَاعِيًا". وقال ﷺ : "إن خِيَار النَّاسِ أحْسَنُهُمْ قَضَاءً" (ص ١٢٢٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: قد نهى ﷺ "عن سلَف جر منفعة" وهذا سلف جر منفعة، فلا بد من بناء الحديثيْن فنقول: النهى مَحْمُول على ما كان من المنفعة اشترط في أصل القرض، وهذا لم يُشتَرط فلهذا جَاز، لكن المشهور عندنا في المذهب أن الزيادة في العدد منهيٌّ عنها وإن لم تشترط في أصل القرض. وكأنهم يرون هذا الحديث مخصصا لحديث النهي ولم يرد إلا في زيادة الصفة فلم يُتعدّ به ما ورد فيه.
والبَكْر من الإِبل كالغلام من الناس، والقَلُوص منها كالجارية من النساء، والذي استكمل منها ست سنين ودخل في السابعة يقال له: رَباع، والأنثى: رباعية بتخفيف الياء (٩٧).
٦٩٤ - قول عائشة ﵂: " اشْتَرَى رسول الله ﷺ مِنْ يَهُودِيّ طعاما إلى أجل وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حِدِيدٍ" (ص ١٢٢٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: شَذَّ بعض الناس فمنع الرَّهن في الحضر تعلقا بدليل الخطاب من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٩٨) فاشترط السفر فدل على أن الحضر بخلافه.
وقال أصحابنا: هذا الحديث حجة عليه في جواز الرهن في الحضر. وفيه دلالة على جواز معاملة اليهود وإن كانوا يستحلون من المكاسب ما لا نستحل. وقد أكثر الناس القولَ في وجه مبايعة (٩٩) النبيء ﷺ
стр. 873
لليهودي ورهنه درعه عنده، وأمثل ما يقال فيه إنه فعل ذك ليرَى ﷺ جواز معاملة اليهود، أو فعل ذك لأنه لم يحضره حينئذ من عنده طعام سوى هذا اليهودي، أو يكون ﵇ علم أن أصحابه ﵃ لا يقبلون منه الرهن إكراما له، أو لا يقتضونه (١٠٠) في الثمن إذا حلّ تقربا إليه فعدل إلى من يفعل معه ذك لئلا يجحف بأصحابه.
٦٩٥ - قوله ﷺ (١٠١): "من أسف (١٠٢) في تَمْر فَلْيُسْلِف (١٠٣) في كَيْل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (ص ١٢٢٦).
قال الشيخ -وفقه الله-: قد تقدم الكلام في ربا بيع النقد ونحن نتكلم الآن على الربا في النسيئة.
فاعلم أن الربا يدخل في بيع النسيئة في الستة المذكورة في الحديث وما قيس عليها سواء اتفقت الأجناس أم اختلفتْ وما سوى الستة وما قيس عليها لا يدخل الربا في بيع النسيئة فيه إذا اختلفت الأجناس كسلم عبد في ثوبين، فإن تساوت الأجناس فاختلف الناس (١٠٤) فمنعه أبو حنيفة، وأجازه الشافعي، وقال مالك: إذا اتفقت المنافع في الجنس مُنع وإن اختلفت جاز.
فأما أبو حنيفة فحجته قول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١٠٥) والربا الزيادة. وهذا موجود في هذا البيع فمنع بحق عموم الآية، وإنما خَصّ منها اختلاف الأجناس ما قدمناه من الحديث وبغير ذلك.
стр. 874
وأما الشافعي فإنه يَحْتَجُّ بِأنه أمر ﷺ بعض أصحابه بأن يعطي بعيرا في بعيرين إلى أجل. وهذا يخص قوله سبحانه: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ إذا قلنا إن الزيادة في عوض الشيء تسمى ربا حقيقة. وجماعة من أهل الأصول يذهبون إلى تخصيص العموم بخبر الواحد وبعضهم يمنع منه.
وأما مالك فإنه توسط بين القولين وعدل بين المذهبين وسلك حماية الذريعة. وأصله القول بما بها فنظر إلى أن الأجناس إذا اختلفت جاز التَّفَاضُلُ فيها نسيئة. والغرض من المتملَّكات الانتفاعات، وأما نفس الذوات فلا يملكها إلا الله الذي يوجدها ويُعدمها، وإنما مَلك الخلق الانتفاع بها، فإذا كانت المنافع مختلفة وهي المقصودة التي يتعلق بها الملك وجب أن تحل محلّ اختلاف الأجناس، وإذا كان الغرض في دابّة الحملَ عليها والغرض من أخرى الجريَ بها صارا في الأنفس كدابة يراد ركوبها وثوب يراد لباسه فإذا ساوت المنافع نظر إلى قوله: "إن النبيء (١٠٦) ﷺ نَهَى عن سلف جرّ نفعا"، فإذا دفع ثوبا في ثوبين الغرض فيهما كالغرض في الثوب فكأنه أسلفه واشترط عليه أن ينتفع بالزيادة، ولو أسلم ثوبين في ثوب تَتَّفِقُ الأغراض فيهما لاتُّهِمَا أيضاً على أن يكون أعطاه أحد الثوبين ليضمن له الثاني في ذمته أجلا سمياه فيصير ذلك معاوضة على الضمان وسلفا لينتفع بالضمان وذلك لا يجوز. ولو تحققنا حصول السلف والغرض على وجه لا منفعة فيه محققة وهي الزيادة المحسوسة ولا فيه مقدرة (١٠٧) مقدرة يتهم الناس عليها لأجزنا ذلك إذا سلك به مسلك القرض.
وقد وقع عندنا اضطراب في المذهب في التبايع بما اتفقت أجناسه ومنافعه ولم تقع فيه زيادة هل يجوز أم لا؟ كسلم ثوب في مثله فأُجيز، لأن تقدير
стр. 875
منفعةٍ في ذلك يتهم الناس عليها تبعد في النفوس ومُنع لئلا يقصد الانتفاع بضمان القابض عوضا عن منفعته (١٠٨) بما قبض، وأما الشافعي فيجيز ذلك. وهو يجيزه وإن حصل فيه التفاضل الذي هو منفعة محققة فكيف به مع التساوي الذي لا منفعة فيه محققة، فإذا ثبت جواز النِّساء فيما اختلفت أجناسه مما عَدَا الستة وما في معناها فالسَّلَم يجوز في كل شيء تضبطه الصفة.
وقد وقع اختلاف بين مالك وأبي حنيفة وبين مالك والشافعي في مسائل هل يجوز السلم فيها أم لا؟ وهو اختلاف في حال، فمن يمنع السلم يعتقد أن الصفة (١٠٩) لا تحصر ما منع منه، ومن أجازه (١١٠) يعتقد أن الصفة تحصره. وهذا مثل ما يقول أصحاب أبي حنيفة: كيف يجيزون السلم في الجواري مع اختلافهن في الرشاقة والملاحة، وأنَّهن يتفاوتن في ذلك تفاوتا عظيما يختلف الثمن باختلافه، ومالك لمَّا لَمْ (١١١) يثبت عنده ما قالوا، ورأى أن ذلك مما يضبط المقصود منه أجاز السلم فيهن وعلى هذا الأسلوب جرى الأمر في اختلافهم في غير ذلك من المسائل.
وأما قوله ﵇: "إلَى أجل معلوم" فقد تعلق به بعض أصحابنا في افتقار صحة السلم إلى أجل. والمشهور عندنا منع السلم الحال. وكان بعض شيوخنا يخرّج من المدونة القول بجوازه من مسألة: إذا اشترى بعروض وباع بمثلها مرابحة، وهو مذهب الشافعي. ومن أجاز السّلَم الحال يحمل الحديث على أن المراد به إن كان أجلا (١١٢) فليكن معلوما. واختلف القائلون من أصحابنا بإثبات الأجل فقال بعضهم: ثلاثة أيام، وقال
стр. 876
بعضهم: بل أكثر من ذلك مما تتغير فيه الأسواق كنصف الشهر ونحوه إذا كان يُقبض السّلمُ ونحوه (١١٣) في البلد بعينه.
٦٩٦ - خرّج مسلم في هذا الباب: "حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وإسماعيل بن سالم جميعا عن ابن علية، قال بعضهم: هكذا في نسخة أبي العلاء عن مسلم عن شيوخه عن ابن علية وهو إسماعيل ابن إبراهيم. وفي روايتنا عن الجُلُودي (١١٤) ابن عيينة (بدل ابن علية") (١١٥) والصواب رواية أبي العلاء. ومن تأمل الباب بَان ذلك له (ص ١٢٢٧).
٦٩٧ - قوله: "إن النبيء ﷺ قال: مَنِ احْتَكَرَ فهو خاطىء" فقيل لسعيد بن المسيب: إنّك تحتكر، فقال: إن معمرا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر" (ص ١٢٢٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: أصل هذا مراعاة الضرر فكل ما أضرّ بالمسلمين وجب أن ينفى عنهم.
فإذا كان شراء الشيء بالبلد يُغلي سعر البلد ويُضر بالمسلمين (١١٦) منع المحتكر من شرائه نظرًا للمسلمين عليه، كما قال العلماء: إنه (١١٧) إذا احتيج إلى طعام رجل واضطرّ الناس إليه ألزم بَيْعَه منهم، فمراعاة الضرر هي الأصل في هذا.
стр. 877
وقد قال بعض أصحاب مالك: إن احتكار الطعام ممنوع على كل حال لأن أقوات الناس لا يكون احتكارها أبدًا إلَاّ مضرًّا بهم.
ومحمل ما روي عن رواة هذا الحديث من أنهم كانوا يحتكررن (أنّهم احتكروا) (١١٨) ما لا يضر بالناس، وحملوا قول النبيء ﷺ على ذلك، وحمله على هذا يؤكد ما قلناه.
٦٩٨ - خرّج مسلم في هذا الباب: "حدثنا بعض أصحابنا عن عمرو ابن عَوْن قال نا خالد بن عبد الله عن عمرو بن يحيى عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله أحد بني عدي بن كعب عن النبيء ﷺ " الحديث (ص ١٢٢٨).
فهذا حديث مقطوع الإِسناد، وهو أحد الأربعة عشر حديثا التي أسانيدها في كتاب مسلم مقطوعة. وأما أبو داود فرواه: "عن وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله عن عمرو بن يحيى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد عن معمر بن أبي معمر قال: قال النبيء ﷺ " الحديث.
стр. 878
١٦ - من كتاب الشفعة (١)
٦٩٩: قوله ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أوْ نَخْلٍ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإنْ رَضيَ أخَذَ (٢) وَإنْ كَرهَ تَركَ". وفي بعض طرقه: "قَضَى النبيء ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أوْ حَائِطٍ لا يَحِلُّ لَهُ أن يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإنْ شَاءَ أخَذَ وَإنْ شَاءَ تَركَ فَإذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْ (٣) فَهْوَ أحَقُّ بِهِ". وفي بعض طرقه: "قال ﷺ : الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أرْضٍ أو رَبعٍ أوْ حَائِطٍ لَا يَصْلُحُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ فَيأْخُذَ أوْ يَدَعَ فَإنْ أبَى فَشَرِيكُهُ أحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ" (ص ١٢٢٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: الأصلُ أن الشفعة إنما أثبتت في الشرع لنفي الضرر. ولمَّا كان الضرر يختلف باختلاف الأنواع خص بذلك العقار
стр. 879
لأنه أشد ضررًا من غيره من السلع لأنه قد يدعوه المشتري إلى المقاسمة أو إلى البيع أو يضر به ويُسِيءُ جِواره. وهذه المعاني يعظم ضررها في العقار.
وقد اختلف أصحابنا في إثبات الشفعة في المسائل. وسبب اختلافهم ما وقع فيها من الإِشكال: هل تشبه العروض والسلع التي لا منفعة فيها، أو هي بالعقار أشبه مثل اختلافهم في الثمر إذا بيع منفردا فقيل فيه الشفعة لأنه من جملة الحائط وكأحد أجزائه وقيل لا شفعة فيه لأنه مِمَّا ينقل ويزال به (٤) فأشبه العروض.
وقد اختلف الناس في الشفعة في المقسوم؛ فمذهبنا أن لا شفعة فيه. وعند أبي حنيفة إثبات الشفعة في المقسوم، ورأى أن الشفعة تكون بالجوار، ولكنهم يضطربون في ترتيب الجوار ويقدمون الشريك على من سواه، والشريك في الطريق على الجار.
وقد اختلفت الأحاديث، فالذي في كتاب مسلم ها هنا إثبات الشفعة بالشركة، وفي بعض طرقه "كل شركة لم تقسم"، وفي غير كتاب مسلم "الشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". فاعتمد أصحابنا على هذا الحديث في الرد على أبي حنيفة فقوله: "في كل ما لم يقسم" حصر للشفعة فيما لم يقسم. ودليله أنّه إذا قسم فلا شفعة. وقوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" فلو اقتصر على قوله: "فإذا وقعت الحدود" ولم يضف إليه قوله: "وصرفت الطرق" لكان ذلك حجة لأصحاب مالك في الرد على أبي حنيفة لأن الجار بينه وبين جاره حدود، ولكنه لما أضاف إليه قوله: "وصرفت الطرق" تضمَّن أنها تنتفي بشرطين: ضرب الحدود، وصرف الطرق، فيقول أصحابنا: صرف الطرق يراد به صرف الطرق التي
стр. 880
كانت قبل القسمة ويقول أصحاب أبى حنيفة: المراد به صرف الطرق التي يشترك فيها الجاران فينبغي النظر في أي التَّأْوِيلَيْنِ أظهر.
وقد روي أيضاً عن النبيء ﷺ : "أنه قال: الجار أحق بِصقبه". وخرّج الترمذي وأبو داود قال النبي ﷺ : "جار الدار أحق بدار الجار والأرض"، فيحتج أبو حنيفة بظاهر هذا الحديث. ونقول (٥) نحن: لم نبين بماذا يكون أحق هل (٦) بالشفعة أو بغيرها من وجوه الرفق والمعروف؟ ونقول أيضاً: يحتمل أن يحمل الجار على الشريك والمخالط. قال الأعشى: [الطويل]
أجارتنا بيني فإنك طالقه (٧)
فسمي الزوجة جارة لمخالطتها له.
وقد خرّج أبو داود والترمذي قال النبيء ﷺ : "الجار أحق بشفعته ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا" وهو من أظهر ما يستدلون به لأنه بيّن بماذا يكون أحقّ. ونبه على الاشتراك في الطريق، ولكن هذا الحديث (٨) لم يثبت عند أصحابنا ورأيت بعض المحدثين طعن فيه وقال في رواية: إنه لو روى حديثا آخر مثله تركت حديثه.
والصقب بالصاد والسين: القرب. قال الشاعر: [السريع]
لا أَمَمٌ دَارُهَا وَلَا صَقَبُ