بعضهم: بل أكثر من ذلك مما تتغير فيه الأسواق كنصف الشهر ونحوه إذا كان يُقبض السّلمُ ونحوه (١١٣) في البلد بعينه.
٦٩٦ - خرّج مسلم في هذا الباب: "حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وإسماعيل بن سالم جميعا عن ابن علية، قال بعضهم: هكذا في نسخة أبي العلاء عن مسلم عن شيوخه عن ابن علية وهو إسماعيل ابن إبراهيم. وفي روايتنا عن الجُلُودي (١١٤) ابن عيينة (بدل ابن علية") (١١٥) والصواب رواية أبي العلاء. ومن تأمل الباب بَان ذلك له (ص ١٢٢٧).
٦٩٧ - قوله: "إن النبيء ﷺ قال: مَنِ احْتَكَرَ فهو خاطىء" فقيل لسعيد بن المسيب: إنّك تحتكر، فقال: إن معمرا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر" (ص ١٢٢٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: أصل هذا مراعاة الضرر فكل ما أضرّ بالمسلمين وجب أن ينفى عنهم.
فإذا كان شراء الشيء بالبلد يُغلي سعر البلد ويُضر بالمسلمين (١١٦) منع المحتكر من شرائه نظرًا للمسلمين عليه، كما قال العلماء: إنه (١١٧) إذا احتيج إلى طعام رجل واضطرّ الناس إليه ألزم بَيْعَه منهم، فمراعاة الضرر هي الأصل في هذا.
стр. 877
وقد قال بعض أصحاب مالك: إن احتكار الطعام ممنوع على كل حال لأن أقوات الناس لا يكون احتكارها أبدًا إلَاّ مضرًّا بهم.
ومحمل ما روي عن رواة هذا الحديث من أنهم كانوا يحتكررن (أنّهم احتكروا) (١١٨) ما لا يضر بالناس، وحملوا قول النبيء ﷺ على ذلك، وحمله على هذا يؤكد ما قلناه.
٦٩٨ - خرّج مسلم في هذا الباب: "حدثنا بعض أصحابنا عن عمرو ابن عَوْن قال نا خالد بن عبد الله عن عمرو بن يحيى عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله أحد بني عدي بن كعب عن النبيء ﷺ " الحديث (ص ١٢٢٨).
فهذا حديث مقطوع الإِسناد، وهو أحد الأربعة عشر حديثا التي أسانيدها في كتاب مسلم مقطوعة. وأما أبو داود فرواه: "عن وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله عن عمرو بن يحيى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد عن معمر بن أبي معمر قال: قال النبيء ﷺ " الحديث.
стр. 878
١٦ - من كتاب الشفعة (١)
٦٩٩: قوله ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أوْ نَخْلٍ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإنْ رَضيَ أخَذَ (٢) وَإنْ كَرهَ تَركَ". وفي بعض طرقه: "قَضَى النبيء ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أوْ حَائِطٍ لا يَحِلُّ لَهُ أن يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإنْ شَاءَ أخَذَ وَإنْ شَاءَ تَركَ فَإذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْ (٣) فَهْوَ أحَقُّ بِهِ". وفي بعض طرقه: "قال ﷺ : الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أرْضٍ أو رَبعٍ أوْ حَائِطٍ لَا يَصْلُحُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ فَيأْخُذَ أوْ يَدَعَ فَإنْ أبَى فَشَرِيكُهُ أحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ" (ص ١٢٢٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: الأصلُ أن الشفعة إنما أثبتت في الشرع لنفي الضرر. ولمَّا كان الضرر يختلف باختلاف الأنواع خص بذلك العقار
стр. 879
لأنه أشد ضررًا من غيره من السلع لأنه قد يدعوه المشتري إلى المقاسمة أو إلى البيع أو يضر به ويُسِيءُ جِواره. وهذه المعاني يعظم ضررها في العقار.
وقد اختلف أصحابنا في إثبات الشفعة في المسائل. وسبب اختلافهم ما وقع فيها من الإِشكال: هل تشبه العروض والسلع التي لا منفعة فيها، أو هي بالعقار أشبه مثل اختلافهم في الثمر إذا بيع منفردا فقيل فيه الشفعة لأنه من جملة الحائط وكأحد أجزائه وقيل لا شفعة فيه لأنه مِمَّا ينقل ويزال به (٤) فأشبه العروض.
وقد اختلف الناس في الشفعة في المقسوم؛ فمذهبنا أن لا شفعة فيه. وعند أبي حنيفة إثبات الشفعة في المقسوم، ورأى أن الشفعة تكون بالجوار، ولكنهم يضطربون في ترتيب الجوار ويقدمون الشريك على من سواه، والشريك في الطريق على الجار.
وقد اختلفت الأحاديث، فالذي في كتاب مسلم ها هنا إثبات الشفعة بالشركة، وفي بعض طرقه "كل شركة لم تقسم"، وفي غير كتاب مسلم "الشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". فاعتمد أصحابنا على هذا الحديث في الرد على أبي حنيفة فقوله: "في كل ما لم يقسم" حصر للشفعة فيما لم يقسم. ودليله أنّه إذا قسم فلا شفعة. وقوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" فلو اقتصر على قوله: "فإذا وقعت الحدود" ولم يضف إليه قوله: "وصرفت الطرق" لكان ذلك حجة لأصحاب مالك في الرد على أبي حنيفة لأن الجار بينه وبين جاره حدود، ولكنه لما أضاف إليه قوله: "وصرفت الطرق" تضمَّن أنها تنتفي بشرطين: ضرب الحدود، وصرف الطرق، فيقول أصحابنا: صرف الطرق يراد به صرف الطرق التي
стр. 880
كانت قبل القسمة ويقول أصحاب أبى حنيفة: المراد به صرف الطرق التي يشترك فيها الجاران فينبغي النظر في أي التَّأْوِيلَيْنِ أظهر.
وقد روي أيضاً عن النبيء ﷺ : "أنه قال: الجار أحق بِصقبه". وخرّج الترمذي وأبو داود قال النبي ﷺ : "جار الدار أحق بدار الجار والأرض"، فيحتج أبو حنيفة بظاهر هذا الحديث. ونقول (٥) نحن: لم نبين بماذا يكون أحق هل (٦) بالشفعة أو بغيرها من وجوه الرفق والمعروف؟ ونقول أيضاً: يحتمل أن يحمل الجار على الشريك والمخالط. قال الأعشى: [الطويل]
أجارتنا بيني فإنك طالقه (٧)
فسمي الزوجة جارة لمخالطتها له.
وقد خرّج أبو داود والترمذي قال النبيء ﷺ : "الجار أحق بشفعته ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا" وهو من أظهر ما يستدلون به لأنه بيّن بماذا يكون أحقّ. ونبه على الاشتراك في الطريق، ولكن هذا الحديث (٨) لم يثبت عند أصحابنا ورأيت بعض المحدثين طعن فيه وقال في رواية: إنه لو روى حديثا آخر مثله تركت حديثه.
والصقب بالصاد والسين: القرب. قال الشاعر: [السريع]
لا أَمَمٌ دَارُهَا وَلَا صَقَبُ
стр. 881
وقد خّرج الترمذي أيضاً قال ﷺ : "الشريك شفيع والشفعة في كل شيء". وهذا أيضاً ظاهره القول بالعموم يثبت الشفعة فيما سوى العقار من العروض (٩). وقد شذَّ بعض الناس فأثبتها في العروض. وحكى بعض أصحاب الشافعي عن مالك نحوًا من هذا. قال شيخنا ﵀: وما أدري أين وقف لمالك على هذا؟ ولعله رأى قولنا في الحائط إذا بيع وفيه حيوان: إنَّ الشفعة فيه وفي حيوانه فظن من ذلك أن الشُّفعة تثبت في العروض، وليس كما ظن لأن الحيوان ها هنا لما كان من مصلحة الحائط أعطي حكمه في الشفعة لما بيع مضافا إليه.
والملك ينتقل في الرباع على ثلاثة أقسام: بمعاوضة وفيها الشفعة باتفاق، وبغير معاوضة وهي على قسمين: اختيارية وغير اختيارية فالاختيارية الهبة والصدقة، وغير الاختيارية الميراث. وقد حكى بعض أصحابنا الاتفاق على أن لا شفعة في الميراث. وانفرد الطابثي (١٠) فحكى عن مالك إثبات الشفعة في الميراث وهو قول شاذ لم يسمع إلا منه فيما أعلم، وأما الهبة والصدقة ففي إثبات الشفعة فيهما قولان مشهوران، فالإِثبات لقوله ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم"، ولم يفرق بين أنواع الأملاك ولأنها لنفي الضرر، والضرر لا يختلف باختلاف طرق الملك. ووجه نفيها قوله في كتاب مسلم: "لَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ"، فكأنه أشار إلى أن ما تقدم في صدر الحديث من إثبات الشفعة إنما يكون في البيع لذكره البيع في آخر الحديث ولو كان غير البيع كالبَيْع لقال: لَا يحل أن يُخْرِج ملكه، وقال بعض شيوخنا: قوله: "لا يحل له أن يبيع حتى يُؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك" فيه إشارة إلى وجوب الشفعة قبل البيع.
وأما ما لا ينقسم من العقار: فهل فيه شفعة أم لا؟ فيه قولان عندنا
стр. 882
فإثبات الشفعة لقوله ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم" وهذا لَمْ يقسم ولأن الضرر يلحق في ذلك بسوء المعاشرة والدعاء إلى البيع. ووجه نفيها أن قوله: "الشفعة فيما لم يقسم" يُشعر (١١) أن ذلك مما يحتمل القسم، ولأن من الضرر المعتبر الدعاءَ إلى المقاسمة وهي مفقودة ها هنا.
وقد اختلف في اشتقاق الشفعة فقيل. لأنه شَفع بنصيبه في أخذ نصيب غيره، وقيل: لأنَّ نصيبه كان وترا فصار شفعًا.
٧٠٠ - قوله ﷺ : "لَا يَمْنَعْ أحَدُكُمْ جَارَهُ أنْ يَغْرِز خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ" (ص ١٢٣٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف المذهب عندنا: هل هذا النَّهي على الإِلزام أم على الندب؟ فالمشهور عندنا أنه على الندب والحث على حُسْن الجوار. وقيل: بل هو على الإِلزام. وبين أهل الأصول اختلاف في هذا الأصل قد تقدمت الإِشارة إليه، وقد قال بعض أهل العلم: يحتمل أن يكون الضمير من قوله في (١٢) جداره عائدا على الجار، فكأنه قال: لا يمنع أحد جاره (١٣) أن يغرز خَشَبَهُ في ملك نفسه، وهذا التحيّل في التأويل لئلا يكون فيه حجة على القول المشهور.
٧٠١ - قوله ﷺ : "مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأرْض ظُلْمًا طَوَّقَهُ الله إيَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أرَضِينَ" (ص ١٢٣٠).
قال الشيخ: كان شيخنا أبو محمد عبد الحميد ﵀ كتب إليّ بعد فراقي له: هل وقع في الشرع ما يدل على كون الأرضين سبعًا؟ فكتبت إليه قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ
стр. 883
مِثْلَهُنَّ﴾ (١٤)، وذكرت له هذا الحديث الذي رواه سعيد بن زيد وأبو هريرة وعائشة (١٥) في كتاب مسلم، فأعاد كتابه إلَيَّ يذكر فيه أن الآية محتملة. هل مثلهن في الشكل والهيئة أو مثلهن في العدد، وإن الخبر (١٦) من أخبار الآحاد والقرآن إذا احتمل والأثر (١٧) إذا لم يتواتر لم يصح القطع بذلك. والمسألة ليست من العمليات فيتمسك فيها بالظاهر (١٨) وأخبار الآحاد، فأعدت إليه المجاوبة نحتج لبعد الاحتمال عن القرآن وبسطت القول في ذلك وترددت له في آخر كتابى في احتمال ما قال فقطع المجاوبة.
٧٠٢ - قوله ﷺ : "إذا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّريقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَ أذْرُعٍ " (١٩) (ص ١٢٣٢).
قال الشيخ: لم يأخذ مالك وأصحابه بهذا الحديث ورَأوْا أن الطرق تختلف الحاجة إلى سعتها بقدر اختلاف أحوالها وأن ذلك معلومٌ بالعادة وليس طريق المَمَرّ كطريق سلوك الأحمال والدواب ولا المواضع العامرة التي يتزاحم عليها الوُرَّاد كغيرها. ولعل الحديث عندهم ورد فيما كانت الكفاية فيه هذا القدر أو تنبيها (٢٠) على الوسط أو الغالب (٢١).
٧٠٣ - خرّج مسلم في آخر باب الشفعة حديثا رواه يحيى بن أبي
стр. 884
كَثِيرٍ عن محمد بن إبراهيم: "أنّ أبا سَلَمَةَ حدثه أن عائشة قالت له. اجتنب الأرض" الحديث، ثم أردف عليه: "حدثنا إسحاق نا حَبَّان (٢٢) نا أبان نا يحيى أن محمد بن إبراهيم حدثه" فذكر الحديث (ص ١٢٣١ - ١٢٣٢).
وفي نسخة أبي العلاء: "نا أبان نا يحيى بن آدم أن محمد بن إبراهيم حدثه" قال بعضهم: وهذا خطأ إنما (٢٣) هو يحيى بن أبي كثير المذكور في الحديث الأوَّل لا يحيى بن ادم.
٧٠٤ - وخرّج مسلم بعد هذا حديثا: "عن خالد (٢٤) الحذاء عن يوسف بن عبد الله عن أبيه" (ص ١٢٣٢).
قال بعضهم: وفي رواية أبي العلاء عن خالد الحذاء عن سفيان بن عبد الله عن أبيه، وهو تصحيف إنما (٢٥) هو يوسف بن عبد الله. وهذا هو يوسف بن عبد الله بن الحارث ابن أخت ابن سرين.
стр. 885
١٧ - كتاب الفرائض
٧٠٥ - قوله ﷺ : "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِر وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ" (ص ١٢٣٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: أمّا ميراث الكافر من المسلم فالإِجماع قد انعقد عليه. وأما ميراث المسلم من الكافر فمسألة اختلاف، لهذا أورد مالك الحديث في الموطأ مختصرا تنبيهًا على موضع الخلاف فقال: "لا يرث المسلم الكافر" ولم يزد على هذا، فقال الجمهور من العلماء: لا يرث المسلم الكافر أخذًا بهذا الحديث. وبهذا (١) قال عُمَر وَعليّ وزيد وابن مسعود وابن عباس وجمهور التابعين بالحجاز والعراق ومن الفقهاء مالك والشافعي وأبو حنيفة وداوُد وابن حنبل وعامة العلماء. وقال بتوريث المسلم من الكافر معاذ ومعاوية وابن المسيب ومسروق وغيرهم. وروي عن أبي الدرداء والشعبي والزهري والنخعي ونحوه على اختلاف عنهم في ذلك، والصحيح عن هؤلاء خلافه.
стр. 886
وحجة هؤلاء أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يَعْمُر مسلما ويهوديا في ميراث أخ لهما يهودي فورث المسلم، وذكر أن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الإِسلام يزيد ولا ينقص" واحتجوا أيضاً بقوله: "الإِسلام يعلو ولا يُعلى عليه". وهذا لا حجة فيه لأن المراد به فضلُ الإِسلام على غيره ولم يصرح في هذا بإثبات التوريث.
ولا يصح أن يُرَدَّ النَّصُّ في قوله: لا يرث المسلم الكافر بمثل هذه الاحتمالات، وأما أهل الكفر فهم عند مالك أصحاب ملل مختلفة فلا يرث اليهودي النصراني ولا النصراني اليهودي، وكذلك المجوسي لا يرث هذين ولا يرثانه. وذهب الشافعي وأبو حنيفة وداود إلى أن الكفر ملةٌ واحدة، وأنَّ الكفار كلهم يتوارثون؛ فالكافر يرث الكافر على أي كفر كان. وقد قال ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين" فلما اعتقد مالك أن أنواع الكفر مِلَل مختلفة منع التوارث بين اليهودي والنصراني وقد قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢).
ولما اعتقد الشافعي ومن ذكرنا معه أن أنواع الكفر ملّة واحدة ورث اليهودي من النصراني والنصراني من اليهودي وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٣) فوحد الملة وقال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٤) فوحّد الدين (٥) ولم يقل أديانكم. وقالوا: قوله ﷺ : "لا يتوارث أهْلُ مِلَّتَيْنِ" هو كقوله ﷺ : "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلَا الكَافِر المُسْلِمَ ". وقد قال بعض من رأى أن الكفر مِلَل مختلفة إن السامرة (٦) مَع اليهود ملة واحدة، والصابين مع النصارى أهل
стр. 887
ملة واحدة (٧)، والمجوس ومن لا كتاب له ملهّ. وتكون هذه عندهم ثلاث ملل سوى ملة الإِسلام. يحكى هذا المذهب عن شريح وشريك وابن أبي ليلى.
٧٠٦ - قوله ﷺ : "ألْحقُوا الفَرَائِضَ بِأهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهْوَ لأوْلَى رَجُلٍ (٨) ذَكَرٍ" (ص ١٢٣٣).
قال الشيخ -وفقه الله-: العصبة كل ذكر بينه وبين الميت نسب يحوزُ المال إذا انفرد ويرث ما فضل إن لم ينفرد (٩) كالأخ والعم. فإن كل واحد منهما يحوز المال إذا انفرد (١٠)، وإن كان مع ذوي سِهام أخذ ما فضل.
والأب والجد كذلك إلا أنهما يفرض لهما مع ذوي السهام بمعنى فيهما غير التعصيب.
والتعصيب يكون بالبنوة والأبوة والجدودة، فتعصيب البنوة أولاها ثم تعصيب الأبوة ثم تعصيب الجدودة، فالابن أولى من الأب، لكن الأب يفرض له معه السدس بمعنى غير التعصيب، وهو أيضاً أولى من الإِخوة وبنيهم لأنهم إنما يتسبَّبُون (١١) بالمشاركة في الأبوة، وقد قدمنا أن تعصيب البنوة أولى. وكذلك أيضاً يقدمون على العمومة لأن تعصيب العمومة بالمشاركة في الجدودة والبنوة أولى.
стр. 888
والأب أولى من الإِخوة ومن الجد لأنهم به يتسببون فيسقطون مع وجوده.
والجد أولى من بني الإِخوة لأنه كالأب معهم ومن العمومة لأنهم به يتسببون.
والإِخوة وبنوهم أولى من العمومة وبنيهم لأن تعصيب الإِخوة بالأبوة والعمومة بالجدودة. وقد قدمنا أن الأبوة أولى.
هذا ترتيبهم في الطبقات.
وإن اختلفوا وهم في طبقة واحدة من الطبقات التي ذكرنا وهم مختلفون في القرب فالأقرب أولى كالإِخوة مع بنيهم لأنَّهُمْ كُلَّهُم (١٢) يتسببون بالمشاركة في الأبوة ولكن مشاركة الإِخوة أقرب من مشاركة بنيهم.
وكذلك العمومة مع بنيهم وإن تساووا في الطبقة والقُرب ولأحدهم زيادة ترجيح قُدّم الأرجح كالأخ الشقيق مع الأخ للأب فإنهما وإن استوت طبقاتهما ومشاركتهما في الأب الذي به يقع التعصيب فللشقيق زيادة ترجيح بمشاركته في الأم والرحم فكان أولى. وهكذا يجري الأمر في بنيهم وفي العمومة وبنيهم. وهذا إذا كان الترجيح بمعنى مناسب لجهة التعصيب مثل ما قلناه في الأخ الشقيق مع الأخ للأب فإن الإِجماع على أن الشقيق أولى بالميراث من الأخ للأب لأنهما اشتركا في الأخوة من الأب، وزاد الشقيق أخوة من الأم فهي أخوة كلها فكأنها أخوة أقوى من أخوة، فلهذا قدم الشقيق باتفاق.
وإن كان زيادة الترجيح بمعنى غير ما هما فيه كابني عم أحدهما أخ لأم فإنها مسألة اختلاف. فقال قائلون بالترجيح ها هنا قياسا على ما تقدم
стр. 889
في الأخ الشقيق مع الأخ للأب. وحكموا بالمال كله لابن العم الذي هو أخ لأم، السدسُ بالفرض والباقي بالتعصيب.
روي ذلك عن عمر وابن مسعود وبه قال شريح والحسن وابن سيرين والنخعي وأبو ثور وداود والطبري. ولم يُثبت آخرون بذلك ترجيحا في التعصيب وحكموا بأن للأخ للأم السدس والباقي يقسم نصفين بينه وبين ابن العم الآخر (١٣). روي ذلك عن علي وزيد وابن عباس. وذكر عن عمر ما يدل عليه وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء. والفرق على أصل هؤلاء بين الأخ الشقيق والأخ للأب وبين هذه المسألة ما قدمناه من التنبيه على طرق الترجيح.
وقوله ﷺ : "فلأوْلَى" (١٤) رَجُلٍ ذكر".
المراد بـ"أولى" ها هنا أقرب، ولا يراد به أحق، مثل ما يراد بقولهم: "زيد أولى بماله" لأنه لو حمل على هذا لخلا من الفائدة المرادة به لأنه لا يعلم من هذا من يكون أحق وهو المراد بيانه.
وممَّا أولع الناس بالسؤال عن مثله قوله ها هنا: "فلأولى رجل ذكر" وقوله في حديث الزكاة: "فابن لبون ذكر"، والتأكيد إنما يحسن إذا كان يفيد، ومعلوم أن الرجل لا يكون إلا ذكًرا كما لا تكون المرأة إلا أنثى فَلِمَ حسن ها هنا وصفُ الرجل بأنه ذكر مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك؟
وقد أجاب بعض النَّاس (١٥) عن حديث الزكاة بأن الابن قد يوضع موضع ولد. ألا تراهم يقولون: بنو تميم يريدون الأُنثى منهم والذكر، وإذا أمكن
стр. 890
أن يوضع ابن موضع ولد وكان الولد ينطلق على الذكر والأنثى حَسُن التأكيد ها هنا لئلا يظن أنه أطلق الابن علي الذكر والأنثى.
ورأيت بعض الناس زعم أنه إنما قال: "ابن لبون ذكر" لوجود خنثى في أولاد اللبون وفي غيرها من الإِنسان فقيد (١٦) بالذكورية ليشير إلى منع أخذ الخنثى.
وهذان الجوابان لا يتلقاهما الفهم بالقبول، والذي يلوح لي في ذلك جواب ينتظم الحديثين (١٧) جميعاً، وهو أن قاعدة الشرع قد استقرت على أن الانتقال من سن إلى أعلى منه إنما يكون عند الانتقال من عدد إلى أكثر منه فالعدد الكثير أحمل للمواساة. فإذا زاد العدد زاد قدر المخرج، ولهذا كانت في الخمسة وعشرين بنت مخاض وفي الستة وثلاثين بنت لبون التي هي أسن من ابنة مخاض (وفي الستة والأربعين ما هو أسن وهي الحقة. فلما استقر الأمر على هذا وجعل ﵇ في الخمسة وعشرين وهو عدد واحد سنا وأعلى منه بنت مخاض) (١٨) وأعلى منها وهو ابن لبون توقع (١٩) أن يهجس في النفوس أن ذلك خارج عما أصَّل، فنبه على أن المخرج عن العدد الواحد سِنَّان هما كالسن الواحد لأن ابن لبون وإن كان أعلى منها فهو أدنى قَدْرًا لأجل الذكورية بِه فنبه بقوله "ذكر" على أن ذلك يبخسه حتى يصيره كبنت مخاض التي هي أصغر سنا لكنها أنثى.
وكذلك لما عَلِم أن الرجال هم أرباب القيام بالأمور وفيهم معنى التعصيب، وكانت العرب ترى لهم القيام بأمور لا تراها للنّساء، ذكر -عليه
стр. 891
السلام- الذكورية ليجعلها كالعلة التي لأجلها خص بذلك، لكنه ذكرها ها هنا تنبيها على الفضل وفي الزكاة تنبيها على النقص.
٧٠٧ - قول جابر ﵁: "مرضتُ فأتَانِي رَسوُلُ الله ﷺ يعودني فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله كَيْفَ أقْضِي فِي مَالِي فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٢٠) ". وفي بعض طرقه: "قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً" (٢١). وفي بعض طرقه: "فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ" وفي حديث آخَرَ: "عَنْ عُمَر أنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَقَالَ: إنِّي لَا أدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أهَمَّ عِنْدِي مِنَ الكَلَالَةِ مَا رَاجَعْتُ النَّبِىءَ ﷺ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ (٢٢) فِي الكَلَالَةِ وَمَا أغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أغْلَظَ لِي فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِإصْبِعِهِ فِي صَدْرِي وقَالَ: يَا عُمَرُ ألَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَإنِّيِ إنْ أعِشْ أقْضِ فِيهَا بِقَضيةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ". وعن البَرَاء (٢٣): "آخر آية نزلت من القرآن: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ " (ص ١٢٣٤ إلى ١٢٣٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف في اشتقاق الكلالة فقيل أخذت من الإِحاطة، ومنه الإِكْلِيلِ لإِحاطته بالرأس فكأنَّ هذا الميت محاط به من جنباته. وقيل: أخذت من البعد والانقطاع، من قولهم: كلَّت الرحم إذا تباعدت فطال انتسابها، ومنه كَلَّ في مشيه إذا انقطع لبعد مسافته.
واختلف العلماء بعد هذا الاشتقاق في هذا المعنى لِمَاذا وضع: هل لنفس الوراثة إذا لم يكن فيها ولد ولا والد ويكون نصب "كلالة" على موضع
стр. 892
المصدر كأنه قال: يورث وراثة يقال لها كلالة، كما يقال: يقتل غيلة.
ذهب إلى هذا طائفة.
وقالت طائفة أخرى: بل هي تسمية للميت الذي لا ولد له ولا والد، واستوى فيه الذكر والأنثى كما يقال: صرورة فيمن لم يحج قط (٢٤) ذكرا كان أو أنثى، وعَقِيمٌ للرجل والمرأة، فينتصب "كلالةً" على أصل هؤلاء على الحال، أي يورث في حال كونه كذا. وقد رُوِي عن أبي بكر وعمر وعلي وزيد وابن عباس وابن مسعود: الكلالة من لا ولد له ولا والدَ.
وقالت طائفة أخرى: بل هي تسمية للورثة الذين لا ولدَ فيهم ولا والدَ. واحتجوا بقول جابر: "يا رسول الله إنما ترثني كلالة" وكان أبوه قتل يوم أحد. واحتجوا بقراءة من قرأ من الشواذ ﴿يُوَرِّثُ﴾ بكسر الراء وشددها بعضهم.
وقالت طائفة أخرى: الكلالة تسمية للمال الموروث كلالة وتنصب "كلالة" على أصل هؤلاء على التمييز.
وذهبت الشِّيعة إلى أن الكلالة من لا ولد له ذكرا أو أنثى وإن كان له أب أو جد فورثوا الإِخوة والأخوات مع الأب. وروي ذلك عن ابن عباس وهي رواية شاذة لا تصح عنه. والصحيح عنه ما عليه جماعة العلماء. وذكر بعض الناس الإِجماع على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد.
واختلف في الورثة إذا كان فيهم جد: هل الوراثة كلالة أم لا؟ فمن جعل الجَدّ أبًا منع (٢٥) كون الوراثة كلالة، ومن لم يجعله أبا وورث الإِخوة معه جعل الوراثة كلالة. وكذلك قال جمهور العلماء: إذا كان
стр. 893
في الوراثة بنت فالوراثة كلالة لدخول العصبة معها من الإِخوة والأخوات وغيرهم من العصبات، وقد قال ابن عباس: "لا ترث الأخت شيئاً مع الابنة لقول الله : ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ فشرط عدم الولد. وبه قال دَاوُد.
ومذهب الشيعة أن الابنة تمنع من كون الوراثة كلالة لأنهم لا يورثون الأخ والأخت مع الابنة شيئاً لاشتراط عدم الولد في ميراث الإِخوة كما ذكر في الآية ويعطون المال كله للبنت ويجعلون الوراثة كلالة وإن كان فيها أب أو جد.
ومحمل الشرط المذكور في القرآن على أنه لا يثبت فرض النصف الذي تُعَاول (٢٦) به الورثة إلّا بعدم الولد فإنَّما دخل الشرط لذلك لا لنفي التوريث أصْلاً. وقد شرط الله سبحانه في ميراث الأخ من أخته عدم الولد كما شرطه في ميراث الأخت. وأجمعت الصحابة ﵃ أن الأخ يرثها مع البنت فدل ذلك على صحة ما تأولْنَاه.
وإنما غر الشيعة حتى ذهبت إلى أن الكلالة من ولا ولد له وإن كان له أب وورثت الإِخوة مع الأب قوله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (٢٧). فشرط في ميراث الإِخوة عدم الولد خاصة فلو كان الأب كذلك لاشترطه.
وقد رأيت أن رَجُلاً سأل ابن عباس عن الكلالة. فقال: من لا ولد له ولا والد، فقال السائل: وإن الله سبحانه إنما انتهى إلى ذكر الولد، قال: فانتهرني. وهذا يصحح ما قلناه من بطلان تلك الرواية الشاذة عنه.
стр. 894
وقد قال بعض الناس: إنما لم يذكر عدم الوالد وإن كان وجوده يمنع من كون الوراثة كلالة لأن الآية نزلت في جابر وقد كان أبوه قُتِل يوم أحد وإنّما كان ورثته سبع أخوات فاكتفى باشتهار عدم أبيه (٢٨) عند سائر الصحابة عن اشتراط ذلك.
وقال آخرون: فإن الولد إشارة إلى الوالد أيضاً، لأن الولادة معنى يتضمن اثنين أبًا وولدا. قالوا: كما كان أصل الذرية من ذرأ الله الخلق في خلقهم والولد من الذرية والوالد كذلك، قال الله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (٢٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: وهذا تأويل بعيد وفيه تعسف.
والذي يظهر لي في الجواب عن هذا: أن الأب إنما لم يذكر ها هنا لأنا قدمنا أن القصد باشتراط عدم الولد نفي الفرض المسمى الذي يقع به تعاول الأخت مع الورثة لا نفي التوريث على الجملة. لأنا قدمنا أن الصحابة سوى ابن عباس ورَّثوا الأخت مع البنت، وحكينا أيضاً اتفاقهم على توريث الأخ مع البنت؛ وإذا كان ذلك كذلك فلا يجب ذكر عدم الأب لأن الأب ينتفي معه ميراث الإِخوة أصلاً على الجملة والتفصيل والولد ينتفي معه ميراث الإِخوة على وجه دون وجه. وإنما القصد بالاشتراط التحرز من أحد الوجهين الذي يفارق فيه الوالد الولد (٣٠)، فلهذا ذكر الولد دون الأب مع أنه أيضاً يمكن وضوح حكم الأب عندهم لأنه قد استقر عندهم في أصول الفرائض أن (٣١) تسبب بشخص لا يرث معه كالجدة مع الأم والجد مع الأب وابن الابن مع الابن والإِخوة يتسببون بالأب فلا يشكل سقوطهم معه، وليس كذلك
стр. 895
سقوطهم مع الولد لأنهم لا يتسببوت به ولو ورثوا معه لم يَكن في ذلك مناقضة لأصول الفرائض، كيف وهم يرثون معه إذا كان الولد انثى ولا يرثون مع الأب بحال. واكتفى عن اشتراط عدم الوالد لما قلناه وقد ذكرنا إجماع السلف على اشتراطه إلا ما ذكر عن ابن عباس مما لا يصح عنه، والله أعلم.
وأما وجه مراجعة عمر ﵁ للنبىء ﷺ وإحالته على آية الصيف فلأنه قد نزلت آية الكلالة المذكورة في أول السورة، وذكر من الورثة الإِخوة للأم خاصة والإِجماع على أن ذلك الفرض المذكور فيها على تلك الصفة ليس إلا للإِخوة للأم وبقى الإِشكال فيمن سواهم، فزاد الباري جلت قدرته بيانا بالآية الأخيرة من هذه السورة فذكر سبحانه عقِبَ الكلالة الإِخوة جملة، والمراد بهم الأشقاء أو من الأب، لأنه قد ثبت أن ذلك الفرض المذكور فيهم ليس إلا فرض الأشقاء أو من الأب فاستوفت الآيتان بيان حكم جميع الإِخوة وجميعهم كلالة إذا لم يكن والد ولا ولد، فأحال النبيء ﷺ عمر ﵁ على الآية الأخيرة لزيادة البيان الذي تضمنته على الأولى وكأن ما وقع من زيادة البيان ونزول بيان بعد بيان (٣٢) يهدي عمر إلى حقيقة الأمر والمعنى المراد. وكأنه ﷺ وثق بفهمه وأنه إذا أشير إليه بهذه الزيادة من البيان فهم معنى ما أشكل عليه. وقد يطرأ الاشكال من جهة أخرى ولا يكون هو معنى ما سأل عنه عمر ﵀، مثل دخول الجد في ذلك، وقد قدمنا تخريجه على الخلاف.
فهذا القدر الذي يتعلق بما في كتاب مسلم. ورأيت أن أملي تلخيصًا في الفرائض يستقل به الفقيه إذا اقتصر عليه وتَدَرَّبَ في التصرف فيه أغناه عن جميع مسائل الفرائض (المستفتى عنها، وقد حفّظتُهُ لِجماعة ودربتهم عليه بإلقاء المسائل فاكتفوا) (٣٣) به عن مطالعة الفرائض.
стр. 896
فاعلم أن الوارثين من الرجال: الأب وأبوه وإن علا، والابن وابنه وإن سفل، والأخ من أي جهة كان، وابنه وإن سفل سوى ابن الأخ من الأم، والعم من أي جهة كان، وابنه وإن سفل سوى العم أخي الأب للأم (٣٤) وولده، والزوج، ومولى النعمة.
ومن النساء: الأم، وأمها، وأم الأب وإن علتا، والبنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأخت من أي جهة كانت، والزوجة، ومولاة النعمة.
والفروض ستة: الثلثان، ونصفهما، وربعهما، والنصف، ونصفه، وربعه.
فالثلثان: فرض أربعة أصناف: اثنان فصاعدا من بنات الصلب، أو من بنات الابن، أو من الأخوات الشقائق، أو من الأخوات للأب.
والثلث: فرض صنفين الأم، أو الاثنين فصاعدا من ولد الأم ما كانوا.
والسدس: فرض الجدة أو الجدات إذا اجتمعن، وفرض الواحد من أولاد الأم ما كان.
والنصف: فرض الزوج، وفرض واحد من أصحاب الثلثين.
والربع: فرض الزوج مع وجود الحاجب (٣٥) وفرض الزوجة أو الزوجات (٣٦) مع عدمه.
والثمن: فرض الزوجة أو الزوجات مع وجوده.
стр. 897
الحجْب (٣٧):
الحجب على ضربين: نقص وإسقاط.
فأما النقص: فالولد، وولد الابن يردان الأبوين والجد إلى السدس، إلا أن الأب والجد يرثان ما بقي بعد الإِناث بالتعصيب، ويردان الزوج إِلى الربع، والزوجات إلى الثمن.
واثنان من الإِخوة فصاعدا يردان الأم إلى السدس. وتعطى ثلث ما بقي في مسألتين: أبوان مع زوج أو زوجة.
وابنة الصلب ترد بنت الابن إلى السدس، وكذلك الأخت الشقيقة ترد الأخت للأب إلى السدس.
وأما حجب الإِسقاط: فاثنتان من بنات الصلب تسقطان بنات الابن، إلا أن يكون مع بنات الابن ذكر في درجتهن أو تحتهن فيرد عليهن.
وكذلك الشقيقتان تسقطان الأخوات للأب، إِلا أن يكون مع الأخوات للأب ذكر في درجتهن خاصة فيرد عليهن.
والأم تسقط الجدات كلهن.
والجدة القُرْبَى من جهة الأم تسقط البُعْدَى من جهة الأب. والجدة القربى من جهة الأب لا تسقط البُعدى من جهة الأم بل تشاركها. وولد الأم يسقطه عمود النسب: الأب، والجد. والولد، وولد الابن.
وأما حجب العصبة: فقد عقدنا أصله عند ذكرنا له فيما تقدم.
والجد مع الإِخوة يقاسمهم ما لم تنقصْهُ المقاسَمَةُ من الثلث. وإن كان في الورثة ذوو سِهَامٍ حكم فيما فضل عنهم بهذا الحكم.
стр. 898
وللجد أن يأخذ معهم السدس ويُنْتَزَع من حكم التعصيب. كما للأخوة الأشقاء في المسألة المشتركة أن يُنْتَزعُوا من التعصيب. وهي: زوج وأم وأخوان لأم وإخوة أشقاء فإن المال إذا استوعب جميعه أهل الفروض (٣٨) قال الإِخوة الأشقاء للإِخوة للأم: هب أبانا حمارا أليست أمُّنَا واحدة (٣٩)، فيشاركونهم في الثلث.
وللإِخوة الأشقاء معادّة الجد للإِخوة للأب ويستبدون بما حصل لجميعهم إلا أنّ تفضل عن الإِناث منهم فضلة فتزيد على فروضهم فيعطى لمن كان من جهة الأب منهم.
وللجد مقاسمة الأخت وإن انفردت عنه بالفرض الذي عيل لها به في الفريضة التي تسمى الأكدرية، وتسمى الغراءَ. وهي: زوج وأم وجدّ وأخت شقيقة أو لأب، فإن المال إذا استوعبه من سوى الأخت عيل للأخت بالنصف ثم ضمت نصفها إلى ثلث (٤٠) الجد واقتسماه ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
ولو كان بدل الأخت أختان لم يُعَلْ لهما لبقاء فضلة من المال لحجبها الأم إلى السدس.
هذه جملة الفرائض التي من أحاط بها علماً علم كل ما يستفتى عنه ويكثر نزوله.
стр. 899
١٨ - كتاب الهبة والوصايا والصدقة والنحل والعُمْرى (١)
٧٠٨ - قول عمر ﵁: "حَملت على فرس عتيق في سبيل الله فأضاعه صاحبه فظننت أنه بَائعه برخص فسألت النبيء ﷺ عن ذلك فقال: لا تبتعه ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه". وفي طريق آخر "قال ﷺ العائد في هبته كالعائد في قيئه" ص (١٢٣٩ - ١٢٤١).
قال الشيخ -وفقه الله-: يحتمل أن يعلل هذا بأن المتصدق عليه أو الموهوب له قد يستحييان (٢) منه فيسامحانه في الثمن فيكون رجوعا في ذلك القدر الذي حُطّ. وبهذا علل عبد الوهاب كراهة اشتراء الهبة والصدقة جميعًا، وإِن كان قد وقع في الموازية فيمن حمل على فرس قال: إِن لم
стр. 900
يكن للسبيل ولا للمسكنة فلا بأس أن يشتريه وكأنه رأى أنه إذا لم يكن كذلك فهو هبة والهبة تخالف الصدقة عنده، ولا يكون عليه في الحديث حجة لقوله "على فرس عتيق في سبيل الله" فإنما وقع النهي عنده لأنه على جهة الصدقة ومن جهة المعنى أن الصدقة قربة إِلى الله سبحانه ولا يحسن الرجوع فيما تقرب به إِليه تعالى، والهبة ليست كذلك فاستخف شراؤها وما وقع في الطريق الآخر الذي ذكرناه "العائد في هبته" فلم يذكر ذلك عقب نهيه عن الشراء بل هو كلام مبتدأ (٣) فقد يحمل على العود بغير معاوضة فلا تكون فيه حجة على ما وقع في الموازية. وظاهر إطلاق مالك يؤذن بأنه حمل النهي على الندب (٤) لأنه قال: لا ينبغي أن يشتريها. وقال: يكره، وظاهر ما في الموازية حمل النهي على المنع (٥)، وكذلك قال الداودي: إنه حرام؛ فعلى القول بحمل ذلك على الكراهة (٦) لا يفسخ العقد، وعلى القول بحمله (٧) على التحريم قال بعض شيوخنا: يفسخ. وفيه نظر لأجل الاختلاف فيه، ولأنه ليس كل نهي يدل على فساد المنهي عنه.
واختلف المذهب في المنافع: هل هي كالرقاب أم لا؟
فقال ابن المواز: كل من تصدق بغلَّة سنين ولم يُبَتِّل الأصل فلا بأس أن يشتري المتصدق ذلك، قال: وأباه عبد الملك واحتج بحديث النهي عن الرجوع في الصدقة، وأجاز لورثته أن يشتروا المَرْجِع، قال: والحجة لمالك حديث العرية. قال بعض الشيوخ: العرية أصل قائم بنفسه أجيز للمرفق ورفع الضرر فلا يقاس عليه غيره.
стр. 901
٧٠٩ - قوله: إِنَّ النعمان بن بشير أَتَى بهِ أَبُوهُ النَّبِيَء ﷺ فقال: إِنّيِ قَدْ نَحَلْتُ ابْنِي هَذا غلاما كان لي فقال ﷺ "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ فقال: لا. فقال ﷺ : فَأرْجِعْهُ". وفي بعض طرقه "فَاتَّقُوا الله (٨) وَأَعْدِلُوا في أوْلَادِكُمْ". وفي بعض طرقه: "فلَا تُشْهِدْنِي إذًا إني لَا أشهد عَلَى جَوْرٍ". وفي بعض طرقه: "فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، ثم قال ﷺ : أيَسُرُّكَ أنْ يَكُونُوا لَكَ فِي البِرّ سَوَاءً؟ قَالَ: نعم، قال: فلا إذًا". وفي بعض طرقه: "فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا، وإني لَا أَشْهَدُ إِلَاّ عَلَى حَقٍّ" (٩) (١٢٤١ - ١٢٤٤).
وَعِنْدَ التَّرْمِذي: "إنَّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الحَقٍّ أن تعْدِلَ بَيْنَهم كما أنَّ لَك عليهم من الحقّ أن يَبُرُّوكَ".
قال الشيخ -وفقه الله-: اختلف الناس في إِعطاء بعضِ البنين دون بَعض، فالذي يحكيه بعض أصحابنا عن مالك والشافعي وأبي حنيفة أنهم يكرهون ذلك ولكنه إن نزل مضى عندهم، وخالفهم غيرهم من الفقهاء وقال: ترد العطية.
وقد وقع في المذهب اضطراب فيمن أخرج البنات من تحبيسه: هل ينفذ إذا وقع، أو يفسخ على الإِطلاق، أوْ يفسخ بشرط ألا يموت ولا يحاز عنه؟، وقال بعض شيوخنا فإن هذه الأقوال تجري في هبة بعض البنين دون بعض.
وعندي أن وجه هذه الأقوال أن من حمل النهي في هذا والأمر على الإِلزام فسخ، ومن حمله على الاستحباب أمضى، ومن طلب زيادة ترجيح بين
стр. 902
هاذين الأصلين فقد يراعي الحيازة لأن الهبة قبل أن تحاز لواهبها الرجُوع فيها عند جماعة من المخالفين. وعلى قولة شاذة عندنا، ومن راعى الموت خاصة فإنه قال ذلك في الأب لأن له الاعتصار ما دام حيا وبموته يبطل الاعتصار فراعى قدرته على الحل (١٠) على وجه ما في الهبات.
وسبب اضطراب العلماء في حمل ذلك على الوجوب أو الندب ما وقع من اختلاف ألفاظ الحديث لأن قوله ﷺ : "أشهِد غيري" يشير عندهم إلى أنه مكروه أو خروج عن الأحسن فَأتوقَّاه أنا في نفسي ولا أوجب على غيري توقيَه. قالوا (١١): وقد علل أيضاً بقوله: "أيسُرُّك أنْ يَكُونُوا لك في البر سواء"، وظاهر هَذَا أن النَّهْي لِئلا يقع منهم تقصير. قالوا وقد قال ﷺ أيضاً: "فارجعْه" فأمره باعتصاره لأن الأب يعتصر ولو كان باطلا لقال: هو مردود، ولم يفتقر إلى ارتجاع المعطى.
وقال الآخرون: فإن قوله ﷺ "لا أشهد على جَوْر" يدل على المنع، لأن الجَور ممنوع منه لأنه الحَيْدُ عَنِ القَصْدِ والعدول عنه (١٢). ومنه: جار السَّهم، إذا عدل عن الغرض. ومن حمل هذه الظواهر على الندب يصح أن يسمى الميل في مثل هذا جَوْرًا. واحتجوا أيضاً بقوله ﷺ "أتّقُوا الله واعْدِلُوا بين أولادكم"، وظاهر الأمر على الوجوب. وفي هذا اختلاف بين أهل الأصول، والذي وقع في الترمذي من أمثل ما يتمسكون به لأنه ﷺ قَال "إن لهم عليك من الحق" وظاهر لفظة (عَلَى) يُفيد الإِلزام والوجوب.
وقد تُنوزع في عطية الصديق عائشة أحدًا وعشرين وسقا فاحتج به من
стр. 903
لا يرى العدل بين البنين واجبا. وق الآخرون: لعله أعطى قبلها مَن سواها أو علم بأنَّهم راضون بما فعل.
وتُنوزع أيضاً في صفة العدل بين البنين، فمال ابن القصار إلى التسوية بين الذكر والأنثى، ومال ابن شعبان إلى التفضيل على نسبة المَوارِيث. واختلف أيضاً في ذلك من تقدم من غير صحابنا. وقد قال (١٣) محمد بن إسحاق في سيرته لم تكن (١٤) لأبي النعمان بنت. فعلى ما حكاه ابن إسحاق لا يكون حجة في قوله ﷺ "أَكُلَّ وَلَدِكَ نحلته مثل هذا؟ ".
٧١٠ - قوله ﷺ : "أيُّمَا رَجَلٌ أُعْمِرَ عُمْرَى فهي لَهُ وَلِعَقِبِه". وفي بعض طرقه: "قَضَى رسول الله ﷺ فِيمَنْ أُعْمِرَ عُمْرى له ولعقبه". وفي بعض طرقه: "قَضَى رسول الله ﷺ فِيمَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِه فَهْيَ له بَتْلَةً لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيها شَرْطٌ ولَا ثُنْيَا، قال: أَبو سَلَمَة لأنه أعْطىَ عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ المَوَارِيثُ فَقَطَعَتْ المَوَارِيثُ شَرْطَهُ". وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ" (العمُرْى لِمَنْ وُهِبَت لَهُ". وفي بعض طرقه) (١٥) "من أَعْمَر عُمْرى فَهْيَ لِمَنْ أُعْمِرَهَا حَيًّا وَميِّتًا وَلِعَقِبِهِ" (ص ١٢٤٥ - ١٢٤٦).
قال الشَّيْخ: اختلف الناس في هذا؛ فمذهب مالك أنها تمليك للمنفعة. وذهب المخالف إِلَى أنَّهَا تمليك للرَّقبة تكون للمعمر ولورثته بَعْدَه. وتعلق المخالف بظواهر هذه الأحاديث، كقوله: "العمرى لمن وهبت له" وكقوله "للذي أُعمرها حيا وميتا ولعقبه". ومحمل هذه الأحاديث عند أصحابنا على أن المراد المنافعُ لَأن الواهب إِنما وهب المنافع فلا يُلْزَمُ أكثر مِمَّا التزم.
стр. 904
٧١١ - قوله ﷺ : "مَا حَقُّ امْرِىء مُسْلِم لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يوصِيَ فِيه يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَاّ وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ" (ص ١٢٤٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: ذَهَبَ دَاوُدُ وغَيْرُهُ إِلَى إيجَاب الوَصيَّة تعلقا بهذا الحديث. وهي عندنا على الندب لكن إن كان عليه حقّ يخشى تلفه على أصحابه إِن لم يُوصِ بِه (١٦) وجبت الوصية لوجوب التنصّل من الحقوق. وقد قيل: إن في هذا الحديث دلالة على أن من كتب وصيته وأقرها عنده نَفَذَتْ (١٧) وإن لم يخرجها من يده.
٧١٢ - قوله في حديث سَعْدٍ: وأنَا ذُو مَالٍ ولَا يَرِثُنِي إِلَاّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدّقُ (١٨) بثُلُثَيْ مَالِي؟ قال: لا. قلت: أَفَأَتصدق بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لَا، الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنك أَنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاس ... " الحديث (ص ١٢٥٠).
قال الشيخ -وفقه الله-: جُمْهُور العُلماء على أن للمريض أن يوصي بثلثه تعلقا بهذا الحديث. وقد قال بعض الناس: الوصية بالرُّبُعِ. وذكر مسلم عن ابن عباسٍ قال: لو أن الناس غَضُّوا من الثُّلث إلى الربع فإن النبيء ﷺ قال: الثلث والثلث كثير" (ص ١٢٥٣).
واختلف أيضاً فيمن لا وارث له هل يُقْصَر على الثلث كمن له وارث ويكون بيت المال كوارث معلوم يُمنع من أجله من الزيادة على الثلث أم تجوز له الصدقة بماله كله إذ لا وارث له معلوم؟ وقد قال سعد: "لا يرثني إلا ابنة لي واحدة" ولم يسامحه بصدقة الشطر. وقيل: مراد سعد لا يرثني ممن له فرض معلوم إلا ابنة لي.
стр. 905
والعالة: الفقراء. و"يتكففون" أي يَسْألُون بأَكفّهم الصّدقة.
وكانوا يكرهون الموت بمكة لأجل أنه بَلَذٌ تركوه لله تعالى فكرِهوا أنْ يَعُودُوا فِيمَا تَرَكُوه لله تعالى فلهذا ذكر (١٩) فيه ما جرى في الحديث.
٧١٣ - خرّج مسلم في حديث ابن عباس: "لَوْ أن النَّاس غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الربُّعُ: حدثنا أبو كُرَيْب نا ابن نمير عن هشام بن عروة" هكذا في نسخة ابن ماهان والذي في نسخة الجُلودي: "حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ حدثنا ابن نُمَيْر" فجَعَل بدل أبي كريب أبا بكر (ص ١٢٥٣).
[الحبس] (٢٠)
٧١٤ - قول عمر ﵁ "يا رسول الله إنِّي أصَبْتُ أرْضًا بِخَيْبَر قَالَ: إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أصْلَهَا وَتَصَدّقْتَ بِهَا" الحَدِيث (ص ١٢٥٥).
قال الشيخ -وفقه الله-: التحبيس عندنا جائز في العقار خِلافًا لمن منعه على الجملة. والدليل عليه الاتفاق على تحبيس المساجد والسقايات وحديث عمر هذا. وعندنا في المذهب اضطراب في تحبيس الحيوان وإذا كان الحبس في الرباع على مجهول كالمساكين فلا خلاف أنه لا يعود على محبسه لأن من أُعطيه لا ينقطع فيبقى التحبيس ما بقوا، وكذلك إِن كان على رجل وَعَقِبِهِ فإن العقب إِذا انقطع لم يرجع ملكا للمحبس لأنه لما أعطى وعلَّق العطية بالعقب وقد لا ينقطع دلَّ ذلك من قصده على إزالة ملكه. وإن كان التحبيس على قوم معينين حياتهم فإذا ماتوا ففيه قولان: هل يرجع ملكا للمحبس إِذ لا عَلامة على قصده التأبيد وزوال الملك؟.
стр. 906
والأصل أن ملك الإِنسان لا يزول إِلا على الصنفة التي أخرجه عليها أو يكون الأصل ألا يرجع ذلك إِلى ملكه لأن لفظ التحبيس دال على القصد لإِزالة الملك على هذه الطريقة. وإِذا قلنا إنه لا يرجع ملكا فإنه يرجع إِلى أوْلَى الناس بالمحبّس.
والنكتة المعتبرة ها هنا التي يدور عليها الاختلاف في هذا الأصل فقد اضطربت الرواية فيه إذا حبّس وذكر العقب وسمّى صدقة أو لم يسمّها إلى غير ذلك من المسائل أن الألفاظ (٢١) الصادرة عن المالك: إما أن تكون نصوصا في إِزالة ملكه بوضع اللّغة، أو بغلبة الاستعمال في العُرف، أو نصوصا في اللغة أو العرف دالة على القصد لبقاء الملك أو محتملة للوجهين: فما لَا احتمال فيه يُقْضى بموجبه ويحكم بمقتضاه، وما فيه إشكال رُوجع في تفسيره فما فسّره به مما يحتمله قوله قُبِل منه، وإن مات قبل أَن يُسْتَفْسرَ فالنظر عِنْدِي أن لا يلزمه (٢٢) إِلا أقلُّ ما يقتضيه قوله لأن الأملاك لا تخرج بالشك. وهذا الأصل يدور عليه جميع ما وقع في ذلك من الروايات.
٧١٥ - وأما قوله "لا جناح على مَنْ ولِيهَا أن يأكلَ بالمعروف أو يُطْعِم صديقا غير متأثل مالاً" (ص ١٢٥٥).
فإنّ الحبس إِذا استثنى محبّسه منه هذا في أصل التحبيس صحّ ذلك. ولعل الصديق في حكم المعلوم مَبْلغه فيباح له منه قدر ما جرت العادة به. ولو لم يشترط ذلك وكان التحبيس على المساكين ومن يليها منهم فإنه لا يحرم عليه ما لا يحرم على أحدهم؛ وإن كان غنيا واضطرّ إلى قيامه عليها بهذا القدر على جهة الإِجارة ويكون ما يأخذ معلوما صح ذلك. وليست
стр. 907
بأعظم من الزكوات التي جعل الله سبحانه فيها حقا للعاملين عليها وإِن كانوا أغنياءً.
وتقييده في قوله "أن يأكل منها بالمعروف" إشارة إلى ما قلناه من الرجوع إلى العادة في ذلك.
وأما قوله "غير متأثل مَالا".
فمعناه غير جامع وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو مؤثل. ومنه مَجْد مؤثّل، أي قديم الأصل، وَأثْلَةُ الشيء أصله (٢٣).
٧١٦ - قول السائل لابْنِ أَبِي أوْفَى: "هَلْ أَوْصَى النَّبِيءُ ﷺ ؟ قال: لا: قلت: لِمَ كُتِبَ عَلَى المُسْلِمِينَ الوَصِيَّةُ أَو فَلِم أُمِرَ بِالوَصِيَّة؟ " (٢٤) وفي بعض طرقه "كَيفَ أَمَرَ النَّاسَ (٢٥) بالوصية؟ " وطريق أُخرى "كَيْفَ كُتِبَ عَلَى المُسْلِمِينَ الْوَصِيَّة" (ص ١٢٥٦).
قال الشيخ: هذا يشير إلى أنه كان يرى المساواة في الأحكام بيننا وبينه والرجوعَ إِلى أفعاله، وقوله: "كيف كتب على المسلمين الوصية" إِن كان أَراد بذلك الفرض فلعلَّه اعتقد مقتضى قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (الآية (٢٦) وَظَنَّ أنها لم تنسخ، أو يكون يرى رأي دَاوُد ومن وافقه من القائلين بإيجاب الوصيَّة) (٢٧). وقَدْ قدمنا مذهبهم.
стр. 908
٧١٧ - قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: "فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي" (٢٨) (ص ١٢٥٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: أصل الانخناث التكسر، ومنه انخناث الَأسقية، ومنه سُمِيَ الرجل الذي في كلامه ومعاطفه لِين وتكسر مُخَنَّثًا، فلعلها تريد أنه انخنث في حَجْرها أيْ تَمايل واجْتَمَعَ.
٧١٨ - قوله ﷺ : "ائتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضلُّوا بعْدَهُ أبَدًا فَقَالُوا: إن النَّبِيءَ ﷺ هَجر" (٢٩)، وفي بعض طرقه "فقال عمر: إِنَّ النَّبِيء ﷺ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ القُرْءَانُ حَسْبُنَا كِتَابُ الله" (ص ١٢٥٧ و ١٢٥٩).
قال الشيخ: إِن النبي ﷺ معصوم من أن يكذب على الله أو يفسد ما يبلغة عنه، وهو مع هذا غير معصوم من الأمراض وما يكونُ من بعض عوارضها مِمَا لا يعود بنقص في منزلته ولا فساد فيما مَهَّدَ مِن شريعته. وقد كان ﷺ لما سُحِر يُخيل إليه أنه عمِل الشيءَ وما عمِلَه ولم يجر ها هنا منه ﷺ من الكلام ما يُعَدُّ مناقضًا لما قدم من الأحكام والشرائع (٣٠) ولا الكلام في نفسه دال على الهذيان الذي يكون عن الحميات.
وقد بقي كثير من الأحكام عظيم خطرها في الشرع (٣١) غير منصوص عليها ولكنه قد نص على أصولها وَوَكَل العلماء إلى الاستنباط فيقول كل إنسان منهم بقدر ما يظهر له. وقد يقع بسبب اختلافهم فيما استنبطوه في
стр. 909
بعض المسائل هَرج وفتن ولو وقع النص عليها لارتفع الخلاف وذهب الهَرْج.
ولعله ﷺ كَان أراد أن يتعرض لبعض هذه المسائل، وقد قال بعض العلماء: الأظهر عندي أنه أراد ﷺ أن ينص على الإِمامة بعده ليرتفع بنصه عليها تلك الفتن العظيمة التي منها حرب صِفِّين والجَمَل، وهذا الذي قاله غير بعيد.
فإن قيل: كيف حسن الاختلاف مع قوله ﷺ "أئتوني أَكْتُب لكم كتابا" (٣٢) وكيف يعصونه فيما أمر؟ قلنا: لا خلاف أن الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند من قال: إِن أصلها على الندب، ومن الوجوب إلى الندب عند من قال: إِن أصلها على الوجوب. وتنقل القرائن أيضاً صيغة افعل إِلى الإِباحة وإِلى التعجيز. وإلى غير ذلك من ضروب المعاني فلعلّه ظهر منه ﷺ من القرائن ما دل على أنه لم يُوجب ذلك عليهم بل جعله إِلى تخييرهم، فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم وهو يدل على رجوعهم إِلى الاجتهاد في الشّرعيات، فأدى عمر اجتهادُه إِلى الامتناع مِن هذا، ولعله استلوح أن ذلك منه ﷺ صدر من غير قصد إليه جازم وهو المعني بقولهم: "هجر رسول الله ﷺ " وبقول عمر ﵁: غَلَبَ عليه الوَجَعُ وما ضَامَّهُ من القرائن الدالة على أنه عن غير قصد جازم على حسب ما كانوا يعهدونه من قصوده ﷺ في بلاغ الشريعة وأنه لا يجري مجرى غيره من طرق البلاغ التي اعتادُوها منه ﷺ ظهر ذلك لعمر ولم يظهر للآخرين ما ظهر لعمر فخالفوه. ولعل عمر هجس في نفسه أَن المنافقين قد يتطرقون إلى القدْح فيما اشتهر من قواعد الإِسلام وبلَّغه ﷺ لسائر المسلمين بكتاب يكتب (٣٣) في خلوة وآحاد ويضيفون إليه ما
стр. 910
يشبّهون به على الذين في قلوبهم مرض. ولهذا قال: "عندكم القرآن حسبنا كتاب الله".
قال أهل اللغة: هجر العليل بمعنى هذَى.
قال الشيخ -وفقه الله- فقد قدمنا نحن (٣٤) بيان القول فيما وقع منه ﷺ وبيّنا ما لا يجوز عليه وما يجوز.
стр. 911
١٩ - كتاب النذور والأيمان (١)
٧١٩ - قوله: "إن سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ استفتى رَسُولَ الله ﷺ في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمّه تُوُفِّيَتْ قَبْل أَنْ تَقْضِيَهُ فقال رسول الله ﷺ : فَاقْضه عَنْهَا" (ص ١٢٦٠).
قال الشيخ: قد قدمنا أن الميت تقضى عنه الحقوق المالية وذكرنا الخلاف في البدنية وما تقدم يغني عن إعادته ها هنا.
٧٢٠ - قوله: "نهى ﷺ عَنِ النَّذْر (٢) وقال: إِنَّهُ لَا يأتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيل" (ص ١٢٦١).
قال الشيخ: ذهب بعض العلماء إِلى أن الغرض بهذا الحديث التحفظ
стр. 912
عن النذر (٣) والحضُّ على (٤) الوفاء به. وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث. ويحتمل عندي أنْ يكون وجه النهي أن الناذر يأتي القربة مُسْتَثْقِلاً لها لَمَّا صارت عليه ضربة لازم، وكل محبوس الاختيار فإِنه لا ينبسط للفعل ولا ينشط إِليه نشاط مطلق الاختيار، فقد كره مالك ﵀ أن ينذر الإِنسان صوم يَوْم بعينه يُؤقِّتهُ (٤). وعلل قوله شيوخنا بمثل هذا الذي قلناه.
ويحتمل أيضاً أن يكون الناذر لما لم يبذل ما بذَل مِنَ القربة (٥) إلا بشرط أن يُفعل له ما يختار صار ذلك كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرب ويذهب الأجر الثابت للقربة المجردة. وفي الحديث "مَنْ عَمِلَ عملا أشرك فيه غيره فهو له" ويشير إلى هذا التأويل قوله ﷺ : "إنه لا يأتي بخير"، وقوله ﷺ : "فإن النَّذْرَ لَا يغْنِي من القدر شَيْئًا" وقوله ﷺ "إن النَّذْرَ لا يقرّب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدَّره له" ولكن النذر قد يوافق القدَر فيُخرج بذلك من البَخيل ما لم يكن البخيل يُريد أن يخرج (٦). وهذا كالنص على هذا التعليل الذي قلناه لأنه أَخبر ﷺ أن موافقة القدر تُخرج منه ما لم يرد (٧) أن يخرج وأن النذر ليس هو الجالب للقدر (٨).
٧٢١ - قوله: "كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عَقِيل فَأَسَّرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ من أصْحَابِ رسول الله ﷺ وأَسَّر أصْحَابُ النبيء ﷺ رَجُلاً مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وأَصَابُوا معه العضْبَاءَ فَأَتَى عليه رَسُولُ الله ﷺ وَهْوَ فِي الوِثَاقِ (فقال: يا
стр. 913
محمد فأتاه ﷺ ) (٩) فَقَالَ: مَا شَأْنُك؟ فَقَال: بِمَ أخَذْتَنِي؟ وبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ فقال: إعْظَامًا لِذَلِكَ أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثقِيفَ. ثم انصرف عنه فناداه، فقال: يا محمد يا محمد، وكان ﷺ (رَحِيمًا رفيقًا) (٩) فرجع إلَيْه فَقال: مَا شَأْنُكَ؟ فقال: إِنِّي مُسْلِمٌ قال ﷺ : لو قلتَها وأنت تَمْلِكُ أمْرَكَ أفْلَحْتَ كُلَّ الفَلَاحِ. ثم انْصَرَفَ فَنَادَاه فقال: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ. فأتاه فقال ﷺ : مَا شَأنُكَ؟ قال: إني جَائِعٌ فأطعمني وضمآن فَاسْقِنِي. قال ﷺ : هَذِهِ حَاجَتُك. فَفُدِيَ بالرجلين".
قال: "وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء". وفي هذا الحديث "فانْطَلَقَتْ وَلَاذُوا بِهَا فأعْجَزَتْهُمْ وَنَذَرت إِنْ نجَّاهَا الله عَلَيْهَا لَتَنْحرنَّهَا". وَفِيه قال ﷺ : "ما جَازيتِها لَا وفَاءَ بِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ العَبْدُ" (ص ١٢٦٢).
قال الشيخ: مما يُسئل عنه في هذا الحديث قوله ﷺ : "أخذتك بجريرة حلفائك" فقال: كيف هذا والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١٠).
وللناس عن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه يمكن أن يكونوا عوهدوا على أن لا يتعرضوا أصحاب النبيء ﷺ لا هم ولا حُلفاؤهم، فنقض (١١) حلفاؤهم العهد وَرَضُوا هم بذلك فاسْتُبِيحوا لأجل ذلك.
والثاني: أنهم كفار لا عهد لهم والكافر الذي لا عهد له يُستباح وإن لم يفعل حلفاؤه شيئاً.
стр. 914
والثالث: أن يقال في الكلام حذفٌ، ومعناه: أخذناك لنفادي بك من حلفائك.
ويحتمل عندي جوابًا رابعا، وهو أن يكون جوابه على جهة المجازاة والمقابلة، لأنه لما قال له: بِمَ أَخذتني؟ وبِمَ أَخَذْتَ سابقة الحاجّ؟ لَان ذلك كان معظَّما عندهم قال ﷺ له: "أَخذتك بجريرة حلفائك" لأنهم أيضاً كانوا يطالَبُنون بِعُهْدَةِ الحلفاء. (هذا الَأظهر من عادتهم، فكأنه ﷺ كان عنده مستباحا فلما ذكر له سابقة الحاجّ ذكر له جريرة الحلفاء) (١٢) على جهة المقابلة على أصلهم.
ومما يُسْأَل عَنْهُ أيضاً من هذا الحديث أن يقال: "كيف قال له: إِني مسلم ثم فادى به" ومن أظهر الإِسلام قُبل منه من غير بحث عن باطنه. وقد وقع في أحاديث كثيرة الَأخذ بالظواهر في هذا والتنبيه على أنه لم يؤمر أن يبحث على ما في قلوب الناس.
قيل: أما الشافعي فإِنه أباح في أحد قوليه المفاداة بالأسير (١٣) إذا أسلم وَرَأى أنه لما كان للإِمام قَبل إِسلامه الخيار في المفاداة به لَم يسقط هذا الخيار في ذلك بعد إِسلامه. ويحتج بهذا الحديث.
وَأمَّا أصحابنا القائلون: إِن حكم الأسير إذا أسلم أن يُسترق فإِنهم قد يعتذرون عن المفاداة بهذا بأن يقولوا: يمكن أن يكون هذا من خصائص النبىء ﷺ مع هذا الرجَّل، وَأوحى إليه فيه أنه غير مؤمن وأنه مستباح، أَلا ترى قولَه ﷺ بعد هذا لما سألهُ أن يُطعمه ويسقيَه "هذه حاجتك".
стр. 915
(وأما قوله ﷺ ) (١٤) "لا وفاء بنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد".
ولم يذكر في ذلك كفارة، فخلافٌ لمن زعم أنَّ النذر في المعصية يُكفَّر تعلقا بما ذكر الترمذي وأبو داود "لَا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يَمين".
والجريرة: الجناية. والذنب.
وقد احتج بقوله ﵇ في ناقته "لا وفاء بنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد" أصحاب الشافعي على أن مال المسلم باقٍ على ملكه وإن غَنِمَهُ الجيش من أرض الحرب وقسموه وَأن صاحبه يأخذه بعد القسمة. ولعلنا أنْ نتكلم عليه في كتاب الجهاد إن شاء الله.
والعضباء اسم ناقة النبيء ﷺ .
وقوله: "وهي نَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ"
أيْ مذللة. ومنه الحديث الذي فيه "وسار معه على جَمَل له قد نَوَّقَهُ" أيْ رَاضَه وذَلَّله، يقال: جمل مُنَوَّقٌ ومخيَّسٌ وَمُعَبَّد وَمُدَيَّثٌ.
وقوله: "فَنَذِرُوا بِها".
أي عَلِمُوا بِهَا يقال: نَذِرت بالشيء بكسر الذال نِذارة، أي علمت به، ونذَرت الشيء لله بفتح الذال أنذِر نذرا. قال ابن عرفة: النذر ما كان وعدا على شرط، فكل ناذر واعد وليس كل واعد ناذرًا، فلو قال قائل: عليَّ أن أتصدق بدينار، لم يكن ناذرًا. وَلَو قال: عليّ إِن شفى الله مريضي أوَ رَدَّ علي غَائبي صدقة دينار أو غيره كَانَ ناذرا.