١٩ - كتاب النذور والأيمان (١)
٧١٩ - قوله: "إن سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ استفتى رَسُولَ الله ﷺ في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمّه تُوُفِّيَتْ قَبْل أَنْ تَقْضِيَهُ فقال رسول الله ﷺ : فَاقْضه عَنْهَا" (ص ١٢٦٠).
قال الشيخ: قد قدمنا أن الميت تقضى عنه الحقوق المالية وذكرنا الخلاف في البدنية وما تقدم يغني عن إعادته ها هنا.
٧٢٠ - قوله: "نهى ﷺ عَنِ النَّذْر (٢) وقال: إِنَّهُ لَا يأتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيل" (ص ١٢٦١).
قال الشيخ: ذهب بعض العلماء إِلى أن الغرض بهذا الحديث التحفظ
стр. 912
عن النذر (٣) والحضُّ على (٤) الوفاء به. وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث. ويحتمل عندي أنْ يكون وجه النهي أن الناذر يأتي القربة مُسْتَثْقِلاً لها لَمَّا صارت عليه ضربة لازم، وكل محبوس الاختيار فإِنه لا ينبسط للفعل ولا ينشط إِليه نشاط مطلق الاختيار، فقد كره مالك ﵀ أن ينذر الإِنسان صوم يَوْم بعينه يُؤقِّتهُ (٤). وعلل قوله شيوخنا بمثل هذا الذي قلناه.
ويحتمل أيضاً أن يكون الناذر لما لم يبذل ما بذَل مِنَ القربة (٥) إلا بشرط أن يُفعل له ما يختار صار ذلك كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرب ويذهب الأجر الثابت للقربة المجردة. وفي الحديث "مَنْ عَمِلَ عملا أشرك فيه غيره فهو له" ويشير إلى هذا التأويل قوله ﷺ : "إنه لا يأتي بخير"، وقوله ﷺ : "فإن النَّذْرَ لَا يغْنِي من القدر شَيْئًا" وقوله ﷺ "إن النَّذْرَ لا يقرّب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدَّره له" ولكن النذر قد يوافق القدَر فيُخرج بذلك من البَخيل ما لم يكن البخيل يُريد أن يخرج (٦). وهذا كالنص على هذا التعليل الذي قلناه لأنه أَخبر ﷺ أن موافقة القدر تُخرج منه ما لم يرد (٧) أن يخرج وأن النذر ليس هو الجالب للقدر (٨).
٧٢١ - قوله: "كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عَقِيل فَأَسَّرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ من أصْحَابِ رسول الله ﷺ وأَسَّر أصْحَابُ النبيء ﷺ رَجُلاً مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وأَصَابُوا معه العضْبَاءَ فَأَتَى عليه رَسُولُ الله ﷺ وَهْوَ فِي الوِثَاقِ (فقال: يا
стр. 913
محمد فأتاه ﷺ ) (٩) فَقَالَ: مَا شَأْنُك؟ فَقَال: بِمَ أخَذْتَنِي؟ وبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ فقال: إعْظَامًا لِذَلِكَ أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثقِيفَ. ثم انصرف عنه فناداه، فقال: يا محمد يا محمد، وكان ﷺ (رَحِيمًا رفيقًا) (٩) فرجع إلَيْه فَقال: مَا شَأْنُكَ؟ فقال: إِنِّي مُسْلِمٌ قال ﷺ : لو قلتَها وأنت تَمْلِكُ أمْرَكَ أفْلَحْتَ كُلَّ الفَلَاحِ. ثم انْصَرَفَ فَنَادَاه فقال: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ. فأتاه فقال ﷺ : مَا شَأنُكَ؟ قال: إني جَائِعٌ فأطعمني وضمآن فَاسْقِنِي. قال ﷺ : هَذِهِ حَاجَتُك. فَفُدِيَ بالرجلين".
قال: "وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء". وفي هذا الحديث "فانْطَلَقَتْ وَلَاذُوا بِهَا فأعْجَزَتْهُمْ وَنَذَرت إِنْ نجَّاهَا الله عَلَيْهَا لَتَنْحرنَّهَا". وَفِيه قال ﷺ : "ما جَازيتِها لَا وفَاءَ بِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ العَبْدُ" (ص ١٢٦٢).
قال الشيخ: مما يُسئل عنه في هذا الحديث قوله ﷺ : "أخذتك بجريرة حلفائك" فقال: كيف هذا والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١٠).
وللناس عن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه يمكن أن يكونوا عوهدوا على أن لا يتعرضوا أصحاب النبيء ﷺ لا هم ولا حُلفاؤهم، فنقض (١١) حلفاؤهم العهد وَرَضُوا هم بذلك فاسْتُبِيحوا لأجل ذلك.
والثاني: أنهم كفار لا عهد لهم والكافر الذي لا عهد له يُستباح وإن لم يفعل حلفاؤه شيئاً.
стр. 914
والثالث: أن يقال في الكلام حذفٌ، ومعناه: أخذناك لنفادي بك من حلفائك.
ويحتمل عندي جوابًا رابعا، وهو أن يكون جوابه على جهة المجازاة والمقابلة، لأنه لما قال له: بِمَ أَخذتني؟ وبِمَ أَخَذْتَ سابقة الحاجّ؟ لَان ذلك كان معظَّما عندهم قال ﷺ له: "أَخذتك بجريرة حلفائك" لأنهم أيضاً كانوا يطالَبُنون بِعُهْدَةِ الحلفاء. (هذا الَأظهر من عادتهم، فكأنه ﷺ كان عنده مستباحا فلما ذكر له سابقة الحاجّ ذكر له جريرة الحلفاء) (١٢) على جهة المقابلة على أصلهم.
ومما يُسْأَل عَنْهُ أيضاً من هذا الحديث أن يقال: "كيف قال له: إِني مسلم ثم فادى به" ومن أظهر الإِسلام قُبل منه من غير بحث عن باطنه. وقد وقع في أحاديث كثيرة الَأخذ بالظواهر في هذا والتنبيه على أنه لم يؤمر أن يبحث على ما في قلوب الناس.
قيل: أما الشافعي فإِنه أباح في أحد قوليه المفاداة بالأسير (١٣) إذا أسلم وَرَأى أنه لما كان للإِمام قَبل إِسلامه الخيار في المفاداة به لَم يسقط هذا الخيار في ذلك بعد إِسلامه. ويحتج بهذا الحديث.
وَأمَّا أصحابنا القائلون: إِن حكم الأسير إذا أسلم أن يُسترق فإِنهم قد يعتذرون عن المفاداة بهذا بأن يقولوا: يمكن أن يكون هذا من خصائص النبىء ﷺ مع هذا الرجَّل، وَأوحى إليه فيه أنه غير مؤمن وأنه مستباح، أَلا ترى قولَه ﷺ بعد هذا لما سألهُ أن يُطعمه ويسقيَه "هذه حاجتك".
стр. 915
(وأما قوله ﷺ ) (١٤) "لا وفاء بنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد".
ولم يذكر في ذلك كفارة، فخلافٌ لمن زعم أنَّ النذر في المعصية يُكفَّر تعلقا بما ذكر الترمذي وأبو داود "لَا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يَمين".
والجريرة: الجناية. والذنب.
وقد احتج بقوله ﵇ في ناقته "لا وفاء بنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد" أصحاب الشافعي على أن مال المسلم باقٍ على ملكه وإن غَنِمَهُ الجيش من أرض الحرب وقسموه وَأن صاحبه يأخذه بعد القسمة. ولعلنا أنْ نتكلم عليه في كتاب الجهاد إن شاء الله.
والعضباء اسم ناقة النبيء ﷺ .
وقوله: "وهي نَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ"
أيْ مذللة. ومنه الحديث الذي فيه "وسار معه على جَمَل له قد نَوَّقَهُ" أيْ رَاضَه وذَلَّله، يقال: جمل مُنَوَّقٌ ومخيَّسٌ وَمُعَبَّد وَمُدَيَّثٌ.
وقوله: "فَنَذِرُوا بِها".
أي عَلِمُوا بِهَا يقال: نَذِرت بالشيء بكسر الذال نِذارة، أي علمت به، ونذَرت الشيء لله بفتح الذال أنذِر نذرا. قال ابن عرفة: النذر ما كان وعدا على شرط، فكل ناذر واعد وليس كل واعد ناذرًا، فلو قال قائل: عليَّ أن أتصدق بدينار، لم يكن ناذرًا. وَلَو قال: عليّ إِن شفى الله مريضي أوَ رَدَّ علي غَائبي صدقة دينار أو غيره كَانَ ناذرا.
стр. 916
قال الشيخ -وفقه الله-: هذا الذي ذكره ابن عرفة مال إِليه بعض الفقهاء، ورأى أن النذر الغير المشروط لا يُسمّى نذرا. ولهذا يستحب الوفاء به ولا يجب كما يجب المشروط المسمى نذرا الداخل في عموم الظواهر الواردة بالأمر بالوفاء بالنذر. ومال (١٥) غير هؤلاء من الفقهاء إلى أن الجميع يسمى نذرا وأنشدوا قول الشاعر (١٦): [الكامل]
الشَّاتِمَيْ عِرضي وَلَم اشْتَمْهُمَا ... والناذرَيْن إِذا لم القَهُمَا دَمِي
وقول جَميل: [الطويل]
فَلَيْتَ رِجَالاً فيكِ قد نذروا دَمِي ... وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا أُمَيْمَ (١٧) لَقَوْنِي
والّا ظهر أنَّ النذر المذكور في البَيْتَيْن غير معلق بشرط.
وقوله "مُجرَّسة".
أي مذلَّلة، يقال: جرسته الأمور، أي راضته وذللته.
٧٢٢ - قوله "رأى ﷺ رَجُلاً يُهَادِي بَيْنَ ابْنَيْه فَقَال: مَا بَالُ هَذَا؟ فَقَالُوا: إنَّهُ نَذَر أنْ يَمْشِيَ. فقال ﷺ : إن الله غَنِيُّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ وَأَمَرهُ ﷺ أَنْ يَّرْكَبَ" (ص ١٢٦٣).
стр. 917
قال الشيخ -وفقه الله-: يحمَلُ هَذَا على أنه عجز عن المشي وكذلك يحمل الحديث الذي بعده "عَنْ عُقبة بن عامر (١٨) أنه قال: نَذَرت أختي أن تمشيَ إلى بيت الله حافية فأمرتني أَن أسْتَفْتِيَ لها النبىَء ﷺ فاستفتيتُه فقال: لتمش ولتركب"، مَحْمَلَهُ أيضاً عندنا على أنها عجزت. وقد ذكر أبو داود في هذا الحديث "أنها نذرت أن تحج ماشية وأنَّها لا تُطيق ذلك فقال ﷺ : إِن الله لغني عن مَشْي أُختك فلتركب ولتهد بدنة".
فقد نبه ها هنا على أنها غير مستطيعة. وهكذا مذهب مالك ﵀: أن الناذر إِذا عجز عن المشى مشى ما قدر عليه ثم ركب وأَهدى.
٧٢٣ - قوله ﷺ "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِين" (ص ١٢٦٥).
قال الشيخ: النذر الْمُبْهَمُ عندنا كفارته (١٩) كفارة يمين خلافا للشافعي. وهذا الحديث حجة عليه.
٧٢٤ - قوله ﷺ : "إن الله يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ". قال عُمَر: "مَا حلفت بها مذ نَهَى عنها ذاكرا لها (٢٠) ولا آثرا" (ص ١٢٦٦).
قال الشيخ: هذا لئلا يُشْرَك في التعظيم بالقسَم غيرُ الله سبحانه. وقد قال ابن عباس: لَأن أحلف بالله فآثم أحب إليّ من أن أضاهي. فقيل معناه: الحلف بغير الله، وقيل معناه: الخديعة، يُرَى أنه حلف وما حلف. وقد قال ابن عباس أيضاً: أَنْ أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فَأَبَرَّ. ولهذا ينهى عن اليمين بسائر المخلوقات ولا يعترض على هذا بقوله ﷺ "أفْلحَ وَأبِيهِ إنْ صَدَقَ"، لأنه لا يراد بهذا القسمُ وإِنما هذا قول جار على ألسنتهم. (وقد قدمنا الكلام على مثل هذه
стр. 918
الألفاظ الغالبة على ألسنتهم) (٢١) فقد قال تعالى ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ (٢٢) (قيل معناه: وربّ التين والزيتون) (٢٣) أو يكون المراد به (٢٤) التنبيه على ما فيهما من العجائب والمنّة بهما عليهم ولا يراد بهما القسم ولو سلمنا أن المراد بهما القسَمُ من غير حذف وإِضمار لم يبعُد أن يكون الباري سبحانه يُقسم بهما ويمنعنا من القسَم بهما، وتعظيم الباري جلّت قدرته للأشياء بخلاف تعظيمنا لها لأن كل حقّ (٢٥) بالإِضافة إلى حقه سبحانه حقير، وكل عظيم عند الإِضافة إليه تعالى هَيّن، إذ لا حَقَّ لَأحد عليه، وله الحق على كل أحد، وإِنما تعظيمه لبعض الأمور تنبيةٌ لنا على قدرها عنده أو تعبّد لنا بأن نعظمها فلا يقاس هذا على هذا.
وقول عمر ﵁: "ولا آثرا".
يعني: ولا حاكيا إياه عن أحد، من قولهم: أثر الحديث يأثُره أثْرًا، حدث به.
٧٢٥ - قوله ﷺ "مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بـ"الَاّتِ" فَلْيَقُلْ: "لَا إلَهَ إلَاّ الله". ومَنْ قالَ لِصَاحبه:"تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فليتصدق" (ص ١٢٦٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: الحلف بمَا لا يجوز من هذا النوع لا كفارة مقدّرةً فيه عندنا خلافا لأبي حنيفة في إِثبات الكفارة في ذلك إِلَاّ في قوله: أنا مبتدع وأنا بريءٌ من النبيء ﷺ . وهذا الحديث حجة عليه لأنه لم يذكر فيه الكفارة. وأبو حنيفة تَعلَّق بأن الله تعالى أوجب على المُظاهر الكفارة. وعلل بأنه منْكر
стр. 919
من القول وزُور والحلف بهذا منكر من القول وزور. وهذا ينتقض عليه (٢٦) بما استثناه من قوله: "أنا بريء من النبيء ﷺ " لا كفارة فيه عنده. ولو قال "واليهودية" لم تلزمه الكفارة باتفاق، وَكذلك إذا قال "أنا يهودي إن فعلت" فلا معنى لتفريقهم بين اللّفظين فإنه إذا قال "واليهودية" فقد أعظم ما لا حرمة له. وإذا قال "إن فعلت فأنا يهودي" فكأنه عظّم الإِسلام واحترم ما له حرمة لأن الجميع لا يحسن القَسَم بهما.
٧٢٦ - قوله ﷺ في حديث الَأشْعريِّين: "ما أَنا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ الله حَمَلَكُمْ وإِني والله (٢٧) إن شَاءَ الله لَا أحلف عَلَى يَمِينِ ثُمَّ أرى خَيْرًا مِنْهَا إِلَاّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِيني وَأتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ" (ص ١٢٦٩).
قال الشيخ -وفقه الله-: المراد بقوله: "ما أنا حملتكم" أي أنَّ الله سبحانه أتى بما حملتكم عليه ولولا ما ساقه الباري سبحانه إليه ﷺ لم يكن عنده ما يحملهم عليه، ولم يُرِد بهذا نفي إضافة الفعل إليه.
٧٢٧ - وقوله: "فأمر لنا بثلاث ذَودٍ غُرّ الذّرَى". (ص ١٢٦٩).
معناه بِيض الأسنِمة، وذروة البعير سَنَامه، وذروة كل شيء أعلاه.
٧٢٨ - وقوله في بعض طرق هذا الحديث: "وأُتِي بِنَهْبٍ إبِلٍ" (ص ١٢٧٠).
النهب: الغنيمة. وكان الصدّيق ﵁ إذا أوتر قبل أن ينام قال: أحرزت نَهْبِي، أيْ غنِيمَتِي.
٧٢٩ - قولى ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا
стр. 920
فَلْيَأتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينهِ". وفي بعض طرقه: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأى خَيرًا مِنْهَا فَليُكفِّرْ عَنْ يِمِينهِ وَلْيَفعَلْ" (ص ١٢٧٢).
قال الشيخ -وفقه الله-: للكفارة ثلاث حالات:
إحداها: أن يُكَفِّر قبل أن يحلف فهذا لا يجزيه.
والثانية: أن يكفّرَ بعد أن يحلف ويحنث فهذا يجزيه.
والثالثة: أن يكفّر بعد اليمين وقبل الحنث فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فيه قولان والمشهور الإِجزاء. وقد اختلف لفظ الحديث (فقدم الكفارة مرة وأخرها أخرى ولكن بحرف الواو) (٢٨) وهي لا توجب رتبة. ومن منع الإِجزاء رأى أنها لم تجب (٢٩) قبل الحنث فصارت كالتطوع والتطوع لا يُجزىء عن الواجب.
٧٣٠ - قوله ﷺ : "فيمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ". وفي طريق أُخرى: "اليَمِينُ عَلَى نِيّةِ المُسْتَحْلِفِ" (ص ١٢٧٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: المتبرع باليمين الذي لم يدفع به عن نفسه حقًا، يمينه على نيته عندنا. وإن استحلفه الطالب في حق عليه فاختلف فيه: هل يكون اليمين على نيته أو على نيّة المستحلف إلا أن تكون عليه بيّنة فيما يقضي عليه به السلطان فلا يصدّق لأجل شهادة البينة ولا يرجع الحاكم عن القضاء بموجب قولها إلى القضاء (٣٠) بموجب قوله بمجرد دعواه؛ فمن رَدَّ الأمر لنية المستحلف تعلق بظاهر هذا الحديث، ومن ردّه إلى نية
стр. 921
الحالف حمله على استحلافِهِ في حق له عليه بما (٣١) يقضَى عليه به وهناك بينة عليه ويتعلق بقوله "وإنما لامرىء ما نوى".
٧٣١ - قوله: "إِنَّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فقال له أوْفِ بِنَذْرِكَ" وفي بعض طرقه: "إنِّي نذرتُ أنْ أعْتَكِفُ يَومًا" (ص ١٢٧٧).
قال الشيخ -وفقه الله-: مَحْمَلُ هَذَا عنْدَنَا عَلَى أنَّهُ أراد في أيام الجاهلية ولم يرد وهو على دين الجاهلية لأن الكافر لا يلزمه عندنا نذْرٌ،. وكذلك يُحْمَل قوله "أن أعتكف ليلة" وعلى أنه (٣٢) يمكن أن يكون أراد عبارة عن اليوم والليلة والعرب تعبر بالليالي عن الأيام.
كتاب صُحْبَةِ مِلْكِ اليَمِينِ (٣٣)
٧٣٢ - قوله ﷺ : "إذَا صَنَعَ لِأحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ وَقَد ولِيَ (٣٤) حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأكُلْ فَإنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا" الحديث (ص ١٢٨٤).
قال الشيخ: المشفوهُ: القليل، وقال بعضُهم: أُخذ ذلك من كثرة الشّفاه عليه.
٧٣٣ - قَوْلُ كَعْبٍ: "لَيْسَ عَلَيْهِ حِسَابٌ وَلَا عَلَى مُؤْمِنٍ مُزْهِدٍ" (ص ١٢٨٥).
стр. 922
يعني بالمزهدِ القليل المال، يقال: إنّ هذا لرجل يُزْهد إزهادا إذا قلّ ماله. قال الأعشى: [المتقارب]
فَلَنْ يَطْلُبُوا سِرَّهَا لِلْغِنَى ... وَلَنْ يُسْلِمُوهَا لإِزْهَادِهَا
فالإِزهاد: قلّة المال. وَالسِرُّ في هذا البيت يعْني به النكاح. والشيء الزهيد هو القليل.
٧٣٤ - وقوله: "لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ" (ص ١٢٨٧).
الوَكْسُ: الغَبْنُ والبخسُ، والشطط: الجور. يقال: شطّ الرجل وأشطَّ واشتطّ، إذَا جار في السوم وأفرط وجار في الحكم أيضاً، وشط الشيء وأشطّ إذا بعد.
٧٣٥ - قوله في الحديث: "إن رَجلا أعتق ستّة مملوكين له عند موته لم يكن له مَالٌ غيرهم فدعَا بهم رسولُ الله ﷺ فَجَزَّأهُمْ أثْلَاثًا ثُمَّ أقرع بَيْنهم، أعتق اثنين وَأُرَقَّ أرْبعة وقال ﷺ لَهُ قَوْلاً شَدِيدًا". وفي بعض طرقه: "أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ أوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ فَأعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ" (ص ١٢٨٨).
قال الشيخ -وفقه الله-: مذهبنا إثبات القرعة في ذلك خِلافًا لأبي حَنِيفَةَ في مصيره إلى نفيها، تعلقا بأنها خطر والخطر لا يجوز في الشرع لأن هذا الحديث كالنص في معناه فلا يرد بالاستدلال بشواهد الأصول، وقد ثبت في أصول الشرع استعمال القرعة في القسمة للأموال بين الشركاء فلا ينكر استعمالها في مثل هذا لأن ها هنا حقين: حق للعبيد (٣٥) في أن يعتق منهم بالحِصَصِ (٣٦) لأنه ليس أحدهم أولى بذلك من الآخر، وحق الورثة
стр. 923
لأنهم كالشركاء مع الميت فلهم تمييز حقوقهم واستبدادهم بملكها، فقدم ها هنا حق الورثة لأنه بالمرض تعلق لهم حق الحجر عليه (على الجملة فإذا فعل فيما تعلق لهم به حق ما لم يرضوه تعلق لهم الرد وإثبات القرعة) (٣٧) لحقهم في المقاسمة، والمشهور إثبات القرعة في العتق في المرض بتلاً كان أو وصية. وفي الموازية نفيها في عتق البتل وإثباتها في الوصية. ولعله حمل رواية من روى أعتق ستة مملوكين على أن المراد بها أوصى بعتقهم لتتفق الروايتان على أن في قوله: "أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين " احتمالا أيضاً لأن يكون أراد أوصى بوصية ما فذكر فيها عتق ستة مملوكين.
قال الشافعي: في هذا الحديث دلالة على أن الوصية للأجانب تجوز. وهذا منه إشارة إلى أن قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٣٨) منسوخ. وفيه أيضاً عندي (٣٩) إثبات الثلث والرد على من يقول لا يبلغ بالوصية الثلث، وقد تقدم.
وقوله في الحديث: " وَأرَقَّ أرْبَعَةً".
يرد على أبي حنيفة قوله: "يُعتق من كل واحد منهم ما ينوبه ويستسعي في بقيته".
٧٣٦ - قوله: "إنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَار أعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غيره، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيءَ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فاشتراه نُعَيْمُ ابْنُ عَبْدِ الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه" (ص ١٢٨٩).
стр. 924
قال الشيخ: مَذْهَبُنَا مَنْعُ بَيْع المُدَبَّر خِلَافًا لِلشَّافِعِي فِي إجَازَةِ بَيْعِهِ (٤٠) تعلُّقا منه بهذا الحديث وقياسا على الموصَى بعتقه أن له الرجوع فيه باتفاق. وقد تأول (٤١) أصحابنا هذا الحديث على أنه كان مديانا، ولهذا تَوَلَّى ﷺ بيعه.
وقوله ها هنا: "فدفعها إليه".
أراد به السيّد. وقوله في النسائي وأبي داود، أحدهما يرويه على نحو ما يقول الآخر، وفيه "فاحتاج مولاه فأمره بِبَيْعِهِ فباعه بثمانمائة درهم، فقال ﷺ له: أنفِقها على عيالك فإنما الصَّدَقَةُ عن ظهر غِنًى وابدأ بمن تعُول". فهذا كله يمنع من تأويل أصحابنا أنه باعه في الدَّين. وعند الترمذي: "فمات ولم يترك مالاً غيره فباعه النّبيء ﷺ فاشتراه نُعَيْم" وقال: هذا حديث حسن. ونظن أنّا قدمنا الكلام على هذا الحديث.
باب القسامة (٤٢)
٧٣٧ - قوله ﷺ في حديث حُوَيِّصَة ومُحَيِّصَة: "أتحلفون خمسينا يمينا وَتَسْتَحِقُّون صَاحِبَكُمُ أوْ قَاتِلَكُم؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نَشْهَدْ؟ قال ﷺ : تُبْرِئُكْم يَهُودُ بخمسين يمينا قَالُوا: وكيف نقبل أيمَانَ كُفَّارٍ؟ فلما رأى ذلك رسولُ الله ﷺ أعطَى عَقْلَهُ" (ص ١٢٩١).
قال الشيخ: اختلف الناس في أيمان القسامة من يبدأ بها؛ فعند مالك والشافعى أولياء الدم، وعند أبي حنيفة المطلوبون بالدم يحلفون وتكون الدية
стр. 925
على من أسَّس المحلة. واحتج أصحابنا عليه بهذا الحديث وقد قال ﷺ : "أتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دم صاحبكم؟ قالوا: لا. قال: فتحلف لكم يَهُودُ" ولا معنى لقولهم: قد يحمل هذا اللفظ على النكير أن يخطر ببالهم أن يَحلفوا لأنه خلافُ ظاهر اللفظ، وقد قال في بعض طرقه: "يُقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفعِ بِرُمَّتهِ". ومثل هذا لا يكون في ألفاظ النَّكير وإن تعلقوا في مقابلة هذا بما وَقعَ من تبدئة اليهود، قلنا: لعل الراوي اختصر ذكرهم والزيادة من العدل تقبل.
وإذَا ثبت القول بالقسامة فاختلف الناس أيضاً: هل تستحق بها إراقة الدم أو الدية؟ ومذهبنا أنه يستحق بها إراقة الدم، وقد وقع في بعض طرقه: "وتستحقون قاتلكم". وفي بعض طرقه: "دم صاحبكم" ولا يصرف هذا للقتيل لأن دمه قد فات. وهكذا نمنعهم من حمل قوله: "وتستحقون صاحبكم" على أن المراد به: دية صاحبكم، لأن هذا خلاف الظاهر.
٧٣٨ - وقوله في بعض طرقه: "إمّا أن تَدُوا (٤٣) صاحبكم وَإمَّا أن تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ" (ص ١٢٩٤).
معناه: أن الدية وجبت باعترافهم أو بالقسامة وإذا امتنعوا مما وجب فلا شك أنهم يؤذنون بحرب.
والقسامة إذا وجبت عندنا فإنما تجب باللَّوث، وهو الشاهد العدل يشَهد بالقتل.
واختلف في الشاهد الفاسق وفي المرأة: هل يكونان لَوثا أم لا؟ وقول القتيل: دمي عند فلان، لوث عندنا. ومَن منع من كونه لوثا قياسا على سائر الدعاوي أنها لا تقبل ممن يدعيها. أجبناه بأن هذا أصل قائم
стр. 926
بنفسه، ومن يتحقق مصيره للآخرة وأشرف على الموت فلا يتهم في إراقة دم مسلم ظلما. وغلبة الظن في هذا تُنزّل منزلة غلبة الظن في الشاهد لكن لو ادعى قتل الخطأ حتى صار إنما يدّعي مالا لكان الأصح من القَوْلَيْن عندنا أنه لا يُقْسَم مع دعواه، كيف وأصل القسامة فيه اضطراب، وكان شيوخنا المحققون يضعّفونها.
وقد نبَّهناك على ما وقع في الحديث من الاضطراب وَوُجود القتيل في المحلة ليس بلوث عندنا خلافا لمن رآه لوثا تعلقا بظاهر الحديث لكن قد يظهر من القرائن عندنا ما يقوم مقام الشاهد، كرجل وُجِدَ قائما على القتيل بيده آلة القتل وهو متخضب (٤٤) بدمه على هيئة القاتل، فهذا يكون عندنا لوثا.
قال ابن مسعدة: قلت للنسائي: مالك لا يقول بالقسامة إلا بلوث، وهذا الحديث لَا لوثَ فيه فَلِمَ قال به؟ فقال النسائي: في الحديث (٤٥) ذكر العداوة بينهم وبين اليهود، فأنزل مالك اللَّوث أو قول الميت بمنزلة العداوة.
وعندي أنَّ الأظهرَ في الجواب أن يقال: قد سلّمنا أن القرائن تقوم مقام الشاهد فقد يكون قام من القرائن ما دل على أن اليهود قتلوه وإن جهل عين القاتل. ومثل هذا لا يبعد إثباته لوثا وإجراءَ حكم القسامة فيه.
٧٣٩ - خرّج مسلم هذا الحديث: "عن ابن نمير قال: حدثني أبي قال نا سعيد بن عبيد "قال نا بُشير بن يسار" الحديث (ص ١٢٩٤).
قال بعضهم: وقع في نسخة أبي العلاء بَدَل: "سعيد بن عبيد سعْد
стр. 927
ابن عبيد") (٤٦) بسكون العين. (والمحفوظ فيه "سعيد" بكسر العين) (٤٧) وياء بعدها.
٧٤٠ - وقوله ﵇: "كَبِّرْ" (ص ١٢٩٤).
معناه أن يبدأ بالأكبر. ومنه حديث أبي الزبير: "دعا بالكُبْر فنظروا إليه"، أي بالمشائخ.
وقول سهل: "لقد ركضتني منها فَرِيضَةٌ من تلك الفرائض" (ص ١٢٩٤).
الفريضة هنا: الناقة الهَرِمة، وهي أيضاً الفريض والفارض والفارضة، وقد فَرَضَتْ تَفْرُضُ بفتح الراء في الماضي وضمها في المستقبل ويجوز كسرها في المستقبل أيضاً.
٧٤١ - وقوله: "فَوُجِدَ فِي شَرَبَةٍ" (ص ١٢٩٣).
هو حوض يكون في أصل النخلة، وجمعه شَرَبٌ بفتح الشين والراء.
٧٤٢ - وقوله: "مِن جَهْدٍ أصَابَهُمْ" (ص ١٢٩٤).
الجَهْد بفتح الجيم: الشدة والمشقة، والجُهْد بضم الجيم: غاية الطاقة والمقدُرة وقد يفتح الجيم أيضاً.
٧٤٣ - وقوله: في عَيْنٍ أوْ فَقِيرٍ" (ص ١٢٩٤).
الفقير: البئر القريبة (٤٨) القعر الواسعة الفم.
стр. 928
٧٤٤ - قوله في حديث: "العُرَنيِّينَ فَقَطع أيْدِيَهُمْ وَأرْجُلَهُمْ وَسَمَر (٤٩) أعْيُنَهُمْ" (ص ١٢٩٦).
قال الشيخ: اختلف الناس في المحاربين وفي المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٥٠)، فقال بعض الناس: إنّها نزلت في العرنيين، وقال بعضهم في المرتدّين، وقال بعضهم في الكفار: إذا نَقضوا العهد وحاربوا، وتعلّق هؤلاء بأن المحاربة لله ورسوله لا تكون مع الإِيمان، وقال آخرون في المسلمين لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٥١) والكافر إذا أسلم قُبِل منه إسلامه قَبْل القدرة عليه وبعدها.
ومذهبنا أن الإِمام مخيّر في حدّ المحارب ما لم يَقتل، فإن قتل فلا بد من قتله في المشهور عندنا. ومذهب الشّافعي أنه على الترتيب إن قتل ولم يأخذ مالا قتل، وإن أخذ المال وقد قَتَل قُتِل وَصُلِبَ، وإن أخذ المال ولم يقتل قُطِع. والحبس والنفي فيمن لم يبلغ جرمه إلى أن يستحق ذلك. واستدل أصحابه بأن تأثيره في الضّرر يختلف فلا تكون عقوبة الإِجرام المختلفة متساوية.
واختلف الناس وأصحابنا في المحاربة في المِصْر: هل حكمها حكم المحارب في غير المِصْر أم لا؟ فالمشهور عندنا وبه قال الشافعي أنّهما شيئان (٥٢). وفرق بينهما بعض أصحابنا وهو مذهب أبي حنيفة. وقد تقدّم الكلام على تفسير قوله: "فَاجْتَوَوْا المدينة" ومعناه: كرهوها لسقم أصَابهم أخذ من الجوى وهو دَاء.
стр. 929
وقوله: "سَمَرَ أعْيُنَهُمْ".
يروى "سمر" بالراء، وسمل باللام، فمعنى سمرها كحلها بمسامير محماة (٥٣)، ومعنى سملها فقأها بشَوْكٍ أو غيره. قال أبو ذؤيب: [الكامل]
وَالْعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأنَّ حِدَاقَهَا ... سُمِلَتْ بشَوْكٍ فَهْيَ عُور تَدْمَعُ
واللِّقَاحُ المذكورة في الحديث جمع لَقْحة وهي الناقة ذات الدَّرِّ.
٧٤٥ - وقوله: "وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ" (ص ١٢٩٨).
قال أهل اللغة: الحَسْم كَيّ العرق بالنار لينقطع الدَّم. ومنه الحديث: "أتي بِسَارِقم فقال: اقْطَعُوهُ ثُمَّ احسموه"، أي اقطعوا عنه الدم بالكي.
قال الشيخ -وفقه الله-: وقوله "وقد وقع بالمدينة المُوم" (٥٤)، وهو البرسام، ووقع في حواشي بعض النسخ (٥٥) من كتاب مسلم: الحُمَّى. ورأيت لبعض الأطباء أن أصل هذه التسمية في لغة اليونانيين أن السام اسم للوَرم والبرْ اسْمٌ للصدر والشّرُ (٥٦) اسم للرأس وشأنهم أبدا في الإِضافة عكس ما عند العرب من أنهم يقدمون المضاف إليه، فيكون مثال كلامهم أن يقولوا: زيد ثوب، يريدون: ثوب زيد، فكأنهم يقولون: إذا كان الورم في الرأس (رأس ورم، وإذا كان في الصدر قالوا: صَدرُ وَرَمٍ فتكون صيغة النطق لما في الرأس الشرسام) (٥٧)، ولما في الصدر البرسام. وقلّ من
стр. 930
رأيتَ من الأطباء يُحَقِّق الفرق بين هذه الألفاظ. ورأيت في كتب بعضهم: ربما كان الشرسام عن البرسام يريدون ربما كان ورم الرأس عن ورم الصدر.
٧٤٦ - قوله: "إن يَهُوديّا قتل جارية على أوضاح لها بحجر فسألها النبيء ﷺ : أقتلك فُلان؟ فأشارت برأسها أن لا (٥٨) وقالت في الثالثة: نعم، وأشارت برأسها " الحديث. وفيه: "فقتله ﷺ بَيْن حجرين"، (وفي بعض طرقه: "فرضخ رأسه بين حجرين") (٥٩). وفي بعض طرقه: "فأمر به أن يرجم حتى يموت" (ص ١٢٩٩).
قال الشيخ: هذا الحديث فيه الرد على من أنكر القصاص بغير الحديدة. وفيه دلالة على قتل الرجل بالمرأة خلافا لمن شذّ فقال: لا يقتل الرجل بالمرأة، هكذا استدل به بعضهم. وإنما قتله ﷺ لأنه أقرّ. وهكذا ذكره مسلم في بعض طرقه: "فأخذ اليهودي فأقر". وأما رجمه بالحجارة فلعله رأى ﷺ أنه لما قتل بالحجارة وجب قتله بِهَا ورأى أنّ رجمه بها جهة الرأس رضْخ، والأوضاح هي (٦٠) حلي الفضة. قَالَهُ أبو عبيد وذكر في موضع آخر بدل الأوضاح الحلي. وقد بين في بعض طرقه: أن الجاريةَ من الأنصار.
٧٤٧ - قوله: "في الَّذِي عَضَّ يَدَ صَاحِبهِ فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فقال ﷺ : أيَعَضُّ أحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ" (ص ١٣٠٠).
قال الشيخ: اختلف الناس في المَعْضُوض إذا جَبَذَ يده فسقطت أسنانُ العاضِّ فالمشهور عندنا أنه ضامن. وقال بعض أصحابنا: لا ضمان عليه.
стр. 931
وبالتضمين قال الشافعي، وبإسقاطه قال أبو حنيفة. وقال بعض المحققين من شيوخنا: إنّما ضمَّنَه من ضمَّنَهُ من أصحابِنا لأنه يمكنه النزع بالرفق حتى لا تنْقلع أسنان العاضّ، فإذا زاد على ذلك صار متعديا في الزيادة فضمِن.
وحمَلوا الحديث على من لم يمكنه النزع إلا بذلك الذي أدى لِسقوط الأسنان. وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت متحركة فسَقَطت عقيب النزع. وهذا التأويل بعيد من ظاهر الحديث.
وكذلك اختلف الناسُ أيضاً في الجَمَلِ إذا سأل على رجل فدفعَهُ عن نفسه فقتله هل يضمن أم لا؟ وبِنَفْي التضمين قلنا نحن (٦١) والشافعي، وبإثباته قال أبو حنيفة. والحجة لنفي التضمين أنه مأمور بالدفع عن نفسه ومن فعل ما أمر به لم يكن متعديا ومن ليس بمتعد فلا يضمن في مثل هذا، وقياسا على ما لو قتل عبدًا في مدافعته إياه عن نفسه. ومن أثبت الضمان رأى أنه أحْيَا نفسه بإتلاف مال غيره، فأشبه من اضطُرَّ لطعام غيره فأكل منه خوف الموت فإنه يضمن.
والفرق عندنا بين السؤالين أن الأكلَ لطعام غيره ابتدأه (٦٢) من قبل نفسه ولا جناية من رب الطعام ولا من الطعام عليه فلهذا ضمِن. وفي الجمل لم تكن البداية منه بل بسبب الجناية عليه فلهذا لم يضمن. وأيضاً فإن الطعام ينوب غيره منابه في إحياء نفسه فكأن الضرورة فيه لا تتحقق فصار كمن أكل اختيارًا. ولا مندوحة له في الجمل ولا تنْفَعُهُ مُدَافعة غير ذلك الجمل ولا تنجيه فتحققت (٦٣) الضرورة، فهذان فرقان بينهما.
ومن هذا المعنى سؤال ثالث وهوَ لو رمى إنسان أحدا ينظر إليه في بيته
стр. 932
فأصاب عينه فاختلف أصحابنا أيضاً في ذلك، فالأكثر منهم على إثبات الضمان، والأقل منهم على نفي الضمان، وبالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي.
فأما نفي الضمان فلقوله ﷺ : "لو أنَّ اِمْرَأَ اطَّلَعَ عَلَيْكَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ فَخَذَفْتَهُ (٦٤) بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جُناح". وأما إثبات الضمان فلأنه لو نظر إنسان إلى عورة إنسان آخر بغَير إذنه لم يُستبح بذلك فَقْأ عينهِ، فالنظر إلى الإِنسان في بيته أولى أن لا يُستباح به ذلك. وَمَحْمَلُ الحديث عندهم على أنه رماه لينبّهه على أنه فطن به أو ليدفعه عن ذلك غير قاصد لفقء عينه فانفقأت عينه خطأ فالجناح منتفٍ عنه وهو الذي نفي في الحديث. وأما الدية فلا ذكر لها.
٧٤٨ - قوله ﷺ : "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلَاّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لأنَّهُ كَانَ أوَّلَ مَنْ سَنَّ القَتْلَ" (ص ١٣٠٣).
الكِفل -بكسر الكاف-: الجزء والنصيب، ومنه قول الله تعالى: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (٦٥).
قال الشيخ: هذا الحديث أصل في أن المعونة على ما لا يحل لا تحل، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٦٦). وقد جعل الدال على الخير كفاعله (وهكذا الدال على الشر كفاعله) (٦٧). ولعل القتل إنما كان في الناس على جهة التعليم فأخذه واحد عن واحد عن آخر (٦٨) حتى ينتهى إلى ابن آدم الأول. وهكذا التعليم في البدع
стр. 933
والضلالات يكون على معلمهَا الأول كفل منها. وهكذا على قياسه يكون للمعلّم الأول للهدى والحقائق نصيب من الأجر.
٧٤٩ - قوله ﷺ : "إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السمَاوَاتِ وَالأرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ" (ص ١٣٠٥).
قال الشيخ: تَأويل قوله: "إن الزّمان قد استدار كهيئته" أنهم كانوا تَمَسَّكُوا بملّة إبراهيم ﵇ في تحريم الأشْهُرِ الحُرُمِ. وكانوا ينسئون الشهر الحرام إلى الذي يليه إذا احتاجوا إلى القتال فيه وينتقلون هكذا من شهر إلى آخر حتى اختلط الأمر عليهم فصادفت حَجّة النبيء ﷺ تحريمهم قد طابق الشّرع، وكانوا في تلك السنة حرّموا ذا الحجة بالاتفاق على الحساب الذي قلناه فأخبر ﷺ أن الاستدارة صادفت ما حكم الله سبحانه به (٦٩) يوم خلق السماواتِ والأرض. وقيل: كانت العرب تحُجّ عامين في ذي القعدة وعامين في ذي الحجة فصادفت حجة أبي بكر ذا القعدة من السنة الثانية وصادفت حجة النبيء ﷺ ذا الحجة، فلهذا أشار ﷺ بالاستدارة.
وذكر أبو عبيد أنهم كانوا ينسئون، أي يُؤخرون وهو الذي قال الله : ﴿إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَة في الكُفْرِ﴾ (٧٠) فربما احتاجوا إلى الحرب في المحرّم فيؤخّرون تحريمه لصفر ثم يحتاجون لتأخير صفر إلى ربيع هكذا شهر بعد شهر فقام الإِسلام، وقد رجع المحرّم إلى موضعه فقال ﷺ ماقال.
قال: وزعم بعض الناس أنهم كانوا يستحلّون المحرّم عاما يردّونه من قابِلٍ إلى تحريمه.
стр. 934
قال (٧١): والتفسير الأول أحب إليّ لانه ليس في هذا استدارة.
قال الشيخ: وقد وقفت للخوارزمي على تأويل لهذا الحديث غره فيه ما قد سبق إليه من علم التنجيم فقال: إن الله سبحانه أول ما خلق الشّمس أجراها في أول برج الحَمَلِ. (وكان الزمان الذي أشار إليه النبيء ﷺ صادف حلول الشمس الحمل) (٧٢). ولما وقفت على قوله هذا (٧٣) دعا ذلك لتعديل هذا اليوم فعُدِلَ لاختبار ما قال فلم يوجد كما زعم. وَوُجدَتْ الشمس يوم التاسع من ذي الحِجّة سنة عشرٍ قد قَطَعَت من برج الحوَت نحو عشرين درجة لكن أظنها كانت في مثل هذا اليوم سنة تسعٍ في أول الحَمَلِ. وأُرَاه من هذه الجهة غَلِطَ لو كان الأصلُ الذي ذهب إليه صحيحا لكنه لم يقله أحد من علماء الشرع.
٧٥٠ - قوله في الحديث: "وَرَجَبُ مُضَرَ " (ص ١٣٠٥).
قيل: إن ربيعة كانت تجعل رجبا رمضان، ومُضَرُ تُبَقّيه على حاله، فلهذا أضافهُ إليهم. وقيل: لأنهم كانوا يُعظّمونه أكثر من غيرِهم. وأكد هذا بقوله: "الذي بين جمادى وشعبان" زيادةً في البيان وتحرُّزا من تنقّله بالنسيء حتى كان يسمى باسمه غيرُه.
٧٥١ - قوله: "ثم انْكَفَأ إلى كبشين أمْلَحَيْنِ " (ص ١٣٠٦).
الانفكاء: الانقلاب. يقال: انكفأ إلى كذا، أي انقلب إليه. وَمَال نحوه وانكفأَ لونه، أي تغير وزال عن حاله ومال إلى حالة أخرى. قال الكِسائِيّ: الأملح هو (٧٤) الذي فيه بياض وسواد والبياض أكثر.
стр. 935
٧٥٢ - قوله: "في الَّذِي ضَرَبَ صَاحِبَهُ بِاْلفَأسِ فَقَتَلَهُ فَرَمَى إلَى أخِي الْمَقْتُولِ بِنسْعَتِهِ فَقَالَ دُونَكَ صَاحِبَكَ، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُل فَلَمَّا وَلَّى قال النَّبِيءُ ﷺ : إن قَتَلَهُ فَهْوَ مثلُهُ فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله بَلَغَنِي أنَكَ قُلْتَ: إن قَتَلَهُ فَهْوَ مِثْلُهُ وَأخَذْتُهُ بِأمْرِكَ، فَقَالَ ﷺ : أمَا تُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِكَ وَإثْمِ صَاحِبِكَ" (ص ١٣٠٧).
قال الشيخ: أما قوله ﷺ : "إن قتله فهو مثلُه" فإن أمثَلَ ما قيل فيه: إنهما استويا بانتفاء التباعة عن القاتل بالقِصاص.
وأما قوله ﵇: "أما تريد أن تبوء بإثمك وإثم صاحبك" فيمكن أن يريد أنه يتحمل إثم المقتول وإثم أخيه وليُّ الدم لأجل جنايته عليهما بقتل هذا وفجعهِ هذَا بأخيه، ويكون هذا قد أُوحِيَ إليه به في هذا الرجل. ويمكن أن يريد أنه بَاءَ بإثم القتل وأضافه إليهما وإن كان في الحقيقة هو إثم القاتل لأنهما كالسّببين (٧٥) في تأثيمه لما أدخل عليهما (٧٦) من المصاب. وفي الكتاب العزيز: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ (٧٧) فجعله رسولاً لهم لاختصاصهم به وهو في الحقيقة رسول الله.
وفي كتاب أبي داود: "أرْسِلْهُ فَيَبُوءَ بِإثم صَاحِبِهِ وإثمه" وفي بعض طرقه: "أمَا إنّك، إن عفوتَ عنه فإنه يَبُوءُ بإثمِهِ وإثم صَاحِبك"، فقيل: المراد بأحد الإِثمين ما على القاتِلِ من الآثام من غير قتل فكَأنه مطالَب بها مع الإِثم الثاني الذي هو إثم القتل، ولو قُتِل لكفّرت عنه الآثام.
وقد ذكر أبو داود: "أن القاتل ذَكَر أنه ما أراد قتلُه وأن النبيءَ ﵇ قال: إن قَتَلَه فهو مثله". وهذا قد يُشير إلى أن المراد بقوله
стр. 936
"فهو مثله" أن القصاص يكون ظلما وعُدْوانا إذا علم الوليُّ صدقه ولكن لا يصح هذا التأويلُ مع الاقتصار على مجرَّد قوله "أن قتله فهو مثله".
٧٥٣ - قوله: "في الجَنِينِ غُرة عبدٍ أو أمةٍ" الحديث (ص ١٣٠٩).
قال الشيخ: تقدَّم الكلام على وجه استواء ديّة الأجنّة الذكر والأنثى وأنْ ذلك قطع للخِصام لأنه (٧٨) ممّا يَخفى فيكثر فيه التنازع. وقد قال بعض الناس: إن العبد الذي يَقضي به أبيض لذكره الغُرة، وديّته عندنا عُشُر ديّة أمَّه. وقيمة الغرة عندنا مقدرة بعشر دية الأم، وتورث على فرائض الله سبحانه. وقد قيل: أن ذلك كعضو من أعضائها فإذا قُضِي بالدّية أخذَتْها وحدها كما تأخذ دية سائر أعضائِها. وقيل: ليس ذلك كعضو من أعضائها فلا تنفرد بديته بل يشاركها الأب.
٧٥٤ - وقوله: "في المرأة قضِي بميراث المرأة لِبَنيهَا وزوجها وجُعِلَ العقل على عَصَبَتِهَا " (ص ١٣٠٩).
استدل به من يرى أن الابن لا يعقل عن أمّه وهي مسألة اختلاف بين الناس.
٧٥٥ - وأما قوله: "ومثل ذلك يُطَلّ" (٧٩) (ص ١٣١٠).
فيروى بالباء من البُطلَانِ. ويروى بالياء معجمة باثنتين تحتها من قوله: طُلَّ دمُه، أي هُدِرَ.
٧٥٦ - وأما قوله ﷺ : "أسَجْعٌ كَسَجْعِ العَرَبِ؟ " (ص ١٣١٠).
قيل: إنّما ذَمَّهُ لأن هذا السجع قيل في مقابلة حكم الله سبحانه كالمُسْتَبْعِدِ
стр. 937
لَهُ، ولا شك أن كل ما عورضت به النبوءة مذموم إذَا كان القصد به ردّ الحكم وإلّا فقد سَجَّع (٨٠) النبيء ﷺ في مواضعَ.
٧٥٧ - قوله: "في إملاص (٨١) المرأة" (ص ١٣١١).
إملاصها بالجنين هو أن تزلقه قبل وَقْت الوِلَادَة وكلُّ مَا زَلِقَ مِنْ يَدٍ فَقَدْ مَلِصَ يَمْلَصُ مَلْصًا. وقال أبو العبّاس: ومنه حديث الدجّال: "فأملَصَتْ به أمّه" أي أزلقته. يقال أملصت (٨٢) وأزلقت وأسْهَلَت به وحطأت به بمعنًى واحِدٍ.
стр. 938
٢٠ - من كتاب السَّرقة (١)
٧٥٨ - قوله: "لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَاّ فِي رُبع دِينَار فَصَاعِدًا".
وَفِي طَريق آخر: "قُطِعَ سَارِقٌ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ". وفي طريق آخَرَ: "لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَيُقْطَعُ بهِ" (٢) (ص ١٣١٢ إلى ١٣١٤).
قال الشيخ: ورد القرآن أن يُقطع السارق وهو آخذ المال على جهة الاسْتِسراء. وشُرع ذلك صيانة للمال وينظر ها هنا في جنس المسروق وقدره وموضعه وسارقه.
فأما جنس المسروق فكل ما يُتملك وينتفع به ويُحرز ففيه القطع، فإن كان منا يحرز ولا يملك كالجَرّ الصغير ففيه خلاف، وإن كان ممّا لا يبقى كالفواكه الرطبة فيقطع عندنا خلافا لأبي حنيفة.
وأما مبلغه فاختلف الناس فيه؛ فمنهم من يقطع في القليل والكثير، وهو
стр. 939
مذهب أهل الظاهر لعموم الآية ولم يخصوها بالأخبار. ومن الناس من قدَّر مبلغ القطع بالدرهمين، ومنهم من قدره بالثلاثة، ومنهم من قدره بالخمسة وقال: لا تُقطع الخمس (٣) إلا في الخمس، ومنهم من قدره بعشرة دراهم لما روي في بعض الطرق: "أن المجن كان ثمنه عشرة دراهم على عهد النبيء ﷺ .
وأما قوله: "لَعَن الله السارقَ يسرِق البيضةَ فتُقطع يدُه".
فمن الناس من يتأوله على بيضة الحديد، ويرى أنها تساوي ثلاثة دراهم، ومنهم من يحمله على قصد المبالغة والتنبيه على عظيم ما خسر وهي يده وحقير ما حصل مثل البيضة والحبل. وأراد جنس البيض وجنس الحبال.
وأما موضع السرقة فالحِرز معتبر وقد اضطربت الروايات في الحِرز اضطرابا كثيرا. والنكتة فيه أن كل ما كان حِرْزًا في العادة وقُصِدَ إلى التحرّز به ففيه يَجِب القطع.
والاختلاف إلى هذا يرجع فطائِفَة تُقدّر حُصُولَ هذا الوصفِ في الشّيء فتَقطَعُ (٤)، وطائفة أخرى تراه لم يَحْصُل (٥) فلا تقطع.
وأما السارق فأن لا تكون له شبهة في المال كالأب ومن في معناه.
هذه عقود هذا الباب، وفروعُهُ تتّسع.
٧٥٩ - قوله في المخزومية: "كانت تستعير المتاع وتجحَدُه فأمر ﷺ بقطع يدها" (ص ١٣١٦).
стр. 940
قال الشيخ: مَحْمَل ذكر العَارية ها هنا على قصد التعريف بالمرأة لا (٦) على أنّ القطع لسبب ذلك. وقد تقدم أنّها سَرَقَتْ، هكذا تأوله أهل العلم.
стр. 941
٢١ - من كتاب الزّنَى (١)
٧٦٠ - قول ﷺ : "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مَائَةٍ وَتَغْرِيبُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بالثَّيِّب جَلْدُ مائَة وَالرَّجْمُ " (ص ١٣١٦).
قال الشيخ: أما الزاني المحْصَن فإنه يرجم. واختلف الناس هل يضرب مع الرجم، فقال جمهور الفقهاء (٢): لا جلد عليه لقول النبيء ﷺ : "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأةِ الآخَرِ فَإنْ اعْتَرفت فارْجُمْهَا" ولم يقل: فاجلِدْهَا, ولغير ذلك من الأحاديث الدال ظاهرها على سقوط الجلد. وقال بعضهم بإثبات الجَلد مع الرّجم بهذا الحديث. وقد يكون عند الأولين منسوخًا لأجل الظواهر التي تمسَّكوا بها.
٧٦١ - قول عمر ﵁: "فَالرَّجْمُ إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ أوْ كَانَ الحَمْلُ أوْ الاعْتِرَافُ" (ص ١٣١٧).
стр. 942
قال الشيخ: أما ظهور الحملِ بالمرأة الّتي لا زوج لها فقالت: إني أُكرِهْت على الوطء ففي تصديقها خلافٌ بين الناس: هل تصدق وتَكُون شبهة يُدرأُ الحدُّ بِها، أو لَا تصدق لظاهر قول عمر هذا؟ ولأنَّ الحَبَل (٣) كالبيّنة فلا يسقط بدعواها.
٧٦٢ - قوله: "يَا رَسُولَ الله: إنَّي زَنَيْتُ فَأعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ أرْبَعَ مَرَّاتٍ" الحديث. وفيه: "فَلمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ هَرَبَ فَأدْرَكْنَاهُ بَالحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ" (ص ١٣١٨).
قال الشيخ: اختلف الناس في المقر بالزنا: هل يُرجم بإقراره مرة واحدة، لقوله: "فإن اعترفت فارجمها "، ولم يقيّد بعدد، ولأن القول الثاني في معنى الأول وهو مذهب مالك، أم لا يُرجم حتى يقرّ أربع مرات على ما قال بعض العلماء؟
واشترط بعضهم أن يكون في أربعة مجالس ولم يشترط ذلك بعضهم وتعلق هؤلاء في التقييد بهذا العدد بما وقع في هذا الحديث من ذكر أربع مرات وبغيره من الألفاظ التي وقعت في بعض طرقه وقياسا على عدد الشهود وأنه قد طَلَبَ في اللعان التكرير.
وقوله: "فلما أذلقَتْهُ الحِجَارَةُ".
يعني: "أصابته بحدها، وذلْق كل شيء حدّه. وقيل: الذلق السرعة، ومنه لسان ذَلِقٌ.
وقوله: "فأدْرَكْنَاهُ بَالحَرَّةِ فَرَجَمْنَاه".
قد اختلف الناس في المقر بالزنا إذا رجع عن إقراره لغير عذر: هل يقبل منه أم لا؟ فعندنا فيه قولان. وقد تعلق من لم يقبل رجوعَه بهذا الحديث،
стр. 943
وقد هرَب هذا وقتلوه بعد هروبه ولم يأُمرهم ﵇ بديته. وقد وقع في غير كتاب مسلم "هَلَاّ تَرَكْتُمُوهُ" وفي بعض طرقه في غير كتاب مسلم: "فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الحِجَارَةِ صَرَخَ بِنَا يَا قَوْمُ رُدُّونِي إلَى النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ قَوْمِي هُمْ قَتَلُونِي وَغَرَّونِي مِنْ نَفْسِي وَأخْبَرُونِي أن النَّبِي ﷺ غير قَاِتلِي فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَلَمَّا رَجَعْنَا إلَى النَّبيء ﷺ ، قال: فَهَلَاّ (٤) تَرَكْتُمُ الَّرجُلَ وَجِئْتُمُونِي بِهِ لِيَسْتَثْبِتَ رَسُولُ الله ﷺ منه فأما ترك حَدًّ فلا". وعند أبي داود: "ألَا تَرَكْتُمُوهُ حَتَّى أنظر في شأنه". وعنده: "هَلَاّ تركتموه فلعله يتوب فيتوب الله عليه". فقد صرح في بعض هذه الطرق أنه لا يترك الحد.
٧٦٣ - وقوله: "نَبِيبٌ كَنَبِيب التَّيْسِ يَمْنَحُ إحْدَاهُنَّ الكُثْبَةَ" (ص ١٣١٠).
له نبيب التَّيْسِ: صوته عند السَّفاد. ويمنحُ: يُعطي، والكُثبة: القليل من اللَّبن. قال أبو عبيد: وكذلك من غير اللَّبن، وكل ما جمعتَه من طعام أو غيره بعد أن يكون قليلا فهو كُثْبة، والجمع كُثَب، وقد كَثَبْتُه أكثُبُهُ، أيْ جَمَعْتُهُ.
٧٦٤ - وقوله: "فَرَمَيْنَاهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى سَكَتَ" (ص١٣٢٠).
يعني: مات. قال الشاعر: [الكامل]
ولَقَدْ شَفَى نَفسِي وَأبْرَأ دَاءَهَا ... أخْذُ الرَّجَالِ بحِلْقِهِ حَتَّى سَكَتْ
٧٦٥ - قوله: "أشَرِبَ خَمْرَاً؟ فَقَامَ (٥) رَجُل فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجدْ مِنْةُ ريح خَمْرٍ" (ص ١٣٢١).
قال بعض الناس: فيه دلالة عَلَى أنّ طلاق السكران لا يلزمه.
стр. 944
٧٦٦ - وقوله: "لَمَّا وَضَعَتِ العَامِرِيَّةُ، وَيُرْوَى الْغَامِدِيَّةُ (٦)، إذًا لَا نَرْجُمُهَا وندع ولدها صغيرا ليس له مَن يُرْضِعُهُ. فَقامَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فَقَال: إلىَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيءَ الله. قَالَ: فَرَجَمَهَا" (ص ١٣٢٢).
قال الشيخ -وفقه الله-: إذا كان (٧) لا يقبل غيرها ويُخشى عليه التلف إن رُجِمت يكون حالها حينئذ كحال الحامل في التأخير بل هذه أشد لأن حياة الولد مقطوع بها وحياته في البطن غير مقطوع بها. وقد قال بعض الشيوخ. لو كان في جيش المسلمين في أرض الحرب من زنى ويخاف إذَا رجم أن يهلك الجيش لأُخَّرَ حدّهُ قياسا على الحامل.
٧٦٧ - وقوله: "فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا" (ص ١٣٢٤).
قال الشيخ: مالك يَكْرَهُ صلاة الإِمام على من قُتل في حدّ، وإنما ذلك على جهة الودع، وقد ذكر ﷺ لعمر ها هنا وَجْه صلاته عليها.
وقوله "شُكْت" أي جمعت.
٧٦٨ - قال الشيخ: خرّج مسلم في هذا الحديث: "عن محمد ابن العلاء عن يحيى بن يعلى بن الحرث عن غَيْلان وهو ابن جامع، هكذا في نسخة أبي العلاء وغيره" (ص١٣٢١).
والصواب ما في نسخة الدّمشقي فإن فيها عن يحيى بن يعلى عن أبيه عن غيلان (فزاد في الإِسناد رجلاً. وكذلك خرَّجه أبو داودَ في كتاب السنن والنسائي في مصنفه من حديث يحيى بن يعلى عن أبيه عن غيلان) (٨) وهو الصواب.
стр. 945
وقد نبه عبد الغني على الساقط من هذا الإِسناد في. نسخة أبي العلاء.
ووقع في كتاب الزكاة من السُّنن لأبي دَاود: عثمان بن أبي شيبة نَا يحيى بن يعلى نا أبي نا غيلان عن جعفرٍ عن مُجاهد عن ابن عباس قال: لما نَزَلَتْ. ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية (٩). فهذا السند يَشهدُ بِصحّة ما تقدم. قال البخاري في تاريخه: يحيى بن يعلى سمع أباه وزائدة بن قدامة.
٧٦٩ - قوله: "إن ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذا فَزنَى بِامْرَأتِهِ ... " الحديث المشهور (ص ١٣٢٤).
قال الشيخ: أما قوله: "لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكتاب الله" يَحْتَمِل أن يكون المراد به قضية الله، والكتاب يكون بمعنى القضاء. ومن الناس من قال بأن الرَّجم مشار إليه في الكتاب بقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١٠).
وقد قال في الحديث المتقدم: "قد جعل الله لهنّ سبيلا" وذكر الرجم، وقيل: قد كان الرجم ممّا يُقرأ في القرآن، ثم نسخ وهو قوله: ﴿الشَّيْخ والشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَرْجُمُوهُمَا البَتَّةَ﴾ (١١).
وقولى: "فسألت أهل العلم" (ص ١٣٢٥).
ولم ينكر عليه فيه جواز الاستفتاء لِمَنْ كان مع النبيء ﷺ في مصرٍ واحدٍ وإن كان يَجُوز على غَيْر النبيء ﷺ من الخطإ والحيف عن الحق ما لا يجوز عليه. وهذا كالاقتصار على الظن مع القدْرة على اليقين. وقد يتعلّق به من أهل الأصول من يجيز استفتاء الفقيه وان كان هناك أفقه منه؛
стр. 946
وقد قال بعضهم: لِمَ لَمْ يحده للمرأة؟ وقد قال: فزنى بامْرَأتِهِ، وهذا لأنها اعترفت فرجمها.
والعَسِيف: الأجير، وجمعه عُسَفَاء نَحْو أجير وأُجراء وفقيه وفقهاء.
٧٧٠ - قوله في حديث اليهوديين: "إنّه ﷺ رَجَمَهُمَا" (ص١٣٢٦).
قال الشيخ: من الناس من يقول: إن إحصان الكافر يُعَدُّ إحصانا، ويتعلق بهذا الحديث, ومالك لا يراه إحصانا ويحمل هذا على أنه لم تكن له ذمة فكَان دمه مماحًا؛ ولكنه يُعترض على هذا عندي برجمه المرأة ولعلّه يقول كان هذا قبل النهي عن قتل النساء.
وأما قوله: "مُرَّ عليه بيهودي مُحَمَّمٍ" (ص ١٣٢٧).
فالمُحَمَّم المُسَوَّدُ الوجه، وهو مفعَّل من الحُمم، والحُمَمُ الفَحْم، واحدتها حُمَمَة.
٧٧١ - قوله: "إذَا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلا يُثَرِّب عَلَيْهَا" (ص ١٣٢٨).
قال الشيخ: فِيه حجة لنا في أنَّ السيَّد يُقيم على عبده الحدّ خلافا لمن منعه.
وأما قوله: "وَلَا يُثَرَّبْ (١٢) عَلَيْهَا".
فالتَّثريب التعيير والتوبيخ , ومعناه: لا يقتصر على اللّوم والتوبيخ خاصة ويظن ذلك مغنيا عن إقامة الحَدَّ
стр. 947
٧٧٢ - قَوْل علي ﵁: "أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الحَدَّ، مَنْ أحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنَ" (ص١٣٣٠).
قال الشيخ: هذا قولنا في إقامة الحد على الأمة وإن لم يكن لها زوج خلافا لمن أبى ذلك واعتقد أن من شرط حدّها إحصانها بالتزويج، وتأول قراءة من قرأ: ﴿أُحْصِنَّ﴾ (١٣) بفتحِ الهمزة والصاد على معنى التزويج. وقد تقدم الحديث المذكور فيه: "إذَا زنت فاجلدوها" ولم يفرق. وفي بعض طرقه: " (أنه ﷺ ) (١٤) سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال: إن زنت فاجلدوها".
٧٧٣ - قوله: "كَانَ النَّبيءُ ﷺ يَضْرِبُ فِي الخَمْرِ بالجَريدِ وَالنِّعَالِ أرْبَعِينَ. وذكر أنَّ عُمَرَ ﵁ ضَرَبَ بَعْدَهُ ثمانين" (ص ١٣٣١ - ١٣٣٢).
قال الشيخ: لو فهمت الصحابة عن النبيء ﷺ حدّا محدودا في الخمر لما أعملت فيه رأيها ولا خالفته كما لم تفعل ذلك (١٥) في سائر الحدود. ولعلهم فهموا أنه ﷺ فعل ذلك على موجب اجتهاده فيمن فعل ذلك فيه.
٧٧٤ - ذكر مسلم الحديث الذي فيه: "لَا يُجْلَدُ أحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أسْوَاطٍ إلاّ فِي حَدًّ مِنْ حُدُودِ الله" (ص ١٣٣٢).
قال الشيخ -وفقه الله-: هذا خلاف مذهب مالك ﵁ لأنه يجيز في العقوبات فوق هذا وفوق الحدود لأن عمر ضرب من نقش على خَاتمه آية، وضرب صَبيغًا أكثر من الحد. وقد أخذ ابن حنبل بظاهر الحديث فلم يزد في العقوبات على العشرة. وتأول أصحابنا الحدث على
стр. 948
أنه مقصور على زمن النبيء ﷺ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر.
وتأولوه أيضاً على أن المراد بقوله: "في حدّ من حدود الله"، أيْ حق من حقوقه وإن لم يكن من المعاصي المقدر حقوقها لأن المحرمات كلها من حدود الله. وقال أبو حنيفة: لا يبلغ في التعزير أربعين. وقاله الشافعي، وقال أيضاً: لا يبلغ عشرين لأنه أدنى في حدود العبد في الخمر. وقال بعضهم: لا يبلغ به ثمانين.
٧٧٥ - خرّج مسلم هذا الحديث من حديث سليمان بن يسار: "عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن أبي بردة الأنصاري" (ص ١٣٣٢).
قال بعضهم: هكذا روي عند ابن مَاهان بالدال المهملة وهو الصواب. ورويَ عن الرازي وغيره عن الجلودي عن أبي برزة بالزاي وهو خطأ. ويقال في اسم أبي بُردَة هذا: هانىء بن نيار الحارثي، ويقال: هو رجل آخر من الأنصار.
٧٧٦ - قوله ﷺ : "تُبَايعُونِي عَلَى أنْ لَا تُشْرِكُوِا بِالله شَيْئًا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تسْرِقُوا ولَا تقْتُلُوا النفْسَ الًّتِىٍ حَرَّمَ الله إلِاَّ بِالْحَقِّ فمَنْ وَفَى (١٦) مِنْكُمْ فَأجْرُهُ عَلَى الله وَمَنْ أصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فعُوقِبَ بِهِ فَهْوَ كَفَّارَة لَهُ وَمَنْ أصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ الله عَلَيْهِ فَأمْرُهُ إلَى الله إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإنْ شَاءَ عَذَّبَهُ " (ص ١٣٣٣).
قال الشيخ: هذا الحديث ردٌّ على من يكفّر بالذنوب وهُمُ الخوارِجُ، وردٌّ على من يقول: لا بد من عقاب الفاسق المِلِّي إذا مات على كبيرة ولم يتبْ مِنها، وهم المعتزلة, لأن النّبيء ﷺ ذكر هذه المعاصِيَ وأخبر أنْ أمر فاعلها إلى الله سبحانه إن شاء عفا عنه وإن شاء عذّبه ولم يقل: لا بدّ أن يُعَذّبَهُ.
стр. 949
وفيه تكفير الذنب بإقامة الحدّ، وقد قال في طريق بعد هذا الحديث فزاد فيه: "وَلَا نَنْتَهِبَ وَلَا نَعْصِيَ فَالْجَنَّةُ إنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ" (ص ١٣٣٣).
فتأمل تحرير نَقَلَةِ (١٧) الشريعة، وذلك أنَّه قال في الحديث الأول: "فمن وَفَى منكم فأجره على الله" ولم يقل: فالجنة. لأنه قد يعصي بغير هذه الذنوب كَشرب الخمر وأكل الربا وشهادة الزور. وقال في الحديث الآخر: "ولا ننتهبَ ولا نعصيَ" فعم سائر المعاصيَ، ولا شك أن من لا يعصي أصْلاً له الجنة.
٧٧٧ - قوله ﷺ : "العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ وَالبِئْرُ جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الركاز الخُمُس" (ص ١٣٣٤).
قال الشيخ -وفقه الله-: إنّما جاء الشرع بتضمين المتلف لنفس غيره أو ماله مباشرا أو كالسَّبب (١٨) في ذلك على شروط في كونه سببا يطول استقصاؤها ومن لم يباشره (١٩) ولا كان سببا فيه فلا يضمنه. وهذا أصل الشريعة سوى ما استثنته من هذا من تضمين العاقلة وإن لم تجْن ولا كانت سبب الجناية؛ والدابة إذا أصابت إنسانا ففعلها غير منسوب لمالكها فلا ضمان عليه، فإن كان راكبها أو سائقها أو قائدها ضمن على الجملة على تفصيل في ذلك لأن له في فعلها مشاركة لإِمكان أن يحيد بها أحد هؤلاء عن طريق الإِتلاف. وكذا البئر إذا استأجره لحفرها فانهارت عليه فلا ضمان على المستأجرِ وكذلك المَعدِنُ الذي (٢٠) يُعمل فيه. والعلة ما ذكرناه.
والركاز: دَفْنُ الجاهلية. وقد قدَّمنا في كتاب الزكاة لِمَ خُصّ بالخُمُس؟ وأشرنا إلى أن التعب كلما كثر خُفّف عن الإِنسان أمر الصدقة، ولهذا كان
стр. 950
في المعادن الزكاة إلَاّ أن يكون يُوجد فيها مئل النَّدرة فتخَمَّسُ لعدم التعب فيها.
"جُبار" معناه هَدرٌ.
والرِّكاز في اللغة أصله الثبات والدوام من قولهم: زَكَزَ الشَّيْءُ في الأرض إذا ثبت أصله؛ والكنز يُرْكَزُ في الأرض كما يُرْكَزُ الرُّمْح وغيره، وهو عند أهل الحجاز: المال المدفون خاصة مِمَّا كنزه أهل الجاهلية. وعند أهل العراق: المعادن وكل محتَمل في اللغة.