Полный текст (211 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
باب وُجُوه الحَجّ
الحجُّ علَى ثلاثة أَوْجُهٍ، الْإِفْرَاد، وهو اخْتِيَارُ مالكٍ والشافعيِّ. والْقِرَانُ، وهو مذهبُ أهلِ العراقِ. والتَّمَتُّعُ، وهو اخْتِيَارُ أهلِ مكةَ.
فأمَّا الْإِفْرَادُ، فأَنْ يقول: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ. لأنه أَفْرَدَها ولم يَقْرِنْ بها عُمْرَةً.
وأمَّا الْقِرَانُ، فأَنْ يقولَ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ مَعًا.
وأمَّا التَّمَتُّعُ، فأَنْ يُهِلَّ بالعُمْرَةِ في أَشْهُرِ الحجِّ، ثم يخرُج من عُمْرَتِه إلى الحَجِّ.
فإن اعْتَمَرَ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أقام حتى يَحُجَّ فليس بمُتَمَتِّعٍ، لأنه أتَى بالعُمْرَةِ في مَوْضِعِها الذي هو في الْأَصْلِ لها.
وأمَّا الْمِيقَاتُ، فمن الوَقْتِ، فمعنى الميقات: أي الوقتُ الذي يَلْزَمُه الْإِحْرَامُ منه إذا بلَغ أحدَ تلك المواضِعِ الْمُوَقّتَةِ.
стр. 107
باب أعمال الحَجّ
فأوَّلُ ذلك النِّيَّةُ، وقد فَسَّرْناها في كتابِ الطهارة.
وأمَّا الْإحْرام، فهو الدُّخُولُ في التَّحْرِيمِ، كان الرجلُ يُحَرِّمُ على نفسِه النِّكَاحَ، والطِّيبَ، وأشْياءَ مِن اللِّباسِ، فيُقال: أَحْرَمَ، أي: دخل في التَّحْرِيمِ، كما يُقال: أشْتَى: إذا دخل في الشتاء، وأَرْبَعَ: إذا دخَل في الرَّبيع.
وأمَّا الْإِهْلالُ بالحَجِّ، فرَفْعُ الصَّوْتِ بالتَّلْبِيَةِ، ومنه يُقال: أَهَلَّ الصَّبِيُّ، واسْتَهَلَّ: إذا بكَى أو صاحَ حين يَسْقُطُ إلى الأَرْضِ.
وأمَّا التَّلْبِيَةُ، فأَنْ يقول: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. ويكون التَّلْبِيَةُ مِن قَوْلِك: ألَبَّ بالمكانِ: إذا لَزِمَهُ، ومعنى لَبَّيْكَ: هأنا عَبْدُك، وأنا مُقِيمٌ عَلَى طاعتِك وأمْرِك، غيرُ خارجٍ عن ذلك، ولا شارِدٍ عليك.
ومعنَى التَّلْبِيَة في قَوْلِنا: لَبَّيْكَ. أي: إِلْبَابٌ بعدَ إلْبَابٍ، وإقامَةٌ بعدَ إقامةٍ، وطاعةٌ بعدَ طاعةٍ، كما قالُوا: حَنَانَيْكَ يا رَبَّنا، أي: هَبْ لنا رحمةً بعدَ رحمةٍ. والْإِلْبَابُ: اللُّزُومُ.
стр. 108
وقَوْلُ المُهِلِّ: لَبَّيْكَ إن الحمدَ والنِّعْمَةَ لك, فقد يُقال بالفتح، فمَعْناها: لَبَّيْكَ وبأنَّ الحمدَ، ولأنَّ الحمدَ لك. ومن كَسَرَ، فالمعنى الابْتِداء، كأنَّه قال: لَبَّيْكَ وأَتَمَّ الكلامَ، ثم قال: الحمدُ والنِّعْمَةُ لك. وهذا أَجْوَدُ الوَجْهَيْن، لأنه إذا فَتَح، فكأنه يجعلُ التَّلْبِيَةَ له لِعِلَّةِ أنَّ الحمدَ له، وإذا كَسَر، فمَعْناها أنَّ الحمدَ والنِّعْمَةَ لك علَى كلِّ حالٍ.
فإذا دخل مكةَ مِن ثَنِيَّةِ كَداءَ، وهي ثَنِيَّةٌ بمكة، وهو الذي يقولُه حَسَّانُ لأَهْلِ مكةَ:
عَدِمْتُ جِيَادَنا إنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ
فإذا أتَى البيتَ بَدَأَ طَوافَه بالاِسْتِلام، والاِسْتِلامُ مَسُّ الحَجَرِ، وإنَّما سُمِّيَ اسْتِلاَمًا لأن الحَجَرَ يُقال له: السِّلامُ. فهو افْتِعالٌ مِن مَسِّ السِّلامِ.
وأمَّا الاِضْطِبَاعُ للطَّوافِ، فهو أن تُدْخِلَ رِدَاءَكَ مِن تحتِ إبِطِكَ الْأَيْمَنِ، وتَرُدَّ طَرَفَهُ عَلَى يَسارِكَ، وتُبْدِيَ مَنْكِبَكَ الْأيْمَنَ وتُغَطِّي الْأَيْسَرَ، وإنَّما سُمِّيَ اضْطِبَاعًا لإبْدَائِكَ فيه ضَبُعَيْكَ، وهما عَضُدَاكَ.
وأمَّا الرَّمَلُ، فأن يَثِبَ عَلَى رِجْلَيْهِ وَثْبًا، وهو فوق المَشْي ودون العَدْوِ، وهو مِنْ رَمَلِ المَطَرِ، وهو أَخَفُّه.
وأمَّا الطَّوافُ، فَمِنْ طافُوا بفُلانٍ: إذا أحاطُوا به، كذلك الطَّائِفُ يمشي بجَنَباتِ البيتِ كُلِّها، يطُوفُ بها.
وأمَّا الصَّفَا، فالحَجَرُ الصَّلْدُ الْأَمْلَسُ.
стр. 109
وأمَّا المَرْوَةُ، فالحجارة الرِّخْوَةُ، وفي "المُجْمَل": هي الحجارة البِيضُ التي تَبْرُقُ، ومنها المَرْوَةُ بمَكَّةَ.
وأمَّا عَرَفَةُ، فيُقال: إنَّما سُمِّيَ عَرَفَات، لأنَّ جِبْريلَ، صَلَّى اللهُ عليه، لمَّا أَرَى إبراهيمَ خليلَ اللهِ المَناسِكَ، وبَلَغَ الشِّعْبَ الْأَوْسَطَ، الذي هو مَوْقِفُ الإِمام، قال له: عَرَفْتَ؟ فقال: نعم. فسُمِّيَ عَرَفَات.
وقال آخَرون: إنَّما سُمِّيَ عَرَفاتَ، لأنَّ آدمَ وحَوَّاءَ لَمَّا أُهْبِطَا تَعارَفا بعَرَفَاتَ، فسُمِّيَ بذلك.
وقال آخَرُون: إنَّما سُمِّيَ عَرَفاتَ، مِنْ قَوْلِكَ: عَرَّفْتُ المكانَ: إذا طَيَّبْتَهُ، فسُمِّيَ عَرَفَاتَ، لأنَّه أشرفُ تلك المواقِفِ وأطْيَبُها، قال اللهُ تعالى في ذِكْرِ الجَنَّةِ: (عَرَّفَها لهم). قال قومٌ: طَيَّبَها.
وأمَّا مُزْدَلِفَة: فسُمِّيَتْ بذلك مِن الزُّلْفَى، وهي القُرْبَةُ، يُقال: ازْدَلَفَ القومُ بعضُهم إلى بعضٍ: إذا تَقَارَبُوا، فسُمِّيَتْ المُزْدَلِفَة لاِقْتِرابِ الناسِ إلى مِنًى بعدَ الْإفاضةِ مِن عَرَفَاتَ.
وأمَّا الحجارةُ التي ذكَرها مِن مَرْوَة، فهي حِجارةٌ رِخْوَةٌ.
стр. 110
والكَذَّانُ: حِجَارَةٌ رِخْوَةٌ، كأنها المَدَرُ، يَحْسِبُها النَّاظِرُ إليها نَخِرَةً، واحدتُها كَذَّانَة. والفِهْرُ: كُلُّ حَجَرٍ مُحَدَّد.
فإذا أتَى مِنًى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وإنَّما سُمِّيَتْ مِنًى مِن قَوْلِك: مَنَى اللهُ الشيءَ: إذا قَدَّرَه، فسُمِّيَ مِنًى لِمَا قَدَّرَ اللهُ فيه مِن أن جَعَلَه مَشْعَرًا مِن مَشَاعِرَ.
وسُمِّيَت الجَمْرَةُ جَمْرَةً لاِجْتِماعِ الذي فيها مِن الْحَصَا، يُقال: اسْتَجْمَرُوا: إذا تَجَمَّعُوا.
وأمَّا التَّرْوِيَةُ، فيُقال: إنَّما سُمِّيَ بذلك، لأنَّهم كانوا يَرْتَوُون فيه مِن الماءِ لِمَا بَعْدُ.
وأمَّا الْإفَاضَةُ مِن عَرَفَاتَ، فَمِنْ: أفاضَ: إذا دَفَعَ وأوْضَعَ في مَسِيرِه، أي: جَدَّ. رَوَى النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، عن شُعْبَةَ، عن إسماعيلَ بنِ رَجاءٍ، عن المَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ، قال: رأيتُ عُمَرَ، ﵁، أفاضَ، فقال: يا أيُّها الناسُ أَوْضِعُوا، إنَّا وَجَدْنا الْإفاضةَ الْإيضَاعَ.
وأمَّا مَشَاعِرُ الحجِّ، فإنَّها هي المعالمُ مُتَعَبَّداتُ الحجِّ، وشَعائِرُ الحجِّ: أعْلامُه، واحدتُها: شَعِيرَةٌ وشَعارةٌ، وهو أحْسَنُ، والشَّعائِرُ: كلُّ ما كانَ مِن مَوْقِفٍ، أوْ مَشْعَرٍ، أوْ مَذْبَحٍ، وإنَّما قِيل: شَعائِرُ لكلِّ عَلَمٍ ممَّا يُتَعَبَّدُ به، لأنَّ قوْلَهم: شَعَرْتُ به، أي: عَلِمْتُه، فلهذا سُمِّيَتْ أعْلامُ الحجِّ شَعائِرَ.
стр. 111
وقَوْلُه: "ثم نحَر الهَدْيَ"، فالنَّحْرُ معروفٌ، وأمَّا الهَدْيُ، فمِن قَوْلِك: أهْدَيْتُ الهَدْيَ، وذلك سَوْقُكَ إيَّاه، كأنَّك تُرْشِدُه إلى مَنْحَرِهِ، وقد يكون مِن: أهْدَيْتُ أيضًا، ومِن هَدَيْتُ العَرُوسَ إلى بَعْلِها هِداءً والْقِياسُ في هذه الكلماتِ كلِّها، وإن اخْتَلَفَ بها اللَّفْظُ، واحِدٌ.
وأمَّا النُّسُك، فالذَّبْحُ، وإنَّما سُمِّيَ الحَجُّ الْمَناسِكَ لِظُهُورِ الذَّبْحِ فيه. وأمَّا يومُ النَّفْرِ، فإنَّما سُمِّيَ، لأنَّ الناسَ يَنْفِرُون فيه مِن مِنًى.
وأمَّا البُدْن، فجَمْعُ بَدَنَةٍ، وهي النَّاقَةُ، سُمِّيَتْ بَدَنَةً بالْعِظَمِ، إمَّا لِسِمَنِها، وإمَّا لِسِنِّها، لأنه لا يجوز أن يُساقَ منها الصِّغارُ، وإنَّما يُساقُ منها الثَّنِيَّاتُ الكِبارُ فما فوق، وكلما كان أَسَنَّ منها وأعْظَمَ، فهو أفْضَلُ، ويُقال للرجلِ المُسِنِّ: بَدَنٌ.
وأمَّا إشْعَارُ الهَدْيِ، فهو أنْ يَطْعَنَ في أسْنِمَتِها، وإنَّما سُمِّيَ إشْعارًا، لأنه يُجْعَلُ عَلامةً لها ودليلاً على أنها للهِ ، وكلُّ شيءٍ أعْلَمْتَهُ بعلامةٍ فقد أشْعَرْتَهُ، وكانوا يقولون إذا قُتِلَ خليفةٌ مِن الخُلَفاء: أُشْعِرَ الخليفةُ. ولا يقولون: قُتِل. كأنهم يُمَيِّزُونَهُ مِن سائِرِ الناسِ.
وسُمِّيَ المَوْسِم، لِتَوَسُّمِ الناسِ بعضِهم لبعضٍ.
والخَيْف، خَيْفُ الجَبَلِ، وهو جانبُه، وقومٌ قالوا: الخَيْفُ: ما ارْتَفَعَ عن مَسِيلِ الوادي. وهو ذاك المعنَى.
وأمَّا الإحْصارُ، فأصْلُه الحَبْسُ. وكان أهلُ اللغةِ يقولون: إذا حُبِسَ الرجلُ في السِّجْنِ فقد حُصِر، وكذلك: حَصَرَه العَدُوُّ.
стр. 112
وقالوا: الْإحْصارُ مِن مَرَضٍ، أو ذَهابِ نَفَقَةٍ. يُقال: أُحْصِرَ، وهو مُحْصَرٌ. قالوا: ومعنى قَوْلِه، (فإن أحصرتم)، أي: أصابكم شيءُ يكونُ سَبَبًا لِفَوْتِ الحَجِّ، كما تقول: أحْبَسْتُ الرجلَ: عَرَّضْتَه لِأنْ يُحْبَسَ.
وقال بعضُ أهلِ اللغةِ، وهو الْأجْوَدُ، إن شاءَ اللهُ، يُقال للذي يَمْنَعُهُ الخوفُ والمرضُ: أُحْصِرَ، وللمَحْبُوسِ: حُصِرَ.
وأمَّا الأيَّامُ المَعْلُومات، فهي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وآخرُها يومُ النَّحْرِ.
وأمَّا المَعْدُودات، فثلاثةُ أيَّامٍ بعدَ النَّحْرِ، وقال قومٌ: المعدودات ثلاثة أيامٍ بعدَ النَّحرِ، وأمَّا المَعْلُومات فهي يومُ النَّحْرِ ويومان بعدَ النَّحْرِ. ويُرْوَى هذا عن ابنِ عُمَرَ، وقد احْتَجَّ الْمُزَنِيُّ لِقَوْلِ الشافعيِّ بما فيه كِفَايَةٌ.
стр. 113
كتاب البيوع
قال اللهُ: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم). فالأَمْوالُ: جمعُ مالٍ، وسُمِّيَ مالاً، لأنه يَميلُ إليه الناسُ بالقلوبِ، والباطِلُ: كلُّ ما نَهَى اللهُ ورسولُه عنه من القِمارِ، وغير ذلك.
ثم قال: (إلا أن تكون تجارة).
وقال بعضُ أهلِ العِلْمِ: هذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، كأنه قال: لكنْ تجارة عن تَرَاضٍ منكم. قال: وذلك أنه لا يجوز اسْتِثْناءُ التِّجارةِ من الذي يُؤْكَلُ بالباطِلِ.
قُلْنا: والعربُ قد تَاتِي بما لَفْظُه الاسْتِثْناءُ، ولا يكونُ الثاني مِن الْأَوَّلِ، ذلك كثيرٌ.
والبَيْعُ، إعْطاءُ شيءٍ، بِلَفْظِ البَيْعِ، وقد يجُوزُ أن يُسَمَّى البَيْعُ شِراءً والشِّرَاءُ بَيْعًا، قال اللهُ : (وشَرَوْه بثمن بخس دراهم معدودة). معناه: بَاعُوه.
стр. 114
باب خيار المتبايعين
وأمَّا الْخِيَار، فَأَنْ يكونَ لكلِّ واحدٍ منهما الاخْتِيارُ في فَسْخِ البَيْعِ وإمْضائِهِ.
وأمَّا الفُرْقَةُ، فإنها تكون بالْكلامِ عندَ قَوْمٍ، والذي يذهبُ إليه الشافعيُّ أنَّ الفُرْقَةَ إنَّما هي بالأبْدان، وذلك أنه لمَّا كان الاجْتِماعُ عَلَى التَّساوُمِ إنَّما هو بالأبدان والكلام، كان الافْتِراقُ كذلك لا يكونُ إلاَّ بهما.
وأمَّا قَوْلُ الرجلِ: أعْمَرَكَ اللهُ، فإنَّما هو أبْقاكَ اللهُ. يُقال: أعْمَرَهُ اللهُ، يُعْمِرُهُ: إذا أَبْقاه، والعَمْرُ والعُمْرُ: البَقَاءُ.
стр. 115
باب الربا
أمَّا الرِّبَا، فهو من الزِّيادة. يُقال: رَبَا الشيءُ يَرْبُو.
والرِّبا عَلَى وَجْهَيْن: أحدُهما حلالٌ، والآخَرُ حَرامٌ، فأمَّا الحلال، فأن يَهَبَ الرجلُ لصاحِبِه هِبَةً عَلَى ثَوابٍ، يطلُبُ أكْثَرَ ممَّا أعْطَى. فهذا جائزٌ وإن كان مَذْمُومًا، قال الله: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله).
وأمَّا الرِّبَا الآخَرُ، فالذي نَهَى اللهُ عنه، وهو الذي فَسَّرَه النبيُّ ﵇.
стр. 116
وأمَّا قَوْلُه ﵇: "مَنْ باعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُها لِلْبَائِعِ إلاَّ أنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ". فالْإبَارُ: تَلْقِيحُ النَّخْلِ، يُقال: أَبَّرْتُ النَّخْلَةَ، وهي نَخْلَةٌ مَابُورَةٌ، قال الشاعر:
وَلِيَ الْأصْلُ الذي في مِثْلِه ... يُصْلِحُ الآبِرُ زَرْعَ الْمُؤْتَبِرْ
стр. 117
باب المزابنة والمحاقلة
رَوَى ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، قال: نَهَى النبيُّ ﵇ عن الْمُزَابَنَةِ والْمُحاقَلةِ. فحدَّثني القَطَّانُ، عن المُفَسِّرِ، عن القُتَيْبِيِّ، قال: بَيْعُ المُزَابَنَةِ: هو بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ في رُؤُوسِها بالتَّمْرِ كَيْلاً، وبَيْعُ العِنَبِ علَى الكَرْمِ بالزَّبِيبِ كَيْلاً.
قال: وأخبرنا شيخٌ مِن أصحابِ اللُّغَةِ أنَّها سُمِّيَتْ مُزَابَنَةً، لأن
стр. 118
المُتَبَايِعَيْنِ إذا وَقَفَا فيه عَلَى الغَبْنِ أراد المَغْبُونُ أن يَفْسَخَ البَيْعَ، وأراد الْغابِنُ أن يُمْضِيَهُ، فَتَزَابَنا، أي: تَدَافَعَا، واخْتَصَمَا. والزَّبْنُ: الدَّفْعُ، يُقال: زَبَنَتْهُ النَّاقَةُ: إذا دَفَعَتْهُ بِرِجْلِها، فَسُمِّيَ هذا الضَّرْبُ مِن البَيْعِ مُزَابَنَةً، لأنَّ المُزَابَنةَ: هي التَّدَافُعُ.
وروَى الْقُتَيْبِيُّ، عن مالكٍ، أنه قال: المُزَابَنَةُ كلُّ شَيْءِ مِن الْجُزافِ الذي لا يُعْلَمُ كَيْلُه ولا وَزْنُه ولا عَدَدُه أُبِيعَ بمَعْلُومٍ مِن جِنْسِه. قُلْنا: وإنَّما سُمِّيَتْ الزَّبَانِيَةُ، لأنهم يَدْفَعُون أهلَ النَّارِ إليها.
وأمَّا المُحاقَلَةُ، فبَيْعُ الزَّرْعِ بالحِنْطَةِ. وكان يُقال: اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ بالحِنْطَةِ.
وقال قومٌ: هي المُزَارَعةُ بالرُّبُعِ والثُّلُثِ وأَقَلَّ مِن ذلك وأكْثَرَ.
والقَوْلُ هو الْأوَّلُ، لأنه مُفَسَّرٌ في الحديثِ الذي رَوَيْنَاهُ عن جابرٍ، أنه قال: الْمُحاقَلَةُ أن يَبِيعَ الرجلُ الزَّرْعَ بمائة فَرَقٍ مِن حِنْطَةٍ. وكلُّ ذلك مَاخُوذٌ مِنَ الحَقْلِ، والحَقْلُ: هو القَرَاحُ، ويُقال لِلْأَقْرِحَةِ: الْمَحاقِل، وفي أمْثالِ العربِ: لا تُنْبِتُ الْبَقْلَةَ إلاَّ الْحَقْلَةُ.
стр. 119
باب العرايا
رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النبيَّ ﵇، رَخَّصَ في بَيْعِ الْعَرَايَا فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ.
ثم ذكَر في الباب، أن محمودَ بنَ لبِيدٍ سأل زيدَ بنَ ثابتٍ أو غيرَه: ما عَرَاياكُمْ هذه؟ قال: فسمَّى رجالاً مُحْتاجِينَ مِن الْأنْصارِ شَكَوْا إلى النبيِّ ﵇، أنَّ الرُّطَبَ يَأتِي ولا نَقْدَ بأيْديهم يَبْتَاعُون به رُطَبًا يَأكُلُونَه مع الناسِ، وعندَهم فُضولُ قُوتِهم. فرَخَّصَ لهم النبيُّ عليه
стр. 120
السَّلامُ أن يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِها مِن الثَّمَرِ الذي في أيْدِيهم يَأكُلونَها رُطَبًا، فهذا الذي ذكَره الشافعيُّ مِن العَرِيَّةِ وتَفْسِيرِها في الحديثِ.
وأصْلُ العَرِيَّةِ: أن يُعَرِّيَ نَخَلاتٍ مِن جُمْلَةِ نَخْلٍ كَثِيرٍ، إمَّا بِهِبَةِ ثَمَرٍ، وإمَّا بإخْرَاجِها مِن جُمْلَةِ ما وقَع عليه السَّوْمُ، وذلك أنَّ الرجلَ يُعَرِّي للرجلِ شيئًا مِن نخِيلِهِ يأكلُ ثَمَرَهُ عَامَهُن وقد يَبِيعُ حائِطَهُ، ويَتْرُكُ شيئاً منه لِمَعْنًى، فذلك كُلُّه إعْرَاءٌ.
فأمَّا ما ذكره الشافعيُّ مِن أنَّهم كانُوا يُريدون أن يَأكُلُوا رُطَبًا مع جَمِيعِ الناسِ، فحدَّثَنا عليُّ بن إبراهيم القَطَّانُ، قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، عن أبي عُبَيْدٍ، قال الْأَصْمَعِيُّ: يُقال: اسْتَعْرَى الناسُ في كُلِّ وَجْهٍ: إذا أَكَلُوا الرُّطَبَ، وقال: أُخِذَ ذلك مِن الْعَرَايَا.
وأمَّا ما قُلْنا مِن إعْرَاءِ النَّخْلِ لِلْفُقَرَاءِ هِبَةً، فحُجَّتُهُ قَوْلُ القائلِ:
ليستْ بِسَنْهَاءَ ولا رُجَبِيَّةٍ ... ولكنْ عَرَايَا في السِّنِينِ الْجَوائِحِ
وأمَّا الذي ذَكَرْنَاه مِن إخْراجِ صاحِب النَّخَلاتِ عن جُمْلَتِهِ نَخْلَةً في السَّوْمِ، فخبَّرنا الْقَطَّانُ، فيما قُرِئَ عليه، قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ
стр. 121
المَعْدَانِيُّ، قال: حدَّثَنا أبي، قال: حدَّثَنا معروفُ بنُ حَسَّان، عن اللَّيْثِ، عن الخليلِ بنِ أحمدَ، قال: النخلةُ الْعَرِيَّةُ هي التي إذا عُرِضَتِ النَّخِيلُ عَلَى بَيْعِ ثَمَرَتِها عُرِّيَتْ منها نَخْلَةٌ، أي: عُزِلَتْ عن الْمُسَاوَمَةِ، والجَمْعُ الْعَرَايَا.
قُلْنا: والأصْلُ في ذلك ما ذكَره الشافعيُّ، لأنّه إذا بَاعَهُ ثَمَرَةَ شيْءٍ من نَخْلِهِ بِفَضْلِ قُوتٍ مِن الثَّمَرِ كان عند المُشْتَرِي، فقد أعْرَاهُ ذلك القَدْرَ مِن نَخْلِه حتى ياكُلَهُ رُطَبًا، وحُجَّتُه ما ذَكَرْناه آنِفًا عن الأصْمَعِيِّ مِن اسْتِعْرَاءِ النَّاسِ النَّخِيلَ.
стр. 122
باب بَيْع المصراة والخراج بالضمان
روَى الْأعرَجُ، عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه، قال: "لا تُصَرُّوا الْإِبِلَ والْغَنَمَ الْمَبِيعَ".
قال الشَّافِعِيُّ: "التَّصْرِيَةُ أن تُرْبَطَ أخْلافُ النَّاقَةِ ثم تُتْرَك مِن الْحِلابِ اليومَ واليَوْمَيْن والثَّلاث حتى يُجْمَعَ لها لَبَنٌ فَيَرَاهُ مُشْتَرِيها كثيرًا، فيَزيد في ثَمَنِها لذلك". وهذا كما قَالَه، لا التَّصْرِيَةُ جَمْعُ الماءِ في الحَوْضِ.
стр. 123
وسمعتُ بعضَ أهلِ العِلْمِ يقول: ولذلك سُمِّيَتِ المُصَرَّاة. ويُقال: صَرَى الرَّجُلُ الماءَ في فَقَارِ ظَهْرِه: إذا جَمَعَهُ. قال الشاعر:
رأيتُ غُلامًا قد صَرَى في فَقْرَتِهْ
ماءَ الشَّبابِ عُنْفُوانَ شِرَّتِهْ
في المُجْمَل: "عُنْفُوان الشيءِ: أوَّلُه".
وكذلك المُحَفَّلَة، إنَّما سُمِّيَتْ مُحَفَّلَةً لاِجْتِماعِ اللَّبَنِ في خِلْفِها.
ومَحْفِلُ الناسِ: مُجْتَمَعُهم.
وأمَّا الخَراجُ بالضَّمانِ، فالعَبْدُ يَشْتَرِيه الرجلُ، فَيَكْسِبُ العبدُ عندَه مالاً، ثم يَجِدُ المُشْتَرِي بالعَبْدِ عَيْبًا كان عندَ البائعِ، فَلَهُ أن يَرُدَّه بذلك العَيْبِ، ويكونُ لِلْمُشْتَرِي ما كان كَسِبَهُ العَبْدُ، لأنه لو ماتَ مات مِن مالِ المُشْتَرِي، فكما كان ضَامِنًا له لو مات، كذلك الخَراجُ له، فهذا بذلك، وأصْلُ الخَراجِ هو الغَلَّةُ.
стр. 124
وأمَّا النَّهْيُ عن بَيْعِ الْغَرَرِ، فهو بَيْعُ العبدِ الآبِقِ، وغيرِ ذلك من الْأمْوالِ التي يكون مُبْتَاعُها على غَرَرٍ، لا يَدْرِي أَيَصِلُ إليه أم لا.
وأمَّا عَسْبُ الفَحْلِ، فالْكِراءُ الذي يُؤْخَذُ عَلَى ضِرَابِ الفَحْلِ، قال الشاعر:
ولولا عَسْبُه لَرَدَدْتُمُوهُ ... وَشَرُّ مَنِيحَةٍ فَحْلٌ مُعَارُ
стр. 125
باب حبل الحبلة والملامسة والمنابذة
وأمَّا حَبَلُ الْحَبَلَةِ، فاخْتُلِفَ فيه، فقال قومٌ: هو بَيْعُ الجَنينِ الذي في بَطْنِ الناقَةِ.
وذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلى أنهم يَتَبَايَعُونَ الجَزُورَ أو غيرَها إلى أن تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثم تُنْتَجَ الذي في بَطْنِها، وإنَّما نَهَى النبيُّ، ﵇، عن الْمَجْرِ، فهو أن يُباعَ الشيءُ بما في بطنِ هذه النَّاقَةِ.
وأمَّا الْمَلاقِيحُ، فما في بُطُونِ الإناثِ، وَاحِدَتُها مَلْقُوحَة، أنْشَدَنا القَطَّانُ، عن ابنِ عبد العزيز، عن أبي عُبَيْدٍ:
إنَّا وَجَدْنا طَرَدَ الْهَوامِلِ
стр. 126
خَيرًا مِن التَّانَانِ والْمَسائِلٍ
وعِدَةَ العامِ وعامٍ قَابِلِ
مَلْقُوحَةً في بَطْنِ نابٍ حائِلِ
وأمَّا الْمَضَامينُ، فما في أصْلابِ الفُحُولِ. وأنْشَدَنا المُزَنِيُّ في كتابِه، قال: أنْشَدَنا عبدُ الملِك بنُ هشام:
إنَّ الْمَضَامِينَ التي في الصُّلْبِ
ماءُ الفُحولِ وظُهُورُ الحُدْبِ
ليس بِمُغْنٍ عنكَ جَهْدَ اللَّزْبٍ
اللَّزْب: الجهد والسُّنون القَحْط.
وأمَّا النَّجْشُ، فأن يحضُرَ الرجلُ الشيءَ الذي يُباعُ، فَيَزيدَ في ثَمَنِه وهو لا يُريدُ شِرَاءَه، ولكنْ ليُقْتَدى به فيُعْطي بالسِّلْعةِ أكثرَ ممَّا كان يُعْطَى.
стр. 127
وهو في العربيَّة اسْتِثَارَةُ الشيءِ، يُقال للصَّائِدِ ناجِشٌ، لأنَّه يَسْتَثِيرُ الصَّيْدَ، وتنَاجَشَ الرَّجُلانِ: إذا فَعَلا ذلك.
حدَّثَني عَلِيُّ بن محمد بن مَهْرُويه، أنا سألتُه عنه، قال: حدَّثَنا هارونُ بن هزارى، قال: حدَّثَنا ابنُ عُيَيْنَةَ، قال: حدَّثَني الزُّهْرِيُّ، عن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه: "لا تَناجَشُوا ولا تَدَابَرُوا وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا".
стр. 128
وأمَّا قَوْلُه: "لا يَبِعْ أحَدُكُمْ على بَيْعِ أخِيهِ". فَتَأوِيلُه
стр. 129
لا يَشْتَرِ عَلَى شِرائِه. والعربُ تُسَمِّي البَيْعَ شِراءً، والشِّرَاءَ بَيْعًا.
وأمَّا مَهْرُ الْبَغِيِّ الذي نَهَى عنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه فَكُنَّ في الجاهِلِيَّةِ بَغَايَا، أي: عَوَاهِرَ، يأخُذون عَلى بَغَايَهُنَّ أُجْرَةً، فحَرَّمَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه.
وأمَّا حُلْوانُ الكاهِنِ، فهو ما يُجْعَلُ له مِن أجْرِ كَهانَتِهِ، وهو مِن حَلَوْتُ الرجلَ حُلْوَانًا: إذا أعْطَيْتَهُ، قال الشاعر:
فَمَنْ راكِبٌ أحْلُوهُ رَحْلِي ونَاقَتِي ... ويُبْلِغُ عَنِّي الشِّعْرَ إذْ مات قائِلُهْ
وأمَّا الْمُلامَسَةُ، فكان يقولُ لصاحِبِه: إذا لَمَسْتَ ثَوْبِي أوْ لَمَسْتُ ثَوْبَكَ فقد وَجَبَ الْبَيْعُ بكذا.
وأمَّا الْمُنابَذَةُ، أن يقول: إذا أنْبَذْتُ الْحَصَاةَ فقد وجَبَ الْبَيْعُ بكذا.
стр. 130
باب السلف
السَّلَف، أن تُسْلِفَ دَراهِمَك في شيءٍ ممَّا يجُوز أن تُسْلِفَهُ، فيه، وهو مِن سَلَفَ الشَّيْءُ: إذا تَقَدَّم، ويُقال للمُتَقَدِّمِين مِن الخَيْلِ: السّلاَّفُ، ويُقال لِما يَسِيلُ مِن الْعِنَبِ قبلَ أن يُعْصَرَ: السُّلافَةُ.
وقد يُقال: السَّلَمُ، وهو أيضًا مِن أسْلَمْتُ الشيءَ، ولذلك لم يَجُزْ أن يتَفَرَّقَا إلاَّ عن قَبْضٍ، لأنَّهُما إن افْتَرَقَا عن غيرِ قَبْضِ الثَّمَنِ لم يكن ذلك سَلَمًا، لأنه لم يُسْلِمْ إليه شيئًا.
стр. 131
باب الرهن والتفليس والحجر وغير ذلك
أصْلُ الرَّهْنِ: حَبْسُ الشيءِ على حَقٍّ، يُقال: رَهَنْتُكَ ثَوْبِي. لأنه مَحْبُوسٌ عندَه عَلَى حَقِّه عندَك، وكذلك فُلانٌ رَهِينٌ بكذا، وقال اللهُ تعالى: (كل امرئ بما كسب رهين). أي: مَحْبُوسٌ حتى يَخْرُجَ مِن حُقُوقِ اللهِ عليه، وتقول: رَهَنْتُكَ الشَّيْءَ. ولا تقول: أرْهَنْتُكَ.
وأمَّا قَوْلُه: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"، فإنَّ ذلك أن يقول القائلُ: إنْ
стр. 132
أتَيْتُكَ بحَقّك في وَقْتِ كذا رَدَدْتَ عليَّ الرَّهْنَ، وإن لم آتِكَ به فالرَّهْنُ لَكَ. قال زُهَيْرٌ:
وفارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فِكَاكَ لَهُ ... يومَ الوَداعِ فأمْسَى الرَّهْنُ قد غَلِقَا
وأمَّا التَّفْليس، فمِن الْإفْلاسِ، ومعنَى ذلك مِن الفُلُوسِ، يُقال: صار ذَا فُلُوسٍ بعدَ أن كان ذَا دَرَاهِمَ.
وأصْلُ الحَجْرِ، يُقال: حَجَرْتُ عليه: إذا مَنَعْتَهُ من التَّصَرُّفِ في مالِه، وهو في حَجْرِ القاضي، وجاء في الحديث: "لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا"، وأصلُه مِن الحائِط يُدارُ حَوْلَ الْأَرْضِ، ومنه الْحُجُرَات، والحَجَرُ إنَّما سُمِّيَ حَجَرًا لاِمْتِناعِه وصَلابَتِهِ.
وأمَّا الحَوَالَةُ، فَمِنْ قَوْلِك: تَحَوَّل فُلانٌ إلى دارِه عن دارِه، أوْ إلى مكانِ كذا، فكذلك الحَوَالَةُ تَحَوُّلُ المالِ مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ في المُعَيَّن، ومِن أجْل ذلك لا يَرْجِعُ على الْأَوَّلِ، لأن فائدةَ الحَوالةِ إنَّما هي تَحَوُّلُ الحَقِّ.
стр. 133
وأمَّا الضَّمِين، فهو الجاعِلُ الشَّيْءَ في ضَمَانِهِ. والتَّضَمُّنُ: أن يَحْوِيَ الشيءُ الشيءَ. يُقال: تَضَمَّن الخُفُّ الرِّجْلَ، ويُقال للضَّمان: الْحَمالة، والْكَفالَة، والزَّعامة، والْقَبالَة، والصَّبارةَ. وهو: الضَّمِين، والْحَميل، والْكَفيل، والزَّعِيم، والْقَبيل، والصَّبِير، كلُّ ذلك يَرْجِعُ إلى معنًى واحدٍ.
стр. 134
باب الشركة
الشَّرِكَةُ: أن يَشْتَرِكَ الرَّجُلان في مالٍ، أو في عَمَلٍ يَعْمَلانه. وهي على وُجُوهٍ:
شركة عِنان، وهو اشْتِراكُهما في مالَيْن مُتَساوِيَيْن، كأن ذلك الشيءَ عَنَّ لهما أي: عَرَضَ، فاشْتَرَكا فيه، يُقال: عَنَّ لي الشيءُ يَعِنُّ ويَعُنُّ: إذا عَرَضَ.
وقال قومٌ: بل ذلك مِن عِنانِ الدَّابَّةِ، أي: اسْتَوَيَا في الشيءِ فكان لكلِّ واحدٍ منهما أن يَعِنَّ: أي يَمْنَعَ صاحِبَه مِن التَّصَرُّفِ، وذلك إذا أراد فَسْخَ الشَّرِكة.
وأمَّا شَرِكَةُ المُفاوَضَةِ، فأن يُفَوِّضَ هذا الْأمْرَ في جميعِ ما يَسْتَفِيدُه إلى ذلك، ويُفَوِّضَ ذاك إلى هذا، فلا يُصيبُ واحدٌ منهما شيئًا إلاَّ كان للآخَرِ فيه شِرْكٌ، فكُلُّ واحدٍ منهما يَشْرَعُ في الشيءِ شُرُوعَ صاحِبِهِ، يُقال: تَفَاوَضَ الرَّجُلان في الحديثِ: إذا شَرَعَا فيه.
وشَرِكَةُ الْأقْدامِ: اشْتِرَاكُهما فيما يَكْسِبَانِه عَلى أقْدامِهما، وفي تَصَرُّفِهما، ومَجِيئِهما، وذَهابِهما.
وذلك كلُّه عندَ الشافعيِّ باطِلٌ، والصحيحُ عندَه شركةُ الْعِنانِ.
стр. 135
باب الوكالة والْإقْرار وغير ذلك
الوَكالة: أن يَكِلَ المرءُ أمْرَهُ إلى غيرِه ممَّن يَقُوم مَقَامَهُ، ومِنه التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ، لأن العبدَ يَكِلُ أُمورَهُ إلى اللهِ، فَيَتَوَكَّلُ عليه.
وأمَّا الْإقْرارُ، فالْإِثْبَاتُ، يُقال: أقَرَّ فُلانٌ الشيءَ: إذا أثْبَتَهُ، وقَرَّ الشيءُ، واسْتَقَرَّ في ذِمَّتِهِ.
والاِعْتِرافُ هو شَكْلُ الْإقْرارِ، وكأنَّ الْإقْرارَ يكون مع الجُحُودِ، لأنَّه نَفَى بِجُحُودِه شيئًا قد كان عَلِمَهُ، ثم أقَرَّ بما كان نَفَاهُ. والاِعْتِرافُ يكون مع الْإنْكارِ، وذلك أنه ادَّعَى عليه فأنْكَرَ، لأنه لم يَعْلَمْ أن الحَقَّ عليه صحيحًا فأنْكَرَهُ، ثم عَرَفَ فقال: بَلَى، لك هذا الحَقُّ عَلَيَّ قد عَرَفْتُهُ. ولا يكون الجُحُودُ إلاَّ مع العِلْمِ بِصِحَّةِ الشيءِ.
وأمَّا الغَصْبُ، فأَخْذُ المَرْءِ الشيءَ مُجاهَرَةً، لا سِرًّا.
وأجْمَعَ الناسُ أنَّ اللهَ ، حَرَّمَ أخْذَ مالِ المسلمِ والمرءِ المُعاهَدِ بغَيْرِ حَقٍّ، وإن أخَذَ الواحدُ ذلك مِنْ حِرْزٍ مُسْتَخْفِيًا بِأخْذِهِ، فإنَّه
стр. 136
يُسَمَّى سارِقًا، وإنْ أخَذَهُ مُكابَرَةً مِنْ صاحِبِهِ في صَحراءَ، فإنَّه يُسَمَّى مُحارِبًا، وإنْ أخَذَهُ عَلى تلك السَّبِيلِ اسْتِلابًا، فإنَّه يُسَمَّى مُخْتَلِسًا، وإنْ أخَذَهُ مِنْ شيءٍ كان مُؤْتَمَنًا عليه، فإنَّه يُسَمَّى خائِنًا، وإنْ أخَذَهُ قَسْرًا لِلْمَاخُوذِ منه بِغَلَبَةِ مُلْكٍ، أوْ فَضْلِ قُوَّةٍ، فإنَّه يُسَمَّى غاصِبًا، وكلُّهم في اسمِ الظُّلْمِ مُشْتَرِكون، وفي وُجُوبِ الرَّدِّ سَواءٌ.
стр. 137
باب القراض
وهو المُضارَبَة، والمُضارَبة: أن يَدْفَعَ الرجلُ إلى آخَرَ مالاً يَتَّجِرُ به، ويكون الرِّبْحُ بينهما على ما يَتَّفِقان عليه، وتكونُ الوَضِيعَةُ إن كانتْ عَلَى رأسِ المالِ.
وأصْلُ المُضَارَبَةِ، مِن الضَّرْبِ في الْأرْضِ، وذلك أنَّ أهلَ مكةَ كانُوا يفعلون ذلك، يُعْطِي أحدُهم الآخَرَ مالاً، عَلى أنْ يخرُج به إلى الشَّام واليَمَنِ، وغيرِهما من المَواضِعِ، قال اللهُ تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله).
والْقِرَاضُ هذا بعَيْنِه، لا فَرْقَ بينهما، وهما اسْمانِ لمعنًى، وكأنَّه -والله أعلمُ- من القَرْضِ، وهو القَطْعُ، كأنَّه قَطَعَ طائفةً مِنْ مالِهِ، فأعْطاهُ. ويكون الرِّبْحُ بينهما مُقارَضَةً، أي: مُقاطَعَةً، على ما يَقْطَعانِه ويَتَّفِقانِ عليه.
стр. 138
باب المزارعة والمساقاة
قال الشافِعِيُّ: ساقَى رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه أهْلَ خَيْبَرَ على أنَّ نِصْفَ الثَّمَرَةِ لهم، فكان يَبْعَثُ عبدَ الله بن رَوَاحَةَ، فيَخْرِصُ بينهم وبَيْنَه، ثم يقولُ: إنْ شِئْتُم فَلَكُمْ وإن شئتُمْ فَلِي.
والمُسَاقَاةُ: مِن السَّقْيِ، وذلك أنه يقُوم على سَقْيِ النَّخِيلِ والْكَرْمِ ومَصْلَحَتِهما، ويكون له مِن رَيعِ ذلك جُزْءٌ مَعْلُومٌ.
وأمَّا المُزارَعةُ، فَمِن الزَّرْعِ: وهي المُخابَرَةُ التي نَهَى عنها النبيُّ ﵇، وذلك أن يَدْفَعَ إليه أَرْضًا بَيْضَاءَ، عَلى أنْ يَزْرَعَها
стр. 139
المَزْرُوعُ إليه، فما أخْرَجَ اللهُ منها مِن شيءٍ، فَلَهُ جُزْءٌ معلومٌ.
وحدَّثَنا أبو الحسن الْقَطَّانُ، عن ابنِ عبدِ العزيز، عن أبي عُبَيْدٍ، قال: المُخابَرَةُ المُزَارَعةُ بالنِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ وأقَلَّ مِنْ ذلك وأكْثَرَ، وهو مِن الخِبْرِ، وإنَّما سُمِّيَ الْأكَّارُ الْخَبِير، لأنَّه يُخابِرُ الْأرْضَ، أي: يُؤَاكِرُها، والخِبْرُ الْفِعْلُ.
قال: وكان بعضُهُمْ يقول: أصْلُ المُخابَرَةِ التي نُهِيَ عنها مِنْ خَيْبَرَ، لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان أقَرَّها في أيْدِي أهْلِها على النِّصْفِ، فقيل: خَابِرُوهم. أي: عامِلُوهم في خَيْبَرَ.
стр. 140
قال: ثم تَنَازَعُوا، فَنَهَى عن ذلك، ثم جازَتْ بَعْدُ.
قُلْنا: وهذا الذي قالَهُ يَبْعُدُ، والْأصْلُ ما ذكرْناه قَبْلُ، وقد كانت العربُ تَعْرِفُ ذلك، والْأصْلُ فيه الخُبْرَةُ، وهو النَّصيبُ، قال الشاعر:
إذَا ما جَعَلْت الشَّاةَ لِلْقَوْمِ خُبْرَةً ... فشَأنَك إنِّي ذَاهِبٌ لِشُؤُونِي
والخُبْرَةُ: أنْ يَشْتَرِيَ الشَّاةَ جَماعةٌ، فيَقْسِمُونَها، فكأنَّ المُخابَرَةَ مِن الخُبْرَة، وهو أنْ يَأخُذَ الآخِذُ الْأرْضَ نَصِيبَهُ، وهي خُبْرَتُهُ.
стр. 141
باب إحياء المواتِ والإقطاع والعطايا وغير ذلك
أمَّا إحْياءُ المَوَاتِ، فالْأرْضُ لا يَمْلِكُها أحَدٌ وتكون مَيِّتَةً، فيَجِيءُ واحِدٌ فيُحْيِيها بإصْلاحِها وسَقْيِها، فتكون له، لأنَّ النبيَّ ﵇، جَعَلَها له، قال ﵇: "مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ". فالعِرْقُ الظَّالِمُ: أنْ يَجِيءَ الرجلُ إلى الْأرْضِ قد أحْياهَا غيرُه، فيُحْدِثُ فيها بِنَاءً، أوْ يَغْرِسُ فيها غِرَاسًا، أوْ يَعْمَلُ بها عَمَلاً يُريدُ أنْ يَسْتَوْجِبَ بذلك الْأرْضَ. والعِرْقُ: الأَصْلُ. كأنه يُريد أن يُؤَصِّلَ أصْلاً يَسْتَوْجِبُ به الأرْضَ.
وقال في حديثٍ آخَرَ: "وما أكَلَتِ الْعَافِيَةُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ".
стр. 142
فالْعَافِيَةُ: كلُّ مَنْ أتَى طالِبَ رِزْقٍ، مِنْ إنْسانٍ، أوْ دابَّةٍ، أوْ طائرٍ، أوْ غيرِ ذلك. والْعَافِي: الطَّالِبُ.
وأمَّا الْحِمَى، فهو أن يَحْمِيَ أرْضًا لا يدخُلُها غَيْرُه، وقد فَسَّرْنَاه قَبْلُ.
وأمَّا الْإقْطَاعُ: فأنْ يُقْطِعَ له ناحِيَةً مِن الْأرْضِ، أوْ شيئًا مِن الْأشْياءِ، فيَجْعَلُه له.
وأمَّا حديثُ أبْيَضَ بنِ حَمَّالٍ، في قَوْلِه: إنَّما أقْطَعْتَهُ الماءَ الْعِدَّ. فالْعِدُّ: هو الماءُ الدائمُ الذي لا يَنْقَطِعُ، مثلُ ماءِ الْعَيْنِ والبِئْرِ، والْجَمْعُ أعْدَاد. أنْشَدَنا القَطَّانُ، عن ابنِ عبدِ العزيز، عن أبي عُبَيْدٍ:
دَعَتْ مَيَّةَ الْأعْدادُ واسْتَبْدَلَتْ بها ... خَنَاطِيلُ آجَالٍ مِن العِينِ خُذَّلُ
стр. 143
في "المُجْمَل": العِينُ: البَقَرُ، سُمِّيَتْ بذلك لِسَعَةِ عُيُونِها.
وأمَّا الحَبْسُ، فأنْ يَحْبِسَ المَرْءُ مِنْ مالِه شيئًا للَّهِ .
وأمَّا الْعُمْرَى، فأنْ يقولَ الرجُلُ للْآخَرِ: هذه الدارُ لك عُمْرِي، أو عُمْرَكَ.
والرُّقْبَى، أنْ يقولَ: هذه الدارُ لك، فإنْ مِتُّ قَبْلَك فهي لك، وإنْ مِتَّ قَبْلِي رَجَعَتْ إلَيَّ. وقيل لها رُقْبَى، لأنَّ كُلَّ واحدٍ منها يَرْقُبُ مَوْتَ صاحِبِهِ.
وقَوْلُه: "إنِّي نَحَلْتُ ابني هذا". فالنَّحْلُ: إعْطاءُ الشيءِ مِنْ طِيبِ نَفْسٍ، مِنْ غيرِ أن يُطالِبَ به.
وأمَّا اللُّقَطَةُ، فمن الْتَقَطْتُ الْحَبَّ: إذا أخَذْتَهُ مِنَ الْأرْضِ.
стр. 144
وأمّا قوْلُه: "احْفَظْ عِفاصَها وَوِكَاءَها". فالْعِفَاصُ: ما يُشَدُّ فيه، والْوِكاءُ ...
وأمَّا المَنْبُوذُ، فالمَرْمِيُّ، يُقال: نَبَذْتُ الشيءَ: إذا رَمَيْتَ به.
стр. 145
باب الشفعة
قد كانت الشُّفْعَةُ معروفةً عندَ العربِ في الجاهليَّة، وذلك أنَّ علِيًّا حدَّثَنا، عن المُفَسِّر، عن القُتَيْبِيِّ، قال: كان الرجلُ في الجاهليَّة إذا أرادَ بَيْعَ مَنْزِلٍ أوْ حائِطٍ أتاه الجارُ والشَّرِيكُ والصَّاحِبُ، يَشْفَعُ إليه فيما باع، فشَفَّعَهُ، وجعلَه أولَى به ممَّن بَعُدَ نَسَبُهُ، فسُمِّيَتْ شُفْعَةً، وسُمِّيَ طالبُها شَفِيعًا.
وأمَّا الْجِيرانُ، فقد قال بعضُ أهلِ العلْمِ: إنَّ الجارَ هو الذي يُساكِنُكَ في الدَّارِ، ولهذا سَمَّتِ العربُ زَوْجَةَ الرَّجُلِ جارَتَهُ، قال الأَعْشَى:
أيَا جَارَتِي بِينِي فَإنَّكِ طالِقَهْ
والثَّانِي: الذي يُلاصِقُ مَنْزِلُه مَنْزِلَكَ، ويَشْرَعُ بَابًا في المَحَلَّةِ كما يَشْرَعُ بَابُك.
следующие страницы →