Полный текст (1 399 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
هذا الكلام ثابت. فكما جاز أن يحذف الخبر هناك بلا دليل زائد على الحاجة إليه، كذلك يلزمه تجويز حذف الخبر هنا، وتقديره بمثل ما قدَّره هناك، لأن الحاجة إليهما سواء، والمخبر عنه في الصورتين مصدر، لأن أول القول قولي. والصحيح في قولهم: أول ما أقول إني أحمد الله، بالكسر، أن يكون كلاما تاما، فيجعل "أول ما أقول" مبتدأ، و"إني أحمد الله" خبره. كأنه قال: مبتدأ كلامي هذا الكلام. ولا يصح أن يقدر "ثابت" خبرا، لأن ذلك يقتضي ثبوت أول هذا القول، وأول الشيء غير جميعه، فيكون الثابت أول حرف من الجملة، إن نويت حروفها، وأول كلمة منها إن نويت كلماتها، وكلاهما ليس مقصودا، فتعين كونه مردودا. وأيضا فإن تقدير "ثابت" خبرا بعد: إني أحمد الله، وبعد: ضربى زيدا قائما، وأمثالهما، تقدير ما لا دليل عليه، إذ ليس هو بالتقدير أولى من غيره من المقدرات الممكنة، وحذف ما كان في حذفه ذلك ممنوع.
وفي رد هذا الوجه الخامس إشعار برد الوجه السادس، لأن مبناه على تقدير ما لا يتعين تقديره، وتقدير ما عدم نظيره. فثبت بمجموع ما ذكرته أن أولى الأوجه الستة بالصواب ما ذهب إليه الأخفش، ويليه الأول، وما سواهما ضعفه بيّن، واطراحه متعين.
وأجاز الأخفش في نحو: أخطب ما يكون الأمير قائما، رفع قائم خبر أخطب، فيلزم من ذلك ارتكاب مجازين:
أحدهما: إضافة "أخطب" مع أنه من صفات الأعيان إلى "ما يكون" وهو في تأويل الكون.
والثاني: الإخبار بقائم مع أنه في الأصل من صفات الأعيان عن "أخطب ما يكون" مع أنه في المعنى كون، لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، والحامل على ذلك قصد المبالغة، وقد فتح بابها بأول الجملة، فعضدت بآخرها مرفوعا.
وإلى هذا أشرت بقولي: "ورفعها خبرا بعد أفعل مضافا إلى ما موصولة بكان أو يكون جائز. وقولي: وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع" أشرت به إلى نحو قول القائل: ضربى زيدا قائم، على تقدير: وهو قائم، فحقه أن يمنع مطلقا،
стр. 282
لأنه شبيه بقولك: جاء زيد راكب، على تقدير: وهو راكب، لكن الضرورة أباحت حذف المبتدأ المقرون بالفاء في جواب الشرط وهو أضعف، فإجازة حذف مبتدأ مقرون بواو الحال أولى. ومثال حذف المبتدأ مقرونا بالفاء قول الشاعر:
بني ثُعَل لا تَنْكِعُوا العَنْزَ شِرْبها ... بني ثُعَل مَنْ يَنْكَعِ العَنْزَ ظالم
أراد فهو ظالم.
ص: وليس التالي لولا مرفوعا بها، ولا بفعل مضمر، خلافا للكوفيين، ولا يغني فاعل المصدر المذكور عن تقدير الخبر إغناء المرفوع بالوصف المذكور، ولا الواو والحالُ المشار إليهما، خلافا لزاعمي ذلك. ولا يمتنع وقوع الحال المذكورة فعلا خلافا للفراء، ولا جملة اسمية بلا واو، وفاقا للكسائي، ويجوز إتباع المصدر المذكور، وفاقا له أيضا.
ش: قد تقدم أن المرفوع بعد لولا الامتناعية مبتدأ ملتزم حذف خبره، وهو الصحيح، لأنه إذا كان مبتدأ محذوف الخبر كان نظير المقسم به في كونه مبتدأ محذوف الخبر للعلم به وسد الجواب مسده، بل يكون أولى بصحة حذف الخبر، لأن في لولا إشعارا بالوجود المانع من ثبوت معنى الجواب، والوجود الذي يشعر به هو المفاد بالخبر لو نطق به، ففي حذف الخبر بعد لولا من العذر ما في حذف خبر المقسم به وزيادة.
وروي عن الفراء أن لولا الامتناعية هي الرافعة للاسم بعدها. وروى غيره من الكوفيين أنه مرفوع بفعل مضمر. والقولان مردودان، لأنهما مستلزمان ما لا نظير له، إذ ليس في الكلام حرف يرفع ولا ينصب، ولا حرف التزم بعده إضمار فعل رافع، ولا يقبل ما يستلزم عدم النظير، مع وجدان ما له نظير.
وأيضا فإن المبتدأ أصل المرفوعات على ما بين في فصل إعراب الاسم، فأي
стр. 283
موضع وجد فيه اسم مرفوع محتمل للابتداء وغيره فالابتداء به أولى.
وأيضا فإذا حكم بالابتداء على الاسم الواقع بعد لولا كان المحذوف من الجملة مؤخرا، وإذا حكم بفاعليته كان المحذوف منها مقدما، والأواخر بالحذف أولى من الأوائل.
وإذا ثبت أن الابتداء به أولى، وأن موضعه لا يصلح للفعل، وجب التحيّل في تخريج ما وقع بخلاف ذلك، كقول الشاعر:
ولولا يحسَبون الحلمَ جهلا ... لما عَدِم المسيئون احتمالي
أراد: ولولا أن يحسبوا، فحذف أن، ورفع الفعل، والموضع موضع مبتدأ على تقدير أن، كما قالوا: "تسمع بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه".
وقد تدخل "لو" على "لا" التي بمعنى "لم" فيليها الفعل لزوما، فيتخيل أنها لولا الامتناعية، وليست إياها، ومنه قول الشاعر:
لا دَرَّ دَرُّكِ إني قد رَمَيْتُهم ... لولا حُدِدْتُ ولا عُذْرى لِمَحْدُود
أراد: لو لم أحد، ومجيء "لا" بمعنى "لم" كثير، ومنه قول الراجز:
لا هُمَّ إن الحارثَ بن جَبَلَه ... زنا على أبيه ثم قتله ... وأيُّ شيءٍ سَيِّءٍ لا فَعَله
стр. 284
وقد تقدم الكلام على مضمون قولي: "ولا يغني فاعل المصدر المذكور عن تقدير الخبر إغناء المرفوع بالوصف المذكور".وكذا تقدم الإعلام بقول ابن خروف في نحو: كلُّ رجلٍ وضيعتُه، لا يحتاج فيه إلى حذف خبر، لتمامه وصحة معناه، وإن قدر: مقرونان، فلبيان المعنى، وهذا الذي ذهب إليه ابن خروف هو مذهب مهجور. وكذا القول بأن الحال المذكورة في نحو: ضربى زيدا قائما، تغني عن الخبر لشبهها بالظرف، هو قول ضعيف، وقد بينت ضعفه من قبل.
ومنع الفراء وقوع الحال المذكورة فعلا فرارا من كثرة مخالفة الأصل، وذلك أن الحال إذا سدّت مسدّ الخبر فهو على خلاف الأصل، وإذا وقع الفعل موقع الحال فهو على خلاف الأصل، فلا ينبغي أن يحكم بجوازه، فإنه مخالفة بعد مخالفة. وهذا الذي اعتبره قد دلت العرب على أنه غير معتبر، بوقوع الجملة الاسمية موقع الحال المذكورة، فلو لم تقع الجملة الفعلية موقع الحال المذكورة نقلا، لجاز وقوعها قياسا على وقوع الجملة الاسمية، ومع ذلك فقد سمع من العرب وقوع الجملة الفعلية موقع الحال المذكورة، ومن ذلك قول الشاعر، أنشده سيبويه:
ورأيُ عَيْنَيّ الفتى أباكا ... يُعطِي الجزيلَ فعليك ذاكا
والمشهور من قول النحويين غير الكسائي أن الحال التي تسد مسد الخبر إذا كانت
стр. 285
جملة اسمية لا تستغنى عن الواو، والذي حملهم على ذلك أن الاستعمال لم يرد بخلافه، فأفتوا بالتزامه، ولم ير الكسائي ذلك ملتزما بعد سدها مسد الخبر، كما لم يكن ملتزما قبله، وبقوله أقول. وقد كان مقتضى الدليل أن حذف الواو هنا أولى، لأنه موضع اختصار، لكن الواقع بخلاف ذلك، وباب القياس مفتوح، ومما حكى ابن كيسان: مسرتك، أخاك قائما أبوه، ثم قال: فإن قلت: مسرتك أخاك قائما أبوه، أو مسرتك أخاك هو قائم، جازت المسألتان عند الكسائي وحده، فإن جئت بالواو قبل "هو" جازت المسألة في كل الأقوال.
ومما أجاز الكسائي وحده إتباع المصدر المذكور على وجه لا يقدح في البيان، كقولك: ضربي زيدا الشديدُ قائما، وشربي السَّويق كله ملتوتا. ومن منع احتج بكون الموضع موضِع اختِصار، وأنّ السماع لم يرد فيه إتباع، ومن أجازه تبع القياس، ولم يرد عدم السماع مانعا، لأن الحاجة داعية إلى استعمال ما منعوه في بعض المواضع، فإجازته توسعة، ومنعه تضييق.
ص: ويحذف المبتدأ أيضا جوازا لقرينة، ووجوبا كالمُخْبَر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح أو ذم أو ترحم، أو بمصدر بدل من اللفظ بفعله، أو بمخصوص في باب نعم، أو بصريح في القسم، وإن ولى معطوفا على مبتدأ يليه فعلٌ لأحدهما واقعٌ على الآخر صحت المسألة، خلافا لمن منع. وقد يغني مضاف إليه المبتدأ عن معطوف فيطابقهما الخبر.
ش: ومن حذف المبتدأ جوازا لقرينة حذفه بعد استفهام عن الخبر، كقولك: صحيح، وفي المسجد، وغدا، وعشرون، لمن قال: كيف أنت؟ وأين اعتكافك؟ ومتى سفرك؟ وكم دراهمك؟
ومن ذلك حذفه عند شم طيب، أو سمع صوت، أو رؤية شبح، فيقال: مسك، وقراءة، وإنسان، بإضمار: هذا، ونحوه. ولو كان المذكور من هذه الثلاثة ونحوها معرفة جاز جعله خبرا لمبتدأ محذوف، ومبتدأ لخبر محذوف.
стр. 286
ومن القرائن المحسنة لحذف المبتدأ وجود فاء الجزاء داخلة على ما لا يصلح أن يكون مبتدأ، كقوله تعالى: (مَنْ عَمِل صالحا فلنفسه ومَنْ أساء فعليها) أي: فصلاحه لنفسه، وإساءته عليها. فحذف المبتدأ لهذه القرائن وأشباهها جائز.
وأما الحذف الواجب فكحذف المبتدأ المخبر عنه بنعت مقطوع لتعين المنعوت بدونه لكونه لمجرد مدح، كقولهم: الحمدُ للهِ الحميدُ، وصلى الله على محمدٍ سيدُ المرسلين. أو لمجرد ذم، كقولك: أعوذُ بالله من إبليس عَدُوُّ المؤمنين. أو لمجرد الترحم كقولك: مررت بغلامِك المسكينُ، فهذه ونحوها من النعوت المقطوعة للاستغناء عنها بحصول التعيين بدونها، لك فيها النصب بفعل ملتزم إضماره، والرفع بمقتضى الخبرية لمبتدأ لا يجوز إظهاره، وذلك أنهم قصدوا إنشاء المدح، فجعلوا إضمار الناصب أمارة على ذلك، كما فعلوا في النداء، إذ لو أظهر الناصب لخفي معنى الإنشاء وتوهم كونه خبرا مستأنف المعنى، فلما التزم الإضمار في النصب التزم أيضا في الرفع ليجرى الوجهان على سنن واحد.
ومن التزام حذف المبتدأ أن يحذف لكون خبره مصدرا جيء به بدلا من اللفظ بفعله، كقول الشاعر:
فقالتْ: حنانٌ ما أتى بك ههنا ... أذُو نَسَبٍ أم أنت بالحيِّ عارِف
ومنه قولهم: سمع وطاعة، أي: أمري حنان، وأمري سمع وطاعة. والأصل في هذا النوع النصب، لأنه مصدر جيء به بدلا من اللفظ بفعله، فالتزم إضمار ناصبه لئلا يجتمع بدل ومبدل منه في غير إتباع، ثم حمل المرفوع على المنصوب في
стр. 287
التزام إضمار الرافع الذي هو المبتدأ، قال سيبويه: وسمعت من يوثق بعربيته يقال له: كيف أصبحت؟ فقال: حمدُ الله وثناء عليه، أي: أمري حمد الله. وأنشد قول الآخر:
صبرٌ جميل فكلانا مُبْتَلى
ثم قال سيبويه: "والذي يرفع عليه "حنان" و"صبر" وما أشبه ذلك لا يستعمل إظهاره كترك إظهار ما نصب به. قال: ومثله قول بعض العرب: من أنت؟ زيدٌ، أي: من أنت؟ كلامك زيد، فتركوا إظهار الرافع، كترك إظهار الناصب" هذا نصه.
ومن الملتزم حذفه المخبر عنه بممدوح نعم، ومذموم بئس، إذا جعلا خبري مبتدأين، فإن للقائل: نعم الرجل زيد، أن يجعل "زيدا" خبر مبتدأ محذوف، وأن يجعله مبتدأ مخبرا عنه بنعم وفاعلها، فعلى القول بأنه خبر، يكون ما هو له خبر واجب الحذف.
ومن المبتدأ الملتزم حذفه قول العرب: في ذمتي لأفعلن، يريدون: في ذمتي ميثاق، أو عهد، أو يمين، فاقتصروا في هذا القسم على خبر المبتدأ، والتزموا حذف المبتدأ، كما فعلوا عكس ذلك في قولهم: لعمرك لأفعلنّ. ذكر هذه المسألة أبو علي ﵀، ومن شواهد هذا الاستعمال قول الشاعر:
تُساوِرُ سَوَّارا إلى المجد والعُلا ... وفي ذِمّتي لئن فعلت ليفعلا
ومثال معطوف على مبتدأ يليه فعل لأحدهما قولهم: زيد والريح يباريها، وفي
стр. 288
هذه المسألة خلاف: فمن البصريين والكوفيين من لم يجزها، ومنهم من أجازها. فمن أجازها من البصريين جعل التقدير: زيد والريح يجريان يباريها، فيجريان خبر محذوف، ويباريها في موضع نصب على الحال، فاستغنى بها عن الخبر لدلالتها عليه. ومن أجازها من الكوفيين أجازها حملا على معنى يتباريان، ولم يحتج إلى تقدير محذوف. واستدل أبو بكر بن الأنباري على صحة هذا الاستعمال بقول الشاعر:
واعلم بأنّك والمنيّسـ ... .ـةَ شاربٌ بعُقارها
وقد يقصد اشتراك المضاف والمضاف إليه في خبر، فيجيء الخبر مثنى، كقول بعض العرب: راكب البعير طليحان، والأصل: راكب البعير والبعير طليحان، فحذف المعطوف لوضوع المعنى. وإلى هذا وأمثاله أشرت بقولي: وقد يغني مضاف إليه المبتدأ عن معطوف فيطابقهما الخبر.
ص: والأصل تعريف المبتدأ وتنكير الخبر، وقد يعرفان، وقد ينكران بشرط الفائدة، وحصولها في الغالب عند تنكير المبتدأ بأن يكون: وصفا، أو موصوفا بظاهر أو مقدر، أو عاملا، أو معطوفا، أو معطوفا عليه، أو مقصودا به العموم. أو الإبهام، أو تالي استفهام، أو نفي، أو لولا، أو واو الحال، أو فاء الجزاء، أو ظرف مختص أو لاحق به، أو بأن يكون دعاء، أو جوابا، أو واجب التصدير، أو مقدرا إيجابه بعد نفي. والمعرفة خبر النكرة عند سيبويه في نحو: كم مالك؟ ? واقصد رجلا خيرٌ منه أبوه.
ش: لما كان الغرض بالكلام حصول فائدة، وكان الإخبار عن غير معين لا يفيد، كان أصل المبتدأ التعريف، ولذا إذا أخبر عن معرفة لم تتوقف الإفادة على زيادة، بخلاف النكرة فإن حصول الفائدة بالإخبار عنها يتوقف على قرينة لفظية أو معنوية. ويلزم من كون المبتدأ معرفة في الأصل كون الخبرة نكرة في الأصل،
стр. 289
لأنه إذا كان معرفة مسبوقا بمعرفة، توهم كونهما موصوفا وصفة، فمجيء الخبر نكرة يدفع ذلك التوهم، فكان أصلا.
وأيضا فإن نسبة الخبر من المبتدأ كنسبة الفعل من فاعله، والفعل يلزمه التنكير، فاستحق الخبر لشبهه به أن يكون راجحا تنكيره على تعريفه.
وقد يتعرفان، كقوله تعالى (الله ربنا وربكم) و (محمد رسول الله)، وقد ينكران، كقوله تعالى: (ولعبدٌ مؤمن خير من مشرك).
ونبهت قائلا: "بشرط الفائدة" على أن عدم حصولها مانع من كون المبتدأ والخبر كلاما، سواء كانا معرفتين أو نكرتين، أو معرفة ونكرة. وقولي: وحصولها في الغالب بكذا وكذا" تنبيه على أن الفائدة قد يندر حصولها في الإخبار عن نكرة خالية من جميع ما ذكر، كقول من خرقت له العادة برؤية شجرة ساجدة، أو بسماع حصاة مسبحة: شجرة سجدت، وحصاة سبحت.
ومثال الابتداء بنكرة موصوفة بظاهر قوله تعالى: (ولعبدٌ مؤمن خير من مشرك) وفي الحديث: "شوهاء ولود خير من حسناء عقيم".
ومثال الابتداء بنكرة موصوفة بمقدر قولهم: السمن منوان بدرهم، أي: منوان منه بدرهم، فمنوان نكرة ابتدئ بها لأنها موصوفة بوصف مقدر، ومنه قوله تعالى (يَغْشى طائفة منكم وطائفةٌ قد أهمتهم أنفسهم) فالواو واو الحال، وطائفة مبتدأ خبره ما بعده، وجاز الابتداء بها لأنها موصوفة بمقدّر، كأنه قال: وطائفة من غيركم، وهم المنافقون. ومن هذا القبيل قول الشاعر:
стр. 290
إنّي لأكثر مما سُمْتِني عجبا ... يدٌ تَشُجُّ وأخرى منك تأسوني
أي: يد منك تشج، فيد مبتدأ خبره تشج، ومنك صفة مخصصة حذفت للعلم بها، كما حذفت صفة طائفة في الآية، ومنه قول الآخر:
وما برح الواشُون حتى ارتَموْا بنا ... وحتى قلوبٌ عن قلوب صوادفُ
أي قلوب منا، عن قلوب منهم.
ومثال الابتداء بنكرة عاملة قوله ﷺ : "أمر بمعروف صدفة، ونهي عن منكر صدقة".
ويدخل في هذا أيضا المضاف إلى نكرة كقوله: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد".
ومثال الابتداء بنكرة لأجل عطفها قول الشاعر:
стр. 291
عندي اصطِبارٌ وشَكْوَى عند قاتلتي ... فهل بأعجبَ من هذا امرؤُ سمعا
ومثله قول رؤبة:
حتى ترامى بالظُّنون الظُّنَّنِ تَخْلِطُ قولِ الكاذبين المُيَّن ... إذ مِنْ هنٍ قولٌ وقولٌ من هنِ
ومثال الابتداء بنكرة لأجل العطف عليها قوله تعالى: (طاعةٌ وقولٌ معروف) على أن يكون التقدير: طاعة وقول معروف أمثل، أو نحو ذلك، وهو أحد تقديري سيبويه.
ومن الابتداء بالنكرة لأجل العطف عليها قول الشاعر:
غرابٌ وظبيٌ أعْضَبُ القَرْنِ نادَيا ... بِصَرْمٍ وصْرْدانُ العَشِيِّ تصيح
стр. 292
وقول العرب: "شهرٌ ثَرَى، وشهرٌ تَرَى، شهر مَرْعَى" ومنه قول الشاعر:
فيومٌ علينا ويومٌ لنا ... ويوم نُساءُ ويوم نُسَرّ
ومثال النكرة المبدوء بها لأجل العموم، وما روي من قول ابن عباس ﵄: "تمرة خير من جرادة"، ومن كلام العرب: خُبَأَةُ صِدْق خيرٌ من يَفَعة سَوْء.
ومثال المبتدأ بها لقصد الإبهام: ما أحسن زيدا.
ومثال التالية استفهاما: أرجل في الدار؟
ومثال التالية نفيا: ما رجل في الدار.
ومثال التالية لولا، قول الشاعر:
стр. 293
لولا اصطبارٌ لأودَى كلُّ ذي مِقة ... حين استقلتْ مطاياهن للظَّعَن
ومثال التالية واو الحال قول الشاعر:
عَرَضْنا فَسَلّمنا فسلّم كارها ... علينا وتَبْريحٌ من الوجد خانِقُه
وقال آخر:
سَرَينا ونَجْمٌ قد أضاء فمذ بَدا ... محَيّاك أخْفى ضوؤُه كلَّ شارق
ومثال التالية فاء الجزاء قول العرب في مثل: إن ذهب عَيْرٌ فعيرٌ في الرباط.
ومثال التالية ظرفا مختصا: عندك مال. وقُيّد بالاختصاص تنبيها على أنه لو جيء به غير مختص لم يفد الإخبار به، نحو: عند رجل مال.
وأشرت بقولي: "أو لا حق به" إلى الجار والمجرور المختص، نحو: لك مال. وإلى الجملة المشتملة على فائدة، نحو: قصدك غلامه رجل، فإنه جائز
стр. 294
جواز: عندك رجل، لأن في تقديم هذه الجملة وشبهها خبرا ما في تقديم الظرف من رفع توهم الوصفية، مع عدم قبول الابتداء.
ومثال الابتداء بنكرة لكونها دعاء قول الشاعر:
لقد أَلَّبَ الواشون أَلبا بجمعهم ... فتُربٌ لأفواه الوشاة وجندلُ
ومثال الابتداء بنكرة لكونها جوابا قولك ? لمن قال: ما عندك؟ - درهم، فدرهم مبتدأ، خبره محذوف، والتقدير: درهم عندي، ولا يجوز أن يكون التقدير: عندي درهم، إلا على ضعف، لأن الجواب ينبغي أن يسلك به سبيل السؤال، والمقدم في السؤال هو المبتدأ، فكان هو المقدم في الجواب. ولأن الأصل تأخير الخبر، فترك في مثل: عندي درهم، لأن التأخير يوهم الوصفية، وذلك مأمون فيما هو جواب، فلم يعدل عن الأصل بلا سبب.
ومثال الابتداء بنكرة لأنها واجبة التصدير قولك: مَنْ عندك؟ وكم درهما مالُك؟ فمن وكم نكرتان، وجاز الابتداء بهما لأنهما بمنزلة نكرة مسبوقة باستفهام، لأنهما متضمنان معنى حرفه.
ومثال النكرة المقدر إيجابها بعد نفي قولهم: شَرٌّ أهر ذا ناب، فإنه بمعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر. ومثله قول الشاعر:
قَدَرٌ أحلَّكَ ذا المجاز وقد أرَى ... وأبيَّ مالَكَ ذو المجاز بدار
أي ما أحلك ذا المجاز إلا قدر. ومثله:
стр. 295
قضاءٌ رمى الأشقى بسَهْم شقائه ... وأغْرى بسبل الخير كلَّ سعيد
والمبتدأ عند سيبويه في نحو: كم مالك؟ "كم" مع أنه نكرة، والخبر "مالك" مع أنه معرفة، وكذا نحو: مررت برجل أفضلُ منه أبوه، أفضل عنده مبتدأ، وأبوه خبر، فجعل النكرة مبتدأ، والمعرفة خبرا، لأن وقوع ما بعد أسماء الاستفهام نكرة وجملة وظرفا أكثر من وقوعه معرفة، وعند وقوعه غير معرفة لا يكون إلا خبرا نحو: من قائم؟ ومن قام؟ ومن عندك؟ فحكم على المعرفة بالخبرية ليجرى الباب على سنن واحد، وليكون الأقل محمولا على الأكثر، والكلام على أفعل التفضيل كالكلام على أسماء الاستفهام.
ص: والأصل تأخير الخبر، ويجوز تقديمه إن لم يوهم ابتدائية الخبر، أو فاعلية المبتدأ، أو يقرن بالفاء، أو بإلا لفظا أو معنى في الاختيار، أو يكنْ لمقرون بلام الابتداء، أو لضمير الشأن أو شبهه، أو لأداة استفهام، أو شرط، أو مضاف إلى إحداهما.
ش: قد تقدم الإعلام بأن المبتدأ عامل في الخبر، وإذا كان عاملا فحقه أن يتقدم كما تتقدم سائر العوامل على معمولاتها، لا سيما عامل لا يتصرف، ومقتضى ذلك التزام تأخير الخبر، لكن أجيز تقديمه لشبهه بالفعل في كونه مسندا، ولشبه المبتدأ بالفاعل في كونه مسندا إليه. إلا أن جواز تقديمه مشروط بالسلامة من اللبس. فلو كان المبتدأ والخبر معرفتين أو نكرتين وجب تقديم المبتدأ، لأنه لا يتميز من الخبر إلا بذلك، فإن كان له قرينة معنوية يحصل بها التمييز لم يجب تقديم المبتدأ، وذلك نحو قول حسان ﵁:
قبيلةٌ ألأَمُ الأحياء أكرمُها ... وأغْدَرُ الناس بالجيران وافيها
стр. 296
ونحو قول الآخر:
وأغناهما أرضاهما بنصيبه ... وكلٌّ له رزقٌ من الله واجب
فألأم الأحياء، وأغناهما خبران مقدمان، وأكرمها وأرضاهما مبتدآن مؤخران، مع التساوي في التعريف، لأن المعنى إنما يصح بذلك. ومثل ذلك قول الآخر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناءُ الرجال الأباعد
فبنونا خبر مقدم، وبنو أبنائنا مبتدأ مؤخر، لأن مراد القائل الإعلام بأن بني أبنائهم كبنيهم، فالمؤخر مشبه، والمقدم مشبه به، لا يستقيم المعنى إلا بهذا التأويل، والأصْل تقديم المشبه وتأخير المشبه به، كقولك: زيد زهير شعرا، وعمرو عنترة شجاعة، وأبو يوسف أبو حنيفة فقها، وسهل في البيت العكس وضوح المعنى، والعلم بأن الأعلى لا يشبه بالأدنى عند قصد الحقيقة، فلو تقدم زهير على زيد، وعنترة على عمرو، وأبو حنيفة على أبي يوسف لم يمتنع، لأن المعنى لا يُجْهَل. ومن تقديم الخبر وهو معرفة للعلم بكونه خبرا قول الشاعر:
جانيك مَنْ يجني عليك وقد ... تُعْدى الصحاحَ مَباركُ الجُرْبِ
стр. 297
أي جانيك الذي تعود جنايته عليك، يعني العاقلة، فمن يجني مبتدأ، لأن المعنى عليه.
ومن تقديم الخبر لوضوح المعنى مع مساواته المبتدأ في التنكير قوله ﷺ : "مسكين مسكين رجل لا زوج له".
ولو كان المبتدأ مخبرا عنه بفعل فاعلُه ضمير مستتر نحو: زيد قام، لم يجز تقديم الخبر، لأن تقديمه يوهم كون الجملة مركبة من فعل وفاعل. فلو برز فاعل الفعل جاز التقديم، كقولك في: الزيدون قاموا: قاموا الزيدون، على أن يكون "قاموا" خبرا مقدما، ولا يمنع من ذلك احتمال كونه على لغة: أكلوني البراغيث، لأن تقديم الخبر أكثر في الكلام من تلك اللغة، والحمل على الأكثر راجح.
ومما يمنع تقديم الخبر اقترانه بالفاء نحو: الذي يأتيني فله درهم، لأن سبب اقترانه بالفاء شبهه بجواب الشرط، فلم يجز تقديمه، كما لا يجوز تقديم جواب الشرط.
ومما يمنع تقديم الخبر اقترانه بإلا لفظا أو معنى، كما في قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول) وكقوله تعالى (إنما أنت نذير) وأشرت بقولي: في "الاختيار" إلى أن تقديم الخبر المقترن بإلا قد يرد في الشعر، كقول الكميت:
فيا ربِّ هل إلا بك النصرُ يُبْتَغى ... عليهم وهل إلا عليك المُعَوَّل
ومما يمنع تقديم الخبر اقتران المبتدأ بلام الابتداء، لأن اقترانها به يؤكد الاهتمام بأوليته، وتقدم خبرها عليها مناف لذلك فمنع، ولأجل استحقاقها للتصدير امتنع تأثر مصحوبها بأفعال القلوب في نحو: علمت لزيدٌ كريم، فإن قوقع ما يوهم تقديم خبر مصحوبها حكم بزيادتها، أو بتقدير مبتدأ بينها وبين مصحوبها الظاهر، كقول الشاعر:
стр. 298
خالي لأنت ومَنْ جريرٌ خاله ... يَنَل العَلاء ويكرم الأخوالا
فلك أن تجعل اللام من قوله: لأنت، زائدة كزيادتها في قول الراجز:
أمُّ الحُلَيْس لَعَجوزٌ شَهْرَبَهْ ... ترضَى من اللحم بعظم الرَّقبه
ولك أن تجعلها لام ابتداء داخلةعلى مبتدأ خبره أنت، كأنه قال: خالي لهو أنت. وزيادتها أولى، لأن مصحوب لام الابتداء مؤكَّد بها، وحذف المؤكَّد مناف لتوكيده.
ومن زيادتها مع الخبر قول كثير:
أصاب الرّدى مَنْ كان يهوى لكِ الرَّدى ... وجُنَّ اللواتي قُلْنَ عَزّةُ جُنَّتِ
فهنّ لأولى بالجنون وبالجفا ... وبالسيئات ما حَيِين وحَيَّت
ومن زيادتها قول الشاعر:
وبنفسي لَهُمومٌ ... فهي حَرّى آسفة
ومما يمنع تقديم الخبر كون المبتدأ ضمير الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، لأنه لو قدم خبره عليه فقيل: زيد منطلق هو لم يعلم كونه ضمير الشأن، ولتوهم كونه مؤكدا للضمير المستكن في الخبر.
وفي حكم ضمير الشأن قول القائل: كلامي زيد منطلق، فإن تأخير "كلامي" وتقديم: زيد منطلق، ممتنع، لأن سامع قولك: زيد منطلق، قد علم أنه كلامك، فيتنزل قولك "كلامي" بعد ذلك منزلة قولك: كلامي هو كلامي، ولا فائدة في ذلك.
ومما يمنع تقديم الخبر كون المبتدأ بعض أسماء الاستفهام أو الشرط نحو: أيُّهم
стр. 299
أفضل؟ ومَنْ يقمْ أقمْ معه. وكذا الحكم في الابتداء بما أضيف إلى بعض أسماء الاستفهام والشرط.
ص: ويجوز نحو: في داره زيدٌ، إجماعا، وكذا: في داره قيام زيد، وفي دارها عبدُ هند، عند الأخفش.
ش: نحو في داره زيد، جائز بلا خلاف، إذ ليس فيه إلا تقديم خبر مشتمل على ضمير عائد على مبتدأ متأخر، ولا بأس بذلك، لأنه مقدم الرتبة، فأجمع على جوازه، كما أجمع في باب الفاعل على جواز نحو: ضرب غلامَه زيدٌ.
وأجاز الأخفش تقديم خبر مشتمل على ضمير عائد على ما أضيف إليه المبتدأ، وسوَّى في ذلك بين الصالح للحذف، وإقامة المضاف إليه مقامه، نحو: في داره قيام زيد، وبين ما لا يصلح لذلك نحو: في دارها عبد هند، وبقوله أقول: لأن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد. فإذا كان المضاف مقدر التقديم بوجه ما كان المضاف إليه مقدرا معه، إلا أن تقديم ضمير ما يصلح أن يقام مقام المضاف أسهل، ومنه قول العرب: في أكفانه درج الميت، وقول الشاعر:
بمَسْعاته هلكُ الفتى أو نجاتُه ... فنفسَك صُنْ عن غَيِّها تك ناجيا
ص: ويجب تقديم الخبر إن كان أداة استفهام، أو مضافا إليها، أو مصحِّحا تقديمه الابتداء بنكرة، أو دالا بالتقديم على ما لا يُفهم بالتأخير، أو مسندا دون أمّا إلى أنّ وصلتها، أو إلى مقرون بإلا لفظا أو معنى، أو إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر، وتقديم المفسِّر إن أمكن مُصَحِّح، خلافا للكوفيين إلا هشاما، ووافق الكسائي في جواز نحو: زيدا أجَلُه مُحْرِزٌ، لا في نحو: زيدا أجلُه أحرز.
ش: قد تقدم التنبيه على أن الاستفهام له صدر الكلام، وأن المبتدأ يجب تقديمه إن كان بعض أدواته، نحو: مَنْ عندك؟ أو مضافا إلى بعض أدواته نحو، غلامُ مَنْ عندك؟
стр. 300
وكذلك يجب تقديم الخبر إذا كان مضافا إلى بعض أدواته، نحو: صبيحة أي يوم سفرُك؟
وقد تقدم أن من مُصَحِّحات الابتداء بنكرة أن تخبر عنها بظرف مقدم مختص، نحو: عندك رجل، وإنما كان تقديمه مصححا لأن تأخيره يوهم كونه نعتا، وتقديمه يؤمن معه ذلك. وكذلك النكرة المخبر عنها بجار ومجرور مختص نحو: لك مال، أو بجملة متضمنة لما تحصل به الفائدة، نحو: قصَدك غلامُه رجلٌ، فلولا الكاف من "قصدك" لم يفد الإخبار بالجملة، كما أنه لولا اختصاص الظرف والمجرور لم يفد الإخبار بهما.
وإلى الظرف المختص واللاحق به من الجار والمجرور والجملة أشرت بقولي: "أو مصححا تقديمه الابتداء بنكرة" وأما قولي: "أو دالا بالتقديم على ما لا يفهم بالتأخير" فأشرت به إلى نحو: لله درك، من الجمل التعجبية، فإن تعجبها لا يفهم إلا بتقديم الخبر وتأخير المبتدأ، وكذلك نحو: (سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تُنْذِرهم) من الجمل الاستفهامية المقصود بها التسوية، فإن الخبر فيها لازم التقديم، وذلك أن المعنى: سواء عليهم الإنذار وعدمه، فلو قدم (أأنذرتهم) لتوهم السامع أن المتكلم مستفهم حقيقة، وذلك مأمون بتقديم الخبر، فكان ملتزما.
ومن الأخبار اللازم تقديمها الخبر المسند إلى أنّ المفتوحة وصلتها، كقولك: معلوم أنك فاضل، وكقوله تعالى: (وآية لهم أنّا حملنا ذريتهم) وسبب التزام ذلك خوف التباس المكسورة بالمفتوحة، أو خوف التباس أنْ المصدرية بالكائنة بمعنى لعل، أو خوف التعرض لدخول إنّ على أنّ مباشرة، وفي ذلك من الاستثقال ما لا يخفى، فلو ابتدئ بأنّ وصلتها بعد أمّا لم يلزم تقديم الخبر، لأن المحذورات الثلاثة مأمونة بعد أمّا، إذ لا يليها إنّ المكسورة، ولا أنّ التي بمعنى لعل، فجائز أن يقال:
стр. 301
أمّا معلوم فأنك فاضل، وأمّا أنّك فاضل فمعلوم، ومنه قول الشاعر:
دَابي اصطبارٌ وأمّا أنّني جَزِع ... يوم النَّوَى فلِوَجْدٍ كاد يِبْرِيني
ومن الأخبار اللازمة تقديمها الخبر المسند إلى مقرون بإلا لفظا أو معنى، نحو قولك: ما في الدار إلا زيدٌ، وإنما عندك عمرٌو. وكذلك الخبر المسند إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر، كقول الشاعر:
أهابُك إجلالا وما بك قُدْرةٌ ... عليَّ ولكنْ ملءُ عينِ حبيبُها
فحبيبها مبتدأ ملتبس بضمير العين، وملء عين خبر واجب التقديم، لأنه لو أخر وقدم حبيبها لعاد الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة، فالتزم تقديم الخبر وتأخير المبتدأ، ليؤمن بذلك المحذور.
وذكر الالتباس أولى من ذكر الإضافة، لأن الالتباس يعم الإضافة وغيرها، فمثال الالتباس بالإضافة ما في البيت من قول الشاعر:
ولكن ملء عين حبيبها
ومثال الالتباس بغير الإضافة قولك: معرض عن هند المرسل إليها.
وإذا التبس المبتدأ بضمير اسم ملتبس بالخبر وأمكن تقديم صاحب الضمير صحت المسألة عند البصريين وهشام الكوفي، في نحو: زيدا أجَلُه مُحْرزٌ، لأنه لم يَفصِل بين المنصوب ناصبه أجنبي، بخلاف: زيدا أجلُه أحرز، فإن الأجل وإن كان الفعل خبره، فإن الإخبار بالفعل على خلاف الأصل، لأن الفعل وفاعله أصلهما أن يستقل بهما كلام، فعد المبتدأ قبلهما أجنبيا، بخلاف وقوعه قبل اسم الفاعل، فإن اتصال المبتدأ به على الأصل، لأنه مفرد.
قلت: وقد يفرق بين الصورتين بأن اسم الفاعل لا يجب تأخيره فلا يمتنع
стр. 302
تقديم معموله، بخلاف الفعل فإن تأخيره إذا وقع خبر مبتدأ واجب، فلا يجوز تقديم معموله، لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وهذه شبهة شهرت عند النحويين، وفيها ? إذا لم تقيد ? ضعف، لأن تقديم معمول العامل العارض منع تقدمه منبه على ما كان له من جواز التقدم قبل عروض العارض، فالحكم بجوازه أولى من الحكم بمنعه، ما لم يكن في ذلك إخلال ملازم، لأن منعه مفوّت للتنبيه على الأصل، ولأجل ذلك جاز أن يقدّم على: لن، ولا واللام الطلبيتين معمولات معمولاتهن نحو: زيدا لن أضرب، وعمْرا لم أكرم، العلمَ لتطلبْ، والجاهل لا تصحبْ.
وقول أبي علي: إن الفعل وفاعله أصلهما أن يستقل بهما كلام، فعدّ المبتدأ قبلهما أجنبيا، تخيّل جدلي لا ثبوت له عند التحقيق، لأن الجملة لا توقع موقع المفرد إلا لتؤدي معناه، وتقوم مقامه، فلا يعدّ ما هي له خبرا أجنبيا، كما لا يعد أجنبيا ما المفرد له خبر.
فالحاصل أن الصحيح ما ذهب إليه البصريون من التسوية في الجواز بين: زيدا أجلُه محرزٌ، وزيدا أجلُه أحرز، بل الأخير أولى بالجواز، لأن العامل فيه فعل، وعامل المثال الأول اسم فاعل، فمن منع الآخر دون الأول فقد رجح فرعا على أصل، ومن منعهما فقد ضيق رحيبا، وبعد قريبا. ومن حجج البصريين قول الشاعر:
خيرا المبتغية حاز وإن لم ... يقض فالسعي بالرشاد رشاد
فهذا مثل: زيدا أجله أحرز.
فصل: ص: الخبر مفرد وجملة، والمفرد مشتق وغيره، وكلاهما مغاير للمبتدأ لفظا، متحد به معنى، ومتحد به لفظا دال على الشهرة وعدم التغير، ومغاير له مطلقا دال على التساوي حقيقة أو مجازا، أو قائم مقام مضاف، أو مشعر بلزوم حالٍ تُلْحِق العين بالمعنى، والمعنى بالعين مجازا.
стр. 303
ش: المراد هنا بالمفرد ما لعوامل الأسماء تسلط على لفظه، عاريا كان من إضافة وشبهها، أو ملتبسا بأحدهما، نحو: زيد منطلق، وعمرو صاحبك، وبشر قائم أبوه.
والجملة ما تضمن جزأين ليس لعوامل الأسماء تسلط على لفظهما أو لفظ أحدهما، نحو: زيد أبوه عمرو، وبشر حضر أخوه. فنحو: قائم أبوه من المثال الثالث ليس بجملة عند المحققين، لتسلط العوامل على أول جزأيه.
والمراد هنا بالمشتق ما دل على متصف مصوغا من مصدر مستعمل أو مقدر، فذو المصدر المستعمل نحو: ضارب ومضروب وحسن وأحسن منه، وذو المصدر المقدر نحو: ربْعة وحَزَوّر وحَضاجِر، من الصفات التي لا مصادر لها ولا أفعال، فتقدر لها مصادر كما تقدر للأفعال التي لم تستعمل لها مصادر.
وغير المشتق ما عُرِّي مما رسم به المشتق.
وكل واحد من النوعين إذا أخبر به عن مبتدأ فالأكثر أن يغايره لفظا ويتحد به معنى، نحو: هذا زيد، وزيد فاضل. فالشخص المشار إليه بهذا هو المعبر عنه بزيد، فقد اتحدا معنى وتغايرا لفظا، وكذا زيد فاضل. وقد يقصد بالخبر المفرد بيان الشهرة وعدم التغيير، فيتحد بالمبتدأ به لفظا، ويكون أيضا على نوعين، مشتقا كقول رجل من طيء:
خليلي خليلي دون رَيْبٍ وربّما ... ألان امْرُوٌ قولا فظُن خليلا
وغير مشتق كقول أبي النجم:
أنا أبو النجم وشعري شعري
أي خليلي من لا أشك في صحة خُلته، ولا يتغير في حضوره ولا غيبته، وشعري ما ثبت في النفوس من جزالته، والتوصل به من المراد إلى غايته. وقد يفعل مثل
стр. 304
هذا بجواب الشرط، كقولك: من قصدني فقد قصدني، أي فقد قصد من عرف نجاح قاصده. ومنه قول النبي ﷺ : "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله".
وقد يكون الخبر المفرد مغايرا للمبتدأ في لفظه ومعناه، والحامل على ذلك الإعلام بالتساوي في الحكم حقيقة، كقوله تعالى (وأزواجه أمهاتهم) أو مجازا كقول الشاعر:
ومُجاشِعٌ قَصَبٌ هَوَتْ أجوافُها ... لو يُنفَخُون من الخُئُورة طاروا
وقد يكون المغاير لفظا قائما مقام مضاف كقوله تعالى (هم درجات عند الله) وكقوله تعالى: (ولكنّ البرَّ من آمن بالله) أي: هم ذوو درجات، ولكن البرَّ برُّ من آمن.
ويدخل في هذا الدال على التساوي مجازا، فيقدر "مثل" مضافا إلى الخبر في قولهم: زيد زهير، ومجاشع قصب، ونحو ذلك.
وقد يكون المغاير لفظا ومعنى مشعرا بحال تلحق العين بالمعنى، والمعنى بالعين، فالأول كقولك: زيد صوم، تريد بذلك المبالغة، كأنك جعلته نفس الصوم، ولا يراد بذلك: ذو صوم، لأن ذلك الصوم يصدق على القليل والكثير، وهو صوم لا يصدق إلا على المدمن للصوم، وكذلك ما أشبهه. والثاني قولهم: نهار فلان صائم، وليله قائم، ومنه: (والنهار مبصرا) وقول الشاعر أنشده سيبويه:
стр. 305
أمّا النهارُ ففي قَيْد وسِلْسِلة ... والليلُ في جوف مَنْحُوتٍ من السّاج
ومن هذا القبيل قولهم: شِعرٌ شاعر، ومَوتٌ مائت.
ص: ولا يتحمل غير المشتق ضميرا ما لم يؤول بمشتق، خلافا للكسائي، ويتحمله المشتق خبرا أو نعتا أو حالا ما لم يرفع ظاهرا، لفظا أو محلا، ويستكنّ الضمير إن جرى متحملُه على صاحب معناه، وإلا برز، وقد يستكن إن أمن اللبْس وفاقا للكوفيين.
ش: مثال الخبر الذي لا يتحمل ضميرا لكونه غير مشتق ولا مؤول بمشتق قولك مشيرا إلى الأسد المعروف: هذا أسد، فأسد لا ضمير فيه لأنه خال من معنى الفعل. فلو وقع موقع المشتق لجرى مجراه في تحمل الضمير، كقولك مشيرا إلى رجل شجاع: هذا أسد، ففي أسد حينئذ ضمير مرفوع به لأنه مؤول بما فيه من معنى الفعل، فلو أسند إلى ظاهر لرفعه كقولك: رأيت رجلا أسدا أبوه، ومنه قول الشاعر:
وليلٍ يقول الناسُ من ظُلُماته ... سواءٌ صحيحاتُ العُيُونِ وعُورها
كأنّ لنا منه بيوتا حصينة ... مُسُوحا أعاليها وساجا كُسُورها
فرفع الأعالي والكسور بمسوح وساج، لإقامتها مقام سود، وإذا جاز ارتفاع الظاهر بالجامد لتأوله بمشتق، كان ارتفاع المضمر به أولى، لأنه قد يرفع المضمر ما لا يرفع الظاهر، كأفعل التفضيل في أكثر الكلام. وإذا رفع الجامد القائم مقام مشتق ضميرا أو ظاهرا، جاز أن ينصب بعد ذلك تمييزا وحالا، كقول الشاعر:
تُخَبِّرنا بأنك أحْوَذِيٌّ ... وأنت البَلْسَكاءُ بنا لُصوقا
стр. 306
وإذا ثبت تحمل الجامد ضميرا، ورفعه ظاهرا لتأوله بمشتق، لم يرتب في أن المشتق أحق بذلك، وقد حكم الكسائي وحده بذلك للجامد المحض، كقولك: هذا زيد، وزيد أنت. وهذا القول وإن كان مشهورا انتسابه إلى الكسائي دون تقييد، فعندي استبعاد في إطلاقه، إذ هو مجرد عن دليل، ومقتحم بقائله أوعر سبيل. والأشبه أن يكون الكسائي قد حكم بذلك في جامد عرف لمسماه معنى لازم لا انفكاك عنه، ولا مندوحة منه، كالإقدام والقوة للأسد، والحرارة والحمرة للنار، فإن ثبت هذا المذكور فقد هان المحذور، وأمكن أن يقال معذور. وإلا فضعف رأيه في ذلك بين، واجتنابه متعين.
وأما الخبر المشتق إذا لم يرتفع به ظاهر لا لفظا نحو: زيد قائم غلامُه، ولا محلا نحو: عمرو مرغوب فيه، فلا بد من رفعه ضميرا، فإن جرى رافعه على صاحب معناه استكن الضمير دون خلاف، فإن برز فالبارز مؤكد للمستكن. وإن جرى رافعه على غير صاحب معناه لزم إبرازه عند البصريين، والكوفيين عند خوف اللبس، كقولك: زيد عمرو ضاربه هو، والزيدان العمران ضاربهما هما، "فهو" فاعل مسند إليه ضاربه وهو عائد على زيد، والهاء عائدة على عمرو، و"هما" فاعل مسند إلى ضاربهما، وهو عائد على الزيدان، والمضاف إليه عائد على العمران، وأفرد "ضارب" المسند إليه المثنى، لأنه واقع موقع فعل مجرد مسند إلى فاعل بارز، فالإبراز في مثل هذا مجمع عليه، لكون المعنى ملتبسا بدونه، فلو كان المراد صدور الضرب من المبتدأ الثاني ووقوعه على الأول لاستكن الضمير بإجماع، لعدم الحاجة إلى إبرازه. ومثال الإبراز المجمع عليه قول الشاعر:
لكلِّ إلفَيْن بَيْنٌ بعد وصلهما ... والفرقدان حِجاه مقتفيه هما
والتزم البصريون الإبراز مع أمن اللبس عند جريان رافع الضمير على غير صاحب معناه، ليجرى الباب على سنن واحد. وخالفهم الكوفيون فلم يلتزموا الإبراز عند
стр. 307
أمن اللبس، وبقولهم أقول لورود ذلك في كلام العرب، كقول الشاعر:
قومي ذُرا المجد بانُوها وقد علمت ... بكُنْهِ ذلك عدنانٌ وقحطان
فقومي مبتدأ، وذرا المجد مبتدأ ثان، وبانوها خبر جار على ذرا المجد في اللفظ، وهو في المعنى لقومي، وقد استغنى باستكنان ضميره عن إبرازه لعدم اللبس، ومثله قول الشاعر أيضا:
إن الذي لهواكِ آسَفَ رهطَه ... لجديرةٌ أن تصطفيه خليلا
ومثله أيضا قول الآخر:
ترى أرْباقَهم مُتَقَلِّدِيها ... إذا حَمِيَ الحديدُ على الكُماة
وتكلف بعض المتعصبين فقال: تقدير البيت الأول: قومي بانو ذرا المجد بانوها، وتقدير البيت الثاني: لأنت جديرة أن تصطفيه، وتقدير البيت الثالث: ترى أصحابَ أرباقهم متقلديها. والصحيح حمل الأبيات على ظاهرها، دون تكلف ما يتم المعنى بعدمه.
والكلام على المشتق الواقع نعتا وحالا كالكلام عليه إذا وقع خبرا، فمَنْ التزم إبراز الضمير عموما مع الخبر الجاري على غير صاحب معناه، التزمه مع النعت والحال الجاريين على غير ما هما له، أمن اللبس أو لم يؤمن، ومن لم يلتزم الإبراز في الخبر إلا عند خوف اللبس، لم يلتزمه في النعت والحال إلا عند خوف اللبس ومن النعت الجاري على غير ما هو له دون إبراز ضمير قراءة ابن أبي عبلة: (يُؤْذَنَ لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) بخفض "غير".
стр. 308
وإن كان الجاري على غير ما هو له من خبر ونعت وحال فعلا، وأمن اللبس، اغتفر ستر الضمير، كقولك: زيد الخبز يأكله. فلو خيف اللبس وجب الإبراز كقولك: غلام زيد يضربه هو، إذا كان المراد أن زيدا يضرب الغلام.
ص: والجملة اسمية وفعلية، ولا يمتنع كونها طلبية خلافا لابن الأنباري وبعض الكوفيين، ولا قسمية خلافا لثعلب.
ش: الجملة الواقعة خبرا إن كانت اسمية فمثالها: الله فضله عظيم، وإن كانت فعلية فمثالها: (الله يجتبي إليه من يشاء) ويدخل في الاسمية المصدرة بحرف عامل في المبتدأ، والشرطية المصدرة باسم غير معمول للشرط، ويدخل في الفعلية الشرطية المصدرة بحرف، أو باسم معمول للشرط، فمثال الإخبار بجملة مصدرة بحرف عامل في المبتدأ: (الله لا إله إلا هو) و (والذين يُمَسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نُضيع أجر المصلحين) ومثال الإخبار بشرطية مصدرة باسم غير معمول للشرط: الله مَنْ يطعه ينج. ومثال الإخبار بشرطية مصدرة بحرف: الله إن تسأله يعطك. ومثال الإخبار بجملة شرطية مصدرة باسم معمول للشرط: الله مَنْ يَهد فلا مضل له.
ومنع أبو بكر بن الأنباري ومن وافقه الإخبار بجملة طلبية، نظرا إلى أن الخبر حقه أن يكون محتملا للصدق والكذب، والجملة الطلبية ليست كذلك. وهذا
стр. 309
نظر واه، لأن خبر المبتدأ لا خلاف في أن أصله أن يكون مفردا، والمفرد من حيث هو مفرد لا يحتمل الصدق والكذب، فالجملة الواقعة موقعه حقيقة بأن لا يشترط احتمالها للصدق والكذب، لأنها نائبة عما لا يحتملهما.
وأيضا فإن وقوع الخبر مفردا طلبيا نحو: كيف أنت؟ ثابت باتفاق، فلا يمتنع ثبوته جملة طلبية بالقياس لو كان غير مسموع، ومع ذلك فهو مسموع شائع في كلام العرب، كقول رجل من طيء:
قلتُ مَنْ عِيلَ صبرُه كيف يَسْلو ... صاليا نارَ لَوْعة وغرام
وروى عن ثعلب منع الإخبار بجملة قسمية، وهو أيضا منع ضعيف إذ لا دليل عليه، مع ورود الاستعمال بخلافه، كقول الله تعالى: (والذين هاجروا في الله مِنْ بعد ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئنَّهم في الدنيا حسنة) وكقول الشاعر:
جَشَأتْ فقلت اللّذْ خشيت ليأتِيَنْ ... وإذا أتاكِ فلاتَ حينَ مَناص
ص: وإن اتحدت بالمبتدأ معنى هي أو بعضُها استغنت عن عائد، وإلا فلا، وقد يحذف إن علم ونصب بفعل أو صفة، لفظا أو محلا، ويجوز حذفه بإجماع إن كان مفعولا: [والمبتدأ كل أو شبهه في العموم والافتقار، ويضعف إن كان المبتدأ غير ذلك، ولا يخص جوازه بالشعر خلافا للكوفيين].
ش: فالجملة المتحدة بالمبتدأ معنى كحديث وكلام، ومنه ضمير الشأن والقصة كقوله تعالى: (قل هو الله أحد) وكقوله: (فإذا هي شاخصة أبصار
стр. 310
الذين كفروا) ومن الإخبار عن مفرد بجملة اتحدت به معنى قول النبي ﷺ : "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله".
والجملة المتحد بعضها بالمبتدأ معنى كل جملة تتضمن ما يدل على ما يدل عليه المبتدأ بإشارة أو غيرها، كقوله تعالى: (ولباس التقوى ذلك خير) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة، وكقوله تعالى: (والذين يُمَسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين) لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، فيتحصل به ما كان يتحصل بضميره، مع تأكد الاعتناء، ومزيد الثناء.
ويكثر الاتحاد لفظا ومعنى تعظيما لأمر المحدَّث به، كقوله تعالى: (وأصحابُ اليمين ما أصحاب اليمين).
فإن لم يتحد بالمبتدأ معنى الجملة ولا بعضها لم تستغن عن ضمير، وإلى هذا أشرت بقولي: وإلا فلا، ونبهت بكون الجائز الحذف منصوب اللفظ والمحل بفعل أو صفة، على أن غير ذلك لا يحذف كالمرفوع مطلقا، وكالمنصوب بحرف، وكالمجرور بإضافة غير صفة. ثم بينت جواز حذف الضمير إذا علم، ونصب بفعل أو صفة لفظا أو محلا. فمثال المنصوب بفعل لفظا قول الشاعر:
ثلاثٌ كلُّهن قتلتُ عمدا ... فأخزى الله رابعة تعود
стр. 311
ومثال المنصوب بفعل محلا قول الآخر:
فيومٌ علينا ويومٌ لنا ... ويومٌ نساءُ ويوم نُسَرّ
أراد الأول: ثلاث كلهن قتلتهن عمدا، وأراد الآخر: ويوم نساء فيه، ويوم نسر فيه.
ومثال المنصوب بصفة لفظا قول الراجز:
غَناءُ نفس العفافُ المغنى ... والخائفُ الإملاقِ لا يستغنى
مثال المنصوب بصفة محلا قول الشاعر:
سُبْلُ المعالي بنو الأعلين سالكة ... والإرثُ أجدرُ مَنْ يَحْظَى به الولدُ
ومثال الجائز حذفه بإجماع لكونه مفعولا به والمبتدأ كل، قراءة ابن عامر: (وكلٌّ وعد الله الحسنى)، ومثال ذلك قول الراجز:
قد أصبحتْ أمُّ الخيار تدّعي ... عليّ ذنبا كلُّه لم أصنع
فلو كان المبتدأ غير كل، والضمير مفعول به، لم يجز عند الكوفيين حذفه مع بقاء الرفع إلا في الاضطرار، والبصريون يجيزون ذلك في الاختيار، ويرونه ضعيفا، ومنه قراءة السلمي: (أفحكمُ الجاهلية يَبْغون) بالرفع. ومثل هذه القراءة
стр. 312
قول الشاعر:
وخالدٌ يَحمدُ أصحابُه ... بالحقِّ لا يُحْمَدُ بالباطل
هكذا رواه أبو بكر بن الأنباري برفع خالد وأصحابه.
ص: ويغني عن الخبر باطراد ظرف، أو جرف جر تامٌ معمول في الأجود لاسم فاعل كَوْنٍ مطلقا، وفاقا للأخفش تصريحا ولسيبويه إيماء، لا لفعله، ولا للمبتدأ، ولا للمخالفة، خلافا لزاعمي ذلك. وما يعزى للظرف من خبرية وعمل فالأصح كونه لعامله، وربما اجتمعا لفظا.
ش: ذهب الكوفيون إلى أن الظرف من نحو: زيد خلفك، منصوب بمخالفته المبتدأ، حكاه ابن كيسان والسيرافي. وهذا القول فاسد من أربعة أوجه: أحدها: أن تخالف المتباينين في معنًى نسبته إلى كل واحد منهما كنسبته إلى الآخر، فإعماله في أحدهما ترجيح من غير مرجح.
الثاني: أن المخالفة بين الجزأين محققة في مواضع كثيرة، ولم تعمل فيها بإجماع، نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير، ونهارك صائم. وأنت فطر، وهم درجات، فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف المذكور لعملت في هذه الأخبار ونحوها لتحقق المخالفة فيها.
الثالث: أن المخالفة معنى لا تختص بالأسماء دون الأفعال، فلا يصح أن تكون عاملة، لأن العامل عملا مجمعا عليه لا يكون غير مختص، هذا إذا كان العامل لفظا، مع أنه أقوى من المعنى، فالمعنى إذا عدم الاختصاص أحق بعدم العمل لضعفه.
الرابع: أن المخالفة لو كانت صالحة للعمل لزم على مذهب الكوفيين ألا تعمل في الظرف عند تأخره، لأن فيه عندهم عائدا هو رافع المبتدأ مع بعده بالتقدم،
стр. 313
فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه منه أحق. فبان بهذه الأوجه فساد ما ذهب إليه الكوفيون.
وذهب ابن خروف إلى أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، وقال: هو مذهب سيبويه، وحمله على ذلك أن سيبويه قال في باب ما ينتصب من الأماكن والوقت: قد تنتصب لأنها موقوع فيها، ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها، كما أن العِلْم إذا قلت: أنت الرجل علما، عمل فيه ما قبله، وكما عمل في الدرهم عشرون إذا قلت: عشرون درهما ثم قال سيبويه: "فالمكان هو خلفك" ثم أردفه بنظائر وقال: "فهذا كله انتصب على ما هو فيه وهو غيره، وصار بمنزلة المنون الذي عمل فيما بعده نحو العشرين، ونحو: خير منك عملا، فصار: زيد خلفك، بمنزلة ذلك، والعامل في خلف الذي هو في موضعه، والذي هو في موضع خبره، كما أنك إذا قلت: عبد الله أخوك، فالآخر رفعه الأول، وعمل فيه، وبه استغنى الكلام، وهو منفصل منه" هذا نصه، وهو يحتمل أربعة أوجه: أحدها: كون الظرف منصوبا بعامل معنوي، وهو حصول المبتدأ فيه، بقوله: فانتصبت لأنها موقوع فيها، ومكون فيها. ويحتمل قوله: عمل فيها ما قبلها على عمل المبتدأ في المحل. فيكون للظرف على هذا التقدير عامل نصب في لفظه وهو المعنى المذكور، وعامل رفع في محله وهو المبتدأ، وهذا الوجه باطل إذ لا قائل به، ولأن الحصول لو عمل في الظرف العرفي وهو الخلف وشبهه لعمل في الظرف اللغوي كالكِيس والكُوز، فكان يقال: المالُ الكيسَ، والماءُ الكوزَ، بالنصب، بل الحصول المنسوب إلى الكيس والكوز ونحوهما أولى بالعمل، لأنه حصول إحاطة وإحراز، وإذا لم يصلح للعمل وهو أقوى، فغيره بعدم العمل أولى.
والوجه الثاني: "كون الظرف منصوبا بالمخالفة كقول الكوفيين، فإنه يوهمه سيبيوه بقوله في الباب المذكور: فهذا كله انتصب على ما هو فيه وهو غيره"
стр. 314
فظاهر هذا القول شبيه بما حكاه ابن كيسان من قول الكوفيين: إن الظرف منصوب بالمخالفة، لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فالأخ هو زيد. وإذا قلت: زيد خلفك، فالخلف ليس بزيد، فمخالفته له عملت فيه النصب، وقد تقدم إبطال هذا القول.
فسيبويه بريء ممن عوّل عليه، وجنح إليه، لأنه قال حين مثل بظروف بعد مبتدآت: "وعمل فيها ما قبلها" وهذه عبارة لا تصلح أن يراد بها إلا شيء متقدم على الظرف، والمخالفة بخلاف ذلك. فتيقن أن مراده غير مراد الكوفيين.
الوجه الثالث: ما ذهب إليه ابن خروف من أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، واحتماله أظهر من الوجهين المتقدمين، وهو أيضا مخالف لمراد سيبويه. وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى، ولو قصد ذلك سيبيوه نصا لم يُعَوَّل عليهن لأنه يبطل من سبعة أوجه: أحدها أنه قول مخالف لما اشتهر عن البصريين والكوفيين، مع عدم دليل، فوجب اطراحه.
الثاني: أن قائله يوافقنا على أن المبتدأ عامل رفع، ويخالفنا بادعاء كونه عامل نصب، وما اتفق عليه إذا أمكن أولى مما اختلف فيه، ولا ريب في إمكان تقدير خبر مرفوع ناصب للظرف، فلا عدول عنه.
الثالث من مبطلات قول ابن خروف: أنه يستلزم تركيب كلام تام من لفظين: ناصب ومنصوب، لا ثالث لهما، ولا نظير له، فوجب اطراحه.
الرابع: أنه قول يستلزم ارتباط متباينين دون رابط، ولا نظير لذلك، ومن ثمّ لم يكن كلاما نحو: زيد قام عمرو، حتى يقال: إليه، أو نحوه.
الخامس: أن نسبة الخبر من المبتدأ كنسبة الفاعل من الفعل، والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عن تقدير الفاعل، فكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يغني عن تقدير الخبر.
السادس: أن الظرف الواقع موقع الخبر من نحو: زيد خلفك، نظير المصدر من نحو: ما أنت إلا سيرا، في أنه منصوب مغن عن مرفوع، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك، إلحاقا للنظير بالنظير.
السابع: أن عامل النصب في غير الظرف المذكور بإجماع من ابن خروف ومنا لا يكون إلا فعلا أو شبيهه، أو شبيه شبيهه، والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح
стр. 315
انتصاب الظرف المذكور به.
الوجه الرابع من محتملات كلام سيبويه: أن ينتصب الظرف المذكور بمستقر أواستقر أو شبههما، وكلام سيبويه قابل لاستنباط ذلك منه، لأنه قال قاصدا للظروف الواقعة بعد المبتدأ: وعمل فيها ما قبلها، كما أن العِلْمَ إذا قلت: أنت الرجل علما، عمل فيه ما قبله. فما قبلها يحتمل أن يريد به الذي قبلها في اللفظ وهو المبتدأ، ويحتمل أن يريد به الذي قبلها في التقدير وهو مستقر أو استقر أو شبههما، إلا أن الاحتمال الأول يفضي إلى المحذورات المتقدم ذكرها، والاحتمال الثاني لا يفضي إليها، فكان أولى بمراده، ويؤيد أولويته في إرادته أنه شبه ناصب الظرف بما نصب التمييز في قوله: خير عملا، وناصب التمييز خبر لا مبتدأ، فينبغي أن يكون ناصب الظرف خبرا لا مبتدأ، فإن ذلك أليق بالنظير، وأوفق في التقدير. وكذا قوله: "فهذا كله انتصب على ما هو فيه وهو غيره" يحتمل أن يريد بما هو فيه المبتدأ، ويحتمل أن يريد به ما حذف من مستقر ونحوه وهو الأولى، لما ذكرت من أن تقديره لا يفضي إلى المحذورات السالفة، ويؤيد ذلك أيضا قوله: "وهو غيره" أي ما هو في الظرف غير المبتدأ، واحتاج إلى هذه العبارة لينبه على أن بين الظرف والمبتدأ مقدرا، وهو خبر للمبتدأ، وعامل في الظرف، وأنه غير للمبتدأ، ولا يصح أن يعاد هو إلى المبتدأ، والهاء من غيره إلى الظرف، لأن الإعلام بذلك إعلام بما لا يجهل، بخلاف الإعلام بأن ثم مقدرا هو غير المبتدأ وعامل في الظرف، فإن الحاجة داعية إليه. ويتأيد ذلك أيضا بقوله: "وصار بمنزلة المنون الذي عمل فيما بعده، نحو العشرين، ونحو خير منك عملا" فإن في "صار" ضميرا عائدا على ما هو فيه وهو غيره، وقد ثبت أنه ما يقدر من مستقر ونحوه، وجعل نسبة هذا المقدر من الظرف كنسبة خير من عملا، وفيه أيضا إشعار بأنه لا يريد بما المبتدأ بل الخبر المقدر، لأن خيرا من قوله: "خير عملا" خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت أو هو خير عملا، وجعل ما هو خبر نظيرا لخبر، أولى من جعله نظيرا لمبتدأ. ثم قال: "فصار زيد خلفك بمنزلة ذلك" أي صار زيد قبل خلفك بمنزلة مستقر، لأنه يدل عليه، ويجعله في الذهن مشارا إليه، ثم قال: والعامل في خلف الذي هو في موضعه"
стр. 316
أي الذي خلف في موضعه، والذي خلف في موضعه هو مستقر أو نحوه من أسماء الفاعلين، فإنه الخبر في الحقيقة، فالظرف في موضعه لأنه عمدة، والظرف فضلة، ثم قال: والذي هو في موضع خبره" يعني استقر ونحوه من الأفعال الدالة على كون مطلق، فإن الظرف إذا علق بفعل فذلك الفعل في موضع الخبر الأصلي، وهو اسم الفاعل، فأشار سيبويه بهذا إلى جواز تعليق الظرف باسم فاعل وبفعل، ونبه على أن تقدير اسم الفاعل أولى، بأن أضاف الموضع إلى ضميره، ولو قال: أو الذي هو في موضع خبره، لكان أبين، لكن من كلام العرب وقوع الواو موقع أو حيث لا تصلح الجمعية، كقوله تعالى: (مَثْنى وثُلاث ورُباع) ووقوع أو موقع الواو حيث تتعين الجمعية، كقول الشاعر:
مِن بين مُلْجِم مُهْرِه أو سافِع
ويدل على أن تقدير اسم الفاعل أولى أربعة أوجه: أحدها: أن اجتماع اسم الفاعل والظرف قد ورد، كقول الشاعر:
لكَ العِزُّ إنْ مَوْلاك عَزَّ وإن يَهُن ... فأنت لدى بُحْبُوحَةَ الهُونِ كائن
ولم يرد اجتماع الفعل والظرف في كلام يستشهد به، وإلى هذا البيت ونحوه أشرت بقولي: "وربما اجتمعا لفظًا".
الثاني: أن الفعل لا يغني تقديره عن تقدير اسم الفاعل ليستدل على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل مغن عن تقديره، وتقدير ما يغني أولى من تقدير ما لا يغني.
الثالث: أن كل موضع وقع فيه الظرف المذكور صالح لوقوع اسم الفاعل، وبعض مواضعه غير صالح للفعل، نحو: أمّا عندك فزيد، وجئت فإذا عندك
стр. 317
زيد، لأن "أمّا" وإذا المفاجأة لا يليهما فعل.
الرابع: أن الفعل المقدر جملة بإجماع، واسم الفاعل عند المحققين ليس بجملة، والمفرد أصل، وقد أمكن، فلا عدول عنه. فلهذه المرجحات وافقت الأخفش بقولي في الأصل: "معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق، وفاقا للأخفش تصريحا، ولسيبويه إيماء" وخالفت ما ذهب إليه أبو علي والزمخشري من جعل الظرف جملة. ورجح بعضهم تقدير الفعل بأنه متعين في صلة الموصول، وهذا ليس بشيء، لأن الظرف الموصول به واقع موقعا لا يغني فيه المفرد، بل إذا وقع فيه مفرد تأول بالجملة، والظرف المخبر به واقع موقعا هو للمفرد بالأصالة، وإذا وقعت الجملة فيه تأولت بمفرد، فلا يصلح أن يعامل أحدهما معاملة الآخر.
ونبهت بقولي: "لاسم فاعل كون مطلق" على أن اسم فاعل كون مقيد، كمعتكف، وقارئ لا يغني عنه مجرد ذكر الظرف إذا قصد البيان.
والذي اخترته من تعرية الظرف من الخبرية والعمل هو مذهب أبي الحسن بن كيسان، وهو الظاهر من قول السيرافي، وتسميته خبرا على الحقيقة غير صحيح، وكذا إضافة العمل إليه لا تصح إلا على سبيل المجاز. وللكلام في هذا مواضع يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى معتضدا بعضها ببعض.
والكلام على حرف الجر المستغنى به كالكلام على الظرف، وقيدته بالتمام تنبيها على أن الناقص لا يغني، وهو ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معموله ما يتعلق به، نحو: زيد عنك، وعمرو بك، فلا بد لنحو هذين من ذكر المتعلق به نحو: زيد عنك معرض، وعمرو بك واثق، فإن فهم المراد بدليل جاز الحذف نحو قولك: "أما زيد فبعمرو مأخوذ، وأما بشر فبخالد، أي فبخالد مأخوذ، فحذف مأخوذ لدلالة الأول عليه. وحرف الجر التام ما يفهم ما تعلق به بمجرد ذكره نحو: (الحمد لله) و (والأمر إليك) و (مَثَلُ نوره كمِشْكاة).
стр. 318
ص: ولا يغني ظرف زمان غالبا عن خبر اسم عين، ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتا دون وقت، أو تُعْنَ إضافة معنى إليه، أو يَعُمّ واسم الزمان خاص أو مسئول به عن خاص. ويغني عن خبر اسم معنى مطلقا، فإن وقع في جميعه أو أكثره وكان نكرة رفع غالبا، ولم يمتنع نصبه ولا جره بفي خلافا للكوفيين. وربما رفع خبرا الزمانُ الموقوعُ في بعضه.
ش: لا يفيد الاستغناء بظرف زمان عن خبر اسم عين غالبا إلا إذا كان العين مثال المعنى في حدوثه وقتا دون وقت، كالرطب والكمأة، فإن الاستغناء عن خبر هذا النوع بظرف الزمان يفيد، كقولك: الرطب في شهر كذا، والكمأة في فصل الربيع.
وكذلك إذا كان دليل على إضافة معنى إلى العين كقولك: "أكل يوم كذا ثوب تلبَسُه، وأكل ليلة ضيف يؤمك"، ومنه قول الراجز:
أكُلَّ عام نَعَم تَحْوُونه ... يُلْقِحُه قوم وتُنْتِجُونه
أي: أكل يوم تَجَدُّدُ ثوب تلبسه، وأكلَّ ليلة إتيانُ ضيف يؤمك، وأكل عام إحراز نعم.
стр. 319
وكذا إن عم المبتدأ وكان اسم الزمان خاصا، أو مسئولا به عن خاص، كقولك: نحن في شهر كذا، وفي أي الفصول نحن؟
وأشرت بقولي: "غالبا" إلى أنه قد يُخبَر عن اسم عين بظرف زمان في غير ذلك إذا ثبت دليل، كقول امرئ القيس: اليوم خمر، وغدا أمر، وكذا قول الشاعر:
جارتي للخَبِيض والهِرُّ للفأ ... ر وشاتي إذا أردت مجيعا
وأما اسم المعنى فيغني عن خبره ظرف الزمان الموقوع في بعضه، والموقوع في جميعه، لكن الموقوع في جميعه إن كان نكرة فرفعه أكثر من نصبه، كقوله تعالى: (وحمله وفِصاله ثلاثون شهرا) وكقوله تعالى: (غُدُوُّها شهر ورواحها شهر) وكذا الموقوع في أكثره كقوله تعالى: (الحجُّ أشهرٌ معلومات) ولو جُرّ هذا النوع بفي، أو نصب على مقتضى الظرفية لم يمتنع عند البصريين، وامتنع عند الكوفيين، وحجتهم في المنع من ذلك صون اللفظ عما يوهم التبعيض فيما يقصد به الاستغراق، وهذا مبني على قول بعضهم إن "في" للتبعيض، حكاه السيرافي. وليس ذلك بصحيح، وإنما "في" حرف مفهومه الظرفية بحسب الواقع في مصحوبها، فإن كان
стр. 320
الواقع يستلزم استغراقا كالصّوم بالنسبة إلى النهار، فلا يمنع منه معنى "في" ولا لفظها، وإن كان صالحا للاستغراق وغيره فصلاحيته لذلك موجودة قارنته "في" أو لم تقارنه، ولذلك صح في الاستعمال أن يقال: في الكيس درهم، وأن يقال: في الكيس ملؤه من الدراهم. فعلم بهذا أن القول ما قاله البصريون، والله أعلم.
ومثال رفع الزمان الموقوع في بعضه قولك: الزيارة يوم الجمعة. ولا فرق في هذا بين المعرفة والنكرة، وروى قول النابغة:
زعم البَوارحُ أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبرنا الغُرابُ الأسود
بنصب "غد" ورفعه، ذكر ذلك السيرافي، والوجهان في هذا النوع جائزان بإجماع، إلا أن النصب أجود، لأن الحذف معه أقيس، واستعماله أكثر، وإلى هذا أشرت بقولي: وربما رُفع الزمان الموقوع في بعضه.
ص: ويُفْعَل ذلك بالمكان المتصرف بعد اسم عين، راجحا إن كان المكاني نكرة، ومرجوحا إن كان معرفة، ولا يخص رفع المعرفة بالشعر، أو بكونه بعد اسم مكان خلافا للكوفيين.
ويكثر رفع الوقت المتصرف من الظرفين بعد اسم عين مقدّرا إضافة بُعْدٍ
следующие страницы →