← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أي الذي خلف في موضعه، والذي خلف في موضعه هو مستقر أو نحوه من أسماء الفاعلين، فإنه الخبر في الحقيقة، فالظرف في موضعه لأنه عمدة، والظرف فضلة، ثم قال: والذي هو في موضع خبره" يعني استقر ونحوه من الأفعال الدالة على كون مطلق، فإن الظرف إذا علق بفعل فذلك الفعل في موضع الخبر الأصلي، وهو اسم الفاعل، فأشار سيبويه بهذا إلى جواز تعليق الظرف باسم فاعل وبفعل، ونبه على أن تقدير اسم الفاعل أولى، بأن أضاف الموضع إلى ضميره، ولو قال: أو الذي هو في موضع خبره، لكان أبين، لكن من كلام العرب وقوع الواو موقع أو حيث لا تصلح الجمعية، كقوله تعالى: (مَثْنى وثُلاث ورُباع) ووقوع أو موقع الواو حيث تتعين الجمعية، كقول الشاعر: مِن بين مُلْجِم مُهْرِه أو سافِع ويدل على أن تقدير اسم الفاعل أولى أربعة أوجه: أحدها: أن اجتماع اسم الفاعل والظرف قد ورد، كقول الشاعر: لكَ العِزُّ إنْ مَوْلاك عَزَّ وإن يَهُن ... فأنت لدى بُحْبُوحَةَ الهُونِ كائن ولم يرد اجتماع الفعل والظرف في كلام يستشهد به، وإلى هذا البيت ونحوه أشرت بقولي: "وربما اجتمعا لفظًا". الثاني: أن الفعل لا يغني تقديره عن تقدير اسم الفاعل ليستدل على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل مغن عن تقديره، وتقدير ما يغني أولى من تقدير ما لا يغني. الثالث: أن كل موضع وقع فيه الظرف المذكور صالح لوقوع اسم الفاعل، وبعض مواضعه غير صالح للفعل، نحو: أمّا عندك فزيد، وجئت فإذا عندك

стр. 317

زيد، لأن "أمّا" وإذا المفاجأة لا يليهما فعل. الرابع: أن الفعل المقدر جملة بإجماع، واسم الفاعل عند المحققين ليس بجملة، والمفرد أصل، وقد أمكن، فلا عدول عنه. فلهذه المرجحات وافقت الأخفش بقولي في الأصل: "معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق، وفاقا للأخفش تصريحا، ولسيبويه إيماء" وخالفت ما ذهب إليه أبو علي والزمخشري من جعل الظرف جملة. ورجح بعضهم تقدير الفعل بأنه متعين في صلة الموصول، وهذا ليس بشيء، لأن الظرف الموصول به واقع موقعا لا يغني فيه المفرد، بل إذا وقع فيه مفرد تأول بالجملة، والظرف المخبر به واقع موقعا هو للمفرد بالأصالة، وإذا وقعت الجملة فيه تأولت بمفرد، فلا يصلح أن يعامل أحدهما معاملة الآخر. ونبهت بقولي: "لاسم فاعل كون مطلق" على أن اسم فاعل كون مقيد، كمعتكف، وقارئ لا يغني عنه مجرد ذكر الظرف إذا قصد البيان. والذي اخترته من تعرية الظرف من الخبرية والعمل هو مذهب أبي الحسن بن كيسان، وهو الظاهر من قول السيرافي، وتسميته خبرا على الحقيقة غير صحيح، وكذا إضافة العمل إليه لا تصح إلا على سبيل المجاز. وللكلام في هذا مواضع يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى معتضدا بعضها ببعض. والكلام على حرف الجر المستغنى به كالكلام على الظرف، وقيدته بالتمام تنبيها على أن الناقص لا يغني، وهو ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معموله ما يتعلق به، نحو: زيد عنك، وعمرو بك، فلا بد لنحو هذين من ذكر المتعلق به نحو: زيد عنك معرض، وعمرو بك واثق، فإن فهم المراد بدليل جاز الحذف نحو قولك: "أما زيد فبعمرو مأخوذ، وأما بشر فبخالد، أي فبخالد مأخوذ، فحذف مأخوذ لدلالة الأول عليه. وحرف الجر التام ما يفهم ما تعلق به بمجرد ذكره نحو: (الحمد لله) و (والأمر إليك) و (مَثَلُ نوره كمِشْكاة).

стр. 318

ص: ولا يغني ظرف زمان غالبا عن خبر اسم عين، ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتا دون وقت، أو تُعْنَ إضافة معنى إليه، أو يَعُمّ واسم الزمان خاص أو مسئول به عن خاص. ويغني عن خبر اسم معنى مطلقا، فإن وقع في جميعه أو أكثره وكان نكرة رفع غالبا، ولم يمتنع نصبه ولا جره بفي خلافا للكوفيين. وربما رفع خبرا الزمانُ الموقوعُ في بعضه. ش: لا يفيد الاستغناء بظرف زمان عن خبر اسم عين غالبا إلا إذا كان العين مثال المعنى في حدوثه وقتا دون وقت، كالرطب والكمأة، فإن الاستغناء عن خبر هذا النوع بظرف الزمان يفيد، كقولك: الرطب في شهر كذا، والكمأة في فصل الربيع. وكذلك إذا كان دليل على إضافة معنى إلى العين كقولك: "أكل يوم كذا ثوب تلبَسُه، وأكل ليلة ضيف يؤمك"، ومنه قول الراجز: أكُلَّ عام نَعَم تَحْوُونه ... يُلْقِحُه قوم وتُنْتِجُونه أي: أكل يوم تَجَدُّدُ ثوب تلبسه، وأكلَّ ليلة إتيانُ ضيف يؤمك، وأكل عام إحراز نعم.

стр. 319

وكذا إن عم المبتدأ وكان اسم الزمان خاصا، أو مسئولا به عن خاص، كقولك: نحن في شهر كذا، وفي أي الفصول نحن؟ وأشرت بقولي: "غالبا" إلى أنه قد يُخبَر عن اسم عين بظرف زمان في غير ذلك إذا ثبت دليل، كقول امرئ القيس: اليوم خمر، وغدا أمر، وكذا قول الشاعر: جارتي للخَبِيض والهِرُّ للفأ ... ر وشاتي إذا أردت مجيعا وأما اسم المعنى فيغني عن خبره ظرف الزمان الموقوع في بعضه، والموقوع في جميعه، لكن الموقوع في جميعه إن كان نكرة فرفعه أكثر من نصبه، كقوله تعالى: (وحمله وفِصاله ثلاثون شهرا) وكقوله تعالى: (غُدُوُّها شهر ورواحها شهر) وكذا الموقوع في أكثره كقوله تعالى: (الحجُّ أشهرٌ معلومات) ولو جُرّ هذا النوع بفي، أو نصب على مقتضى الظرفية لم يمتنع عند البصريين، وامتنع عند الكوفيين، وحجتهم في المنع من ذلك صون اللفظ عما يوهم التبعيض فيما يقصد به الاستغراق، وهذا مبني على قول بعضهم إن "في" للتبعيض، حكاه السيرافي. وليس ذلك بصحيح، وإنما "في" حرف مفهومه الظرفية بحسب الواقع في مصحوبها، فإن كان

стр. 320

الواقع يستلزم استغراقا كالصّوم بالنسبة إلى النهار، فلا يمنع منه معنى "في" ولا لفظها، وإن كان صالحا للاستغراق وغيره فصلاحيته لذلك موجودة قارنته "في" أو لم تقارنه، ولذلك صح في الاستعمال أن يقال: في الكيس درهم، وأن يقال: في الكيس ملؤه من الدراهم. فعلم بهذا أن القول ما قاله البصريون، والله أعلم. ومثال رفع الزمان الموقوع في بعضه قولك: الزيارة يوم الجمعة. ولا فرق في هذا بين المعرفة والنكرة، وروى قول النابغة: زعم البَوارحُ أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبرنا الغُرابُ الأسود بنصب "غد" ورفعه، ذكر ذلك السيرافي، والوجهان في هذا النوع جائزان بإجماع، إلا أن النصب أجود، لأن الحذف معه أقيس، واستعماله أكثر، وإلى هذا أشرت بقولي: وربما رُفع الزمان الموقوع في بعضه. ص: ويُفْعَل ذلك بالمكان المتصرف بعد اسم عين، راجحا إن كان المكاني نكرة، ومرجوحا إن كان معرفة، ولا يخص رفع المعرفة بالشعر، أو بكونه بعد اسم مكان خلافا للكوفيين. ويكثر رفع الوقت المتصرف من الظرفين بعد اسم عين مقدّرا إضافة بُعْدٍ

стр. 321

إليه، ويتعين النصب في نحو: أنت مني فرسخين، بمعنى: أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين. ش: "ذلك" من قولي: ويفعل ذلك "إشارة إلى الرفع المفهوم من قولي: وربما رفع خبرا الزمان الموقوع في بعضه" وراجحا ومرجوحا حالان من "ذلك" المشار به إلى الرفع. ومثال ما قصد مما يكون الرفع فيه راجحا لتنكير الظرف المكاني مع كونه مؤقتا متصرفا مخبرا به عن اسم عين قولهم: المسلمون جانب، والمشركون جانب، ونحن قدام، وأنتم خلف، والنصب جائز عند البصريين وعند الكوفيين، ومن زعم أن مذهب الكوفيين في مثل هذا التزام الرفع فقد وهم. فإن كان اسم المكان معرفة متصرفا اختير النصب، وجاز الرفع عند البصريين، ولم يجز عند الكوفيين إلا في الشعر إذا كان المخبر عنه اسم مكان كقولك: داري خلفك، ومنزلي أمامك. ويكثر رفع الظرف متصرفا مؤقتا إذا وقع بعد اسم عين مقدرٍ إضافة بُعْدٍ إليه، كقولك: زيد مني يومان أو فرسخان، أي: بعد زيد مني يومان أو فرسخان. وقريب منه: دارك من خلف داري فرسخان ونصب فرسخين وشبههما في مثل هذا الوجه أجود منه في نحو: زيد مني فرسخان، ونصب فرسخين في نحو: دراك خلف داري فرسخين، على التمييز، أجود من نصبه ظرفا. فإن قلت: أنت مني فرسخين، على تأويل: أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين، تعين النصب، وكان "أنت" مبتدأ، ومني خبره، وفرسخين ظرفا، ومعنى"مني" من

стр. 322

أشياعي وأصحابي وأهلي، كقول الله تعالى ? حاكيا عن إبراهيم ﵇: (فمن تَبِعني فإنه مني). ص: ونصب اليوم إن ذكر مع الجمعة ونحوها ممّا يتضمن عملا جائز، إلا أن ذكر مع الأحد ونحوه مما لا يتضمن عملا، خلافا للفراء وهشام. وفي الخلْف مخبرا به عن الظَّهر رفعٌ ونصب، وما أشبههما كذلك، فإن لم يتصرف كالفوق والتحت لزم نصبه. ش: إذا قلت: اليومُ الجمعةُ، واليوم السبت، جاز نصب اليوم، لأن الجمعة بمعنى الاجتماع، والسبت بمعنى الراحة. وكذا اليوم العيد، واليوم الفطر، واليوم النّوروز، كل هذه يجوز معها نصب اليوم بلا خلاف، لأن ذكرها منبه على عمل يوقَع في اليوم، بخلاف قولك: اليومُ الأحدُ، واليوم الاثنان، واليوم الثلاثاء، واليوم الأربعاء، واليوم الخميس، فإنها بمنزلة اليوم الأول، واليوم الثاني، واليوم الثاث، واليوم الرابع، واليوم الخامس، فلذلك لايجوز في اليوم معها إلا الرفع، هذا مذهب النحويين إلا الفراء وهشاما، فإنهما أجازا النصب على معنى: الآن الأحد، والآن الاثنان، ومعنى هذا أن الآن أعم من الأحد والاثنين، فيجعل الأحد والاثنين واقعا في الآن، كما تقول: هذا الوقت، هذا اليوم، وقد قال سيبويه ما يقوي هذا، لأنه أجاز: اليومَ يومك، بنصب اليوم بمعنى الآن، وقال: "لأن الرجل قد يقول: أنا اليوم أفعل ذلك، ولا يريد يوما بعينه" فهذا مما يقوي قول الفراء. وللمحتج لسيبويه أن يقول: إن قول القائل: اليوم يومك، بمعنى: اليوم أمرك الذي تذكرته، فأجريا مجرى واقع وموقوع فيه، بخلاف: اليوم الأحد.

стр. 323

وتقول: ظهرك خلفَك، بنصب الخلف على الظرفية، ويجوز رفعه لأنه الظهر في المعنى، مع أنه متصرف. ومثله في جواز الوجهين: رجلاك أو نعلاك، أسفلَك وأسفلُك، وقرئ: (والركب أسفلُ منكم) وأسفل. فلو كان الظرف غير متصرف تعين نصبه، وإن كان هو الأول في المعنى، ولذلك قال أبو الحسن الأخفش: اعلم أن العرب تقول: فوقَك رأسك، فينصبون الفوق، لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفا، والقياس أن يرفع لأنه هو الرأس، وهو جائز، غير أن العرب لم تقله، قال: وتقول: تحتَك رجلاك، لا يختلفون في نصب التحت. ص: ويغني عن خبر اسم عين باطراد مصدرٌ يؤكده مكرّرا أو محصورا، وقد يرفع خبرا وقد يغني عن الخبر غيرُ ما ذكر من مفعول به وحال. ش: الاستغناء عن خبر اسم عين بمصدر مكرر نحو قولهم: زيدٌ سيرا سيرا، وبمصدر محصور كقولهم: إنما أنت سيرا. والأصل: زيد يسير سيرا، فحذف الفعل واستغنى عنه بمصدره، وجعل تكرره بدلا من اللفظ بالفعل، فامتنع إظهاره، لئلا يجتمع عوض ومعوض منه. وكذلك الأصل: إنما أنت تسير سيرا، فحذف الفعل، واستغنى عنه بمصدره، وقام الحصر مقام التكرار في سببية التزام الإضمار. وقد يجعل هذا النوع من المصادر خبرا قصدا للمبالغة، فيرفع، نحو: فإنّما هي إقبالٌ وإدْبار وأشرت بقولي: "وقد يغني عن الخبر غيرُ ما ذكر من مفعول به وحال" إلى قول بعض العرب: إنما العامريُّ عمامتَه، ويروى: إنما العامرِي عمّتَه، فمن روى:

стр. 324

عمامته، جعله مفعولا به، كأنه قال: إنما العامري يتعهد عمامته، ومن روى: عمته، نصبه على المصدرية، كأنه قال: إنما العامري يتعمم عمَّته، فيكون نظير: إنما أنت سيرا، ولا يكون من القليل، بل من الكثير المطرد. ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بالمفعول به ما رواه الكوفيون من قول العرب: حسبت العقرب أشدَّ لسعة من الزُّنبور فإذا هو إياها. أي: فإذا هو يساويها. ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بالمفعول به أن يكون الخبر فعل قول، فيحذف ويستغنى بالمقول، كقوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى* إن الله يحكم بينهم) أي يقولون: ما نعبدهم: فيقولون خبر، وما نعبدهم في موضع نصب به، فأغنى عنه، وحذف. ومثله: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم) أي: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم. ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بحال مغايرة لما تقدم ذكره ما روى الأخفش من قول بعض العرب: زيد قائما، والأصل: ثبت قائما، أو عرف قائما. وأسهل منه ما حكاه الأزهري من قول بعض العرب: "حكمك مُسَمَّطا" أي حكمك لك مُثَبِّنا، فحكمك مبتدأ، خبره لك، ومسمطا حال استغنى بها، وهي عارية من الشروط المعتبرة في نحو: ضربي زيدا قائما. وعلى مثل هذا يحمل في الأجود قول النابغة الجعدي رحمه الله تعالى: بَدَتْ فعلَ ذي وُدٍّ فلما تبعتها ... تَوَلَّتْ وأبقت حاجتي في فؤاديا وحَلّت سوادَ القلب لا أنا باغيا ... سِواها ولا في حبِّها متراخيا أي: لا أُرى باغيا، فحذف الفعل، وجعل "باغيا" دليلا عليه، وهو أولى

стр. 325

من جعل "لا" رافعة "لأنا" اسما، ناصبة باغيا خبرا، فإن إعمال "لا" في معرفة غير جائز بإجماع. ص: وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا، بعطف وغير عطف، وليس من ذلك ما تعدد لفظا دون معنى، ولا ما تعدد صاحبه حقيقة أو حكما. ش: تعدد الخبر على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعدد لفظا ومعنى لا لتعدد المخبر عنه كقوله تعالى: (وهو الغفورُ الودودُ ذو العرش المجيدُ فعّالٌ لما يريد) وكقول الراجز: مَنْ كان ذابَتٍّ فهذا بَتِّي ... مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي ومثله قول الشاعر: ينامُ بإحدى مُقْلتَيْه ويَتَّقي ... بأخرى المنايا فهو يَقْظانُ نائم وعلامة هذا النوع صحة الاقتصار على واحد من الخبرين أو الأخبار. والثاني: أن يتعدد لفظا ومعنى لتعدد المخبر عنه حقيقة كقولك: بنو زيد فقيه ونحوي وكاتب. ومنه قول الشاعر: يداك يدٌ خيرُها يُرْتَجى ... وأُخرى لأعدائها غائظة أو لتعدد المخبر عنه حكما، كقوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخر بينكم وتكاثرٌ في الأموال والأولاد) وكقول الشاعر: والمرءُ ساعٍ لأمرٍ ليس يدركُه ... والعيشُ شُحٌّ وإشفاقٌ وتأميل

стр. 326

والثالث: أن يتعدد لفظا دون معنى، لقيامه مقام خبر واحد في اللفظ، كقولك: هذا حامض حلو، بمعنى مُزٌّ، وكقولك: هو أعسر يسر، بمعنى: أضبط، أي: عامل بكلتا يديه. فما كان من النوع الأول صح أن يقال: فيه خبران وثلاثة بحسب عدده. وما كان من النوع الثاني والثالث فلا يعبر عنه بغير الوحدة إلا مجازا، لأن الإفادة لا تحصل فيه عند الاقتصار على بعض المجموع. ويجوز استعمال الأول بعطف ودون عطف، بخلاف الثاني فلا يستعمل دون عطف، وأما الثالث فلا يستعمل فيه العطف، لأن مجموعه بمنزلة مفرد، فلو استعمل فيه العطف لكان كعطف بعض كلمة على بعض. وقد أجاز العطف أبو علي، فعنده أن قول القائل: هذا حلو وحامض جائز، وليس كذلك، لما ذكرته. ص: وإن توالت مبتدآتٌ أُخْبِر عن آخرها مجعولا هو وخبره خبرَ متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه، إلى أن تخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويضاف غيره إلى ضمير متلوه، أو يجاء بعد خبر الآخر بروابط المبتدآت أول لآخر، وتال لمتلو. ش: توالي المبتدآت على ضربين: أحدهما بتجرد، والآخر بإضافة. فمع التجرد يخبر عن آخرها، ويجعل هو وخبره خبر متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه، إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويؤتى بعد خبر الآخر بروابط مجعولا أولها للأقرب، وتاليه لمتلو الأقرب، إلى أن يكون آخرها لأول المبتدآت، نحو: بنوك الزيدان هند عمرو الدراهم أحطته بها عندهما في دارهم. ومع الإضافة يخبر عن الآخر، ويجعل هو وخبره خبر متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه، إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، نحو: زيد عمه خاله أخوه أبوه قائم، فقائم خبر الأب، والأب وخبره خبر الأخ، والأخ وخبره خبر الخال، والخال وخبره

стр. 327

خبر العم، والعم وخبره خبر زيد، والمعنى: أبو أخي خال عم زيد قائم. فصل: ص: تدخل الفاء على خبر المبتدأ وجوبا بعد أمّا، إلا في ضرورة أو مقارنة قولٍ أغنى عنه المقول، وجوازا بعد مبتدأ واقع موقع "مَنْ" الشرطية، أو "ما" أختها. وهو "ال" الموصولة بمستقبل عام، أو غيرها موصولا بظرف أو شبهه، أو بفعل صالح للشرطية. أو نكرةٌ عامة موصوفة بأحد الثلاثة، أو مضاف إليها مشعر بمجازاة، أو موصوف بالموصول المذكور، أو مضاف إليه. وقد تدخل على خبر كُلٍّ مضاف إلى غير موصوف، أو على موصوف بغير ما ذكر. ولا تدخل على خبر غير ذلك خلافا للأخفش، وتزيلها نواسخ الابتداء إلا إنّ وأنّ ولكن على الأصح. ش: نسبة خبر المبتدأ من المبتدأ كنسبة الفاعل من الفعل، لأنه معمول أول الجزأين وثانيهما، فحق الخبر ألا تدخل عليه الفاء، كما لا تدخل على الفاعل، فإذا دخلت فلا بد لدخولها من سبب، والسبب على ضربين، موجب ومجوز: فالموجب تقدم أمّا، كقوله تعالى (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحقٌّ من ربهم) ولا تحذف بعد "أمّا" إلا في ضرورة كقول الشاعر: فأمّا القتالُ لا قتالَ لديكم ... ولكن سيرٌ في عِراض المواكب أو مع قول مخبر به مستغنى عنه بمقوله، كقوله تعالى: (فأما الذين اسودت وجوهُهم أكفرتم بعد إيمانكم؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) أي: فيقال لهم: أكفرتم.

стр. 328

والمجوز لدخول الفاء على الخبر كون المبتدأ واقعا موقع مَنْ الشرطية أو "ما" أختها، فيتناول ذلك "أل" الموصولة بما يقصد به الاستقبال والعموم، كقوله تعالى: (والسارقُ والسارقة فاقطعوا أيديهما) فلو قصد به مضى أو عهد فارق "أل" شبه من وما، فلم يؤت بالفاء. ومثال غير "أل" موصولا بظرف قول الشاعر: ما لدى الحازم اللبيب معارا ... فمصونٌ وما لَهُ قد يَضيع ومثال الموصول بشبه الظرف قول الله تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله). ومثال الموصول بفعل صالح للشرطية قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وقرأ نافع وابن عامر: "بما كسبت" بحذف الفاء، فدل ذلك على أمرين: أحدهما: أن ما هذه موصولة لا شرطية، إذ لو كانت شرطية للزمت الفاء، لأن بما كسبت لا يصلح أن يكون شرطا، فإن الفاء لا تفارقه إلا في ضرورة. والثاني: أن اقتران الفاء بخبر المبتدأ الذي نحن بصدده جائز لا لازم، لأنها لم تلحقه إلا لشبهه بالجواب، فلم تساوه في لزوم لحاقها، ليكون للأصل على الفرع مزية. وقد خلا الخبر المشار إليه من الفاء بإجماع القراء في قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدّق به أولئك هم المتقون). وقيدت الصلة التي تقع بعدها الفاء بكونها فعلا صالحا للشرطية، ليعلم أنها لو كانت فعلا خالص المضي لم تدخل الفاء، وكذلك لو قرن بما لا تدخل عليه "مَنْ" الشرطية، ولا "ما" أختها، نحو: الذي إنْ حدّث صَدقَ مكرمٌ، والذي ما يكذب

стр. 329

أو لن يكذب مفلحٌ. ومثال النكرة العامة الموصوفة بأحد الثلاثة: رجل عنده حزمٌ فسعيد، وعبدٌ لكريم فما يضيع، ونفس تسعى في نجاتها فلن تخيب. ومثال المضاف إلى النكرة المقيدة مشعرا بالمجازاة: كل رجل عنده حزم فسعيد، وكل عبد لكريم فما يضيع، وكل نفس تسعى لنجاتها فلن تخيب. ومثال دخول الفاء على خبر موصوفٍ بالموصول المذكور قول الشاعر: صِلُوا الحزم فالخطبُ الذي تحسبونه ... يسيرا فقد تَلْقَوْنَه متعسرا وقد دخلت على خبر الموصوف بعد دخول إنّ في قوله تعالى: (قُلْ إن الموتَ الذي تَفرُّون منه فإنه مُلاقيكم) فدخولها عليه مع عدم "إنّ" أحق. ومثال دخولها على خبر كلٍّ مضاف إلى غير موصوف ما جاء في بعض الأذكار المأثورة عن بعض السلف، وهو: بسم الله، ما شاء الله، كل نعمة فمن الله، ما شاء الله، الخير كله بيد الله، ما شاء الله، لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. ومثال دُخُولها على خبر كلٍّ مضاف إلى الموصوف بغير ما ذكر، قول الشاعر: كلُّ أمرٍ مباعدٍ أو مُدانِ فمَنُوطٌ بحكمة المتعالي وأجاز الأخفش دخول الفاء على خبر المبتدأ الذي لا يشبه أداة الشرط نحو: زيد فمنطلق. ورأيه في ذلك ضعيف، لأنه لم يرد به سماع، ولا حجة له في قول الشاعر:

стр. 330

وقائلةٍ خَوْلانُ فانكح فتاتهم ... وأُكْرُومةُ الحَيَّيْن خِلْوٌ كما هيا ولا في قول الآخر: أرَواحٌ مودِّع أم بكور ... أنت فانظر لأيّ ذاك تصير لأن معنى الأول: هذه خولان، فخولان خبر مبتدأ محذوف. ومعنى الثاني: انظر أنت، فأنت فاعل فعل محذوف. على أن زيادة الفاء في مثل هذا قد سهلها كون الخبر أمرا، كما سهلها كون العامل مفرّغا في نحو: زيدا فاضرب، و: (إلى ربك فارغب) لأن الأمر يطرق إلى ما يعلق به معنى المجازاة، فالقائل: زيدا فاضرب، كأنه قال: ما يكون من شيء فزيدا اضرب، وما يكن من شيء فزيد اضربه، فلا يلزم من جواز هذا، جواز: زيد فمنطلق، إذ ليس الخبر أمرا، فيطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة. وإذا دخل بعض نواسخ الابتداء على مبتدأ دخلت الفاء على خبره أزال شبهه بأداة الشرط، فامتنع دخول الفاء على الخبر، ما لم يكن الناسخ إنّ وأنّ أو لكنّ، فإنها ضعيفة العمل، إذ لم يتغير بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء، ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء، ولم يعمل في الحال. بخلاف كأنّ وليت ولعل، فإنها قوية العمل، مغيرة بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء، مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، صالحة للعمل في الحال، فقوى شبهها بالأفعال، فساوتها في المنع من الفاء المذكورة. ومن بقاء الفاء مع دخول إن قوله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يُقْبَل من أحدهم مِلْءُ الأرض ذهبا) و: (إن الذين كفروا وصدُّوا

стр. 331

عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم) وقوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون). ومن شواهد بقائها مع أن المفتوحة قوله تعالى: (واعلموا أنّما غَنِمْتُم من شيء فأنّ لله خُمسَه) ومنه قول الشاعر: علمت يقينا أن ما حُمَّ كونُه ... فسَعْيُ امرِئ في صَرْفه غير نافع ومن شواهد بقائها بعد دخول لكن قول الشاعر: بكل داهية ألقى العُداة وقد ... يُظَن أنِّيَ في مكْرِي بهم فزِعُ كلّا ولكنّ ما أُبْديه من فَرَق ... فكَيْ يُغَرُّوا فيُغْريهم بي الطمعُ ومثله قول الآخر: ولكنّ ما يُقْضَى فسوف يكون

стр. 332

باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر ص: فبلا شَرْطٍ: كان، وأضحى، وأصبح، وأمسى، وظل، وبات، وليس، وصار. وصلة لما الظرفية دام. ومنفية بثابت، متصل النفي، مذكور غالبا، متصل لفظا أو تقديرا، أو مطلوبة النفي: زال ماضي يزال، وانفك، وبرح، وفتئ وفتأ وأفْتأ، ووَنى، ورام مُرادِفتاها. ش: شرط الفعل المنسوب إلى هذا الباب أن يدخل على جزأي إسناد، مباين ثانيهما للحالية بتمحض تعريف، أو بتمحض جمود، أو بعدم الاستغناء عنه دون عارض، نحو قولك: صار الذي آمَنَ أخانا بعد أن كان عدونا، وكان مالك فضة فصار ذهبا، ففي منصوبي كان وصار من مباينة الحال ما ذكرته، فمن ألحق بهما فعلا لا يساويهما في هذا الاعتبار فهو محجوج، وسيأتي القول في ذلك مبسوطا إن شاء الله تعالى. ولأفعال هذا الباب انقسامات بنسب مختلفة: فأول انقساماتها إلى ما يعمل بلا شرط، أي موجبا وغير موجب، وصلة وغير صلة، وهو الثمانية الأول. وإلى ما يعمل بشرط كونه صلة لما الظرفية المصدرية التي يقصد بها وبصلتها التوقيت كقولك: نجاتُك ما دام الله ملجأك. وإلى ما يعمل بشرط كونه منفيا أو منهيا عنه، وهو أربعة أفعال مشهورة ملحق بها اثنان. فالأربعة: زال، وانفك، وبرح، وفتئ، وقد يقال: فَتأ وأفتأ. والملحقات بهن: ونى ورام، التي مضارعها يَريم. ومعنى الستة إذا نفيت داخلة على الجملة، الإعلام بلزوم مضمون الجملة في المضي أو في الاستقبال نحو: ما زال العلم حسنا، ولن يزال الجهل قبيحا.

стр. 333

وقد تناول قولي: منفية، المنهي عنه، لأنه منفي في المعنى، والمنفي بليس، فالمنهي عنه كقول الشاعر: صاحِ شَمِّر ولا تزلْ ذاكر المو ... ت فنِسْيانُه ضلالٌ مُبين والمنفي بليس كقول الشاعر: ليس ينفكُّ ذا غِنًى واعتزازِ ... كلُّ ذي عِفَّةٍ مُقَلٍّ قَنُوع وقيدت "زال" بكون مضارعها يزال، احترازا من زال بمعنى تحول، فمضارعه يزول، وهو فعل لازم، احترازا من زال الشيء بمعنى عزله، فمضارعه يزيل. وقيد: وَنى ورام، الملحقتان بهن بمرادفتهما لهن، احترازا من ونى بمعنى فتر، ومن رام بمعنى حاول، وبمعنى تحوّل، ومضارع التي بمعنى حاول يروم، ومضارع التي بمعنى تحول يريم، وهكذا مضارع المرادفة زال، وهي وونى بمعنى زال غريبتان، ولا يكاد النحويون يعرفونهما، إلا من عُنِيَ باستقراء الغريب. ومن شواهد استعمالها قول الشاعر: لايَني الخِبُّ شِيمةَ الخَبِّ ما دا ... م فلا تحسبنَّه ذا ارعواءِ وقال آخر في إعمال يريم العمل المشار إليه: إذا رُمتَ ممن لا يَريم متيما ... سُلُوًّا فقد أبْعدتَ في رَوْمِك المرمي وأشرت بقولي فيهما وفي أخواتهما: "منفية بثابت متصل غالباً" إلى أن نافيهما قد يحذف، كقوله تعالى: (تَفْتَأ تذكر يوسف) أي لا تزال تذكر يوسف. ومن حذف لا فيهما قول الشاعر:

стр. 334

تَنْفكُّ تسمعُ ما حَيِيـ ... ـت بهالكٍ حتى تكونَه ومنه قول امرأة من العرب: تزال حبالٌ مُبْرَماتٌ أعَدّها ... لها ما مشى منها على خُفِّه الجمل أي لا تزال. وأشرت بقولي: "متصل غالبا" إلى أن النافي قد يوجد منفصلا كقول الشاعر: ما خِلْتُني زِلتُ بعدكم ضَمِنًا ... أشكو إليكم حُمُوَّة الألم أراد: خلتني ما زلت بعدكم، وخلت جاءت هنا بمعنى أيقنت، وهو أيضا غريب. ومن الفصل بين النافي والمنفي في هذا الباب قول الآخر: ولا أُراها تزال ظالمةً ... تُحْدِثُ لي قُرْحةً وتَنْكَؤُها أراد: وأراها لا تزال. ص: وكلها تدخل على المبتدأ إن لم يخبر عنه بجملة طلبية، ولم يلزم التصدير، أو الحذف، أو عدم التصرف، أو الابتدائية لنفسه أو مصحوب لفظي أو معنوي، وندر: وكُوني بالمكارم ذَكِّرِيني. ش: جرت عادة النحويين بإطلاق القول في كون هذه الأفعال تدخل على المبتدأ، فلا يبينون امتناع بعض المبتدآت من دخولها عليها، وقد تعرض لذلك بعضهم دون حصر، وقد بينت ما أغفلوه من ذلك، فإن الحاجة داعية إلى معرفته.

стр. 335

فمن ذلك المبتدأ المخبر عنه بجملة طلبية، نحو: زيدٌ اضربه، وعمرٌو لا تصحبه، وبشْرٌ هل أتاك؟ لا تدخل عليه هذه الأفعال ولا غيرها من العوامل اللفظية، وقول من قال: وكُوني بالمكارم ذَكِّريني نادر لأن الخبر فيه جملة طلبية. ومن المبتدآت التي لا تدخل عليها هذه الأفعال كل مبتدأ تضمن معنى الاستفهام أو الشرط فاستحق لذلك أن يكون مُصَدَّرا نحو: أيُّ القوم أفضل؟ وأيُّهم يأت فله حق. وكذا المبتدأ المضاف إلى ما تضمن ذلك. ومما يجب تصديره فيمتنع دخول هذه الأفعال عليه المقرون بلام الابتداء، لأن لها صدر الكلام، فلا يعمل فيما اقترنت به غير الابتداء. ومما لا تدخل عليه هذه الأفعال ما لزم حذفه، كالمبتدأ المنوي قبل النعت المقطوع، كقولك: الحمدُ للهِ الحميدُ، بالرفع، وقد تقدم الإعلام بما يحذف من المبتدآت على سبيل اللزوم. ومما لا تدخل عليه هذه الأفعال ما لا يتصرف. نحو: طُوبَى للمؤمن، وسلامٌ عليك، وويلٌ للكافر. وما لزم الابتدائية بنفسه نحو قولك: أن تفعل، أقاموه مقام ينبغي لك أن تفعل، فلم تدخل الأفعال عليه، كما لا تدخل على ما أقيم مقامه. وكذا قولهم: أقلُّ رجل يقول ذلك إلا زيدا، أقاموه مقام: ما يقول ذلك رجل إلا زيد، فعاملوه معاملته في امتناع دخول الفعل عليه، ومجيء إلا بعده. ومما لزم الابتدائية لمصحوب لفظي المبتدأ الواقع بعد لولا الامتناعية، والواقع بعد إذا المفاجأة. ومما لزم الابتداء لمصحوب معنوي "ما" التعجبية، وما بعد "لله" في التعجب، نحو: لله درك. ومن اللازم الابتدائية لمصحوب معنوي ما جرى مَثَلا،

стр. 336

نحو قولهم: الكلابُ على البقر، والعاشيةُ تهيج الآبية، والإيناسُ قبل الإبْساس. فهذه وأمثالها من المبتدآت التي وردت أمثالا لا تفارقها الابتدائية، لأن الأمثال لا تغير. ص: فترفعه ويسمى اسما وفاعلا، وتنصب خبره ويسمى خبرا ومفعولا، ويجوز تعدده خلافا لابن درستويه. ش: الشائع في عرف النحويين التعبير عن مرفوع هذا الباب ومنصوبه باسم وخبر، وعبر سيبويه عنهما باسم الفاعل واسم المفعول، فقال قاصدا هذا الباب: "هذا باب الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول، واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد" وكذا فعل المبرد، فإنه ذكر هذه الأفعال في بابها ثم قال: "وهذه أفعال صحيحة كضرب، ولكنا أفردنا لها بابا، إذ كان فاعلها ومفعولهما يرجعان إلى معنى واحد". فأيَّ التعبيرين استعمل النحوي أصاب، ولكن الاستعمال الأشهر أولى. وإذا دخل شيء من هذه الأفعال على خبر متعدد نصب الجميع، كما ينصب الخبر الذي لم يتعدد، فيقال في: هذا حلوٌ حامضٌ: كان هذا حلوا حامضا، وذلك أن ارتفاع الخبرين فصاعدا ثبت بعامل، أي بالابتداء، وكان وأخواتها أقوى منه، ولذلك انتسخ عمله بعملها، فكما جاز للعامل الأضعف أن يعمل في خبرين فصاعدا، كذلك يجوز للعامل الأقوى، بل هو بذلك أولى.

стр. 337

وذهب ابن درستويه إلى منع تعدد الخبر في هذا الباب، لأنه شبيه بمفعول ما يتعدى إلى مفعول واحد، فكما لا يتعدى الفعل المتعدي إلى واحد إلى أكثر من واحد، لا يُنْصَب بأفعال هذا الباب إلا خبر واحد، وهذا منع لا يلتفت إليه، ولا يُعَرَّج عليه. ص: وتسمى نواقص لعدم اكتفائها بمرفوع، لا لأنها تدل على زمن دون حدث، فالأصح دلالتها عليهما إلا ليس. ش: زعم جماعة منهم ابن جني وابن برهان والجرجاني أن كان وأخواتها تدل على زمن وقوع الحَدَث، ولا تدل على حدث، ودعواهم باطلة من عشرة أوجه: أحدها: أن مدعي ذلك معترف بفعلية هذه العوامل، والفعلية تستلزم الدلالة على الحدث والزمان معا، إذ الدال على الحدث وحده مصدر، والدال على الزمان وحده اسم زمان، والعوامل المذكورة ليست بمصادر ولا أسماء زمان، فبطل كونها دالة على أحد المعنيين دون الآخر. الثاني: أن مدعي ذلك معترف بأن الأصل في كل فعل الدلالة على المعنيين، فحكمه على العوامل المذكورة بما زعم إخراج لها عن الأصل، فلا يقبل إلا بدليل. الثالث: أن العوامل المذكورة لو كانت دلالتها مخصوصة بالزمان، لجاز أن تنعقد جملة تامة من بعضها ومن اسم معنى، كما ينعقد منه ومن اسم زمان، وفي عدم جواز ذلك دليل على بطلان دعواه. الرابع: أن الأفعال كلها إذا كانت على صيغة مختصة بزمان معين فلا يمتاز بعضها من بعض إلا بالحدث كقولنا: أهان وأكرم، فإنهما متساويان بالنسبة إلى الزمان، مفترقان بالنسبة إلى الحدث. فإذا فرض زوال ما به الافتراق، وبقاء ما به التساوي، لزم ألا يكون بين الأفعال المذكورة فرق ما دامت على صيغة واحدة، ولو كان الأمر كذلك، لم يكن فرق بين: كان زيد غنيا، وصار غنيا، والفرق حاصل، فبطل ما يوجب خلافه. ولو كان الأمر كذلك لزم تناقض قول من قال: أصبح زيد

стр. 338

ظاعنا وأمسى مقيما، لأنه على ذلك التقدير بمنزلة قوله: زيد قبل وقتنا ظاعن مقيم، وإنما يزول التناقض بمراعاة دلالة الفعلية على الإصباح والإمساء، وذلك هو المطلوب. الخامس: أن من جملة العوامل المذكورة انفك، ولا بد معها من ناف، فلو كانت لا تدل على الحدث الذي هو الانفكاك، بل على زمن الخبر، لزم أن يكون معنى: ما انفك زيد غنيا: ما زيد غنيا في وقت من الأوقات الماضية، وذلك نقيض المراد، فوجب بطلان ما أفضى إليه. السادس: أن من جملة العوامل المذكورة دام، ومن شرط إعمالها عمل كان كونها صلة لما المصدرية، ومن لوازم ذلك صحة تقدير المصدر في موضعها، كقولك: جُدْ ما دمت واجدا، أي: جد مدة دوامك واجدا، فلو كانت دام مجردة عن الحدث لم يقم مقامها اسم الحدث. السابع: أن هذه الأفعال لو لم يكن لها مصادر لم تدخل عليها أنْ، كقوله تعالى: (إلا أنْ تكونا ملكين) لأنّ أنْ هذه وما وصلت به في تأويل المصدر، وقد جاء مصدرها صريحا في قول الشاعر: ببذلٍ وحِلْم سادَ في قومه الفتى ... وكونُك إياه عليك يسيرُ وقد حكى أبو زيد في كتاب الهمزة مصدر فتئ مستعملا، وحكى غيره: ظللت أفعل كذا ظَلولا. وجاءوا بمصدر كاد في قولهم: لا أفعل ذلك ولا كيدا، أي ولا أكاد كيدا، وكاد فعل ناقص من باب كان، إلا أنها أضعف من كان، إذ لا يستعمل لها اسم فاعل، واسم فاعل كان مستعمل، ولا يستعمل منها أمر، والأمر من كان مستعمل، وإذا لم يمتنع استعمال مصدر كاد، وهي أضعف من كان، فأن لا يمتنع استعمال مصدر كان أحق وأولى.

стр. 339

الثامن: أن هذه الأفعال لو كانت لمجرد الزمان لم يغن عنها اسم الفاعل، كما جاء في الحديث: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرا، وكائن عليكم وزرا" وقال سيبويه: "قال الخليل: هو كائنُ أخيك على الاستخفاف، والمعنى: كائنٌ أخاك" هذا نصه. وقال الشاعر: وما كلُّ مَنْ يُبْدِي البشاشة كائنا ... أخاك إذا لم تُلْفِه لك مُنْجِدا لأن اسم الفاعل لا دلالة فيه على الزمان، بل هو دال على الحَدث وما هو به قائم، أو ما هو عنه صادر. ومثل ذلك قول الآخر: قضى الله يا أسماءُ أنْ لستُ زائلا ... أحِبُّك حتى يُغْمِضَ العينَ مُغْمِضُ أراد: لست أزال أحبك، فأعمل اسم الفاعل عمل الفعل. التاسع: أن دلالة الفعل على الحدث أقوى من دلالته على الزمان، لأن دلالته على الحدث لا تتغير بقرائن، ودلالته على الزمان تتغير بالقرائن، فدلالته على الحدث أولى بالبقاء من دلالته على الزمان. العاشر: أن هذه الأفعال لو كانت مجردة عن الحدث، مخلصة للزمان لم يُبْن منها أمرن كقوله تعالى: (كونوا قَوّامين بالقسط) لأن الأمر لا يبنى مما لا دلالة فيه على الحدث. وما ذهبت إليه في هذه المسألة من كون هذه الأفعال دالة على مصادرها، هو الظاهر من قول سيبويه والمبرد والسيرافي. وأجاز السيرافي الجمع بين كان ومصدرها توكيدا، ذكر ذلك في شرح الكتاب. فإذا ثبت بالدلائل المذكورة أن هذه الأفعال غير ليس دالة على الحدث والزمان

стр. 340

كغيرها من الأفعال، فليعلم أن سبب تسميتها نواقص إنما هو عدم اكتفائها بمرفوع، وإنما لم تكتف بمرفوع، لأن حدثها مقصود إسناده إلى النسبة التي بين معموليها، فمعنى قولك: كان زيد عالما، وجد اتصاف زيد بالعلم، والاقتصار على المرفوع غير واف بذلك، فلهذا لم يستغن به عن الخبر التالي، وكان الفعل جديرا بأن ينسب إلى النقصان. وقد أشار إلى هذا المعنى سيبويه بقوله: "تقول: كان عبد الله أخاك، فإنما أردت أن تخبر عن الأخوّة" فبيّن أن كان مسندة إلى النسبة، فمن ثمّ بينا عدم الاكتفاء بالمرفوع. ص: وإنْ أريد بكان ثَبَت، أو كَفَل، أو غزل، وبتواليها الثلاثِ دخل في الضُّحى والصباح والمساء، وبظل دام أو طال، وببات نزل ليلا، وبصار رجع أو ضَمّ أو قطع، وبدام بقِي أو سكن، وببرح ذهب أوظهر، وبونى فتر، وبرام ذهب أو فارق، وبانفك خلص أو انفصل، وبفتأ سكّن أو أطْفأ، سميت تامة، وعملت عمل ما رادفت. وكلها تتصرف إلا ليس ودام، ولتصاريفها ما لها، وكذا سائر الأفعال. ش: جميع هذه الأفعال تكون ناقصة وتامة، إلا ليس، وزال التي مضارعها يزال، وفتِئ بكسر التاء مهموزا، وكذا فَتَأ وأفتأ مراد فتاها، وحكم ما ينسب إلى التمام حكم ما هو بمعناه. وأجاز أبو علي في الحلبيات وقوع زال تامة، وقد يعضد رأيه في ذلك بقول الراجز:

стр. 341

وفي حُمَيّا بَغْية تَفجُّسُ ... ولا يزال وهو ألْوَى ألْيَسُ فاستغنى بالجملة الحالية عن الخبر. ولنا أن نقول: الخبر محذوف، والتقدير: ولا يزال متفجسا، وهو ألوى أليس، والتفجس التكبر، والأليس الشجاع. وتتم كان بأن يراد بها معنى ثبت، وثبوت كل شيء بحسبه، فتارة يعبر عنه بالأزلية نحو: كان الله ولا شيء معه. وتارة يعبر عنه بحَدَث، كقوله: إذا كان الشتاءُ فأدْفِئوني ... فإنّ الشيخَ يُهرِمه الشتاءُ وتارة يعبر عنه بحضرن كقوله تعالى: (وإنْ كان ذو عُسْرة). وتارة يعبر عنه بقدر أو وَقَع نحو: ما شاء الله كان. وتتم كان أيضا بأن يراد بها معنى كفل، فتتعدى بعلى، ومصدرها كِيانة. وتتم كان أيضا مرادا بها معنى غزل، ذكر ذلك أبو محمد البطليوسي. وتتم توالي كان الثلاث وهن: أضحى وأصبح وأمسى، بأن يراد بهن الدخول في الضحى والصباح والمُسْي، كقوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) وكقول الشاعر: ومِنْ فَعَلاتي أنني أُحْسِنُ القِرَى ... إذا الليلةُ الشهباءُ أضْحَى جليدها وتتم ظل بأن يراد بها معنى دام أوطال. وتتم بات في قولهم: بات بالقوم، أو بات القومَ إذا نزل بهم ليلا، فتستعمل متعدية بالباء وبنفسها. وتتم صار بأن يراد بها معنى رجع فتتعدى بإلى، أو معنى ضم أو قطع فتتعدى

стр. 342

بنفسها إلى مفعول واحد. وتتم دام بأن يراد بها معنى بقي، كقوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض) أو سكن، ومنه الحديث: (نَهى أن يُبال في الماء الدائم) أي الساكن. وتتم برح بأن يراد بها معنى ذهب، أو معنى ظهر، وقد فسر قولهم: برح الخفاء، بالوجهين. وتتم ونى بأن يراد بها معنى فتر، وهو أشهر من استعمالها بمعنى دام الناقصة. وتتم انفك بأن تكون مطاوع فك الخاتم وغيره إذا فصله، والأسير إذا خلصه. وتتم فتئ إذا أراد بها كسر وأطفأ، قال الفراء: فتأته عن الأمر كسرته، وفتأت النار أطفأتها. وما سوى ليس ودام من أفعال هذا الباب يتصرف، أي يستعمل منه ماض ومضارع وأمر واسم فاعل ومصدر، إلا أن الأمر لا يتأتى صوغه من ملازمات النفي، ولمضارعها والأمر ما لماضيها، وكذا جميع الأفعال المتصرفة. ص: ولا تدخل ليس وتوابعها على ما خبره مفرد استفهامي أو مضاف إليه، ويوافقهن في عدم الدخول على ما خبره فعل ماض صار باتفاق، والبواقي على رأي، وقد تخالفهن ليس. ش: المراد بتوابع ليس دام وزال وانفك وبرح وفتئ وونى ورام، لأنهن تبعن ليس حين ذكرت في أول الباب. والحاصل أن ليس والمذكورات بعدها متساويات في عدم الدخول على مبتدأ خبره مفرد استفهامي نحو: كيف زيد؟ وأين عمرو؟ أو مضاف إلى مفرد استفهامي، نحو: غلام من زيد؟

стр. 343

وصار مساوية لليس وتوابعها السبعة في عدم الدخول على مبتدأ خبره فعل ماض، وربما خالفتهن ليس فوليها فعل ماض، كما جاء في الحديث من قول النبي ﷺ : "أليس قد صليت معنا؟ " وحكى سيبويه عن بعض العرب: "ليس خلق الله أشعر منه، وليس قالها زيد" وإلى هذا وأمثاله أشرت بقولي: "وقد تخالفهن ليس" أي قد تخالف ليس صار ودام وما ذكر بعدها بالدخول على فعل ماض. وأشرت بقولي: "والبواقي على رأي" إلى ما ذهب إليه بعض النحويين من أن كان وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات لا تدخل على ما خبره فعل ماض، فلا يقال على هذا الرأي: كان زيد فعل، ولا أصبح عمرو قرأ. وهذا الرأي باطل، إذ ليس لصاحبه حجة مع الاستعمال لخلافه، كقول الشاعر: وكنّا حَسِبنا كلَّ بيضاءَ شحمةً ... لياليَ لاقَيْنا جُذام وحِمْيرا وكقول الآخر: أمست خلاءً وأمسى أهلُها احتملوا ... أخْنَى عليها الذي أخنى على لُبَد ص: وتَرِد الخمسة الأوائل بمعنى صار، ويلحقها ما رادفها من: آض، وعاد، وآل، ورجع، وحار، واستحال، وتحوّل، وارتد، وندر الإلحاق بصار في: ما جاءت حاجتك؟ وقعدت كأنها حربة، والأصح ألا تلحق بها آل ولا قعد مطلقا، وألا يجعل من هذا الباب غدا وراح، ولا أسحر وأفجر وأظهر.

стр. 344

ش: الخمسة الأوائل هي: كان وأضحى وأصبح وأمسى وظل. والأصل في كان الدلالة على دَوام مضمون الجملة إلى زمن النطق بها دون تعرض لانقطاع، ولذا قيل في قول الله تعالى: (وكان الله على كل شيء قديرا) أي: لم يزل على كل شيء قديرا، ومنه قول الشاعر: ولكني مضيت ولم أجَدِّف ... وكان الصبر عادةَ أولينا ومثله قول الآخر: وكنت إذا جاري دعا لمَضُوفةٍ ... أُشَمِّرُ حتى يُنْصِفَ الساقَ مئزري فإن قصد الانقطاع جيء بقرينة، كقوله تعالى: (إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم) وكقول الشاعر: وكانوا أناسا يَنْفَحُون فأصبحوا ... وأكثرُ ما يُعطُونك النَّظرُ الشَّزْرُ وتستعمل بمعنى صار دالة على التحول من وصف إلى آخر، كقوله تعالى: (وبُسَّت الجبال بَسًّا* فكانت هباءً مُنْبثا * وكنتم أزواجا ثلاثة). وكقول الشاعر: بتَيهاءَ فَقْرٍ والمطيُّ كأنها ... قَطا الحَزْن قد كانت فِراخا بُيُوضُها والأصل في: أضحى وأصبح وأمسى وظل النواقص الدلالة على ثبوت مضمونِ

стр. 345

الجملة في الضحى والصباح والمساء والنهار، وقد يَردْن بمعنى صار، كقول الشاعر: ثم أضْحَوْا كأنهم ورقٌ جَـ ... .ـفَّ فألْوَتْ به الصَّبا والدبورُ وكقوله تعالى: (فأصبحتم بنعمته إخوانا) وكقول الشاعر: أمست خلاءً وأمسى أهلُها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لُبَد وكقوله تعالى: (فظلت أعناقهم لها خاضعين) وزعم الزمخشري أن بات قد تستعمل بمعنى صار، وليس بصحيح، لعدم شاهد على ذلك، مع التتبع والاستقراء، وحمل بعض المتأخرين على ذلك قول النبي ﷺ : "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" ولا حاجة إلى ذلك، لإمكان حمل بات على المعنى المجمع عليه، وهو الدلالة على ثبوت مضمون الجملة ليلا، كما أن ظل غير المرادفة لصار لثبوت مضمون الجملة نهارا، كما قال الشاعر: أظلُّ أرعَى وأبيتُ أطحنُ ... الموتُ من بعضِ الحياة أهْوَنُ ومن أصلح ما يتمسّكُ به جاعلُ بات بمعنى صار قول الشاعر: أجِنِّي كُلَّما ذُكِرَتْ كليبٌ ... أبيت كأنني أُطْوَى بجمر

стр. 346

لأن كلما تدل على عموم الأوقات، وأبيت إذا كانت على أصلها مختصة بالليل. ومثال استحال قول النبي ﷺ : "فاستحالت غَرْبا" ومثله قول الشاعر: إنّ العداوةَ تستحيلُ مودةً ... .بتدارُكِ الهَفَوات بالحسنات ومثال تحول قول امرئ القيس: فيالَكِ من نُعْمى تحوّلن أبْؤُسا ومثله قول الآخر: لا يُوئِسَنّكَ سُؤْل عِيقَ عنك فكم ... بُؤْسٍ تحوّل نُعْمَى أنست النِّقَما ومثال ارتد قول الله تعالى: (ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) وإنما استحق ارتد أن يكون بمعنى صار لأنه مطاوع ردّ بمعنى صيّر، كقوله تعالى: (وَدَّ كثير من أهل الكتاب لو يَرُدُّونكم من بعد إيمانكم كفارا) وكقول الشاعر: فردّ شعورَهن السُّود بيضا ... وردّ وجوهَهن البيضَ سودا وندر إلحاق جاء وقعد بصار في قولهم: ما جاءت حاجتك؟ وفي قولهم: أرهف شفرته، حتى قعدت كأنها حربة.

стр. 347

والفراء يرى استعمال قعد بمعنى صار مطردا، وجعل من ذلك قول الراجز: لا يُقْنعُ الجاريةَ الخضابُ ... ولا الوشاحان ولا الجلباب من دون أن تلتقي الأركاب ... ويقعدَ ... له لُعاب وحكى الكسائي: قعد لا يُسْألُ حاجة إلا قضاها، بمعنى: صار. ويمكن أن يكون من ذلك قول الشاعر: ما يَقْسِم اللهُ أقبلْ غيرَ مُبْتَئِسٍ ... منه وأقعد كريما ناعمَ البال وألحق قوم بأفعال هذا الباب: غدا وراح، وقد يستشهد على ذلك بقول ابن مسعود ﵁: "اغد عالما أو متعلما ولا تكن إمّعة". وبقول النبي ﷺ : "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خِماصا، وتروح بِطانا" والصحيح أنهما ليسا من الباب، وإنما المنصوب بعدهما حال إذ لا يوجد إلا نكرة. ص: وتوسيط أخبارها كلها جائز، ما لم يعرض مانع أو موجِب، وكذا تقديم خبر صار وما قبلها، جوازا ومنعا ووجوبا. وقد يقدم خبر زال وما بعدها منفية بغير "ما" لا بها، خلافا لابن كيسان وللكوفيين إلا الفراء. ولا يتقدم خبر دام اتفاقا، ولا خبر ليس على الأصح. ش: وتوسيط الخبر كقوله تعالى: (فما كان جوابَ قومه إلا أن قالوا)

стр. 348

والاستشهاد بهذا أولى من الاستشهاد بقوله تعالى: (وكان حقا علينا نصرُ المؤمنين) لأن بعض القراء أجاز الوقف على "حقا" ناويا في كان ضميرا. وأمثلة التوسيط مع غير كان من أخواتها سهلة، فاستغنى عن ذكرها، والتوسيط أيضا جائز مع ليس ودام، وإن كانا لا يتصرفان، لأن الأقل محمول على الأكثر، ومثال ذلك مع ليس قول الشاعر: سَلِي إن جَهلتِ الناسَ عنا وعنهم ... فليس سواءً عالمٌ وجهولُ ومثال ذلك مع دام قول الآخر: لا طيبَ للعَيْشِ ما دامت مُنَغّصَةً ... لذّاتُه بادّكار الموتِ والهَرَم وإنما اختصت ليس ودام بالاستشهاد على توسيط خبرهما لأنهما ضعيفتان لعدم تصرفهما في أنفسهما، فربما اعتقد عدم تصرفهما في العمل مطلقا. وقد وقع في ذلك ابن معط ﵀ فضمن ألفيته منع توسيط خبر ليس وما دام، وليس له في ذلك متبوع، بل هو مخالف للمقيس والمسموع، وأما مخالفته للمقيس فبيِّنة، لأن توسيط خبر ليس جائز بإجماع، مع أن فيها ما في دام من عدم التصرف، وتفوقها ضعفا بأن منع تصرفها لازم، ومنع تصرف دام عارض، ولأن ليس تشبه "ما" النافية معنى، وتشبه ليت لفظا، لأن وسطها ياء ساكنة سالمة، ومثل ذلك مفقود في الأفعال، فثبت بهذا زيادة ضعف ليس على ضعف دام، وتوسيط خبر ليس لم يمتنع، فأن لا يمتنع توسيط خبر دام لنقصان ضعفها أحق وأولى. ونبهت بقولي: "ما لم يمنع مانع" على أن توسيط الخبر قد يمتنع، وذلك إما لسبب يقتضي وجوب تقدمه نحو: كم كان مالك؟ وأين كنت؟ وإما لسبب يقتضي وجوب تأخيره نحو: كان فتاك مولاك، وما كان زيد إلا في الدار.

стр. 349

ونبهت بقولي: "أو موجب" على أن توسيط الخبر قد يجب، وذلك إذا كان الاسم مقصودا بحصر، نحو قوله تعالى: (وما كان حجتَهم إلا أن قالوا) وقد يحمل الموجب على موجب تقديم أو توسيط على سبيل التخيير، وذلك إذا اشتمل الاسم على ضمير ما اشتمل عليه الخبر نحو: كان شريكَ هند أخوها، ووليَّها كان أبوها، فواجب في هذه المسألة وشبهها تقديم الخبر أو توسيطه، وممتنع تأخيره لئلا يتقدم الضمير على مُفَسِّرٍ مؤخرٍ رتبة ولفظا. فلو كان في مثل هذه المسألة قبل الفعل ما له صدر الكلام تعيّن التوسيط، نحو قولك: هل كان شريكَ هند أخوها؟ وأشرت بقولي: "وكذا تقديم خبر صار وما قبلها" إلى أنه يجوز تقديم الأخبار المذكورة إن لم يعرض مانع ولا موجب، فمن أسباب عروض المانع خوف اللبس نحو: كان فتاك مولاك، فمثل هذا لا يتميز فيه الاسم إلا بالتقديم، ولا الخبر إلا بالتأخير، فالتزم، وكان غيره ممنوعا، وكذا نحو: صار عدوي صديقي. ومن أسباب عروض المانع حصر الخبر نحو: إنما كان زيد في المسجد، فتأخير الخبر في مثل هذا ملتزم، وغيره ممنوع، لأن حصر الخبر مقصود، ولا يفهم إلا بالتأخير. ومن أسباب عروض المانع اشتمال الخبر على ضمير ما اشتمل عليه الاسم نحو: كان بَعْلُ هند حبيبَها، فتأخير الخبر في مثل هذا ملتزم، وغيره ممنوع، لأنه لو توسط أو قدم لزم عود الضمير إلى متأخر لا يتعلق به العامل. وبعض النحويين لا يلتزم تأخير الخبر في مثل هذا، لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، فلو وسط الخبر فقيل: كان حبيبَها بعلُ هند، لم يضر، لأن الضمير عائد على ما هو كجزء مرفوع الفعل، ومرفوع الفعل مقدم التقديم، وما هو كجزئه معه، إذ لا يتم معناه إلا به. ويلزم من جواز هذا جواز كان حبيبَها الذي خطب هندا، لأن ما يتم به المضاف بمنزلة ما يتم به الموصول، وهذا لا يجوز، فكذلك ما أشبهه. وأما عروض موجب تقديم الخبر فإذا كان فيه معنى استفهام نحو: كم كان مالك؟

стр. 350

وكيف كان زيد؟ وكذا إذا كان مضافا إلى ما فيه معنى استفهام نحو: غلام من كان زيد؟ ولا حظّ لزال وما بعدها في وجوب تقديم الخبر، لأنهن لا يدخلن على مبتدأ مخبر عنه بأداة استفهام ولا مضاف إليها، وقد تقدم التنبيه على ذلك. وتشارك زال وأخواتها إذا نفيت بغير "ما" صار وأخواتها في جواز تقديم الخبر، نحو: قائما لم يزل زيد. وفي التخيير بين تقديمه وتوسيطه عند امتناع تأخيره، نحو: في الدار لم يبرح صاحبها، ولا ينفك مع هند أخوها. فلو كان النفي بما لم يجز التقديم، لأن لها صدر الكلام، ولذلك جرت مجرى حرف الاستفهام في تعليق أفعال القلوب. وقياس "إنْ" النافية أن تجرى مجراها في غير التعليق كما جرت فيه مجراها، كقوله: (وتظنون إنْ لبثتم إلا قليلا). وأجاز ابن كيسان التقديم مع النفي بما، مع أنه موافق للبصريين في أن "ما" لها صدر الكلام، لأنه نظر إلى أن: ما زال زيد فاضلا، بمنزلة: كان زيد فاضلا، في المعنى، فاستويا في جواز تقديم الخبر. وهذا الذي اعتبره ضعيف، لأن عروض تغير المعنى لا يغير له الحكم، ولذلك استصحب للاستفهام في نحو: علمت أزيد ثَمّ أم عمرو، ما كان له من التزام التصدير، مع أن معنى الاستفهام قد تغير. وأجاز الكوفيون إلا الفراء ما أجازه ابن كيسان، لأن "ما" عندهم ليس لها تصدير مستحق، حكى ذلك ابن كيسان. واختلف في تقديم خبر ليس عليها، فأجازه سيبويه، ووافقه السيرافي والفارسي وابن برهان والزمخشري. ومنعه الكوفيون وأبو العباس وابن السراج والجرجاني، وبه أقول، لأن ليس فعل لا يتصرف في نفسه، فلا يتصرف في عمله، كما وجب لغيره من الأفعال التي لا تتصرف كعسى ونعم وبئس وفعل التعجب، مع أن ليس شبيهة في المعنى بحرف لا يشبه الأفعال وهو "ما" بخلاف عسى، فإنها تشبه حرفا يشبه الأفعال وهو "لعل"، والوهن الحاصل بشبه الحرف لا يشبه الأفعال أشد

стр. 351

من الوهن الحاصل بشبه حرف يشبه الأفعال. وكان مقتضى شبه ليس بما وعسى بلعل امتناع توسيط خبريهما، كما امتنع توسيط خبري شبيهيهما، ولكن قصد ترجيح ما له فعلية على ما لا فعلية له، والتوسيط كاف في ذلك، فلم تجز الزيادة عليه تجنبا لكثرة مخالفة الأصل. قال السيرافي: بين ليس وفعل التعجب ونعم وبئس فرق، لأن ليس تدخل على الأسماء كلها مظهرها ومضمرها ومعرفتها ونكرتها، ويتقدم خبرها على اسمها، ونعم وبئس لا يتصل بهما ضمير المتكلم ولا العلم، وفعل التعجب يلزم طريقة واحدة، ولا يكون فاعله إلا ضمير ما، فكانت "ليس" أقوى منها. قلت: فعلية نعم وبئس أظهر من فعلية ليس من ثلاثة أوجه: أحدها: أن معنى نعم وبئس يستقل باسم واحد، لأن معنى نعم الرجل، مدح الرجل، أو كمل الرجل، إلا أن الرجل مبهم، والمراد تعيين ممدوح، فاحتيج إلى مخصوص بعد الفاعل، أو إلى ما يدل عليه قبل نعم، فالحاصل أن مطلوب نعم إنما هو الفاعل، والمخصوص بالمدح إنما يطلبه الفاعل لا نعم، لأنها غير عالمة فيه بإجماع، بخلاف الجزء الثاني من مصحوبي ليس، فإنه معمول لها، فمعنى ليس لا يستقل إلا بجزأين: مسند ومسند إليه، فكانت أشبه بالحروف، وكانت نعم وبئس أشبه بالأفعال. الثاني: أن نعم وبئس يقوم كل واحد منهما مقام فعل صريح، ويقوم الفعل الصريح مقامه، فمن كلام العرب الفصيح، عَلُم الرجل فلان، بمعنى نعم العالم فلان، وليس لا تقوم إلا مقام حرف، ولا يقوم مقامها إلا حرف. الثالث: أن ليس ونعم وبئس مشتركة في مفارقة الأصل، لأن أصل كل منها فعل، لكن لسي فارقت أصلها فراقا لازما على وجه عدم به النظير في الأفعال، وثبت به شبه الحرف، ونعم وبئس بخلاف ذلك، لأنهما لا يفارقان أصلهما فراقا لازما، بل أصلهما مستعمل، ولم يعدم بما فعل بهما النظير في الأفعال،

стр. 352

ولا ثبت به شبه الحرف، لأن الذي فعل بهما من كسر الفاء وسكون العين مطرد في كل فعل على فَعِل ثانيه حرف حلق، وفعلية ما روعي أصله، وسلك به سبيل مطردة في الأفعال أقوى من فعلية ما لم يعامل بهذه المعاملة. وأما تفضيل ليس على نعم وبئس بإعمالها في الظاهر والمضمر، والمعرفة والنكرة، فشيء ثبت على خلاف الأصل، لأن شبهها في اللفظ والمعنى بالحرف أقوى من شبهها بالفعل، فأن يسلك بها سبيل الأشبه بها أولى، ولكن لو فعل بها ذلك لم يبق ما يدل على فعليتها، فرفعت الضمائر المتصلة لذلك، وإذا كان هذا التفضيل محوجا إلى اعتذار، فلا يجعل سببا لتفضيل آخر، فيستباح من أجله تقديم الخبر، لأن ذلك تكثير لمخالفة الأصل، ومُحْوج إلى اعتذار ثان. ومع هذا فقد شاركتها نعم وبئس في رفع الضمير مستترا وبارزا، قال الكسائي: روي عن بعض العرب: الزيدان نِعْما رجلين، الزيدون نِعْموا رجالا. وقال الأخفش: ناس من العرب يرفعون النكرة بنعم مفردة ومضافة. وأما فعل التعجب فهو ? وإن لزم طريقة واحدة ? راجح على ليس من أربعة أوجه: أحدها: تمكنه في الفعلية لفظا ومعنى، لأنه على وزن أفعلَ، وهمزته معدية كأكرم وغيره من الأفعال المعداة بالهمزة، وهو مع ذلك متضمن لحروف مصدر، ودال على معناه، وليس بخلاف ذلك. الثاني: أن فعل التعجب تلزمه نون الوقاية مع ياء المتكلم، كما تلزم سائر الأفعال المتعدية، وليس بخلاف ذلك. الثالث: أن لفعل التعجب صيغتين: إحداهما كصيغة الماضي، والأخرى كصيغة الأمر، وذلك ضرب من التصرف. وليس بخلاف ذلك. الرابع: أن فعل التعجب يعمل في الظرف والحال والتمييز بخلاف ليس، فإنها لا تعمل إلا في جزأي إسناد. وأما عسى فشاركت ليس في إعمالها في الأسماء كلها، مظهراتها ومضمراتها، ومعارفها ونكراتها، وتفوقها بأشياء منها: إن فعليتها مجمع عليها، وفعلية ليس مختلف فيها. الثاني: أن ليس من الأفعال المعتلة العين، وعسى من الأفعال المعتلة اللام، وهي

стр. 353

جارية على ما يجب لنظائرها من اعتلال بالقلب كرمى، وليس جارية على خلاف ما يجب لنظائرها من اعتلال كاعتلال هاب، وسلامة كسلامة صَيِدَ البعير. الثالث: أن عسى وإن لم تتصرف بأن يجعل لها مضارع وأمر واسم فاعل، فقد جعل لها حظ من التصرف، بأن أجيز في عينها الفتح والكسر، فقيل: عَسَيت وعسِيت، وبنوا منها فعل تعجب فقالوا: ما أعساه بكذا، وأعس به أن يكون، وقالوا: هو عَسٍ بكذا، أي خليق، وبالعسى أن تفعل، وهو مصدر عسيت، وهذا كله موجب للمزية على ليس، فلو قدم خبر ليس مع كون هذه الأفعال لا يُقدَّم عليها شيء مما يتعلق بها لكان ذلك تفضيلا للأضعف على الأقوى، فوجب ألا يصار إليه. وعضد قوم جواز تقديم خبر ليس بـ: (ألا يومَ يأتيهم ليس مصروفا عنهم) قالوا: لأن يوم معمول مصروفا، ولا يقع المعمول إلا حيث يقع العامل. ولنا ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المعمول قد يقع حيث لا يقع العامل، نحو: أمّا زيدا فاضرب، وعمرا لاتهن، وحقك لن أضيع، فكما لم يلزم من تقديم معمول الفعل بعد أمّا تقديم الفعل، ولا من تقديم معمولي المجزوم والمنصوب عل "لا" و"لن" تقديمهما عليهما، كذا لا يلزم من تقديم معمول خبر ليس تقديم الخبر. الثاني: أن يجعل "يوما" منصوبا بفعل مضمر، لأن قبله "ما يَحْبِسُه" "فيوم يأتيهم" جواب، كأنه قيل: يعرفون يوم يأتيهم، و"ليس مصروفا" جملة حالية مؤكدة أو مستأنفة. الثالث: أن يكون "يوم" مبتدأ فبني لإضافته إلى الجملة، وذلك سائغ مع المضارع كسوغه مع الماضي، وللاحتجاج على بناء المضاف إلى المضارع موضع آخر.

стр. 354

ص: ولا يلزم تأخير الخبر إن كان جملة خلافا لقوم، ويمنع تقديم الخبر الجائز التقديم تأخرُ مرفوعه، ويُقَبِّحه تأخر منصوبه، ما لم يكن ظرفا أو شبهه. ولا يمتنع هنا تقديم خبرٍ مشارك في التعريف وعدمه إن ظهر الإعراب. وقد يخبر هنا وفي باب "إنّ" بمعرفة عن نكرة اختيارا. ش: ذكر ابن السراج أن قوما من النحويين لا يجيزون تقديم الخبر ولا توسيطه إذا كان جملة، والقياس جوازه وإن لم يسمع، فأجاز أن يقال: أبوه قائمٌ كان زيد، فهذا مثال التقديم، وأجاز أيضا أن يقال: كان أبوه قائمٌ زيد، وما ذهب إليه من الجواز هو الصحيح، لأنه وإن لم يسمع مع كان فقد سمع مع الابتداء، كقول الفرزدق: إلى ملكٍ ما أمُّه من محارب ... أبوه ولا كانت كليبٌ أقاربه أراد: أبوه ما أمه من محارب، فأبوه مبتدأ، وأمه مبتدأ ثان، ومن محارب خبره، وهما خبر المبتدأ الأول، فقدم الخبر وهو جملة، فلو دخلت كان لساغ التقديم أيضا، كقولك: ما أمه من محارب كان أبوه. والتوسيط أولى بالجواز كقولك: ما كان أمه من محارب أبوه. وإذا كان للخبر المقدم معمولٌ مؤخر امتنعت المسألة إن كان مرفوعا، مفردا أو مصحوبا بغيره، نحو: قائما كان زيد أبوه، وآكلا كان زيد أبوه طعامك. فإن كان المعمول منصوبا لا مرفوع معه، جازت المسألة على قبح، نحو: آكلا كان زيد طعامك. فإن كان المعمول ظرفا أو شبهه حسنت المسألة نحو: مقيما كان زيد عندك، وراغبا كان عمرو فيك. وسبب ذلك أن حق العامل ألا يفصل بينه وبين معموله، فإن كان مرفوعا كان فصله أصعب لكونه كجزء رافعه، فلم يجز بوجه. وإن كان مفعولا به قبح ولم

стр. 355

يمتنع، لأنه ليس كجزء ناصبه. فإن كان ظرفا أو شبهه حسن فصله، لاتساعهم في الظروف وشبهها. وإلى هذا أشرت بقولي: ويَمْنَعُ تقديمَ الخبر الجائز التقديم تأخرُ مرفوعه. وإذا اشترك في هذا الباب الخبر والمخبر عنه في تعريف أو تنكير، لم يلزم ما لزم في باب الابتداء من تأخر الخبر، إلا إذا لم يظهر الإعراب، نحو: كان فتاك مولاك، ولم يكن فتى أزكى منك. فإن ظهر الإعراب جاز التوسيط والتقديم نحو: كان أخاك زيد، وأخاك كان زيد، ولم يكن خيرا منك أحد، وخيرا منك لم يكن أحد. ولما كان المرفوع هنا مشبها بالفاعل، والمنصوب مشبها بالمفعول جاز أن يغني هنا تعريف المنصوب عن تعريف المرفوع، كما جاز ذلك في باب الفاعل، لكن بشرط الفائدة، وكون النكرة غير صفة محضة، فمن ذلك قول حسان ﵁: كأنّ سُلافةً في بيت رأس ... يكون مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ فجعل مزاجها وهو معرفة خبر كان، وعسل اسمها وهي نكرة، وليس القائل مضطرا لتمكنه من أن يقول: يكون مزاجُها عسلٌ وماءُ، فيجعل اسم كان ضمير سلافة، ومزاجها عسل، مبتدأ وخبر في موضع نصب بكان. ومثله قول القطامي: قِفى قبل التَفَرُّق يا ضُباعا ... ولايكُ موقفٌ منكِ الوَداعا فأخبر بالمعرفة عن النكرة مختارا لا مضطرا، لتمكنه من أن يقول: ولا يك موقفي منك الوداعا، أو: ولا يك موقفنا الوداعا. والمحسن لهذا مع حصول الفائدة شبه المرفوع بالفاعل والمنصوب بالمفعول، وقد حصل هذا الشبه في باب إنّ، على أنْ
следующие страницы →