Полный текст (1 399 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
من الوهن الحاصل بشبه حرف يشبه الأفعال. وكان مقتضى شبه ليس بما وعسى بلعل امتناع توسيط خبريهما، كما امتنع توسيط خبري شبيهيهما، ولكن قصد ترجيح ما له فعلية على ما لا فعلية له، والتوسيط كاف في ذلك، فلم تجز الزيادة عليه تجنبا لكثرة مخالفة الأصل.
قال السيرافي: بين ليس وفعل التعجب ونعم وبئس فرق، لأن ليس تدخل على الأسماء كلها مظهرها ومضمرها ومعرفتها ونكرتها، ويتقدم خبرها على اسمها، ونعم وبئس لا يتصل بهما ضمير المتكلم ولا العلم، وفعل التعجب يلزم طريقة واحدة، ولا يكون فاعله إلا ضمير ما، فكانت "ليس" أقوى منها.
قلت: فعلية نعم وبئس أظهر من فعلية ليس من ثلاثة أوجه: أحدها: أن معنى نعم وبئس يستقل باسم واحد، لأن معنى نعم الرجل، مدح الرجل، أو كمل الرجل، إلا أن الرجل مبهم، والمراد تعيين ممدوح، فاحتيج إلى مخصوص بعد الفاعل، أو إلى ما يدل عليه قبل نعم، فالحاصل أن مطلوب نعم إنما هو الفاعل، والمخصوص بالمدح إنما يطلبه الفاعل لا نعم، لأنها غير عالمة فيه بإجماع، بخلاف الجزء الثاني من مصحوبي ليس، فإنه معمول لها، فمعنى ليس لا يستقل إلا بجزأين: مسند ومسند إليه، فكانت أشبه بالحروف، وكانت نعم وبئس أشبه بالأفعال.
الثاني: أن نعم وبئس يقوم كل واحد منهما مقام فعل صريح، ويقوم الفعل الصريح مقامه، فمن كلام العرب الفصيح، عَلُم الرجل فلان، بمعنى نعم العالم فلان، وليس لا تقوم إلا مقام حرف، ولا يقوم مقامها إلا حرف.
الثالث: أن ليس ونعم وبئس مشتركة في مفارقة الأصل، لأن أصل كل منها فعل، لكن لسي فارقت أصلها فراقا لازما على وجه عدم به النظير في الأفعال، وثبت به شبه الحرف، ونعم وبئس بخلاف ذلك، لأنهما لا يفارقان أصلهما فراقا لازما، بل أصلهما مستعمل، ولم يعدم بما فعل بهما النظير في الأفعال،
стр. 352
ولا ثبت به شبه الحرف، لأن الذي فعل بهما من كسر الفاء وسكون العين مطرد في كل فعل على فَعِل ثانيه حرف حلق، وفعلية ما روعي أصله، وسلك به سبيل مطردة في الأفعال أقوى من فعلية ما لم يعامل بهذه المعاملة.
وأما تفضيل ليس على نعم وبئس بإعمالها في الظاهر والمضمر، والمعرفة والنكرة، فشيء ثبت على خلاف الأصل، لأن شبهها في اللفظ والمعنى بالحرف أقوى من شبهها بالفعل، فأن يسلك بها سبيل الأشبه بها أولى، ولكن لو فعل بها ذلك لم يبق ما يدل على فعليتها، فرفعت الضمائر المتصلة لذلك، وإذا كان هذا التفضيل محوجا إلى اعتذار، فلا يجعل سببا لتفضيل آخر، فيستباح من أجله تقديم الخبر، لأن ذلك تكثير لمخالفة الأصل، ومُحْوج إلى اعتذار ثان. ومع هذا فقد شاركتها نعم وبئس في رفع الضمير مستترا وبارزا، قال الكسائي: روي عن بعض العرب: الزيدان نِعْما رجلين، الزيدون نِعْموا رجالا. وقال الأخفش: ناس من العرب يرفعون النكرة بنعم مفردة ومضافة.
وأما فعل التعجب فهو ? وإن لزم طريقة واحدة ? راجح على ليس من أربعة أوجه: أحدها: تمكنه في الفعلية لفظا ومعنى، لأنه على وزن أفعلَ، وهمزته معدية كأكرم وغيره من الأفعال المعداة بالهمزة، وهو مع ذلك متضمن لحروف مصدر، ودال على معناه، وليس بخلاف ذلك.
الثاني: أن فعل التعجب تلزمه نون الوقاية مع ياء المتكلم، كما تلزم سائر الأفعال المتعدية، وليس بخلاف ذلك.
الثالث: أن لفعل التعجب صيغتين: إحداهما كصيغة الماضي، والأخرى كصيغة الأمر، وذلك ضرب من التصرف. وليس بخلاف ذلك.
الرابع: أن فعل التعجب يعمل في الظرف والحال والتمييز بخلاف ليس، فإنها لا تعمل إلا في جزأي إسناد.
وأما عسى فشاركت ليس في إعمالها في الأسماء كلها، مظهراتها ومضمراتها، ومعارفها ونكراتها، وتفوقها بأشياء منها:
إن فعليتها مجمع عليها، وفعلية ليس مختلف فيها.
الثاني: أن ليس من الأفعال المعتلة العين، وعسى من الأفعال المعتلة اللام، وهي
стр. 353
جارية على ما يجب لنظائرها من اعتلال بالقلب كرمى، وليس جارية على خلاف ما يجب لنظائرها من اعتلال كاعتلال هاب، وسلامة كسلامة صَيِدَ البعير.
الثالث: أن عسى وإن لم تتصرف بأن يجعل لها مضارع وأمر واسم فاعل، فقد جعل لها حظ من التصرف، بأن أجيز في عينها الفتح والكسر، فقيل: عَسَيت وعسِيت، وبنوا منها فعل تعجب فقالوا: ما أعساه بكذا، وأعس به أن يكون، وقالوا: هو عَسٍ بكذا، أي خليق، وبالعسى أن تفعل، وهو مصدر عسيت، وهذا كله موجب للمزية على ليس، فلو قدم خبر ليس مع كون هذه الأفعال لا يُقدَّم عليها شيء مما يتعلق بها لكان ذلك تفضيلا للأضعف على الأقوى، فوجب ألا يصار إليه.
وعضد قوم جواز تقديم خبر ليس بـ: (ألا يومَ يأتيهم ليس مصروفا عنهم) قالوا: لأن يوم معمول مصروفا، ولا يقع المعمول إلا حيث يقع العامل. ولنا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن المعمول قد يقع حيث لا يقع العامل، نحو: أمّا زيدا فاضرب، وعمرا لاتهن، وحقك لن أضيع، فكما لم يلزم من تقديم معمول الفعل بعد أمّا تقديم الفعل، ولا من تقديم معمولي المجزوم والمنصوب عل "لا" و"لن" تقديمهما عليهما، كذا لا يلزم من تقديم معمول خبر ليس تقديم الخبر.
الثاني: أن يجعل "يوما" منصوبا بفعل مضمر، لأن قبله "ما يَحْبِسُه" "فيوم يأتيهم" جواب، كأنه قيل: يعرفون يوم يأتيهم، و"ليس مصروفا" جملة حالية مؤكدة أو مستأنفة.
الثالث: أن يكون "يوم" مبتدأ فبني لإضافته إلى الجملة، وذلك سائغ مع المضارع كسوغه مع الماضي، وللاحتجاج على بناء المضاف إلى المضارع موضع آخر.
стр. 354
ص: ولا يلزم تأخير الخبر إن كان جملة خلافا لقوم، ويمنع تقديم الخبر الجائز التقديم تأخرُ مرفوعه، ويُقَبِّحه تأخر منصوبه، ما لم يكن ظرفا أو شبهه. ولا يمتنع هنا تقديم خبرٍ مشارك في التعريف وعدمه إن ظهر الإعراب. وقد يخبر هنا وفي باب "إنّ" بمعرفة عن نكرة اختيارا.
ش: ذكر ابن السراج أن قوما من النحويين لا يجيزون تقديم الخبر ولا توسيطه إذا كان جملة، والقياس جوازه وإن لم يسمع، فأجاز أن يقال: أبوه قائمٌ كان زيد، فهذا مثال التقديم، وأجاز أيضا أن يقال: كان أبوه قائمٌ زيد، وما ذهب إليه من الجواز هو الصحيح، لأنه وإن لم يسمع مع كان فقد سمع مع الابتداء، كقول الفرزدق:
إلى ملكٍ ما أمُّه من محارب ... أبوه ولا كانت كليبٌ أقاربه
أراد: أبوه ما أمه من محارب، فأبوه مبتدأ، وأمه مبتدأ ثان، ومن محارب خبره، وهما خبر المبتدأ الأول، فقدم الخبر وهو جملة، فلو دخلت كان لساغ التقديم أيضا، كقولك: ما أمه من محارب كان أبوه. والتوسيط أولى بالجواز كقولك: ما كان أمه من محارب أبوه.
وإذا كان للخبر المقدم معمولٌ مؤخر امتنعت المسألة إن كان مرفوعا، مفردا أو مصحوبا بغيره، نحو: قائما كان زيد أبوه، وآكلا كان زيد أبوه طعامك.
فإن كان المعمول منصوبا لا مرفوع معه، جازت المسألة على قبح، نحو: آكلا كان زيد طعامك.
فإن كان المعمول ظرفا أو شبهه حسنت المسألة نحو: مقيما كان زيد عندك، وراغبا كان عمرو فيك.
وسبب ذلك أن حق العامل ألا يفصل بينه وبين معموله، فإن كان مرفوعا كان فصله أصعب لكونه كجزء رافعه، فلم يجز بوجه. وإن كان مفعولا به قبح ولم
стр. 355
يمتنع، لأنه ليس كجزء ناصبه. فإن كان ظرفا أو شبهه حسن فصله، لاتساعهم في الظروف وشبهها. وإلى هذا أشرت بقولي: ويَمْنَعُ تقديمَ الخبر الجائز التقديم تأخرُ مرفوعه.
وإذا اشترك في هذا الباب الخبر والمخبر عنه في تعريف أو تنكير، لم يلزم ما لزم في باب الابتداء من تأخر الخبر، إلا إذا لم يظهر الإعراب، نحو: كان فتاك مولاك، ولم يكن فتى أزكى منك. فإن ظهر الإعراب جاز التوسيط والتقديم نحو: كان أخاك زيد، وأخاك كان زيد، ولم يكن خيرا منك أحد، وخيرا منك لم يكن أحد.
ولما كان المرفوع هنا مشبها بالفاعل، والمنصوب مشبها بالمفعول جاز أن يغني هنا تعريف المنصوب عن تعريف المرفوع، كما جاز ذلك في باب الفاعل، لكن بشرط الفائدة، وكون النكرة غير صفة محضة، فمن ذلك قول حسان ﵁:
كأنّ سُلافةً في بيت رأس ... يكون مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ
فجعل مزاجها وهو معرفة خبر كان، وعسل اسمها وهي نكرة، وليس القائل مضطرا لتمكنه من أن يقول: يكون مزاجُها عسلٌ وماءُ، فيجعل اسم كان ضمير سلافة، ومزاجها عسل، مبتدأ وخبر في موضع نصب بكان. ومثله قول القطامي:
قِفى قبل التَفَرُّق يا ضُباعا ... ولايكُ موقفٌ منكِ الوَداعا
فأخبر بالمعرفة عن النكرة مختارا لا مضطرا، لتمكنه من أن يقول: ولا يك موقفي منك الوداعا، أو: ولا يك موقفنا الوداعا. والمحسن لهذا مع حصول الفائدة شبه المرفوع بالفاعل والمنصوب بالمفعول، وقد حصل هذا الشبه في باب إنّ، على أنْ
стр. 356
جعل فيه الاسم نكرة، والخبر معرفة، كقول الشاعر:
وإنّ حراما أن أسُبَّ مُجاشِعا ... بآبائيَ الشُّمِّ الكرام الخَضارِم
فصل: ص: يقترن بإلا الخبرُ المنفيُّ إنْ قُصِد إيجابُه وكان قابلا، ولا يفعل ذلك بخبر برح وأخواتها، لا، نفيها إيجاب، وما ورد منه بإلا مؤول.
ش: يتناول الخبر المنفي خبر ليس وما قبلها من أفعال هذا الباب إذا تلت نفيا، ويتناول أيضا ثاني مفعولي ظنَّ وأخواتها إذا تلت نفيا أيضا، فإن قصد إمضاء النفي جيء بالخبر مجردا، نحو: ليس زيد قائما، وما زال منطلقا، وما علمته عاجزا.
وإن قصد إيجاب جيء بإلا، نحو: ليس زيد إلا قائما، وما كان إلا منطلقا، وما علمته إلا عاجزا.
فإن كان الخبر مما لا يستعمل إلا في نفي لم يقترن بإلا نحو: ما كان مثلك أحدا، وما كنت تعيج، أي تنتفع. فلو قرنت أحدا أو تَعيج بإلا لم يجز، لأن إلا تنقض النفي، وأحد وتعيج من الكلم التي لا تستعمل إلا في النفي، فإليهما وإلى مثلهما أشرت بقولي: إن قُصِد إيجابه وكان قابلا" ثم قلت: "ولا يفعل ذلك بخبر برح وأخواتها" أي لا يقترن خبر برح وأخواتها بإلا، لأنه موجب، وإنما يجاء بإلا لإيجاب ما ليس موجبا، فكما لا يقال: كان زيد إلا قائما، لا يقال: ما زال زيد إلا قائما، لأن مقتضى كان وما زال واحد، فأما قول ذي الرمة:
حَراجِيحُ ما تنفكّ إلا مُناخَة ... على الخَسْف أو نَرْمِي بها بلدا قفرا
ففيه أربعة أقوال: أصَحها: أن تنفك فعل تام، وهو مطاوع فكه إذا خلصه
стр. 357
أو فصله، فكأنه قال: ما تتخلص من السير أو تنفصل منه إلا في حال إناختها على الخسف.
الثاني: أن تكون "تنفك" ناقصة، والخبر على الخسف، ومناخة حال، فكأنه قال: ما تنفك كائنة على الخسف، أي الذل والتعب، أو مرميا بها بلد قفر إلا في حال إناختها.
الثالث: أنّ غلا زائدة، قاله ابن جني في المحتسب، وحمل عليه قراءة ابن مسعود ﵁: (وإن كلٌّ إلا ليوفينّهم).
الرابع: أن ذا الرمة أخطأ بإيقاع إلا موقعا لا يصلح إيقاعها فيه، وهذا أضعف الأقوال.
ص: وتختص ليس بكثرة مجيء اسمها نكرة محضة، وبجواز الاقتصار عليه دون قرينة، واقتران خبرها بواو إن كان جملة موجبة بإلا، وتشاركها في الأول كان بعد نفي أو شبهه، وفي الثالث بعد نفي، وربما شبهت الجملة المخبر بها في ذا الباب بالحال فوليت الواو مطلقا.
ش: قد تقدم في باب الابتداء أن من أسباب تجويز كون المبتدأ نكرة وقوعه بعد نفي، واسم ليس لإفادتها النفي كالمبتدأ الواقع بعد نفي، فلذلك اختصت ليس بكثرة مجيء اسمها نكرة محضة كقول الشاعر:
كم قد رأيتُ وليس شيءٌ باقيا ... من زائرٍ طُرُق الهوى ومَزُور
ولإفادتها النفي أيضا اختصت من بين أخواتها بجواز الاقتصار على اسمها دون قرينة زائدة على كون الاسم نكرة عامة، لأنه بذلك يشبه اسم لا، فيجوز أن يساويه في الاستغناء به عن الخبر، كقول الشاعر:
стр. 358
ألا يا ليلُ وَيْحَكِ نَبِّئينا ... فأما الجودُ منكِ فليس جودُ
أراد فليس منك جود، أو ليس عندك جود. ومثله قول الآخر:
يَئِسْتم وخِلْتم أنه ليس ناصر ... فَبُوِّئْتُم من نصرنا خيرَ مَعْقِل
وحكى سيبويه: "ليس أحدٌ" أي ليس هنا أحد.
ومثال اقتران خبرها بواو لكونه جملة موجبة بإلا قول الشاعر:
ليس شيءٌ إلا وفيه إذا ما ... قابَلَتْه عينُ البصير اعتبارُ
ومثال ذلك في مجيء كان بعد نفي قول الشاعر:
ما كان من بَشَرٍ إلا ومِيتَتُه ... مَحْتومَةٌ لكن الآجالُ تختلفُ
وأما مشاركة كان بعد نفي ليس في مجيء اسمها نكرة محضة فكثير، ومنه قول الشاعر:
إذا لم يكنْ أحدٌ باقيا ... فإنّ التأسِّي دواء الأسى
ومثال ذلك بعد شبه النفي قول الشاعر:
ولو كان حَيٌّ في الحياة مُخَلّدا ... خَلَدْتَ ولكنْ ليس حيٌّ بخالدِ
ومثله قول الآخر:
فإن يكُ شيءٌ خالدا أو مُعَمَّرا ... تأمَّلْ تَجِدْ من فوقه اللهَ غالبا
ومثال تشبيه الجملة الخبرية بالحالية في اقترانها بالواو قول الشاعر:
стр. 359
فظلُّوا ومنهم سابِقٌ دَمْعة له ... وآخر يثْني دَمْعةَ العَيْنِ بالمَهْل
ومثله قول الآخر:
وكانوا أُناسا يَنْفَحُون فأصبحوا ... وأكثر ما يُعْطونك النَّظَرُ الشَّزْرُ
ص: وتختص كان بمرادفة "لم يزل" كثيرا، وبجواز زيادتها وسطا باتفاق، وآخرا على رأي. وربما زيد أصبح وأمسى ومضارع كان، وكان مسندة إلى ضمير ما ذكر، وبين جار ومجرور.
ش: الأصل في كان أن يدل بها على حصول معنى ما دخلت عليه فيما مضى، دون تعرض لأولية ولا انقطاع، كغيرها من الأفعال الماضية، فإن قصد الانقطاع ضمن الكلام ما يدل عليه، كقوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم).
وكقول الشاعر:
وتركى بلادي والحوادثُ جمةٌ ... طريدا وقِدْما كنتُ غير مُطرّد
وقد يقصد بها الدوام كما يقصد بلم يزل، كقوله تعالى: (وكان الله على كل شيء قديرا) وكقول الشاعر:
وكنتُ امرَأ لا أسمعُ الدهرَ سُبَّةً ... أُسَبُّ بها إلا كشفتُ غطاءها
وتختص كان بجواز زيادتها بلفظ الماضي، متوسطة بين مسند ومسند إليه، نحو:
стр. 360
ما كان أحسنَ زيدا، أو: لم يُرَ كان مثلُهم. أو بين صفة وموصوف، كقول الشاعر:
فكيف إذا مررتُ بدار قومٍ ... وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ
ولا يمنع من زيادتها إسنادها إلى الضمير، كما لم يمنع من إلغاء ظن إسنادها في نحو: زيد ظننت قائم، هذا مذهب سيبويه.
وشذت زيادتها بين على ومجرورها في قول الشاعر:
سراةُ بني أبي بكرٍ تسامَوْا ... على كان المُطَهَّمةِ الصِّلاب
وزعم السيرافي أن كان الزائدة مسندة إلى مصدر منوي، ولا حاجة إلى ذلك، ولا يُبالى بأن يقال: خلوُّها من الإسناد إلى منوي يلزم منه كونُ الفعل حديثا عن غير محدّث عنه، لأن كان المحكوم بزيادتها تشبه الحرف الزائد، فلا يُبالى بخلوها من الإسناد، كما أن الضمير الواقع فصلا لمّا قصد به ما يقصد بالحروف من الدلالة على معنى في غيرها استُجيز ألا يكون له موضع من الإعراب.
وأيضا فإن كان قد زيدت بين على ومجرورها، فإذا نوى معها فاعل لزم الفصل بين جار ومجرور بجملة، ولا نظير لذلك، وإذا لم ينو معها ضمير فاعل كان الفصل بكلمة واحدة، فلا يمتنع، كما لم يمتنع في "ما" بين عن، ومن، والباء، ورب، والكاف ومجروراتها.
وأجاز بعض النحويين زيادة كان آخرا قياسا على إلغاء ظن آخرا، والصحيح منع ذلك لعدم استعماله، ولأن الزيادة على خلاف الأصل، فلا تستباح في غير مواضعها المعتادة.
стр. 361
وشذت زيادة يكون في قول أم عقيل بن أبي طالب:
أنت تكونُ ماجدٌ نبيل ... إذا تَهُبُّ شمأل بَلِيل
وأجاز الفراء زيادة تكون بين "ما" وفعل التعجب، نحو: ما يكون أطولَ هذا الغلام، ويشهد لقوله قول رجل من طيء:
صَدّقتَ قائلَ ما يكون أحقَّ ذا ... طفلا يَبُذُّ ذوي السيادة يافعا
قال الفراء: وأخوات كان تجرى مجراها.
قلت ولا خلفا في زيادة كان بعد "ما" التعجبية، كقول الشاعر:
ما كان أسعدَ مَنْ أجابك آخِذا ... بِهُداك مُجْتنبا هوى وعنادا
وشذت أيضا زيادة أصبح وأمسى في قول بعض العرب: ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها. وأجاز أبو علي زيادة أصبح في قول الشاعر:
عَدُوُّ عَيْنَيْك وشانيهما ... أصبح مشغولٌ بمشغول
وكذا أجاز زيادة أمسى في قول الآخر:
أعاذِل قولي ما هوِيتِ فأوِّبي ... كثيرا أرى أمسى لَدَيْك ذُنُوبي
ص: ويختص كان أيضا بعد "إنْ" أو "لو" بجواز حذفها مع اسمها، إن كان ضمير ما عُلِم من حاضر أو غائب، فإن حَسُن مع المحذوفة بعد "إنْ" تقدير: فيه أو معه أو نحو ذلك، جاز رفع ما وَليها، وإلا تعيّن نصبه، وربما جُرّ مقرونا
стр. 362
بإن لا، أو بإن وحدها، إن عاد اسم كان إلى مجرور بحرف. وجَعْلُ ما بعد الفاء الواقعة جواب "إنْ" المذكورة خبر مبتدأ، أولى من جعله خبر كان مضمرة، أو مفعولا بفعل لائق، أو حالا. وإضمار كان الناقصة قبل الفاء أولى من التامة. وربما أضمرت الناقصة بعد "لَدُن" وشبهها.
والتزم حذفها معوضا منها "ما" بعد "أنْ" كثيرا، وبعد "إنْ" قليلا.
ويجوز حذف لامِها الساكن جزما، ولا يمنع ذلك ملاقاةُ ساكن وفاقا ليونس.
ش: مثال حذف كان بعد "إنْ" مع اسمها وهو ضمير غائب معلوم قول الشاعر:
انطِقْ بحقٍّ وإنْ مستخرِجا إحَنا ... فإنّ ذا الحق غلّابٌ وإنْ غُلِبا
ومثال الحذف مع كون الاسم ضمير حاضر قول الآخر:
حَدبت عليَّ بُطونُ ضبّةَ كلُّها ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما
ومثال الحذف بعد لو والاسم ضمير غائب قول الشاعر:
لا يأمنُ الدَّهر ذو بَغْي ولو ملِكا ... جنودُه ضاقَ عنها السهلُ والجبل
ومثاله والاسم ضمير حاضر:
علمتك منّانا فلستُ بآملٍ ... نداك ولو غَرْثانَ ظمآن عاريا
فالنصب في مثل هذا متعين لعدم صلاحية تقدير ما يجعل خبرا من "فيه" أو "معه" أو نحوهما. فلو صلح تقدير شيء من ذلك لجاز الرفع نحو: الناس
стр. 363
مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ومثله: المرء مقتول بما قَتَل به إن سيفا فسيف، وإن خنجرا فخنجر. ومما مثل به سيبويه: مررت برجل صالح، إن لا صالحا فطالحٌ، وإلا صالحا فطالحا، أي: إن لم يكن صالحا فقد لقيته طالحا، هذا تقدير سيبويه، فنصب طالحا على الحال، وحكى يونس: إن لا صالحٍ فطالحٍ، والتقدير: إن لا أمر بصالح فقد مررت بطالح وأجاز: امرر بَأيُّهم أفضلُ، إن زيدٍ وإن عمرٍو، على تقدير: إن مررت بزيد وإن مررت بعمرو. وجعل سيبويه إضمار الباء بعد إنْ هذه أسهل من إضمار رب بعد الواو.
وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي: وربما جُرَّ مقرونا بإن لا، أو بإن وحدها إن عاد اسم كان إلى مجرور بحرف.
ثم بينت أن الاسم الواقع بعد الفاء في الحديثين المذكورين ونحوهما، يرفع على أنه خبر مبتدأ، وينصب على أنه خبر كان مضمرة، وقد يجعل مفعولا به، أو منصوبا على الحال، إلا أن رفعه أجود، لأن المحذوف معه شيء واحد، ومع النصب شيئان: فعل واسم مرفوع به. وأن وقوع الجملة الاسمية بعد الفاء المجاب بها الشرط أكثر من وقوع الجملة الفعلية. ويجوز جعل ما بعد الفاء مفعولا به، فيكون التقدير: إن كان عمله خيرا فيجزى خيرا، أو فيعطى خيرا. ويجوز جعله حالا، فيكون التقدير: إن كان عمله خيرا فيلقاه خيرا، ونحو ذلك. وقد أشار سيبويه إلى ذلك كله.
ثم بينت أن ارتفاع الاسم قبل الفاء في مثل: إن خير فخير، بكان الناقصة أولى من ارتفاعه بكان التامة، وسبب ذلك أن إضمار الناقصة مع النصب
стр. 364
متعين، وهو مع الرفع ممكن، فوجب ترجيحه، ليجرى الاستعمالان على سنن واحد، ولا يختلف العامل. ولأن الفعل التام إذا أضمر بعد إن الشرطية لا يستغنى عن مفسر، نحو: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجِرْه) فخولف هذا في كان الناقصة، لوقوع ثاني جزأيها موقع المفسر، ولأنها تُوسع فيها بما لا يستعمل في غيرها، فمقتضى الدليل ألا تشاركها التامة في الإضمار المشار إليه، لكن أجيز فيها لشبهها بالناقصة، فلا يستويان في التقدير.
ومثال إضمار كان الناقصة بعد لدن قول الشاعر:
من لَدُ شَوْلا فإلى إتلائها
يصف إبلا، والتقدير: من لد أن كانت شولا، كذا يقدره الجمهور، وعندي أن تقدير "أنْ "مستغنى عنه، كما يستغنى عنها بعد مُذْ.
ومثال إضمار كان بعد شبه لدن قول الشاعر:
أزمانَ قومي والجماعةَ كالذي ... لَزِم الرِّحالةَ أن تَميل مَمِيلا
أراد: أزمان كان قومي مع الجماعة كالذي لزم الرحالة، كذا قال سيبويه.
ومثال التزام إضمار كان بعد "أنْ" معوضا منها قول الشاعر:
أبا خُراشَةَ أمّا أنت ذا نفرٍ ... فإن قومي لم تأكلهم الضّبع
أراد: لأن كنت، فحذف اللام، فبقى "أنْ كنت" ثم حذف "كان" وجاء بالمنفصل خلفا عن المتصل، وبـ"ما" قبله عوضا من كان، فالتزم حذفها، لئلا يجتمع العوض والمعوض منه. ومثال: أما أنت ذا نفر: أمّا أنت مرتحلا، من قول
стр. 365
الشاعر:
إمّا أقمت وأمّا أنت مرتحلا ... فالله يَكْلأ ما تأتي وما تذرُ
ومثال إضمار كان معوضا منها "ما" بعد "إنْ" قول العرب: افعل هذا إما لا، أي: إن كنتَ لا تفعل غيره. ومثله قول الراجز:
أمرعت الأرضُ لو أنّ ما لا ... لو أنّ نُوقا لك أو جِمالا ... أو ثَلَّةً من غَنَم إمّا لا
أراد: إن كان لا يكون لك غيرها.
وأمثال: أمّا أنت ذا نفر، كثيرة، بخلاف "إما لا" فإن استعماله قليل، لأن الحذف فيه أكثر.
ومما تختص به كان جواز حذف لام مضارعها الساكن جزما، كقوله تعالى: (ولم يك من المشركين) وكقوله تعالى: (ولا تك في ضيق مما يمكرون) فإن ولى ساكن امتنع الحذف عند سيبويه، ولم يمتنع عند يونس، وبقوله أقول، لأن هذه النون إنما حذفت للتخفيف، وثقل اللفظ بثبوتها قبل ساكن أشد من ثقله بثبوتها دون ذلك، فالحذف حينئذ أولى. إلا أن الثبوت دون ساكن ومع ساكن أكثر من الحذف، فلذلك جاء القرآن بالثبوت مع الساكن في قوله تعالى: (ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم) وفي قوله: (لم يكن الذين كفروا) وقد استعملت العرب الحذف قبل الساكن كثيرا، ومنه قول الشاعر:
стр. 366
لم يكُ الحقُّ سِوى أنْ هاجَه ... رسْمُ دار قد تَعَفَّى بالسَّرَر
ومنه قول الآخر:
فإنْ لم تكُ المرآةُ أبدت وسامةً ... فقد أبدت المرآةُ جَبْهَة ضَيْغم
ومنه قول الآخر:
إذا لم تك الحاجاتُ من همة الفتى ... فليس بمُغْنٍ عنه عقد الرتائم
ولا ضرورة في هذه الأبيات، لإمكان أن يقال في الأول: لم يكن حق سوى أن هاجه، وفي الثاني: فإن تكن المرآة أخفت وسامةن وفي الثالث: إذا لم يكن من همة المرء ما نوى.
ص: ولا يلي عند البصريين كان وأخواتها غيرُ ظرف وشبهِه من معمول خبرها، واغْتَفر ذلك بعضُهم مع اتصال العامل، وما أوهم خلاف ذلك قُدّر فيه ضمير الشأن اسما، خلافا للكوفيين.
ش: لا يجوز عند البصريين أن يفصل بمعمول خبر كان بينها وبين اسمها والخبر متأخر، نحو: كان طَعامَك زيدٌ يأكل، وكذل لو لم يتأخر الخبر نحو: كان طعامك يأكل زيدٌ، وهو أيضا غير جائز عند سيبويه كالأول.
ومن الناس من أجاز الأخير دون الأول.
وكلاهما عند الكوفيين جائز، ومن حجتهم قول الشاعر:
قَنافِيذُ هَدَّاجُون حول بُيوتهم ... بما كان إياهم عطيَّةُ عوَّدا
стр. 367
ومثله قول الآخر:
فأصبحوا والنَّوى عالى مُعَرّسِهم ... وليس كلَّ النوى يلقى المساكينُ
وهذا وما أشبهه عند البصريين محمول على أن يُضْمر قبل المنصوب ضمير الشأن اسما فيندفع الإشكال. ويجوز جعل كان في البيت الأول زائدة، ويجوز جعل ما بمعنى الذي، وفي كان ضمير ما، وهو اسم كان، وعطية مبتدأ خبره عوّد، وهو ذو مفعولين: أحدهما إياهم، والثاني ها عائدة على ما، فحذفت وهي مقدرة.
فلو كان المعمول الخبر ظرفا أو جارا ومجرورا، جاز بإجماع تقديمه على الاسم متصلا بالخبر نحو: كان عندك مقيما زيدٌ، ومنفصلا نحو: كان عندك زيدٌ مقيما، لأن الظرف والمجرور يتوسع فيهما توسعا لا يكون لغيرهما، ولذلك فصل بهما بين المضاف والمضاف إليه، كقول الشاعر:
كما خُطَّ الكتابُ بكفِّ يوما ... يَهُوديٍّ يُقاربُ أو يُزيلُ
وبين الاستفهام والقول الجاري مجرى الظن، نحو: أغدا تقول زيدا منطلقا، ولو قلت: أأنت تقول، لبطل النصب، ولزمت الحكاية في اللغة المشهورة.
وقد أجيز: ما غدًا زيد ذاهبا، بإيلاء الظرف "ما"، وهو معمول خبرهان فإجازة ذلك في كان أولى.
فصل: ص: ألحق الحجازيون بليس " ما" النافية ، بشرط تأخير الخبر، وبقاء نفيه، وفَقْدِ إنْ، وعدم تقدم غير ظرف أو شبهه من معمول الخبر. وإنْ المشار
стр. 368
إليها زائدة كافة لا نافية، خلافا للكوفيين. وقد تزاد قبل صلة ما الاسمية والحرفية، وبعد "ألا" الاستفتاحية، وقبل مَدَّة الإنكار. وليس النصب بعد "ما" لسقوط باء الجر، خلافا للكوفيين. ولا يغنى عن اسمها بدلٌ مُوجَب، خلافا للأخفش، وقد تعمل متوسطا خبرُها، وموجبا بإلا، وفاقا لسيبويه في الأول، وليونس في الثاني. والمعطوف على خبرها ببل ولكن موجب فيتعين رفعه.
ش: للعرب في "ما" النافية الداخلة على المبتدأ والخبر مذهبان: أحدهما: مذهب أهل الحجاز، وهو إلحاقها في العمل بليس، وعلى مذهبهم نزل القرآن، قوله تعالى: (ما هذا بشرا) وقوله تعالى: (ما هن أمهاتِهم).
والثاني: مذهب غير أهل الحجاز، وهو إهمالها، وهو مقتضى القياس، لأنها غير مختصة، فلا تستحق عملا، كما لا تستحقه هل وغيرها من الحروف التي ليست بمختصة.
وذكر الفراء أن أهل نجد يَجُرُّون الخبر بعدها بالباء كثيرا، ويدعون الباء فيرفعونه. فجعل بعض النحويين هذا مذهبا ثالثا في "ما". وضعف هذا الرأي بيِّن، لأن دخول الباء على الخبر بعد "ما" في لغة بني تميم معروف، لكنه أقل منه في لغة أهل نجد فمذهبهما واحد.
ولما كان عمل "ما" استحسانيا لا قياسيا اشترط فيه تأخر الخبر، وتأخر معموله، وبقاء النفي، وخلوها من مقارنة إنْ، لأن كل واحد من هذه الأربعة حال أصلي، فالبقاء عليها تقوية، والتخلي عنها أو عن بعضها توهين، وأحق هذه الأربعة بلزوم الوهن عند عدمه الخلو من مقارنة إنْ، لأن مقارنته "لما" يزيل شبهها بليس، لأن ليس لا تليها إنْ، فإذا وليت "ما" تباينا في الاستعمال، وبطل الإعمال دون خلاف. ولا يلزم مثل هذه المباينة بنقض النفي، ولا بتوسط الخبر، كما سيأتي ذلك مبينا إن شاء الله تعالى.
стр. 369
ومثال إبطال العمل لنقض النفي قوله تعالى: (وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل).
ومثال إبطال لتوسط الخبر قول الشاعر:
وما خُذَّل قومي فأخضع للعدا ... ولكنْ إذا أدعوهُمُ فهمُ همُ
ومثال إبطاله لتوسط معمول الخبر قول الشاعر:
وقالوا تَعَرَّفْها المنازلَ من منى ... وما كلَّ من وافى مِنًى أنا عارفُ
على رواية من روى: كلَّ، بالنصب، وأما على رواية الرفع فكل اسم "ما"، وأنا عارف خبرها، وكان ينبغي أن يقول: أنا عارفه، لكنه حذف الضمير ونواه، كما فعل من قال: كلُهْ لم أصنع.
فلو كان معمول الخبر ظرفا أو جارا ومجرورا لم يبطل عمل "ما" كقولك: ما عندك زيد مقيما، وكقول الشاعر:
بأُهْبة حرب كُن وإن كنت آمنا ... فما كلَّ حين مَنْ تُوالي مواليا
ومثال إبطال العمل لاقتران "ما" بإنْ قول الشاعر:
بني غُدانةَ ما إنْ أنتم ذهبٌ ... ولا صريفٌ ولكن أنتم الخزف
ومثله قول الآخر:
стр. 370
فما إن طِبُّنا جُبْن ولكنْ ... .منايانا ودولة آخرينا
وإن هذه زائدة كافة لما، كما هي "ما" كافة لإنّ وأخواتها في نحو: (إنما اللهُ إلهٌ واحد).
وزعم الكوفيون أنَّ إنْ المقترنة بما هي النافية جيء بها بعد ما توكيدا، والذي زعموه مردود بوجهين: أحدهما: أنها لو كانت نافية مؤكدة لم تغير العمل، كما لا يتغير لتكرير ما، إذا قيل: ما من زيد قائما، كما قال الراجز:
لا يُنْسِك الأسى تأسِّيًا فما ... ما مِنْ حِمامٍ أحدٌ معتصما
فكرر ما النافية توكيدا وأبقى عملها.
الثاني: أن العرب قد استعملت إنْ زائدة بعد ما التي بمعنى الذي، وبعد ما المصدرية التوقيتية، لشبههما في اللفظ بما النافية، فلو لم تكن زائدة المقترنة بما النافية، لم يكن لزيادتها بعد الموصولتين مسوغ. ومثال زيادتها بعد الموصولتين قول الشاعر:
يُرَجِّي المرْءُ ما إنْ لا يراه ... وتعرِض دون أدناه الخطوبُ
أراد: يرجى المرء الذي لا يراه. ومثله قول الآخر:
ورَجِّ الفتى للخير ما إنْ رأيته ... على السِّنِّ خيرا لا يزال يزيد
فما في هذا البيت مصدرية توقيتية، فزادوا إن بعدها لشبهها في اللفظ بما النافية، فتعين الحكم بالزيادة على التي بعد النافية، وزيدت أيضا إن بعد ألا الاستفتاحية،
стр. 371
كقول الشاعر:
ألا إنْ سَرَى لَيْلي فبِتُّ كئيبا ... أُحاذر أن تَنْأى النَّوَى بِغَضُوبا
وزيدت أيضا قبل مدة الإنكار، كقول رجل من العرب لِمن قال له: أتخرج إن أخْصَبت البادية؟ - أأنا إنيه.
وزعم الكوفيون أن "ما" لا عمل لها، وأن نصب ما ينتصب بعدها بسقوط الباء. وما قالوه لا يصح، لأن الباء قد تدخل بعد هل، وبعد ما المكفوفة بإنْ، وإذا سقطت الباء تعين الرفع، بإجماع، فلو كان سقوط الباء ناصبا لنصبه في هذين الموضعين.
ومثل تعين الرفع في هذين الموضعين عند سقوط الباء تعينه عند سقوطها في نحو: كفى بزيد رجلا، وبحسب عمرو درهم. وتعينه عند سقوط مِنْ في نحو: ما فيه من رجل.
وأجاز الأخفش في نحو: ما أحد قائما إلا زيد، أن يقال: ما قائما إلا زيد، بحذف اسم ما، والاستغناء عنه ببدله الموجب بإلا. ومثل هذا لو سمع من العرب لكان جديرا بالرد، لأن المراد فيه مجهول، لاحتمال أن يكون أصله: ما أحد قائما إلا زيد، وأن يكون أصله: ما كان قائما إلا زيد، وما كان هكذا فالحكم بمنعه أولى من الحكم بجوازه، لأن شرط جواز الحذف أن يكون المحذوف متعين لا محتملا. ولذلك لا يجوز لمن قال: تمرون الديار، أن يقول: رغبت زيدا، لأن المراد مجهول، لاحتمال أن يكون أراد: رغبت في زيد، وأن يكون أراد: رغبت عن زيد.
ومن العرب من ينصب خبر ما متوسطا بينها وبين اسمها، أشار إلى ذلك سيبويه،
стр. 372
وسوى بينه وبين قول من قال: ملحفة جديدة، بالتاء، وبين من قال: ولات حينُ مناص، بالرفع. فإن المشهور: ملحفة جديد، بلا تاء، ولات حينَ مناص، بالنصب. وأنشد سيبويه على نصب الخبر متوسطا قول الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد اللهُ نعمتَهم ... إذ هم قريش وإذا ما مثلَهم بشرُ
واستشهد أبو علي في التذكرة على نصب خبر ما مقدما على اسمها بقول الشاعر:
أما واللهِ عالم كلِّ غَيْب ... ورب الحجر والبيت العتيقِ
لو انّك يا حُسَيْن خُلِقْت حرا ... وما بالحُرِّ أنت ولا الخليقِ
بناء على أن الباء لا تدخل على الخبر إلا وهو مستحق للنصب، وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
ورد على سيبويه الاستدلال ببيت الفرزدق، لأنه سمع من لغتهم منع نصب الخبر مطلقا. لكنه رفع بشرا بالابتداء، وحذف الخبر، ونصب مثلهم على الحال. أو يكون تكلم الفرزدق بهذا معتقدا جوازه عند الحجازيين فلم يصب.
والجواب عن الأول أن الحال فضلة، فحق الكلام أن يتم بدونها، ومعلوم أن الكلام هنا لا يتم بدون مثلهم، فلا يكون حالا، وإذا انتفت الحالية تعينت الخبرية.
والجواب عن الثاني أن الفرزدق كان له أضداد من الحجازيين والتميميين، ومن مناهم أن يظفروا بزلة منه يشنعون بها عليه، مبادرين إلى تخطئته، ولو جرى شيء من ذلك لنقل، لتوفر الدواعي على التحدث بمثل ذلك لو اتفق، ففي عدم ذلك دليل على إجماع أضداده الحجازيين والتميميين على تصويب قوله، فثبت بهذا صحة استشهاد سيبويه بما أنشده، والله أعلم.
وروى عن يونس من غير طريق سيبويه إعمال "ما" في الخبر الموجب بإلا،
стр. 373
واستشهد على ذلك بعض النحويين بقول الشاعر:
وما الدهرُ إلا مَنْجَنُونا بأهله ... وما صاحبُ الحاجات إلا معذبا
وتكلف في توجيه هذا البيت بأن قال: منجنونا منصوب نصب المصدر الذي يستغنى به عن خبر المبتدأ المقصود حصر خبره، فكأنه قال: وما الدهر إلا يدور بأهله دوران منجنون، أي: دولاب، ثم حذف الفعل على حد تسير إذا قيل: ما أنت إلا سير البريد، ثم حذف المضاف وهو دوران، وأقيم المضاف إليه مقامه وهو منجنون. وأما إلا معذبا فمثل: إلا تعذيبا، لأن مُفَعّلا من فَعّل بمنزلة تفعيل، ومنه قوله تعالى: (ومَزّقناهم كل مُمَزَّق).
وهذا عندي تكلف لا حاجة إليه، فالأولى أن يجعل منجنونا ومعذبا خبرين لما منصوبين بها، إلحاقا لها بليس في نقض النفي، كما ألحقت بها في عدم النقض. وأقوى من الاستشهاد بهذا البيت الاستشهاد بقول مغلس:
وما حقُّ الذي يعثُو نهارا ... ويسرقُ ليله إلا نَكالا
وإذا عطف على خبر ما المنصوب ببل ولكنْ لم يجز في المعطوف إلا الرفع، كقولك: ما زيدٌ قائما بل قاعدٌ، وما خالد مقيما بل ظاعن، وإنما لم يجز ههنا في المعطوف إلا الرفع لأنه بمنزلة الموجب بإلا. وقياس مذهب يونس ألا يمتنع نصب المعطوف ببل ولكن.
ص: وتُلحق بها "إنْ" النافية قليلا، و"لا" كثيرا، ورفعها معرفة نادر، وتُكْسَعُ بالتاء فتختص بالحين أو مرادفه، مُقْتَصرا على منصوبها بكثرة، وعلى مرفوعها بقلة، وقد يضاف إليها "حين" لفظا أو تقديرا، وربما استغنى مع التقدير عن "لا" بالتاء. وتهمل "لات" على الأصح إن وليها هَنّا.
стр. 374
ش: مقتضى النظر أن يكون إلحاق "إنْ" النافية بليس راجحا على إلحاق "لا" لمشابهتها لها في الدخول على المعرفة، وعلى الظرف والجار والمجرور، وعلى المخبر عنه بمحصور، فيقال: إنْ زيد فيها، وإن زيد إلا فيها، و: (إنْ عندكم من سلطان) كما يقال بما. ولو استعملت "لا" هذا الاستعمال لم يجز.
ومقتضى النظر أيضا أن يكون إلحاق لات بليس راجحا على إلحاق "ما" و"إن" و"لا"، لأن اتصال التاء بها جعلها مختصة بالاسم، وشبيهة بليس في اللفظ، إذ صارت بها على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن كليس، إلا أن الاستعمال اقتضى تقليل الإلحاق في "إنْ" وكثرته في "لا" مجردة، وقصره في "لا" مكسوعة بالتاء على الحين أو مرادفه.
وذكر السيرافي أن المرفوع بعد لات في مذهب الأخفش مرفوع بالابتداء، وأن المنصوب بعدها منصوب بإضمار فعل. وكلام الأخفش في كتابه المترجم "بمعاني القرآن" موافق كلام سيبويه في أنّ لات تعمل عمل ليس على الوجه المذكور.
وأكثر النحويين يزعمون أن مذهب سيبويه في إنْ النافية الإهمال، وكلامه مشعر بأن مذهبه فيها الإعمال، وذلك أنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم:
"وأما إنْ مع ما في لغة أهل الحجاز، فهي بمنزلة ما مع إنّ الثقيلة تجعلها من حروف الابتداء، وتمنعها أن تكون من حروف ليس" فعلم بهذه العبارة أن في الكلام حروفا مناسبة لليس من جملتها ما، ولا شيء من الحروف يصلح لمشاركة ما في هذه المناسبة إلا إنْ ولا فتعين كونهما مقصودين.
وصرح أبو العباس المبرد بإعمال إنْ عمل ليس، وتابعه أبو علي وأبو الفتح بن جني، ومن شواهد ذلك ما أنشد الكسائي من قول الشاعر:
إنْ هو مستوليا على أحد ... إلا على أضعف المجانين
стр. 375
وقال آخر:
إن المرءُ ميتا بانقضاء حياته ... ولكن بأن يُبْغى عليه فيُخْذلا
وذكر أبو الفتح في المحتسب أن سعيد بن جبير ﵁ قرأ: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) على أنَّ إنْ نافية، والذين اسمها، وعبادا خبرها، وأمثالكم صفة، وقال: معناه: ما الذين تدعون من دون الله أمثالكم في الإنسانية، وإنما هي حجارة ونحوها مما لا حياة له ولا عقل، فضلا لكم بعبادتهم أشد من ضلالكم لو عبدتم أمثالكم.
ومن عمل "لا" مجردة من التاء عمل ليس قول الشاعر:
تعزَّ فلا شيءٌ على الأرض باقيا ... ولا وَزَرٌ مما قضى الله واقيا
ومثله قوله:
نصرتُك إذ لا صاحبٌ غيرَ خاذل ... فبُؤِّئت حصنا بالكُماة حصينا
ومثله قول سواد بن قارب ﵁:
وكن لي شفيعا يومَ لا ذو شفاعةٍ ... بمُغْنٍ فتيلا عن سواد بن قارب
ومثله قول الآخر:
من صدَّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيسٍ لا بَراح
стр. 376
فحذف الخبر، ومثله قول الراجز:
والله لولا أن يَحُشَّ الطُّبَّخُ ... بيَ الجحيمَ حين لا مُسْتَصْرَخُ
فهذا وأمثاله مشهور، أعني إعمال لا في نكرة عمل ليس.
وشذ إعمالها في معرفة في قول النابغة الجعدي ﵁:
بَدَت فعلَ ذي وُدٍّ فلما تبعتُها ... تولّت وخلَّت حاجتي في فؤاديا
وحلّت سوادَ القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا في حبها متراخيا
وقد حذا المتنبي حذو النابغة فقال:
إذا الجودُ لم يُرْزَق خلاصا من الأذى ... فلا المجدُ مكسوبا ولا المال باقيا
والقياس على هذا شائع عندي.
ولم تستعمل لات إلا في الحين أو مرادفه مقتصرا بها على الحين كله، كقوله تعالى: (ولات حين مناص) وكقول الشاعر:
غافلا تعرضُ المنيةُ للمر ... .ء فيُدْعَى ولات حين إباء
ومثال إعمالها في مرادف الحين قول رجل من طيء:
ندم البغاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْدم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم
وأنشد أبو الحسن الأخفش، وأبو زكريا الفراء:
стр. 377
طلبوا صُلْحَنا ولات أوانِ ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
أراد: ولات أوان صلح، فقطع أوانا عن الإضافة ونواها، وبنى أوانا على الكسر تشبيها بفعالِ.
وإضافة حين إلى لات لفظا كقول الشاعر:
لعل حلومَكم تأوي إليكم ... إذا شمَّرْتُ واضطرت شذاتي
وذلك حين لات أوانِ حلم ... ولكن قبلها اجتنبوا أذاتي
وإضافة حين إليها تقديرا كقول الآخر:
تذكر حُبَّ ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب قد قطع القرينا
وأشرت بقولي: وربما استغنى مع التقدير عن لا "بالتاء" إلى قول الشاعر:
العاطفونَ تحين لا من عاطف ... والمنعمون يدا إذا ما أنْعَموا
أراد: هم العاطفون حين لات حين ما من عاطف، فحذف حين مع لا، وهذا أولى من قول من قال: إنه أراد "العاطفونَهْ" بهاء السكت، ثم أثبتها وأبدلها تاء. وقد تجيء لات وبعدها هَنّا، كقول الشاعر:
حنّتْ نوارِ ولات هَنّا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أجَنّت
ولا عمل للات في هذا وأشباهه، ولكنها مهملة، وهنّا في موضع نصب على الظرفية، والفعل بعده صلة لأنْ محذوفة، وأن وصلتها في موضع رفع بالابتداء، والخبر هنّا، كأنه قال: ولا هنالك حنين، هكذا قال أبو علي.
стр. 378
وزعم ابن عصفور أن "هنّا" اسم لات، وما قاله غير صحيح، لأن هنا ظرف غير متصرف فلا يخلو من معنى "في".
ص: ورفع ما بعد "إلا" في نحو: ليس الطيبُ إلا المسكُ، لغة تميم، ولا ضمير في ليس خلافا لأبي علي.
ش: روى أبو عمرو بن العلاء في نحو: ليس الطيب إلا المسك، وليس البِرّ إلا العمل الصالح، النصب عن الحجازيين، والرفع عن بني تميم. فأما النصب فعلى ما تستحقه ليس من رفع الاسم ونصب الخبر، وأما الرفع فعلى إهمال ليس وجعلها حرفا.
وقد أشار سيبويه إلى جواز ذلك في بعض الكلام، وأجاز في قول من قال: ليس خلق الله أشعر منه، كون ليس فعلا متحملا ضمير الشأن اسما، وكونها حرفا مهملا.
واضطرب قول أبي علي في ليس، فرجح في بعض تصانيفها حرفيتها مع ظهور عملها، والتزم في موضع آخر فعليتها وإبقاء عملها في نحو: ليس الطيب إلا المسك، وذهب إلى أنها متحملة ضمير الشأن اسما، وما بعد ذلك خبرها. وما ذهب إليه غير صحيح، لأن الجملة المخبر بها عن ضمير الشأن في حكم مفرد هو المخبر عنه في المعنى، ولذلك استغنى عن عود ضمير منها إلى صاحب الخبر.
فإذا قصد إيجابها بإلا لزم تقدمها على جزأيها وامتنع توسطها، كما امتنع توسطها بين جزأي خبر مفرد قصد إيجابه، فلو كان اسم ليس في: ليس الطيب إلا المسك، ضمير الشأن، لزم أن يقال: ليس إلا الطيب المسك، كما يلزم أن يقال في: كلامي زيد قائم، عند حصر الخبر: ليس كلامي إلا زيد قائم، ولو وسط إلا فقيل: ليس كلامي زيد إلا قائم، لم يجز، فكذا لا يجوز: ليس الطيب إلا المسك، على تقدير: ليس الشأن الطيب إلا المسك، بل الواجب إذا قصد الحصر في خبر ضمير الشأن
стр. 379
أن يجاء بإلا مقدمة على جزأي الجملة، كما قال الشاعر:
ألا ليس إلا ما قضى اللهُ كائن ... وما يستطيع المرء نفعا ولا ضرا
ويمكن في: ليس الطيب إلا المسك، إبقاء العمل على وجه لا محذور فيه، وهو أن يجعل "الطيب" اسم ليس، والمسك بدل منه، والخبر محذوف، والتقدير: ليس الطيب في الوجود إلا المسك، ويكون الاستغناء هنا بالبدل عن الخبر، كالاستغناء به في نحو: لا فتى إلا على، ولا سيف إلا ذو الفقار.
ص: ولا تلزم حاليةُ المنفي "بليس" و"ما" على الأصح.
ش: وزعم قوم من النحويين أن "ليس وما" مخصوصان بنفي ما في الحال، والصحيح أنهما ينفيان ما في الحال، وما في الماضي، وما في الاستقبال. وقد تنبه أبو موسى الجزولي إلى ذلك، فقال في كتابه المسمى بالقانون: وليس لانتفاء الصفة عن الموصوف مطلقا. قال أبو علي الشلوبين: قال أبو موسى ذلك، وإن كان الأضهر عند النحويين أن ليس إنما هي لانتفاء الصفة عن الموصوف في الحال، لأن سيبويه حكى: ليس خلق الله مثله، وأجاز: ما زيد ضربته، على أن تكون "ما" حجازية.
ثم بين الشلوبين أن مراد القائلين: إن ليس لانتفاء الصفة في الحال، أن الخبر إذا لم يكن مخصوصا بزمان دون زمان، ونفى بليس، فإنه يحمل نفيها على الحال، كما يحمل الإيجاب عليه أيضا. فإن اقترن الخبر بالزمان أو ما يدل عليه فهو بحسب المقترن به، موجبا كان أو منفيا بليس.
قلت: قد ورد استقبال المنفي بليس في القرآن العزيز وأشعار العرب كثيرا، وكذا ورد استقبال المنفي بما. فمن استقبال المنفي بليس قوله تعالى: (ألا يومَ يأتيهم ليس مصروفا عنهم) وقوله تعالى: (ولستم بآخذيه إلا أن تُغْمِضُوا فيه)
стр. 380
وقوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع) ومثله قول حسان:
وما مثلُه فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدهرَ ما دام يَذْبُل
ومثله قول زهير:
بدا لي أني لستُ مُدركَ ما مضى ... ولا سابقا شيئا إذا كان جائيا
ومثله:
إني على العهد لست أنْقُضُه ... ما اخضر في رأس نخلة سَعَف
ومثله:
ولست بمُسْتَبقٍ أخا لا تَلُمُّه ... على شَعَث أيُّ الرجالِ المهذبُ
ومثله:
هَوِّنْ عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك مَنْهِيُّها ... ولا قاصرٍ عنك مأمورها
ومثله:
ولستَ لما لم يقضِه الله واجدا ... ولا عادما ما الله حَمّ وقدّرا
ومن استقبال المنفي بما قول الله تعالى: (وما هو بمُزَحْزحه من العذاب أن يُعَمّر) و (وما هم بخارجين من النار) (وما هم بخارجين منها)
стр. 381
(لا يمسهم فيها نَصَب وما هم منها بمخرجين) (يَصلَوْنها يوم الدين وما هم عنها بغائبين) ومن ورود ذلك في غير القرآن قول الشاعر:
وما الدنيا بباقية لحيٍّ ... ولا أحدٌ على الدنيا بباق
ومثله قول امرئ القيس:
وما المرء ما دامت حُشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل
وشواهد ذلك شائعة ذائعة.
ص: وتزاد الباء كثيرا في الخبر المنفي بليس وما أختها، وقد تزاد بعد نفي فعل ناسخ للابتداء، وبعد: أو لم يروا أنّ، وشبهه، وبعد "لا" التبرئة، وهل، وما المكفوفة بإنْ، والتميمية، خلافا لأبي علي والزمخشري، وربما زيدت في الحال المنفية، وخبر إنّ ولكنّ.
ش: زيادة الباء في الخبر المنفي بليس قوله تعالى: (أليس الله بكاف عبدَه) وفي الخبر المنفي بما قوله تعالى: (وما ربك بغافل عما تعملون) وقلت: في الخبر المنفي، ولم أقل في خبر ليس، ليعلم أن الموجب بعد ليس وغيرها لا تدخله الباء.
ومثال دخولها بعد نفي فعل ناسخ للابتداء قول الشاعر:
وإنْ مُدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشعُ القوم أعجلُ
стр. 382
ومثله:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه ... فلما دعاني لم يجبرني بأقْعَد
ومثال دخولها بعد أنَّ المسبوقة بأوَ لمْ يَرَوْا، قوله تعالى: (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يَعْيَ بخلقهن بقادر) وهذا من إجراء الشيء على ما هو في معناه، لأن معنى: أو لم يروا أن الله، أو ليس الله.
ومثال دخول الباء بعد "لا" التبرئة قول العرب: لا خير بخير بعده النار، إذا لم تجعل الباء بمعنى في.
ومثال دخولها بعد هل قول الشاعر:
يقول إذا اقْلَوْلَى عليها وأقْرَدَت ... ألا هل أخو عيش لذيد بدائم
ومثال دخولها بعد ما المكفوفة بإنْ قول الشاعر:
لعَمْرُك ما إن أبو مالك ... بواهٍ ولا بضعيف قواه
ومثال دخولها بعد ما التميمية قول الفرزدق:
لعمرك ما مَعْنٌ بتارك حقه ... ولا مُنْسِئٌ معْنٌ ولا مُتَيسِّرُ
وزعم أبو علي أن دخول الباء على الخبر بعد ما مخصوص بلغة أهل الحجاز، وتبعه في ذلك الزمخشري، وهو بخلاف ما زعماه لوجوه:
أحدها: أن أشعار بني تميم تتضمن الباء كثيرا بعد ما، كقول الفرزدق المتقدم.
стр. 383
الثاني: أن الباء إنما دخلت على الخبر بعد ما لكونه منفيا، لا كونه خبرا منصوبا، ولذلك دخلت على خبر لم أكن، وامتنع دخولها على خبر كنت. وإذا ثبت أن كون المسوغ لدخولها النفي، فلا فرق بين منفي منصوب المحل ومنفي مرفوع المحل.
الثالث: أن الباء المذكورة قد ثبت دخولها بعد بطلان العمل، وبعد هل، كقوله:
بواه ولا بضعيف قواه
وقوله: ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
وإنما دخلت على الخبر بعد هل لشبه هل بحرف نفي، فلأن تدخل على ما التميمية أحق وأولى، لأن شبه ما بما، أكمل من شبه هل بما، وقد تقدم أن الفراء حكى أن أهل نجد كثيرا ما يجرون الخبر بعد ما بالباء، وإذا أسقطوا الباء رفعوا، وهذا دليل واضح على أن وجود الباء جارة للخبر بعد ما لا يلزم منه كون الخبر منصوب المحل، بل جائز أن يقال: هو منصوب المحل، وأن يقال هو مرفوع المحل، وإن كان المتكلم به حجازيا، فإن الحجازي قد يتكلم بلغة غيره، وغيره قد يتكلم بلغته، إلا أن الظاهر أن محل المجرور نصب إن كان المتكلم حجازيا، ورفع إن كان المتكلم تميميا أو نجديا.
فمن دخول اللغة التميمية في الحجازية كسر هاء الغائب بعد كسرة أو ياء ساكنة، وإدغام نحو: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) ورفع الله من قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا اللهُ) لأن اللغة الحجازية بهُ وفيهُ بالضم، ولا يضارر بالفك، وإلا اللهَ بالنصب، لأن الاستثناء منقطع. وإذا جاز للحجازي أن يتكلم باللغة التميمية، جاز للتميمي أن يتكلم باللغة الحجازية، بل التميمي بذلك أولى لوجهين: أحدهما: أن الحجازية أفصح، وانقياد الفصيح
стр. 384
لموافقة الأفصح أكثر وقوعا من العكس.
الثاني أن معظم القرآن حجازي، والتميميون يتعبدون بتلاوته كما أنزل، ولذلك لا يقرأ أحد منهم: (ما هذا بشرا) بالرفع إلا من جهل كونه منزلا بالنصب.
ومثال دخول الباء على حال منفية قول الشاعر:
فما رجعتْ بخائبة ركابُ ... حكيمُ بنُ المُسَيَّب منتهاها
ومثله:
كائن دُعيت إلى بأساءَ داهمةٍ ... فما انبعثتُ بمَزْءُود ولا وَكَل
ومثال دخولها على خبر إنّ قول امرئ القيس:
فإنْ تَنأَ عنها حِقْبة لا تُلاقها ... فإنك مما أحدثت بالمجرِّب
ومثال دخولها على خبر لكن قول الشاعر:
ولكنّ أجْرًا لو فعلتِ بهين ... وهل ينكرُ المعروف في الناس والأجرُ
ص: وقد يجر المعطوف على الخبر الصالح للباء مع سقوطها، ويندر ذلك مع غير ليس وما، وقد يفعل ذلك في المعطوف على منصوب اسم الفاعل المتصل.
ش: لما كثر دخول الباء على خبر ليس وخبر ما، جاز للمتكلم أن يجر المعطوف بعدهما على الخبر المنصوب كقول الشاعر:
مشائِيمُ ليسُوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعبٍ إلا ببَيْنٍ غرابُها
стр. 385
وقال آخر في جر المعطوف على المنصوب بما:
ما الحازمُ الشهمُ مِقداما ولا بطلٍ ... إنْ لم يكنْ للهوى بالعقل غلّابا
فكأنه قال: ما الحازم بمقدام ولا بطل.
وقد عومل بهذه المعاملة المعطوف على منصوب كان المنفية، كقول الشاعر:
وما كنتُ ذا نَيْرَبٍ فيهمُ ... ولا مُنْمِشٍ فيهم مُنْملِ
وإلى هذا أشرت بقولي: ويندر ذلك بعد خبر غير ليس وما.
فجر منمشا لعطفه على منصوب كان المنفية لشبهه بمنصوب ليس في صلاحيته للباء، حتى كأنه قال: وما كنت بذي نيرب ولا منمش، والنيرب النميمة، والمنمش المفسد ذات البين، والمنمل كذلك.
ونبهت بقولي: "الصالح للباء" على أن المعطوف على خبر لا يصلح للباء لا يجوز جره، نحو: لست تفعل ولا مقاربا.
وقد يجر المعطوف على المنصوب باسم الفاعل كقول امرئ القيس:
فظلّ طُهاةُ اللحم من بين مُنْضِج ... صَفِيفَ شِواء أو قديرٍ مُعَجَّل
لأن المنصوب باسم الفاعل يجر كثيرا بإضافته إليه، فكأنه إذا انتصب مجرور، وجواز جر المعطوف على منصوب اسم الفاعل مشروط بالاتصال، كاتصال منضج بالمنصوب، فلو كان منفصلا لم يجز الجر، نحو أن يقال: من بين منضج بالنار صفيف شواء، لأن الانفصال يزيل تصور الإضافة المقتضية للجر، فلذلك لا يجوز جر المعطوف مع انفصال اسم الفاعل من معموله.
ص: وإن وَلِيَ العاطفَ بعد خبر ليس أو ما وصفٌ يتلوه سببي، أعْطِيَ الوصفُ
стр. 386
ما له مفردا، ورفع السببي، أو جعلا مبتدأ وخبرا. وإن تلاه أجنبي عُطف بعد ليس على اسمها، والوصف على خبرها. وإن جُرَّ بالباء جاز على الأصح جرُّ الوصف المذكور، ويتعين رفعه بعد ما.
ش: إذا وقع بعد معمولي ليس أو ما عاطفٌ يليه وصف بعده سببي نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا أبوه، وما عمرو مقيما ولا ظاعنا أخوه، فلك أن تعطي الوصف من النصب والجر ما كنت تعطيه دون مذكور بعده، وترفع به السببي، أو ترفعهما مبتدأ وخبرا فتقول: ليس زيد قائما، ولا ذاهب أبوه، وما عمرو مقيما، ولا ظاعنٌ أخوه.
وإن تلا الوصفَ أجنبيٌّ والعامل ليس، جاز رفعه عطفا على اسمها ونصب الوصف عطفا على الخبر، وجاز جعلهما مبتدأ وخبرا، نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا عمرو، وليس زيد قائما ولا ذاهبٌ عمرٌو.
وإن كان خبر ليس مجرورا بالباء جاز جر الوصف المذكور بباب مقدرة مدلول عليها بالمتقدمة، وهو كثير في الكلام، ومنه قول الشاعر:
وليس بمُدْنٍ حَتْفه ذو تقدم ... لحرب ولا مُسْتَنْسِئ العُمر مُحْجِم
ومنه قول الآخر:
فليس بآتيك مَنْهيُّها ... ولا قاصرٍ عنك مأمورُها
ومنه قول الآخر:
وليس بمعروف لنا أنْ تَرُدَّها ... صِحاحا ولا مُسْتنكرٍ أن تُعَقّرا
وليس هذا من العطف على عاملين، بل من حذف عامل لدلالة عامل مثله عليه، وحذف حرف الجر من المعطوف لدلالة مثله عليه كثير، ومنه قوله تعالى:
стр. 387
(وفي خلقكم وما يَبُثُّ من دابة آياتٌ لقوم يوقِنون * واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آياتٌ لقوم يعقلون) فحذف في الجارة لاختلاف الليل والنهار لدلالة الجارة لخلقكم عليها. ومثله قول الشاعر:
أخْلِقْ بذي الصَّبْر أن يحظى بحاجته ... ومُدْمِن القَرْع للأبواب أن يَلجا
وإذا استسهل بقاء الجر بمضاف حذف لدلالة مثله عليه، كان بقاء الجر بحرف الجر المحذوف لدلالة مثله عليه أحق وأولى، لأن حرف الجر في عمل الجر أمكن من الاسم المضاف. ومن حذف المضاف وبقاء المضاف إليه قول الشاعر:
أكلَّ امرْئ تحسبين امرَأ ... ونارٍ تَوقّدُ بالليل نارا
ومثله قراءة بعض القراء: (تُريدون عَرَض الدنيا والله يريد الآخرةِ) على تقدير: عرض الآخرة. ويستقصى الكلام على نظائر هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
وليس بعد "ما" في الوصف التاليه أجنبيٌّ بعد عاطف إلا الرفع كقولك: ما زيد قائما ولا ذاهب عمرو، لأن المعطوف عليه مع قربه من العامل لو قدم فيه الخبر لبطل العمل، فبطلانه بالتقديم في المعطوف لبعده من العامل أحق وأولى، ومثال ذلك قول الشاعر:
لعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بتاركِ حقه ... ولا مُنْسِئٌ معنٌ ولا مُتَيَسِّر
стр. 388
باب أفعال المقاربة
ص: منها للشروع في الفعل: طَفِق، وطبق، وجعل، وأخذ، وعلق، وأنشأ، وهبَّ.
ولمقاربته: هلهل، وكاد، وكرب، وأوشك، وأولى.
ولرجائه: عسى، وحرى، واخلولق. وقد ترد عسى إشفاقا.
ويلازمهن لفظ المضي إلا كاد وأوشك.
وعملها في الأصل عمل كان، لكن التزم كون خبرها مضارعا مجردا مع هلهل وما قبلها. ومقرونا بأن مع أوْلى وما بعدها. وبالوجهين مع البواقي، والتجريد مع كاد وكرب أعرف، وعسى بالعكس.
ش: حق أفعال هذا الباب أن تذكر في باب كان، لمساواتها لها في الدخول على مبتدأ وخبر، ورفع الاسم ونصب الخبر، إلا أن هذه الأفعال رفض فيها غالبا ترك الإخبار بجملة فعلية، فلذلك أفردت بباب. وجملتها ستة عشر فعلا: ثمانية منها للشروع، وهي: طفق وهبّ وما بينهما، نحو: طفق زيد يقرأ، وهبّ عمرو يصلى. والأصل: طفق زيد قارئا، وهب عمرو مصليا، إلا أنه من الأصول المرفوضة. وأغرب الثمانية عَلِق وهبَّ.
وخمسة منها للدنو من الفعل حقيقة، وأشهرها كاد، وأغربها أولى، كقول الشاعر:
فعادَى بين هادِيَتَيْن منها ... وأولى أن يزيدَ على الثلاث
والثلاثة البواقي للإعلام بالمقاربة على سبيل الرجاء، وأغربها حرى، يقال: حرى زيد أن يجيء، بمعنى: عسى زيد أن يجيء.
стр. 389
والتزم في غير ندور كون خبر جميعها مضارعا مجردا من أن مع القسم الأول، لأن أنْ تقتضي الاستقبال، والشروع ينافيه.
ولا بد من مقارنة أن للمضارع المخبر به بعد أولى وحرى واخلولق. وترك ذلك بعد كاد وكرب أولى من فعله، وفعله بعد عسى أولى من تركه، والأمر بعد أوشك سواء.
وورود عسى في الرجاء كثير، وورودها في الإشفاق قليل، وقد اجتمعا في قول الله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) ومن ورودها إشفاقا قول الشاعر:
عسيتم لدى الهيجاء تلقَوْن دوننا ... تضافر أعداء وضعف نصير
وقال الشاعر في طفق:
طفق الخَلِيّ بقسوة يلحى الشجى ... ونصيحة اللاحي الخلي عناء
وقال آخر في جعل:
وقد جعلت إذا ما قمتُ يُثْقلني ... ثوبي فأنهضُ نهش الشّارب الثَّمِل
وقال آخر في علق:
أراك عَلِقْت تظْلم من أجرنا ... وظلمُ الجار إذلالُ المجير
стр. 390
وقال آخر في أنشأ:
لمّا تبيّن مَيْن الكاشِحين لكم ... أنشأت أعربُ عما كان مكتوما
وقال آخر في هب:
هَبَبْتُ ألومُ القلب في طاعة الهوى ... فلجّ كأني كنت باللوم مُغْريا
وقال آخر في هلهل:
وطئنا بلاد المعتدين فهلهلتْ ... نفوسُهم قبل الإماتة تزهق
أي كادت.
والشائع في خبر كاد وروده مضارعا غير مقرون بأن كقوله تعالى: (كادوا يكونون عليه لبَدا) ووروده مقرونا بأن قليل، ومنه جاء في حديث عمر ﵁: "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب" ومثله قول الآخر:
أبَيْتم قبولَ السّلم منا فكدتم ... لدى الحرب أن تُغْنوا السيوف عن السَّل
وقال الشاعر في خبر كرب غير مقرون بأن:
وما أنت أمْ مارُسُوم الديار ... وسِتُّوك قد كرَبَت تكمُلُ
следующие страницы →