Полный текст (1 399 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وصاحبها شيء واحد في المعنى، والثاني كونها مؤكدة، والمؤكد هو المؤكد في المعنى. وقد لزم من الاتحاد من وجه في غير المؤكدة تغليب عدم الواو على وجودها، فليترتب على الاتحاد من وجهين لزوم عدم الواو.
فصل: ص: لا محل إعراب للجملة المفسرة، وهي الكاشفة حقيقة ما تلته مما يفتقر إلى ذلك، ولا للاعتراضية وهي المفيدة تقوية بين جزءي صلة أو إسناد أو مجازاة أو نحو ذلك، ويميزها من الحالية امتناع قيام مفرد مقامها، وجواز اقترانها بالفاء ولن وحرف تنفيس وكونها طلبية، وقد تعترض جملتان خلافا لأبي علي.
ش: لما انقضى الكلام على الجملة الحالية، وكان من الجمل جملتان تشابهانها وتغايرانها وجب التنبيه عليهما، وعلى ما يتميزان به، فالجملتان هما المفسرة والاعتراضية، وكلتاهما لا موضع لها من الإعراب، فالمفسرة كقوله تعالى (خلقه من تراب) بعد قوله تعالى (إنَّ مثل عيسى عند الله) وكقول النابغة: يكوى غيره وهو راتع، من قوله:
تكلّفني ذنب امرئ وتركْتَه ... كذِي العُرّ يُكْوَى غيرُه وهْو راتِعُ
والاعتراضية الواقعة بين موصول وصلة، كقول الشاعر:
ماذا ولا عَتّبَ في المقدورِ رُمت أمَا ... يُحظيك بالنّجْح أمْ خُسْرٌ وتضليلُ
وكقول الآخر:
وتركي بلادي والحوادثُ جمةٌ ... طريدًا وقِدْمَا كنتُ غيرَ مطّرِد
وكقول الآخر:
стр. 772
ذاك الذي وأبيك يعرف مالِكًا ... والحقُّ يدفعُ ترّهاتِ الباطِل
وبين مسند ومسند إليه كقول الشاعر:
وقد أدْركتني والحوادث جمةٌ ... أسنةُ قوم لا ضِعافٍ ولا عُزْلِ
وبين شرط وجواب كقوله تعالى (إنْ يكن غنيًّا أو فقيرًا فاللهُ أولى بهما فلا تَتَّبِعوا الهوى أنْ تعدِلوا).
وكقول الشاعر:
إمّا تَرَيني قد نَخِلتُ ومَن يكُنْ ... غَرضًا لأطْراف الأسنَّة يَنْحل
فَلَربَّ أبلجَ مثلَ بِعْلِكِ بادِنٍ ... ضَخْمٍ على ظهر الجوادِ مهبّل
غادَرْتهُ متعفِّرًا أوصالُه ... والقومُ بين مُجرَّح ومُجدّلِ
وبين قسم وجوابه كقوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النُّجوم* وإنّه لقسمٌ لو تعلمون عظيمٌ * إنّه لقرآنٌ كريمٌ).
وكقول الشاعر:
لعمري وما عَمْري عليّ بهيّن ... لقد نطقت بُطْلًا عليّ الأقارِعُ
وبين فعل ومفعول كقول الراجز:
وبَدّلتُ والدهرُ ذو تبدُّلِ ... هَيفا دَبُورا بالصَّبا والشمأل
أو أبين كأن واسمها كقول الشاعر:
стр. 773
كأنّ وقد أتى حوْلٌ جديدٌ ... أثافِيها حماماتٌ مُثُولُ
فلو أقمت مفردا مقام ولا عتب في المقدور، أو مقام والحوادث جمة، أو مقام وأبيك، أو مقام فالله أولى بهما، أو مقام ومن يكن غرضا لأطراف الأسنة ينحل، أو مقام وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، أو مقام وما عمري عليّ بهيّن، أو مقام والدهر ذو تبدّل، لوجدته ممتنعا، فدل ذلك على أنها جمل اعتراضية لا حالية، لأن الجملة الحالية لا يمتنع أن يقام مفرد مقامها، فهذا أحد الأمور الفارقة بين الجملة الاعتراضية والحالية. ومنها اقترانها بلن كقوله تعالى (فإنْ لم تفعلوا ولنْ تفعلوا) وبحرف تنفيس كقول زهير:
وما أدري وسوف إخالُ أدْري ... أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساءُ
أو بالفاء كقوله تعالى (فاللهُ أولى بهما). وكقول الشاعر:
ألا أبلغُ بَنيَّ بني رَبيع ... فأشرارُ البنينَ لهم فداءُ
بأنّي قد كبرت وطال عُمْري ... فلا تَشْغَلْهُم عنّي النساءُ
وكقول الآخر:
واعلمْ فعِلْمُ المرءِ يَنْفَعُه ... أنْ سوفَ يأتي كلُّ ما قُدِرا
ومن الأمور الفارقة التي تتميز بها الجملة الاعتراضية كونها طلبية، كقول تعالى (ولا تؤمنوا إلّا لِمن تبع دينكم قلْ إنّ الهدى هدى اللهِ أن يُؤتى أحدٌ مثل ما أُوتِيتم) فقل إن الهدى هدى الله جملة معترضة بين "تؤمنوا" و"أن يؤتى أحد"
стр. 774
ومن الجملة الطلبية المعترضة قوله تعالى (ومن يغفر الذنوبَ إلا اللهُ) اعترضت بين) استغفروا ولم يُصرُّوا) وهما جملتان معطوف إحداهما على الأخرى في صفة الذين. ومن الجمل الطلبية المعترضة قول الشاعر:
إنَّ سُلَيْمى ? واللهُ يكلؤُها- ... ضنّتْ بشيءٍ ما كان يَرْزَؤُها
فقوله والله يكلؤها جملة ابتدائية بمعنى الدعاء، وقد اعترضت بين اسم إنّ وخبرها. وزعم أبو علي أن الاعتراض لا يكون إلا بجملة واحدة، وليس بصحيح ما زعم، بل الاعتراض يكون بجملتين كثيرا، ومن ذلك قول زهير:
لعَمرُ أبيكَ والأنباءُ تَنْمِي ... وفي طُول المُعاشرةِ التقالي
لقد باليت مظعنَ أمِّ أوفى ... ولكنْ أمُّ أوْفى لا تُبالي
ومنه قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلّا رجالًا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبيّنات والزُّبر) قال الزمخشري في الكشاف: (ولو أنَّ أهل القرى آمنوا واتَّقَوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض، ولكن كذَّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما "فأخذناهم بغتة" و (أفأمن أهل القرى) وهذا اعتراض بكلام تضمن سبع جمل:
стр. 775
باب التمييز
ص: وهو ما فيه معنى "من" الجنسية، من نكرة منصوبة فضلة غير تابع، وتميّز إمّا جملة وستبيّن، وإمّا مفردا عددا، أو مفهم مقدار، أو مثلية أو غيرية، أو تعجب بالنص على جنس المراد بعد تمام بإضافة أو تنوين أو نون تثنية أو جمع أو شبهه. وينصبه مميزه لشبهه بالفعل أو شبهه. ويجره بالإضافة إن حذف ما به التمام. ولا يحذف إلا أن يكون تنوينًا ظاهرا في غير ممتلئ ماء ونحوه، أو مقدرا في غير ملآن ماء وأحد عشر درهما، وأنا أكثر مالا ونحوهن، أو يكون نون تثنية أو جمع تصحيح، أو مضافا إليه صالحا لقيام التمييز مقامه في غير ممتلئَين، ممتلئين غضبا.
ش: التمييز والتبيين والتفسير والمميز والمبين والمفسر أسماء للنكرة الرافعة للإبهام في نحو: امتلأ الإناء ماء، وزيد حسن وجها، وله رطل زيتا، ومُدبّرًا وذراعان حريرا وعشرون درهما. وحُدِّد جره بما فيه معنى من احترازا من الحال فإنها تشاركه فيما سوى ذلك من القيود، وقيدت بالجنسية ليخرج ما فيه معنى مِن وليست جنسية كذنبا من قول الشاعر:
أسْتغفِر اللهَ ذنبا لستُ مُحصيه ... ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ
فإن فيه ما في التمييز من التنكير والنصب والفضلية وعدم التابعية ووجود معنى من إلا أنها غير جنسية فلذلك لم يجعلوا ذنبا تمييزا، بل مفعولا به. وقيدت التمييز بنكرة احترازا من المعرفة المنتصبة على التشبيه بالمفعول به في نحو حسن وجهه، فإن فيه ما في حسن وجها إلا التنكير، فبذلك افترقا ولم ينتصبا من وجه واحد وذكر النصب احترازا من النكرة المضاف إليها وفيها معنى من الجنسية نحو له رطل زيتٍ. وخرج بفضلة اسم لا المحمولة على إنّ نحو لا خيرا من زيد فيها، فإن فيه ما في التمييز إلا الفضلية ففيه ضدها. وخرج بغير تابع ما جعل تابعا للعدد من جنس المعدود نحو قبضت
стр. 776
عشرة دراهم، فإن دراهم فيه معنى الجنسية وهو نكرة منصوبة فضلة، لكنه تابع فلم يتناوله التمييز. ومثل هذا أسباطا في قوله تعالى (وقَطَّعْناهم اثنتَيْ عشْرةَ أسْباطا) وخرج أيضا بغير تابع صفة اسم لا المنصوبة، فإنها نكرة منصوبة فضلة بمعنى من الجنسية لكنها تابع ففارقت التمييز. ويتناول المفهم مقدار الكيل والوزن والمساحة وما أشبههما كمثقال ذرة خيرا، وذنوب ماء وحُب بُرّا ونحْي سمنا ومِسْأب عسلا وراقود خلّا وجمام المكوك دقيقا. ويتناول المفهم مثلية وغيرية نحو قوله ﷺ : "دَعُوا لي أصحابي، فلو أنفق أحدُكم مثل أُحد ذهبا ما بلَغَ مُدَّ أحدِهم ولا نصِيفَه" ونحو قول بعضهم: ما لنا مثله رجلا، ولنا بأمثالها إبلا وغيرها شاء. ومن مجيئه بعد مثل قول الشاعر:
فإنْ خِفْتَ يومًا أن يلجَّ بك الهوى ... فإنّ الهوى يكْفيكَه مثلُه صبرا
ويتناول مفهم التعجب نحو ويحه رجلا، وحسبك به فارسا، ولله دره إنسانا، وأبرحت جارا.
ويا جارَتا ما أنتِ جارَهْ
ومتعلق الباء من قولي بالنص على جنس المراد بتميز، وتمام المميز بإضافة نحو لله دره إنسانا وملء الأرض ذهبا، و (عدْلُ ذلك صياما)، وتمامه بتنوين نحو رطلٌ زيتا، ومُدٌّ بُرّا، وتمامه بنون نحو منوان عسلا، وتمامه بنون جمع نحو (قلْ هل نُنَبِّئكم بالأخسرين أعمالا).
وتمامه بنون شبه الجمع نحو (وواعدْنا موسى ثلاثين ليلةً). وفهم من
стр. 777
سكوتي عن نون شبه المثنى أن التمييز لا يقع بعده. ثم قلت وينصبه مميزه لشبهه بالفعل أو شبهه، فمثال ما ينصبه لشبهه بشبه الفعل مميز المقادير وما ذكر بعده، إلا أبرحت جارا فإن حذف من المميز ما به تمامه جر مميزه بالإضافة، ولا يفعل ذلك بتنوين ظاهر إن كان ما هو فيه مقدر الإضافة إلى غير التمييز نحو البيت ممتلئ بُرّا، فإن تقديره البيت ممتلئ الأقطار بُرا، فلما كان المميز في هذا المثال ونحوه مضافا إلى غير التمييز تقديرا امتنع أن يضاف إلى التمييز، كما لا يضاف إلى المضاف صريحا فإن كان التنوين الظاهر فيما لا يقدر بذلك جاز بقاء التنوين ونصب المميز بالمييز. وزوال التنوين وإضافة المميز إلى المميز. ومما لا يضاف من المميزات المنون تقديرا في نحو ملآن ماء. فإن تقديره هو ملآن الأقطار ماء، فمنع تقدير الإضافة إلى التمييز، كما كان يمتنع اللفظ بها، فلو لم يكن المنون تقديرا مقدر الإضافة إلى غير التمييز جاز النصب على تقدير بقاء التنوين والجر بالإضافة على تقدير زواله كقولك: هند شنباء أنيابا. وشنباء أنياب.
ومن الممنوع الإضافة إلى التمييز للزوم تنوينه تقديرا أحد عشر وبابه، وكذلك أفعل التفضيل المميز بسببي نحو زيد أكثر مالا، وعلامة السببي صلاحيته للفاعلية بعد تصيير أفعل فعلا كقولك في زيد أكثر مالا: زيد كثُر مالُه. فإن لم يصلح ذلك تعنيت الإضافة كقولك زيد أكرم رجل فإن كان أفعل مضافا إلى جمع بعده تمييز لا يمتنع جعله مكان أفعل جاز بقاؤهما على ما كانا عليه وجاز حذف الجمع والإضافة إلى ما كان تمييزا كقولك زيد أشجع الناس رجلا، وأشجع رجل. وإلى هذا الإشارة بقولي "أو مضافا إليه صالحا لقيام التمييز مقامه". ومما لا يضاف إلى مميزه عشرون وأخواته، لا يقول عشرو درهم بل عشرون درهما، هذا هو المشهور.
وحكى الكسائي أن بعض العرب يقول عشرو درهم. ومن هذا احترزت بقولي
стр. 778
"غالبا". ومما لا يضاف ممتلئان وممتلئون ونحوهما، والعلة في ذلك مفهومة مما ذكرنا في ممتلئ وملآن.
ص: وتجب إضافة مفهم المقدار إن كان في الثاني معنى اللام، وكذا إضافة بعض لم تتغير تسميته بالتبعيض، فإن تغيرت به رجحت الإضافة والجر، على التنوين والنصب. وكون المنصوب حينئذ تمييزا أولى من كونه حالا، وفاقا لأبي العباس. ويجوز إظهار من مع ما ذكر في هذا الفصل إن لم يميز عددا ولم يكن فاعل المعنى.
ش: مثال مفهم المقدار الواجب الإضافة لكون معنى اللام فيما بعده: لي ظرف عسل، وكيس دراهم، تريد ظرفا يصلح للعسل، وكيسا يصلح للدراهم، فالإضافة في هذا النوع متعينة، فلو أردت عسلا يملأ ظرفا، ودراهم تملأ كيسا، جاز لك أن تضيف وتجر، وأن تنون وتنصب. ومثال واجب الإضافة لكونه بعضا لم تغير تسميته بالتبعيض قولك عندي جوز قطن وحب رمان وغصن ريحان وتمرة نخلة وسعف مقل. فهذا النوع أيضا إذا ميز بما هو منه فلا بد من إضافته إليه، لأن اسمه الذي كان له غير مستبدل به، بخلاف قولك جُبَة خزّ وخاتم فضة وسوار ذهب فإن أسماءها حادثة بعد التبعيض، والعمل الذي هيّأها بالهيئات اللائقة بها.
فلك في هذا النوع الجر بالإضافة والنصب على التمييز أو على الحال. والثاني هو ظاهر قول سيبويه. وقد تقدم في باب الحال بيان شبه سيبويه ﵀ في جعله حالا. والأول قول أبي العباس، وهو أولى، لأنه لا يُحوج إلى تأويل. مع أن فيه ما في المجمع على كونه تمييزا، بخلاف الحكم بالحالية فإنه يحوج إلى تأويل بمشتق مع الاستغناء عن ذلك. ويحوج إلى كثرة تنكير صاحب الحال، وكثرة وقوع الحال غير منتقلة. وكل ذلك على خلاف الأصل فاجتنابه أولى.
فلو كان ما قبل خَزّ وفضّة وشبههما معرفة رجحت الحالية. وقد تقدم ذلك في باب الحال. وقولي ويجوز إظهار "من" مع ما ذكر في هذا الأصل إن لم يميز
стр. 779
عددا ولم يكن فاعل المعنى أشرت به إلى أن للقائل: لي ملء الكيس ذهبا، وإردب قمحا، وجمام المكوك دقيقا، وأمثالها إبلا وغيرها شاء، وويحه رجلا. وحسبُك به أمرأ، ولله دره فارسا، وأبرحت جارا وأمثال ذلك أن يجر المميز بمن ظاهرة فيقول: من ذهب ومن قمح ومن دقيق ومن إبل ومن شاء ومن رجل ومن امرئ ومن فارس ومن جارٍ. وكذلك ما أشبهه. وليس له أن يفعل ذلك في مميز العدد نحو أحد عشر دينارا وعشرين دينارا. ولا فيما هو فاعل في المعنى نحو زيد أكثر مالا وطيب نفسا بتفجير أرضه عيونا.
فصل: ص: مميز الجملة منصوب منها بفعل يُقَدّر غالبا إسناده إليه مضافا إلى الأول، فإن صح الإخبار به عن الأول فهو له، أو لملابسه المقدر. وإن دل الثاني على هيئة وعُني به الأول جاز كونه حالا، والأجود استعمال "من" معه عند قصد التمييز. ولمميز الجملة من مطابقة ما قبله إن اتحدا معنى ماله خبرا، وكذا إن لم يتحدا ولم يلزم إفراد المميز، لإفراد معناه أو كونه مصدرا لم يقصد اختلاف أنواعه. وإفراد المباين بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى.
ش: المراد بمميز الجملة ما ذكر بعد جملة فعلية مبهمة النسبة نحو طبتُ نفسا. واشتعل رأسي شيبا، وفجرنا الأرض عيونا، وامتلأ الكوز ماء، وكفى الشيب ناهيا. وإنما أطلق مميز الجملة على هذا النوع خصوصا، مع أن كل تمييز فضلة على جملة، لأن لكل واحد من جزءَيْ الجملة في هذا النوع قسطا من الإبهام يرتفع بالتمييز، بخلاف غيره، فإن الإبهام في جزء من جملته، فأطلق على مميزه مميز مفرد، وعلى مميز هذا النوع مميز جملة. فالأكثر أن يصلح لإسناد الفعل إليه مضافا إلى المجعول فاعلا كقولك طابت نفسي، واشتعل شيب رأسي. ومنه (وسع كلَّ شيء علمًا)، لأن الأصل فيه: وسع علمُه كلَّ شيء. ومن هذا النوع قول الشاعر:
تلفتُّ نحوَ الحيِّ حتّى وَجدْتُني ... وَجِعْتُ من الإصْغاء لِيتًا وأخْدعا
стр. 780
وقد يصلح لإيقاع الفعل عليه مضافا إلى المجعول مفعولا كقوله تعالى (وفَجَّرْنا الأرضَ عيونا) فإن أصله وفجرنا عيونَ الأرض. وقد يكون مميز الجملة بعد فعل ولا يصلح الإسناد إليه، ولا لإيقاعه عليه نحو امتلأ الكوزُ ماء، (وكفى بالله شهيدا)، وما أحسن الحليم رجلا. ومن نحو وفجرنا الأرض عيونا وما بعده احترزت بقولي "يقدر غالبا إسناده إليه" ثم قلت "فإن صح الإخبار به عن الأول فهو له أو لملابسه المقدر" فنبهت بذلك على أنه إذا قيل كرُم زيد أبا فيحتمل أن يكون المراد كرم زيد نفسه أبا، أي ما أكرمه من أب، ويحتمل أن يكون المراد كرُم أبو زيد أبا. أي ما أكرم أباه من أب، فالتمييز في الاحتمال المتقدم للأول، أي هما في الحقيقة شيء واحد، وهو في الاحتمال المتأخر لملابس الأول أي المضاف إليه تقديرا. وليس تقدير الإضافة شرطا، وإنما ذكرته تقريبا: ثم قلت: "وإن دل الثاني على هيئة وغنى به الأول جاز كونه حالا" فنبهت بذلك على أنه إذا قيل كرُم زيد ضيفا، والمراد أنه ضيف كريم جاز لك أن تجعل ضيفا حالا لدلالته على هيئة، وجاز أن تجعله تمييزا لصلاحيته أن يقترن بمن. والأجود عند قصد التمييز أن يجاء بمن رفعا لتوهم الحالية.
ثم قلت: "ولمميز الجملة من مطابقة ما قبله إن اتحدا معنى ماله خبرا" ففهم من ذلك أن يقال كرُم زيد رجلا وكرُم الزيدون رجالا وكرُم الزيدان رجلَيْن، فتجعل المميز مطابقا لما قبله في الإفراد والتثنية والجمع لاتحاده بما قبله في المعنى، كما كان يجعل مطابقا له في الإخبار به عنه. ولا يعترض على هذا بقوله تعالى (وحَسُنَ أولئك رفيقا) فإن الرفيق والصديق والخليل والعدوّ يستغني بمفردها عن جمعها كثيرا في الإخبار وغيره، ويزيده هنا حُسنا أنه تمييز، والتمييز قد اطرد في كثير منه الاستغناء بالمفرد عن الجمع نحوهم عشرون رجلا. ويمكن أن يكون الإفراد في حسُن أولئك رفيقا، لأن الأصل وحسُن رفيق أولئك رفيقا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه
стр. 781
مقامه، وجاء التمييز على وفق المحذوف.
ثم قلت: "وكذا إن لم يتحدا" ففهم من هذا أنه يقال حسُن الزيدون وجوها وطهروا أعراضا، وجعلت ذلك مشروطا بألّا يلزم إفراد لفظه لإفراد معناه أو لكونه مصدرا لم يقصد اختلاف أنواعه. ففهم من ذلك أن من المميزات المباينة لما قبلها في المعنى ما يلزم إفراد لفظه لإفراد معناه، كقولك في أبناء رجل واحد: طاب بنو فلان أصلا، وكرُموا أبا، وكذا إفراد التمييز إذا كان مصدرا ولم يقصد اختلاف أنواعه كقولك: زكا الأتقياء سعيا، وجادت الأتقياء وَعْيا. فلو قصد اختلاف أنواع المصدر لاختلاف محالّه لجاز فيه ما جاز في أسماء الأشخاص كقولك: تخالف الناس أغراضا، وتفاوتوا أذهانا.
ثم قلت "وإفراد المباين بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى" وأشرت بذلك إلى أن المميز الذي لم يتحد بالأول معنى قد يكون بعد جمع، فيختار إفراده إذا لم يوقع في محذور كقوله تعالى (فإنْ طِبْنَ لكم عن شيء منه نفْسا) فالإفراد في هذا النوع أولى من الجمع، لأنه أخف والجمعية مفهومة مما قبلُ، فأشبه مميز عشرين وأخواته. فإن أوقع الإفراد في محذور لزمت المطابقة كقولك كرم الزيدون آباء، بمعنى ما أكرمهم من آباء، فلا بد من كون مميز هذا النوع جمعا، لأنه لو أفرد لتوهم أن المراد كون أبيهم واحدا موصوفا بالكرم. وفي الجمع أيضا احتمال أن يكون المراد كرُم آباء الزيدين، ولكنه مغتفر، لأن اعتقاده لا يمنع من ثبوت المعنى الآخر.
ص: ويعرض لمميز الجملة تعريفه لفظا فيقدر تنكيره، أو يؤوّل ناصبه بمتعدّ بنفسه أو بحرف جر محذوف، أو ينصب على التشبيه بالمفعول به لا على التمييز محكوما بتعريفه خلافا للكوفيين.
ش: قد يرد مميز الجملة مقرونا بالألف واللام فيحكم بزيادتها وبقاء التنكير كقول
стр. 782
الشاعر:
رأيتُك لمّا أنْ عرفتَ وُجوهَنا ... صدَدْتَ وطِبتَ النفسَ ياقيسُ عن عمرو
أراد: وطبت نفسا. ومثله قول الآخر:
على مه مُلئت الرعبَ والحربُ لم تقِد ... لظاها ولم تُستعمل البيضُ والسُّمْرُ
أراد: ملئت رعبا، فزاد الألف واللام. كما زيدتا في رواية البغداديين أن مِن العرب مَن يقول: قبضت الأحدَ عشر درهما، ومَن يقول: قبضت الأحد العشر الدرهم. وكما زيدتا مع المضاف فيما أنشد أبو علي من قول الشاعر:
تُولي الضجيعَ إذا تنبّه مَوْهِنا ... كالأقْحُوانِ من الرَّشاشِ المُسْتقِي
أراد من رشاش المستقي. وقد يرد مميز الجملة مضافا إلى معرفة كقول العرب: غُبن فلان رأيَه، ووجِع بطنَه، وإلم رأسَه. وفيه توجيهات: أحدها أن تجعل الإضافة فيه منوية الانفصال ويحكم بتنكير المضاف، كما فُعل في قولهم: كم ناقة وفصيلها لك، فقدّر بكم ناقة وفصيلا لها، وكما فعل سيبويه في قوله: كل شاةٍ وسخلتها بدرهم، فقال: "وإنما يريد كل شاة وسخلة لها بدرهم".
وحكى عن بعضهم: هذه ناقة وفصيلها راتعان، على تقدير هذه ناقة وفصيل لها راتعان. ثم قال: "والوجه كل شاة وسخلتها بدرهم، وهذه ناقة وفصيلها راتعين، لأن هذا كثر في كلامهم وهو القياس. والوجه الآخر قاله بعض العرب".
стр. 783
والتوجيه الثاني أن ينصب رأيه وما كان مثله مفعولا به بالفعل الذي قبله مضمنا معنى فعل متعدّ كأنه قيل: سوأ رأيه وشكا بطنه ورأسه. وبهذا الاعتبار قال بعضهم في سفِه نفسَه أن معناه أهلك نفسه.
وقال المبرد: معناه ضيّع نفسه. وقال الزمخشري: معناه امتهن نفسه، وجعله نظير قول النبي ﷺ "الكبر أنْ يَسْفَه الحقَّ". وقال صاحب "العجائب والغرائب": مَن سفه في موضع نصب بالاستثناء مِن مَن يرغب، ونفسه توكيد للمستثنى، كما يقال ما قام أحد إلا زيد نفسَه.
التوجيه الثالث: أن تنصب رأيه وما كان مثله بإسقاط حرف الجر، كأنه قيل غبن في رأيه ووجع في بطنه وألم في رأسه، ثم أسقط حرف الجر فتعدى الفعل فنصب.
التوجيه الرابع من التوجيهات: أن ينصب رأيه وما كان مثله على التشبيه بالمفعول به، ويحمل الفعل اللازم على الفعل المتعدي، كما حملت الصفة اللازمة على الصفة المتعدية في قولهم: هو حسن وجهه والوجه، وغبن رأيه والرأي ووجع بطنه والبطن.
ومن ذلك قراءة بعضهم "إنّه آثمٌ قلبَه" ومنه قول الشاعر:
وما قومي بثَعْلبةَ بن سَعْد ... ولا بفَزارةَ الشُّعْرِ الرِقابا
إلا أن النصب على التشبيه بالمفعول به شاذ في الأفعال مطرد في الصفات. وإنما كان الأمر كذلك لوجهين: أحدهما أن الصفة اللازمة تساوي الصفة المتعدية في عمل الجر بالإضافة بعد رفعهما ضميرا والجر أخو النصب وشريكه في الفضلية، فجاز أن يساويها في استبدال النصب بالجر والفعل بخلاف ذلك. الثاني أن المنصوب على التشبيه بالمفعول به لو حكم باطراده في الفعل اللازم كما حكم باطراده في الصفة
стр. 784
اللازمة لم يتميز لازم الأفعال من متعدّيها، بل كان اللازم يظن متعدّيا، ولا يعرض مثل ذلك إذا كان النصب على التشبيه بالمفعول به مقصور الاطراد على الصفات، شاذا في الأفعال: فإن في ذلك إشعارا بيّنا بالفرق بين المتعدي واللازم. ومما شذ وروده في الفعل ما في الحديث من قول راويه "إنّ امرأة تُهراق الدماء"أراد تُهراق دماؤها، وأسند الفعل إلى ضمير المرأة مبالغة، ثم نصب الدماء على التشبيه بالمفعول به أو على التمييز وإلغاء الألف واللام. ويجوز أن يكون أراد تهريق ثم فتح الراء وقلب الياء ألفا، لا لأنه فعل ما لم يسم فاعله، بل على لغة طيئ، كما قال شاعرهم:
نَسْتوقِدُ النَّبلَ بالحضيضِ ونَصْـ ... ـطادُ نُفوسًا بُنَتْ على الكَرمِ
وكما قال الآخر:
أفي كُلِّ عام ماتَم تَبعثُونه ... على مِحْمرَ ثوَّبتُموه وما رَضا
أراد في الأول بُنيتِ، وفي الثاني رَضِي. إلا أن المشهور من لغة طيئ أن يفعل هذا بلام الفعل لا بعينه وحرف العلة في تهراق عين، فمعاملته معاملة اللام على خلاف المعهود.
ومن المنصوب بفعل على التشبيه بالمفعول به قوله تعالى (وكمْ أهْلكنا مِن قرية بَطِرتْ معيشَتها) ويحتمل أن يكون تمييزا على تقدير الانفصال والتنكير، ويحتمل أن يكون منصوبا على إسقاط حرف الجر، ويحتمل أن يكون الأصل بطرت مدة معيشتها، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب على الظرفية
стр. 785
نحو (وإدبارَ النُّجومِ).
ص: ولا يمنع تقديم المميز على عامله إن كان فعلا متصرفا وفاقا للكسائي والمازني والمبرد، ويمتنع إن لم يكنه بإجماع، وقد يستباح في الضرورة.
ش: أجمع النحويون على منع تقديم التمييز على عامله إذا لم يكن فعلا متصرفا، فإن كان إياه نحو طاب زيد نفسا، ففيه خلاف، والمنع مذهب سيبويه، والجواز مذهب الكسائي والمازني والمبرد، وبقولهم أقول: قياسا على سائر الفضلات المنصوبة بفعل متصرف، ولصحة ورود ذلك في الكلام الفصيح بالنقل الصحيح، كقول ربيعة بن مقروم الضبي:
وواردةٍ كأنها عُصبُ القطا ... تُثير عجاجًا بالسَّنابك أصْهبا
رددتُ بمثلِ السِيدِ نَهْدٍ مقلّص ... كميشٍ إذا عِطْفاه ماءً تَحلّبا
وكقول الآخر:
أتَهْجُر ليلى بالفراق حبيبَها ... وما كان نفْسا بالفراق تَطيبُ
وكقول الآخر:
ضيّعت حزْمي في إبعادي الأملا ... وما ارعويتُ ورأسي شيْبا اشتعلا
ومثله:
ولستُ إذا ذرْعا أضيقُ بضارِع ... ولا يائسٍ عند التعسُّر من يُسر
ومثله:
أنفسًا تطيب بِنَيْلِ المُنى ... وداعِي المَنون يُنادي جِهارا
стр. 786
وانتُصر لسيبويه أن مميز هذا النوع فاعل في الأصل، وقد أوهن بجعله كبعض الفضلات فلو قدّم لازداد إلى وهنه وهنا فمنع ذلك لأنه إجحاف.
قلت: وهذا الاحتجاج مردود بوجوه: أحدها أنه دفع روايات برأي لا دليل عليه، فلا يلتفت إليه. الثاني أن جعل التمييز كبعض الفضلات محصل لضرب من المبالغة ففيه تقوية لا توهين، فإذا حكم بعد ذلك بجواز التقديم ازدادت التقوية وتأكدت المبالغة فاندفع الإشكال. الثلاث أن أصالة فاعلية التمييز المذكور كأصالة فاعلية الحال في نحو جاء زيد راكبا رجل فإن أصله جاء راكب، على الاستغناء بالصفة، وجاء رجل راكب، على عدم الاستغناء بها، والصفة والموصوف شيء واحد في المعنى، فقدم راكب ونصب بمقتضى الحالية ولم يمنع ذلك تقديمه على جاء مع أنه يزال عن إعرابه الأصلي وعن صلاحية الاستغناء به عن الموصوف، وكما تنوسي الأصل في الحال، كذلك تنوسي في التمييز. الرابع أنه لو صح اعتبار الأصالة في عمدة جعلت فضلة لصح اعتبارها في فضلة جعلت عمدة، فكان يجوز للنائب عن الفاعل من التقديم على رافعه ما كان يجوز له قبل النيابة، والأمر بخلاف ذلك، لأن حكم النائب فيه حكم المنوب عنه، ولا يعتبر حاله التي انتقل عنها التمييز المذكور. الخامس أن منع تقديم التمييز المذكور عند مَن منعه مرتّب على كونه فاعلا في الأصل، وذلك إنما هو في بعض الصور. وفي غيرها هو بخلاف ذلك نحو امتلأ الكوز ماء، وفجّرنا الأرض عيونا. وفي هذا دلالة على ضعف علة المنع، بقصورها عن جميع الصور. السادس أن اعتبار أصالة الفاعلية في منع التقديم على العامل متروك في نحو: أعطيت زيدا درهما، فإن زيدا في الأصل فاعل وبعد جعله مفعولا لم يعتبر ما كان له من منع التقديم، بل أجيز فيه ما يجوز فيما لا فاعلية له في الأصل، فكذلك ينبغي أن يفعل بالتمييز المذكور.
فثبت بما بيّنته أن تقديم التمييز على عامله إذا كان فعلا متصرفا جائز وإن كان سيبويه لم يجزه. وحكى ابن كيسان أن الكسائي أجاز نفسَه طاب زيد، وأن الفراء منع ذلك. فإن كان عامل التمييز غير فعل أو فعلا غير متصرف لم يجز التقديم بإجماع، فإن استجيز في ضرورة عُدَّ نادرا، كقول الراجز:
стр. 787
ونارُنا لم يُرَ نارًا مثلها ... قد علمتْ ذاك مَعَدٌّ كلُّها
أراد لم ير مثلها نارا، فنصب نارا بعد مثل، كما نصبوا زُبدا في قولهم: على التمرة مثلها زُبْدا ثم قدم نارا على مثل مع كونه عاملا لا يتصرف، ولوا الضرورة لم يُستَبح.
стр. 788
باب العدد
ص: مفسّر ما بين عشرة ومائة واحد منصوب على التمييز، ويضاف غيره إلى مفسره مجموعا ما بين اثنين وأحد عشر، ما لم يكن مائة فيفرد غالبا. ومفردا مع مائة فصاعدا، وقد يجمع معها وقد يفرد تمييزا. وربما قيل عشرو درهم وأربعو ثوبه وخمسة أثوابا ونحو ذلك. ولا يفسّر واحد واثنان، وثنتا حنظل ضرورة. ولا يجمع المفسر جمع تصحيح، ولا بمثال كثرة من غير باب مفاعل إن كثر استعمال غيرهما إلا قليلا. ولا يسوغ ثلاثة كلاب ونحوه، تؤوّله بثلاثة من كذا خلافا للمبرد. وإن كان المفسر اسم جنس أو جمع فصل بمن. وإن ندر مضافا إليه لم يقس عليه. ويغني عن تمييز العدد إضافته إلى غيره.
ش: لما كان بعض المفسرات للعدد جعلت بابه متصلا ببابه. وقدمت فيه الكلام على العدد المميز بمنصوب فقلت "مفسر [ما بين] عشرة ومائة واحد منصوب على التمييز، فيتناول هذا القول أحد عشر وإحدى عشرة وتسعة وتسعين وتسعا وتسعين وما بينهما، كقوله تعالى (إنّي رأيتُ أحدَ عشَرَ كوكبا) وكقوله ﷺ : "إنّ لله تسعةً وتسعين اسمًا" ودل قولي بواحد على أن جمعه وهو تمييز لا يجوز مطلقا. وزعم الزمخشري في الكشاف أن أسباطا من قوله تعالى (وقطَّعْناهم اثْنَتي عشرةَ أسْباطا) تمييز، ثم قال: فإن قلت مميز ما عدا العشرة
стр. 789
مفرد فما وجه مجيئه مجموعا فالجواب أن المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة وأن كل قبيلة أسباط لا سبط فأوقع أسباطا موقع قبيلة كما قال:
بين رِماحَيْ مالكٍ ونَهْشَل
فمقتضى ما ذهب إليه أن يقال رأيت أحد عشر أنعاما، إذا أريد إحدى عشرة جماعة كل واحدة منها أنعام. ولا بأس برأيه في هذا لو ساعده استعمال. لكن قوله كل قبيلة أسباط لا سبط مخالف لما يقوله أهل اللغة أن السبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب.
فعلى هذا معنى قطعناهم اثنتي عشرة أسباطا قطعناهم اثنتي عشرة قبائل، فأسباط واقع موقع قبائل لا موقع قبيلة، فلا يصح كونه تمييزا، وإنما هو بدل والتمييز محذوف.
وأجاز بعض العلماء أن يقول القائل عندي عشرون دراهم لعشرين رجلا، قاصدا أن لكل منهم عشرين درهما.
قلت: وهذا إذا دعت الحاجة إليه فاستعماله حسن، وإن لم تستعمله العرب، لأنه استعمال لا يفهم معناه بغيره. ولا يجمع مميز عشرين وبابه في غير هذا النوع. فإن وقع موقع تمييز شيء منها جمع فهو حال أو تابع كبني مخاض في قول ابن مسعود ﵁ "قضى رسول الله ﷺ في دِيَةِ الخطأ عشرين بنت مخاض وعشرين بني مخاض وعشرين ابنة لبون وعشرين حِقّة وعشرين جَذَعة". فبني مخاض نعت أو حال. والضمير من قولي "ويضاف غيره إلى مفسره" عائد على ما بين عشرة ومائة، فعلم بهذا تساوي المائة فما فوقها والعشرة فما دونها في الإضافة إلى المفسر. ثم قلت "مجموعا مع ما بين اثنين وأحد عشر ومفردا مع مائة فصاعدا" فعلم بذلك
стр. 790
أنه يقال ثلاثة أيام وثلاث ليال وعشرة أشهر وعشر سنين ومائة دينار وألف درهم وكذلك ما أشبهه. وأشرت بقولي "ما لم يكن مائة فيفرد غالبا" إلى أن مفسر الثلاثة وأخواتها إذا كان غير المائة جمع، وإذا كان إياها في الأكثر فيقال ثلاثمائة بالإفراد، والقياس يقتضي أن يقال ثلاث مائات أو مئين، كما يقال ثلاثة آلاف، إلا أن العرب لا تجمع المائة إذا أضيف إليها عدد إلا قليلا كقول الشاعر:
ثلاثُ مئين للملوكِ وفى بها ... ردائي وجَلّت عن وجوه الأهاتم
ومن أجل هذا الوارد بجمع قلت "فيفرد غالبا" وأول الضميرين من قولي "ويجمع معها" عائد إلى المفسر وثانيهما عائد إلى المائة، أي حق مفسر المائة فما فوقها أن يفرد نحو مائة دينار، وألف درهم. وقد يكون مع المائة مجموعا. والإشارة بذلك إلى قراءة حمزة والكسائي "ثلاث مائةِ سنينَ" بإضافة مائة. وأشرت بقولي "وقد يفرد تمييزا" إلى قول الربيع بن ضبع الفزاري:
إذا عاش الفتى مائتين عامًا ... فقد ذهب اللذاذةُ والفَتاءُ
ومثله في رواية من نصب مائة قول حذيفة ﵁: "فقلنا يا رسول الله أتخاف علينا ونحن ما بين مائةَ إلى السبع مائةً" فأجرى الألف واللام في تصحيح نصب التمييز مجرى النون من مائتين عاما لاستوائهما في المنع من الإضافة.
стр. 791
كما ذهب إليه ابن كيسان من الألف درهما والمائة دينارا. ويروى ما بين الستمائة إلى السبعمائة بجر مائة وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها أن يكون أراد مئات على أن أبدل ثم استعمل المفرد مكان الجمع اتكالا على مفهم المعنى، كما قيل في قوله تعالى (إنّ المتقين في جنّات ونهر). والثاني أن يجعل الألف واللام زائدتين فلم يمنعا من الإضافة، كما لم تمنعا في قول الشاعر:
تُولي الضجيعَ إذا تنبَّه مَوْهنا ... كالأُقْحُوان مِن الرشاش المستقِي
الثالث أن يكون (أراد ما بين*) الست ست مائة. ثم حذف المضاف وأبقى عمله كقراءة بعض القراء (واللهُ يريدُ الآخرةِ) أي عرض الآخرة، فحذف المضاف وأبقى عمله. وحكى الكسائي أن من العرب مَن يُضيف العشرين وأخواته إلى المفرد منكرا ومعرفا، وإليه الإشارة بقولي. وربما قيل عشرو درهم وأربعو ثوب. وفسر بعضهم الثلاثة وأخواتها بمنصوب على التمييز كقولك لي خمسة أثوابا وهذا نظير قول الربيع:
إذا عاش الفتى مائتين عامًا
ونظير "ونحن ما بين الستمائةً" بالنصب.
واستغنى عن تفسير الواحد والاثنين، لأن الشيء إذا اقتصر على واحده أو مثناه عُرف جنسه فلذلك افتقر في الثلاثة فما فوقها إلى عدد مفسر، واقتصر على ذكر الواحد والمثنى فقيل: درهم ودرهمان، ولم يقل واحد دراهم، ولا اثنا دراهم،
стр. 792
بل جُعل من الضرورة قول الراجز:
كأنَّ خُصْيَيْه من التَّدَلْدُل ... ظَرْفُ عَجوزٍ فيه ثِنْتا حَنظل
ولا تضاف الثلاثة وأخواتها إلى جمع تصحيح، إلا إن أهمل غيره، أو جاور ما أهمل غيره، فالأول نحو سبع سماوات وسبع بقرات وتسع آيات وخمس صلوات. والثاني نحو (وسبعَ سُنْبلاتٍ خُضْرٍ) فإنه حقيق بأن يجيء على نحو مفاعل لأنه أولى بما واحده صالح له من جمع التصحيح كقوله تعالى (أنْبتتْ سبعَ سنابلَ) وقوله تعالى (ولقد خلقنا فوقكم سبعَ طرائق) و (سخَّرها عليهم سبعَ ليالٍ) و (فكفارتُه إطعامُ عشْرةِ مساكينَ) وقد يُؤثر ما يماثل مفاعل من أمثلة الكثرة على جمع التصحيح دون مجاز يقصد مشاكلته نحو (على أنْ تأجُرني ثمانيَ حِجَجٍ). وقد يؤثر مثال كثرة على مثال قلة لخروجه عن القياس، أو لقلة استعماله، فالأول نحو (ثلاثةَ قروء) والثاني نحو ثلاثة شسوع فأوثر قروء على أقراء؛ لأن واحده قرء كفلس وجمع مثله على أفعال شاذ. وأوثر شسوع على أشساع لقلة استعماله وإن لم يكن شاذا؛ لأن واحده شِسع وجمع مثله على أفعال مطرد، لكن أكثر العرب يستغنون في جمع شسع بفُعول عن غيره. ومثال إيثار قروء على أقراء لخروجه عن القياس إيثار شهداء على أشهاد في
стр. 793
(لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) لأن واحد شهداء إمّا شهيد وإمّا شاهد، ولكل واحد منهما نصيب في أفعال كشريف وأشراف، وصاحب وأصحاب فعُدل شهيد عن أفعال إلى فُعَلاء كما عُدل عن أقراء إلى قروء.
وقال المبرد في المقتضب: فإن قلت ثلاثة حمير وخمسة كلاب جاز على أنك تريد ثلاثة من الحمير وخمسة من الكلاب، وجعل من ذلك "ثلاثة قروء". ولو جاز هذا لم يكن معنى في الحجر بجمع القلة، لأن كل جمع كثرة صالح لأن يراد به مثل هذا وإن كان يقال ثلاثة فلوس وثلاثة دور، على تقدير ثلاثة من فلوس وثلاثة مندور. وإلى هذا أشرت بقولي "ولا ثلاثة كلاب ونحوه تؤوله بثلاثة من كذا خلافا للمبرد.
وإن فسر عدد باسم جنس أو باسم جمع لم يضف إليه إلا سماعا كقوله تعالى (وكان في المدينة تسعةُ رهطٍ) وكقوله ﷺ "ليس فيما دون خمسِ ذَوْدٍ من الإبل صدقة" وكقول العرب: خمسة رَجْلة. والأصل أن يجاء بمفسر هذا النوع مقرونا بمن نحو ثلاثة من القوم وأربعة من الحيّ وخمسة من الركب، وعشر من البط، قال الله تعالى (فخذْ أربعةً من الطّيْر) ويستغنى العدد عن مفسر بإضافته إلى غيره كقولك اقبض عشرتك وعشرى زيد لأنك لم تضفه إلا وهو عند السامع معلوم الجنس فاستغنى عن مفسّره.
فصل: ص: تحذف تاء الثلاثة وأخواتها إن كان واحد المعدود مؤنث المعنى حقيقة أو مجازا، أو كان المعدود اسم جنس أو جمعا مؤنثا غير نائب عن جمع مذكر ولا مسبوق بوصف يدل على التذكير. وربما أول مذكر بمؤنث، ومؤنث بمذكر،
стр. 794
فجيء بالعدد على حسب التأويل، وإن كان في المذكور لغتان فالحذف والإثبات سيان. وإن كان المذكور صفة نابت عن الموصوف اعتبر غالبا حاله لا حالها. ش: الثلاثة وأخواتها أسماء جماعات كزمرة وأمّة وفِرقة وعُصبة وصُحبة وسَريّة وفِئة وعشيرة وقبيلة وفصيلة؛ فالأصل أن تكون بالتاء لتوافق الأسماء التي هي بمنزلتها فاستصحب الأصل مع المعدود المذكر لتقدم رتبته. وحذفت التاء مع المعدود المؤنث لتأخر رتبته فقيل ثلاثة أعبد وثلاث جوارٍ. والمعتبر من التأنيث تأنيث المفرد لا تأنيث الجمع فلذلك يقال: ثلاثة سجلّات وعشرة دنينيرات، بثبوت التاء. لأن مفرديهما مذكران. ولا يعتبر تأنيث المفرد إذا كان علما لمذكر نحو طلحة وسلمة، لأنه تأنيث لا تعلق له بالمعنى لا حقيقة ولا مجازا، ولذلك لا يؤنث ضميره ولا ما يشار به إليه، بخلاف ما يتعلق تأنيثه بالمعنى حقيقة أو مجازا، فإن تأنيث ضميره وما يشار به إليه، بخلاف ما يتعلق تأنيثه بالمعنى حقيقة أو مجازا، فإن تأنيث ضميره وما يشار به إليه لازم، فيقال في الأول ثلاثة الطلحات لقيهم ثلاثة السلمات فتثبت التاء، لأن تأنيثه لمجرد اللفظ، ولذلك لا يؤنث ضميره ولا ما يشار به إليه كقولك: الطلحات ذهبوا والسلمات أتوا. ويقال في الثاني وهو الذي يتعين تأنيثه بالمعنى حقيقة أو مجازا ثلاث الفتيات رَقين عشر الدرجات.
وإن كان مفسر الثلاثة وأخواتها اسم جنس أو جمع مؤنث جيء بالمفسر مقرونا بمن وحذفت التاء إن ولى المفسر موصوفا نحو لي ثلاث من البط ذكور، أو غير موصوف كله ثلاث من الإبل فإن توسط دليل تذكير لزم بقاء التاء نحو لي ثلاثة ذكور من البط، وأربعة فحول من الإبل. وإلى نحو هذا أشرت بقولي: "ولا مسبوق بوصف يدل على التذكير".
والحاصل أن تاء نحو ثلاثة وأخواتها تسقط لتأنيث واحد مفسرها لا لتأنيثه إن كان جمعا، ولتأنيثه نفسه دون تعرض لواحده إن كان اسم جنس أو جمع. وأما قولهم ثلاثة أشياء وثلاثة رَجْلة ففيهما شذوذان: أحدهما الإضافة إلى المفسر وحقه أن ينفصل مقرونا بمن كسائر أسماء الأجناس.
الثاني ثبوت التاء في عددهما والقياس الحذف لأن اسم الجنس أو الجمع لا يعتبر في التأنيث والتذكير حال واحده، وإنما يعتبر فيهما حاله، ولذلك يقال ثلاثة من البط ذكور، وواحدة بطة ذكر، ومع ذلك لم يقل ثلاثة بل ثلاث. وقد وُجّه ثبوت
стр. 795
التاء في عدد أشياء ورجلة بأنهما نائبان عن جمع مفرديههما على أفعال وإن واحد أشياء شيء كفى فقياسه أن يساويه في جمعه، وواحد رجلة راجل، فكان له نصيب من الجمع على أفعال كما قيل صاحب وأصحاب، فعدل في جمع شيء من أفعال إلى فعلاء، ثم قدمت لامه على فائه فصار الوزن لفعاء واستصحب منع صرفه للتأنيث ولزوم التأنيث، وثبتت في عدده كما كانت تثبت مع المنوب عنه وهو أفعال. وعدل في جمع راجل من أفعال إلى فعلة وثبتت تاء عدده أيضا كما كانت تثبت مع المنوب عنه وقد يؤول مذكر بمؤنث فتسقط التاء، ومؤنث بمذكر فتثبت التاء. فالأول كقول الشاعر:
وإنّ كِلابا هذه عَشْرُ أبْطُن ... وأنت بريءٌ من قبائلها العَشْرِ
ومثله قول الآخر:
فكان مَجِنّي دون مَن كنتُ أتّقي ... ثلاث شُخوص كاعِبان ومُعْصِرُ
ومثال الثاني قول الشاعر:
ثلاثة أنفسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ ... لقد جارَ الزمانُ على عيالي
ومثله قول الآخر:
وقائعُ في مُضَر تسعةٌ ... وفي وائل كانت العاشرة
أوّل الأبطن بالقبائل، والشخوص بالجواري، فأسقط تاءَي عشرة وثلاثة، وأوّل الأنفس بأشخاص والوقائع بمشاهد فأثبتت التاء.
وقد يكون في المعدود لغتان، فيجوز في عدده وجهان كحال وعضد ولسان،
стр. 796
فإنها تذكر وتؤنث فيقال على لغة من ذكّر ثلاثة أحوال وثلاثة أعضاد، وثلاثة ألسنة، ويقال على لغة من يؤنث ثلاث أحوال وثلاث أعضاد وثلاث ألسن. ويكثر الوجهان في أسماء الأجناس المميز واحدها بالتاء كبقر ونخل وسحاب، فيقال على لغة مَن ذكّر لزيد ثلاثة من البقر وثلاثة من النخل وسُقيت أرضنا بثلاثة من السحاب. ويقال على لغة مَن أنّث: ثلاث. فإن كان المذكور بعد العدد صفة قامت مقام موصوفها اعتبر في الغالب حال موصوفها لا حالها فتقول رأيت ثلاثة ربعات بثبوت التاء إذا أردت رجالا، وثلاث ربعات بسقوطها إذا أردت نساء. ومن اعتبار حال الموصوف قوله تعالى (مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) أي فله عشر حسنات أمثالها، فلولا قصد الحسنات لقيل عشرة أمثالها، لأن واحد الأمثال مذكر. ومن العرب مَن يسقط تاء العدد المضاف إلى دوابّ لتأنيث لفظها مع قصد تذكير الموصوف، لأن الدابة صفة جرت مجرى الأسماء الجامدة، فاعتبر في العدد لفظها. ومنها احترزت بقولي "اعتبر غالبا حاله لا حالها".
فصل: ص: يعطف العشرون وأخواته على النيّف وهو إن قصد التعيين واحد أو أحد، واثنان وثلاثة، وواحدة وإحدى، واثنتان وثلاث إلى تسعة في التذكير وتسع في التأنيث. وإن لم يقصد التعيين فيهما فبضعة وبضع، ويستعملان أيضا دون تنييف، وتجعل العشرة مع النيّف اسما واحدا مبنيّا على الفتح ما لم يظهر العاطف. ولتاء الثلاثة والتسعة وما بينهما عند عطف العشرين وأخواتها على النيّف ما لها قبل التنييف. ولتاء العشرة في التركيب عكس ما لها قبله. ويسكن شينها في التأنيث الحجازيون، ويكسرها التميميون، وقد تفتح، وربما سكن عين عشرة.
ش: يقال عند قصد التعيين تسعة فما دونها، وعند عدم قصد التعيين بضعة في التذكير وبضع في التأنيث، ولا يقال لشيء منها نيّف إلا وبعده عشرة أو عشرون
стр. 797
أو بعض أخواتها فيقال في تعيين المعطوف ثلاثة وعشرون رجلا، وثلاث وعشرون امرأة، ويقال في تعيين المركب: ثلاثة عشر وثلاث عشرة، وبضع عشرة إلى بضعة وتسعين. وقد تستعمل بضعة وبضع دون تنييف كقوله تعالى (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) وقد تناول قولي "وقد تجعل العشرة مع النيف اسما واحدا" أحد عشر وتسعة عشر وما بينهما. ونبهت بقولي "ما لم يظهر العاطف" على أن ظهور العاطف مانع من البناء والتركيب. ومنه قول الشاعر:
كأنَّ بها البدرَ ابن عَشْر وأرْبع ... إذا هَبَوات الصَّيف عنه تجلّت
وللنيف المعطوف عليه العشرون وأخواته من ثبوت التاء وسقوطها ماله لو استعمل وحده، فيقال في الذكور ثلاثة وعشرون، وفي الإناث ثلاث وعشرون، كما يقال عند عدم العطف ثلاثة وثلاث.
ثم قلت: ولتاء العشرة في التركيب عكس ما لها قبله. ثم أشرت إلى أن شين عشرة في التأنيث ساكنة عند الحجازيين ومكسورة عند التميميين. وعلى لغتهم قرأ بعض القراء "فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا"، وقرأ الأعمش "اثنتا عشرة" بالفتح، وهذا أشذ من قراءة من قرأ بالكسر. وقرأ يزيد بن القعقاع "أحد عشْر" بسكون العين، وقرأ هبيرة صاحب حفص بسكون. "اثنتا عشر" وهي أشد من قراءة يزيد. وكل هذه الأحوال مشار إليها في متن الكتاب.
ص: ويقال في مذكر ما دون ثلاثة عشر أحد عشر واثنا عشر، وفي مؤنثه إحدى عشرة واثنتا عشرة، وربما قيل وحد عشر وواحد عشر وواحدة عشر وإعراب اثنا واثنتا باق لوقوع ما بعدها موقع النون، ولذلك لا يضافان بخلاف أخواتهما وقد يجرى ما أضيف منهما مجرى بعلبك، أو ابن عُرْس، ولا يقاس على الأول خلافا للأخفش ولا على الثاني خلافا للفراء.
стр. 798
ش: أصل أحد عشر وإحدى عشرة وَحَد عشر ووحدى عشرة، فأبدلت واوهما همزة على غير قياس. ومن العرب مَن يقول واحد عشر وواحدة عشرة. ويبنى عجز هذا المركب لتضمنه معنى الواو، وبنى صدره لوقوع العجز منه موقع تاء التأنيث في ثلاث عشرة وأخواته ولشبهه بما هو كذلك في البواقي، إلا في صدرَي اثنتي عشرة فإنهما أعربا لوقوع العجز منهما موقع النون، وما قبل النون محل إعراب لا بناء، ولوقوع العجز منهما موقع النون لم يضافا، كما لا يضاف ما فيه النون، بخلاف أخواتهما، فيقال أحد عشرك ولا يقال اثنا عشرك واستثقل اجتماع علامتي تأنيث في ثلاثة عشر ونحوه لأنهما بلفظ واحد وبمعنى واحد، فإن مدلول تاء ثلاثة وعشرة تذكير المعدود فاتحدا لفظا وحكما، فكره اجتماعهما في شيئين كشيء واحد، بخلاف إحدى عشرة. فإن علامتيه مختلفتا اللفظ والمعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأن ألف إحدى دالة على التأنيث، وتاء عشرة دالة على التذكير وكذا واحدة عشرة، فإن علامتيه وإن اتحدتا لفظا قد اختلفتا معنى، لأن مدلول تاء واحدة تأنيث، ومدلول تاء عشرة تذكير، فلم يكن اجتماعهما كاجتماع تاءي ثلاثة عشرة، والأجود فيما أضيف من هذا المركب أن يبقى مبنيا، كما يبقى مع دخول الألف واللام عليه، لاستواء الألف واللام والإضافة في الاختصاص بالأسماء، فيقال أحدَ عشرَك مع أحدَ عشرَ زيد، بالبناء كما يقال الأحد عَشرَ مع الأحدَ عشرَ، إلا أن العرب مجمعون على بقاء البناء مع الألف واللام.
وحكى سيبويه عن بعض العرب إعراب المضاف مع بقاء التراكيب، كقولك أحد عشرك مع أحد عشر زيد فيبقى الصدر مفتوحا ويتغير آخر العجز بالعوامل، كما يفعل ببعلبك إذا دعت حاجة إلى إضافته. والقياس على هذا جائز عند الأخفش، وأجاز الفراء إضافة صدر العدد المركب إلى عجزه مُزالا بناؤهما وأنشد:
كُلِّف مِن عَنائه وشِقْوته ... بنتَ ثماني عَشْرة مِن حجّته
стр. 799
ولم ير ذلك مخصوصا بالشعر، بل أجازه في النثر والنظم. وإلى هذين الوجهين أشرت بقولي: "وقد يجرى ما أضيف منهما مجرى بعلبك أو ابن عرس".
ص: وياء الثماني في التركيب مفتوحة، أو ساكنة، أو محذوفة بعد كسرة أو فتحة. وقد تحذف في الإفراد، ويجعل الإعراب في متلوها. وقد يفعل ذلك برباع وشناح وجوار وشبهها. وقد يستعمل أحد استعمال واحد في غير تنييف. وقد يغني بعد نفي أو استفهام عن قوم أو نسوة، وتعريفه حينئذ نادر. ولا يستعمل إحدى في تنييف وغيره دون إضافة. وقد يقال لما يُستعظم مما لا نظير له هو أحد الأحدين. وإحدى الإحد.
ش: يقال في تركيب ثمانية وعشرة ثمانية عشر في التذكير، وثمانيَ عشرة في التأنيث، بفتح الياء وثماني عشرة بسكونها، وثمانِ عشرة بحذفها وبقاء الكسرة دالة عليها، وثمانَ عشرة بحذفها لفظا ونية. ومن العرب من يفعل ذلك في الإفراد ويحرك النون بحركات الإعراب. ومن ذلك قول الراجز:
لها ثنايا أربعٌ حسانُ ... وأربعٌ فتغرها ثمانُ
ومثل قوله في ثمانٍ ثمانٌ قول بعض العرب رباع في الرَّباعي من الحيوان، وهو ما فوق الثني، ومثله شناح في الشناحي، وهو الطويل. ومثله قراءة بعض السلف (ومن فوقهم غواشٌ) بضم الشين. وروي أن عبد الله بن مسعود قرأ (وله الجوارُ المنشآتُ) بضم الراء. وكل هذا مشار إليه في متن الكتاب.
стр. 800
وقد يستعمل أحد استعمال واحد في غير تنييف، ومن ذلك قوله تعالى (وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) ومنه قوله تعالى (قل هو الله أحد) ومنه قول الشاعر:
وقد ظهرتَ فلا تَخْفى على أحد ... إلّا على أحد لا يَعرف القمرا
أراد على واحد لا يعرف القمرا. ومثله قول الآخر:
إذا ناقةٌ شُدّتْ برَحْل ونُمْرق ... إلى أحد بَعْدي فضّل ضلالها
وقد يغني أحد بعد [نفي أو] استفهام عن قوم أو نسوة، فإغناؤه بعد نفي عن قوم كقوله تعالى (فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين)، وإغناؤه بعد استفهام عن قوم ما جاء في الحديث من قول أبي عبيدة ﵁: (يا رسول الله أحدَ خيرٌ منّا) أصله أأحد، فحذف همزة الاستفهام وأوقع أحدا موقع قوم.
وإغناؤه عن نسوة كقوله تعالى (يا نساءَ النّبيِّ لستنَّ كأحدٍ من النّساء إن اتّقيتنّ). وحقه إذا أغنى عن قوم أو نسوة أن يكون مذكرا، وقد ندر تعريفه في قول الشاعر:
стр. 801
وليس يَظْلِمُني في أمر غانية ... إلّا كعمرٍو وما عمرٌو من الأحَدِ
قال اللحياني: قالوا: ما أنت من الأحد، أي من الناس، وأنشد هذا البيت.
ويقال للموصوف بعدم النظير هو أحد الأحدين، وإحدى الإحد، أي الدواهي المقول لكل واحدة منها لا نظير لها، قال الراجز:
حتى استَثاروا بي إحْدى الإحَد ... ليْثًا هِزَبْرًا ذا سِلاح مُعْتدِ
ص: ويختص أحد بعد نفي محض أو نهي أو شبههما بعموم مَن يعقل لازم الإفراد والتذكير ولا يقع في إيجاب يراد به العموم خلافا للمبرد. ومثله عريب وديّار وشَفر وكتيع وكرّاب ودُعْويّ ونُمّيّ وداريّ ودُورى، وطُوريّ وطوشى ودُبِّي ودُبيح ودَبيج وأريم وأرَم ووابر وواتن وتامور وتُؤْمور. وقد يغني عن نفي ما قبل أحد نفي ما بعده إن تضمن ضميره أو ما يقوم مقامه، وقد لا يصحب "شفر" نفيا، وقد تضم شينه.
ش: لا يراد بأحد في نحو ما فيها أحد إلا مَن يعقل على سبيل الشمول والإحاطة، ولذلك لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث ولا يعرّف، لأنه قصد به حالة واحدة، فاستغنى عن علامة تدل على غيرها، ولا يكون إلا بعد نفي محض نحو (ولم يكن له كُفُوا أحد) أو نهي نحو (ولا يلتفتْ منكم أحدٌ) أو ما يشبه النفي المحض نحو (هل تُحِس منهم من أحد) ونحو: قلّ ما يقول ذلك أحد إلا زيد، وليتني أسمع أحدا
стр. 802
يتكلم. لأن المعنى لا أسمع أحدا يتكلم. ذكره الفراء في كتاب "الحدّ". وقيدت المنفي بالمحض احترازا من أليس وما زال ونحوهما. وأشرت بشبه النهي إلى قول الفراء في كتاب الحد: لأضربنّ أحدا يقول ذلك، وساقه سياقا يشعر بشهرته. والمعنى فيه لا يقل أحد ذلك. وأجاز المبرد إيقاعه في الإيجاب المراد به العموم نحو كل أحد. ومنع ذلك غيره، ذكر ذلك السيرافي في باب "كان" من شرح الكتاب. ويساوي أحدا في جميع ما نُسب إليه عريب وما ذكر بعده. ومن شواهدها قول الشاعر:
ليتَ هذا الليلَ شَهْرٌ ... لا نرى فيه عَريبا
ليس إيّايَ وإيّا ... كَ ولا نخشى رقيبا
وقول العجاج:
وبلدةٍ ليس بها طُورِيُّ ... ولا خلا الجن بها إنْسيُّ
ويروى طوئي. ومن شواهد إرم:
تلك القرونَ ورِثنا الأرض بعدهم ... فما يُحس عليها منهم أرم
وأنشد ابن الأعرابي:
يمينًا أرى من آل شيْبان وابِرا ... فيفلت منّي دون مُنْقَطَع الحبل
وأنشده غيره:
أجدَّ الحيُّ فاحتملُوا سراعا ... فما بالدار بعدهم كتِيعُ
ومثال ما أغنى فيه نفي ما بعد أحد عن نفي ما قبله لتضمن ضمير أحد قول الشاعر:
стр. 803
إذا أحدٌ لم يَعْنِه شأنُ طارِق ... لعُدْم فإنا مؤثروه على الأهل
ومثال ما أغنى فيه عن تقدم المنفي تضمن ما بعد أحد لقائم مقام ضميره قوله:
ولو سُئلت عنا نوار وقومها ... إذا أحدٌ لم تنطِق الشفتان
أراد لم تنطق شفتاه، فأقام الألف واللام مقام الضمير. ومثال استعمال "شفر" في جملة خالية من نفي قول الشاعر:
فواللهِ ما تنفكُّ منّا عداوةٌ ... ولا منهم ما دامَ مِن نسلنا شَفْرُ
فصل: ص: لا يثنى ولا يجمع من أسماء العدد المفتقر إلى تمييز إلا مائة وألف. واختص الألف بالتمييز به مطلقا، ولم يميز بالمائة إلا ثلاث وإحدى عشرة وأخواتها.
ش: انفرد الألف من أسماء العدد المفتقرة إلى التمييز بأن لم توضع لشيء من مجموعاتها لفظ يغني عن جمعه، فجرى عن قياس الأسماء في الجمعية مفسرا كان نحو ثلاثة آلاف، أو غير مفسر نحو (وهم ألوفٌ) وشاركته المائة في وضع ما يغني عن التثنية فقيل مائتان كما قيل ألفان، واستغنى في الثلاثة وأخواتها عن التثنية والجمع، لأن لكل واحد منها لفظا يغني عن التثنية إن قصدت، وعن الجمع إن قُصد كالعشرة والعشرين عن تثنية عشرة وجمعها. وللمائة شبه بالثلاثة وأخواتها في أن لها لفظا يغني عن جمعها، وذلك اللفظ هو الألف في إهمال ما يغني عن جمعها إن لم تكن عشرة، فإن كانت عشرة فله ألف، فألف من مائة كمائة من عشرة. فلما لم تكن المائة كالألف في عموم إهمال ما يغني عن الجمع، ولا كعشرة في عموم وضع ذلك وُسِّط أمرها، فأفردت كخمس مائة، وجمعت كثلاث مئين.
стр. 804
واختص الألف بأن تميز به الثلاثة وأخواتها وكأحد عشر ألفا، وعشرين ألفا، ومائة ألف، وما تفرع منهما كمائة ألف ومائتي ألف، وألف ألف. ومائة ألف ألف. وإلى هذا وأمثاله أشرت بقولي "واختص الألف بالتمييز به مطلقا" ثم قلت: "ولم يميز بالمائة إلّا ثلاث وإحدى عشرة وأخواتها" فنبهت بذلك على أنه يقال إحدى عشرة مائة واثنتا عشرة مائة إلى تسع عشرة مائة، ولا يقال عشر مائة ولا عشرون مائة، استغناء بالألف والألفين. ومن تمييز المركب بمائة قول جابر ﵁ "كنّا خمس عشرة مائة" يعني أهل الحديبية. وفي حديث البراء ﵁: "كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة".
ص: وإذا قصد تعريف العدد أدخل حرفه عليه إن كان مفردا غير مفسر أو مفسرا بتمييز. وعلى الآخر إن كان مضافا، أو عليهما شذوذا لا قياسا، خلافا للكوفيين. وتدخل على الأول والثاني إن كان معطوفا ومعطوفا عليه، وعلى الأول إن كان مركبا. وقد يدخل على جزءيه بضعف، وعليهما وعلى التمييز يقبح.
ش: دخول حرف التعريف على العدد المفرد غير مفسر أو مفسرا بتمييز نحو خُذ المائة ودَع الألف درهما، وهذا على لغة من لا يضيف، عومل فيهما ذو الألف واللام معاملة المنون. ذكر ذلك ابن كيسان. وعليه ورد قول حذيفة ﵁ "يا رسول الله أتخاف علينا ونحو ما بين الستمائة إلى السبعمائة" ومثال دخول حرف التعريف على الآخر إن كان العدد مضافا قول ذي الرمة:
وهل يَرجِعُ التسليمَ أو يكشفُ العمى ... ثلاثُ الأثافي والرسومُ البلاقِعُ
وقلت على الآخر ولم أقل على الثاني ليتناول ذلك ما تضمن إضافة واحدة
стр. 805
وما تضمن إضافتين أو أكثر نحو قبضت خمس مائة ألف دينار. وروى الكوفيون إدخال حرف التعريف على العدد المضاف إلى ما فيه الألف واللام كقولك: قبضت العشرة الدنانير، واشتريت الخمسة الأثواب. وهذا شاذ فيحفظ ولا يقاس عليه.
ومثال دخول حرف التعريف على المعطوف والمعطوف عليه قول الشاعر:
إذا الخمسَ والخمسين جاوزْتَ فارتقبْ ... قُدوما على الأموات غيرَ بعيد
ومثال دخوله على أول جزءي المركب قول النبي ﷺ لعمر ﵁ "إنْ كنت صائما فصُم الثلاث عشرة والأربع عشرة والخمس عشرة" أي صم يوم الثلاث عشرة ليلة ويوم الأربع عشرة ليلة، ويوم الخمس عشرة ليلة. فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ولولا ذلك لقال: صم الثلاثة عشر والأربعة عشر والخمسة عشر، لأن المصوم فيه اليوم والليلة. وروى بعض الكوفيين دخول حرف التعريف على جزءي المركب وهو ضعيف، وتوجيهه أن يجعل الداخل على العجز زائدا.
وروى بعضهم أيضا دخوله عليهما وعلى التمييز، وهو أبعد من الذي قبله، ويوجه أيضا بزيادة حرف التعريف مرّتين. ولا يستعمل منه إلا ما سُمع فيُجاء به منبّها على ضعفه وقبحه.
فصل: ص: العدد المميز بشيئين في التركيب لمذكرهما مطلقا إن وجد العقل، وإلّا فلسابقهما بشرط الاتصال. ولمؤنثهما إن فصلا ببَيْن وعدم العقل. ولسابقهما في الإضافة مطلقا. والمراد بكتب لعشرين يوم وليلة عشر ليال وعشرة أيام، وباشتريت عشرة بين عبد وأمة خمسة أعبد وخمس آم.
стр. 806
ش: تقول عندي خمسة عشر عبدا وجارية، وخمسة عشر جارية وعبدا، فتجعل الحكم للمذكر قدّمته أو أخّرته. وكذا تفعل أبدا بكل مركب بعدد من يعقل إذا مُيّز بمذكر ومؤنث متصلا كان المميز كما هو في المثال المذكور، أو منفصلا ببين كقولك عندي خمسة عشر بين رجل وامرأة، وخمسة عشر بين امرأة ورجل. وتقول نحرت خمسة عشر جملا وناقة في خمسة عشر يوما وليلة، وركبت خمس عشرة ناقة وجملا في خمس عشرة ليلة ويوما، فتجعل الحكم لسابقهما مذكرا كان أو مؤنثا، وكذا تفعل أبدا بكل مركب من عدد ما لا يعقل إذا اتصل بمميزه والمميز مذكر ومؤنث. وتقول عندي ست عشرة بين ناقة وجمل، واشتريت ست عشرة بين كبش ونعجة، فتجعل الحكم لمؤنثها قدّمته أو أخّرته. إذا انفصل المميز وكان مما لا يعقل. والمراد في الحالين أن نصف العدد المذكور ذكور ونصفه إناث.
وهكذا أبدا في غير الليالي والأيام. فأمّا فيهنّ فالعدد المذكور لليالي والأيام مثله، فإذا قلت: كتب لعشر بين يوم وليلة، فالمراد عشر ليال وعشرة أيام. هذا كله معنى كلام سيبويه.
وتقول عندي عشرة أعبد وجوار، وعشر جوار وأعبد، فتجعل الحكم عند الإضافة للسابق من المميزين، مذكرا كان أو مؤنثا، عاقلا أو غير عاقل. ولا يكون مميز هذا النوع أقل من ستة لأنهما إذا كان أقل من سنة كان أحدهما أقل من ثلاثة. والخمسة وأخواتها لا تضاف إلى أقل من ثلاثة. ولا فرق في ذلك بين أن يتصل المضاف إليه بالمضاف، أو ينفصل بعطف.
فصل: ص: يؤرخ بالليالي لسبقها، فيقال أول الشهر كتب لأول ليلة منه، أو لغرّته، أو مهلّه أو مستهلّه ثم لليلة خلت، ثم خلتا، ثم خلون إلى العشر، ثم خلت إلى النصف من كذا وهو أجود من لخمس عشرة خلت، أو بقيت، ثم لأربع عشرة بقيت إلى عشر بقين إلى ليلة بقيت، ثم لآخر ليلة منه أو سلخه أو انسلاخه. وقد تخلف التاء النون أو بالعكس.
ش: لا ريب في أن أول الشهر ليلة وآخره يوم. وقد علم أن لكل ليلة يوما يتلوها، فلذلك استغنى في التاريخ بالليالي عن الأيام. فإذا قيل كتب لخمس خلون، فمعناه لخمس ليال خلون، فقصدت الليالي وسكت عن الأيام لعدم الحاجة إلى ذكرها.
стр. 807
وقد توهم قوم أن هذا الكلام قد غلب فيه المؤنث على المذكر، وليس ما توهموه بصحيح، لأن التغليب إنما هو لفظ يعم القبيلتين ويجرى عليهما معا حكم أحدهما كقوله تعالى (قالوا أتعجبين من أمر الله رحمةُ الله وبركاته عليكم أهل البيت) وكقوله تعالى بعد خطاب نساء النبي ﷺ (إنما يريد الله ليُذْهب عنكم الرجسَ أهلَ البيت ويطهّركم تطهيرا) وكقوله تعالى (خلق كلَّ دابّةٍ من ماء فمنهم) فأعاد ضمير الذكور العقلاء على كل دابة على سبيل التغليب.
وقالوا فيما فوق العشرة خلت وبقيت، لأن مميزه ليلة مقدّرة، ولو ذكر لكان الفعل بعدها هكذا، فجيء به مع تقديرها على ما كان ينبغي له مع ذكرها. وقالوا في العشر وأخواتها خلون وبقين لأن مميزها في التقدير جمع مؤنث، ولو ظهر لكان خلون وبقين أولى من خلت وبقيت، لأن النون نصّ في الجمعية والتأنيث والتاء ليست كذلك. ولما استمر هذا الاستعمال في التاريخ حمل غيره عليه فقيل في الكثرة الجذوع انكسرت حملا على لإحدى عشرة خلت. وقيل في القلّة الأجذاع انكسرن حملا على لعشر خلون، وهذا إنما هو على مراعاة الأحسن، ولو عكس العمل في التاريخ وغيره لجاز.
فصل: ص: يصاغ موازن فاعل من اثنين إلى عشرة بمعنى بعض أصله فيفرد أو يضاف إلى أصله، وينصب إن كان اثنين لا مطلقا خلافا للأخفش. ويضاف المصوغ من تسعة فما دونها إلى المركب المصدر بأصله، أو يعطف عليه العشرون وأخواته، أو تركب معه العشرة تركيبها مع النيف مقتصرا عليه أو مضافا إلى المركب المطابق له. وقد يعرب الأول مضافا إلى الثاني مبنيا عند الاقتصار على ثالث عشر ونحوه. ويستعمل الاستعمال المذكور في الزائد على عشرة الواحد مجعولا حاديا.
стр. 808
ش: صوغ موازن فاعل من ثلاثة إلى عشرة بمعنيين أحدهما أن يكون بمعنى بعض أصله أي بمعنى بعض ما صيغ منه، ويستعمل مفردا كثالث إلى عاشر. ومضافا إلى أصله كثالث ثلاثة وعاشر عشرة. وأجاز الأخفش تنوينه والنصب به، وما ذهب إليه غير مرضيّ، لأن موازن فاعل المشار إليه إذا أريد به معنى بعض لا فعل له، إلا أن يكون ثانيا، فإن العرب تقول ثنيت الرجلين إذا كنت الثاني منهما، فمن قال ثانٍ اثنين بهذا المعنى عُذر، لأن له فعلا. ومن قال ثالثٌ ثلاثة لم يُعذر، لأنه لا فعل له. والمعنى الثاني يكون موازن فاعل المصوغ من ثلاثة إلى عشرة بمعنى جاعل ما تحت أصله معدودا به. نحو هذا ثالث اثنين، أي جاعل اثنين بنفسه ثلاثة، فلك في هذا أن تضيفه وأن تنوّنه وتنصب به لأنه اسم فاعل فعل مستعمل، فإنه يقال ثلثت الاثنين إلى عشرت التسعة. ومضارع ربعَ وسبع وتسعَ مفتوح العين، ومضارع البواقي مكسورها. ولم يستعمل بهذا ثان فيقال هذا ثان واحدا بمعنى جاعل واحدا بنفسه اثنين، بل استعمل ثان بمعنى بعض اثنين. ويقال تاسع تسعة عشر وتاسعة تسع عشرة إلى حادي أحد عشر وحادية إحدى عشرة.
وإلى هذا أشرت بقولي "ويضاف المصوغ من تسعة فما دونها إلى المركب المصدّر بأصله" أي يضاف تاسع إلى المركب المصدر بتسعة. وحاد إلى المصدّر بأحد، وكذلك ما بينهما. ثم قلت "أو يعطف عليه العشرون وأخواته" فأشرت إلى أنه يقال التاسع والعشرون والحادي والعشرون والتاسع والتسعون والحادي والتسعون وكذا ما بين التاسع والحادي فيما بين التسعين والعشرين. ثم قلت "أو تركب معه العشرة تركيبها مع النيّف مقتصرا عليه" فأشرت إلى أنه يقال التاسع عشر والحادي عشر، فيبنى الصدر والعجز، كما بني الصدر والعجز من سبعة عشر، ويجعل عجز هذا المركب في التذكير والتأنيث كما كان مع أحد وإحدى وأخواتهما.
ويعطى صدره ما لاسم فاعل من لحاق التاء في التأنيث وسقوطها في التذكير. ثم إن هذا المركب يقتصر عليه غالبا كما يقتصر غالبا على ثالث ونحوه. وقد يضاف هذا المركب إلى المركب المصدّر بأصل ما صُدّر به المضاف فيقال هذا حادي عشر أحد عشر، وثاني عشر اثني عشر إلى تاسع عشر تسعة عشر. وإلى هذا أشرت بقولي "أو مضافا إلى المركب المطابق له" فأول هذين المركبين مضاف إلى ثانيهما وكلاهما مبني.
стр. 809
وقد يقتصر على صيغة فاعل وتاليه مضافا ومضافا إليه مع إعراب الأول وبناء الثاني على تقدير تركيبه مع ما صيغ منه فاعل فيقال هذا ثالثُ عشر ورأيت ثالثَ عشرَ، ومررت بثالثِ عشرَ، برفع ثالث ونصبه وجرّه وبناء عشر، على تقدير ثالث ثلاثة عشر فحذف الصدر ونوى بقاؤه، فاستصحب البقاء بناء العجز. وهذا شبيه بقول من قال: لا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم، على تقدير ولا قوةَ بالبناء ثم حذف لا ونوى بقاءها فاستصحب البناء. ويستعمل استعمال فاعل المصوغ من اثنين وأخواته واحد مجعولا حاديا وواحدة مجعولة حادية فيقال في التركيب حادي عشر وحادية عشرة. ومع عطف عشرين وأخواته الحادي والعشرون والحادية والعشرون وهذا زيادة بيان لما تقدّم من ذكر ذلك.
ص: وإن قصد بفاعل المصوغ من ثلاثة إلى عشرة جَعْل الذي تحت أصله معدودا به استعمل مع المجعول استعمال جاعل، لأن له فعلا، وقد يجاوز به العشرة فيقال رابع ثلاثة عشرة أو رابع عشر ثلاثة عشر ونحو ذلك، وفاقا لسيبويه بشرط الإضافة. وحكم فاعل المذكور في الأحوال كلها بالنسبة إلى التذكير والتأنيث حكم اسم الفاعل.
ش: قد تقدم في شرح أول سطر في الفصل أن موازن فاعل يصاغ من ثلاثة إلى عشرة بمعنى جاعل وأن المصوغ بهذا المعنى اسم فاعل فعل مستعمل. وفي ذلك الكلام غنى عن إعادة معناه هنا. وقولي "المصوغ من ثلاثة" تقريب على المتعلم، والحقيقة أن يقال من الثَّلْث والرَّبْع والتَّسْع والعَشْر، والمراد به الثلث وما عطف عليه مصادر ثَلثْت الاثنين وربعت الثلاثة إلى عَشرات التسعة. وإنما كانت الحقيقة هذا لأن فاعلا المشار إليه اسم فاعل، واسم الفاعل مشتق من المصدر إلا أن في هذا غموضا، وفي الأول وضوح وسهولة، فكان التعبير به أولى. والهاء من قولي "تحت أصله" عائدة إلى فاعل المصوغ، والمراد أنك إذا قلت هذا ثالث اثنين، فمعناه جاعل اثنين ثلاثة بانضمامه إليهما (فهو فاعل)، لأن مصوغ من لفظها، والذي تحتها
стр. 810
الثلاثة الاثنان، فالقائل هذا ثالث اثنين قاصد جعل اثنين معدودا بثلاثة. وفي استعمل من قولي استعمل مع المجعول ضمير يعود على فاعل المصوغ والمراد بالمجعول الذي تحت المصوغ منه فاعل كالاثنين بالنسبة إلى ثالث وكالثلاثة بالنسبة إلى رابع. وأشرت باستعمال جاعل إلى أنه إن كان بمعنى المضي وجبت إضافته. وإن كان بمعنى الاستقبال جازت إضافته وإعماله على نحو ما يفعل بجاعل وغيره من أسماء الفاعلين. وكان ذكر جاعل أولى لأنه موافق لفاعل المذكور وزنا ومعنى. ونبهت على سبب إعماله بقولي "لأن له فعلا"، فيفهم من هذا أن ما لا فعل له لا ينصب تاليه كثالث ثلاثة. وأن ماله فعل ينصب تاليه كثالث اثنين ورابع ثلاثة. وينبغي أن يتنبه بهذا إلى جواز قول القائل هذا ثالث تسعة وعشرين، لأنه يقال كانوا تسعة وعشرين فثلثتهم، أي صيّرتهم ثلاثين، ورابع عشر ثلاثة عشر إلى تاسع ثمانية عشر وتاسع عشر ثمانية عشر بإضافة فاعل مفردا أو مركّبا إلى المركّب يليه.
فصل: ص: استعمل كخمسة عشرَ ظُروف كيومَ يومَ، وصباحَ مساءَ، وبينَ بينَ، وأحوال أصلها العطف كتفرقوا شَغَر بغَر، وشذَر مَذَر، وخذعَ مذعَ، وأخولَ أخولَ، وتركت البلاد حيثَ بيثَ، وهو جاري بيتَ بيتَ، ولقيته كفّةَ كفّةَ، وأخبرته صحرةَ بحرةَ، وأحوال أصلها الإضافة كبادي بدا أو بادي بدى، وأيدي سبا وأيادي سبا. وقد يجر بالإضافة الثاني من مركب الظروف، ومن بيتَ بيتَ وتالييه. ويتعين كل ذلك للخلو من الظرفية. وقد يقال بادِئَ بدْءٍ، وبادِئ بَداءٍ، وبَدِي أو بَدْءٍ وبَدْءة ذِي بَدْء أو ذي بَدْأة أو ذي بَداءة. وقد يقال سبًا، بالتنوين، وحاثِّ باثِ، وحَوْثًا بوْثًا، وكفّة عن كفّة. وألحق بهذا وقعوا في حيْص بَيْص، وحِيصَ بيصَ، والخازَبازَ.
ش: قد تقدم في باب الظروف أن من الظروف التي لا تتصرف ما ركب تركيب خمسة عشر كقولك فلان يتعهّدنا يومَ يومَ وصباحَ مساءَ، أي كل يوم وكل صباح ومساء، واستشهدت على ذلك بقول الشاعر:
следующие страницы →