← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ش: تقول عندي خمسة عشر عبدا وجارية، وخمسة عشر جارية وعبدا، فتجعل الحكم للمذكر قدّمته أو أخّرته. وكذا تفعل أبدا بكل مركب بعدد من يعقل إذا مُيّز بمذكر ومؤنث متصلا كان المميز كما هو في المثال المذكور، أو منفصلا ببين كقولك عندي خمسة عشر بين رجل وامرأة، وخمسة عشر بين امرأة ورجل. وتقول نحرت خمسة عشر جملا وناقة في خمسة عشر يوما وليلة، وركبت خمس عشرة ناقة وجملا في خمس عشرة ليلة ويوما، فتجعل الحكم لسابقهما مذكرا كان أو مؤنثا، وكذا تفعل أبدا بكل مركب من عدد ما لا يعقل إذا اتصل بمميزه والمميز مذكر ومؤنث. وتقول عندي ست عشرة بين ناقة وجمل، واشتريت ست عشرة بين كبش ونعجة، فتجعل الحكم لمؤنثها قدّمته أو أخّرته. إذا انفصل المميز وكان مما لا يعقل. والمراد في الحالين أن نصف العدد المذكور ذكور ونصفه إناث. وهكذا أبدا في غير الليالي والأيام. فأمّا فيهنّ فالعدد المذكور لليالي والأيام مثله، فإذا قلت: كتب لعشر بين يوم وليلة، فالمراد عشر ليال وعشرة أيام. هذا كله معنى كلام سيبويه. وتقول عندي عشرة أعبد وجوار، وعشر جوار وأعبد، فتجعل الحكم عند الإضافة للسابق من المميزين، مذكرا كان أو مؤنثا، عاقلا أو غير عاقل. ولا يكون مميز هذا النوع أقل من ستة لأنهما إذا كان أقل من سنة كان أحدهما أقل من ثلاثة. والخمسة وأخواتها لا تضاف إلى أقل من ثلاثة. ولا فرق في ذلك بين أن يتصل المضاف إليه بالمضاف، أو ينفصل بعطف. فصل: ص: يؤرخ بالليالي لسبقها، فيقال أول الشهر كتب لأول ليلة منه، أو لغرّته، أو مهلّه أو مستهلّه ثم لليلة خلت، ثم خلتا، ثم خلون إلى العشر، ثم خلت إلى النصف من كذا وهو أجود من لخمس عشرة خلت، أو بقيت، ثم لأربع عشرة بقيت إلى عشر بقين إلى ليلة بقيت، ثم لآخر ليلة منه أو سلخه أو انسلاخه. وقد تخلف التاء النون أو بالعكس. ش: لا ريب في أن أول الشهر ليلة وآخره يوم. وقد علم أن لكل ليلة يوما يتلوها، فلذلك استغنى في التاريخ بالليالي عن الأيام. فإذا قيل كتب لخمس خلون، فمعناه لخمس ليال خلون، فقصدت الليالي وسكت عن الأيام لعدم الحاجة إلى ذكرها.

стр. 807

وقد توهم قوم أن هذا الكلام قد غلب فيه المؤنث على المذكر، وليس ما توهموه بصحيح، لأن التغليب إنما هو لفظ يعم القبيلتين ويجرى عليهما معا حكم أحدهما كقوله تعالى (قالوا أتعجبين من أمر الله رحمةُ الله وبركاته عليكم أهل البيت) وكقوله تعالى بعد خطاب نساء النبي ﷺ (إنما يريد الله ليُذْهب عنكم الرجسَ أهلَ البيت ويطهّركم تطهيرا) وكقوله تعالى (خلق كلَّ دابّةٍ من ماء فمنهم) فأعاد ضمير الذكور العقلاء على كل دابة على سبيل التغليب. وقالوا فيما فوق العشرة خلت وبقيت، لأن مميزه ليلة مقدّرة، ولو ذكر لكان الفعل بعدها هكذا، فجيء به مع تقديرها على ما كان ينبغي له مع ذكرها. وقالوا في العشر وأخواتها خلون وبقين لأن مميزها في التقدير جمع مؤنث، ولو ظهر لكان خلون وبقين أولى من خلت وبقيت، لأن النون نصّ في الجمعية والتأنيث والتاء ليست كذلك. ولما استمر هذا الاستعمال في التاريخ حمل غيره عليه فقيل في الكثرة الجذوع انكسرت حملا على لإحدى عشرة خلت. وقيل في القلّة الأجذاع انكسرن حملا على لعشر خلون، وهذا إنما هو على مراعاة الأحسن، ولو عكس العمل في التاريخ وغيره لجاز. فصل: ص: يصاغ موازن فاعل من اثنين إلى عشرة بمعنى بعض أصله فيفرد أو يضاف إلى أصله، وينصب إن كان اثنين لا مطلقا خلافا للأخفش. ويضاف المصوغ من تسعة فما دونها إلى المركب المصدر بأصله، أو يعطف عليه العشرون وأخواته، أو تركب معه العشرة تركيبها مع النيف مقتصرا عليه أو مضافا إلى المركب المطابق له. وقد يعرب الأول مضافا إلى الثاني مبنيا عند الاقتصار على ثالث عشر ونحوه. ويستعمل الاستعمال المذكور في الزائد على عشرة الواحد مجعولا حاديا.

стр. 808

ش: صوغ موازن فاعل من ثلاثة إلى عشرة بمعنيين أحدهما أن يكون بمعنى بعض أصله أي بمعنى بعض ما صيغ منه، ويستعمل مفردا كثالث إلى عاشر. ومضافا إلى أصله كثالث ثلاثة وعاشر عشرة. وأجاز الأخفش تنوينه والنصب به، وما ذهب إليه غير مرضيّ، لأن موازن فاعل المشار إليه إذا أريد به معنى بعض لا فعل له، إلا أن يكون ثانيا، فإن العرب تقول ثنيت الرجلين إذا كنت الثاني منهما، فمن قال ثانٍ اثنين بهذا المعنى عُذر، لأن له فعلا. ومن قال ثالثٌ ثلاثة لم يُعذر، لأنه لا فعل له. والمعنى الثاني يكون موازن فاعل المصوغ من ثلاثة إلى عشرة بمعنى جاعل ما تحت أصله معدودا به. نحو هذا ثالث اثنين، أي جاعل اثنين بنفسه ثلاثة، فلك في هذا أن تضيفه وأن تنوّنه وتنصب به لأنه اسم فاعل فعل مستعمل، فإنه يقال ثلثت الاثنين إلى عشرت التسعة. ومضارع ربعَ وسبع وتسعَ مفتوح العين، ومضارع البواقي مكسورها. ولم يستعمل بهذا ثان فيقال هذا ثان واحدا بمعنى جاعل واحدا بنفسه اثنين، بل استعمل ثان بمعنى بعض اثنين. ويقال تاسع تسعة عشر وتاسعة تسع عشرة إلى حادي أحد عشر وحادية إحدى عشرة. وإلى هذا أشرت بقولي "ويضاف المصوغ من تسعة فما دونها إلى المركب المصدّر بأصله" أي يضاف تاسع إلى المركب المصدر بتسعة. وحاد إلى المصدّر بأحد، وكذلك ما بينهما. ثم قلت "أو يعطف عليه العشرون وأخواته" فأشرت إلى أنه يقال التاسع والعشرون والحادي والعشرون والتاسع والتسعون والحادي والتسعون وكذا ما بين التاسع والحادي فيما بين التسعين والعشرين. ثم قلت "أو تركب معه العشرة تركيبها مع النيّف مقتصرا عليه" فأشرت إلى أنه يقال التاسع عشر والحادي عشر، فيبنى الصدر والعجز، كما بني الصدر والعجز من سبعة عشر، ويجعل عجز هذا المركب في التذكير والتأنيث كما كان مع أحد وإحدى وأخواتهما. ويعطى صدره ما لاسم فاعل من لحاق التاء في التأنيث وسقوطها في التذكير. ثم إن هذا المركب يقتصر عليه غالبا كما يقتصر غالبا على ثالث ونحوه. وقد يضاف هذا المركب إلى المركب المصدّر بأصل ما صُدّر به المضاف فيقال هذا حادي عشر أحد عشر، وثاني عشر اثني عشر إلى تاسع عشر تسعة عشر. وإلى هذا أشرت بقولي "أو مضافا إلى المركب المطابق له" فأول هذين المركبين مضاف إلى ثانيهما وكلاهما مبني.

стр. 809

وقد يقتصر على صيغة فاعل وتاليه مضافا ومضافا إليه مع إعراب الأول وبناء الثاني على تقدير تركيبه مع ما صيغ منه فاعل فيقال هذا ثالثُ عشر ورأيت ثالثَ عشرَ، ومررت بثالثِ عشرَ، برفع ثالث ونصبه وجرّه وبناء عشر، على تقدير ثالث ثلاثة عشر فحذف الصدر ونوى بقاؤه، فاستصحب البقاء بناء العجز. وهذا شبيه بقول من قال: لا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم، على تقدير ولا قوةَ بالبناء ثم حذف لا ونوى بقاءها فاستصحب البناء. ويستعمل استعمال فاعل المصوغ من اثنين وأخواته واحد مجعولا حاديا وواحدة مجعولة حادية فيقال في التركيب حادي عشر وحادية عشرة. ومع عطف عشرين وأخواته الحادي والعشرون والحادية والعشرون وهذا زيادة بيان لما تقدّم من ذكر ذلك. ص: وإن قصد بفاعل المصوغ من ثلاثة إلى عشرة جَعْل الذي تحت أصله معدودا به استعمل مع المجعول استعمال جاعل، لأن له فعلا، وقد يجاوز به العشرة فيقال رابع ثلاثة عشرة أو رابع عشر ثلاثة عشر ونحو ذلك، وفاقا لسيبويه بشرط الإضافة. وحكم فاعل المذكور في الأحوال كلها بالنسبة إلى التذكير والتأنيث حكم اسم الفاعل. ش: قد تقدم في شرح أول سطر في الفصل أن موازن فاعل يصاغ من ثلاثة إلى عشرة بمعنى جاعل وأن المصوغ بهذا المعنى اسم فاعل فعل مستعمل. وفي ذلك الكلام غنى عن إعادة معناه هنا. وقولي "المصوغ من ثلاثة" تقريب على المتعلم، والحقيقة أن يقال من الثَّلْث والرَّبْع والتَّسْع والعَشْر، والمراد به الثلث وما عطف عليه مصادر ثَلثْت الاثنين وربعت الثلاثة إلى عَشرات التسعة. وإنما كانت الحقيقة هذا لأن فاعلا المشار إليه اسم فاعل، واسم الفاعل مشتق من المصدر إلا أن في هذا غموضا، وفي الأول وضوح وسهولة، فكان التعبير به أولى. والهاء من قولي "تحت أصله" عائدة إلى فاعل المصوغ، والمراد أنك إذا قلت هذا ثالث اثنين، فمعناه جاعل اثنين ثلاثة بانضمامه إليهما (فهو فاعل)، لأن مصوغ من لفظها، والذي تحتها

стр. 810

الثلاثة الاثنان، فالقائل هذا ثالث اثنين قاصد جعل اثنين معدودا بثلاثة. وفي استعمل من قولي استعمل مع المجعول ضمير يعود على فاعل المصوغ والمراد بالمجعول الذي تحت المصوغ منه فاعل كالاثنين بالنسبة إلى ثالث وكالثلاثة بالنسبة إلى رابع. وأشرت باستعمال جاعل إلى أنه إن كان بمعنى المضي وجبت إضافته. وإن كان بمعنى الاستقبال جازت إضافته وإعماله على نحو ما يفعل بجاعل وغيره من أسماء الفاعلين. وكان ذكر جاعل أولى لأنه موافق لفاعل المذكور وزنا ومعنى. ونبهت على سبب إعماله بقولي "لأن له فعلا"، فيفهم من هذا أن ما لا فعل له لا ينصب تاليه كثالث ثلاثة. وأن ماله فعل ينصب تاليه كثالث اثنين ورابع ثلاثة. وينبغي أن يتنبه بهذا إلى جواز قول القائل هذا ثالث تسعة وعشرين، لأنه يقال كانوا تسعة وعشرين فثلثتهم، أي صيّرتهم ثلاثين، ورابع عشر ثلاثة عشر إلى تاسع ثمانية عشر وتاسع عشر ثمانية عشر بإضافة فاعل مفردا أو مركّبا إلى المركّب يليه. فصل: ص: استعمل كخمسة عشرَ ظُروف كيومَ يومَ، وصباحَ مساءَ، وبينَ بينَ، وأحوال أصلها العطف كتفرقوا شَغَر بغَر، وشذَر مَذَر، وخذعَ مذعَ، وأخولَ أخولَ، وتركت البلاد حيثَ بيثَ، وهو جاري بيتَ بيتَ، ولقيته كفّةَ كفّةَ، وأخبرته صحرةَ بحرةَ، وأحوال أصلها الإضافة كبادي بدا أو بادي بدى، وأيدي سبا وأيادي سبا. وقد يجر بالإضافة الثاني من مركب الظروف، ومن بيتَ بيتَ وتالييه. ويتعين كل ذلك للخلو من الظرفية. وقد يقال بادِئَ بدْءٍ، وبادِئ بَداءٍ، وبَدِي أو بَدْءٍ وبَدْءة ذِي بَدْء أو ذي بَدْأة أو ذي بَداءة. وقد يقال سبًا، بالتنوين، وحاثِّ باثِ، وحَوْثًا بوْثًا، وكفّة عن كفّة. وألحق بهذا وقعوا في حيْص بَيْص، وحِيصَ بيصَ، والخازَبازَ. ش: قد تقدم في باب الظروف أن من الظروف التي لا تتصرف ما ركب تركيب خمسة عشر كقولك فلان يتعهّدنا يومَ يومَ وصباحَ مساءَ، أي كل يوم وكل صباح ومساء، واستشهدت على ذلك بقول الشاعر:

стр. 811

ومَن لا يصرف الواشين عنه ... صباحَ مساءَ يَبْغوه خَبالا وقول الآخر: آتٍ الرزقُ يومَ يومَ فأجْملْ ... طَلَبا وابْغ للقيامة زادا إلا أنه ذكر هناك لكونه من الظروف التي لا تتصرف. وذكر هنا لكونه من المركب الجاري مجرى خمسة عشر، ولا يستعمل منه إلا ما سمع. فمن المستعمل منه حديث نقادة الأسدي ﵁ "اللهم اجعل قوتَ فلانٍ يومَ يومَ" ومنه قول الشاعر: إذ نحن في غرّة الدنيا وبَهْجتها ... والدارُ جامعةٌ أزمانَ أزْماننا ومن المسموع في بين قول الشاعر: نَحمِي حقيقتنا وبَعْـ ... ـضُ القوم يَسقِط بين بينا ولا يقاس على شيء منه، كما لا يقاس على خمسة عشر وأخواته غيرها من الأعداد. ولو جاز القياس على ما سمع لقيل فلان يأتينا وقتَ وقتَ، ونهارَ ليلَ وعامَ عامَ، قياسا على يأتينا يوم يوم وصباح مساء وإذا لم يقس على أسماء الزمان مع أن فيها كثرة ما، فألا يقيس على اسم المكان الذي هو بينَ بينَ أحرى وأولى. فإن الظروف المكانية أقل من الظروف الزمانية، وهي تبع لها في هذا الاستعمال كما هي تبع لها في الإضافة إلى الجمل. ولذلك لم يضف من أسماء المكان إلى الجمل إلا "حيث". وأضيف لها من أسماء الزمان إذ وإذا وما أشبهها في المعنى.

стр. 812

والحاصل أنه لو ساغ أنْ يقاس على يومَ يومَ لم يَسغ أن يقاس على بين بين. وأما ما جاء في حديث حذيفة ﵁ من قول إبراهيم ﵇ "إنما كنتُ خليلاث منْ وراءُ وراءُ" فقد روي بالضم، على أن يكون مبنيا على الضم، لقطعه عن الإضافة وجعل الثاني تأكيدا للأول. والجيد أن يقال من وراء وراءٍ بإضافة الأول إلى الثاني، فإن هذا حكم ما خرج عن الظرفية مما ركب من الظرف تركيب خمسة عشر. وعلى هذا أنشد سيبويه: ولولا يومُ يومٍ ما أرَدْنا ... جزاءكَ والقروضُ لها جزاءُ وأنشد أيضا: ما بال جهْلكَ بعدَ الحِلم والدِّين ... وقد علاكَ مَشيبٌ حينَ لا حينِ أنشده وقال: إنما هو حينَ حينٍ و"لا" بمنزلة "ما" إذا ألغيتْ. ولشبه الحال بالظرف أشرك بينهما في الجريان مجرى خمسة عشر في ألفاظ محفوظة، إلا أن الغلبة للحال، ولذلك كان منه ما أصله العطف وما أصله الإضافة، وليس في مركب الظروف ما أصله الإضافة. وكان الحال جديرا بالغلبة، لأن الواقع حالا من هذا النوع قائم مقام مفرد ومغْنٍ عنه، كما أن مركب العدد قائم مقام مفرد مغن عنه. وذلك أن ما دون العشرة إذا زيد عليه واحد استحق مفردا يدل على الزائد والمزيد عليه كقولنا للاثنين مزيدا عليها واحد ثلاثة وهكذا إلى التسعة المزيد عليها واحد، وأما العشرة المزيد عليها فترك فيها هذا الأصل واستغنى بالتركيب عنه، ثم رجع إليه في تضعيف العشرة وما فوقه. والأحوال المشار إليها بمنزلة مركب العدد في القيام مقام مفرد، لأن شغرَ يغرَ بمعنى منتشرين، وشذَرَ مَذَرَ بمعنى متفرقين، وخذع مذع بمعنى منقطعين، وأخول أخول في قوله:

стр. 813

سقاطَ شَرارِ القَيْن أخْوَلَ أخولا بمعنى متفرقا، وحيث يبث بمعنى مبحوثة، وبيت بيت بمعنى متقاربا، وكفة كفة بمعنى مواجها، وصحرة بحرة بمعنى منكشفا، وبادي بدا أو بدى بمعنى مبدوءا به. وسبب بناء ما أصله العطف كسبب بناء العدد، وهو في مركب الأحوال آكد، لأن تركيبه ألزم. وأما ما أصله الإضافة فسبب بنائه تشبيهه بما أصله العطف في التركيب من شيئين يؤديان معنى واحدا. وفي لزوم معنى في، وامتناع الألف واللام والإضافة والتصغير. وبنيا على حركة لأن لهما أصلا في التمكن. وكانت الحركة فتحة لأن مع التركيب ثقلا وكثرة واجتماع ثقيلين لو جيء معه بكسرة أو ضمة. ومن قال حاث باث وخاز باز بالكسر دون الفتح فإنه فرّ من ست فتحات تقديرا لأن الألفين بمنزلة فتحتين وقبلهما فتحتان. فإذا فتح تالياهما اجتمعت ست فتحات تقديرا، فأوثر الكسر مخلّصا من توالي الأمثال. ومعنى وقعوا في حيص بيص: وقعوا في شدة ذات تقدّم وتأخّر، وهو من حاص عن الشيء يحيص إذا تأخر عنه خوفا منه، وباص يبوص بوصا إذا تقدّم، فأبدلت واو بوص ياء لتشاكل حيصا، كما فعلوا بواو تلوت حين قيل لا دريت ولا تليت وقد عكس من قال في حوص وبوص، فجاء ببوص على أصله وأبدل ياء حيص واوا وهذا من إتباع الأول الثاني. وهو نظير مأزورات غير مأجورات، فإنه من الوزر فحقه موزورات إلا أن واوه جعلت ألفا لتشاكل ما بعده. والخاز باز عشب، وذباب، وصوت الذباب، وداء في اللهازم، وبعض أسماء السِّنّور. ومن فتح زاييه أجراه مجرى خمسة عشر. ومن كسرهما أجراه مجرى بعلبك ? كذا ? ومن قال خازُ بازٍ أضاف صدره إلى عجزه، ومن قال خِزْباز وخازباء أفردهما كقرطاس وقاصعاء.

стр. 814

باب كم وكأيّن وكذا ص: كم اسم لعدد مبهم فيتفتقر إلى مميز لا يحذف إلا بدليل، وهو إن استفهم به كمميز عشرين وأخواته، لكن فصله جدير هنا في الاختيار، وهناك في الاضطرار. وإن دخل عليها حرف جر فجره جائز بمن مضمرة، لا بإضافتها إليه خلافا لأبي إسحاق. ولا يكون مميزها جمعا خلافا للكوفيين. وما أوهم ذلك فحال والمميز محذوف. وإن أخبر بكم قصدا للتكثير فمميزها كمميز عشرة أو مائة مجرور بإضافتها إليه لا بمن محذوفة خلافا للفراء. وإن فصل نصب حملا على الاستفهامية، وربما نصب غير مفصول. وقد يجر في الشعر مفصولا بظرف أو جار ومجرور لا بجملة ولا بهما معا. ش: يدل على اسمية كم الإسناد إليها، وعود الضمير عليها في نحوكم رجلا جاءك، ودخول حرف الجر عليها والإضافة إليها في نحو بكم رجلا مررت، ورزق كم نفسا ضمِنت، وتسليط عوامل النصب عليها نحو كم يوما صمت، وكم فرسخا سرت، وكم كانت دراهمك؟ وهي في الكلام على ضربين: استفهامية كالمذكور آنفا. وخبرية يقصد بها التكثير كقوله تعالى (كم مِنْ فئةٍ قليلةٍ غلبتْ فئة كثيرةً بإذن الله). وهي في حالتيها أشدّ إبهاما من أسماء العدد، لأن أسماء العدد تدل على العدد دلالة تنصيص ولا تدل على جنس المعدود، والأمران بذكر "كم" مبهمان، فكان افتقارها إلى مميز أشد من افتقار أسماء العدد. ولما كانت الاستفهامية بمنزلة عدد مقرون بهمزة الاستفهام أشبهت العدد المركب فأجريت مجراه، بأن جُعل مميزها كمميزه في النصب والإفراد، فقيل كم درهما لك؟ كما قيل لك خمسة عشر درهما، ثم قصد امتياز الخبرية فحملت من العدد على ما يضاف

стр. 815

إلى مميزه، وهو ضربان مميز بجمع كعشرة دراهم، ومميز بمفرد كمائة دينار، ولم يكن حملها على أحد الضربين بأولى من حملها على الضرب الآخر، فحملت عليهما معا، فتارة تضاف إلى جمع حملا على عشرة، وتارة تضاف إلى مفرد حملا على مائة، فيقال كم رجال صحبت، وكم بلد دخلت، كما تقول عشرة رجال صحبت، ومائة بلد دخلت. ويجوز حذف مميز "كم" كما يجوز حذف مميز العدد، فحذف مميز "كم" كقوله تعالى (كم لبِثْتُم) وحذف مميز العدد كقوله تعالى (عليها تسعةَ عَشَرَ) ويجوز الفصل بين الاستفهامية ومميزها في السعة، ولا يجوز الفصل بين العدد ومميزه إلا في ضرورة كقول الشاعر: على أنَّني بعدَ ما قد مضى ... ثلاثون للهَجْر حَوْلا كمِيلا ولو استعمل هذا في غير ضرورة شعر لم يجز، بخلاف "كم" فلك أن تفصل بينها وبين مميزها دون ضرورة، فتقول: كم لك درهما. وإنما كان الأمر كذلك لأن العدد مميز بمنصوب مستطال بالتركيب إن كان مركبا وبالزيادتين في آخره إن كان للعشرين أو إحدى أخواتها، فموضع التمييز منه بعيد دون فصل، فلو فصل بشيء لازداد بُعْدا، فمنع الانفصال إلا في الضرورة. وكم بخلاف ذلك فلم يلزم اتصال مميزها. وإن دخل على الاستفهامية حرف جر جاز بقاء مميزها منصوبا كقولك بكم رجلا مررت، وجاز أن يجر بمن مقدرة كقولك بكم درهم تصدقت، تريد بكم من درهم، فحذفت مِن وأبقيت عملها. قال ابن خروف قاصدا إلى حذف من وإبقاء عملها: هو مذهب الخليل وسيبويه والجماعة، وزعم ابن بابشاذ أنه ليس مذهب المحققين. وقوله فاسد، وإضمار الحرف نص من كلامهم إلا الزجاج وحده، فإن النحاس حكى عنه أنه كان يخفض هذا بكم ولا يحذف شيئا. قال ابن خروف:

стр. 816

ولا يمكن الخفض بها لأنها بمنزلة عدد ينصب ما بعده قولا واحدا، فيجب لما حمل عليه ونزل منزلته أن يكون كذلك. قلت: الأمر على ما أشار إليه أبو الحسن بن خروف، أعني كون المميز في نحو بكم درهم تصدقت مجرورا بمن مقدرة لا بكم، لأنها بمنزلة عدد ينصب ما بعده ولا يخفضه، فلو خفضت ما بعدها مرة ونصبته مرة لزم تفضيل الفرع على الأصل، وأيضا لو كانت صالحة للجر بها إذا دخل عليها حرف جر لصلحت للجر بها إذا عريت من حرف الجر، إذ لا شيء من المميزات الصالحة ينصب مميزها ويجر بإضافتها إليه، فيشترط في إضافتها أن يكون هو مجرورا، فالحكم بما حكم به الزجاج ومن وافقه حكم بما لا نظير له، فخولف مقتفيه ورُغب عنه لا فيه. ولا يجوز جمع مميز الاستفهامية، كما لا يجوز جمع مميز العدد الذي أجريت مجراه. وأجاز ذلك الكوفيون ولا حجة لهم، وإن ورد ما يوهم جواز ذلك حمل على أن المميز محذوف. وأن الجمع الموجود منصوب على الحال نحو أن يقال: كم لك شهودا وكم نفسا عليك رقباء. وإن قُصد بكم الإخبار على سبيل التكثير جرت مجرى عشرة مرة، ومجرى مائة أخرى. وقد سبق الكلام على ذلك تبيينا وتمثيلا. ومميزها مجرور بإضافتها إليه كمميز ما حملت عليه. وزعم الفراء أن الجر بعدها بمن مقدرة، ولا سبيل إلى ذلك كما لا سبيل إليه فيما حملت عليه، ولأن الجر بعدها لو كان بمن مقدرة لكان جوازه مع الفصل مساويا لجوازه بلا فصل، لأن معنى "من" مراد، واستعمالها سائغ مع الاتصال، فلو كان عملها بعد الحذف جائز البقاء مع الاتصال لكان جائز البقاء مع الانفصال في النثر والنظم. وفي كون الواقع بخلاف ذلك دليل على أن الجر بالإضافة لا بمن مقدرة. وإذا فصل مميز كم الخبرية بجملة أو ظرف أو جار ومجرور معا وجب نصبه مطلقا حملا على الاستفهامية، فالأول كقول الشاعر: كمْ نالَني منهم فَضْلا على عدَم ... إذْ لا أكادُ من الإقتار أحتمل

стр. 817

والثاني كقول الآخر: تؤمُّ سِنانا وكم دونَه ... من الأرض مُحْدَوْدِبًا غارُها ولو كان الفاصل ظرفا أو جارا ومجرورا لجاز النصب والجر، إلا أن الجر مخصوص بالشعر، كقول الشاعر: كم دون مية موماة يُهال لها ... إذا تيممها الخريت ذو الجلد وكقول الآخر: كم بجود مقرفٍ نال العلا ... وكريمٍ بخله قد وضعه وربما نصب مميز الخبرية متصلا بها، وزعم بعضهم أنه لغة تميم. ومنه قول الفرزدق: كم عمةَ لك يا جريرُ وخالةً ... فدْعاءَ قد حلبتْ عليَّ عِشاري فصل: ص: لزمت كم التصدير وبنيت في الاستفهام لتضمنها معنى حرفه، وفي الخبرية لشبهها بالاستفهامية لفظا ومعنى. وتقع في حالتيها مبتدأ ومفعولا ومضافا إليها وظرفا ومصدرا. ش: أداة الاستفهام منبهة للمستفهم ومؤذنة بحاجة المستفهم إلى إبداء ما عنده، فنزلت مما في خيرها منزلة حرف النداء من المنادى في استحقاق التقدم، فلذلك امتنع

стр. 818

تأخيرها ولزم تصديرها ولا فرق في ذلك بين كم وغيرها، فلذلك وجب رفع صاحب الضمير في نحو زيد كم ضربته، كما وجب في نحو زيد أين لقيته، وبشر متى رأيته. والخبرية جارية مجرى الاستفهامية في وجوب التصدير فلذلك لا يجوز في نحو زيدكم دراهم أعطيته إلا الرفع، وهي أيضا مساوية لها في وجوب البناء لتساويهما في مشابهة الحرف وضعا وإبهاما. وتنفرد الاستفهامية بتضمن معنى حرف الاستفهام، والخبرية بمناسبة رُبَّ إن قصدَ بها التقليل وهو الغالِب على رُبٍّ. ووقوع كم في حاليها مبتدأ ومفعولا ومضافا إليها كقولك كم درهما لك، و (كم من فئةٍ قليلةٍ غلبتْ) وكم جزءا قرأت، وكم رجال صحبت، وحاجة كم قضيت وتعليم كم من المشتغلين توليت. ووقوعها في حاليها ظرفا ومصدرا كقولك: كم فرسخا سرت، وكم فراسخ سرت، وكم طعنة طعنت وكم طعنات طعنت. فصل: ص: معنى كأيّن وكذا كمعنى الخبرية، ويقتضيان مميزا منصوبا، والأكثر جره بمن بعد كأيّن. وتنفرد من كذا بلزوم التصدير وأنها قد يستفهم بها. وقد يقال كيءٍ وكاءٍ وكأيٍّ. وقد ورد كذا مفردا ومكررا بلا واو. وكنى بعضهم بالمفرد المميز بجمع عن ثلاثة وبابه، وبالمفرد المفسر بمفرد عن مائة وبابه، وبالمكرر دون عطف عن أحد عشر وبابه، وبالمكرر مع عطف عن أحد وعشرين وبابه. ش: قد تقدم أن كم الخبرية اسم يقصد به الإخبار على سبيل التكثير، وأنها مفتقرة إلى مميز كمميز عشرة مرة وكمميز مائة أخرى. وذكرت الآن أن معنى كأيّن وكذا كمعناها، فكان حقهما أن يضافا إلى مميزهما كما تضاف كم التي تساويها في المعنى، لكن منع من إضافة كأين أنها لو أضيفت لزم نزع تنوينها وهي مستحقة للحكاية، لأنها مركبة من كاف التشبيه وأيّ، فكانت بمنزلة بزيد مسمى به، فإنه يلزم أن يجرى مجرى الجملة المسمى بها في لزوم الحكاية والمحافظة على كل جزء من أجزائها، فيقال فيمن اسمه بزيد هذا بزيد ونظرت إلى بزيد، وكذا يقال في كزيد لو سمي به،

стр. 819

فلو جعل من زيد اسما لجاز فيه ما جاز في بزيد من الحكاية، وجاز أيضا أن تحرك نون من بحركات الإعراب. ويضاف إلى زيد، ولاستيفاء الكلام عن هذا وشبهه موضع هو به أولى. وأما كذا ففيها ما في كأين من التركيب الموجب للحكاية، وفيها زيادة مانعة من الإضافة، وذلك أن عجزها اسم لم يكن له قبل التركيب نصيب في الإضافة، فأبقى على ما كان عليه. والأكثر جز مميز كأيّن بمن كقوله تعالى (وكأين من آية في السموات والأرض). ومن نصب مميزها قول الشاعر: اطرُدِ اليأسَ بالرجا فكأين ... آلما حُم أمرُه بعد يُسْر وأما كذا فلم يجئ مميزها إلا منصوبا كقول الشاعر: عِدِ النفس نُعْمَى بعدَ بُؤساكَ ذاكِرا ... كذا وكذا لُطْفا به نُسيَ الجهد وانفردت كأين بموافقة "كم" في لزوم التصدير فلا يعمل فيها ما قبلها بخلاف كذا فإنها يعمل فيها ما قبلها وما بعدها، وانفردت كأيّن أيضا بأنها قد يستفهم بها كقول أبيّ بن كعب ﵁ لعبد الله: "كأيِّنْ تقرأُ سورةَ الأحزاب، أو كأين تعدُّ سورة الأحزاب؟ فقال عبد الله: ثلاثا وتسعين. فقال أبي: قط" أراد ما كانت كذا قط. ويقال كيء وأصله كيّيء، بتقديم الياء على الهمزة، ثم عومل معاملة ميت فقيل

стр. 820

كيْء، ثم أبدلت ياؤه ألفا فقيل كاءٍ، وبه قرأ ابن كثير، ثم حذفت الألف فقيل كأ. وأما كأي فمقلوب كييء، وبه قرأ ابن محيصن والأشهب. واستعمال كذا دون تكرار قليل، وكذا استعماله مكررا بلا عطف، وجعل بعضهم كذا مميز بجمع كناية عن ثلاثة فما قولها. وبكذا كذا عن أحد عشر وأخواته، وبكذا وكذا عن أحد وعشرين وأخواته. ومستند هذا التفصيل الرأي لا الرواية.

стр. 821

باب نِعْم وبئْس ص: وليسا باسمين فيليا عوامل الأسماء خلافا للفراء، بل فعلان لا يتصرفان للزومهما إنشاء المدح والذم على سبيل المبالغة، وأصلهما فَعِل. وقد يردان كذلك. أو بسكون العين أو فتح الفاء أو كسرها، أو بكسرهما، وكذا كل ذي عين حلقية من فَعِل فِعْلا أو اسما. وقد تجعل العين الحلقية متبوعة للفاء في فعيل وتابعتها في فَعْل. وقد يتبع الثاني الأول في مثل نَحَو ومَحموم. وقد يقال في بِئس بَيْس. ش: يدلُ على فعلية نعم وبئس اتصال تاء التأنيث بهما ساكنة في كل اللغات، واتصال ضمير الرفع البارز بهما في لغة حكاها الكسائي نحو أخواك نعما رجلين، وإخوتك نعموا رجالا، والهندات نعمن هندات. وقال ابن برهان: الدليل على أن نعم فعل ماض رفعه الظاهر وتضمنه الضمير ودخول لام القسم عليه. وعطفه على الفعل الماضي. قلت: والحكم بفعليتهما هو مذهب البصريين والكسائي. وزعم الفراء وأكثر الكوفيين أنهما اسمان، واستدلوا على ذلك بدخول حرف الجر عليهما كقول بعض العرب، وقد قيل في بنت له: نعم الولد هي، فقال: والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة، وكقول بعضهم: نعم السيرُ على بئس العَيْر، وكقول الراجز: صبَّحك الله بخيْر باكر ... بنعم طير وشباب فاخِر ولا حجة في ذلك، أما الأول والثاني فيتعتذر عنهما بما اعتذر عن قول الآخر:

стр. 822

عَمْركَ ما ليلى بنامَ صاحبُهْ فقيل أراد ما ليلى بليل مقول فيه [نام صاحبه: وبولد مقول فيه نعم الولد، وبعَيْر مقول فيه] بئس العَيْر. وأما قول الآخر: بنعم طير وشباب فاخر فيحمل على أنه جعل "نعم" اسما أضيف إلى طير. وحكى لفظه الذي كان عليه قبل عروض الاسمية، كما قال الشاعر: بثين الزمي "لا" إنّ "لا" إن لزمته ... على كثرة الواشين أيُّ مَعُون فأوقع الزمي على "لا" ثم أدخل عليها إنّ فأجراها مجرى اسم حين دعت الحاجة إلى أن يعامل لفظها معاملة الأسماء، ولم يلزم من ذلك أن يحكم باسميتها إذا لم تستعمل هذا الاستعمال، وكذلك القول في نعم في قوله بنعم طير وفيها أربع لغات: نَعِم وبَئس وهما الأصل، ونَعْم وبَئْس بالتخفيف، ونِعِم وبِئِس بالإتباع، ونِعْم وبِئْس بالتخفيف بعد الإتباع، وهذه اللغة أبعد من الأصل، وأكثر في الاستعمال. وحكى أبو علي بَيْس، بياء ساكنة بعد فتحة وهو غريب. وأما اللغات المتقدمة فجائزة في كل ما كان من الأفعال والأسماء ثلاثيا أوله مفتوح وثانيه حرف حلقي مكسور، فيقال في شَهِد شَهْد وشِهِد وشِهْد. وكذا يقال في فَخذ: فَخْذ وفِخِذ. قال الشاعر: إذا غابَ عنّا غابَ عنّا ربيعُنا ... وإن شَهْد أجدى خيرُه ونوافلُهْ وقد تجعل العين الحلقية متبوعة للفاء في فَعيل فيقال في شهيد شِهِيد، وفي ضَئيل ضِئيل وفي بَعير بِعير وفي صَغير صِغير وفي نَحيف نِحِيف وفي بَخيل

стр. 823

بِخِيل. وقد تجعل العين الحلقية الساكنة تابعة للفاء المفتوحة فتفتح وإن لم يكن لها أصل في الفتح كقوله في قَحْم قَحَم، وفي قَعْر قَعَر وفي دَهْر دَهَر. ومذهب البصريين أن الفتح فيما ثبت سكونه من هذا النوع مقصور على السماع، وأن الوارد منه بوجهين ليس أصله السكون ثم فُتح ولا هو بالعكس، وإنما هو مما وضع على لغتين. ومذهب الكوفيين أن بعضه ذو لغتين وبعضه أصله السكون ثم فتح، لأن الفتحة من الألف وهو من حروف الحلق، فكان في جعلها على العين والعين حلقية مسبوقة بفتحة مشاكلة ظاهرة ومناسبات متجاورة. واختار ابن جني مذهب الكوفيين مستدلا بقول بعض العرب في نَحْو نَحَو وفي مَحْموم مَحَموم، فقال: لو لم تكن الفتحة عارضة في نَحَو لزم انقلاب الواو ألفا، لكنها فتحة عرضت في محل سكون فعومل ما جاورها بما كان يعامل به مع السكون ولم يعتدّ بها، وكذا فتحة محموم لو لم تكن عارضة لزم ثبوت مَفَعول أصلا ولا سبيل إلى ذلك، لكن فتحة الحاء منه في محل سكون فأمن بذلك عدم النظير وكان هذا التقدير أحسن التقدير. قلت: هذا معنى قول ابن جني، واعتبار ما اعتبره حسَن بيّن الحُسْن، وهو نظير قولنا في يَسَع أن الفتحة في محل كسرة، ولولا ذلك لقيل يَوْسع كما قيل في يَوْجع، لكنه عومل معاملة يَعِد فحذفت واوه لوقوعها بين ياء وكسرة، إلا أن كسرة بعد ملفوظ بها وكسرة يسع مقدرة في محل الفتحة كتقدير السكون في محل فتحة نَحَو ومَحَموم. وشبيه بهذا قولهم في جَيْأل وتوْءم جَيَل وتَوَم، فصححوا الياء والواو مع تحركهما وانفتاح ما قبلهما، لأن تحركهما عارض منوي في محله السكون. وشبيه بهذا أيضا قولهم في بُيوت بِيوت، فافتتحوا الجمع مع أنه أثقل من المفرد بكسرة تليها ضمة، وقد رفضوا ذلك مع المفرد مع أنه أخف، إلا أن الكسرة عارضة للإتباع، والضمة منوية في محلها، فعاد الصعب هينا والعذر بيّنا. وما حكى أبو علي من قولهم بَيْس فالوجه فيه أن أصله بِئس فخفف بِيس ثم فتحت الباء التفاتا

стр. 824

إلى الأصل، وترك ما نشأ عن الكسرة لأن استعمالها أكثر فكانت جديرة بأن تنوى مع رجوع الفتحة، لشبهها بالعارضة في قلة الاستعمال. ومعنى نعم وبئس المبالغة في المدح والذم، وربما توهم غير ذلك. وروي أن شريك بن عبد الله النخعي ذكر علي بن أبي طالب ﵁ فقال جليس له: "نعم الرجل علي" فغضب وقال ألعليّ تقول نعم الرجل، فأمسك القائل عن شريك حتى سكن غضبه، ثم قال له: يا أبا عبد الله ألم يقل الله تعالى: (ولقد نادانا نوحٌ فلَنِعم المجيبون) (فقدّرنا فنِعم القادرون) (نعْم العبدُ إنّه أوّابٌ) قال شريك: بلى، فقال: ألا ترضى لعليّ ما رضى الله لنفسه ولأنبيائه فنبهه على موضع غلطه. ص: فاعل نعم وبئس في الغالب ظاهر بالألف واللام، أو مضاف إلى المعرف بهما مباشرا أو بواسطة. وقد يقوم مقام ذي الألف واللام "ما" معرفة تامة وفاقا لسيبويه والكسائي، لا موصولة خلافا للفراء والفارسي. وليست بنكرة مميزة خلافا للزمخشري والفارسي في أحد قوليه. ولا يؤكد فاعلهما توكيدا معنويا باتفاق. وقد يوصف خلافا لابن السراج والفارسي. وقد ينكر مفردا أو مضافا، ويضمر ممنوع الإتباع مفسرا بتمييز مؤخر مطابق قابل "أل" لازم غالبا. وقد يرد بعد الفاعل الظاهر مؤكدا وفاقا للمبرد، ولا يمتنع عنده وعند الفارسي إسناد نعم وبئس إلى الذي الجنسية وندر نحو نعم زيد رجلا، ومُرَّ بقوم نعموا قوما، ونعم بهم قوما، ونعم عبد الله خالد، وبئس عبد الله أنا إن كان كذا. وشهدت صفين وبئست صِفّون. ش: الغالب في فاعل نعم وبئس أن يكون معرفا بالألف واللام، أو مضافا إلى المعرف بهما، أو مضافا إلى المضاف للمعرف بهما، أو ضميرا مستترا مفسرا بنكرة

стр. 825

منصوبة على التمييز، فالأول كقوله تعالى: (فَنِعم المولى ونعم النصيرُ) والثاني كقوله تعالى: (ولنعْم دار المتّقين) والثالث كقول الشاعر: فإنْ تكُ فقعس بانتْ وبنّا ... فنِعم ذوو مُجاملةِ الخليل وكقول الآخر: فنعم ابنُ أختِ القومِ غير مكذَّب ... زهيرٌ حسامٌ مُفْرَدٌ من حمائِل وإلى مثل ما في البيتين أشرت بقولي "أو بواسطة". ومثال الرابع قوله تعالى (بئْس للظالمين بدلا). وقول الشاعر: لنِعْم موئلًا المولى إذا حُذرتْ ... بأساءُ ذي البَغي واستيلاءُ ذي الإحَنِ و"ما" في نعم ما صنعت عند سيبويه والكسائي فاعل بمنزلة ذي الألف واللام، وهي معرفة تامة غير مفتقرة إلى صلة، وإلى ذلك أشرت بقولي: وقد يقوم مقام ذي الألف واللام ما معرفة تامة. وهي عند الفراء وأبي علي الفارسيّ فاعلة موصولة مكتفى بها وبصلتها عن المخصوص. وأجاز الفراء أن تركّب نعم مع ما تركيب حب مع ذا فيليهما مرفوع بهما كقول العرب: بئسما تزويج ولا مهر، التقدير بئس التزويج تزويج مع انتفاء المهر. وجعل الزمخشري وأبو علي الفارسي في أحد قوليه "ما" نكرة مميزة. وسيأتي إبطال ذلك إن شاء الله تعالى. ولا يؤكد فاعل نعم وبئس توكيدا معنويا باتفاق، لأن القصد بالتوكيد المعنوي رفع توهم إرادة الخصوص بما ظاهره العموم، أو رفع توهم المجاز بما ظاهره الحقيقة. وفاعل نعم وبئس في الغالب بخلاف ذلك، لأنه قائم مقام الجنس إن كان ذا جنس، أو

стр. 826

مؤول بالجامع لأكمل خصال المدح اللائقة بمسماه إن كان فاعل نعم، وبالجامع لأكمل خصال الذم إن كان فاعل بئس. والتوكيد المعنوي مناف للقصدين، فاتفق على منعه. وأما التوكيد اللفظي فلا يمتنع لك أن تقول نعم الرجل الرجل زيد. وأما النعت فلا ينبغي أن يمنع على الإطلاق. بل يمنع إذا قصد به التخصيص مع إقامة الفاعل مقام الجنس؛ لأن تخصيصه حينئذ مناف لذلك القصد. وأما إذا تؤوّل بالجامع لإكمال الخصال فلا مانع من نعته حينئذ، لإمكان أن ينوى في النعت ما نوى في المنعوت. وعلى هذا يحمل قول الشاعر: نِعم الفتى المريُّ أنتَ إذا همُ ... حَضروا لدى الحُجُرات نارَ الموقِد وحمل ابن السراج وأبو علي مثل هذا على البدل، وأبَيا النعت ولا حجة لهما. وحكى الأخفش أن ناسا من العرب يرفعون بنعم النكرة مفردة ومضافة. وإلى ذلك أشرت بقولي: "وقد ينكر مفردا أو مضافا"، فيقال على هذا نعم امرؤ زيد، ونعم صاحب قوم عمرو، ومنه قول الشاعر: بئس قرينًا يفَنٌ هالكٌ ... أمُّ عُبيدٍ وأبو مالِكِ ومن ورود الفاعل نكرة غير مضافة قول الشاعر: أتحسِبُني شُغِفتُ بغير سَلْمى ... وسَلْمى بي مُتيَّمةٌ تهيمُ وسلمى أكملُ الثَّقلين حُسْنًا ... وفي أثوابها قمرٌ وريمُ نيافُ القُرطِ غرّاءُ الثنايا ... ورِئد للنساءِ ونِعم نيمُ ووافق الفراءُ الأخفشَ في كون الفاعل نكرة مضافة قال: فإن أضفت النكرة رفعت ونصبت كقولك نعم غلامُ سفر زيد ونعم غلامَ سفر زيد وقال أبو الحسن

стр. 827

الأخفش من قال هذا رجل وأخوه ذاهبان على تنكير الأخ قال هنا: نعم أخو قوم وصاحبهم زيد. ومن قال هذا رجل وأخوه ذاهبين على تعريف الأخ لم يجز له العطف هنا، لأن نعم لا ترفع إلا معرفة بالألف واللام، أو بإضافة إلى المعرف بهما. فظاهر هذا القول من أبي الحسن يشعر بأنه لا يجيز نعم الذي يفعل زيد، ولا نعم مَن يفعل زيد، ومثل هذا لا ينبغي أن يمنع، لأن الذي يفعل بمنزلة الفاعل، ولذلك اطرد الوصف به. ومقتضى النظر الصحيح ألا يجوز مطلقا ولا يمنع مطلقا. بل إذا قصد به الجنس جاز، وإذا قصد به العهد منع. وهذا مذهب المبرد والفارسي، وهو الصحيح. ومما يدل على أنّ فاعل نعم قد يكون موصولا ومضافا إلى موصول قول الشاعر: وكيف أرْهَبُ أمْرًا أو أُراعُ له ... وقد زَكَاتُ إلى بشْر بن مَرْوان فَنِعم مَزْكأ من ضاقت مذاهبُه ... ونِعْمَ مَن هو في سرّ وإعْلانِ فلو لم يكن في هذا إلا إسناد نعم إلى المضاف إلى مَن لكان فيه حجة على صحة إسناد نعم إلى مَن، لأن فاعل نعم لا يضاف في غير ندور إلا إلى ما يصح إسناد نعم إليه، فكيف وفيه: نعم مَن هو، فمَن هذه إما تمييز والفاعل مضمر كما زعم أبو علي. وقد تقدم ذلك في باب الموصولات، وإما فاعل، فالأول لا يصح لوجهين: أحدهما أن التمييز لا يقع في الكلام بالاستقراء إلا بنكرة صالحة للألف واللام. ومَن بخلاف ذلك، فلا يجوز كونها تمييزا. الثاني أن الحكم عليها بالتمييز عند القائل به مرتب على كون مَن نكرة غير موصوفة وذلك منتف بإجماع في غير محل النزاع، فلا يصار إليه بلا دليل عليه. فصح القول بأن مَن في موضع رفع بنعم، إذ لا قائل بقول ثالثٍ مع شهادة صدر البيت فإن فيه: مزكأ مَن فأسندت نعم إلى المضاف إلى مَن. وقد ثبت أن الذي تسند إليه لا يضاف لما لا يصح إسنادها إليه، وفي هذا كفاية. وقد يقع فاعل هذا الباب ضميرا مستترا مفسرا بعده بتمييز مطابق للمخصوص

стр. 828

بالمدح أو الذم نحو نعم رجلا زيد ونعمت امرأة هند، ونعم رجلين الزيدان، ونعمت امرأتين الهندان، ونعم رجالا الزيدون، ونعم نساء الهندات. وهذا الضمير المجعول فاعلا في هذا الباب شبيه بضمير الشأن في أنه قصد إبهامه تعظيما لمعناه، فاستويا لذلك في عدم الإتباع بتوكيد أو غيره. ونبهت على أن مميزه لا يكون إلا صالحا للألف واللام مع أن كل مميز لا يكون إلا كذلك بالاستقراء لأن أبا علي والزمخشري يجيزان التمييز في هذا الباب بما ويزعمان أن فاعل نعم في قوله تعالى (فنِعِمّا هي) وشبهه مضمر كما هو في نعم رجلا زيد. وما في موضع نصب على التمييز وربما اعتقد مَن لا يعرف أن هذا هو مذهب سيبويه، وذلك باطل. بل مذهب سيبويه أن "ما" اسم تام مكنّى به عن اسم معرف بالألف واللام الجنسية مقدّر بحسب المعنى كقولك في (إنْ تُبْدوا الصدقاتِ فنِعِمّا هي) أن معناه فنعم الشيء إبداؤها، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. قال أبو الحسن بن خروف: وتكون "ما" تامة معرفة بغير صلة نحو دققته دقا نعما. قال سيبويه: أي نعم الدق. ونعما هي أي نعم الشيء إبداؤها، ونعِمّا صنعْت وبئسما فعلت، أي نعم الشيء صنعت. هذا كلام ابن خروف معتمدا على كلام سيبويه، وسبقه إلى ذلك السيرافي، وجعل نظيره قول العرب: إني مما أن أصنع، أي من الأمر أن أصنع، فجعل "ما" وحدها في موضع الأمر ولم يصلها بشيء، وتقدير الكلام إني من الأمر صنعي كذا وكذا، فالياء اسم إنّ وصنعي مبتدأ ومن الأمر خبر صنعي والجملة في موضع خبر. هذا كلام السيرافي وهو موافق لكلام سيبويه فإنه قال: "ونظير جعلهم ما وحدها اسما قول العرب إني مما أن أصنع، أي من الأمر أن أصنع، فجعلوا ما وحدها اسما، ومثل ذلك غسلته غسلا نعما، أي نعم الغسل" فقدر "ما" بالأمر وبالغسل. ولم يقدرها بأمر ولا غسل، فعلم أنها عنده معرفة.

стр. 829

وحكى الفراء عن الكسائي أنه قال أرادت العرب أن تجعل "ما" بمنزلة الرجل حرفا تاما، ثم أضمروا ما، يشير إلى قولهم الفراء قولهم بئس ما صنعت، معناه بئس الشيء ما صنعته، فما الموجودة عنده فاعل، وما المقدرة مبتدأ، وهذا معنى ما نقله الفراء عن الكسائي، فمذهبه كمذهب سيبويه إلا أن المحققين من أصحاب سيبويه يجعلون التقدير نعم الشيء شيء صنعت. ويقوّي تعريف ما بعد نعم كثرة الاقتصار عليها في نحو غسلته غسلا نِعِمّا، والنكرة التالية نعم لا يقتصر عليها إلا في نادر من القول كقول الراجز: تقولُ عِرْسي وهي لي في عَوْمره ... بئسَ امرأ وإنني بئسَ المَرهْ ويقوي أيضا فاعليه ما المذكورة وأنها ليست تمييزا أن التمييز إنما يجاء به لتعيين جنس المميز وما المذكورة مساوية للمضمر في الإبهام فلا تكون تمييزا. ويقوى تعريف ما في نحو مما أن أصنع كونها مجرورة بحرف مخبر به وما كان كذلك فلا يكون بالاستقراء إلا معرفة أو نكرة موصوفة، وما المذكورة غير نكرة موصوفة فيتعين كونها معرفة وإلا لزم ثبوت ما لا نظير له. قال أبو علي في البغداديات في قوله تعالى: (إنّ الله نعِمّا يَعظُكم به) يجوز أن تكون "ما" معرفة وأن تكون نكرة. فإن حملته على أنه معرفة كان رفعا، ولم يكن لقوله (يعظكم به) موضع من الإعراب. وإن حملته على أنه نكرة كانت منصوبة وكان (يعظكم به) نصبا لكونه وصفا للاسم المنصوب". هذا نصه. وينبغي أن يتنبه لتقييدي مميز فاعل هذا الباب بقبول "أل" على أنه لا يجوز أن يكون بلفظ مثل ولا غير ولا أي ولا أفعل من كذا، لأنه خلف عن فاعل مقرون بالألف واللام فاشترط صلاحيته لهما، وكل ما ذكرته آنفا لا يصلح لهما فلم يجز أن يخلف مقترنا بهما. وقلت غالبا بعد التقييد بلازم، احترازا من حذف المميز في قول النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 830

"مَن توضّأ يومَ الجمعة فبها ونعمتْ" أي فبالسنة أخذ، ونعمت السنة سنة، فأضمر الفاعل على شريطة التفسير وحذف المميز للعلم به. وإذا ثبت أن مميز هذا الباب قد يحذف للعلم به أمكن أن يحمل عليه ما أوهم بظاهره أن الفاعل فيه علم أو مضاف إلى علم كقول ابن مسعود ﵁ أو غيره من العبادلة "بئس عبد الله أنا إن كان كذا" وكقول النبي ﷺ "نعم عبد الله خالد بن الوليد" فيكون نعم وبئس مسندين إلى ضميرين، حذف مفسراهما وعبد الله مبتدأ وأنا وخالد بدلان. ومن هذا النوع أيضا قول سهيل بن حنيف ﵁ "شهدت صفّين وبئست صِفُّون" وأما ما روي من قول بعضهم نعم زيد رجلا، على أن الفاعل مضمر ورجلا مفسره وزيد مبتدأ خبره نعم وفاعلها فليس بشذوذ إلا بكون مميز الضمير مسبوقا بالمبتدأ فيكون في ذلك نظير قول الشاعر: والتغلبيُّون بئس الفحلُ فحلهمُ ... فحلًا وأمُّهم زلّاء مِنْطيقُ وهذه توجيهات أعنت عليها، ولم أسبق إليها والحمد لله. والحاصل أن فاعل نعم وبئس لا يكون إلا ظاهرا معرفا بأل أو مضافا إليه أو إلى مضاف إليه أو نكرة مضافة أومفردة أو موصولا أو مضافا إليه، أو ضميرا مفسرا بتمييز موجود أو مقدر ولا يكون غير ذلك إلّا ما ندر نحو مررت بقوم نعموا رجالا، ومن قال نعم بهم فمراده نعموا ولكن زاد باء في الفاعل، كما زيدت في "كفى بالله". ومنع سيبويه الجمع بين التمييز وإظهار الفاعل، وأجاز ذلك أبو العباس وقوله في

стр. 831

هذا هو الصحيح، وحامل سيبويه على المنع كون التمييز في الأصل مسوقا لرفع الإبهام والإبهام إذا ظهر الفاعل زال فلا حاجة إلى التمييز، وهذا الاعتبار يلزم منه منع التمييز في كل ما لا إبهام فيه كقولك له من الدراهم عشرون درهما، ومثل هذا جائز بلا خلاف. ومنه قوله تعالى (إنّ عدّة الشهورِ عند الله اثنا عشر شهرا) وقوله تعالى (واختار موسى قومَه سبعين رجلا) وقوله تعالى (فتمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً) وقوله تعالى: (فهي كالحجارة أو أشدُّ قسوةً) فكما حكِم بالجواز في مثل هذا وجعل سبب الجواز التوكيد لا رفع الإبهام، فكذلك يفعل في نحو نعم الرجل رجلا، ولا يمنع، لأن تخصيصه بالمنع تحكم بلا دليل. هذا لو لم تستعمله العرب، فكيف وقد استعملته العرب كقول الشاعر: والتغلبيون بئس الفحل فحلهم ... فحلا وأمهم زلاء منطيق ومثله قول الآخر على الأظهر الأبعد من التكلف. تزوّدْ مثلَ زادِ أبيك فينا ... فنِعم الزادُ زاد أبيكَ زادا ومن ورود التمييز للتوكيد لا لرفع الإبهام قول أبي طالب: ولقد علمتُ بأنّ دينَ محمّد ... من خيْر أديانِ البَرِيَّةِ دينا ومثله قول الآخر:

стр. 832

فأمّا التي خيرُها يُرْتَجى ... فأجودُ جودًا من اللّافِظَهْ ص: ويدل على المخصوص بمفهومَي نعم وبئس، أو يذكر قبلهما معمولا للابتداء، أو لبعض نواسخه، أو بعد فاعلهما مبتدأ أو خبر مبتدأ لا يظهر، أو أول معمولي فعل ناسخ، ومن حقه أن يختص ويصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفا بالممدوح بعد نعم، وبالمذموم بعد بئس. فإن باينه أُوّل. وقد يحذف ويخلفه صفته اسما وفعلا. وقد يغني متعلق بهما. وإن كان المخصوص مؤنثا جاز أن يقال نعمت وبئست مع تذكير الفاعل. ش: المخصوص بمفهومَي نعم وبئس هو المقصود بالمدح بعد نعم، وبالذم بعد بئس، كزيد وعمرو في قولك نعم الرجل زيد وبئس القرين عمرو، وإذا كان مذكورا هكذا فهو مبتدأ مخبر عنه بما قبله من الفعل والفاعل، ولا يضرّ خلوّ الجملة من ضمير يعود على المبتدأ، لأن الفاعل هو المبتدأ في المعنى، فلم يحتج إلى رابط، إذ هو مرتبط بنفسه، كما لم يحتج إلى رابط إذا كانت الجملة نفس المبتدأ في المعنى نحو كلامي الله ربّنا. وأجاز سيبويه كون المخصوص خبر مبتدأ واجب الإضمار، والأول أولى، بل هو عندي متعيّن، لصحته في المعنى وسلامته من مخالفة أصل، بخلاف الوجه الثاني وهو كون المخصوص خبرا، فإنه يلزم منه أن ينصب لدخول كان إذا قيل نعم الرجل كان زيد، لأن خبر المبتدأ بعد دخول كان يلزمه النصب، ولم نجد العرب تعدل في مثل هذا عن الرفع. فعلم أنه قبل دخول كان لم يكن خبرا وإنما كان مبتدأ. ومن لوازم كونه خبرا قبل دخول كان أن يقال في نعم الرجال الزيدون: نعم الرجال كانوا الزيدون وفي نعم النساء الهندات. نعم النساء كنّ الهندات. ومن لوازم ذلك أيضا أن يقال إذا دخلت ظننت على نعم: نعم الرجل ظننته زيدا وأن يقال إذا دخلت وجد على نعم الرجلان أنتما: نعم الرجلان وجدا إياكما، لكن العرب لم تقل إلا نعم الرجال كان الزيدون، ونعم النساء كانت الهندات، ونعم الرجلُ ظن زيد ونعم الرجلان وجدتما كما قال زهير:

стр. 833

يَمينًا لنعم السيّدانِ وُجِدْتما ... على كل حالٍ من سَحيلٍ ومُبْرَمِ فعُلم بهذا أن المخصوص لم يكن قبله ضمير فيكون هو خبره، بل كان المخصوص مبتدأ مخبرا عنه بجملة المدح أو الذم، ومن لوازم كون المخصوص خبرا جواز دخول إنّ لأن الخبر عنه عند من يرى صحة ذلك جملة خبرية أجيب بها سؤال مقدر، وتوكيد ما هو كذلك بإن جائز. والجواز هنا منتف مع أنه من لوازم الخبرية. فالخبرية إذن منتفية، لأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم. وأما على القول بكون المخصوص مبتدأ مقدم الخبر فيلزم منه موافقة الرافع، وهو امتناع دخول إن إلّا مع تقدّم المخصوص كقولك في زيد نعم الفتى: إنّ زيدا نعم الفتى. وأجاز ابن عصفور أن يجعل المخصوص مبتدأ محذوف الخبر. وهذا أيضا غير صحيح، لأن هذا الحذف ملتزم، ولم نجد خبرا يلتزم حذفه إلا ومحله مشغول بشيء يسد مسده، كخبر المبتدأ بعد لولا وهذا بخلاف ذلك، فلا يصح ما ذهب إليه ابن عصفور. والحاصل أن المخصوص بالمدح والذم لا يجب أن يصرح بذكره، ولا أن يؤخر إذا ذكر، بل الواجب أن يكون معلوما، فإن ذكر وأخر فهو مبتدأ كما مضى، وإما مرفوع بكان أو وجد أو إحدى أخواتها، وإما أول مفعولي ظن أو إحدى أخواتها، والجملة قبل الفعل في موضع نصب به خبرا أو مفعولا ثانيا. وإن ذكر وقدّم والجملة واحدة فهو مبتدأ [أو اسم كان أو إنّ] أو أول مفعولي ظن أو إحدى أخواتهنّ. فمن ذلك قول الشاعر: إذا أرْسَلُوني عند تَعْذير حاجة ... أمارِسُ فيها كنتُ نِعْمَ المُمارِسُ ومثله: لَعَمْري لئنْ أُتْرفْتُم أو صُحِرتُم ... لبئسَ الندامى كنتمْ آل أبْجَرا

стр. 834

ومن ذلك قول زهير: يمينًا لنِعم السّيدان وُجدتما ... على كل حال من سَحيل ومُبْرَم ومن ذلك قول الآخر: إن ابنَ عبدِ الله نعـ ... ـم أخو الندى وابنُ العشيره ومثله: إني إذا أُغلِقَ باب الصَّيْدانِ ... نعم شَفيعُ الزائرِ المستأذِن وإن ذكر وقدّم والكلام جملتان قدّر المخصوص مبتدأ مؤخرا كقول الله تعالى (ولقد نادانا نوحٌ فلنِعْمَ المجيبون) وكقوله تعالى (والأرضَ فَرشْناها فنِعم الماهِدون) ومنه قول الشاعر: إنّي اعتَمَدْتُك ياَيز ... يدُ فنعم مُعتَمدُ الوسائلْ أراد فنعم معتمد الوسائل أنت. ومن حق المخصوص بالمدح والذم أن يكون معرفة أو مقاربا لها بالتخصيص نحو نعم الفتى رجل من بني فلان، ونعم العمل طاعة وقول معروف. ومن حقه أيضا أن يصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفا بالممدوح بعد نعم كقوله في نعم الرجل زيد: الرجل الممدوح زيد، وبالمذموم بعد بئس كقولك في بئس الولد العاق أباه: الولد المذموم العاق أباه. فإن ورد ما لا يصلح جعل آخره خبرا عن الفاعل تؤوّل وقدّر بما يردّه إلى ما

стр. 835

حقه أن يكون عليه، فمن ذلك قوله تعالى (بئس مثلُ القومِ الذين كَذَّبوا بآياتِ الله)، فلو حذفت بئس وأخبرت بالذين عن مثل القوم لم يجز، فوجب لذلك التأويل، إما يجعل الذين في موضع جر نعتا للقوم وجعل المخصوص محذوفا، وإما بجعل الذين هو المخصوص على تقدير بئس مثل الذين ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الرفع بالابتداء، كما ينبغي للمخصوص الجائي على الأصل. فإلى هذا وشبهه أشرت بقولي "فإن باينه أوّل". ثم قلت: "وقد يحذف" فنبهت على أن مخصوص نعم وبئس قد يحذف وتقام صفته مقامه، وأن ذلك قد يكون والصفة اسم كقولك: نعم الصديق حليم كريم، وبئس الصاحب عذول خُذول، ويكثر ذلك إذا كانت الصفة فعلا والفاعل ما كقوله تعالى (بئسَ ما يأمُركم به إيمانُكم) وكقوله تعالى (ولبئس ما شَرَوا به أنفسَهم) ويقل إذا لم يكن الفاعل "ما" كقولك نعم الصاحب تستعين به فيعينك، والتقدير نعم الصاحب صاحب تستعين به فيعينك. ومنه قول الشاعر: لبئس المرءُ قد مُلِئ ارْتياعا ... ويأبى أن يُراعى مَن يُراعى وجاز هذا في مثل هذا المبتدأ كما جاز في غيره من المبتدآت كقول الشاعر: وما الدهرُ إلّا ترتانِ فمنهما ... أموتُ وأخرى أبتغي العيشَ أكدحُ وكما جاز في المضاف إليه كقول الشاعر: لكم مسْجِدا اللهِ المَزوران والحصا ... لكم قِبْصُه من بين أثرى وأقْترا والتقدير: لبئس المرء رجل قد ملئ ارتياعا، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وكذا فعل في البيت الثاني والثالث. والأصل فمنهما تارة أموت فيها، ومِن

стр. 836

بين مَن أثرى ومَن أقتر، فحذفت مَن وهي نكرة موصوفة مضافة إليها وأقيمت الصفة مقامها. وقد يحذف الموصوف وصفته فيبقى ما يتعلق بهما كقوله: بئس مقامُ الشيخِ أمرِسْ أمرِسِ ... إمّا على قَعْوٍ وإمّا اقْعَنْسَسِ أراد بئس مقام الشيخ مقام مقول فيه "أمرس أمرس". وإن كان الفاعل مذكر اللفظ والمخصوص مؤنث جاز أن يقال نعمت وبئست مع كون الفاعل عاريا من التأنيث، لأنهما في المعنى شيء واحد، إلا أن ترْك التاء أجود كقوله تعالى: (نعم الثوابُ) ولو قيل نعمت الثواب الجنة [كان] جيدا كقول الشاعر: نعمتْ جزاءُ المتّقينَ الجنَّة ... دارُ الأماني والمُنى والمنَّة ومثله: أو حرةٌ عيْطلٌ ثبْجاءٌ مُجْفرةٌ ... دعائم الزّور نعمتْ زورقُ البَلَد ومثله: نعمتْ كساء الضجيع سهلة فضلة ... غرّاءُ بهكنةٌ شنباءُ عُطبُولُ ص: "وتلحق ساء يئس، وبها وبنعم فَعُل موضوعا أو محوّلا من فعَل أو فعِل مضمنا تعجبا. ويكثر انجرار فاعله بالباء، واستغناؤه عن الألف [واللام]، وإضماره على وفق ما قبله". ش: يقال ساء الرجل أبو لهب، وساءت المرأة حمّالة الحطب، وساء رجلا هو وساءت امرأة هي، بإجراء "ساء" مجرى بئس في كل ما ذكر، ولذلك استغنى

стр. 837

بساء عن بئس في قوله تعالى (ساء مثلا القومُ) وببئس عن ساء في قوله تعالى (بئس مثلُ القوم) وقد جمعا في قوله تعالى: (بئس الشرابُ وساءت مُرتفقا). وأجرى باطراد مجرى نعم وبئس ما كان على فعُل مضمنا تعجّبا نحو حسُن الخلق حلم الحلماء، وعظم الكرم تقوى الأتقياء، وقبُح العمل عناء المبطلين، وشنُعت الوجوه وجوه الكافرين. ومنه (كبُرتْ كلمةً تخرجُ من أفواههم) وقرئ بسكون الباء. فهذه من أمثلة فَعُل الموضوع. وأما أمثلة المحوّل من فَعَل وفَعِل فمنهما قولَ العرب لقَضُو الرجل فلان، وعلُم الرجل فلان، بمعنى نعم القاضي هو، ونعم العالم هو، وفيه معنى ما أقضاه وما أعلمه. ولا يقتصر في هذا النوع على المسموع كما لم يقتصر في التعجب، ومن كثرة مجيئه مستغنيا عن الألف واللام ومضمرا مطابقا لما قبله. فإذا قيل حسُن بزيد رجلا نزّل منزلة أحسن بزيد رجلا، وإذا قيل "حَسُن أولئك رفيقا" نزّل منزلة ما أحسنَ أولئك رفيقا. وإذا قيل الزيدون كرُمُوا رجالا نزّل منزلة الزيدون ما أكرمَهم رجالا، فهذا سبب استحسان مع فعُل المذكور مما لم يستحسن مع نعم وبئس. ويحتمل قوله تعالى (كبُرت كلمةً) أن يكون مثل نعمت امرأة هند، على تقدير كبرت الكلمة كلمة، وهو قول ابن برهان، وأن يكون فاعل كبرت ضميرا يرجع إلى (اتخذ الله ولدا) وهو قول الزمخشري في الكشاف.

стр. 838

باب حبّذا ص: أصل حب من حبذا حَبُب أي صار حبيبا، فأدغم كغيره وألزم منع التصرف وإيلاء "ذا" فاعلا في إفراد وتذكير وغيرهما. وليس هذا التركيب مزيلا فعلية حبّ فيكون مع "ذا" مبتدأ، خلافا للمبرد وابن السراج ومن وافقهما، ولا اسمية ذا فيكون مع حب فعلا فاعله المخصوص خلافا لقوم. وتدخل عليها "لا" فتحصل موافقة بئس معنى. ويذكر بعدها المخصوص بمعناها مبتدأ مخبرا عنه بهما، أو خبر مبتدأ لا يظهر ولا تعمل فيه النواسخ، ولا يقدم وقد يكون قبله أو بعده تمييز مطابق أو حال عامله حبّ. وربما استغنى به أو بدليل آخر عن المخصوص. وقد تفرد حب فيجوز نقل ضمة عينها إلى فائها، وكذا كل فعل حلقي العين مرادا به مدح أو تعجب. وقد يجر فاعل حبّ بباء زائدة تشبيها بفاعل أفعل تعجبا. ش: الصحيح أن حبذا فعل وفاعل، ولكنه جرى مجرى المثل فاستغنى فيه بذاعن ذي في قول الراجز: يا حبَّذا القَمْراءُ والليلُ الساجْ ... وطُرُقٌ مثلُ مُلاءِ النسّاجْ وعن ذين في قول الشاعر: حبذا أنتما خَلِيليّ إنْ لم ... تَعذِلاني في دَمْعِيَ المُهْراق وعن أولئك في قول الآخر: ألا حبّذا أهلُ المَلا غير أنّه ... إذا ذُكِرتْ "ميٌّ" فلا حبّذا هيا

стр. 839

وأصل حبَّ حَبُبَ وهو وزن يندر في المضاعف لاستثقال ضمة لعين تماثلها اللام، لكن سهّله هنا عدم ظهور الضمة للزوم الإدغام وعدم التصرف، بخلاف لبَّ الرجل فإنه يقال فيه لببت ولم تلبب فثقل وقلّت نظائره. ودلنا على أن "حبّ" في الأصل حَبُب قولهم فيه إذا جُرّد حُبَّ إن قصد نقل حركة العين إلى الفاء، وإن لم يقصد ذلك قيل حَبّ بالفتح، ويروى بالوجهين قول الشاعر: فقلتُ اقْتلوها عنكم بمزاجها ... وحُبَّ بها مقْتولةً حين تُقتلُ ولا يجوز مع ذكر "ذا" إلا الفتح. والذي اخترته من كون حبّ باقيا على فعليته وكون ذا باقيا على فاعليته هو مذهب اختيار أبي علي. ذكر أبو علي كون حبذا فعلا وفاعلا في البغداديات الفارسي وابن برهان وابن خروف، وهو ظاهر قول سيبويه وزعم قوم منهم ابن هشام اللخمي أن مذهب سيبويه جعل حبذا مبتدأ مخبرا عنه بما بعده. قال ابن خروف: حب فعل وذا فاعله وزيد مبتدأ وخبره حبذا، هذا قول سيبويه، وأخطأ من زعم غير ذلك. قلت: صرح المبرد في المقتضب وابن السراج في الأصول بأن حب وذا جعلا اسما مرفوعا بالابتداء ولا يصح ما ذهبا إليه من ذلك، لأنهما مقرّان بفعلية حبّ وفاعلية "ذا" قبل التركيب وأنهما بعد التركيب لم يتغيرا معنى ولا لفظا،

стр. 840

فوجب بقاؤهما على ما كانا عليه، كما وجب بقاء حرفية "لا" واسمية ما ركب معها في نحو لا غلام لك، مع أن التركيب قد أحدث في اسم لا لفظا ومعنى ما لم يكن، فبقاء جزءي حبذا على ما كانا عليه أولى، لأن التركيب لم يغيرهما لفظا ولا معنى، وأيضا لو كان حبذا مركبا مخرجا لها من نوع إلى نوع لكان لازما كلزوم تركيب "إذما". ومعلوم أن تركيب حبذا لا يلزم، لجواز الاقتصار على حب عند العطف كقول بعض الأنصار ﵃: فحبَّذا ربًّا وحَبَّ دينا أي وحبذا ذينا، وفحذف "ذا" ولم يتغير المعنى، ولا يفعل ذلك بإذما وغيرها من المركبات تركيبا مخرجا من نوع إلى نوع، فعلم بذلك أن تركيب حبذا ليس مخرجا من نوع إلى نوع، وأيضا لو كان حبذا مبتدأ لدخلت عليه نواسخ الابتداء، كما تدخل على غيره من المبتدآت، فكان يقال إن حبذا زيد وكان حبذا زيدا. وفي منع ذلك دلالة على أن حبذا ليس مبتدأ، وأيضا لو كان للزم إذا دخلت عليه "لا" أن يعطف عليه منفي بلا أخرى، فكان يمتنع أن يقال لا حبذا زيد حتى يقال ولا مرضيّ فعله ونحو ذلك، كما كان يفعل مع المبتدأ الذي حبذا مؤدّ معناه. واختار ابن عصفور اسمية حبذا مستدلا بأن العرب قد أكثرت من دخول "يا" عليها دون استيحاش. وزعم أن فعل ذلك مع غيرها مما فعليته محققة مستوحش منه كقولك: ألا يا اسْقِياني قبلَ غارةِ سنْجال وعكس ما ادعاه أولى بالصحة، لأن دخول "يا" على فعل الأمر أكثر من دخولها على حبذا. فمن ذلك قراءة الكسائي "ألا يا اسجدوا" وقال العلماء تقديره:

стр. 841

ألا يا هؤلاء اسجدوا، فكذلك يكون التقدير في يا حبذا يا قوم حبذا، ونحو ذلك. فإن حذف المنادى وإبقاء حرف النداء يجوز بإجماع، ومنه قول الشاعر: يالَعْنةُ اللهِ والأقوامِ كلّهم ... والصالحين على سِمْعانِ مِن جار وليس بشيء من قال في قراءة الكسائي إن معناه ألا ليسجدوا، فحذف لام الأمر وبقي الفعل مجزوما، لأ، هـ قد روى عن الكسائي أن القارئ بروايته إذا اضطر للوقف على الياء يقف بالألف ويبدأ بعدها: اسجدوا بضم الهمزة، فعلم بذلك أنه فعل أمر قبله يا. وقد جعل بعض العلماء "يا" في مثل هذا لمجرد التنبيه دون قصد نداء مثل ها ومثل ألا الاستفتاحية. وهذا هو الظاهر من كلام سيبويه في باب عدة ما يكون عليه الكلم. ويؤيد هذا كثرة دخولها على ليت في كلام من لا يحضره منادى، ولا يقصد نداء، كقوله تعالى (يا ليتني كنت معهم) وكثرة معاقبتها لألا الاستفتاحية مثل ليت ورُبّ كقول الشاعر: ألا ليتَ شِعْري هل أبيتَنَّ ليلةً ... بوادٍ وحولي إذْخِرٌ وجليلُ وكقول الآخر:

стр. 842

يا ليت شعري هل يُقْضى انقضاء نوًى ... فيجمعُ اللهُ بين الرُّوح والجَسَدِ وكقول امرئ القيس: ألا رُبَّ يومٍ لك منهنّ صالحٍ ... ولا سيّما يومٌ بدارة جُلْجل وكقوله: فيا رُبّ مكروب كرَرْتُ وراءَه ... وطاعَنْتُ عنه الخيلَ حتّى تَنَفَّسا وذهب قوم إلى أن حب إذا ضم إليها ذا نزل منها منزلة حرف زائد في الفعل وصار المجموع فعلا مفتقرا إلى فاعل، فجعل المخصوص فاعلا. فإذا قيل حبذا زيد فحبذا بمجموعه فعل وفاعله زيد، وهو قول في غاية من الضعف، لأنه مؤسس على دعوى مجردة عن الدليل، مع ما فيه من تغليب أضعف الجزءين على أقواهما، ومن ادعاء تركيب فعل من فعل واسم، ولا نظير لذلك، بل المعروف تركيب اسم من فعل واسم كبرق نحره، وتأبط شرا. والصحيح أن حب فعل يقصد به المحبة والمدح وجعل فاعله ذا، ليدل بذلك على الحضور في القلب، ولم يغيرا لجريانهما مجرى الأمثال. فإن قصد بهما بغض وذم قيل لا حبذا، كما قال الشاعر: ألا حبَّذا عاذري في الهوى ... ولا حبَّذا الجاهِل العاذِلُ وقال الآخر: لا حبَّذا أنتِ يا صنعاءُ من بلدٍ ... ولا شعوبُ هوًى منّي ولا نُقُم وإلى هذا أشرت بقولي: "وتدخل عليهما لا فتحصل موافقة بئس معنى".

стр. 843

ثم قلت: "ويذكر بعدهما المخصوص بمعناهما مبتدأ مخبرا عنه بهما أو خبر مبتدأ لا يظهر" فأشرت بذلك إلى أنك إذا قلت حبذا زيد ونحو ذلك، فإن الواقع بعد حبذا يسمى المخصوص، وأنه مرفوع بالابتداء وخبره حبذا، وذا هو صاحب الخبر في المعنى فأغنى عن العائذ إغناءه عن ذلك في قوله تعالى: (ولباسُ التقوى ذلك خيرٌ) ويجوز كون المخصوص خبر مبتدأ مضمر كأنه قيل لمن قال حبذا مَن المحبوب؟ فقال زيد، يريد: هو زيد، والحكم عليه بالخبرية هنا أسهل منه في باب نعم، لأن مطعنه هناك نشأ من دخول نواسخ الابتداء وهي هنا لا تدخل لأن حبذا جار مجرى المثل، والمثل وما جرى مجراه لا يغيران. فهذا المعنى أيضا منع من تقديم المخصوص فلا يقال زيد حبذا. وقد أغفل أكثر النحويين التنبيه على امتناع تقديم المخصوص في هذا الباب، وعلى امتناع نسخ ابتدائيته وهو من المهمات. وتنبه ابن بابشاذ إلى التنبيه على امتناع التقديم، ولكن جعل سبب ذلك خوف توهم كون المراد من: زيد حبذا: زيد أحب هذا، وتوهم بعيد، فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله. بل المنع من أجل إجراء حبذا مجرى المثل، وما كان كذلك فلا يغير بتقديم بعضه على بعض ولا بغير ذلك. وقد يكون قبل مخصوص حبذا أو بعده تمييز مطابق أو حال، فأما التمييز فكثير ومتفق على استعماله مطابقا للمخصوص فيما له من إفراد وتذكيرو وفروعهما، كقولك: حبذا رجلا الحارث، وحبذا غلامين ابناك وحبذا رجالا الزيدون، وحبذا امرأة هند وحبذا جاريتين ابنتاها، وحبذا نسوة الفواطم. فهذه أمثلة تقديم التمييز على المخصوص. فإذا قدم عليه المخصوص وأخر هو في كل واحد من هذه الأمثلة فهو سهل يسير واستعماله كثير، إلا أن الأول الأولى والأكثر. فمن تقديم التمييز على المخصوص قول الشاعر:

стр. 844

ألا حبّذا قومًا سُلَيْمٌ فإنّهم ... وَفَوا إذْ تواصوا بالإعانة والنَّصْر ومن تأخير التمييز على المخصوص قول رجل من طيء: حبّذا الصبرُ شيمةً لامرئ را ... مَ مُباراة مُولَع بالمعالي وقد يقع موقع هذا التمييز حال، كقولك حبذا زيد مقصودا وقاصدا، ولا حبذا عمرو صادرا ولا واردا. ومنه قول الشاعر: يا حبَّذا المالُ مَبذولا بلا سَرَف ... في أوْجُهِ البرّ إسْرارًا وإعْلانا والتزم بعض المتأخرين كون المنصوب بعد "ذا" تمييزا، وليس ذلك ملتزما، لأن الحال قد أغنت عنه في النظم والنثر، وقد تقدم ذكر ذلك. وقد يستغنى هنا عن المخصوص لظهور معناه، فمن الاستغناء عنه قول بعض الأنصار ﵃: باسمِ الإلهِ وبه بَدينا ... ولو عَبدْنا غيرَه شَقينا ... فحبّذا ربّا وحَبّ دِينا فاستغنى عنه هنا بذكر التمييز. وقد يستغنى عنه دون تمييز كقول الشاعر: ألا حَبَّذا لولا الحياءُ ورُبَّما ... منحتُ الهوى ما ليس بالمتقاربِ وقد تفرد حب فيجوز حينئذ أن تفتح حاؤها استصحابا لحالها، وأن تجعل عليها الضمة التي كانت للعين فيقال حبّ زيد وحُبَّ زيد. وهذا النقل جائز في كل فعل على فَعُل مقصود به التعجب كقول الشاعر: حُسْن فِعْلا لقاءُ ذي الثروة المُمَـ ... ـلَّق بالبشر والعطاء الجَزيل

стр. 845

وقد يجر فاعل حب بباء زائدة تشبيها بفاعل أفعل التعجب. ومنه قول الشاعر: فقلتُ اقْتُلوها عنكم بمزاجها ... وحُبَّ بها مَقْتولة حين تُقْتل يروى بضم الحاء وفتحها. وحكى الكسائي مررت بأبيات جاد بهنّ أبياتا [وجُدْن أبياتا] بحذف الباء وجاء بضمير الرفع. وهذا الاستعمال جار في كل فعل ثلاثي تضمن معنى التعجب.
следующие страницы →