← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13257

شرح التسهيل لابن مالك

ابن مالك

Полный текст (1 399 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ألا يا هؤلاء اسجدوا، فكذلك يكون التقدير في يا حبذا يا قوم حبذا، ونحو ذلك. فإن حذف المنادى وإبقاء حرف النداء يجوز بإجماع، ومنه قول الشاعر: يالَعْنةُ اللهِ والأقوامِ كلّهم ... والصالحين على سِمْعانِ مِن جار وليس بشيء من قال في قراءة الكسائي إن معناه ألا ليسجدوا، فحذف لام الأمر وبقي الفعل مجزوما، لأ، هـ قد روى عن الكسائي أن القارئ بروايته إذا اضطر للوقف على الياء يقف بالألف ويبدأ بعدها: اسجدوا بضم الهمزة، فعلم بذلك أنه فعل أمر قبله يا. وقد جعل بعض العلماء "يا" في مثل هذا لمجرد التنبيه دون قصد نداء مثل ها ومثل ألا الاستفتاحية. وهذا هو الظاهر من كلام سيبويه في باب عدة ما يكون عليه الكلم. ويؤيد هذا كثرة دخولها على ليت في كلام من لا يحضره منادى، ولا يقصد نداء، كقوله تعالى (يا ليتني كنت معهم) وكثرة معاقبتها لألا الاستفتاحية مثل ليت ورُبّ كقول الشاعر: ألا ليتَ شِعْري هل أبيتَنَّ ليلةً ... بوادٍ وحولي إذْخِرٌ وجليلُ وكقول الآخر:

стр. 842

يا ليت شعري هل يُقْضى انقضاء نوًى ... فيجمعُ اللهُ بين الرُّوح والجَسَدِ وكقول امرئ القيس: ألا رُبَّ يومٍ لك منهنّ صالحٍ ... ولا سيّما يومٌ بدارة جُلْجل وكقوله: فيا رُبّ مكروب كرَرْتُ وراءَه ... وطاعَنْتُ عنه الخيلَ حتّى تَنَفَّسا وذهب قوم إلى أن حب إذا ضم إليها ذا نزل منها منزلة حرف زائد في الفعل وصار المجموع فعلا مفتقرا إلى فاعل، فجعل المخصوص فاعلا. فإذا قيل حبذا زيد فحبذا بمجموعه فعل وفاعله زيد، وهو قول في غاية من الضعف، لأنه مؤسس على دعوى مجردة عن الدليل، مع ما فيه من تغليب أضعف الجزءين على أقواهما، ومن ادعاء تركيب فعل من فعل واسم، ولا نظير لذلك، بل المعروف تركيب اسم من فعل واسم كبرق نحره، وتأبط شرا. والصحيح أن حب فعل يقصد به المحبة والمدح وجعل فاعله ذا، ليدل بذلك على الحضور في القلب، ولم يغيرا لجريانهما مجرى الأمثال. فإن قصد بهما بغض وذم قيل لا حبذا، كما قال الشاعر: ألا حبَّذا عاذري في الهوى ... ولا حبَّذا الجاهِل العاذِلُ وقال الآخر: لا حبَّذا أنتِ يا صنعاءُ من بلدٍ ... ولا شعوبُ هوًى منّي ولا نُقُم وإلى هذا أشرت بقولي: "وتدخل عليهما لا فتحصل موافقة بئس معنى".

стр. 843

ثم قلت: "ويذكر بعدهما المخصوص بمعناهما مبتدأ مخبرا عنه بهما أو خبر مبتدأ لا يظهر" فأشرت بذلك إلى أنك إذا قلت حبذا زيد ونحو ذلك، فإن الواقع بعد حبذا يسمى المخصوص، وأنه مرفوع بالابتداء وخبره حبذا، وذا هو صاحب الخبر في المعنى فأغنى عن العائذ إغناءه عن ذلك في قوله تعالى: (ولباسُ التقوى ذلك خيرٌ) ويجوز كون المخصوص خبر مبتدأ مضمر كأنه قيل لمن قال حبذا مَن المحبوب؟ فقال زيد، يريد: هو زيد، والحكم عليه بالخبرية هنا أسهل منه في باب نعم، لأن مطعنه هناك نشأ من دخول نواسخ الابتداء وهي هنا لا تدخل لأن حبذا جار مجرى المثل، والمثل وما جرى مجراه لا يغيران. فهذا المعنى أيضا منع من تقديم المخصوص فلا يقال زيد حبذا. وقد أغفل أكثر النحويين التنبيه على امتناع تقديم المخصوص في هذا الباب، وعلى امتناع نسخ ابتدائيته وهو من المهمات. وتنبه ابن بابشاذ إلى التنبيه على امتناع التقديم، ولكن جعل سبب ذلك خوف توهم كون المراد من: زيد حبذا: زيد أحب هذا، وتوهم بعيد، فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله. بل المنع من أجل إجراء حبذا مجرى المثل، وما كان كذلك فلا يغير بتقديم بعضه على بعض ولا بغير ذلك. وقد يكون قبل مخصوص حبذا أو بعده تمييز مطابق أو حال، فأما التمييز فكثير ومتفق على استعماله مطابقا للمخصوص فيما له من إفراد وتذكيرو وفروعهما، كقولك: حبذا رجلا الحارث، وحبذا غلامين ابناك وحبذا رجالا الزيدون، وحبذا امرأة هند وحبذا جاريتين ابنتاها، وحبذا نسوة الفواطم. فهذه أمثلة تقديم التمييز على المخصوص. فإذا قدم عليه المخصوص وأخر هو في كل واحد من هذه الأمثلة فهو سهل يسير واستعماله كثير، إلا أن الأول الأولى والأكثر. فمن تقديم التمييز على المخصوص قول الشاعر:

стр. 844

ألا حبّذا قومًا سُلَيْمٌ فإنّهم ... وَفَوا إذْ تواصوا بالإعانة والنَّصْر ومن تأخير التمييز على المخصوص قول رجل من طيء: حبّذا الصبرُ شيمةً لامرئ را ... مَ مُباراة مُولَع بالمعالي وقد يقع موقع هذا التمييز حال، كقولك حبذا زيد مقصودا وقاصدا، ولا حبذا عمرو صادرا ولا واردا. ومنه قول الشاعر: يا حبَّذا المالُ مَبذولا بلا سَرَف ... في أوْجُهِ البرّ إسْرارًا وإعْلانا والتزم بعض المتأخرين كون المنصوب بعد "ذا" تمييزا، وليس ذلك ملتزما، لأن الحال قد أغنت عنه في النظم والنثر، وقد تقدم ذكر ذلك. وقد يستغنى هنا عن المخصوص لظهور معناه، فمن الاستغناء عنه قول بعض الأنصار ﵃: باسمِ الإلهِ وبه بَدينا ... ولو عَبدْنا غيرَه شَقينا ... فحبّذا ربّا وحَبّ دِينا فاستغنى عنه هنا بذكر التمييز. وقد يستغنى عنه دون تمييز كقول الشاعر: ألا حَبَّذا لولا الحياءُ ورُبَّما ... منحتُ الهوى ما ليس بالمتقاربِ وقد تفرد حب فيجوز حينئذ أن تفتح حاؤها استصحابا لحالها، وأن تجعل عليها الضمة التي كانت للعين فيقال حبّ زيد وحُبَّ زيد. وهذا النقل جائز في كل فعل على فَعُل مقصود به التعجب كقول الشاعر: حُسْن فِعْلا لقاءُ ذي الثروة المُمَـ ... ـلَّق بالبشر والعطاء الجَزيل

стр. 845

وقد يجر فاعل حب بباء زائدة تشبيها بفاعل أفعل التعجب. ومنه قول الشاعر: فقلتُ اقْتُلوها عنكم بمزاجها ... وحُبَّ بها مَقْتولة حين تُقْتل يروى بضم الحاء وفتحها. وحكى الكسائي مررت بأبيات جاد بهنّ أبياتا [وجُدْن أبياتا] بحذف الباء وجاء بضمير الرفع. وهذا الاستعمال جار في كل فعل ثلاثي تضمن معنى التعجب.

стр. 846

باب التعجب ص: ينصب المتعجب منه مفعولا بموازن أفعل فعلا لا اسما، خلافا للكوفيين غير الكسائي، مخبرا به عن "ما" متقدمة بمعنى شيء، لا استفهامية خلافا لبعضهم، ولا موصوفة خلافا للأخفش في أحد قوليه وكأفْعؤل خبرا لا أمرا مجرورا بعده المتعجب منه بباء زائدة لازمة. وقد تفارقه إنْ كان أنْ وصلتها وموضعه رفع بالفاعلية لا نصب المفعولية خلافا للفراء والزمخشري وابن خروف. واستفيد الخبر من الأمر هنا وفي جواب الشرط، كما استفيد الأمر من مثبت الخبر والنهي من منفيه. وربما استفيد الأمر من الاستفهام ولا يتعجب إلا من مختص، وإذا علم جاز حذفه مطلقا، وربما أكد أفعل بالنون، ولا يؤكد مصدر فعل تعجب ولا أفعل تفضيل. ش: للتعجب ألفاظ كثيرة لا يتعرض لها النحويون في باب التعجب كقول العرب: لله أنت، وواها له، وكقول النبي ﷺ لأبي هريرة ﵁: "سبحان الله إن المؤمن لا ينجس"، ومن ألفاظه فَعُل المتقدم ذكره في باب نعم نحو: قَضُو الرجلُ زيد، ومنها المذكور في باب الاستغاثة نحو ياللماء، ومنها ما يذكر في باب القسم من نحو لله لا يؤخر الأجل. وإنما يبوب في النحو من ألفاظه لأفْعَلَ وأفِعِل، وهما فعلان غير متصرفين ولا خلاف في فعلية أفعِلْ، لأنه على وزن مختص بالأفعال، ولأنه قد يؤكد بالنون كقول الشاعر: ومُسْتبدل من بَعْد غَضْيَى صُرَيْمة ... فأحْرِ به من طول فقرٍ وأحْرِيا

стр. 847

أراد أحرِيَنْ فأبدل النون للوقف. وأما أفعلَ فمختلف في فعليته عند الكوفيين، متفق على فعليته عند البصريين، وهو الصحيح، للزوم اتصال نون الوقاية عاملا في ياء المتكلم نحو ما أفقرني إلى عفو الله، ولا يكون كذلك إلا فعل. ولا يرد على هذا عليكني ولا رويدني، فإنه قد يقال فيهما عليك بي ورويدلي فيستغنى فيهما عن نون الوقاية بالباء واللام بخلاف ما أفقرني ونحوه فإن النون فيه لازمة غير مستغنى عنها بغيرها. والمتعجب منه منصوب بأفعَلَ على المفعولية إن وقع بعده نحو: ما أثبت الحقَّ وما أدحض الباطل، ومجرور بباء لازمة إن وقع بعد أفْعِل نحو أكِرِم بزيد. وما الواقعة قبل أفعلَ اسم مبتدأ بلا خلاف، لأن أفعل ثابت الفعلية ولا بد له من فاعل، وليس ظاهرا فيتعين كونه ضميرا ولا مذكور يرجع إليه غير "ما" فتعين كونها اسما. وبعد ثبوت اسميتها فهي إما بمعنى شيء، وإما بمعنى الذي وإما استفهامية والقول الأول قول البصريين، وهو الصحيح، لأن قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي، وسبب الاختصاص بها خفي، فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتتح بنكرة غير مختصة ليحصل بذلك إبهام متلوّ بإفهام. ولا ريب أن الإفهام حاصل بإيقاع أفعل على المتعجب منه إذ لا يكون إلا مختصا، فيتعين كون الثاني مقتضيا للإبهام وهو "ما" فلذلك اختير القول بتنكيرها، ولا يمتنع الابتداء بها وإن كانت نكرة غير مختصة، كما لم يمنع الابتداء بمَن وما الشرطيتين والاستفهاميتين. ووافق أبو الحسن الأخفش على صحة جعل ما التعجبية نكرة، وأجاز كونها موصولة بفعل التعجب مخبرا عنهما بخبر لازم الحذف، فيتحصل أيضا بقوله هذا إفهام وإبهام، فحصول الإفهام بذكر المبتدأ وصلته وحصول الإبهام بالتزام حذف الخبر، إلا أن هذا القول يستلزم مخالفة النظائر من وجهين: أحدهما تقدم الإفهام وتأخير الإبهام، والمعتاد فيما تضمن من الكلام إفهاما وإبهاما تقديم ما به الإبهام وتأخير ما به الإفهام، كما فعل بضمير الشأن ومفسره، وبضميري نعم ورُبّ، بالعموم والتخصيص وبالمميز والتمييز وأشباه ذلك. الثاني كون الخبر ملتزم الحذف دون شيء يسد مسدّه، والمعتاد في الخبر الملتزم الحذف أن يسدّ مسدّه شيء يحصل به استطالة كما فعل بعد لولا وفي عمرك لأفعلنّ، فالحكم بموصولية "ما" وكون الخبر

стр. 848

محذوفا دون استطالة حكم بما لا نظير له، فلم يعوّل عليه ولا أجيب الداعي إليه. وأيضا يقال لمَن ذهب هذا المذهب أخبرني عن الخبر الذي ادّعيت حذفه أمعلوم هو أم مجهول؟. فإن قال هو معلوم فقد أبطل الإبهام المقصودُ، وإن قال هو مجهول لزمه حذف مالا يصح حذفه، فإن شرط صحة حذف الخبر ألا يكون مجهولا، وهذا كاف في بيان ضعف القول بأن "ما" التعجبية موصولة بفعل التعجب. وأما كونها استفهامية وهو قول الكوفيين فليس بصحيح، لأن قائل ذلك إمّا أن يدّعي تجرّدها للاستفهام وإمّا أن يدّعي كونها للاستفهام والتعجب معا، كما هي في قوله تعالى: (فأصْحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة) فالأول باطل بإجماع، لأن اللفظ المجرد للاستفهام لا يتوجه ممن يعلم إلى من لا يعلم، وما أفعله صالح لذلك فلم يكن لمجرد الاستفهام. والثاني أيضا باطل، لأن الاستفهام المشوب بتعجب لا يليه غالبا إلا الأسماء نحو (وأصحابُ اليمين ما أصحاب اليمين)، (وأصحابُ الشمال ما أصحابُ الشمال) و (الحاقَّةُ * ما الحاقَّةُ) و (القارعةُ * ما القارعةُ) ونحو قول الشاعر: يا سَيِّدًا ما أنت مِن سيِّد ... موطّأِ الأكنافِ رَحْبِ الذِّراع ومثله: يا جارتا ما أنت جاره و"ما" المشار إليها مخصوصة بالأفعال، فعلم أنها غير المتضمنة استفهاما، وأيضا لو كان فيها معنى الاستفهام لجاز أن تخلفها "أيّ في نحو: ما أنت من

стр. 849

سيّد، لأن استعمال أيّ في الاستفهام المتضمن تعجبا كثير كقوله: أيُّ فتى هَيْجاءَ أنتَ وجارِها وأيضا فإن قصد التعجب بما أفعله مجمع عليه، وكونه مشوبا بالاستفهام، أو ملموحا فيه الاستفهام زيادة لا دليل عليها، فلا يلتفت إليها. وفي أفْعِل المتعجب به مع الإجماع على فعليته قولان: أحدهما أنه في اللفظ أمر وفي المعنى خبر إنشائي مسند إلى المتعجب منه المجرور بالباء، والثاني أنه أمر باستدعاء التعجب من المخاطب مسندا إلى ضميره وهو قول الفراء، واستحسنه الزمخشري وابن خروف. والأول هو الصحيح لسلامته مما يرد على الثاني من إشكالات: أحدها أنه لو كان الناطق بأفِعلْ المذكور آمرا بالتعجب لم يكن متعجبا كما لا يكون الأمر بالحلف والتشبيه والنداء حالفا ولا مشبّها ولا مناديا، ولا خلاف في كون الناطق بأفْعِلْ المذكور متعجبا، وإنما الخلاف في انفراد التعجب ومجامعة الأمرية. الثاني أنه لو كان أمرا مع الإجماع على فعليته لزم إبراز ضميره في التأنيث والتثنية والجمع، كما يلزم مع كل فعل أمر، متصرفا كان أو غير متصرف، ولا يعتذر عن ذلك بأنه مثل أو جار مجرى المثل، لأن المثل يلزم لفظا واحدا دون تبديل ولا تغيير في نحو "أطِرّي فإنك ناعلة" و"خلالكِ الجوُّ فبيضي واصفري"، والجاري مجرى المثل يلزم لفظا واحدًا مع اعتبار بعض التغيير نحو حبذا، ولله درك، فألزم لفظ حبذا ولله درك. وأجيز أن تختم الجملتان بما كان للناطق بهما غرض في الختم به، وأفعِل المذكور لا يلزم لفظا واحدا أصلا، فليس مثلا ولا جاريا مجرى المثل. فلو كان فعل أمر مسندا إلى ضمير

стр. 850

المخاطب لبرز ضميره في التأنيث والتثنية والجمع، كما يلزم مع غيره من أفعال الأمر العارية من المثلية. وقيدت أفعال الأمر بالعارية من المثلية احترازا من نحو "خُذ ما صفا ودَعْ ما كَدر" و"زر غِبّا تزدد حُبّا". على أن قولهم "اذهب بذي تسلم" أشبه بالأمثال وأحق بأن يجرى مجراها، ولم يمنع ذلك من بروز فاعل الفعلين في التثنية والجمع والتأنيث. فلو كان أفعِلْ المذكور فعل أمر جاريا مجرى المثل لعومل معاملة "اذهب بذي تسلم". الثالث من الإشكالات أن أفعِلْ المذكور لو كان أمرا مسندا إلى المخاطب لم يجز أن يليه ضمير المخاطب نحو أحسن بك، لأن في ذلك إعمال فعل واحد في ضميرين فاعل ومفعول لمسمى واحد. الرابع من الإشكالات أن أفعِلْ المشار إليه لو كان بمعنى الأمر لا بمعنى أفعَلَ تالي "ما" لوجب له الإعلال إذ كانت عينه ياء أو واوا ما وجب لأبِن وأقم ونحوهما ولم يُقل أبين وأقوِمُ فيلزم مخالفة النظائر. فإذا جعل مخالفا لأبن وأقم ونحوهما في الأمرية موافقا لأبْيَن وأقْوَم من ما أبْيَنَه وما أقْوَمه في التعجب سلك سبيل الاستدلال وأمن الشذوذ في التصحيح والإعلال. وقد تبيّن بتقدير ما ذكرته فاعلية ضمير أفعِلْ به المجرور بالباء. وهو نظير المجرور بعد كفى في نحو (كفى بالله شهيدا) إلا أن بينهما فرقا من وجهين: أحدهما أن الباء في "كفى بالله شهيدا" ونحوه قد تحذف ويرتفع مصحوبها كقول الشاعر: عَمَيرة ودّعْ إنْ تَجهَّزتَ غاديا ... كفى الشيبُ والإسلامُ للمَرْء ناهيا والباء الجارة ما بعد أفعِلْ لا تحذف إلا إذا كان مصحوبها أنْ والفعل، كقوله:

стр. 851

وقال نبيُّ المسلمين تقدَّموا ... وأحْبِب إلينا أن تكونَ المُقدَّما ولو اضطر شاعر إلى حذف الباء المصاحبة غير "أنْ" بعد أفعِلْ لزمه أن يرفع، وعلى مذهب الفراء يلزمه النصب، ولا حجة له في قول الشاعر: ألا طرقتْ رحالَ القومِ ليلى ... فأبْعدْ دارَ مرتحلٍ مَزارا لإمكان جعل أبعِدْ دعاء على معنى أبعد الله دار مرتحل عن مزار محبوبه، كأنه يحرض نفسه على الإقامة في منزل طروق ليلى، لأنه صار بطروقها مزارا، ولا حجة له في قول الشاعر: وأجْدرْ مثل ذلك أن يكونا لاحتمال أن يكون أجدرْ فعل أمر عاريا من تعجب بمعنى اجعل مثل ذلك جديرا بأن يكون، أي حقيقا بالكون، يقال جدُر بكذا جَدارة، أي صار به جديرا وأجدرته أي جعلته جديرا أي حقيقا. ويحتمل أن يكون أجدر فعل تعجب مسندا إلى مثل ذلك ثم حذفت الباء اضطرارا واستحق مصحوبها الرفع بحق الفاعلية، لكنه بُني لإضافته إلى مبنى، كما بُني في قوله تعالى: (إنّه لَحَقٌّ مِثلَ ما أنّكُم تنطِقُون) على قراءة غير أبي بكر وحمزة والكسائي. الثاني من وجهي الفرق أن كفى قد تسند إلى غير المجرور بالباء فيكون هو في موضع نصب ولا يفعل ذلك بأفْعِلْ أصلا. ومن المواضع التي أسند فيها كفى إلى غير المجرور بالباء قول الشاعر:

стр. 852

فكفى بنا فَضْلا على مَن غيرنا ... حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيّانا ونظير ما جاء في التعجب من لفظ الأمر مرادا به الخبر ما جاء من ذلك في جواب الشرط كقوله تعالى (قل مَن كان في الضَّلالة فلْيَمْدُدْ له الرحمن مَدّا) وقول النبي ﷺ : "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". وإلى هذا النوع أشرت بقولي "واستفيد الخبر من الأمر هنا وفي جواب الشرط" ثم قلت: "كما استفيد الأمر من مثبت الخبر والنهي من منفيه" فمثال الأول قوله تعالى (والمطلّقات يتربّصْن بأنفسهنّ ثلاثةَ قروء). ومثال الثاني قوله تعالى: (لا تُضارَّ والدةٌ بولدها) بضم الراء وهي قراءة ابن كثير. ثم قلت "وربما استفيد الأمر من الاستفهام" مشيرا إلى نحو قوله تعالى (وقل للذين أوتوا الكتاب والأمِّيِّين أأسْلَمْتم) وقوله تعالى (فهلْ أنتم مُنْتَهون). ثم قلت: "ولا يتعجب إلا من مختص" فنبهت بذلك على أن المتعجب منه مخبر عنه في المعنى فلا يكون إلا معرفة أو نكرة مختصة، فيقال: ما أحسنك وما أكرم زيدا، وما أسعد رجلا اتقى الله، ولا يقال ما أحسن غلاما، ولا ما أسعد رجلا من الناس، لأنه لا فائدة في ذلك.

стр. 853

ثم قلت: "وإذا عُلم جاز حذفه" أي إذا علم المتعجب والمقصود به جاز حذف معمول أفْعَل كان أو معمول أفْعِلْ فمثال حذف معمول أفْعَل قول الشاعر: جزى اللهُ عنّا بخْتريّا ورهْطَه ... بني عَبد عمرو ما أعَفَّ وأمْجَدا أراد ما أعفّهم وأمجدهم، فحذف لكون المراد معلوما. ومثال حذف معمول أفعِلْ قول الآخر: فذلك إنْ يلقَ المنيّة يَلْقَها ... حميدًا وإنْ يَسْتغن يوما فأجْدِر أي فأجْدِرْ به، فحذف للعلم به مع كونه فاعلا، لأن لزومه الجر كساه صورة الفضلة، ولأنه معمول أفعل في المعنى. وزعم قوم أنه ليس محذوفا، ولكن استتر في الفعل حين حذفت الباء (كاستتاره) من قولك زيد كفى به فارسا فتقول زيد كفى فارسا. وهذه الدعوى لا تصح، لأن صحتها تستلزم أن يبرز الضمير في التثنية والجمع، كما يبرز في كفى إذا قيل في الزيدان كفى بهما فارسين، والزيدون كفى بهم فرسانا: الزيدان كفيا فاسين، والزيدون كفوا فرسانا. ومعلوم أنه لا يبرز ضمير مع أفعل، كقوله تعالى (أسْمِعْ بهم وأبْصِرْ) فعلم بذلك عدم صحة الدعوى المذكورة. ومما يدل على عدم صحتها أن من الضمائر ما لا يقبل الاستتار كنا من نحو أكرم بنا وأحلمْ بنا فلو حذف الباء ولم يقصد حذف لقيل "أكرم بنا وأحلمنا" لأن "نا" لا تقبل الاستتار، والمقول إنما هو أكرم بنا وأحلمْ بنا ونحو ذلك كما قال الراجز: أعْزِزْ بنا وأكفِ إنْ دُعينا ... يومًا إلى نُصرة مَن يَلينا وقد يتوهم أن أفعِل أمر خوطب به المصدر على سبيل المجاز كأن من قال أحسِنْ

стр. 854

به [قال أحسِنْ يا حُسْنُ به]. فلهذا لزم الإفراد والتذكير. أشار إلى هذا أبو علي في البغداديات منفرا وناهيا عنه. ومما يبين فساده أن من المصادر المصوغ منها أفْعِلْ ما لا يكون إلا مؤنثا كالسهولة والنجابة، فلو كان الأمر ما توهمه صاحب هذا الرأي لقيل في أسهِل به وأنجب به. أسهلي به وأنجبي به، لكنه لم يقل، فصح لذلك فساد ما أدّى إليه. ولشبه أفْعِلْ بفعل الأمر جاز أن يؤكد بالنون كقول الشاعر: ومُسْتبدلٍ من بعد غَضْيى صُريمة ... فأحْرِ به من طول فقْرٍ وأحْريا وهذا إلحاق شيء بشيء لمجرد شبه لفظي، وهو نظير تركيب النكرة مع لا الزائدة لشبهها بلا النافية، وقد تقدم الاستشهاد على ذلك. ولما كان فعل التعجب دالا على المبالغة والمزية استغنى عن توكيده بالمصدر وكذا أفعل التفضيل. وعلى ذلك نبهت بقولي "ولا يؤكد مصدر فعل التعجب ولا أفعل التفضيل". ص: "همزة أفعل في التعجب لتعدية ما عدم التعدي في الأصل أو الحال. وهمزة أفْعِل للصيرورة ويجب تصحيح عينهما، وفكّ أفعِلْ المضعّف. وشذ تصغير أفعَلَ مقصورا على السماع، خلافا لابن كيسان في اطراده وقياس أفْعِلْ عليه، ولا يتصرفان ولا يليهما غير المتعجب منه إن لم يتعلق بهما، وكذا إن تعلق بهما وكان غير ظرف وحرف جر. فإن كان أحدهما فقد يلي وفاقا للفراء والجرمي والفارسي وابن خروف والشلوبين. وقد يليهما عند ابن كيسان "لولا" الامتناعية". ش: يدل على كون همزة فعل المتعجب به معدية حدوث التعدي بزيادتها على ما لا تعدى له كقولك في حسُن زيد وجزع بكر وصبر خالد: ما أحسن زيدا، وما أجزع بكرا، وما أصبر خالدا. وإلى هذه الأفعال الثلاثة وشبهها أشرت بعدم

стр. 855

التعدي في الأصل. وأشرت بعدم التعدي في الحال إلى نحو ما أعرف زيدا بالحق، فإن عرف قبل التعجب متعد بنفسه إلى الحق، فلما قصد به التعجب ضمن معنى ما لا يتعدى من أفعال الغرائز، كقوى وكمل وضعف ونقص، فقصر عن نصب ما كان منصوبا به وعدي إليه بالباء كما يعدى بصُر ونحوه مما هو في أصله غير متعد. وصار ما كان فاعلا قبل مفعولا كما يصير فاعل ظهر من قولك ظهر الحق مفعولا إذا دخلت عليه الهمزة فقلت أظهرت الحق. ولا يصح قول من زعم أن أفعل المتعجب به لا يكون إلا من فعُل موضوعا أو مردودا إليه لوجهين: أحدهما أن فعِل وفعَل كجزع وصبر يساويان فعُل في عدم التعدي وقبول همزة التعدية، فتقدير ردهما إلى فعُل لا حاجة إليه. الثاني أن من الأفعال ما رفضت العرب صوغه على فعُل وهو المضاعف واليائي العين أو اللام. فإن قصد بمضاعف معنى غريزي دلوا عليه في غير شذوذ بفعِل نحو جلّ يجِل وعزّ يعِزّ وخفّ يخِفّ وقلّ يقلّ. ونسب إلى الشذوذ نحو لببت وكذا استغنوا في اليائي العين عن فعُل بفعِل نحو طاب يطيب، ولان يلين وضاق يضيق. وأما اليائي اللام فاستغنى فيه عن فعُل بفعِل نحو حيّ وعيّ وغني. فإن قصد التعجب بشيء من هذه الأنواع أدخلت هذه الهمزة عليها ولم يقدّر ردّها إلى فعُل، لأن فعُل فيها مرفوض. وهمزة أفْعِل المتعجب به للصيرورة أي لتحول فاعله ذا كذا. فأصل قولك أحسن بزيد: أحسن زيد، أي صار ذا حُسن تام. وهو نظير أثري الرجل صار ذا ثروة وأترب أي صار ذا مال كالتراب، وأنجب وأظرف صار ذا ولد نجيب وذا ولد ظريف، وأخْلت الأرضُ وأكلأت وأكمأت، صارت ذات خلاء وكلأن وكمأة، وأورقت الشجرة وأزهرت وأثمرت، صارت ذات ورق وزهر وثمر. وإذا كانت عين أفعل المتعجب به ياء أو واوا وجب تصحيحها نحو ما أبين الحق، وأنوره وأصله الإعلال لكن صحيح حملا على أفعَل وزنا ومعنى فأتبع أحدهما الآخر فيما هو أصل فيه. كما أجرى اسم الفاعل مجرى المضارع في العمل وأجرى المضارع مجرى اسم الفاعل في الإعراب، وكما أجرى الحسن الوجهَ على الضارب الرجلَ [في النصب]، والضارب الرجلِ على الحسن الوجه في الجر، ثم

стр. 856

حمل أفْعِل المتعجب به على أخيه، فقيل أبين بالحق وأنور به، كما قيل ما أبينه وأنوره. ولزم فك أفعل المضاعف نحو أجللْ به وأعزز، لأن سبب الإدغام في هذا النوع إنما هو تلاقي المثلين تمصلين متحركين تحركا غير عارض أو ساكنا أحدهما سكونا غير لازم كسكون أجللْ إذا لم يكن تعجبا، لأنه معرّض للحركة في نحو: أجلل الله وأجلّاه وأجلّوه وأجلّيه. فلذلك لم يجب فك أجلل إذا لم يكن تعجبا. ووجب إذا كان إياه. ولشبه أفْعَل المتعجب به بأفعل التفضيل أقدم على تصغيره بعض العرب فقال: ياما أُمَيْلحَ غِزْلانًا شدَنّ لنا ... مِن هؤليّائِكُنّ الضّالِ والسَّمُرِ وهو في غاية من الشذوذ فلا يقاس عليه فيقال في ما أجمله وما أظرفه ما أجيمله وما أظيرفه، لأن التصغير وصف في المعنى والفعل لا يوصف فلا يصغّر. وأجاز ابن كيسان اطراد تصغير أفْعَل، ولم يكفه ذلك حتى أجاز تصغير أفْعِلْ وضعف رأيه في ذلك بيّن وخلافه متعيّن. ولا خلاف في عدم تصرف فعلي التعجب ولا في منع إيلائهما ما لا يتعلق بهما كعند الحاجة، وبمعروف من قولك ما أنفع معطيك عند الحاجة، وما أصلح أمرك بمعروف، وأنفِع بمعطيك عند الحاجة، وأصلِحْ بأمرك بمعروف. ولا خلاف في منع إيلائها ما يتعلق بهما من غير ظرف وجار ومجرور نحو ما أحسن زيدا مقبلا، وأكرِمْ به رجلا. فلو قلت ما أحسن مقبلا زيدا وأكرم رجلا به لم يجز بإجماع. وكذا لا يجوز بإجماع تقديم المتعجب منه نحو ما زيدا أحسن وبه أكرم، لأن فعلي التعجب أشبها الحروف بمنع التصرف فجريا مجراها في منع تقدم معمولها. فلو فصل بينهما وبين المتعجب منه بما يتعلق بهما من ظرف وجار ومجرور لم يمتنع ولم يضعف، لثبوت ذلك نثرا ونظما وقياسا، فمن النثر قول عمرو بن معد يكرب ﵀: لله در بني

стр. 857

سليم، ما أحسن في الهيجاء لقاءها، وأكرم في اللزبات عطاءها، وأثبت في المكرمات بقاءها، وروي أن عليا ﵁ مرّ بعمّار فمسح التراب عن وجهه وقال: أعزز عليّ أبا اليقظان أن أراك صريعا مجدلا، ففصل بين أعزز وأن أراك بعَلَيّ و"أبا اليقظان". وهذا مصحح الفصل بالنداء. ومن النظم قول بعض الصحابة ﵃: وقال نبيُّ المسلمين تقَدّموا ... وأحْبِبْ إلينا أن تكون المُقَدَّما ومنه قول الآخر: أقيم بدار الحزم ما دام حزمُها ... وأحْر إذا حالتْ بأنْ أتحوّلا ومنه قول الآخر: فصدّتْ وقالتْ بل تريد فَضيحتي ... وأحْبِبْ إلى قلبي بها مُتَغضّبا ومنه قول الآخر: خليليّ ما أحرى بذي اللُّبِّ أنْ يُرى ... صَبورا ولكن لا سبيلَ إلى الصبر ومنه قوله: حلُمت وما أشفى لمَن غِيظ حلْمَه .. فآضَ الذي عاداكَ خِلّا مُواليا وأما صحة هذا الفصل قياسا فمن قبل أن الظرف والجار والمجرور مغتفر الفصل بهما بين المضاف والمضاف إليه مع أنهما كالشيء الواحد، فاعتبار الفصل بهما بين فعلى التعجب والمتعجب منه وليسا كالشيء الواحد أحق وأولى. وأيضا فإن بئس أضعف من فعل التعجب وقد فصل بينه وبين معموله بالجار والمجرور في قوله تعالى

стр. 858

(بئس للظالمين بدلا) فأن يقع مثل ذلك بين فعل التعجب ومعموله أولى بالجواز وهذا الدليل ذكره أبو علي الفارسي في البغداديات. وفي ذلك الكتاب مبين أنه من المجيزين للفصل المشار إليه. وأما كون ذلك مذهب الجرمي فمشهور. واختار هذا المذهب ابن خروف في شرح كتاب سيبويه. وقال أبو علي الشلوبين: حكى الصيمري أن مذهب سيبويه منع الفصل بالظرف بين فعل التعجب ومعموله. والصواب أن ذلك جائز وهو المشهور المنصور، هكذا قال أبو علي وهو المنتهى في هذا الفن نقلا وفقها. وقال السيرافي في قول سيبويه: ولا يزيل شيئا عن موضعه؛ وإنما أراد بذلك تقدم "ما" وتوليها الفعل، ويكون الاسم المتعجب منه بعد الفعل، ولم يتعرض للفصل بين الفعل والمتعجب منه. وكثير من أصحابنا يجيز ذلك منهم الجرمي وكثير يأباه منهم الأخفش والمبرد. وقال الزمخشري بعد أن حكم بمنع الفصل، وقد أجاز الجرمي وغيره من أصحابنا الفصل وينصرهم قول القائل: ما أحسن بالرجل أن يصدق. ومن العجائب اعترافه بنصرهم وتنبيهه على بعض حججهم بعد أن خالفهم بلا دليل. ولما كان فعل التعجب مسلوب الدلالة على المضي، وكان المتعجب منه صالحا للمضي أجازوا زيادة كان إشعارا بذلك عند قصده نحو ما كان أحسن زيدا. وكقول

стр. 859

بعض مدّاح رسول الله ﷺ : ما كان أسْعَدَ مَن أجابك آخِذا ... بهُداكَ مجْتَنبا هوًى وعنادا وقد تقدم في باب كان الكلام على هذا وشبهه. ولكنني أشرت هنا إليه تنبيها وتوكيدا. وأجاز ابن كيسان الفصل بين أفعل والمتعجب منه بلولا الامتناعية ومصحوبها، كقولك: ما أحسن لولا عبوسه زيدا. ولا حجة في ذلك. ص: ويجر ما تعلق بهما من غير ما ذكر بإلى إن كان فاعلا، وإلا فبالباء إن كان من مفهم علما أو جهلا، وباللام إن كانا من متعد غيره. فإن كانا من متعد بحرف جر فبما كان يتعدى به. ويقال في التعجب من كسا زيد الفقراء الثياب، وظن عمرو بشرا صديقا: ما أكسى زيدا للفقراء الثياب، وما أظنّ عمرا لبشر صديقا. وينصب الآخر بمدلول عليه بأفعل لا به خلافا للكوفيين. ش: الإشارة بما ذكر إلى المتعجب منه والظرف والحال والتمييز، فما ليس واحدا منها وله تعلق بفعل التعجب يجر بإلى إن كان فاعلا في المعنى نحو ما أحبني إلى زيد، فزيد فاعل في المعنى، لأن المراد يحبني زيد حبا بليغا فائقا، وإن لم يكن فاعلا في المعنى جر بالباء إن كان فعل التعجب مصوغا من فعل علم أو جهل نحو ما أعرفني بزيد، وما أجهله بي. وإن صيغ من غير ذلك وكان فعل التعجب متعديا عُدي في التعجب باللام نحو ما أضربني لعمرو، فإن كان فعل التعجب متعديا بحرف جر عدي به حال التعجب نحو ما أزهد زيدا في الدنيا، وما أبعده من الشر، وما أصبره على الأذى. فإن كان فعل التعجب متعديا إلى اثنين جررت الأول باللام ونصبت الثاني عند البصريين بمضمر مجرد مماثل لتالي "ما" نحو قولك: ما أكسى زيدا للفقراء الثياب. والتقدير يكسوهم الثياب. وكذا يقولون في ما أظن عمرا لبشر صديقا. والكوفيون لا يضمرون، بل ينصبون الثاني بتالي "ما" نفسه. وذكر هذه المسألة ابن كيسان في "المهذّب".

стр. 860

فصل: ص: "بناء هذين الفعلين من فعل ثلاثي مجرد تام مثبت متصرف قابل معناه للكثرة غير مبني للمفعول، ولا معبّر عن فاعله بأفعل فعلاء. وقد يبنيان من فعل المفعول إن أُمِن اللبس، ومن فِعْل أفْعَلَ مفَفهم عسر أو جهل، ومن مزيد فيه. فإن كان أفعل قيس عليه وفاقا لسيبويه. وربما بنيا من غير فعل، أو فعل غير متصرف. وقد يغني في التعجب فعل عن فعل مستوف للشروط كما يغني في غيره. ويتوصل إلى التعجب بفعل مثبت متصرف مصوغ للفاعل ذي مصدر مشهور، إن لم يستوف الشروط بإعطاء المصدر ما للمتعجب منه مضافا إليه بعدما أشد أو أشدد ونحوهما [وإن لم يعدم الفعل إلا الصوغ للفاعل جيء به صلة لما المصدرية آخذة ما للمتعجب منه بعدما أشد أو أشدد ونحوهما] ". ش: قيّد ما يبنى منه فعل التعجب بكونه فعلا تنبيها على خطأ مَن يقول من الكلب ما أكلبه، ومن الحمار ما أحمره، ومن الجلف ما أجلفه. وقَيّد بكونه ثلاثيا ليعلم امتناع بنائه من ذي أصول أربعة مجردا كان كدحرج، أو غير مجرد كابرنشق. وقيّد كون الثلاثي مجردا تنبيها على أن حقه ألا يبنى من مزيد فيه كعلّم وتعلّم وقارب واقترب. وقيد بكونه فعلا تاما تنبيها على أنه لا يبنى من فعل ناقص ككان وظل وكرب وكاد، وقيد بكونه مثبتا تنبيها على أنه لا يبنى من فعل مقصود نفيه، لزوما كلم يعِج، أو جوازا كلم يعُج، وقيد بالتصريف تنبيها على امتناع بنائه من يذر ويدع ونحوهما. وقيد بقبول معناه للكثرة تنبيها على امتناع بنائه من مات وفنى ونحوهما. وقيد بكونه غير مبني للمفعول تنبيها على أن حقه أن يبنى نم فعل الفاعل كعَلِم لا من فعل المفعول كعُلم. وقيد بكونه لا يعبر عن فاعله بأفعل فعلاء احترازا من شنب ودعج ولمِي وعرج ونحوهما من الأفعال التي بناء الوصف منها للمذكر أفعل

стр. 861

وللمؤنث فعلاء. ولا فرق في هذا النوع بين ما هو من العيوب كبرص وخرس وحول وعور وبين ما هو من المحاسن كشهل وكحل وظمي ولمي. وإنما لم يبن من هذا النوع فعل التعجب، لأن مبناه من الفعل أن يكون ثلاثيا محضا، وأصل الفعل في هذا النوع أن يكون على أفعل، ولذلك صحت فيه العين إذا كان ثلاثي اللفظ كهيف وحيد وعور وحول ولم تقلب ألفا كام فعل بهاب وناب وخاف ونام، مع أن العين من جميعها حرف لين متحرك مفتوح ما قبله، وهذا الذي فُعِل بفعِل من التصحيح حملا على أفعل مقدرا أو موجودا شبيه بما فعل باجتوروا حملا على تجاوروا، وبمخيط حملا على مخياط، ولولا ذلك لقيل في اجتوروا اجتاروا كما قيل اختاروا واقتادوا. ولقيل في مخيط مخاط كما قيل مثلا ومعاش، فكان تصحيح هيف وأخواته مع استحقاقه بظاهره ما استحقه هاب وأخواته دليلا على أن أصله أفعل، وأفعل لا يبنى منه فعل تعجب فجرى مجراه ما هو بمعناه وواقع موقعه. وهذا التعليل هو المشهور عند النحويين. وعندي تعليل آخر أسهل منه، وهو أن يقال لما كان بناء الوصف من هذا النوع على أفعل لم يبن منه أفعل تفضيل لئلا يلتبس أحدهما بالآخر، فلما امتنع صوغ أفعل التفضيل امتنع صوغ فعل التعجب لتساويهما وزنا ومعنى، وجريانهما مجرى واحدا في أمور كثيرة. وهذا الاعتبار هيّن بيّن، ورجحانه متعيّن. وقد يبنى فعل التعجب من فعل المفعول إن أمن الالتباس بفعل الفاعل نحو ما أجنّه وما أبخته وما أشغفه. وهذا الاستعمال في أفعل التفضيل أكثر منه في التعجب "كأزهى من ديك" و"أشغل من ذات النحبين" وأشهر من غيره وأعذر وألوم وأعرف وأنكر وأخوف وأرجى من شُهِر وعُذر وليم وعُرف ونُكر وخيف ورُجي. وعندي أن صوغ فعل التعجب وأفعل التفضيل من فعل المفعول الثلاثي الذي لا يُلبس بفعل الفاعل لا يقتصر فيه على المسموع، بل يحكم باطراده لعدم الضائر وكثرة النظائر.

стр. 862

وقد يبنى فعل التعجب من فعل أفعل مفهم عسر أو جهل، والإشارة إلى حُمق ورعن وهوج ونوك ولدّ إذا كان عسر الخصومة. وبناء الوصف من هذه الأفعال على أفعل في التذكير وفعلاء في التأنيث لكنها ناسبت في المعنى جهل وعسر فجرت في التعجب والتفضيل مجراهما فقيل ما أحمقه وأرعنه وأهوجه وأنوكه وألدّه، وهو أحمق منه وأرعن وأهوج وأنوك [وألدّ]. وقد يبنى فعل التعجب من ثلاثي مزيد فيه كقولهم من اشتد ما أشدّه، ومن اشتاق ما أشوقه، ومن اختال ما أخوله ومن اختصر الشيء ما أخصره، وفي هذا شذوذ من وجهين: أحدهما أنه مزيد فيه والآخر أنه من فعل المفعول. وأكثر النحويين يجعلون من شواذ التعجب: ما أفقره وما أشهاه وما أحياه وما أمقته، لاعتقادهم أن ثلاثي افتقر واشتهى واستحيى مهمل، وأن فعل الفاعل من مقت غير مستعمل. وليس الأمر كما اعتقدوا، بل استعملت العرب فقُر وفقِر، وشهى الشيء بمعنى اشتهاه، وحيى بمعنى استحيا، وكذلك استعمل مقُت الرجل مقاتة إذا صار مَقيتا، أي بغيضا، فليس قولهم ما أفقره من افتقر، بل هو من فقرُ وفقِر، ولا ما أشهاه من اشتهى بل من شهى، وما أحياه من استحيا بل م حيى، ولا ما أمقته من مُقِّت بل من مَقُت. وممن خفى عليه استعمال حيى بمعنى استحيا أبو علي الفارسي. وممن خفى عليه استعمال فقُر وفقِر ومَقُت سيبويه. ولا حجة في قول مَن خفى عليه ما ظهر لغيره. بل الزيادة من الثقة مقبولة. وقد ذكر استعمال ما ادّعيت استعماله جماعة من أئمة اللغة. وإن كان المزيد فيه على وزن أفعل لم يقتصر في صوغ فعل التعجب منه على المسموع، بل يحكم فيه بالاطراد وقياس ما لم يسمع منه على ما سمع ما لم يمنع مانع آخر. هذا هو مذهب سيبويه والمحققين من أصحابه. ولا فرق بين ما كانت همزته للتعدية كأعطى وبين ما همزته لغير التعدية كأغفى. وشهد بأن هذا مذهب سيبويه قوله في باب التعجب المترجم بهذا باب ما يعمل عمل الفعل ولم يجر مجرى الفعل ولم يتمكن تمكنه. وبناؤه أبدا من فَعَل وفَعِل وفَعِل فَعُل وأفْعَل. هذا

стр. 863

نصه. فسوّى بين الثلاثة في صحة بناء التعجب منها. وأطلق القول بأفعل فعلم بأنه لا فرق بين ما همزته للتعدية وبين ما همزته لغير التعدية كما فعل ابن عصفور إذ أجاز القياس على ما أغفى زيدا، لأن همزته غير معدية، ولم يقس على ما أعطاه لأن همزته معدية وهو تحكم بلا دليل. هذا مع أن سيبويه قال بعد قوله: وبناؤه أبدا من فَعَل وفَعِل وفَعُل وأفْعَل: "فشبيه هذا بما ليس من الفعل نحو لات وما. وإن كان من حسن وكرم وأعطى" ولم يفرق بين أعطى وبين حسن وكرم مع العلم بأن همزة أعطى معدية لأنه يقال عطوت الشيء بمعنى تناولته، وأعطيته فلانا فيصير عطوت بالهمزة متعديا إلى اثنين بعد أن كان دونها متعديا إلى واحد. ومن تصريح سيبويه باطراد ما أعطاه وشبهه قوله في الربع الآخر من كتابه: "هذا باب ما يستغنى فيه عن ما أفعله بما أفعل فعله كما استغنى بتركت عن ودعت، كما استغنوا بنسوة عن أن يجمعوا المرأة على لفظها وذلك في الجواب، ألا ترى أنك لا تقول ما أجوبه، وإنما تقول ما أجود جوابه. ثم قال: ولذلك لا تقول أجوِبْ به وإنما تقول أجوِدْ بجوابه. ولا يقولون في قال يقيل ما أقيله، استغنوا بما أكثر قائلته، وما أنْومه في ساعة كذا وكذا، كما قالوا تركت ولم يقولوا ودعت" هذا نصه. فجعل استغناءهم عن ما أجوبه بما أجود جوابه، مساويا لاستغنائهم عن ودَعت ماضي يدع بتركت، وعن ما أقيله بما أكثر قائلته. مع العلم بأن عدولهم عن ودع إلى ترك وعن ما أقيله إلى ما أكثر قائلته على خلاف القياس، وأن وَدَع وما أقيله موافقان للقياس، فيلزم أن يكون ما أجوبه موافقا للقياس، وهذا بيّن والاعتراف بصحته

стр. 864

متعيّن. وإنما استحق أفعل مساواة الثلاثي المحض في هذا الاستعمال دون غيره من أمثلة المزيد فيه لشبهه به لفظا، فمن قِبَل أن مضارعه واسم فاعله واسم زمانه واسم مكانه كمضارع الثلاثي، واسم فاعله وزمانه ومكانه في عدة الحروف والحركات وسكون الثلاثي بخلاف غيره من المزيد فيه. وأما الموافقة في المعنى فكثير. فمن موافقته لفعَل سرى وأسْرى وطلع على القوم وأطلع، أي أشرف، وطفلت الشمس أي دنت للغروب (كأطفلت) وعتم الليل وأعتم أي أظلم، وعكل الأمر وأعكل أي أشكل. ومن موافقته لفَعِل غطِش الليل وأغطش أي أظلم، وعوز الشيء وأعوز أي تعذّر وكذلك الرجل إذا افتقر، وعدم الشيء وأعدمه أي فقده، وعبست الإبل وأعبست أي دنست أوبارها. ومن موافقته لفعُل خلُق الثوب وأخلق أي بلى وبطُؤ وأبطأ، وبؤُس وأبأس، أي ساءت حاله، ونظائر ذلك كثيرة. ولكون أفعل مختصا من بين الأفعال المغايرة للثلاثي بمشابهته لفظا وموافقته معنى أجراه سيبويه مجراه في اطراد بناء فعلي التعجب منه. وقد يبنيان من غير فعل كقولهم ما أذرع فلانة، بمعنى ما أخفها في الغزل وهو من قولهم امرأة ذَراع وهي الخفيفة اليد في الغزل، ولم يسمع منه فعل. ومثله في البناء من وصف لا فعل له: أقمن به، أي أحقق اشتقه من قولهم هو قَمِن بكذا أي حقيق به. وهذان وما أشبههما شواذ لبنائهما من غير فعل. ومثلهما في الشذوذ قولهم ما أعساه وأعس به، بمعنى ما أحقه وأحقق به، وهو فعل غير متصرف. وإلى هذا أشرت بقولي: أو فعل غير متصرف". ومن الأفعال ما لم يصغ منه فعل تعجب مع كونه ثلاثيا مجردا تاما متصرفا قابلا للكثرة مصوغا للفاعل غير معبَّر عن فاعله بأفْعَلَ فَعْلاء، فمن ذلك سكر وقعد وجلس ضدا قام، وقال من القائلة، استغنت العرب فيهما بما أشد سكره وما أكثر قُعوده وجلوسه وقائلته عن ما أسكره وأقعده وأجلسه وأقيله. وإليهما أشرت بقولي "وقد يغني في التعجب فعل عن فعل مستوف للشروط كما يغني في غيره" ثم قلت "ويتوصل إلى التعجب بفعل مثبت متصرف مصوغ للفاعل ذي مصدر مشهور إن لم يستوف الشروط بإعطاء المصدر ما للمتعجب منه مضافا إليه بعد ما أشد أو أشدد ونحوهما" ففهم من هذا أنه يقال في دحرج وانطلق: ما أشد دحرجته

стр. 865

وانطلاقه، وفي كان زيد صديقا ما أشد كون زيد صديقا، وفي مات زيد: ما أفظع موت زيد، وفي هيفت المرأة: ما أحسن هيفها وكذلك يقال أشدد بدحرجته وانطلاقه وبكونه صديقك وأفظع بموته وأحسن بهيفها. ثم قلت "فإن لم يعدم الفعل إلا الصوغ للفاعل جيء به صلة لما المصدرية آخذة ما للمتعجب منه بعد ما أشد وأشدد أو نحوها " ففهم من هذا أنه يقال في ضرُب زيد ما أشد ما ضُرب زيد وأشدِدْ بما ضُرِب زيد. ولم يغن ذكر المصدر، لأن كون المتعجب منه مفعولا لا يعلم بذلك، وإنما يعلم بذكر "ما" موصولة بفعل مصوغ للمفعول.

стр. 866

باب أفعل التفضيل ص: يصاغ للتفضيل موازن أفعَلَ، اسما مما صيغ منه في التعجب فعلا على نحو ما سبق من اطراد وشذوذ، ونيابة أشد وشبهه. وهو هنا اسم ناصب مصدر المحوج إليه تمييزا. وغلب حذف همزة أخير وأشر في التفضيل وندر في التعجب. ويلزم أفْعَل التفضيل عاريا الإفراد والتذكير وأن يليه أو معموله المفضول عليه مجرورا بمن. وقد يسبقانه، ويلزم ذلك إن كان المفضول اسم استفهام أو مضافا إليه. وقد يفصل بين أفعل و"من" بلو وما اتصل بها. ولا يخلو المقرون بمن في غير تهكم من مشاركة المفضل في المعنى، أو تقدير مشاركته. وإن كان أفعل خبرا حذف للعلم به المفضول غالبا، ويقل ذلك إن لم يكن خبرا. ولا تصاحب "مِن" المذكورة غير العاري إلا وهو مضاف إلى غير معْتدّ به أو ذو ألف ولام زائدتين، أو دال على عار متعلق به من. ش: قد تقدم أن أفعل المتعجب به يناسب أفعل التفضيل وزنا ومعنى، وأن كل واحد منهما محمول على الآخر فيما هو أصل فيه. ومن أجل تناسبهما سوّت العرب بينهما في أن يصاغ كل واحد منهما مما صيغ منه الآخر، وألا يصاغ مما لا يصاغ. وقد بيّن في التعجب أن فعله لا يبنى دون شذوذ إلا من فعل ثلاثي مجرد تام مثبت متصرف قابل معناه للكثرة غير مبني للمفعول ولا معبّر عن فاعله بأفعل فعلاء. فكذلك أفعل التفضيل لا يبنى دون شذوذ إلا من فعل مستوف للقيود المذكورة. فيقال في بنائه من كتب وعلم وظرف: هو أكتبُ منه وأعلمُ وأظرفُ، كما قيل في التعجب: ما أكتبه وأعلمه وأظرفه .. ويحكم في هذا ونحوه بالاطراد، لأنه من فعل مستوف للقيود. ويحكم بالشذوذ فيما لا فعل له، وفيما له فعل لم يستوف القيود، كما فعل في التعجب. فمن أمثلة أفعل التفضيل الذي لا فعل له قولهم هذا أصبر من هذا، أي أمرّ و"هو ألصُّ من شِظاظ" أي أعظم لصوصية. وشظاظ اسم رجل من ضبة.

стр. 867

ومن هذا النوع أول وآخر. ومن أمثلة سيبويه فيما لا فعل له: "أحنك الشاتين والبعيرين" أي آكلهما، و"آبل الناس" أي أرعاهم للإبل. ومن أمثلة غيره: هذا الثمر أصغر من غيره، أي أكثر صغرا، وهذا المكان أشجر من هذا، أي أكثر شجرا، وفلان أضيع من غيره، أي أكثر ضياعا. والصحيح أن أحنك من قولهم احتنك الجراد ما على الأرض أي أكله، ولكنه شاذ لكونه من افتعل، فهو نظير أشد من اشتد ونظير قولهم هو أسوأ من هذا بمعنى أشد من استوأ. وكذا الصحيح أن آبل من قولهم أبل الرجل إبالة، وآبل أبلا إذا درب بسياسة الإبل والقيام عليها فلا شذوذ فيه أصلا وكذا الصحيح أن أصغر من صغر الرطب إذا كان ذا صغر فلا شذوذ فيه أيضا. وكذا أشجر هو من قولهم أشجر المكان أي صار ذا شجر، ولا شذوذ فيه على مذهب سيبويه، لأن أفعل عنده يساوى فعَل وفعِل وفعُل في بناء أفعل التفضيل منه. وقد تقدم بيان ذلك. وكذا قولهم فلان أضيع من غيره هو من قولهم أضاع الرجل إذا كثرت ضياعه ولا شذوذ فيه على مذهب سيبويه. ونظيره هو أعطاهم للدراهم وأولاهم للمعروف، وهذا المكان أقفر من ذاك، والفعل من جميعها على وزن أفعل. ومن المحكوم بشذوذه لكونه مزيدا فيه قول عمر ﵁ "إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع" فأوقع أضيع موقع أشد تضييعا ومن المحكوم بشذوذه من جهتين قولهم هذا أخصر من هذا، فبنوه من اختُصر وفيه مانعان: أحدهما أنه مزيد فيه، والثاني أنه فعل ما لم يسم فاعله. ومثله - على مذهب سيبويه - قولهم فيمن أصيب بمكروه: هو أصوب من غيره، وهو من أُصيب فعلى مذهب سيبويه ليس بشاذ إلّا من قبل أنه من فعل المفعول.

стр. 868

وقد تقدم كلامي في التعجب أن بناء فعله وأفعل التفضيل من فعل المفعول لا يحكم بشذوذه إلا فيما يلبس فيه قصد المفعول، يقصد الفاعل. وذلك إذا كان الفعل مستعملا بالبناءين كثيرا، ولم يقارن أفعل ما يمنعه من أن يراد به الفاعلية كقولك: هذا أضرب من ذلك، وأنت تريد أن الضرب الواقع به أشد من الواقع بغيره، فإن هذا لا يجوز، لأن المراد به لا دليل عليه، بل السابق إلى ذهن من يسمعه التفضيل في الفاعلية. فإن اقترن بما يمنع قصد الفاعلية جاز وحسن ومنه قولهم "أكْسى من بَصَلة" و"أشْغَلُ من ذاتِ النِحْيَيْن"، فيصح على هذا أن يقال عبد الله بن أبيّ ألعن ممن لعن على لسان داود، ولا أحرم من عدم الإنصاف، ولا أظلم من قتيل كربلاء. فلو كان مما لازم بناء ما لم يسم فاعله أو غلب عليه لم يتوقف في جوازه لعدم اللبس وكثرة النظائر كأزهى. وأعني من قولي إن ورود هذا في التفضيل أكثر منه في التعجب أنه لا ينبغي أن يقتصر منه على المسموع. ومن المحكوم بشذوذه قولهم هو أسود من حنك الغراب. وقول النبي ﷺ في صفة الحوض "أبْيَضُ من اللَّبن" وإنما كان هذان شاذين لأنهما من باب أفعل فعلاء، وليسا كألدّ وأخواته مما يناسب عسرا أو جهلا، وقد تقدم الكلام على ذلك. وفي صيغ من قولي في أول هذا الباب مما صيغ منه في التعجب ضمير يرجع إلى موازن أفعل. وأشرت بقولي "ونيابة أشد ونحوه إلى أن الفعل الذي يقصد أن يصاغ منه أفعل التفضيل إن لم يستوف القيود توصل إلى معنى التفضيل فيه بذكر أشد ونحوه ناصبا مصدر ذلك الفعل على التمييز كقولك في دحرج وعلّم واقترب: هو أشد دحرجة وأصح تعليما وأكثر اقترابا. وكقولك في مات: هو أفظع موتا، وفي عور: هو أقبح عورا، وفي أكحل هو أحسن كحلا. ولما كثر استعمال صيغة التفضيل من الخير والشر اختصروهما فحذفوا الهمزة

стр. 869

وقالوا في المدح والذم هو خير من كذا، وشرّ من كذا. ورفض أخير وأشرّ إلا فيما ندر كقول الراجز: بلالُ خير الناس وابنُ الأخْيَر ومن النادر قراءة أبي قلابة "سيعلمون غدًا من الكذاب الأشرّ"، وكما ندر ورود الهمزة في التفضيل ندر سقوطها في التعجب فقيل ما خيره بمعنى ما أخيره، وما شرّه بمعنى ما أشرّه. وشذ حذف همزة أحبّ في التفضيل كقول الأحوص: وزادني كلفا في الحبّ أنْ منَعت ... وحَبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنِعا ويلزم أفعل التفضيل الإفراد والتذكير إذا كان عاريا، أي غير مضاف ولا مشفوع بحرف التعريف، فيقال زيد أفضل من عمرو، وهما أفضل من بشر وهم أشجع من غيرهم. وهند أجمل من دعد، وبنتاها أصلح منهما، والأمهات أشفق من الأخوات. ويلزم العاري أيضا أن يذكر بعده المفضول مقرونا بمن متصلة به كما رأيت في الأمثلة المذكورة آنفا. أو مفصولا بين "من" وبينه بمتعلق به فصاعدا كقوله تعالى: (النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتُهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) وكقول الشاعر: فلَأنت أسمحُ للعُفاة بسُؤْلهم ... عند الشَّبائب من أبٍ لبنَينا

стр. 870

وكقوله: مازِلتُ أبسُطُ في غَضّ الزَّمان يدًا ... للناس بالخَيْر من عَمْرو ومن هَرِم ويجب تقديم "من" والمفضول إن كان اسم استفهام، أو مضافا إليه نحو: مِمن أنت أحلم، ومن أيّ رجل أنت أكرم، وممّ قدّك أعدل، ومن وجه من وجهك أجمل. ذكر هذه المسألة أبو علي في التذكرة وهي من المسائل المغفول عنها. فإن كان المفضول غير ذلك لم يجز تقديمه إلا في نادر من الكلام كقول ذي الرمة: ولا عيبَ فيها غيرَ أنَّ سَريعها ... قَطوفٌ وألّا شيءَ منهنّ أكْسَلُ وكقول الآخر: وقالت لنا أهلا وسهلا وزوّدت ... جنى النحل أو ما زودت منه أطيبُ وقد يفصل بين أفعل ومن، بلو وما اتصل بها كقول الشاعر: ولَفُوكِ أطْيَبُ لو بَذَلْتِ لنا ... من ماءِ مَوْهبة على خَمْر ولا بد من كون المفضول مشاركا للمفضل فيما ثبت فيه التفضيل فيقال: الخبز أغذى من السويق، والعسل أحلى من التمر. ولا يقال: الخبز أغذى من الماء، ولا الماء أروى من الخبز. فإن ورد لفظ التفضيل دون ظهور مشاركة قدّرت المشاركة بوجه

стр. 871

ما كقولهم في البغيضَيْن هذا أحبّ إلي من هذا، وفي الشرَّين هذا خير من هذا، وفي الصعبين هذا أهون من هذا، وفي القبيحين: هذا أحسن من هذا، بمعنى أقل بعضا وأقل شرا وأقل صعوبة وأقل قبحا. ومنه قوله تعالى: (ربّ السجنُ أحبُّ إليّ ممّا يدعونني إليه) وقوله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة خيرٌ له من أن يجلس على قبر" وقول الراجز: أظلّ أرْعَى وأبيتُ أطْحَنُ ... الموتُ من بعض الحياةِ أهْوَنُ ومنه قول الآخر: عُجيّز لعطاءُ دَرْدبيس ... أحسنُ من منظرها إبليسُ ومن الملحق بالتهكم قول الآخر: لأكلةٌ من أقِطٍ بسَمْن ... ألْيَن مَسًّا في حوايا البطن ... من يثربيّات قِذاذ خُشْنِ ومثله قول الشاعر: الحزمُ والقوةُ خيرٌ من الـ ... إدْهان والفكّة والهاع ومما تقدر فيه المشاركة قول بعضهم: الصيف أحر من الشتاء. وله توجيهان: أحدهما أن يكون من حرّ القتل في استحر أي اشتد فكأنه قال الصيف أشد استحرارا من الشتاء، لأن حروبهم في الصيف كانت أكثر من حروبهم في الشتاء. ويمكن أن

стр. 872

يشار بذلك إلى أن الشتاء تحيّل فيه على الحر بموقيات البرد وأن الصيف لا يحتاج إلى أن يتحيل، فحرّه أشد من حرّ الشتاء، ويمكن أن يشار بذلك إلى حرّ الأمزجة فإنه في الصيف أشد منه في الشتاء. وزعم بعض العلماء أنه يقال: العسل أحلى من الخلّ. وهذا موجّه بثلاثة أوجه: أحدها أن يكون قائل هذا سمّى العنب خلّا لمآله إليه، كما سمّي خمرا في قوله تعالى: (إنّي أراني أعصر خمرا). والثاني أن يكون أحلى من حَلِي بعيني إذا حسُن منظره. الثالث أن يكون قائل هذا قد وضع أحلى موضع أطيب، لأن الخل يؤتدم به فله من الطيب نصيب، لكنه دون طيب العسل. ويكثر حذف المفضول إذا دل عليه دليل وكان أفعل خبرا كقوله تعالى: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ) و (ذلكم أقسطُ عند الله وأقْوم للشهادة وأدنى ألّا ترتابوا) و (واللهُ أعلمُ بما وَضَعتْ) و (ما تُخفي صدورهم أكبر) و (إنّ ما عند الله هو خيرٌ لكم) و (والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربّك ثوابًا وخيرٌ أملا) و (أيُّ الفريقين خيرٌ مقاما وأحسن نديًّا) و (فسيعلمون من هو شرٌّ مكانا وأضعفُ جندًا) وهو كثير. ومنه قول الشاعر: إذا المرءُ [عَلْبى] ثم أصبح جلدُه ... كرَحْضِ غَسيلٍ فالتَّيَمُّن أرْوحُ

стр. 873

أي توقّيه على اليمين أروح له. وقد حذف المفضول وأفعل ليس بخبر، فمن ذلك قوله تعالى: (فإنّه يعلم السرَّ وأخفى) ومن ذلك قول الشاعر: دنوتِ وقد خلناكِ كالبدر أجملا ... فظلَّ فؤادي في هواكِ مُضَلَّلا أي دنوت أجمل من البدر وقد خلناك مثله. ومثله: يُبَلّغك مَن أرضاك قِدْمًا أجدّ في ... مراضيه كالمسبوق إن زاد سابقُ ومنه قول رجل طيء: عملًا زاكيا تَوَخّ لكي تُجـ ... ـزَى جزاءً أزكى وتُلفى حميدا أي لكي تجزى جزاء أزكى من العمل الزاكي. ومثله: تروَّحي أجْدَرَ أن تقيلي ... غدًا بجنبَيْ بارِدٍ ظليل أي تروحي وائتي مكانا أجدر بأن تقيليه، أي تقيلي فيه. وهذا أغرب من الذي قبله، لكثرة الحذف فيه. ولا توجد من جارة للمفضول إلا وأفعل عار من الإضافة والألف واللام. وندر إيقاع من بعد مضاف إلى مالا اعتداد بذكره. والإشارة بذلك إلى قول الشاعر: نحن بغَرسِ الودِيِّ أعلمُنا ... منّا بركضِ الجيادِ في السُّدَف

стр. 874

أراد أعلم منّا فأضاف ناويًا إطراح المضاف إليه، كما تدخل الألف واللام في بعض الأمكنة وينوى سقوطها وندر إيقاع من في قول الشاعر: ولستَ بالأكثر منهم حصًى ... وإنّما العزّةُ للكاثِر وفيه ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون "من" المعتاد وقوعها بعد العاري، والألف واللام زائدتان. والثاني أن تكون "من" متعلقة بأكثر مقدّرا مدلولا عليه بالموجود المصاحب للألف واللام كأنه قال: ولست بالأكثر أكثر منهم حصى. وهذا التقدير شبيه بما يقال في قوله تعالى: (وكانوا فيه من الزّاهدين) أي كانوا زاهدين فيه من الزاهدين. والثالث أن تكون "من" للتبين كأنه قال ولست بالأكثر من بينهم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وإلى قوله "أعلمنا" وقول الآخر "ولست بالأكثر منهم حصى" وما فيه من الأوجه أشرت بقولي "ولا تصاحب من المذكورة غير العاري" إلى آخر الكلام. فصل: ص: إن قرن أفعل التفضيل بحرفي التعريف أو أضيف إلى معرفة مطلقا له التفضيل أو مؤوّلا بما لا تفضيل فيه طابق ما هو في الإفراد والتذكير وفروعهما. وإن قيدت إضافته بتضمين معنى من جاز أن يطابق، وأن يستعمل استعمال العاري، ولا يتعين الثاني خلافا لابن السراج. ولا يكون حينئذ إلا بعض ما أضف إليه ونحون أظلمني وأظلمه من الضرورات. واستعماله عاريا دون من مجردا عن معنى التفضيل مؤولا باسم فاعل أو صفة مشبهة مطرد عند أبي العباس، والأصح قصره على السماع ولزومه الإفراد والتذكير فيما ورد كذلك أكثر من المطابقة. ش: قد تقدم التنبيه على أن أفعل التفضيل منع التأنيث والتثنية والجمع لشبهه

стр. 875

بأفعل المتعجب به ولا يكمل شبهه إلا بتنكيره، لأنه حينئذ يكون مثله لفظا ومعنى، فإذا قرن بالألف واللام نقص شبهه به نقصانا بيّنا، فزال عنه ما كان له بمقتضى كمال الشبه من منع التأنيث والتثنية والجمع، واستحق أن يطابق ما هو له كغيره من الصفات المحضة، فيقال جاء الرجل الأكبر والمرأة الكبرى وجاء الرجلان الأكبران والمرأتان الكبريان، وجاء الرجال الأكبرون، والأكابر، والنسوة الكُبريات والكُبَر. فإذا أضيف إلى معرفة وأطلق له التفضيل إن لم ينو بعده معنى "من" أو أوّل بما لا تفضيل إلى معرفة وأطلق له التفضيل إن لم ينو بعده معنى "من" أو أوّل بما لا تفضيل فيه عومل من لزوم المطابقة بما عومل به المقرون بالألف واللام لشبهه به في إخلائه من لفظ "من" ومعناها، ولا يلزم حينئذ كونه بعض ما أضيف إليه. وإن أضيف منويا بعده معنى "من" كان له شبه بذي الألف واللام في التعريف وعدم لفظ "من" لزوما، وشبّه بالعاري لاذي حذفت بعده "من" وأريد معناها، فجاز استعماله مطابقا لما هو له بمقتضى شبهه بذي الألف واللام، وجاز استعماله غير مطابق بمقتضى شبهه بالعاري. ولا يكون إلا بعض ما يضاف إليه. فيقال على الإخلاء من معنى من: يوسف أحسن إخوته، أي حسنهم والأحسن من بينهم. ويقال على إرادة معنى من: يوسف أحسن أبناء يعقوب، ويمتنع على هذا القصد أن يقال: يوسف أحسن إخوته. والدليل على أن مع قصد معنى من تجوز المطابقة وعدمها اجتماعهما في قول النبي ﷺ : "ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنُكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون" فأفرد أحبّ وأقرب، وجمع أحسن، ومعنى من مراد في الثلاثة. وزعم ابن السراج أن المضاف إذا أريد به معنى من عومل معاملة العاري. والحديث الذي ذكرته حجة عليه، لتضمنه الاستعمالين مع أن المضاف الذي في

стр. 876

إضافته معنى من أشبه بذي الألف واللام منه بالعاري، فإجراؤه مجرى ذي الألف واللام أولى من إجرائه مجرى العاري. فإذا لم يعط الاختصاص بجريانه مجراه فلا أقلّ من أن يشارك، والإلزام ترجيح أضعف الشبهين، أو ترجيح أحد المتساويين دون مرجح. وقد يستعمل العاري الذي ليس معه من مجردا عن التفضيل مؤولا باسم فاعل كقوله تعالى: (هوأ علمُ بكم إذ أنشأكم من الأرض) ومؤولا بصفة مشبهة كقوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيدُه وهو أهونُ عليه) فأعلم هنا بمعنى عالم إذ لا مشارك لله تعالى في علمه بذلك، وأهون بمعنى هيّن إذ لا تفاوت في نسب المقدورات إلى قدرته ﵎. ومن ورود أفعل مؤولا بما لا تفضيل فيه قول الشاعر: إنَّ الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزُّ وأطولُ أي عزيزة وطويلة. ومنه قول الشنفري: وإن مُدّتِ الأيدي إلى الزاد لم أكنْ ... بأعْجلهم إذْ أجشعُ القوم أعْجلُ أراد لم أكن عجلًا، ولم يرد أكن أكثرهم عجلة، لأن قصد ذلك يستلزم ثبوت العجلة غير الفائقة وليس غرضه إلا التمدّح بنفي العجلة قليلها وكثيرها. وأجاز أبو العباس محمد بن يزيد استعمال أفعل مؤوّلا بما لا تفضيل فيه قياسا. والأولى أن يمنع فيه القياس ويقتصر منه على ما سمع، والذي سمع منه فالمشهور فيه التزام الإفراد والتذكير إذا كان ما هو له مجموعا لفظا ومعنى كقوله تعالى: (أصحابُ الجنّة يومئذٍ خيرٌ مستقرًّا وأحسنُ مقيلا) أو لفظا لا معنى كقوله تعالى: (نحن أعلم بما يستمعون

стр. 877

به) و (نحنُ أعلمُ بما يقولون). وقد يجمع إذا كان ما هو له جمعا كقول الشاعر: إذا غابَ عنّا أسودُ العين كنتم ... كِراما وأنتم ما أقام ألائمُ أراد وأنتم ما أقام لائم، فألائم جمع ألأم بمعنى لئيم، فلذلك جمعه، إلا أن ترك جمعه أجود، لأن اللفظ المستقر له حكم إذا قصد به غير معناه على سبيل النيابة لا يغير حكمه، ولذا لم يغير حكم الاستفهام في مثل: علمت أيّ القوم صديقك، ولا حكم النفي في: ألا طعانَ ألا فرسانَ عادية وإذا جمع أفعل العاري لتجرده من معنى التفضيل إذا جرى على جمع جاز أن يؤنث إذا جرى على مؤنث. ويجوز أن يكون منه قول "حنيف الحناتم" في صفات الإبل: سَرْعى وبَهيا وغزرى. وكان الأجود أن يقال أسرع وأبهى وأغزر، إلا أنه لما لم يقصد التفضيل جاء بفَعْلى موضع فعيلة، كما جاء قائل البيت بألائم في موضع لئام. وعلى هذا يكون قول ابن هانئ: كأنّ صُغْريَ وكُبْرى صحيحا لأنه لم يؤنث أصغر وأكبر المقصود بهما التفضيل، وإنما أنث أصغر بمعنى صغير وأكبر بمعنى كبير.

стр. 878

ص:"ويجوز هو أفضل رجل، وهي أفضل امرأة، وهما أفضل رجلين أو امرأتين، وهم أفضل رجال، وهنّ أفضل نسوة، معناه ثبوت المزية للأول على المتفاضلين واحدا واحدا، أو اثنين اثنين، أو جماعة جماعة. وإن كان المضاف إليه مشتقا جاز إفراده مع كون الأول غير مفرد. وألحق بأسبق مطلقا "أوّل" صفة، وإن نويت إضافته بني على الضم. وربما أعطى مع نيّتها ماله مع وجودها. وإن جرد عن الوصفية جرى مجرى "أفكل" وألحق "آخر" بأوّل غير المجرد فيما له من الإفراد والتذكير وفروعهما من الأوزان، إلا أن "آخر" يطابق في التنكير والتعريف ما هو له. ولا تليه "من" وتاليها، ولا يضاف، بخلاف أوّل. وقد تنكّر الدُّنْيا والجُلّى لشبههما بالجوامد. وأما حُسْنى وسُوءى فمصدران. ش: إذا قيل زيد أفضل رجل، والزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال، فمعناه زيد أفضل من كل واحد قيس فضله بفضله، والزيدان أفضل من كل رجلين قيس فضلهما بفضلهما، والزيدون أفضل من كل رجال قيس فضلهم بفضلهم، فحذفت من كل وأضيف أفعل إلى ما كان مضافا إليه. والكلام في أفضل امرأة وأفضل امرأتين وأفضل نسوة كالكلام في أفضل رجل وأفضل رجلين وأفضل رجال. ويلزم أفعل المستعمل هذا الاستعمال الإفراد والتذكير لشبهه بالعاري في التنكير وظهور من بعدها بأسهل تقدير. ولا بد من كون المضاف إليه مطابقا لما قبل المضاف ما لم يكن المضاف إليه مشتقا، فيجوز إفراده مع جمعية ما قبل المضاف كقوله تعالى: (ولا تكونوا أوّل كافر به) وقد تضمن الإفراد والمطابقة ما أنشده الفراء من قول الشاعر: وإذا هم طعموا فأوّلُ طاعم ... وإذا هم جاعوا فشرُّ جياع وإنما جاز الوجهان مع المشتق لأنه وأفعل مقدران بمَنْ والفعل. ومَن المعنى بها جمع يجوز في ضميرها إفراد اللفظ والجمع باعتبار المعنى.

стр. 879

واستعمل "أوّل" صفة جارية مجرى أفعل التفضيل في اللفظ مطلقا، فألزمت في التنكير الإفراد والتذكير، وأوليت "من" ومجرورا بها على حدّ ما وليا ما سبق. وأضيف إلى نكرة [كقوله تعالى (إنّ أوّل بيتٍ) وإلى معرفة] كقوله تعالى: (وأنا أوّلُ المسلمين). وجعل له فروع مخصوصة بحال التعريف كما فعل بأفعل التفضيل، فقيل الأوّلان والأولون والأوائل والأولى والأوليان والأوليات والأُوَل. وحكى الفارسي: ابدأ بهذا من أوّلَ، بالفتح على أنه مجرور ممنوع الصرف للوصفية والوزن. ومن أولُ، بالضم لنية الإضافة وقطعه عنها. ومن أوّلِ، بالخفض على تقدير الإضافة إلى مقدر الثبوت كما قال الراجز: خالطَ من سلمى خياشيمَ وَفا أراد وفاها فحذف المضاف إليه وقدّر ثبوته، فأعطى المضاف ما كان له مع عدم الحذف. واستعمل "أوّل" مجردا عن الوصفية فجرى مجرى "أفكل" في الصرف نحو: ماله أولٌ ولا آخرٌ. فلو جعل علما منع الصرف كقول الشاعر: أُؤمّلُ أن أعيشَ وأنّ يومي ... بأوَّلَ أو بأهْوَنَ أو جُبار فأول هنا علم ليوم الأحد ممنوع الصرف. فلو جعل أفكل – وهو الرعدة – علما منع الصرف. وأجرت العرب "آخر" مجرى أفعل التفضيل في الوصفية والتأنيث والتصحيح والتكسير فقالوا الآخر والأخرى والآخرون والأواخر والأخريات والأُخَر، كما قالوا الأكبر والكُبرى [والأكبران والكبريان] والأكبرون [والأكابر] والكبريات

стр. 880

والكُبَر. إلا أنه لا دلالة فيه على التفضيل بنفسه ولا بتأويل، إذ لا يصح في موضعه ما يدل على تفضيل كصلاحية أسبق في موضع أول، وكصلاحية أمرّ في موضع أصبر، وكصلاحية أسرق في موضع ألصّ؛ فلذلك لم يله مجرور بمن على حدّ ما يلي أفعل التفضيل ولا بإضافة، لكن مقتضى جعله من باب أفعل التفضيل أن يلازمه في التنكير لفظ الإفراد والتذكير وألا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع إلا معرّفا، فمنع هذا المقتضى، وكان لذلك معدولا عما هو به أولى، فلذلك مُنع "أُخَر" من الصرف وأجرى مجرى ثُلاثَ وأخواته. ويأتي تتميم الكلام على ذلك في باب موانع الصرف إن شاء الله تعالى. والدُّنيا والجُلّى مؤنثا الأدنى والأجلّ فكان حقهما ألا ينكرا إلا إذا ذكرا، لكنهما كثر أنْ يستعملا استعمال الأسماء المحضة، فلذلك جاز تنكيرهما، كقوله: في سعْيِ دُنيًا طالما قَد مُدَّتِ وكقول الآخر: وإنْ دعوتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمة ... يوما سراة كِرامِ الناسِ فادْعينا وقرأ بعض القراء الشواذ (وقولوا للناس حسنى) وهو مصدر على فُعْلى كالرُجعى، والحُسْنُ والحُسْنى والعُذر والعُذرى والسُّوء والسُّوءى، من المصادر التي جاءت على فُعْل وفُعْلى بمعنى واحد.
следующие страницы →