على المدينة، فقال: "ويل أُمّها، قريةٌ يدعها أهلها كأينع ما تكون".
وَروى ابن شبة عن شريحِ بن عبيد؛ أنه قرأ كتابًا لكعب: ليغشين أهل المدينة أمرٌ يُفْزِعهم حتى يتركوها وهي مُذللةٌ، وتبول السنانير على قطائف الخز ما يروعها شيء، وحتى تخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء.
وفي "الموطأ": "لتتركنّ المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب أو الذئب فيقذي -أي: يبول- على بعض سواري المسجد".
ورواه ابن شَبّة، ولفظه: "فيقذي على سواري المسجد والمنبر".
قال القاضي عياض: إنَّ هذا جرى في العصر الأول، وإنها تركت أحسن ما كانت من حيث الدين والدنيا، أما الدين: فلكثرة العلماء بها، وأما الدنيا: فلعمارتها واتساع حال أهلها.
وذكر الإخباريون: أنه رحل عنها أكثر أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي، وخلت مدة ثم تراجعوا.
قال: وقد حكى قومٌ كثيرون أنهم رأوا ما أنذر به ﷺ من تقذية الكلاب على سواري مسجدها. انتهى
وقال النووي: الظاهر المختار أن الترك لها يكون آخر الزمان.
قال السيد السمهودي في "تاريخها": إنه ورد ما يقضي أن الترك لها يكون مُتعددًا؛ فقد روى ابن شبة: "ليخرجن أهل المدينة منها ثم ليعودون إليها، ثم ليخرجن منها ثم لا يعودون إليها".
وروي أيضًا عن عمر ﵁ مرفوعًا: "يخرج أهل المدينة منها، ثم يعودون إليها فيعمرونها، ثم تمتلئ وتبنى، ثم يخرجون منها ولا يعودون إليها أبدًا".
قال: فالظاهر أن ما ذكره القاضي عياض هو الترك الأول، وسببه كائنة الحرة؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁: "يخرجهم أمراء السوء"، وأنه بقي الترك الذي يكون آخر الزمان. انتهى ملخصًا.
стр. 72
قُلْتُ: ويؤيد ما ذكره ما في رواية شريح السابقة: "ليغشين أهل المدينة أمرٌ يفزعهم حتى يتركوها"، فإن خروجهم عنها آخر الزمان يكون للهجرة إلى بيت المقدس؛ طلبًا للجهاد لا للفزع.
نعم؛ يمكن أن يقال: إن ذلك يقع في زمن السفياني أيضًا، وهو من أمراء السوء، وهو في آخر الزمان. لكن إذا ثبت التعدد سهل الأمر بأن يقال: يخرجون منها ثلاث مرات، وإنما ذُكِرَ في الحديث مرتين إيجازًا واختصارًا.
وبالجملة: فقد وقع ذلك في زمن يزيد، وهو من جملة قبائحه الشنيعة، ولابد من وقوعها مرة أخرى في آخر الزمان؛ كما صرحت به الأحاديث الصحيحة، وسيأتي إن شاء الله هذا الترك الثاني في القسم الثالث، وبالله التوفيق.
ومن الفتن التي وقعت في زمن بني مروان: قتل ابن الزبير، وهدم الكعبة، وتولية الحجاج؛ فإنه قتل مئة ألف وعشرين ألفًا وأربعة آلاف نفس حرام صبرًا، غير ما قتله في المحاربات، وأهان جماعةً من الصحابة، وختمهم في رقابهم إهانةً، منهم: أنس ﵁؛ خادم النبي ﷺ ، ودسَّ على ابن عمر ﵄ من ضربه بحربة مسمومة فقتله ... إلى غير ذلك من القبائح، ولا شك أنه سيئة من سيئات عبد الملك؛ فإنه كان أميرًا له على العراق وعلى الحجاز.
وعن حبيب بن أبي ثابت قال: قال علي ﵁ لرجل: لا متَّ حتى تدرك فتى ثقيف. قيل: ما فتى ثقيف؟ قال: ليُقالن له يوم القيامة: اكفنا زاويةً من زوايا جهنم؛ رجل يملك عشرين أو بضعًا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلَّا ارتكبها، حتى لو لم تبق إلَّا معصيةٌ واحدة وكان بينه وبينها بابٌ مغلق لكسره حتى يرتكبها، يَقتُلُ بمن أطاعه من عصاه. رواه البيهقي في "الدلائل".
ومنها: قتل زيد بن علي بن الحسين ﵁، وصلبه، وحرقه بالنار، وقتل ولده يحيى في زمانهم، وشربهم للخمر، وصلاتهم بالناس سكارى، وتقديمهم الجواري في المحراب، وغير ذلك من أنواع القبائح:
بل نقل السيوطي في "تاريخ الخلفاء": أن الوليد بن يزيد عزم على الحج؛ لأجل
стр. 73
أن يشرب فوق ظهر الكعبة، فَقُتِلَ قبل أن يبلغ مراده.
عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف ﵃: ألم يكن فيما تقرأ: (قاتلوا في الله في آخر مرة كما قاتلتم أول مرة)؟ قال: متى ذاك؟ قال: "إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو مخزوم الوزراء"، رواه الخطيب.
وقد مر لعنهم على لسان نبيهم ﷺ .
هذا وطريق السلامة والورع السكوت عنهم، والاشتغال بعيوب النفس وبذكر الله تعالى؛ فإن الاشتغال بهم بابٌ عظيمٌ من أبواب الشيطان، ولقد أحسن من قال:
لَعَمْرُكَ إِنَّ فِي ذَنْبِي لَشُغْلًا ... بِنَفْسِي عَنْ ذُنُوبِ بَنِي أُمَيَّه
عَلَى رَبِّي حِسَابُهُمُ تَنَاهَى ... إِلَيْهِ عِلْمُ ذَلِكَ لا إِلَيَّه
وَلَيْسَ بِضَائِرِي مَا قَدْ أَتَوْهُ ... إِذَا مَا اللهُ يَغْفِرُ مَا لَدَيَّه
ومنها: دولة بني العباس:
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقبلت رايات ولد العباس من عقبات خراسان جاؤوا بنعي الإسلام، فمن سار تحت لوائهم لم تنله شفاعتي يوم القيامة" رواه أبو نُعيم في "الحلية".
وعن أبي أمامة قال [: قال رسول الله ﷺ ]: "ستخرج راياتٌ من المشرق لبني العباس، أولها مثبور، وآخرها مثبور، لا تنصروهم، لا ينصرهم الله، من مشى تحت راية من راياتهم أدخله الله تعالى النار يوم القيامة. ألا إنهم شرار خلق الله، وأتباعهم شرار خلق الله، يزعمون أنهم مني وما هم مني". رواه الطبراني.
وعن ثوبان، وعن مكحول مرسلًا، وعن علي ﵁ موصولًا: "ما لي ولبني العباس؟ ! شيعوا أمتي، وسفكوا دماءها، وألبسوها ثياب السواد، ألبسهم الله ثياب النار" رواه الطبراني.
لكن قد رَوى السهروردي وغيره بسندٍ جيد: أن جبريل ﵇ نزل لابسًا
стр. 74
السواد، فقال: يا محمد؛ هذه ثياب بني عمك العباس، فدعا لهم ﷺ .
وقال: اللهم؛ اغفر للعباس وولده.
فَتُحْمل الأحاديث الأُول إن صحت على شرارهم، وهذا وأمثاله على خيارهم، على أن هذا أصح وله شواهد.
ومن الفتن التي وقعت في زمنهم:
- قتال أهل المدينة.
- وقتل محمد النفس الزكية ابن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط.
- وقتل أخيه إبراهيم بن عبد الله.
- وقتل جماعةٍ كثيرةٍ من العلويين.
- وحبس الإمام جعفر الصادق في زمن المنصور.
- وموت الإمام موسى الكاظم في الحبس في زمن الرشيد.
- وإدخال الفلسفة في الإسلام.
- ونصرة الاعتزال في زمن المأمون.
- وقتل كثير من العلماء.
- وتكليفهم القول بخلق القرآن.
- وضرب الإمام أحمد بن حنبل في زمنه وزمن المعتصم والواثق وغيرهم.
ولم تتفق الكلمة في زمنهم، ولم تَصْفُ لهم الخلافة، فكان أول من رجع عن الاعتزال منهم، ونصر السُنّة: المتوكل؛ فإنه رأى في المنام كأنَّ النبي ﷺ على تَلٍّ وحوله خلقٌ كثير، وهو ينادي بأعلى صوته: "ألا إن محمد بن إدريس الشافعي ترك فيكم عِلمًا نَفيسًا فاتبعوه تهتدوا"، فانتقل إلى مذهب الشافعي، وعين من بيت المال اثني عشر ألفًا لنشر حديث رسول الله ﷺ .
стр. 75
ثم لا زالوا في التناقص إلى أن بقي لهم من الخلافة مُجرد الاسم، وغلب آل سلجوق على معظم البلاد، فكان آخرهم بالعراق المستعصم الذي قتله التتار، ثم انتقلوا إلى مصر.
وكان زمانهم مشحونًا بالعلماء في كل فنٍّ؛ من التفسير، والحديث، والنحو، واللغة، والقراءات، والفقه، والكلام، والتاريخ، وغير ذلك، حتى أن زمان الرشيد كان يسمى: عروس الدهر.
ومنها: فتنة الفاطمية:
واستيلاؤهم على المغرب ومصر نحوًا من ثلاث مئة سنة، وإظهارهم الرفض، ونصرهم مذهب الباطنية، وإلحادهم في الدين.
وكان استيلاؤهم على جزيرة الفسطاط سنة ثمان وثلاث مئة، وكان انتزاعها منهم على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب الملك الناصر، في سنة أربع وستين وأربع مئة، فرحم الله روحه، وجزاه عن الإسلام خيرًا.
ومن فتن هؤلاء: أنَّ الحاكم منهم بنى دارًا وفرشها، وأجلس الفقهاء والمحدثين فيها، ثم بعد ثلاث سنين هدمها، وقتل الفقهاء والمحدثين.
وأنَّ الظاهر بن الحاكم جمع ألفين وست مئة وستين جارية مزينات بحليهن في قصرٍ، وأمر ببناء أبوابه إلى أن مِتن كُلُّهن، وبعد ستة أشهر أضرم عليهن النار، فأحرقهن بثيابهن وحليهن، فلا ﵀، ولا رحم من خلفه. ذكر ذلك السيوطي في "حُسْنِ المحاضرة".
قال ابن أبي حَجلَة في "السكردان": إن الحاكم قتل من العلماء ما لا يُحصى، وأمر بِسَبِّ الصحابة، وأمر بكتب ذلك على أبواب المساجد والشوارع، ثم محاه بعد مدة، وهدم قمامةً، وبنى مكانها مسجدًا، ثم أعادها كما كانت.
وبنى المدارس، وجعل فيها العلماء والمشايخ، ثم قتلهم وهدمها، ونهى عن أكل الملوخية والجرجير، وعلل تحريمها بكون معاوية ﵁ يميل إلى الملوخية، وعائشة ﵂ إلى الجرجير.
стр. 76
ونهى عن بيع الرطب، ثم جمع منه شيئًا كثيرًا وأحرقه، وكان مقدار النفقة على إحراقه خمس مئة دينار.
ونهى عن بيع العنب، وقلب خمسة آلاف ألف جرة من جرار العسل في البحر، وكسر جراره.
وأمر النصارى واليهود بالدخول في الإسلام كُرهًا، ثم أمرهم بالعود إلى أديانهم، فارتد منهم في سبعة أيام ستة آلاف، وخرب كنائسهم ثم أعادها.
وادعى الربوبية، وكتب: باسم الحاكم الرحمن الرحيم.
واجتمع له كثير من الجهال، وبذل لهم المال، ونادوه باسم الإله، فكانوا إذا رأوه قالوا: يا واحد، يا أحد، يا محيي، يا مميت.
وصَنَّف له بعض الباطنية كتابًا ذكر فيه: أن روح آدم انتقل إلى عليٍّ، ثم إليه، وقُرِئَ هذا الكتاب بجامع القاهرة، وَسُيِّر هذا المُصَنِّفُ إلى جبال الشام، فنزل بوادي التيم، وناحية بانياس، واستمال الناس، وأعطاهم المال، وأباح لهم الخمر والزنا، ودعاهم إلى معتقد الحاكم، فَأضلّ منهم خلقًا كثيرًا.
وفي وادي التيم إلى يومنا هذا قرىً كَثيرة يعتقدون رجوع الحاكم، وأنه يعود ويمهد الأرض. هذا كلامه مُلخصًا.
واستمروا بها ظالمين إلى أن أبادهم الله على أيدي السلاطين الأكراد الأيوبية، وتولى هؤلاء أيضًا قَريبًا من مئتي سنة؛ من سنة أربع وستين وأربع مئة إلى سنة ثمان وأربعين وست مئة، آخرهم الملك المعظم تورانشاه قتله أتباعهم الأتراك، وتولى أولئك أيضًا؛ من هذه السنة إلى سنة ثمان وسبعين وسبع مئة، ثم استولى على الأمر أتباعهم الجراكسة إلى سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة، ثم غلبهم ملوك بني عُثمان إلى يومنا هذا.
فالملك والأرض لله يُورِثُها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 77
ومنها: فتنة القرامطة:
وإهانتهم الدين، واستحلالهم الحُرُمْ، وستأتي الإشارة إليهم فيما بعد (١).
ومنها: قتال الترك وفتنتهم؛ وهم التتار:
فقد رَوى الستة إلَّا النسائي: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر (٢)، وحتى تقاتلوا الترك؛ صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف؛ كأن وجوههم المجان المطرقة".
وفي رواية للبخاري: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوز وكرمان؛ قومًا من الأعاجم، حمر الوجوه".
وفي لفظ له: "عراض الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، وجوههم المجان المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر".
تَنبيه
قوله: (نعالهم الشعر) على ظاهره.
قال البيهقي: وقد وقع ذلك؛ فإن قومًا من الخوارج قد خرجوا بناحية الري وكانت نعالهم الشعر، وقوتلوا. ذكره السيوطي في "الخصائص الكبرى".
قيل: ويحتمل أن يكون من جلود مشعرة غير مدبوغة، ويحتمل أن المراد: وفور شعرهم حتى يطؤوها بأقدامهم.
قال المناوي في "تخريج المصابيح": وحمر الوجوه: بيض الوجوه مشربة بحمرة، وذلف الأنوف بالذال المعجمة في رواية الجمهور.
стр. 78
قال صاحب "المشارق": وهو الصواب.
ويروى بالمهملة؛ وهو بضم الدال، وسكون اللام: جمع أدلف؛ كأحمر.
وَحُمر: معناه: فُطْسُ الأنُوف؛ كما في الرواية الأخرى؛ أي: قصارها مع انبطاح، وقيل: غلظ أرنبة الأنف. قاله النووي.
والمَجانَّ؛ بفتح الميم، وتشديد النون: جمع مِجَنٍّ؛ بكسر الميم؛ وهو التُّرس.
والمُطْرقة؛ بضم الميم، وسكون الطاء، وحكي: فتح الطاء، وتشديد الراء.
قال النووي: الأول هو المشهور في الرواية وكتب اللغة، ومعناه: أنَّ وجوههم عريضة؛ كما في الرواية الأخرى، ووجناتهم ناتئةٌ كالتُّرس المطرقة.
وخوز: ضبطه في "النهاية" بالخاء والزاي المعجمتين؛ مُضافًا إلى كرمان.
قال: وهو جبل معروف، وهو من بلاد الأهواز من عراق العجم، بحيث قيل: إنه صِنْفٌ منهم.
وكرمان: صقعٌ معروف في العجم.
قال السخاوي: وهي بلدة معمورة من بلاد العجم بين خراسان وبحر الهند.
قال في "النهاية": ويروى بالراء المهملة؛ وهو من أرض فارس.
وصوبه الدارقطني قال: وروي خوزًا (١)، وكرمان، وقيل: إذا أضيف فبالراء، وإذا عطف فبالزاي المعجمة.
وورد: "اتركوا التُّرك ما تركوكم؛ فإنَّ أوّل من يَسلُبُ أمتي مُلْكَهم بنو قنطوراء. . . ." الحديث.
زاد في رواية: "فإنهم أصحاب بأسٍ شديد، وغنائمهم قليلة".
стр. 79
قال النووي: هذه الأحاديث كلها معجزة لرسول الله ﷺ ؛ فقد عُرِفَ هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها النبي ﷺ ، وقاتلهم المسلمون مرات.
قال السخاوي (١) في "القناعة": ومن المرات التي قاتل فيها المسلمون الترك في دولة بني أمية، وكان ما بينهم وبين المسلمين مسدودًا، إلى أن فُتِحَ ذلك شيئا بعد شيء، وكثر السبي منهم؛ لما فيهم من الشدة والبأس، حتى كان أكثر عسكر المعتصم منهم، ثم غلبت الأتراك على المُلْك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده؛ واحدًا بعد واحد، إلى أن خالط المملكة الديلم.
ثم كانت الملوك السامانية من الترك أيضًا، فملكوا بلاد العجم، ثم غلب على تلك المماليك آل سُبْكتُكِين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق، والشام، والروم.
وكان بقايا أتباعهم بالشام، وهم آل زِنْكي، وأتباع هؤلاء؛ وهم بيت أيوب، واستكثر هؤلاء أيضًا من الترك فغلبوهم بالديار المصرية، والشامية، والحجازية، وخرج على آل سلجوق في المئة الخامسة الغُزْ، فخربوا البلاد، وفتكوا في العباد.
ثم جاءت الطامة الكبرى بالتتار بعد الست مئة، فكان خروج جنكيز خان، واستعرت الدنيا بهم نارًا، لاسيما المشرق بأسره، حتى لم يبق بلدٌ منه حتى دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المستعصم على أيديهم، وهو آخر الخلفاء العباسية ببغداد؛ الذي رثاه مصلح الدين السعدي الشيرازي بالقصيدة الفارسية التي مطلعها:
آسمان راحق بُوَدُ كرون بكَريد برزمين ... برزوال ملك مستعصم أمير المؤمنين
ومعناه: حُقَّ للسماء أن تبكي على الأرض؛ لزوال ملك المستعصم أمير المؤمنين في سنة ست وخمسين وست مئة.
قال التاج السبكي في "طبقاته": لم يكن منذ خلق الله الدنيا فتنةٌ أكبر من فتنةِ
стр. 80
التتار؛ فإنهم خربوا المساجد، وحرقوا المصاحف والكتب، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وبقروا بطونهن، فأخرجوا أولادهن وقتلوهم.
قال السخاوي: ثم لم تزل بقاياهم يخرجون إلى أن كان آخرهم الأمير تيمور الأعرج، فطرق الديار الشامية، وعاث فيها، وحرق دمشق حتى جعلها خاوية على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن مات، وتفرق بنوه في البلاد.
وظهر بجميع ذلك مصداق قوله ﷺ : "إنَّ أول من يَسْلُبُ أمتي مُلكها بنو قنطوراء".
قال في "القناعة": وقنطوراء؛ بالمد والقصر، قيل: كانت جارية لإبراهيم الخليل ﵊، فولدت له أولادًا، فانتشر منهم الترك، حكاه ابن الأثير واستبعده، وجزم به المجد في "القاموس". انتهى
ومصداق ما رَوى الخطيب عن عليّ ﵁: تكون مدينة بين الفرات ودجلة، يكون فيها ملك بني العباس؛ وهي الزوراء، تكون فيها حرب مفظعة، تسبى فيها النساء، وتُذبح فيها الرجال؛ كما تذبح الغنم.
قال: وإسناده شديد الضعف.
قال الحافظ السيوطي في "الجامع الكبير": وقعت هذه الحرب بعد موت الخطيب بأكثر من مئتي سنة، وذلك مما يقوي الحديث.
وقال ابن مسعود ﵁: كأني بالترك وقد أتتكم على براذين مخرمة الآذان، حتى تربطها بشط الفرات.
وفي حديث آخر: يُلْحِقُونَ أهل الشام بمنابت الشِّيح؛ كأني أنظر إليهم وقد ربطوا خيولهم بسواري المسجد.
فائِدَة
قال السخاوي في "القناعة": أسند الحاكم صاحب "الصحيح" في "مستدركه" إلى محمد بن يحيى أبي بكر الصولي النحوي قال: أول من مدح الترك من شعراء
стр. 81
العرب علي بن عباس الرومي؛ حيث يقول:
إِذَا ثَبَتُوا فَسَدٌّ مِنْ حَدِيدٍ ... تَخَالُ عُيونَنَا فِيهَا بِحَارَا
وَإِنْ بَرَزُوا فَنِيرَانٌ تَلَظَّى ... عَلَى الأَعْدَاءِ يضرمها استعارا
ومنها (١): نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى؛ كما أخبر به ﷺ :
روى البخاري، والحاكم في "المستدرك": عن أبي هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى".
وروى ابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم وصححه: عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليت شعري متى تخرج نار من جبل وراق تضيء لها أعناق البخت ببصرى كضوء النهار؟ ! ".
وروى الطبراني بسنده عن عاصم بن عدي الأنصاري قال: سألَنا رسول الله ﷺ حدثان ما قَدِمَ -أي: أول ما قدم المدينة- قال: "أين حَبْسُ سيل؟ " قلنا: لا ندري. فمر بي رجل من بني سليم، فقلت: من أين جئت؟ قال: مِنْ حَبْس سيل. فدعوت بنعلي، فانحدرت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله؛ سألتنا عن حَبْس سيل، فقلنا: لا علم لنا به، وإنه مر بي هذا الرجل، فسألته، فزعم أنه من أهله. فسأله رسول الله ﷺ "فقال: أين أهلك؟ " فقال: بحبس سيل. فقال: "أخرج أهلك؛ فإنه يوشك أن تخرج منها نار تضيء أعناق الإبل ببصرى".
وروى هو، وأبو يعلى، والإمام أحمد من رواية رافع بن بشر السُّلمي، عن أبيه -
стр. 82
قال الحافظ الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، غير رافع، وهو ثقة- قال: "يُوشِكُ نار تخرج من حبس سيل، تسير سير بطيئة الإبل، تسير النهار، وتقيم الليل ... " الحديث.
وفي "مسند الفردوس": عن عمر ﵁: "لا تقوم الساعة حتى يسيل وادٍ من أودية الحجاز بالنار، تضيء أعناق الإبل ببصرى".
قال نور الدين السيد علي السمهودي في "تاريخ المدينة": وقد ظهرت هذه النار بالمدينة، واشتهرت اشتهارًا بلغ حد التواتر، وتقدمها زلازل مهولة، وأشفق أهل المدينة منها غاية الإشفاق، والتجؤوا إلى النبي ﷺ .
وكان ابتداء الزلزلة بالمدينة مستهل جمادى الآخرة، وآخر جمادى الأولى، سنة أربع وخمسين وست مئة؛ أي: فيكون قبل قتل المستعصم وخراب بغداد بسنتين.
قال: لكنها كانت خفيفة، واشتدت يوم الثلاثاء، وظهرت ظُهورًا عظيمًا، ثم لما كان ليلة الأربعاء؛ ثالث الشهر، أو رابعه في الثلث الأخير منها حدثت زلزلة عَظِيمة انزعجت القلوب لهيبتها، واستمرت بقية الليل إلى يوم الجمعة، ولها دَويٌّ أعظم من الرعد، فَتمُوجُ الأرض، وتُحَرِّكُ الجُدُرات، حتى وقع في يَومٍ وَاحدٍ دون ليلته ثمان عشرة حركة، فسكنت ضحى يوم الجمعة، ولما كان نصف النهار ظهرت تلك النار، فثار من محل ظُهورها دُخَانٌ متراكم غشي الأفق سواده.
فلما تراكمت الظلمات، وأقبل الليل سطع شُعَاعُ النار، وظهر بقريظة بطرف الحرة ترى في صفة البلد العظيم، عليها سُورٌ محيط، عليه شراريف وأبراج ومنائر، وترى رجال يقودونها لا تمر على جبلٍ إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق، له دويٌّ كدوي الرعد، يأخذ الصخور من بين يديه، وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك رَدْمٌ صار كالجبل العظيم، وانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك، فكان يأتي المدينة نَسِيمٌ بَارِدٌ، وشوهد لهذه النار غليانٌ؛ كغليان البحر.
وقال بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رُؤيَت من مكة، ومن جبال بصرى.
стр. 83
وقال القاضي سنان: وطلعت إلى الأمير -أي: أمير المدينة- وكان عز الدين منيف، وقلت له: قد أحاط بنا العذاب، فارجع إلى الله تعالى.
قال: فأعتق كل مماليكه، ورد على الناس مظالمهم، وأبطل المكس، ثم هبط الأمير إلى النبي ﷺ ، وبات في المسجد ليلة السبت، ومعه جميع أهل المدينة، حتى النساء والصغار، وحتى أهل النخيل، وباتوا يَتَضرعُون ويبكون، وأحاطوا بالحجرة الشريفة، كاشفين رؤوسهم، مقرين بذنوبهم، مستجيرين بنبيهم، فصرف الله عنهم تلك النار العظيمة ذات الشمال، فسارت من مخرجها وسارت ببحر عظيم من النار، وأخذت في وادي أُحْيليين، وأهل المدينة يشاهدونها من دورهم؛ كأنها عندهم، واستمرت مدة ثلاثة أشهر.
قال المطري: وكانت تُذِيبُ الحجر، ولا تَحرقُ الشجر.
وذكر القسطلاني: أن هذه النار لم تزل مارةً على سبيلها حتى اتصلت بالحرة ووادي الشظاة، وهي تسحق ما والاها، وتُذِيبُ ما لاقاها من الشجر الأخضر والحصى؛ من قوة الحر، وأن طرفها الشرقي آخذ بين الجبال، فحالت دونها فوقفت، وأن طرفها الغربي -وهو الذي يلي الحرم- اتصل بجبل يقال له: وعيرة؛ على قرب من شرقي جبل أُحُد، ومضت في الشظاة التي في طرفه وادي حمزة، ثم استمرت حتى استقرت تجاه حرم النبي ﷺ ، فَطُفِئت.
قال: وأخبرني من أعتمد عليه أنه عاين حجرًا ضخمًا من حجارة الحرة كان بعضه خارجًا عن حد الحرم، فعلقت بما خرج منه، فلما وصلت إلى ما دخل منه في الحرم طفئت، وخمدت.
قال: وهذا أولى بالاعتماد من كلام المطري أنها كانت تحرق الحجر دون الشجر، وأن رجُلًا مد إليها نبلًا فأحرقت النصل ولم تحرق الخشب. فإن المطري لم يُدرك هذه النار.
وقال المؤرخون: واستمرت هذه النار مدة ظهورها تأكل الأحجار والجبال، وتسير سيرًا ذريعا في وادٍ يكون مقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعمقه
стр. 84
قامتان ونصف، وهي تجري على وجه الأرض، والصخر يَذُوبُ حتى يبقى مثل الآنك، فإذا خمد اسود بعد أن كان أحمر.
ولم يزل يجتمع من هذه النار الحجارة المذابة في آخر الوادي عند منتهى الحرة حتى قطعت في وسط وادي الشظاة إلى جهة جبل وعيرة، فسدت الوادي المذكور بسدٍّ عَظيمٍ من الحجر المسبوك ولا كسدِّ ذي القرنين؛ يُعْجَزُ عن وصفه، ولا مسلك لإنسان فيه ولا دابة.
وقال العماد بن كثير: أخبرني القاضي صدر الدين الحنفي قال: أخبرني والدي صفي الدين؛ مدرس مدرسة بُصرى، أنه أخبره غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بلدة بُصرى: أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء تلك النار مصداق قوله ﷺ .
وقد كان إقبال هذه النار من جهة شرق المدينة في جهة طريق السوارقية، وهناك حَبْسُ سيل؛ فإنه بين حرة بني سُلَيم، والسوارقية.
وبعد انطفاء النار في هذه السنة احترق مسجد النبي ﷺ ، وزادت دجلة زيادةً عظيمةً، فغرق أكثر بغداد، وتهدمت دار الوزير، وكان ذلك إنذارًا لهم.
وفي السنة التي تلي هذه السنة وقعت الطَّامةُ الكبرى (١)؛ وهي أخذ التتار لبغداد، وقتل الخليفة المستعصم، وبذل السيف ببغداد نَيفًا وثلاثين يومًا، وأُخرجت الكتب فألقيت تحت أرجل الدواب، وشوهد بالمدرسة النظامية معالف الدواب مبنية بالكتب موضع اللَّبِنْ، وخلت بغداد من أهلها، واستولى عليها الحريق، واحترقت دار الخلافة، وعم الحريق أكثر الأماكن حتى القصور البرانية وتربة الرِّصَافة مدفن ولاة الخلافة. ورُئِيَ على بعض حيطانها مكتوبًا شعر:
إِنْ تُرِدْ عِبْرَةً فَهذِي بَنُو الْعَبَّـ ... ـاسِ دَارَتْ عَلَيْهِمُ الدَّائِرَاتُ
اُسْتُبِيحَ الْحَرِيمُ إِذْ قُتِلَ الأَحْـ ... ـيَاءُ مِنْهُمْ وَأُحْرِقَ الأَمْوَاتُ
стр. 85
وقال بعضهم شعرًا:
سُبْحَانَ مَنْ أَصْبَحَتْ مَشِيئَتُهُ ... جَارِيَة فِي الْوَرَى بِمِقْدَارِ
فِي سَنَةٍ أَغْرَقَ الْعِرَاقَ وَقَدْ ... أَحْرَقَ أَرْضَ الْحِجَازِ بِالنَّارِ
ثم كثر الموت والفناء ببغداد، وطُوي بِسَاطُ الخلافة منها، فلله الأمر من قبل ومن بعد، يعز من يشاء ويذل من يشاء. هذا ملخص "تاريخ السمهودي".
وهذه النار غير النار التي تَخْرُج آخر الزمان تحشر الناس إلى محشرهم، تبيت معهم وتقيل، وستأتي في القسم الثالث إن شاء الله تعالى.
ومنها: ظهور الرفض، واستبداد الرافضة بالملك، وإظهار الطعن واللعن على جَنابِ الصحابة الكرام:
وهذا أعظم الفتن، وأشد المِحَن، وموت السُّنن.
فقد روى الدارقطني عن فضيل بن مرزوق، عن أبي الحجاف داود بن أبي عوف، عن محمد بن عمرو بن الحسين، عن زينب -يعني: بنت عليّ بن أبي طالب-، عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ؛ أنه ﷺ قال لعلي: "يا أبا الحسن؛ أما إنك وشيعَتك في الجنة، وإن قومًا يزعمون أنهم يحبونك يُصَغِّرُون الإسلام، ثم يرفضونه ويلفظونه، يمرقون منه كما يَمْرقُ السهم من الرمية، لهم نُبَزُ، يقال لهم: الرافضة، فإن أدركتهم فقاتلهم؛ فإنهم مشركون".
وأخرجه من طريق أبي الحجاف، عن أبي جعفر الباقر، عن فاطمة الصغرى، عن فاطمة الكبرى، عن النبي ﷺ ، به.
ثم قال الدراقطني: ولهذا الحديث عندنا طُرقٌ كثيرة كتبناها في "مسند فاطمة ﵂"، وتقصيناها هناك.
ثم أخرج عن أم سلمة ﵂ نحوه، وزادت في آخره: "قالوا: يا رسول الله؛ ما العلامة فيهم؟ قال: لا يشهدون جُمعة ولا جماعة، ويطعنون على السلف الأول".
стр. 86
وروى الطبراني، وأبو نُعيم في "الحلية"، والخطيب البغدادي، وابن الجوزي -وفي سنده محمد بن جحادة "ثقة غالٍ في التشيع، روى له الشيخان-، ورواه ابن أبي عاصم في "السُّنّة"، وابن شاهين، وابن بشران، والحاكم في "الكنى"، وخيثمة بن سليمان الطرابلسي في "فضائل الصحابة"، واللالكائيُّ في "السُّنّة"؛ كلهم عن علي كرم الله وجهه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أنت وشيعتك في الجنة، وسيأتي قوم لهم نَبزٌ -أي: لقب- يقال لهم: الرافضة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإنهم مشركون".
زاد ابن أبي عاصم، وابن شاهين في روايتهما: "قلت: يا رسول الله؛ ما العلامة فيهم؟ قال: يُقَرِّظُونك -أي: يمدحونك- بما ليس فيك، ويطعنون على أصحابي ويشتمونهم".
وفي رواية ابن بشران، والحاكم: "ينتحلون حُبّكَ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم".
وفي رواية خيثمة، واللالكائي به: قال علي ﵁: سيكون بعدنا قوم ينتحلون مودتنا تكون علينا مارقة، وآية ذلك أنهم يَسُبون أبا بكر وعمر.
وفي لفظ اللالكائي: لهم نبز، يسمون: الرافضة، يعرفون به، ينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر.
وروى أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام، فإذا رأيتموهم فاقتلوهم؛ فإنهم مشركون".
ولفظ الطبراني بإسنادٍ حَسنٍ عنه: كنت عند النبي ﷺ وعنده علي، فقال ﷺ : "سيكون في أمتي قوم ينتحلون حُبَّ أهل البيت، لهم نبز يسمون الرافضة، فاقتلوهم فإنهم مشركون".
وأخرج أيضًا من طُرقٍ من طريق أهل البيت، عن علي ﵁؛ مرفوعًا: "يظهر في أمتي آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام".
стр. 87
وروى خشيش، وابن أبي عاصم، والأصبهاني، عنه كرم الله وجهه قال: يهلك فينا أهل البيت فريقان: مُحبٌّ مُفرط، وباهِتٌ مُفترٍ.
وفي لفظ: يهلك فِيَّ رجلان مُحبٌّ مُفرط؛ يقرظني بما ليس فيّ، ومُبغضٌ مُفرط؛ يحمله شنآني على أن يبهتني. ورواه أحمد في "مسنده" بهذا اللفظ.
وفي رواية: يحبني قَومٌ حتى يدخلهم حبي النار، ويبغضني قوم حتى يدخلهم بغضي النار. وفي رواية: اللهم؛ العَن كل مبغض لنا، وكل محب لنا غالٍ.
وفي لفظ: يقتل في آخر الزمان كل من على رأي عليّ وحسن.
وفي لفظ: كل من على رأي حسن وأبي حسن، وذلك إذا أفرطوا فيَّ؛ كما أفرطت النصارى في عيسى ابن مريم، فانثالوا على ولدي فأطاعوهم طلبًا للدنيا.
وأخرج محمد بن سوقة، عنه كرّم الله وجهه قال: تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، شرها من ينتحل حُبنا ويفارق أمرنا.
وصح أن من أشراط الساعة: أن يلعن آخر هذه الأمة أولها.
ومن فتن هذه الطائفة: أنهم قتلوا العلماء بأكثر البلاد، بل ونبشوا قبورهم، واستهانوا بكثير من مشاهد هذه الأمة، حين استولوا على بغداد، ولار، وشيراز، وغيرها.
وناهيك أن شيراز كان دار العلم والسُّنّة، والآن صار معدن الرفض، وحصر هؤلاء العبادة والدين في السبِّ، وضموا إلى الصحابة السلف الصالح وأئمة المذاهب؛ فلم يتركوا أحدًا من أهل السُّنّة والجماعة حيًا وميتًا إلا وسبوه على المنابر والمنائر، ويدعون أنهم شِيعةُ عليّ ﵁، وينتحلون حُبَّ أهل البيت، وليسوا من ذلك في شيء؛ فإن من علامة المُحِب الاقتداء بمن يُحبه، وأدنى صفاته كرّم الله وجهه: الزهد في الدنيا، وعدم شق عصا الإسلام.
وعن موسى بن علي بن الحسين بن علي ﵃ وكان فاضلًا، عن أبيه، عن جده قال: إنما شيعتنا من أطاع الله تعالى وعمل مثل أعمالنا.
стр. 88
وقد ورد غير ما حديث في مدح شيعته، وأنهم يدخلون الجنة معه، منها ما مر.
ومنها: ما رواه الإمام علي بن موسى الرضا، عن آبائه، عن علي ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال له: "أنت وشيعتك تردون عليَّ الحوض رواء مرويين مبيضة وجوهكم، وإن عدوكم يردون عليّ الحوض ظماء مقمحين" أخرجه الطبراني في "الكبير" بسندٍ ضعيف.
وما رواه الحافظ جمال الدين الزرندي، عن ابن عباس ﵄؛ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ قال النبي ﷺ : "هو أنت وشيعتك؛ تأتون يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غِضَابًا مقمحين، فقال: ومن عدوي؟ قال: من تبرأ منك ولعنك".
فقد بيّن ﷺ عدوه، وأن من لم يفعل ذلك فهو من شيعته لا من عدوه، وقد بيّن عليٌّ كرم الله وجهه صِفات شيعته وعلاماتهم حتى لا يلتبس بهم مُدَّعٍ.
فقد روى الدينوري، وابن عساكر عن المدائني، قال: نظر علي بن أبي طالب إلى قوم ببابه، فقال لقنبر: يا قنبر من هؤلاء؟ قال: هؤلاء شيعتك. قال: وما لي لا أرى فيهم سيما الشيعة؟ قال: وما سيما الشيعة؟ قال: خُمصُ البطون من الطوى، يُبسُ الشفاه من الظمأ، عُمشُ العُيون من البكاءِ.
وقد صح عنه كرّم الله وجهه، قوله: لا يجتمع حبي وبُغْضُ أبي بكر وعمر ﵄ في قلب مؤمن.
وروى صاحب "المطالب العالية": عن نوف البكالي، أن أمير المؤمنين عليًا كرّم الله وجهه خرج يَؤُمُّ المسجد وقد أقبل إليه جندب بن نصير، والربيع بن خثيم، وابن أخيه همام بن عباد بن خثيم، وكان من أصحاب البرانس المتعبدين، فأفضى عليّ وهم معه إلى نَفَرٍ، فأسرعوا إليه قيامًا وسلموا عليه، فرد التحية، ثم قال: من القوم؟ فقالوا: أناسٌ من شيعتك يا أمير المؤمنين. فقال لهم خيرًا، ثم قال: يا هؤلاء؛ ما لي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا؟ ! فأمسك القوم حَياءً، فأقبل عليه جُنْدُب والربيع، فقالا له: ما سمة شيعتكم يا أمير المؤمنين؟ فسكت،
стр. 89
فقال همام -وكان عَابدًا مُجتهدًا-: أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت، وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتكم. قال: فسأنبئكم جميعًا. ووضع يده على مَنْكِب همام وقال: شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب، مأكولهم القوت، وملبوسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، نجعوا الله بطاعته، وخضعوا إليه بعبادته، مضوا غاضين أبصارهم عما حرّم الله عليهم، موقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء؛ رضاءً عن الله بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين؛ شوقًا إلى لقاء الله تعالى والثواب، وخوفًا من أليم العقاب، عَظُمَ الخالق في أنفسهم، وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها، فهم على أَرائِكِهَا متكئون، وهم والنار كمن رآها، فهم فيها يعذبون، صبروا أيامًا قليلة، فأعقبهم راحةً طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يُرِيدُوها، وطلبتهم فأعجزوها.
أما الليل: فصافُّون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن ترتيلًا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارًا عظيمًا، ويَجْأرُون إليه في فكاك رقابهم. هذا ليلهم.
فأما نهارهم: فحكماء علماء، بررةٌ أتقياء، براهم خوف بارئهم؛ فهم تحسبهم مرضى أو قد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربهم وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال الزكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، ترى لأحدهم قوة في دين، وحزمًا في لين، وإيمانًا في يقين، وحرصًا على علم، وفهمًا في فقه، وعلمًا في حلم، وكيسًا في قصد، وقصدًا في غناء، وتَجمُّلًا في فاقة، وصبرًا في شدة، وخُشوعًا في عبادة، ورحمة لمجهود، وإعطاءً في حق، ورفقًا في كسب، وطلبًا في حلال، ونشاطا في هدىً، وإعتصامًا في شهوة، لا يضرُّه ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل، وهو من صالح عمله على وَجل، يُصبح وشُغله الذِّكرُ، ويمسي
стр. 90
وهمه الشُّكْرُ، يَبيتُ حَذِرًا من سِنَة الغفلة، ويصبح فرحًا بما أصاب من الفضل والرحمة، رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، وقد قرن العلم بالعمل، والحلم بالعلم، دائمًا نشاطه، بعيدًا كسله، قريبًا أمله، قليلًا زلله، متوقعًا أجله، خاشعًا قلبه، ذاكرًا ربه، قانعة نفسه، مُحرزًا دينه، كَاظِمًا غيظه، آمنًا منه جاره، سهلًا أمره، معدومًا كبره، بيِّنًا صبره، كثيرًا ذكره، لا يعمل شيئًا من الخير رياءً، ولا يتركه حياءً.
أولئك شيعتنا وأحبتنا، ومنا ومعنا، ألا ما أشوقنا إليهم! .
فصاح همام صيحةً فوقع مغشيًا عليه، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا، فغُسِل وصَلى عليه أمير المؤمنين ومن معه ﵀.
فهؤلاء هم شيعته، لا من لا يَعْلَمُ من دينه إلا حلق اللحية أو قصها، وتعمير القدرة بالتنباك ومصها، وسبَّ الشيخين وبغضهما، ورفع النَّصير المُنَجّم وخفضهما، والطعن على الصحابة والصدر الأول، والتمسك بأكاذيب ما عليها معول، ونسبة أُم المؤمنين الصديقة عائشة ﵂ المبرأة في بِضْعِ عشرة آية من القرآن إلى الفاحشة.
ولنِعْمَ ما قال زين العابدين علي بن الحسين السجاد ﵁ لجماعة نالوا من الصحابة عنده: هل أنتم من المهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا. . .﴾ الآية؟ ، قالوا: لا.
قال: هل أنتم من ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ. . .﴾ الآية؟ ، قالوا: لا. قال: فأنا أشهد بين يدي الله يوم القيامة أنكم لستم من الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فمن أنتم؟ !
نسأل الله العفو والعافية في الدارين، ونعوذ به من الخذلان والمكر والاستدراج، ومن يضلل الله فما له من هاد.
стр. 91
ومنها: خروج (١) دَجّالين كَذّابين كلهم يَدّعي أنه رسول الله؛ كما أخبر به ﷺ :
فقد روى أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حِبّان، وهو طرفٌ من حديث أخرجه مسلم عن ثوبان؛ أنه ﷺ قال: "سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي".
وفي رواية البخاري: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله".
ولأحمد، وأبي يعلى من حديث عبد الله بن عمر ﵄: "وبين يدي الساعة ثلاثون دجالًا كذابًا".
وفي حديث علي ﵁ عند أحمد نحوه، وفي حديث ابن مسعود ﵁ عند الطبراني نحوه.
وفي حديث سمرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور الدجال" أخرجه أحمد، والطبراني، وأصله عند الترمذي وصححه.
وفي حديث ابن الزبير ﵄: "إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا؛ منهم الأسود العَنَسي صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة" يعني: مُسَيلمة.
وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄: "وثلاثون كذابًا أو أكثر، قلت: ما آيتهم؟ قال: يأتونكم بسُنّة لم تكونوا عليها، يغيرون سُنتكم، فإذا رأيتموهم فاجتنبوهم".
стр. 92
وفي رواية عبد الله بن عمرو ﵄ عند الطبراني: "لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابًا".
ونحوه عند أبي يعلى من حديث أنس ﵁.
قال الحافظ ابن حجر: وسندهما ضعيف.
وهو إن ثبت؛ محمولٌ على المبالغة لا على التحديد.
وأما التحديد: ففيما أخرجه أحمد عن حذيفة ﵁ بسندٍ جيد: "سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وأنا خاتم النبيين؛ لا نبي بعدي". وهذا يَدُل على أن رواية الثلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر، ويُؤيده حديث البخاري المار قريب من ثلاثين.
قال: ويحتمل أن يكون ما ذكره من الثلاثين أو نحوها يدَّعون النبوة، ومن زاد عليهم كما في رواية (أو أكثر)، ورواية (سبعون) يكون كذابًا فقط، لكن يدعون إلى الضلال؛ كغُلاة الرافضة والباطنية، والحلولية وسائر الفرق الدعاة إلى ما يُعلَمُ بالضرورة أنه خلاف ما جاء به سيدنا محمد ﷺ .
قال: ويُؤيده أن في حديث علي ﵁ عند أحمد: فقال علي لعبد الله بن الكَوّاء: وإنك لمنهم.
وابن الكواء لم يدع النبوة، وإنما كان يَغْلُو في الرفض. انتهى
قُلْتُ: ويؤيده أيضًا ما في حديث ابن عمر ﵄ المار: "قلت: وما آيتهم؟ قال: يأتونكم بسُنّة لم تكونوا عليها. . ." إلخ.
وقد كان منهم الأسود العنسي صاحب صنعاء، ومُسيلمة الكذاب صاحب اليمامة؛ كما أخبر به ﷺ ، وقد مر آنفًا في حديث ابن الزبير.
وكان من خبرهما؛ كما ذكره البقاعي في "اللامعة المنيرة": أن النبي ﷺ لما رجع من حَجّة الوداع حصل له مرضٌ عوفي منه، ثم مَرِض عن قريب مرض الموت، فطارت الأخبار في ذلك المرض الأول بأنه ﷺ قد اشتكى، فادعى الكذابان ما ادعيا، وفعلا من الشر ما فعلاه. فبلغ النبي - صلى الله عليه
стр. 93
وسلم - خبرهما وهو مَريضٌ بعد ما حزّب بعث أسامة ﵁.
فخرج ﷺ عَاصبًا رأسه، فقال: "إني رأيتُ في يَديّ سوارين من ذهب، فكرهتهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما؛ صاحب اليمن، وصاحب اليمامة".
فارتد الأسود العنسي في مذحج، وكان صاحب شعبذة يظهر بها عجائب، وله شيطانان يخبرانه بغالب أسرار الناس، يقال لأحدهما: سحيق، وللآخر شفيق، وله مَنْطِقٌ حُلو، فغلب على اليمن في ناحية صنعاء، وهرب منها أمراؤه ﷺ . وكان يقال له: ذو الخمار؛ لأنه لا يزال مُتَبرقعًا مُعتمًا، وقيل: ذو الحمار بالمهملة؛ لأنه كان له حِمارٌ مُعلَّم، يقال له: اسجد لربك فيسجد، ويقال له: ابرك فيبرك.
ولما سمع أهل نجران خبر الأسود أرسلوا إليه فدعوه إلى بلادهم، فجاءهم، فتبعوه وارتدوا عن الإسلام، ثم أخذ منهم ست مئة وسار بهم إلى صنعاء فغلب عليها، ونزل غمدان واستنزل الأبناء.
وأما مُسيلمة الكذاب فخرج في بني حنيفة، ونازعه قومه، فقال: إني أُشرِكتُ في الأمر، وجعل يَسجَعُ لهم بما يضاهي القرآن بزعمه، فاستخفهم بذلك.
فلما مالوا إليه أسقط عنهم الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، ونحو ذلك، وكثر أتباعه.
وكتب النبي ﷺ إلى الأبناء في أمر الأسود، وكانوا قد ثبتوا على الإسلام، فقتله فيروز الديلمي غِيلةً بمواطأة زوجته المرزبانة، وكان قد قهرها على نكاحها، وكانت من الخَيِّرات، ومن عظماء أهل فارس، ونادوا بالأذان عند الصباح، فقالوا: نشهد أن الأسود كذاب، وشنوها غارة، فتراجع أصحاب النبي ﷺ ، وتفرق أصحابه، فقتلوا منهم خَلقًا، وَجاءَ النبي ﷺ خَبرُ السماء بذلك، فأخبر الناس به قبل موته بيوم أو بليلة، وقيل بخمسة أيام.
ثم وصل الكتاب بذلك بعد موته ﷺ بعشرة أيام، وكانت مُدة الأسود أربعة أشهر.
стр. 94
وأما مُسيلمة فغزاه خالد بأمر أبي بكر ﵄، وقتل منهم خَلقًا كثيرًا، وصالح بقيتهم على ربع الخيل والسلاح، وقُتِلَ من الصحابة ﵃ خَلقٌ كثير من قُراءِ القرآن، وكان ذلك سبب جمع أبي بكر ﵁ القرآن في المصحف.
وكذا ابن الصياد إن قُلنا إنه ليس الدجال الكبير؛ كما هو ظاهر حديث الجساسة التي رآها تميم الداري، وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، وسيأتي تحقيقه.
وخرج في زمن أبي بكر ﵁ طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد بناحية خيبر، وآزرهم غطفان، وادعى النبوة، ثم تاب ورجع إلى الإسلام. كذا قال في "فتح الباري".
لكن عند ابن عساكر من طُرق أنه خرج في عهد النبي ﷺ ، فوجه إليه النبي ﷺ ضِرار بن الأزور، فأشجوا طليحة وأخافوه، ثم جاءهم موت النبي ﷺ ، فَارفَضّ الناس إلى طليحة، واستطار أمره، فلم يقدروا عليه حتى غزاه خالد بأمر أبي بكر ﵄، فهزمه خالد، فهرب منه إلى الشام إلى ملوك غسان، ثم رجع إلى الإسلام وحسن إسلامه، فعلى هذا نسبة خروجه إلى زمان أبي بكر ﵁؛ لاستطارة أمره فيه.
وتنبأت أيضًا سجاح بنت سويد بن يربوع في فرسان تغلب، واتفقت تميم كُلها على نصرها، وفيهم رؤساء الناس؛ كالأحنف بن قيس، وحارثة بن بدر ونظرائهما، وفيها يقول عطارد بن حاجب:
أَضْحَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نَطِيفُ بِهَا ... وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانَا
فركبت على ذياب، وقتلت فيهم قتلًا ذريعًا، ثم قصدت اليمامة، فلما سمع مُسيلمة ضاق ذرعًا وتحصن، فأحاطت جيوشها به، فاستشار وجوه قومه، فقالوا: الرأي أن تُسلم الأمر إليها وتنجو بنفسك. فقال: سأنظر في أمري.
ثم أرسل إليها يقول: أما بعد فإنه أُنزِلَ عليك وَحيٌّ وعليَّ وَحيٌّ، فهلم نتدارس ما أُنزلَ علينا، فمن غلب صاحبه اتبعه الآخر. فأجابته إلى ما طلب، فضرب لها قُبة
стр. 95
من أدمٍ، وأمر بالعود المندلي فأحرق، وقال: كثروا لها الطيب؛ فإن المرأة إذا شمت الطيب تذكرت الباه، فانتهت إلى القبة، وسألته عما أنزل عليه، فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى، وأمات وأحيى، وإلى الله المنتهى.
قالت: ثم ماذا؟ قال: ألم تر أن الله خلقنا أفواجًا، وجعل النساء لنا أزواجًا، نُولج فيهن إيلاجًا، ونخرج منهن إذا شئنا إخراجًا. فضحكت، فأنشأ يقول:
أَلاَ قُومِي إِلَى الْمِخْدَعْ ... فَقَدْ هُيِّئْ لَكِ الْمَضْجَعْ
فَإِنْ شِئْتِ فَرَشْنَاكِ ... وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعْ
وَإِنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ ... وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ
قالت: بل به أجمع، قال: كذلك أُمرت. وواقعها.
فلما قام عنها قالت: إن مثلي لا تُنْكح هكذا؛ فإنه وصمةٌ على قومي، ولكني مُسلمةٌ إليك النبوة، فإذا سلمتها إليك فاخطبني إلى أوليائي، ففعلت، واتبعته، فتزوجها، وسألوه عن المهر، قال: قد وضعتُ عنكم صلاة العصر.
قال الرُّشَاطي: فبنو تميم إلى الآن بالرملة لا يصلون صلاة العصر، ويقولون: مَهْرُ كريمة لنا لا نرده.
وفي ذلك قول الشاعر:
إِنَّ سَجَاحِ لَاقَتِ الْكَذَّابَا ... بنِيَّةٍ فَحَلَّتِ الْكِتَابَا
وَجَعَلَتْ كُتبهَا قِرَابَا ... أَوْقَبَ فِيهِ أَيْرَهُ إِيْقَابَا
ثم رجعت إلى الإسلام في زمن معاوية ﵁، وحسن إسلامها.
وخرج المختار في زمن ابن الزبير وعبد الملك؛ فإنه كان يدعي أنه يُوحى إليه، ويكتب في مكاتيبه: "من المختار رسول الله". وحكاياته، ووقائعه، وفتنته كثيرة شهيرة.
عن عدي بن خالد؛ أنه ﷺ قال: "أحذركم الدجالين الثلاثة". قيل يا رسول الله؛ قد أخبرتنا عن الدجال الأعور، وعن أكذب الكذابين، فمن
стр. 96
الثالث؟ قال: "رجلٌ من قوم أولهم مثبور، وآخرهم مثبور، عليهم اللعنة دائبة في فتنة يقال لها: الجارفة، وهو الدجال الأكلس، يأكل عباد الله بآل محمد، وهو أبعد الناس من سنته" رواه ابن خزيمة، والحاكم، والطبراني.
وعن أسماء ﵂: "يخرج من ثقيف ثلاثة: الذيال، والكذاب، والمبير" رواه نُعيم بن حماد.
وفي رواية: "يخرج من ثقيف كذاب ومبير".
قالوا: الكذاب هو مختار بن أبي عبيد، والمُبِير هو الحجاج بن يوسف الثقفيان. وخرج المتنبي الشاعر المشهور، ثم تاب.
وخرج جماعة في زمن بني العباس منهم في أيام المعتمد: قائد فتنة الزنج بهبود لعنه الله، الذي أفسد في العراق، وأهان آل الرسول ﷺ ، وستأتي الإشارة إلى أحواله في أواخر هذا الباب.
كان يدعي أنه أُرسل إلى الخلق فرد الرسالة، وأنه مُطلعٌ على المغيبات.
وفي خلافة المكتفي: خرج يحيى بن زكرويه القَرمَطي، ثم بعده أخوه الحسين، وأظهر شامةً في وجهه، وزعم أنها آيته، وجاء ابن عمه عيسى بن مهرويه، وزعم أن لقبه المدثر، وأنه المعني في السورة، ولَقّب غُلامًا له: المطوَّق بالنور، فظهر على الشام، وعاث وأفسد، ودعا له الناس على المنابر، ثم قُتِلَ إلى لعنة الله تعالى.
وخرج في خلافة المقتدر: أبو طاهر القَرمَطي الذي قلع الحجر الأسود.
وكان يقول:
أَنَا بِاللهِ وَبِاللهِ أَنَا ... يَخْلُقُ الْخَلْقَ وَأَفْنِيهِمْ أَنَا
وستأتي الإشارة إلى فتنته.
وفي خلافة الراضي: ظهر محمد بن علي الشلمغاني؛ المعروف بابن أبي العراق، وقد شاع عنه أنه يدعي الإلهية، وأنه يحيي الموتى، فقتل وصلب، وقتل معه جماعة من أصحابه.
стр. 97
وظهر في خلافة المطيع: قوم من التناسخية، فيهم شابٌّ يَزعُمُ أن روح علي ﵁ انتقلت إليه، وامرأته تزعم أن روح فاطمة ﵂ انتقلت إليها، وآخر يدعي أنه جبريل ﵇، فضربوا، فتعزوا بالانتماء إلى أهل البيت، فأمر معز الدولة بإطلاقهم.
وفي خلافة المستظهر في سنة تسع وتسعين وأربع مئة: ظهر رَجلٌ بنواحي نهاوند، وادعى النبوة وتبعه خلق، فَأُخِذَ وقُتِل.
وخرج جماعة آخرون بالمغرب وغيرها، في الرجال والنساء.
فمنهم: رَجلٌ تسمى بـ (لا)، وحَرَّفَ الحديث المشهور: "لا نبي بعدي"، فجعله إخبارًا منه ﷺ بأن (لا)؛ أي: صاحب هذا الاسم نبي بعدي، ويقول: إنّ "لا" في الحديث مبتدأ، ونبي خبره.
ومنهم: الفزاري الساحر الذي بمالقة، وأُخرج بسببه أبو جعفر بن الزبير إلى غرناطة، ثم اتفق قدوم الفزاري رسولًا من أميرها إلى غرناطة، فسعى أبو جعفر المذكور في قتله، فقتلوه.
ومنهم امرأة ادعت النبوة، فذكروا لها الحديث، فقالت: إنما قال: "لا نبي"، ولم يقل: لا نبية ... إلى غير ذلك.
والحاصل أن عددهم سبعة وعشرين قد تم أو كاد يتم، وأما مُطلق الكذابين فلا حصر لهم.
ومن هذا القسم من يدعي أنه مهدي، وهؤلاء أيضًا كثيرون.
وبعد تأليف الكتاب بأشهر خرج أيضًا بنواحي عقراء، خرج رجل اسمه عبد الله وكان سمّى ابنًا له محمّدًا ولقبه مهديًّا، فادعى أنَّ ابنه المهدي المنتظر، فاتبعه أجلاف الأكراد وعوامَّهم، فاستولى على بعض القلاع، ثم ركب عليه عامل الموصل، فقتل منهم جماعة، وهربَ ابنهُ إلى بعض النواحي، وحُبسَ هو، فادعى أنَّ ابنه قد غاب، وأنه الغيبة الأولى، فأثبت للمهديّ غيبتان كما في بعَض الروايات، ثم إنهم أخذوا ابنه أيضًا وأرسلوا بهما إلى استانبول.
стр. 98
ومنهم من ادعى أنه صحابي رأى النبي ﷺ ؛ كالمعمر المشهور: رتن الهندي.
ولا شك أن ما أخبر به الصادق لصادق، وأن الدين لواقع.
ومنها: فتح بيت المقدس:
عن عوف بن مالك ﵁ مرفوعًا: "اعدد بين يدي الساعة سِتًّا: موتي، وفتح بيت المقدس. . .".
وقد فُتح مرتين: مرةً في زمن عمر ﵁؛ ومرة في زمن الأكراد الأيوبية، فتحه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الملك الناصر، وكان من أعظم فتوح الإسلام، ثم بعد موته رده بعض أولاده إلى النصارى، ثم استرده حفيده داود الملك الناصر.
وأنشد في ذلك بعض الشعراء يُهنيه:
اَلْمَسْجِدُ الأَقْصَى لَهُ عَادَةٌ ... سَارَتْ فَصَارَتْ مَثَلًا سَائِرَا
إِذَا غَدَا بِالْكُفْرِ مُسْتَوْطِنًا ... أَنْ يَبْعَثَ اللهُ لَهُ نَاصِرَا
فَنَاصِرٌ طَهَّرَهُ أَوَّلًا ... وَنَاصِرٌ طَهَّرَهُ آخِرَا
ومنها: فتح المدائن:
عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه لا تقوم الساعة حتى يُفتح القصر الأبيض الذي في المدائن، ولا تقوم الساعة حتى تسير الظَّعِينَةُ من الحجاز إلى العراق آمنة لا تخاف شيئًا".
قال عدي: فقد رأيتهما جميعا، وكان وقوعهما في زمن عمر ﵁.
ومنها: هلاك العرب:
أعني: زوال ملكهم.
عن طلحة بن مالك قال: "من اقتراب الساعة هلاك العرب" رواه الترمذي، وقد زال ملك العرب بزوال المُلْكِ عن بني العباس، وقد مرَّ.
стр. 99
ومنها: كثرة المال (١) وفيضه:
روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال فيكم، فيفيض حتى يُهِمَّ رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب -أي: لا حاجة- لي فيه".
وهذا وقع في زمن عثمان ﵁، كثرت الفتوح حتى اقتسموا أموال الفرس والروم، ووقع في زمان عمر بن عبد العزيز ﵁، أن الرجل يعرض ماله للصدقة فلا يجد من يقبل صدقته. وسيقع في آخر الزمان في زمن عيسى ﵊، وسيأتي في القسم الثالث.
ومنها: أن تَزُول الجبال عن أماكنها:
روى الطبراني عن سَمُرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى تزول الجبال عن أماكنها".
ونقل السيوطي في "تاريخ الخلفاء" أن في سنة اثنتين وأربعين بعد المئتين في خلافة المتوكل سار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين، وفي سنة ثلاث مئة في خلافة المقتدر ساخ جبل بدينور في الأرض، وخرج من تحته ماءٌ كثير أغرق القرى.
ومنها: فقد الصحابة رضوان الله عليهم:
عن علي ﵁، عن النبي ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يُلْتَمسَ الرجل من أصحابي كما تلتمس الضالة فلا توجد" رواه أحمد.
ومنها: وقوع ثلاث خسوفات:
عن أم سلمة ﵂: "سيكون بعدي خَسفٌ بالمشرق، وخَسفٌ بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب"، قيل: أتخسف الأرض وفيهم الصالحون؟ !
стр. 100
قال: "نعم؛ إذا أكثر أهلها الخبث" رواه الطبراني.
وعن حذيفة بن أَسِيد ﵁ قال: اطلع علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات. . ."، فذكر منها ثلاثة خسوف: خسفًا بالمشرق، وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بجزيرة العرب. رواه الستة إلا البخاري.
وقد وقعت الخسوفات الثلاثة: فوقع في خلافة سليمان بن عبد الملك أنه ورد كتاب ابن هبيرة فيه: أن ببخارى وقت السّحَرِ سمع قعقعةٌ عظيمةٌ من السماء، ودويٌّ كالرعد القاصف، أسقطت منه الحوامل، فنظروا فإذا قد انفرج من السماء فرجةٌ عظيمةٌ، ونزل أشخاصٌ عِظامٌ؛ رؤوسهم في السماء وأرجلهم في الأرض، وقائلٌ يقول: يا أهل الأرض؛ اعتبروا بأهل السماء، هذا صفوائيل المَلَكْ عصى الله فَعُذّب، فلما طلع النهار أتى الناس إلى ذلك الموضع فوجدوا خسفًا عظيمًا لا يُدرك له قرار، يصعد منه دخانٌ أسود.
أُثبتَ ذلك على قاضي بُخارى بأربعين عدلًا، كذا في "السكردان" وفيه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، لكن تجوزه قصة هاروت وماروت، والله قادر على كل شيء.
وفي سنة ثمان ومئتين خُسِفَ بثلاث عشرة قرية بالمغرب.
وفي سنة أربع وثلاثين وثمان مئة في شعبان وقعت زلزلة بغرناطة، وخسف بعدة أماكن، وانهدم بعض القلعة. ذكر ذلك في "إنباء الغمر".
وفي خلافة المطيع في سنة ست وأربعين وثلاث مئة وقع بالري ونواحيها زلازل عظيمة، وخسفٌ ببلد طالقان، ولم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين نفسًا، وخُسِفَ بمئة وخمسين قرية من قرى الري، واتصل الأمر إلى حُلْوَان، فخسف بأكثرها، وقذفت الأرض عظام الموتى، وتفجرت فيها المياه، وتقطع بالري جبل، وعلقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها نصف نهار، ثم خُسف بها، وانخرقت الأرض خُروقًا عظيمة، وخرج منها مياه مُنْتِنة، ودخانٌ عظيم. كذا نقله السيوطي عن ابن الجوزي.
стр. 101
وفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة خُسفت قرية من أعمال بُصرى.
وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة: خُسف بلد بحيرة، وصار مكان البلد ماء أسود.
وخُسف في زماننا بعدة قرى من ناحية أذربيجان وخراسان وغيرهما من ديار العجم.
ولا تكاد تنحصر الخسوفات.
ومنها: كثرة الزلازل وكثرة القتل والرجف:
عن أبي هريرة ﵁[قال: قال النبي ﷺ ]: "لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج؛ وهو القتل" رواه البخاري، وابن ماجه.
وعند ابن عساكر عن عروة بن رويم، عن [جابر] الأنصاري، عنه ﷺ : "يكون في أمتي رَجفةٌ يهلك فيها عشرة آلاف، عشرون ألفًا، ثلاثون ألفًا، يجعلها الله موعظة للمتقين، ورحمةً للمؤمنين، وعذابًا على الكافرين".
وقد وقع في أول خلافة المتوكل سنة اثنتين وثلاثين ومئتين زلزلة مَهُولةٌ بدمشق، سقطت منها دور، وهلك تحتها خلق، وامتدت إلى أنطاكية فهدمتها، وإلى الجزيرة فأحرقتها، وإلى الموصل، فيقال: هلك من أهلها خمسون ألفًا.
وفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين: زُلْزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس وأعمالها، وخراسان، ونيسابور، وطبرستان، وأصبهان، وتقطعت جبال، وتشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشِّق، وكان بين الزلزلتين عشر سنين.
وفي سنة خمس وأربعين ومئتين: عَمّت الزلازل الدنيا، فأخربت المدن والقلاع والقناطر، وسقط من أنطاكية جبل في البحر.
وفي خلافة المعتضد سنة مئتين وثمانين: وقعت في الدَّيبل زلزلة عظيمة هدمت عامة البلد، فكان عدة من أخرج من تحت الردم مئة ألف وخمسين ألفًا.
стр. 102
وفي سنة أربع مئة وستين: وقع بالرَّملة زلزلة هائلة، خَرّبتها حتى طلع الماء من رؤوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفًا، وبَعُد البحر عن ساحله مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون؛ فرجع الماء عليهم فأهلكهم.
وفي سنة أربع وأربعين وخمس مئة: وقعت زلزلة عظيمة، وماجت بغداد نحو عشر مرات، وتقطع بِحُلْوان منها جبل.
وفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة: جاءت زلزلة كبرى بمصر، والشام، والجزيرة، فأخربت أماكن كثيرة، وقلاعًا متعددة.
وفي سنة اثنتين وخمس مئة: وقعت زلازل عظيمة بالشام، وحلب، وشيراز، وأنطاكية، وطرابلس، وهلك خَلْقٌ كثير حتى إنَّ مُعلمًا بحماة قام من المكتب، ثم عاد فوجد المكتب قد وقع على الصبيان فماتوا كلهم، ولم يأت أحدٌ يسأل عن ولده؛ لأنَّ أهلهم ماتوا أيضًا، وهلك كل من في شيراز إلَّا امرأة وخادمًا واحدًا، وانشق تَلٌّ في حران فظهر فيه بيوتٌ، وعمائر، ونواويس، وانشق في اللاذقية موضعٌ فظهر فيه صنم قائمٌ في الماء.
وخربت صيدا، وبيروت، وطرابلس، وعكار، وصور، وجميع بلاد الفرنج، وانفرق البحر إلى قبرص وقذف بالمراكب إلى ساحله، وتعدى إلى ناحية الشرق، ومات خَلقٌ كثير.
قال صاحب "المرآة" مات في هذه السنة نحو ألف ألف ومئة ألف إنسان. كذا في "السُّكْردان".
وفي سنة اثنتين وستين وست مئة: زُلزلت مصر زلزلة عظيمة، وقد مرت الزلزلة الواقعة بالمدينة قبل خروج النار بها.
ووقعت في سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة بحيرة زلزلةٌ عظيمة عشرة فراسخ في مثلها، فأهلكت خلائق كثيرة.
وفي سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة: وقع بأزرنكان زلزلةٌ عظيمة، وهلك بسببها عالمٌ كثير، والله يفعل ما يشاء.
стр. 103
وفي سنة ألف وقعت ببلدة لار زلزلةٌ عظيمة، انهدمت منها البيوت كلها واندكت، بحيث لا يكادون يعرفون محل بيوتهم.
وكانت قبلها بأيام زلازل صغار في كل يوم، فخرجوا منها، فمن خرج منها نجا، ومن لا هلك.
ووقعت بعد تأليف هذا الكتاب بنحو ستة أشهر زلزلةٌ هائلة ما نجى منها إلَّا القليل، فألحقناها بهذا المحل.
فهذه هي الزلازل العظام والرجفات التي اعتني بنقلها في كتب التواريخ، وأما الزلازل الصغار فلا تكاد تنحصر، وبالله التوفيق.
ومنها: المسخ والقذف:
عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "يكون في أمتي خسفٌ، ومسخٌ، وقذف" رواه أحمد، ومسلم، والحاكم.
وعن ابن مسعود ﵁: "بين يدي الساعة مسخٌ، وخسفٌ، وقذفٌ" رواه ابن ماجه.
وعن أبي أمامة ﵁: "ليبيتن أقوام من أمتي على أكل، ولهو، ولعب، ثم ليصبحن قردة وخنازير" رواه الطبراني.
وعن عائشة ﵂: "يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ، ومسخٌ، وقذف"، قيل: يا رسول الله؛ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث" رواه الترمذي.
وعن عبد الرحمن بن صحار، عن أبيه: "لا تقوم الساعة حتى يُخسف بقبائل حتى يقال: من بقي من بني فلان؟ " رواه أحمد، والبغوي، وابن قانع، والطبراني، والحاكم، وغيرهم.
وعن ابنِ عمر ﵄: "يكون في هذه الأمة خَسفٌ، ومَسخٌ، وقذف" رواه الترمذي، وابن ماجه.
стр. 104
أما الخَسفُ فقد مَرّ.
وأما المَسخُ (١): فقد وقع لأشخاص.
فقد صح الخبر عن غير واحد أن في زمن فاطمية مصر كانوا يجتمعون بالمدينة يوم عاشوراء في قبة العباس ﵁ ويسُبُّون الشيخين والصحابة ﵃، فجاء رجل فقال: من يطعمني في محبة أبي بكر ﵁؟ فخرج إليه شيخٌ وأشار إليه أن اتبعني، فأخذه إلى بيته، وقطع لسانه، ووضعه في يده، وقال: هذه لمحبة أبي بكر. فذهب الرجل إلى المسجد وسلم على رسول الله ﷺ والشيخين بقلبه، ورجع ولسانه في يده، فقعد حزينًا عند باب المسجد وغلبه النوم، فرأى النبي ﷺ في منامه ومعه أبو بكر ﵁، فقال لأبي بكر: "إنَّ هذا قطعوا لسانه في محبتك، فرد عليه لسانه". قال: فأخرج لسانه من يده، ووضعه في محله، فانتبه فإذا لسانه كما كان قبل القطع وأحسن، فلم يخبر أحدًا بذلك، ورجع إلى بلاده.
فلما كان العام القابل، رجع إلى المدينة، ودخل القبة يوم عاشوراء وطلب شيئًا بمحبة أبي بكر ﵁، فخرج إليه شابٌّ وقال: اتبعني. فتبعه، فأدخله الدار التي قطع فيها لسانه، فأكرمه الشاب، فقال الرجل: إني تعجبت من هذا البيت، لقيت فيه العام الماضي مُصيبةً ومَهانةً، وهذه السنة لقيت ما أرى من الإكرام.
فقال الشاب: كيف القصة؟ فأخبره بالقصة، فأكب على يديه ورجليه، وقال: ذلك أبي وقد مسخه الله قردًا، وكشف عن ستارة فأراه قردًا مربوطًا، فأحسن إليه، وتاب عن مذهبه وقال: اكتم عليَّ أمر والدي.
стр. 105
ذكر هذه القصة السيد السمهودي، وابن حجر في "الزواجر"، و"الصواعق"، والقسطلاني في "المواهب اللدنية"، وغيرهم.
وذكر في "الزواجر" أنه كان بحلب رَجلٌ سَبّابٌ للشيخين، فلما مات، اتفق شباب على أن ينبشوا قبره، فلما نبشوه، رأوه قد مسخ خنزيرًا، فأخرجوه، ثم أحرقوه بالنار. ويقال: قَلّ رافضيٌّ إلا ويمسخُ في قبره خنزيرًا، والله أعلم.
وذكر السيوطي في "تاريخ الخلفاء" أنَّ في سنة اثنتين وثمانين وسبع مئة في خلافة المتوكل سادس الخلفاء العباسيين الذين كانوا بمصر، ورد كتابٌ من حلب يتضمن أن إمامًا قام يُصلِّي، وأن شخصًا عَبَثَ به في صلاته، فلم يقطع الإمام الصلاة حتى فرغ، وحين سلم انقلب وجه العابث وجه خنزير، وهرب إلى غابة هنالك. وكتب بذلك محضرًا.
وأما القذف: فقد نقل السيوطي في "تاريخ الخلفاء": أنَّ في سنة خمس وثمانين ومئتين: مُطرت قريةٌ بالبصرة حجارة سوداء وبيضاء، ووقع بَردٌ، ووزن البَردَةُ مئة وخمسون درهمًا.
وفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين: رُجِمت قرية السويداء بالحجارة، وَوُزِنَ حَجرٌ من الحجارة فكان عشرة أرطال.
وفي سنة ثمان وسبعين وأربع مئة في خلافة المقتدي: جاءت رِيحٌ سوداء ببغداد، واشتد الرعد والبرق، وسقط رمل وترابٌ كالمطر.
وأخبرني ثِقةٌ أنَّ في سنة نيف وستين بعد الألف: مُطرت حجارة سوداء كثيرة عريضةٌ؛ قدر بيض الدجاج وأكبر، في الصيف والسماء مُصحيةٌ، ببلاد الأكراد بين هيزان وكفرا، وكان يُسمع لها حِسٌّ من مسافة يوم.
وفي وسط شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبع مئة: ورد كتاب إلى مصر من حماة يُخْبر فيه أنه وقع في هذه الأيام ببارين؛ من عمل حماة بَرَدٌ على صور حيوانات مختلفة، منها: سِباعٌ، وحَيّاتٌ، وعَقاربٌ، وطُيورٌ، ومَعزٌ، وبلشون، ورجالٌ
стр. 106
في أوساطهم حوايص، وإن ذلك ثبت بمحضرٍ شرعي عند قاضي الناحية، ثم نقل ثبوته إلى قاضي حماة. كذا في "السكردان"، والله يفعل ما يشاء.
ومنها: الريح الحمراء -أي: الشديدة- والأمور العظام:
عن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة (١) ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إذا اتُّخِذ الفيء دُولًا، والأمانة مَغْنمًا، والزكاة مَغْرمًا، وتُعُلِّم لغير الدِّين، وأطاع الرجل امرأته وَعقَّ أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وَأُكرِمَ الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك رِيحًا حمراء، وزلزلة، وخَسفًا، ومَسخًا، وقذفًا، وآيات تتابع؛ كنظام بالٍ قُطعَ سلكه فتتابع" رواه الترمذي.
وعن عبد الله بن حوالة (٢) ﵁، عن النبي ﷺ : "إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل، والبلابل، والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب من يدي هذه إلى رأسك" رواه أبو داود، والحاكم.
وهذا إن أُريد بالخلافة النازلة إلى الأرض المقدسة مُلْكُ بني أمية، فقد وقع من الأمور العظام ما سنذكر بعضها.
وإن أُريد خلافة المهدي فالمراد بها الآيات القريبة إلى الساعة؛ كالدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك.
أما الريح: ففي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين في أول خلافة المتوكل هبت بالعراق رِيحٌ شَديدةُ السموم ولم يُعهد مثلها، أحرقت زرع الكوفة، والبصرة، وبغداد، وقتلت المسافرين، ودامت خمسين يومًا، واتصلت بهمذان، فأحرقت الزرع والمواشي، واتصلت بالموصل وسنجار، ومنعت الناس من المعاش في الأسواق،
стр. 107
ومن المشي في الطرقات، وأهلكت خَلقًا عَظيمًا.
وفي سنة ثمانين ومئتين في شوال في خلافة المعتضد أصبحت الدنيا مُظلمة إلى العصر، فهبت رِيحٌ سوداء، فدامت إلى ثلث الليل، وأعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة بلد الدِّيبل.
وفي سنة خمس وثمانين ومئتين في خلافته: هبت رِيحٌ صفراء بالبصرة، ثم صارت خضراء، ثم صارت سوداء، وامتدت في الأمصار.
وفي خلافة المقتدر: جاءت رِيحٌ سوداء ببغداد، واشتد الرعد والبرق حتى ظُنَّ أنها القيامة.
وفي خلافة المستظهر: هبت بمصر رِيحٌ سوداءُ مُظلمةٌ أخذت الأنفاس حتى لا يبصر الرجل يده، ونزل على الناس رمل، وأيقنوا بالهلاك، ثم انجلى قليلًا، وعاد إلى الصفرة.
وفي سنة أربع وعشرين وخمس مئة: طلعت سَحابةٌ على بلد الموصل، فأمطرت نارًا، وأحرقت ما نزلت عليه، وظهر بالعراق عقارب طيارة، فقتلت خَلقًا عَظيمًا. ذكره ابن أبي حجلة.
وفي سنة ست وتسعين وخمس مئة: هبت رِيحٌ سوداء مُظلمة بمكة عمت الدنيا، ووقع على الناس رمل أحمر، ووقع من الركن اليماني قطعة.
وفي سنة ست وعشرين وثمان مئة في ولاية الأشرف برسباي: هبت بمصر رِيحٌ بَرِقةٌ تحمل تُرابا أصفر إلى الحمرة، وذلك قبل غروب الشمس، فاحمر الشفق جدًا بحيث صار من لا يدري يَظُنُّ أن بجواره حَريقًا، وصارت البيوت كلها ملأى تُرابًا ناعمًا جدًا يدخل الأنوف والأمتعة، ثم لما تكامل غيبوبة الشفق اسود الأفق، وعصفت الريح وكانت معلقة، فلو وصلت الأرض لكان أمرًا مَهُولًا، وكثر ضجيج الناس في الأسواق والبيوت بالذكر والدعاء والاستغفار إلى أن لطف الله بإدرار المطر، ولم تَهُب هذه الريح مُنذ ثلاثين سنة قبلها، وانتشرت حتى غطت الأهرام، والجيزة، والبحر، واشتدت حتى ظنوا أنها تُدَمِّرُ كل شيء، فدامت تلك الليلة ويومها إلى العصر، وكانت
стр. 108
سببًا في هيف الزرع، وغلاء السعر. ذكره الحافظ ابن حجر في "إنباء الغمر".
وأما الأمور العظام: فوقع القحط الشديد مرات.
منها: ما وقع في زمن الظاهر العُبيدي بمصر [مِن] الغلاء الذي لم يقع مثله منذ زمن يوسف ﵇، ودام سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، وقيل: بيع فيه رغيف بخمسين دينارًا.
وفي زمن المستنصر العُبيدي: وقع بمصر أيضًا القحط سنين متوالية حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، وبلغ الإردبُّ: من الحنطة مئة دينار، والإردبُّ: أربعون صاعًا بصاع النبي ﷺ وشيء، وبيع الكلب بخمسة دنانير، والهرة بثلاثة دنانير.
وفي سنة خمس وأربعين في خلافة المقتفي العباسي: جاء مطر باليمن كله دم، وصارت الأرض مرشوشة بالدم، وبقي أثره في ثياب الناس.
وفي سنة ثمان وخمسين وأربع مئة: ظهر كوكب؛ كأنه دارة القمر ليلة التمام، بشعاع عظيم وهال الناس ذلك، وأقام عشر ليال، ثم تناقص ضوءه وغاب.
وفي سنة ستين وأربع مئة في خلافة القائم: غرق بالرملة خلقٌ كثير.
وفي سنة ست وستين وأربع مئة في خلافة القائم كان الغَرقُ العظيم ببغداد، وزادت دجلة ثلاثين ذراعًا، ولم يقع مثل ذلك قط، وهلكت الأموال والأنفس والدواب، وركب الناس في السفن، وأقيمت الجمعة في التيار على ظهر الماء مرتين، وصارت بغداد كلها مَلَقة، وانهدم مئة ألف دار.
وفي سنة أربع وثمانين وأربع مئة في خلافة المقتدي: غلب الإفرنج على جميع جزيرة صقلية، وأسروا وسبوا ذراري المسلمين.
وفي سنة اثنتين وخمسين وست مئة في خلافة المستعصم: ظهرت نارٌ في أرض عدن (١)، وكان يطير شررها في الليل إلى البحر، ويصعد منها دُخان عَظيمٌ في النهار.
стр. 109
وفي أيام المعتمد في سنة ست وستين ومئتين دخلت الزنج البصرة وأعمالها، وخربوها، وبذلوا السيف وسبوا؛ وهم من الخوارج الذين قتلهم أمير المؤمنين علي ﵁، وأعقب ذلك الوباء العظيم، فمات خَلق كثير لا يحصون، ثم أعقبه هدات وزلازل، فمات تحت الردم ألوفٌ من الناس، واستمر القتال مع الزنج إلى سنة سبعين.
قال الصولي: إنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمس مئة آدمي، وقتل في يوم واحدٍ بالبصرة ثلاث مئة ألف، وكان له منبر في بلده يَصعَدُ عليه يسب عثمان، وعليًا، ومعاوية، وطلحة، والزبير، وعائشة ﵃، وكان ينادى على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة، وكان عند الواحد منهم العشر من العلويات يستخدمهن ويطؤهن، فقُتل اللعين رئيس الزنج سنة سبعين، وكان اسمه بهبود، وكان يدعي أنه أُرسِلَ إلى الخلق فرد الرسالة، وأنه مطلع على المغيبات، وقع في زمنه غلاء مُفرطٌ بالحجاز والعراق، وبلغ كَرُّ الحنطة ببغداد مئة وخمسين دينارًا، والكَرُّ: ستة أحمال الحمير والبغال، أو اثنا عشر وسقًا.
وفي أيامه انبثق في نهر عيسى بثقٌ، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار.
وفي زمنه ظهرت القرامطة (١) بالكوفة، وهم نوع من الملاحدة، وهم الباطنية يَدّعُونَ أنه لا غسل من الجنابة، وأن الخمر حلال، وأن الصوم في السنة يومان، ويزيدون في أذانهم: (محمدٌ ابن الحنفية رسول الله) وأن الحج والقِبلَة إلى بيت المقدس، وأشياء أخر.
وفي سنة ست وتسعين وخمس مئة كان بمصر الغلاء المُفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميين، وفشا أكل بني آدم واشتهر، وتعدوا إلى حفر القبور وأكل الموتى، وكثر الموت من الجوع؛ بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلَّا على ميتٍ أو قريبٍ من
стр. 110
الموت، وهلك أهل القرى قاطبة، بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، وتجد البيوت مُفتحةً وأهلها موتى، وصارت الطرق مزرعةً للموتى، ومأدبة بلحومهم للطير والسباع، وبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة، واستمر ذلك سنتين.
قال أبو شامة في "الذيل": إنَّ العادل الكبير في هذه السنة كَفّنَ من ماله في مدة يسيرة نحوًا من مئتي ألف وعشرين ألف ميت، وقيل: ثلاث مئة ألف من الغرباء، وَأُكلَتْ الكلاب والميتات في مصر، وأكل من الصغار والأطفال خَلقٌ كثير، حتى إن الوالد يشوي ولده ويأكله، وكَثُر في الناس هذا حتى صار لا ينكر عليهم، ثم صاروا يحتالون بعضهم على بعض، ويأكلون من يقدرون عليه، وإذا غلب القوي على الضعيف ذبحه وأكله، وفُقِدَ كثيرٌ من الأطباء يدعونهم إلى المرضى فيذبحونهم ويأكلونهم. انتهى.
وفي سنة ثمان عشرة وسبع مئة حصل بديار بكر، والموصل، وإربل، وماردين، والجزيرة، وميافارقين، وغيرها الغلاء العظيم، وخربت البلاد، وبيع الأولاد، وكثر الموت في الناس، حتى إنه مات من جزيرة ابن عمر خمسة عشر ألفًا بالجوع، وبيع من الأولاد نحو ثلاثة آلاف صبي، وكان يُباع الصبي بنحو عشرة دراهم أو أكثر، ويشتريهم التتار.
ومات أكثر أهل ميافارقين بحيث لم يبق من أسواقها غير ست حوانيت، والموصل كان الغلاء بها أكثر من ماردين، وبيع بها الأولاد بحيث خلت الدور من أهلها، وأكلوا الجيف والميتات، وباع رجل ولده باثني عشر درهما.
وقال: قد أنفقت في ختانه خمسين دينارًا، وكان المشترون يَتحرّجُون من شراء أولاد المسلمين، فكانت المرأة والصبية تجعل نفسها نصرانية وتقر بالنصرانية؛ ليرغب فيها، وأهل إربل أكلوا النبات، ثم قشور الشجر، ثم الجيف، وجاءهم الموت الذريع، وجلا الباقي، ومات كثيرٌ منهم بالثلج. ذكر ذلك البِرْزَالي في "ذيل الروضتين"، وذكرت ملخصه.
اللهم؛ إنا نعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع.