← Фикх общий

Фикх общий · id 132619

الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه

سامي بن جاد الله

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

٦/ ٤٦٧ (١١/ ١٧٥)] (١). ١٤٣٩ - تسمية البينة: - قال ابن مفلح: (وذكر شيخنا أن له طلب تسمية البينة ليتمكن من القدح بالاتفاق) [الفروع ٦/ ٤٧٠ (١١/ ١٨٠)]. ١٤٤٠ - الناس كلهم عدول إلا العدول: - قال ابن القيم: (ويروى عن ابن المبارك أنه قال: «الناس كلهم عدول إلا العدول» سمعته من شيخنا) [بدائع الفوائد ٣/ ٩ ١]. ١٤٤١ - الجرح بالاستفاضة: ١٤٤٢ - والفرق بين الجرح لرد الشهادة والولاية، وبين الجرح للتحذير منه: ١٤٤٣ - وحكم بيان بدعة المبتدع والتحذير منها: - قال ابن مفلح: (والمذهب: لا يسمع جرح لم يبين سببه بذكر قادح فيه عن رؤية أو استفاضة، وفيها وجه: كتزكية، وفيها وجه، واختاره شيخنا. وقال: إن المسلمين يشهدون في مثل عمر بن عبد العزيز والحسن بما لا يعلمونه إلا بالاستفاضة. وقال: إنه لا يعلم في الجرح بالاستفاضة نزاعا بين الناس. قال: وهذا إذا كان فسقه لرد شهادته وولايته، فأما إذا كان المقصود التحذير منه اكتفي بما دون ذلك، كما قال ابن مسعود: اعتبروا الناس

стр. 1017

بأخدانهم. وبلغ عمر ﵁ أن رجلا يجتمع إليه الأحداث فنهى عن مجالسته. وقال: ولا بد من بيان بدعة المبتدع والتحذير منها لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [الفروع ٦/ ٤٧٢ - ٤٧٣ (١١/ ١٨٥ - ١٨٦)] (١). ١٤٤٤ - تحليف المدعى عليه: - قال ابن مفلح: (وإذا قال المدعي: ما لي بينة أعلمه الحاكم بأن له اليمين على خصمه، وله تحليفه مع علمه قدرته (٢) على حقه، نص عليه، نقل ابن هانئ: إن علم عنده مالا لا يؤدي إليه حقه أرجو أن لا يأثم، وظاهر رواية أبي طالب: يكره، قاله شيخنا، ونقله من «حواشي تعليق القاضي» (٣)، وهذا يدل

стр. 1018

على تحريم تحليف البريء دون الظالم) [الفروع ٦/ ٤٧٥ (١١/ ١٨٩ - ١٩٠)]. - وقال أيضا: (ولا يعتد بيمينه إلا بأمر حاكم بمسألة المدعي طوعا، وعنه: يبرأ بتحليف المدعي، وعنه: ويحلفه له، وإن لم يحلفه، ذكرهما شيخنا من رواية مهنا أن رجلا اتهم رجلا بشيء فحلف له، ثم قال: لا أرضى إلا أن تحلف لي عند السلطان، أله ذلك؟ قال: لا، قد ظلمه وتعنته) [الفروع ٦/ ٤٧٦ (١١/ ١٩٢)]. - وقال أيضا: (قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن منصور: إذا كان يعلم أن عنده مالًا لا يؤدى إليه حقه، فإن أحلفه أرجو أن لا يأثم. قال القاضي: وظاهر هذا أن له أن يحلفه مع علمه بكذبه. وقال الشيخ تقي الدين: هذا يدل على أن تحليف البريء حرام دون الظالم. وقال أيضًا: إن هذه الرواية تدل على الجواز، وظاهر كلام الإمام أحمد في رواية أبي طالب: الكراهة) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٢٦]. ١٤٤٥ - الحكم بالنكول: ١٤٤٦ - وتحليف المدعي: ١٤٤٧ - ورد اليمين عليه: - قال ابن القيم: (قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي عنه: وليس المنقول عن الصحابة ﵃ في النكول ورد اليمين بمختلف، بل

стр. 1019

هذا له موضع، وهذا له موضع، فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به، فرد المدعى عليه اليمين= فإنه إن حلف استحق، وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه. وهذا كحكومة عثمان والمقداد، فإن المقداد قال لعثمان: احلف أن الذي دفعته إلي كان سبعة آلاف وخذها، فإن المدعي هنا يمكنه معرفة ذلك، والعلم به، كيف وقد ادعى به؟ فإذا لم يحلف لم يحكم له إلا ببينة أو إقرار. وأما إذا كان المدعي لا يعلم ذلك، والمدعى عليه هو المنفرد بمعرفته، فإنه إذا نكل عن اليمين حكم عليه بالنكول، ولم ترد على المدعي، كحكومة عبد الله بن عمر وغريمه في الغلام، فإن عثمان قضى عليه أن يحلف أنه باع الغلام، وما به داء يعلمه، وهذا يمكن أن يعلمه البائع، فإنه إنما استحلفه على نفي العلم، أنه لا يعلم به داء، فلما امتنع من هذه اليمين قضى عليه بنكوله. وعلى هذا إذا وجد بخط أبيه في دفتره أن له على فلان كذا وكذا، فادعى به عليه، فنكل، وسأله إحلاف المدعي أن أباه أعطاني هذا، أو أقرضني إياه لم ترد عليه اليمين، فإن حلف المدعى عليه، وإلا قضى عليه بالنكول، لأن المدعى عليه يعلم ذلك. وكذلك لو ادعى عليه: أن فلاناً أحالني عليك بمائة، فأنكر المدعى عليه، ونكل عن اليمين، وقال للمدعي: أنا لا أعلم أن فلانا أحالك، ولكن احلف وخذ، فههنا إن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه. وهذا الذي اختاره شيخنا ﵀ هو فصل النزاع في النكول، ورد اليمين، وبالله التوفيق) [الطرق الحكمية ٦٦].

стр. 1020

- وقال أيضا: (وقال الأوزاعي وشريح وابن سيرين والنخعي: إذا نكل ردت اليمين على المدعي، فإن حلف قضي له، وهذا مذهب الشافعي ومالك، وقد صوَّبه الإمام أحمد، واختاره أبو الخطاب وشيخنا في صورة الحكم بمجرد النكول في صورة) [الطرق الحكمية ٨٩ ـ ٩٠]. - وقال أيضا: (ولما كانت أفهام الصحابة ﵃ فوق أفهام جميع الأمة، وعلمهم بمقاصد نبيهم ﷺ ، وقواعد دينه وشرعه أتم من علم كل من جاء بعدهم عدلوا عن ذلك، إلى غير هذه المواضع الثلاثة، وحكموا بالرد مع النكول في موضع، وبالنكول وحده في موضع. وهذا من كمال فهمهم وعلمهم بالجامع والفارق، والحِكَم والمناسبات، ولم يرتضوا لأنفسهم عبارات المتأخرين، واصطلاحاتهم، وتكلفاتهم، فهم كانوا أعمق الأمة علما، وأقلهم تكلفا، والمتأخرون عكسهم في الأمرين. فعثمان بن عفان، قال لابن عمر: احلف بالله، لقد بعت العبد، وما به داء علمته، فأبى، فحكم عليه بالنكول، ولم يرد اليمين في هذه الصورة على المدعي، ويقول له: احلف أنت أنه كان عالما بالعيب، لأن هذا مما لا يمكن أن يعلمه المدعي، ويمكن المدعى عليه معرفته، فإذا لم يحلف المدعى عليه لم يكلف المدعي اليمين. فإن ابن عمر كان قد باعه بالبراءة من العيوب، وهو إنما يبرأ إذا لم يعلم بالعيب، فقال له: احلف أنك بعته، وما به عيب تعلمه، وهذا مما يمكن أن يحلف عليه دون المدعي، فإنه قد تتعذر عليه اليمين أنه كان عالما بالعيب، وأنه كتمه مع علمه به.

стр. 1021

وأما أثر عمر بن الخطاب، وقول المقداد: احلف أنها سبعة آلاف، فأبى أن يحلف فلم يحكم له بنكول عثمان. فوجهه أن المقرض إن كان عالما بصدق نفسه وصحة دعواه حلف وأخذه، وإن لم يعلم ذلك لم تحل له الدعوى بما لا يعلم صحته، فإذا نكل عن اليمين لم يقض له بمجرد نكول خصمه، إذ خصمه قد لا يكون عالما بصحة دعواه، فإذا قال للمدعي: إن كنت عالما بصحة دعواك فاحلف وخذ= فقد أنصفه جد الإنصاف. فلا أحسن مما قضى به الصحابة ﵃، وهذا التفصيل في المسألة هو الحق، وهو اختيار شيخنا ــ قدس الله روحه ــ) [الطرق الحكمية ٩٤ ـ ٩٥]. - وقال أيضا: (وقولهم: إن الحلف حق، قد وجب عليه، فإذا أبى أن يقوم به ضرب حتى يؤديه. فيقال: إن في اليمين حقاً له، وحقاً عليه، فإن الشارع: مكنه من التخلص من الدعوى باليمين، وهي واجبة عليه للمدعي، فإذا امتنع من اليمين، فقد امتنع من الحق الذي وجب عليه لغيره، وامتنع من تخليص نفسه من خصمه باليمين. فقيل: يحبس، أو يضرب حتى يقر، أو يحلف. وقيل: يقضى عليه بنكوله، ويصير كأنه مقر بالمدعى. وقيل: ترد اليمين على المدعي. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وقول رابع بالتفصيل، كما تقدم، وهو اختيار شيخنا) [الطرق الحكمية ٩٥]. - وقال أيضا: (فأما تحليف المدعي ففي صور:

стр. 1022

أحدها: القسامة، وهي نوعان: قسامة في الدماء ... والثانية: القسامة مع اللوث في الأموال، وقد دل عليها القرآن كما سنذكره إن شاء الله تعالى ... وأما دلالة القرآن على ذلك: فقال شيخنا قدس الله روحه: لما ادعى ورثة السهمي الجام المفضض المخوص وأنكر الوصيان الشاهدان أنه كان هناك جام، وظهر الجام المدعى وذكر مشتريه أنه اشتراه من الوصيين، صار هذا لوثا يقوي دعوى المدعيين، فإذا حلف الأوليان بأن الجام كان لصاحبهم صدقا في ذلك. وهذا لوث في الأموال نظير اللوث في الدماء، لكن هناك ردت اليمين على المدعي بعد أن حلف المدعى عليه، فصارت يمين المطلوب وجودها كعدمها، كما أنه في الدم لا يستحلف ابتداء، وفي كلا الموضعين يعطى المدعي بدعواه مع يمينه، وإن كان المطلوب حالفا أو باذلا للحلف. وفي استحلاف الله للأوليين دليل على مثل ذلك في الدم حتى تصير يمين الأوليين مقابلة ليمين المطلوبين، وفي حديث ابن عباس: حلفا أن الجام لصاحبهم، وفي حديث عكرمة: ادعيا أنهما اشترياه منه، فحلف الأوليان أنهما ما كتما وغيبا، فكان في هذه الرواية أنه لما ظهر كذبهما بأنه لم يكن له جام ردت الأيمان على المدعيين في جميع ما ادعوا. فجنس هذا الباب: أن المطلوب إذا حلف ثم ظهر كذبه هل يقضى للمدعي بيمينه فيما يدعيه؛ لأن اليمين مشروعة في جانب الأقوى، فإذا ظهر صدق المدعي في البعض، وكذب المطلوب، قوي جانب المدعي، فحلف كما يحلف مع الشاهد الواحد، وكما يحلف صاحب اليد العرفية مقدما على

стр. 1023

اليد الحسية. انتهى) [الطرق الحكمية ٢١٠ - ٢١٢]. - وقال ابن مفلح: (وقال شيخنا: مع علم مدع وحده بالمدعى به لهم ردها، وإذا لم يحلف لم يأخذ، كالدعوى على ورثة ميت حقا عليه يتعلق بتركته، وإن كان المدعى عليه هو العالم بالمدعى به دون المدعي، مثل أن يدعي الورثة أو الوصي على غريم الميت فينكر، فلا يحلف المدعي، لأن النبي ﷺ قال: «لا تضطروا الناس في أيمانهم إلى ما لا يعلمون». قال: وأما إن كان المدعي يدعي العلم والمنكر يدعي العلم فهنا يتوجه القولان ــ يعني الروايتين ــ فإن حلف حكم له، وإن نكل صرفهما) [الفروع ٦/ ٤٧٧ (١١/ ١٩٣ - ١٩٤)]. - وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: سنح لي في الآية (١) أن ورثة السهمي لما ادعوا الجام المفضض والمخوَّص، فأنكر الوصيان الشاهدان أنه كان هناك جام، فلما ظهر الجام المدَّعَى، وذكر مشتريه أنه كان اشتراه من الوصيين، صار هذا لوثا يقوي دعوى المدعيين، فإذا حلف الأوْليان: أن الجام كان لصاحبهم صدقا في ذلك، وهذا لوث في الأموال، نظير اللوث

стр. 1024

في الدماء، لكن هناك ردت اليمين على المدَّعي بعد أن حلف المدعى عليه، فصارت يمين المطلوب وجودها كعدمها، كما أنه في الدم لا يستحلف ابتداء، وفي كلا الموضعين يعطى المدعي بدعواه مع يمينه، وإن كان المطلوب حالفا أو باذلا للحالف. وفي استحلاف الله للأوليين دليل على مثل ذلك في الدم، حتى تصير يمين الأوليين مقابلة ليمين المطلوبين، وفي حديث ابن عباس ﵄: حلفا أن الجام لصاحبهم، وفي حديث عكرمة: ادعيا أنهما اشترياه منه، فحلف الأوليان على أنهما ما كتما ولا غيبا، وهي أشياء، فكان في هذه الرواية: أنه لما كذبهما بأنه لم يكن له جام: ردت الأيمان على المدعيين في جميع ما ادعوه. فجنس هذا الباب: أن المطلوب إذا حلف ثم ظهر كذبه، هل يقضي للمدعي بيمينه فيما يدعيه؟ لأن اليمين مشروعة في جانب الأقوى، فإذا ظهر صدق المدعي في البعض، وكذب المطلوب، قوي جانب المدعي، فحلف كما يحلف مع شاهد واحد، وكما يحلف صاحب اليد العرفية مقدما على اليد الحسية. قال: وقال القاضي في «أحكام القرآن»: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يعني: ظهور شيء من مال الميت في يد الوصي لم يشهدا به ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] يعني: في اليمين، لأن الوصي يحصل مدعيا، والورثة ينكرونه، فصارت اليمين عليهم، وعسي أنه لو لم يكن للميت إلا وارثان فكانا يدعيا عليها، لأن هذه الآية وردت على سبب

стр. 1025

معين، فيحتمل أن يكون الورثة اثنين (١). وقال في مسألة القضاء بالنكول: هذه الآية وردت في شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا شهدوا على الميت، وحلف الشهود إذا كانوا من أهل الذمة، ثم ظهر في يد الوصي شيء من مال الميت، لم يشهد به الشهود، فإن للورثة أن يحلفوا أنه لم يوص به، لأنهم منكرون لدعوى الوصي أنه موصًى له، فيكون قوله تعالى: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] يعني: أيمان الورثة فيما ظهر أنه لم يكن موصًى به بعد أيمان الشهود أنه كان موصى به. قال الشيخ تقي الدين: كيف بعد أيمان الشهود: أنه كان موصى به، وقد قال: لم يشهد به الشهود؟ ! لكن كأنه قصد بعد أيمان الشهود فيما شهدوا أنه موصى به، وهذا المعنى ضعيف؛ لأن رد اليمين بهذا الاعتبار لأوصيتم (٢) على به حتى يحلفوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم، اللهم إلا أن يقال: هذا يحملهم على أن يشهدوا بجميع ما قبضه الوصي، ولا يكتموا الشهادة ببعض ما قبضه، لئلا ترد، لكن الشهادة عليه بالقبض ليست شهادة على الميت، وهل حكمها حكمها؟ قد بينته (٣) في غير هذا الموضع. وقال ــ يعني: القاضي ــ: من يقول برد اليمين على المدعي إذا نكل المطلوب يقول: معنى الآية: أقر برد أيمان عند عدم أيمانهم.

стр. 1026

وقال الشيخ تقي الدين: وقد ذكر المالكية مسألة يحكم فيها بيمين المدعيين على أحد القولين، وهو ما إذا غار قوم على بيت رجل فأخذوا ما فيه، والناس ينظرون إليهم، ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوه، ولكن على أنهم أغاروا وانتهبوا. فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه، لأن مالكا قال في منتهِب الصرَّة، يختلفان في عددها: القول قول المنتهب مع يمينه. وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القول قول المنتهب منه مع يمينه فيما يشبه، ويحمل على الظالم. قال مطرف: ومن أخذ من المغيرين ضمن ما أخذه رفاقه، لأن بعضهم عون لبعض، كالسراق والمحاربين، ولو أخذوا جميعًا وهم أملياء، كل واحد منهم ما ينوبه، وقاله ابن الماجشون، وأصبغ في الضمان، قالوا: والمغيرون كالمحاربين إذا شهروا السلاح على وجه المكابرة كان ذلك على أصل مأمرة بينهم، أو على وجه الفساد، وكذلك والي البلد يغير على أهل ولايته، وينهب ظلما مثل ذلك في المغيرين. قال الشيخ تقي الدين: المحاربون قصدهم المال مطلقا، والمغيرون قصدهم من قوم بأعيانهم. قال ابن القاسم: ولو ثبت أن رجلين غصبا عبدا ففات فله به أخذ قيمته من المليء، ويتبع المليء ذمة رفيقه المعدم بما ينوبه. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٧٨ - ٢٨٠] (١).

стр. 1027

وانظر: المسألة التالية. ١٤٤٨ - المدعي يحلف ابتداء مع اللوث: ١٤٤٩ - وحبس المتهم: ١٤٥٠ - ولا يقبل في بينة الإعسار أقل من ثلاثة: ١٤٥١ - وتعزير مدع بسرقة على من تعلم براءته: ١٤٥٢ - وخبر من له رئي من الجن: - قال ابن القيم: (ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي عنه في ذلك جواباً وسؤالاً: هل السياسة بالضرب والحبس للمتهمين في الدعاوى وغيرها من الشرع، أم لا؟ وإذا كانت من الشرع فمن يستحق ذلك، ومن لا يستحقه؟ وما قدر الضرب، ومدة الحبس؟ فأجاب: الدعاوى التي يحكم فيها ولاة الأمور، سواء سموا قضاة، أو ولاة، أو ولاة الأحداث، أو ولاة المظالم، أو غير ذلك من الأسماء العرفية الاصطلاحية فإن حكم الله ﵎ شامل لجميع الخلائق، وعلى كل من ولي أمراً من أمور الناس، أو حكم بين اثنين أن يحكم بالعدل فيحكم بكتاب الله، وسنة رسوله، وهذا هو الشرع المنزل من عند الله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].

стр. 1028

فالدعاوى قسمان: دعوى تهمة، ودعوى غير تهمة: فدعوى التهمة: أن يدعي فعل محرم على المطلوب، يوجب عقوبته، مثل: قتل، أو قطع طريق، أو سرقة، أو غير ذلك من العدوان الذي يتعذر إقامة البينة عليه في غالب الأحوال. وغير التهمة: أن يدعي عقداً: من بيع، أو قرض، أو رهن، أو ضمان، أو غير ذلك. وكل من القسمين قد يكون حدا محضا كالشرب والزنا، وقد يكون حقا محضا لآدمي، كالأموال، وقد يكون متضمنا للأمرين، كالسرقة وقطع الطريق. فهذا القسم إن أقام المدعي عليه حجة شرعية، وإلا فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، لما روى مسلم في «صحيحه» عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه». وفي رواية في «الصحيحين» عنه: قضى رسول الله ﷺ باليمين على المدعى عليه. فهذا الحديث نص في أن أحدا لا يعطى بمجرد دعواه، ونص في أن الدعوى المتضمنة للإعطاء فيها اليمين ابتداء على المدعى عليه، وليس فيها أن الدعاوى الموجبة للعقوبات لا توجب اليمين إلا على المدعى عليه، بل قد ثبت عنه في «الصحيحين» في قصة القسامة: أنه قال لمدعي الدم: «تحلفون خمسين يمينا، وتستحقون دم صاحبكم» فقالوا: كيف نحلف، ولم نشهد، ولم نر؟ قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا».

стр. 1029

وثبت في «صحيح مسلم» عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قضى بيمين وشاهد. وابن عباس هو الذي روى عن النبي ﷺ أنه قضى باليمين على المدعى عليه، وهو الذي روى أنه قضى باليمين والشاهد. ولا تعارض بين الحديثين، بل هذا في دعوى، وهذا في دعوى. وأما الحديث المشهور على ألسنة الفقهاء: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» فهذا قد روي، ولكن ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أصحاب السنن المشهورة، ولا قال بعمومه أحد من علماء الأمة، إلا طائفة من فقهاء الكوفة، مثل: أبي حنيفة وغيره، فإنهم يرون اليمين دائما في جانب المنكر، حتى في القسامة يحلفون المدعى عليه، ولا يقضون بالشاهد واليمين، ولا يردون اليمين على المدعي عند النكول، واستدلوا بعموم هذا الحديث. وأما سائر علماء الأمة من أهل المدينة، ومكة، والشام، وفقهاء الحديث، وغيرهم، مثل: ابن جريج، ومالك، والشافعي، والليث، وأحمد، وإسحاق = فتارة يحلفون المدعى عليه، كما جاءت بذلك السنة، والأصل عندهم أن اليمين مشروعة في أقوى الجانبين، وأجابوا عن ذلك الحديث تارة بالتضعيف، وتارة بأنه عام، وأحاديثهم خاصة، وتارة بأن أحاديثهم أصح وأكثر، فالعمل بها عند التعارض أولى. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه طلب البينة من المدعي، واليمين من المنكر في حكومات معينة، ليست من جنس دعاوى التهم، مثل ما خرجا في «الصحيحين» عن الأشعث بن قيس أنه قال: كان بيني وبين رجل حكومة في بئر، فاختصمنا إلى النبي ﷺ ، فقال: «شاهداك، أو يمينه». فقلت: إذاً يحلف

стр. 1030

ولا يبالي. فقال: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان». وفي رواية: فقال: «بينتك أنها بئرك، وإلا فيمينه». وعن وائل بن حجر قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي ﷺ ، فقال الذي من حضرموت: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي. فقال الكندي: هي أرضي، في يدي، أزرعها، ليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ : «ألك بينة؟ » قال: لا. قال: «فلك يمينه». فقال: يا رسول الله، الرجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء. فقال: «ليس لك منه إلا ذلك» فلما أدبر الرجل ليحلف: قال رسول الله ﷺ : «أما إن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض». رواه مسلم. ففي الحديث أنه لم يوجب على المطلوب إلا اليمين، مع ذكر المدعي لفجوره، وقال: «ليس لك منه إلا ذلك»، وكذلك في الحديث الأول، وكان خصم الأشعث بن قيس يهوديا، هكذا جاء في «الصحيحين»، ومع هذا لم يوجب عليه إلا اليمين. وفي حديث القسامة: أن الأنصار قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ وهذا القسم لا أعلم فيه نزاعا أن القول فيه قول المدعى عليه مع يمينه إذا لم يأت المدعي بحجة شرعية، وهي البينة، لكن البينة ــ التي هي الحجة الشرعية ــ تارة تكون شاهدين عدلين ذكرين، وتارة تكون رجلا وامرأتين، وتارة أربعة رجال، وتارة ثلاثة، عند طائفة من العلماء، وذلك في دعوى إفلاس من علم له مال متقدم، كما ثبت في «صحيح مسلم» من حديث قبيصة بن مخارق، قال: «لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة

стр. 1031

اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه يقولون: لقد أصاب فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، فما سواهن يا قبيصة سحت، يأكلها صاحبها سحتا». فهذا الحديث صريح، في أنه لا يقبل في بينة الإعسار أقل من ثلاثة، وهو الصواب الذي يتعين القول به، وهو اختيار بعض أصحابنا، وبعض الشافعية. قالوا: ولأن الإعسار من الأمور الخفية، التي تقوى فيها التهمة بإخفاء المال فروعي فيها الزيادة في البينة، وجعلت بين مرتبة أعلى البينات، ومرتبة أدنى البينات. وتارة تكون الحجة شاهدا ويمين الطالب، وتارة تكون امرأة واحدة عند أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وامرأتين عند مالك وأحمد في رواية، وأربع نسوة عند الشافعي، وتارة تكون رجلاً واحداً في داء الدابة، وشهادة الطبيب إذا لم يوجد اثنان، كما نص عليه أحمد، وتارة تكون لوثا ولطخا مع أيمان المدعين، كما في القسامة، وامتازت بكون الأيمان فيها خمسين تغليظا لشأن الدم، كما امتاز اللعان بكون الأيمان فيه أربعا. والقسامة يجب فيها القود عند مالك وأحمد وأبي حنيفة، وتوجب الدية فقط عند الشافعي، وأما أهل الرأي فيحلفون فيها المدعى عليه خاصة، ويوجبون عليه الدية مع تحليفه ... (١).

стр. 1032

قال شيخنا ﵀: وقد وقع فيه من التفريط من بعض ولاة الأمور، والعدوان من بعضهم: ما أوجب الجهل بالحق، والظلم للخلق، وصار لفظ «الشرع» غير مطابق لمعناه الأصلي، بل لفظ «الشرع» في هذه الأزمنة ثلاثة أقسام: الشرع المنزل: وهو الكتاب، والسنة، واتباع هذا الشرع: واجب، ومن خرج عنه: وجب قتاله، وتدخل فيه: أصول الدين، وفروعه، وسياسة الأمراء، وولاة المال، وحكم الحاكم، ومشيخة الشيوخ، وولاة الحسبة، وغير ذلك، فكل هؤلاء عليهم أن يحكموا بالشرع المنزل، ولا يخرجوا عنه. الثاني: الشرع المتأول: وهو مورد النزاع والاجتهاد بين الأئمة، فمن أخذ بما يسوغ فيه الاجتهاد: أقر عليه، ولم يجب على جميع الناس موافقته، إلا بحجة لا مرد لها من كتاب الله، وسنة رسوله. والثالث: الشرع المبدل: مثل ما يثبت بشهادات الزور، ويحكم فيه بالجهل والظلم، أو يؤمر فيه بإقرار باطل: لإضاعة حق، مثل: تعليم المريض أن يقر لوارث بما ليس له: ليبطل به حق بقية الورثة. والأمر بذلك: حرام، والشهادة عليه: محرمة، والحاكم إذا عرف باطن الأمر، وأنه غير مطابق للحق، فحكم به: كان جائرا آثما، وإن لم يعرف باطن الأمر: لم يأثم. فقد قال سيد الحكام صلوات الله وسلامه عليه، في الحديث المتفق عليه: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار».

стр. 1033

فصل القسم الثاني من الدعاوى: دعاوى التهم: وهي دعوى الجناية والأفعال المحرمة، كدعوى القتل، وقطع الطريق، والسرقة، والقذف، والعدوان. فهذا ينقسم المدعى عليه فيه إلى ثلاثة أقسام، فإن المتهم إما أن يكون بريئا ليس من أهل تلك التهمة، أو فاجرا من أهلها، أو مجهول الحال لا يعرف الوالي والحاكم حاله. فإن كان بريئا لم تجز عقوبته اتفاقا, واختلفوا في عقوبة المتهم له على قولين، أصحهما أنه يعاقب، صيانة لتسلط أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء. قال مالك وأشهب رحمهما الله: لا أدب على المدعي إلا أن يقصد أذية المدعى عليه وعيبه وشتمه، فيؤدب، وقال أصبغ: يؤدب قصد أذيته أو لم يقصد. وهل يحلف في هذه الصور؟ فإن كان المدعى حدا لله لم يحلف عليه، وإن كان حقا لآدمي ففيه قولان مبنيان على سماع الدعوى، فإن سمعت الدعوى حلف له، وإلا لم يحلف. والصحيح أنه لا تسمع الدعوى في هذه الصورة، ولا يحلف المتهم؛ لئلا يتطرق الأراذل والأشرار إلى الاستهانة بأولي الفضل والأخطار، كما تقدم من أن المسلمين يرون ذلك قبيحا.

стр. 1034

فصل القسم الثاني: أن يكون المتهم مجهول الحال, لا يعرف ببر ولا فجور فهذا يحبس حتى ينكشف حاله عند عامة علماء الإسلام، والمنصوص عليه عند أكثر الأئمة أنه يحبسه القاضي والوالي، هكذا نص عليه مالك وأصحابه، وهو منصوص الإمام أحمد ومحققي أصحابه، وذكره أصحاب أبي حنيفة. وقال الإمام أحمد: قد حبس النبي ﷺ في تهمة. قال أحمد: وذلك حتى يتبين للحاكم أمره. وقد روى أبو داود في «سننه» وأحمد وغيرهما من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ حبس في تهمة. قال علي بن المديني: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح. وفي «جامع الخلال» عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ حبس في تهمة يوما وليلة. والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك، فإنهم متفقون على أن المدعي إذا طلب المدعى عليه الذي يسوغ إحضاره وجب على الحاكم إحضاره إلى مجلس الحكم حتى يفصل بينهما، ويحضره من مسافة العدوى ــ التي هي عند بعضهم بريد ــ وهو مالا يمكن الذهاب إليه والعود في يومه، كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد وهو رواية عن أحمد، وعند بعضهم يحضره من مسافة القصر، وهي مسيرة يومين قاصدين كما هي الرواية الأخرى عن أحمد. ثم إن الحاكم قد يكون مشغولا عن تعجيل الفصل، وقد تكون عنده

стр. 1035

حكومات سابقة، فيكون المطلوب محبوسا معوقا من حين يطلب إلى أن يفصل بينه وبين خصمه، وهذا حبس بدون التهمة، ففي التهمة أولى، فإن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد، أو كان بتوكيل نفس الخصم أو وكيله عليه، وملازمته له، ولهذا سماه النبي ﷺ أسيرا، كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي، فقال: «الزمه». ثم قال لي: «يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل بأسيرك؟ ». وفي رواية ابن ماجه: ثم مر بي آخر النهار، فقال: «ما فعل أسيرك، يا أخا بني تميم؟ ». وكان هذا هو الحبس على عهد النبي ﷺ وأبي بكر الصديق ﵁، ولم يكن له محبس معد لحبس الخصوم، ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا يحبس فيها. ولهذا تنازع العلماء ــ من أصحاب أحمد وغيرهم ــ هل يتخذ الإمام حبسا؟ على قولين: فمن قال: لا يتخذ حبسا، قال: لم يكن لرسول الله ﷺ ولا لخليفته بعده حبس، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة، أو يقام عليه حافظ ــ وهو الذي يسمى الترسيم ــ، أو يأمر غريمه بملازمته، كما فعل النبي ﷺ . ومن قال: له أن يتخذ حبسا، قال: قد اشترى عمر بن الخطاب من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف درهم, وجعلها حبسا.

стр. 1036

ولما كان حضور مجلس الحاكم تعويقا من جنس الحبس تنازع العلماء: هل يحضر الخصم المطلوب بمجرد الدعوى، أو لا يحضر حتى يبين المدعي أن للدعوى أصلا؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، والأول: قول أبي حنيفة والشافعي، والثاني: قول مالك. فصل ومنهم من قال: الحبس في التهم إنما هو لوالي الحرب دون القاضي، وقد ذكر هذا طائفة من أصحاب الشافعي كأبي عبد الله الزبيري والماوردي وغيرهما، وطائفة من أصحاب المصنفين في أدب القضاة وغيرهم. واختلفوا في مقدار الحبس في التهمة، هل هو مقدر أو مرجعه إلى اجتهاد الوالي والحاكم؟ على قولين، ذكرهما الماوردي وأبو يعلى وغيرهما، فقال الزبيري: هو مقدر بشهر، وقال الماوردي: غير مقدر. فصل القسم الثالث: أن يكون المتهم معروفا بالفجور، كالسرقة وقطع الطريق والقتل ونحو ذلك، فإذا جاز حبس المجهول فحبس هذا أولى. قال شيخنا ابن تيمية ﵀: وما علمت أحداً من أئمة المسلمين يقول: إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره، فليس هذا على إطلاقه مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم من الأئمة. ومن زعم أن هذا على إطلاقه وعمومه هو الشرع فقد غلط غلطا فاحشا، مخالفا لنصوص رسول الله ﷺ ، ولإجماع الأمة. وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا

стр. 1037

أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم، ومصلحة الأمة، وتعدوا حدود الله، وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج عنه إلى أنواع من الظلم، والبدع، والسياسة. جعلها (١) هؤلاء من الشرع، وجعلها هؤلاء قسيمة ومقابلة له، وزعموا أن الشرع ناقص، لا يقوم بمصالح الناس، وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات هو الشرع، وإن تضمن خلاف ما شهدت به الشواهد والعلامات الصحيحة. والطائفتان مخطئتان في الشرع أقبح خطأ، وأفحشه، وإنما أتوا من تقصيرهم في معرفة الشرع، الذي أنزله الله على رسوله، وشرعه بين عباده، كما تقدم بيانه. فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط، ولم يسوغ تكذيب صادق، ولا إبطال أمارة وعلامة شاهدة بالحق، بل أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولم يأمر برده مطلقا، حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل، أو كذبه فيرد، فحكمه دائر مع الحق، والحق دائر مع حكمه أين كان، ومع من كان، وبأي دليل صحيح كان. فتوسع كثير من هؤلاء، في أمور ظنوها علامات، وأمارات أثبتوا بها أحكاما، وقصر كثير من أولئك عن أدلة، وعلامات ظاهرة ظنوها غير صالحة لإثبات الأحكام.

стр. 1038

فصل ويسوغ ضرب هذا النوع من المتهمين، كما أمر النبي ﷺ الزبير بتعذيب المتهم، الذي غيب ماله حتى أقر به، في قصة ابن أبي الحقيق. قال شيخنا: واختلفوا فيه: هل الذي يضربه الوالي دون القاضي، أو كلاهما، أو لا يسوغ ضربه؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يضربه الوالي والقاضي، وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم، منهم: أشهب بن عبد العزيز، قاضي مصر، فإنه قال: يمتحن بالحبس والضرب، ويضرب بالسوط مجردا. والقول الثاني: أنه يضربه الوالي دون القاضي، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأحمد، حكاه القاضيان. ووجه هذا: أن الضرب المشروع هو ضرب الحدود والتعزيرات، وذلك إنما يكون بعد ثبوت أسبابها، وتحققها. والقول الثالث: أنه يحبس ولا يضرب، وهذا قول أصبغ، وكثير من الطوائف الثلاثة، بل قول أكثرهم، لكن حبس المتهم عندهم أبلغ من حبس المجهول. ثم قالت طائفة، منهم عمر بن عبد العزيز، ومطرف وابن الماجشون: إنه يحبس حتى يموت. ونَصَّ عليه الإمام أحمد في المبتدع الذي لم ينته عن بدعته: أنه يحبس حتى يموت. وقال مالك: لا يحبس إلى الموت.

стр. 1039

فصل والذين جعلوا عقوبته للوالي دون القاضي قالوا: ولاية أمير الحرب معتمدها المنع من الفساد في الأرض، وقمع أهل الشر والعدوان، وذلك لا يتم إلا بالعقوبة للمتهمين، المعروفين بالإجرام، بخلاف ولاية الحكم، فإن مقصودها إيصال الحقوق إلى أربابها، وإثباتها. قال شيخنا: وهذا القول هو في الحقيقة قول بجواز ذلك في الشريعة، لكن كل ولي أمر يفعل ما فوض إليه، فكما أن والي الصدقات يملك من أمر القبض والصرف ما لا يملكه والي الخراج وعكسه، وكذلك والي الحرب ووالي الحكم يفعل كل منهما ما اقتضته ولايته الشرعية، مع رعاية العدل، والتقيد بالشريعة. فصل وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده، وقد جحده فمتفق عليها بين العلماء، لا نزاع بينهم أن من وجب عليه حق أو دين وهو قادر على أدائه وامتنع منه أنه يعاقب حتى يؤديه، ونصوا على عقوبته بالضرب، ذكر ذلك الفقهاء من الطوائف الأربعة. وقال أصحاب أحمد: إذا أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع أمر أن يختار إحدى الأختين أو أربعا، فإن أبى حبس وضرب حتى يختار، قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق هو قادر على أدائه فامتنع منه، فإنه يضرب حتى يؤديه. وفي «السنن» عنه ﷺ أنه قال: «مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته».

стр. 1040

والعقوبة لا تختص بالحبس بل هي بالضرب أظهر منها في الحبس، وثبت عنه ﷺ أنه قال: «مطل الغني ظلم»، والظالم يستحق العقوبة شرعا وقدرا. فصل واتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد وهي نوعان: ترك واجب، أو فعل محرم. فمن ترك الواجبات مع القدرة عليها، كقضاء الديون، وأداء الأمانات من الوكالات والودائع وأموال اليتامى والوقوف والأموال السلطانية، ورد الغصوب والمظالم = فإنه يعاقب حتى يؤديها، وكذلك من وجب عليه إحضار نفس لاستيفاء حق وجب عليها، مثل أن يقطع الطريق ويلتجئ إلى من يمنعه ويذب عنه، فهذا يعاقب حتى يحضره. وقد روى مسلم في «صحيحه» عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا». وروى أبو داود في «سننه» عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من خاصم في باطل ــ وهو يعلم ــ لم يزل في سخط الله حتى ينزع, ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره, ومن قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما عليه». قال: فما وجب إحضاره من النفوس والأموال استحق الممتنع من إحضاره العقوبة، وأما إذا كان إحضاره إلى من يظلمه، أو إحضار المال إلى من يأخذه بغير حق فهذا لا يجب، بل ولا يجوز، فإن الإعانة على الظلم ظلم) [الطرق الحكمية ٧٩ - ٨١].

стр. 1041

- وقال ابن مفلح: (واختار شيخنا: أن المدعي يحلف ابتداء مع اللوث، وأن الدعوى في التهمة كسرقة يعاقب المدعى عليه الفاجر، وأنه لا يجوز إطلاقه. ويحبس المستور ليبين أمره أو ثلاثا على وجهين (١)، نقل حنبل: حتى يبين أمره، ونص أحمد ومحققو أصحابه على حبسه، واحتج أحمد بأن النبي ﷺ حبس في تهمة، بخلاف دعوى بيع أو قرض ونحوه، لتفريطه بترك كتابته والإشهاد. وأن تحليف كل مدعى عليه وإرساله مجانا ليس مذهبا لإمام. واحتج في مكان آخر بأن قوما اتهموا أناسا بسرقة فرفعوهم إلى النعمان بن بشير فحبسهم أياما ثم أطلقهم، فقالوا له: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان؟ فقال لهم: إن شئتم ضربتهم، فإن ظهر ما لكم وإلا ضربتكم مثل ما ضربتهم، فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: حكم الله تعالى ورسوله. إسناده جيد رواه النسائي وأبو داود، وترجم عليه: باب في الامتحان بالضرب، وظاهره أنه قال به، وقال به شيخنا. وفي «الأحكام السلطانية»: يحبسه وال، قال: فظاهر كلام أحمد: وقاض، وأنه ليشهد له ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الآية [النور: ٨] حملنا على الحبس لقوة التهمة، وذكر شيخنا الأول قول أكثر العلماء. واختار تعزير مدع بسرقة ونحوها على من تعلم براءته.

стр. 1042

واختار أن خبر من له رئي جني بأن فلانا سرق كذا كخبر إنسي مجهول، فيفيد تهمة كما تقدم ... قال شيخنا: إذا كان معروفا بالفجور المناسب للتهمة قال طائفة: يضربه الوالي والقاضي، وقال طائفة: الوالي دون القاضي، وقد ذكر ذلك طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد. وفي «الصحيح»: أن النبي ﷺ أمر الزبير أن يمس بعض المعاهدين بالعذاب لما كتم إخباره بالمال الذي كان النبي ﷺ قد عاهدهم عليه، وقال له: «أين كنز حيي بن أخطب؟» فقال: يا محمد، أذهبته النفقات والحروب، فقال: «المال كثير، والعهد أقرب من هذا». وقال للزبير: «دونك هذا». فمسه الزبير بشيء من العذاب، فدلهم على المال. وفي كتاب «الهدي» ما هو نفس كلام شيخنا أن في هذا الخبر دليلا على الاستدلال بالقرائن على صحة الدعوى وفسادها) [الفروع ٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (١١/ ١٩٥ - ١٩٧)] (١). ١٤٥٣ - الحكم في القضية الواحدة المشتملة على عدد أو أعيان: - قال ابن مفلح: ( ... وتقدم أن سؤال غريم الحجر كالكل، فيتوجه أن يفيد أن القضية الواحدة المشتملة على عدد أو أعيان كولد الأبوين في المشركة أن الحكم على واحد أو له يعمه وغيره. ذكر شيخنا المسألة، وأخذها من دعوى موت موروثه، وحكمه بأن

стр. 1043

هذا يستحق هذا أو الآن من وقف بشرط شامل يعم، وهل حكمه لطبقة حكم للثانية والشرط واحد؟ ردد النظر على وجهين (١)، ثم من أبدى ما يجوز أن يمنع الأول من الحكم عليه لو علمه فلثانٍ الدفع به، وهل هو نقض للأول كحكم مغيا بغاية أو هو فسخ (٢)؟) [الفروع ٦/ ٤٨٧ (١١/ ٢٠٧ - ٢٠٨)]. ١٤٥٤ - إذا حكم له بما اعتقد تحريمه قبل الحكم: ١٤٥٥ - وحكم ما أخذه بتأويل أو مع جهله: - قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: هل يباح له بالحكم ما اعتقد تحريمه قبل الحكم؟ فيه روايتان، وفي حل ما أخذه وغيره بتأويل أو مع جهله، وإن رجع المتأول فاعتقد التحريم روايتان، بناء على ثبوت الحكم قبل بلوغ الخطاب، قال: أصحهما حكمه كالحربي بعد إسلامه، وأولى، وجعل من ذلك وضع طاهر في اعتقاده في مائع لغيره، وفيه نظر) [الفروع ٦/ ٤٩١ (١١/ ٢١٣)] (٣).

стр. 1044

١٤٥٦ - أمور الدين والعبادات المشتركة بين المسلمين لا يحكم فيها إلا الله ورسوله: - قال ابن مفلح: (قال شيخنا: أمور الدين والعبادات المشتركة بين المسلمين لا يحكم فيها إلا الله تعالى ورسوله إجماعا، وذكره غيره، فدل أن إثبات سبب الحكم كرؤية الهلال والزوال ليس بحكم، فمن لم يره سببا لم يلزمه شيء) [الفروع ٦/ ٤٩٢ (١١/ ٢١٥)] (١). ١٤٥٧ - إذا رفع إليه خصمان عقدا فاسدا عنده فقط، وأقرا بأن نافذ الحكم حكم بصحته: - قال ابن مفلح: (وإن رفع إليه خصمان عقدا فاسدا عنده فقط وأقرا بأن نافذَ الحُكْمِ حَكَمَ بصحته فله إلزامهما بذلك ورده (٢) والحكم بمذهبه. وقال شيخنا: قد يقال قياس المذهب أنه كالبينة، ثم ذكر أنه كبينة إن عينا الحاكم) [الفروع ٦/ ٤٩٤ (١١/ ٢١٨)] (٣). ١٤٥٨ - الحكم بالشاهد واليمين: - قال ابن القيم: (وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين، في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم،

стр. 1045

وإنما ذكر النوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأمرهم سبحانه بحفظ حقوقهم بالكتاب، وأمر من عليه الحق أن يملي الكاتب، فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه أملى عنه وليه، ثم أمر من له الحق أن يستشهد على حقه رجلين، فإن لم يجد فرجل وامرأتان، ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن إقامتها، إذا طلبوا لذلك، ثم رخص لهم في التجارة الحاضرة ألا يكتبوها، ثم أمرهم بالإشهاد عند التبايع، ثم أمرهم إذا كانوا على سفر، ولم يجدوا كاتباً أن يستوثقوا بالرهان المقبوضة. كل هذا نصيحة لهم، وتعليم، وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم، وما تحفظ به الحقوق شيء، وما يحكم به الحاكم شيء، فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين، فإن الحاكم يحكم بالنكول واليمين المردودة، ولا ذكر لهما في القرآن، فإن كان الحكم بالشاهد الواحد، واليمين مخالفا لكتاب الله فالحكم بالنكول والرد أشد مخالفة) [الطرق الحكمية ٥٤] (١).

стр. 1046

١٤٥٩ - الحكم بشهادة امرأة ويمين الطالب: - قال ابن القيم: (قال شيخنا قدس الله روحه: ولو قيل: يحكم بشهادة امرأة ويمين الطالب لكان متوجها، قال: لأن المرأتين إنما أقيمتا مقام الرجل في التحمل لئلا تنسى إحداهما، بخلاف الأداء، فإنه ليس في الكتاب ولا في السنة أنه لا يحكم إلا بشهادة امرأتين، ولا يلزم من الأمر باستشهاد المرأتين وقت التحمل ألا يحكم بأقل منهما، فإنه سبحانه أمر باستشهاد رجلين في الديون، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ومع هذا فيحكم بشاهد واحد ويمين الطالب، ويحكم بالنكول والرد وغير ذلك. فالطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التي أرشد الله صاحب الحق إلى أن يحفظ حقه بها، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه سأله عقبة بن الحارث، فقال: إني تزوجت امرأة، فجاءت أمة سوداء، فقالت: إنها أرضعتنا، فأمره بفراق امرأته، فقال: إنها كاذبة، فقال: «دعها عنك». ففي هذا: قبول شهادة المرأة الواحدة وإن كانت أمة، وشهادتها على فعل نفسها، وهو أصل في شهادة القاسم، والخارص، والوزان، والكيال، على فعل نفسه) [إعلام الموقعين ١/ ٩٥ ـ ٩٦] (١). وانظر: ما يأتي برقم (١٥٢٨) ورقم (١٥٣٠).

стр. 1047

١٤٦٠ - الحكم بشهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال: - قال ابن القيم: ( ... الطريق العاشر (١): الحكم بشهادة امرأتين، ويمين المدعي في الأموال وحقوقها، وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، حكاه شيخنا واختاره) [الطرق الحكمية ١٣٣] (٢).

стр. 1048

باب كتاب القاضي إلى القاضي ١٤٦١ - قبول كتاب القاضي إلى القاضي: - قال ابن مفلح: (يقبل في كل حق آدمي ..... ويقبل فيما حكم به لينفذه وإن كانا ببلد واحد، وعند شيخنا: وفي حق الله تعالى. ويقبل فيما ثبت عنده ليحكم به في مسافة قصر، وعنه: فوق يوم، وعند شيخنا ــ وقال: خرجته في المذهب ــ: وأقل، كخبر (١). وقال القاضي: ويكون في كتابه: شهدا عندي بكذا، ولا يكتب: ثبت عندي، لأنه حكم بشهادتهما كبقية الأحكام، وقاله ابن عقيل وغيره. قال شيخنا: والأول أشهر أنه خبر بالثبوت (٢) كشهود الفرع، لأن الحكم أمر ونهي يتضمن إلزاما، قاله شيخنا. فيتوجه لو أثبت حاكم مالكي وقفا لا يراه كوقف الإنسان على نفسه بالشهادة على الخط، فإن حكم للخلاف في العمل بالخط كما هو المعتاد فلحاكم حنبلي يرى صحة الحكم أن ينفذه في مسافة قريبة، وإن لم يحكم

стр. 1049

المالكي بل قال: ثبت كذا (١) فكذلك، لأن الثبوت عند المالكي حكم، ثم إن رأى الحنبلي الثبوت حكما نفذه وإلا فالخلاف في قرب المسافة، ولزوم الحنبلي تنفيذه ينبني على لزوم تنفيذ الحكم المختلف فيه، وحكم المالكي مع علمه باختلاف العلماء في الخط لا يمنع كونه مختلفا فيه، ولهذا لا ينفذه الحنفية حتى ينفذه حاكم، وللحنبلي الحكم بصحة الوقف المذكور مع بعد المسافة، ومع قربها الخلاف) [الفروع ٦/ ٤٩٨ - ٤٩٩ (١١/ ٢٢٨ - ٢٢٩)] (٢). ١٤٦٢ - تعيين القاضي الكاتبَ: - قال ابن مفلح: (وله الكتابة إلى قاض معين وإلى من يصل إليه من قضاة المسلمين، قال شيخنا: وتعيين القاضي الكاتب كشهود الأصل (٣)، وقد يخير (٤) المكتوب إليه) [الفروع ٦/ ٤٩٩ (١١/ ٢٢٩)]. ١٤٦٣ - من عرف خطه عمل به: ١٤٦٤ - وكتاب القاضي في غير عمله أو بعد عزله: - قال ابن مفلح: (وعند شيخنا: من عرف خطه بإقرار أو إنشاء أو عقد أو شهادة عمل به كميت، فإن حضر وأنكر مضمونه فكاعترافه بالصوت وإنكار مضمونه.

стр. 1050

وذكر قولا في المذهب أنه يحكم بخط شاهد ميت، وقال: الخط كاللفظ إذا عرف أنه خطه، وأنه مذهب جمهور العلماء، وهو يعرف أن هذا خطه كما يعرف أن هذا صوته، واتفق العلماء أنه يشهد على الشخص إذا عرف صوته مع إمكان الاشتباه، وجوز الجمهور كمالك وأحمد الشهادة على الصوت من غير رؤية المشهود عليه، والشهادة على الخط أضعف لكن جوازه قوي، أقوى من منعه. قال: وكتابه في غير عمله أو بعد عزله كخبره) [الفروع ٦/ ٥٠٠ (١١/ ٢٣٠)] (١). ١٤٦٥ - إن سأل مع الإشهاد الكتابة: - قال ابن مفلح: (وإن سأله مع الإشهاد كتابته وأتاه بورقة لزمه في الأصح، قال أحمد: إذا أخذ الساعي زكاته كتب له براءة، وعند شيخنا: يلزمه إن تضرر بتركه) [الفروع ٦/ ٥٠٢ (١١/ ٢٣٤)] (٢).

стр. 1051

باب القسمة ١٤٦٦ - ما كان من القسمة فيه رد عوض فهو بيع: - قال ابن مفلح: (يحرم قسمة الأملاك التي لا تقسم إلا بضرر أو رد عوض إلا بتراضي الشركاء، كحمَّام ودور صغار وأرض ببعضها بئر أو بناء ونحوه لا يتعدل بأجزاء ولا قيمة. وهذه القسمة في حكم البيع، يجوز فيها ما يجوز فيه خاصة لمالك وولي ... وفي «التعليق» و «المبهج» و «الكافي»: البيع ما فيه رد فقط، واختاره شيخنا) [الفروع ٦/ ٥٠٥ (١١/ ٢٣٧)] (١). ١٤٦٧ - إجبار الشريك على الإجارة فيما لا ينقسم إلا بضرر: - قال ابن مفلح: (ومن دعا شريكه إلى البيع فيها أجبر، فإن أبى بيع عليهما وقسم الثمن، نقله الميموني وحنبل، وذكره القاضي وأصحابه، وذكره صاحب «الإرشاد» و «الفصول» و «الإفصاح» و «الترغيب» وغيرها، وكلام الشيخ و «المحرر» يقتضي المنع، وكذا الإجارة، ولو في وقف، ذكره شيخنا) [الفروع ٦/ ٥٠٥ (١١/ ٢٣٧ - ٢٣٨)] (٢). ١٤٦٨ - قسمة الوقف: - قال ابن مفلح: (ولا إجبار في قسمة المنافع (٣)، وعنه: بلى، واختاره

стр. 1052

في «المحرر» في القسمة بالمكان ولا ضرر، وإن اقتسماها بزمن أو مكان صح جائزا، واختار في «المحرر»: لازما إن تعاقدا مدة معلومة، وقيل: لازما بالمكان مطلقا. فإن انتقلت كانتقال وقف فهل تنتقل مقسومة أو لا، فيه نظر، فإن كانت إلى مدة لزمت الورثة والمشتري، قال ذلك شيخنا. وقال أيضا: معنى القسمة هنا قريب من معنى البيع، فقد يقال: يجوز التبديل، كالحبيس والهدي. وقال أيضا: صرح الأصحاب بأن الوقف إنما يجوز قسمته إذا كان على جهتين، فأما الوقف على جهة واحدة فلا تقسم عينه قسمة لازمة اتفاقا، لتعلق حق الطبقة الثانية والثالثة، لكن تجوز المهايأة، وهي قسمة المنافع، ولا فرق في ذلك بين المناقلة بالمنافع وبين تركها على المهايأة بلا مناقلة (١).

стр. 1053

والظاهر أن ما ذكر شيخنا عن الأصحاب وجه، وظاهر كلامهم لا فرق، وهو أظهر) [الفروع ٦/ ٥٠٨ (١١/ ٢٤١ - ٢٤٢)] (١). ١٤٦٩ - قسمة الحاكم عند غياب أحد الشريكين: - قال ابن مفلح: (وما لا ضرر فيه ولا رد عوض كقرية وبستان ودار كبيرة وأرض واسعة ومكيل وموزون من جنس، كدبس وخل ودهن ولبن إذا طلبها شريكه أجبر هو أو وليه، ومع غيبة ولي هل يقسم حاكم عليه؟ فيه وجهان في «الترغيب»، قال جماعة: إن ثبت ملكهما عنده ببينة، ولم يذكره آخرون، وجزم به في «الروضة»، واختاره شيخنا كبيع مرهون وجان، وأن كلام الإمام أحمد ﵀ في بيع ما لا ينقسم وقسم ثمنه عام فيما ثبت أنه ملكهما وما لم يثبت، كجميع الأموال التي تباع، وأن مثل ذلك لو جاءته امرأة فزعمت أنها خلية لا ولي لها، هل يزوجها بلا بينة (٢)؟ ونقل حرب فيمن أقام بينة بسهم من ضيعة بيد قوم فهربوا منه، يقسم عليهم ويدفع إليه حقه، قال شيخنا: وإن لم يثبت ملك الغائب فدل أنه يجوز

стр. 1054

ثبوته، وأنه أولى) [الفروع ٦/ ٥٠٩ - ٥ ١١ (١١/ ٢٤٤ - ٢٤٦)] (١). ١٤٧٠ - أجرة القاسم ونحوه: - قال ابن مفلح: (وهي (٢) بقدر الأملاك (٣)، نص عليه، زاد في «الترغيب»: إذا أطلق الشركاء العقد، وأنه لا ينفرد واحد بالاستئجار بلا إذن، وقيل: بعدد الملاك، وفي «الكافي»: على ما شرطا، فعلى النص أجرة شاهد يخرج لقسم البلاد ووكيل وأمين للحفظ على مالك وفلاح كأملاك ذكره شيخنا. قال: فإذا ما نهم الفلاح بقدر ما عليه ويستحقه الضيف حل لهم. قال: وإن لم يأخذ الوكيل لنفسه إلا قدر أجرة عمله بالمعروف والزيادة يأخذها المقطع، فالمقطع هو الذي ظلم الفلاحين، فإذا أعطى الوكيل المقطع من الضريبة ما يزيد على أجرة مثله ولم يأخذ لنفسه إلا أجرة عمله جاز له ذلك) [الفروع ٦/ ٥ ١٣ (١١/ ٢٤٩)] (٤). ١٤٧١ - لا قرعة في مكيل وموزون إلا للابتداء: - قال ابن مفلح: (واختار شيخنا: لا قرعة في مكيل وموزون إلا للابتداء، فإن خرجت لرب الأكثر أخذ كل حقه، فإن تعدد سبب استحقاقه

стр. 1055

توجه وجهان (١)) [الفروع ٦/ ٥ ١٤ (١١/ ٢٥٠)] (٢). ١٤٧٢ - رجوع المستحق من الشريكين على شريكه: - قال ابن مفلح: (ومن كان بنى أو غرس فخرج مستحقا فقلع رجع على شريكه بنصف قيمته في قسمة إجبار إن قلنا: بيع، كقسمة تراض، وإلا فلا، وأطلق في «التبصرة» رجوعه، وفيه احتمال، قال شيخنا: إذا لم يرجع حيث لا يكون بيعا فلا يرجع بالأجرة ولا بنصف قيمة الولد في الغرور إذا اقتسما الجواري أعيانا، وعلى هذا، فالذي لم يستحق شيء من نصيبه يرجع الآخر عليه بما فوته من المنفعة هذه المدة. وهنا احتمالات: أحدها: التسوية بين القسمة والبيع، الثاني: الفرق مطلقا، الثالث: إلحاق ما كان من القسمة بيعا بالبيع (٣)) [الفروع ٦/ ٥ ١٥ (١١/ ٢٥١ - ٢٥٢)]. ١٤٧٣ - إذا اقتسما فحصل طريق الماء في حصة أحدهما: - قال ابن مفلح: (وإن اقتسما فحصل الطريق في حصة واحد ولا منفذ للآخر بطلت، لعدم التعديل والنفع، قال شيخنا: كذا طريق ماء) [الفروع ٦/ ٥١٦ (١١/ ٢٥٣)].
следующие страницы →