← Фикх общий

Фикх общий · id 132619

الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه

سامي بن جاد الله

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

باب القسمة ١٤٦٦ - ما كان من القسمة فيه رد عوض فهو بيع: - قال ابن مفلح: (يحرم قسمة الأملاك التي لا تقسم إلا بضرر أو رد عوض إلا بتراضي الشركاء، كحمَّام ودور صغار وأرض ببعضها بئر أو بناء ونحوه لا يتعدل بأجزاء ولا قيمة. وهذه القسمة في حكم البيع، يجوز فيها ما يجوز فيه خاصة لمالك وولي ... وفي «التعليق» و «المبهج» و «الكافي»: البيع ما فيه رد فقط، واختاره شيخنا) [الفروع ٦/ ٥٠٥ (١١/ ٢٣٧)] (١). ١٤٦٧ - إجبار الشريك على الإجارة فيما لا ينقسم إلا بضرر: - قال ابن مفلح: (ومن دعا شريكه إلى البيع فيها أجبر، فإن أبى بيع عليهما وقسم الثمن، نقله الميموني وحنبل، وذكره القاضي وأصحابه، وذكره صاحب «الإرشاد» و «الفصول» و «الإفصاح» و «الترغيب» وغيرها، وكلام الشيخ و «المحرر» يقتضي المنع، وكذا الإجارة، ولو في وقف، ذكره شيخنا) [الفروع ٦/ ٥٠٥ (١١/ ٢٣٧ - ٢٣٨)] (٢). ١٤٦٨ - قسمة الوقف: - قال ابن مفلح: (ولا إجبار في قسمة المنافع (٣)، وعنه: بلى، واختاره

стр. 1052

في «المحرر» في القسمة بالمكان ولا ضرر، وإن اقتسماها بزمن أو مكان صح جائزا، واختار في «المحرر»: لازما إن تعاقدا مدة معلومة، وقيل: لازما بالمكان مطلقا. فإن انتقلت كانتقال وقف فهل تنتقل مقسومة أو لا، فيه نظر، فإن كانت إلى مدة لزمت الورثة والمشتري، قال ذلك شيخنا. وقال أيضا: معنى القسمة هنا قريب من معنى البيع، فقد يقال: يجوز التبديل، كالحبيس والهدي. وقال أيضا: صرح الأصحاب بأن الوقف إنما يجوز قسمته إذا كان على جهتين، فأما الوقف على جهة واحدة فلا تقسم عينه قسمة لازمة اتفاقا، لتعلق حق الطبقة الثانية والثالثة، لكن تجوز المهايأة، وهي قسمة المنافع، ولا فرق في ذلك بين المناقلة بالمنافع وبين تركها على المهايأة بلا مناقلة (١).

стр. 1053

والظاهر أن ما ذكر شيخنا عن الأصحاب وجه، وظاهر كلامهم لا فرق، وهو أظهر) [الفروع ٦/ ٥٠٨ (١١/ ٢٤١ - ٢٤٢)] (١). ١٤٦٩ - قسمة الحاكم عند غياب أحد الشريكين: - قال ابن مفلح: (وما لا ضرر فيه ولا رد عوض كقرية وبستان ودار كبيرة وأرض واسعة ومكيل وموزون من جنس، كدبس وخل ودهن ولبن إذا طلبها شريكه أجبر هو أو وليه، ومع غيبة ولي هل يقسم حاكم عليه؟ فيه وجهان في «الترغيب»، قال جماعة: إن ثبت ملكهما عنده ببينة، ولم يذكره آخرون، وجزم به في «الروضة»، واختاره شيخنا كبيع مرهون وجان، وأن كلام الإمام أحمد ﵀ في بيع ما لا ينقسم وقسم ثمنه عام فيما ثبت أنه ملكهما وما لم يثبت، كجميع الأموال التي تباع، وأن مثل ذلك لو جاءته امرأة فزعمت أنها خلية لا ولي لها، هل يزوجها بلا بينة (٢)؟ ونقل حرب فيمن أقام بينة بسهم من ضيعة بيد قوم فهربوا منه، يقسم عليهم ويدفع إليه حقه، قال شيخنا: وإن لم يثبت ملك الغائب فدل أنه يجوز

стр. 1054

ثبوته، وأنه أولى) [الفروع ٦/ ٥٠٩ - ٥ ١١ (١١/ ٢٤٤ - ٢٤٦)] (١). ١٤٧٠ - أجرة القاسم ونحوه: - قال ابن مفلح: (وهي (٢) بقدر الأملاك (٣)، نص عليه، زاد في «الترغيب»: إذا أطلق الشركاء العقد، وأنه لا ينفرد واحد بالاستئجار بلا إذن، وقيل: بعدد الملاك، وفي «الكافي»: على ما شرطا، فعلى النص أجرة شاهد يخرج لقسم البلاد ووكيل وأمين للحفظ على مالك وفلاح كأملاك ذكره شيخنا. قال: فإذا ما نهم الفلاح بقدر ما عليه ويستحقه الضيف حل لهم. قال: وإن لم يأخذ الوكيل لنفسه إلا قدر أجرة عمله بالمعروف والزيادة يأخذها المقطع، فالمقطع هو الذي ظلم الفلاحين، فإذا أعطى الوكيل المقطع من الضريبة ما يزيد على أجرة مثله ولم يأخذ لنفسه إلا أجرة عمله جاز له ذلك) [الفروع ٦/ ٥ ١٣ (١١/ ٢٤٩)] (٤). ١٤٧١ - لا قرعة في مكيل وموزون إلا للابتداء: - قال ابن مفلح: (واختار شيخنا: لا قرعة في مكيل وموزون إلا للابتداء، فإن خرجت لرب الأكثر أخذ كل حقه، فإن تعدد سبب استحقاقه

стр. 1055

توجه وجهان (١)) [الفروع ٦/ ٥ ١٤ (١١/ ٢٥٠)] (٢). ١٤٧٢ - رجوع المستحق من الشريكين على شريكه: - قال ابن مفلح: (ومن كان بنى أو غرس فخرج مستحقا فقلع رجع على شريكه بنصف قيمته في قسمة إجبار إن قلنا: بيع، كقسمة تراض، وإلا فلا، وأطلق في «التبصرة» رجوعه، وفيه احتمال، قال شيخنا: إذا لم يرجع حيث لا يكون بيعا فلا يرجع بالأجرة ولا بنصف قيمة الولد في الغرور إذا اقتسما الجواري أعيانا، وعلى هذا، فالذي لم يستحق شيء من نصيبه يرجع الآخر عليه بما فوته من المنفعة هذه المدة. وهنا احتمالات: أحدها: التسوية بين القسمة والبيع، الثاني: الفرق مطلقا، الثالث: إلحاق ما كان من القسمة بيعا بالبيع (٣)) [الفروع ٦/ ٥ ١٥ (١١/ ٢٥١ - ٢٥٢)]. ١٤٧٣ - إذا اقتسما فحصل طريق الماء في حصة أحدهما: - قال ابن مفلح: (وإن اقتسما فحصل الطريق في حصة واحد ولا منفذ للآخر بطلت، لعدم التعديل والنفع، قال شيخنا: كذا طريق ماء) [الفروع ٦/ ٥١٦ (١١/ ٢٥٣)].

стр. 1056

باب الدعاوى ١٤٧٤ - إذا تنازع الزوجان أو ورثتهما في قماش البيت: ١٤٧٥ - وإذا تنازع صانعان في آلة دكانهما: - قال ابن مفلح: (وإن تنازع زوجان، أو ورثتهما، أو أحدهما وورثة الآخر ــ ولو أن أحدهما مملوك، نقله مهنا ــ في قُماش البيت (١)، فما صلح للرجل فهو له (٢)، وعكسه بعكسه، وإلا فبينهما، وقيل: ولا عادة، نقل الأثرم: المصحف لهما، فإن كانت لا تقرأ أو لا تعرف بذلك فله. وكذا صانعان في آلة دكانهما، فآلة كل صنعة لصانعها. وقال القاضي في المسألتين: إن كان بيدهما المشاهدة فبينهما، وإن كان بيد أحدهما المشاهدة فله، ويتوجه طرده فيما تقدم. قال شيخنا: وكلام القاضي في «التعليق» يقتضي أن المدعى متى كان بيديهما، وإن لم يكونا بدكان كالزوجين) [الفروع ٦/ ٥ ١٩ (١١/ ٢٥٧)]. ١٤٧٦ - إذا كانت العين المدعاة بيد ثالث: - قال ابن مفلح: (وإن كانت بيد ثالث فادعاها لنفسه حلف لكل واحد يمينا، فإن نكل أخذاها منه وبدلها، واقترعا عليها (٣)، وقيل: يقتسمانها كناكل

стр. 1057

مقر لهما، وقيل: من قرع منهما وحلف فله، وقال شيخنا: قد يقال: تجزئ يمين واحدة (١)) [الفروع ٦/ ٥ ١٩ (١١/ ٢٥٨)]. ١٤٧٧ - سماع الشهادة في حق الآدمي غير المعين: ١٤٧٨ - وسماع الدعوى مع عدم الخصم: - قال ابن مفلح: (ولا تصح الدعوى ولا تسمع ولا يستحلف في حق الله، كعبادة وحد وصدقة وكفارة ونذر، وفي «التعليق»: شهادة الشهود دعوى، وتقبل بينة عتق ولو أنكره العبد، ذكره الميموني، وذكره في «الموجز» و «التبصرة». وفي «الرعاية»: تصح دعوى حسبة، قيل لأحمد: في بينة الزنا تحتاج إلى مدع؟ فذكر خبر أبي بكرة، وقال: لم يكن مدع. وتصح قبلها الشهادة به (٢)، وبحق آدمي غير معين، كوقف على الفقراء أو مسجد أو وصية له، قال شيخنا: وعقوبة كذاب مفتر على الناس والمتكلم فيهم، وتقدم في التعزير كلام أحمد والأصحاب. قال شيخنا في حفظ وقف وغيره بالثبات عن خصم (٣) مقدر: تسمع الدعوى والشهادة فيه بلا خصم، وهذا قد يدخل في كتاب القاضي، وفائدته

стр. 1058

كفائدة الشهادة على الشهادة، وهو مثل كتاب القاضي إذا (١) كان فيه ثبوت محض، فإنه هناك يكون مدع فقط بلا مدعى عليه حاضر، لكن هنا المدعى عليه متخوف، وإنما المدعي يطلب من القاضي سماع البينة أو الإقرار، كما يسمع ذلك شهود الفرع، فيقول القاضي: ثبت ذلك عندي بلا مدعى عليه، وقد ذكره قوم من الفقهاء وفعله طائفة من القضاة، ولم يسمعها طوائف من الحنفية والشافعية والحنبلية، لأن القصد بالحكم فصل الخصومة، ومن قال بالخصم المسخر نصب الشر ثم قطعه. وذكر شيخنا أيضا ما ذكره القاضي من احتيال الحنفية على سماع البينة من غير وجود مدعى عليه، فإن المشتري المقر له بالبيع قد قبض المبيع وسلم الثمن، فهو لا يدعي شيئا ولا يُدَّعى عليه شيء، وإنما غرضه تثبيت الإقرار أو العقد، والمقصود سماع القاضي البينة وحكمه بموجبها، من غير وجود مدعى عليه، ومن غير مدع على أحد، لكن خوفا من حدوث خصم مستقبل، فيكون هذا الثبوت حجة بمنزلة الشهادة، فإن لم يكن القاضي يسمع البينة بلا هذه الدعوى، وإلا امتنع من سماعها مطلقا، وعطل هذا المقصود الذي احتالوا. قال شيخنا: وكلامه يقتضي أنه هو لا يحتاج إلى هذا الاحتيال، وأظن الشافعية موافقيه في إنكار هذا على الحنفية، مع أن جماعات من القضاة المتأخرين من الشافعية والحنبلية دخلوا مع الحنفية في ذلك، وسموه الخصم المسخر، وأما على أصلنا الصحيح وأصل مالك، فإما أن نمنع الدعوى على غير خصم منازع فتثبت الحقوق بالشهادات على الشهادات،

стр. 1059

كما ذكره من ذكره من أصحابنا، وإما أن تسمع الدعوى والبينة بلا خصم، كما ذكر طائفة من المالكية والشافعية، وهو مقتضى كلام الإمام أحمد وأصحابنا في مواضع، لأنا نسمع الدعوى والبينة على الغائب والممتنع، وكذا الحاضر في البلد في المنصوص (١)، فمع عدم خصم أولى، وإنما قال: بمحضر من خصمين جاز استماع وقبول البينة من أحدهما على الآخر من اشترط حضور الخصم في الدعوى والبينة، ثم احتال لعمل ذلك صورة بلا حقيقة، ولأن الحاكم يسمع الدعوى والبينة في غير وجه خصم ليكتب به إلى حاكم آخر. قال: وقال أصحابنا: كتاب الحاكم كشهود الفرع، قالوا: لأن المكتوب إليه يحكم بما قام مقام غيره؛ لأن إعلام القاضي للقاضي قائم مقام إعلام الشاهدين، فجعلوا كل واحد من كتاب الحاكم وشهود الفرع قائما مقام غيره، وهو بدل عن شهود الأصل، وجعلوا كتاب القاضي كخطابه، وإنما خصوه بالكتاب لأن العادة تباعد الحاكمين، وإلا فلو كانا في محل واحد كان مخاطبة أحدهما للآخر أبلغ من الكتاب. وبنوا ذلك على أن الحاكم يثبت عنده بالشهادة ما لم يحكم به، وأنه

стр. 1060

يعلم به حاكما آخر ليحكم به، كما يعلم الفروع بشهادة الأصول، وهذا كله إنما يصح إذا سمعت الدعوى والبينة في غير وجه خصم، وهو يفيد أن كل ما يثبت بالشهادة على الشهادة يثبته القاضي بكتابه، ولأن الناس بهم حاجة إلى إثبات حقوقهم بإثبات القضاة، كإثباتها بشهادة الفروع، وإثبات القضاة أنفع، لأنه كفى مؤنة النظر في الشهود، وبهم حاجة إلى الحكم فيما فيه شبهة أو خلاف يدفع (١) وإنما يخافون من خصم حادث) [الفروع ٦/ ٥٢٤ - ٥٢٦ (١١/ ٢٦٦ - ٢٦٩)]. - وقال أيضا: (وقال الشيخ تقي الدين: وإذا كان الحق مؤبدا (٢)، كالوقف وغيره، ويخاف إن لم يحفظ بالبينات أن ينسى شرطه أو يجحد ولا بينة ونحو ذلك، فهنا في سماع الدعوى والشهادة من غير خصم حفظ الحق الموجود عن خصم مقدر، وهذا أحد مقصودي القضاء، فلذلك يسمع طوائف من الحنفية والشافعية والحنابلة (٣)، فعنده ليس للقضاء فائدة إلا فصل الخصومة، ولا خصومة فلا قضاء، فلذلك لا تسمع البينة إلا في وجه مدعًى عليه، لتظهر الخصومة، ومن قال بالخصم المسخر فإنه ينصب الشر ثم يقطعه، ومن قال: يسمع، فإنه يحفظ الحق الموجود، ويذر الشر المفقود. وقال أيضًا: وتارة تكون الدعوى خبرا ليس معها طلب أجل، كالإدعاء

стр. 1061

بدين مؤجل، انتهى كلامه. وقال أيضًا: ومن الدعاوى ما يكون على غير مدعى عليه موجود، مثل رجل ابتاع شيئًا وتسلمه، فيدعي أنه ابتاع وتسلم، أو يدعي أن المكان الذي بيده وقف على كذا ونحو ذلك، فهذا مضمونه دعوى تَثَبُّت، لا دعوى حكم. فإن الطالب إما أن يطلب إقرارا أو إعطاء، وطلب الإقرار مقصوده هو الإعطاء، فإذا طلب إقرارا من معين لا طلب معه، فطلب من الحاكم تثبتا بأن يسمع الشهادة أو الإقرار، فهذا نوع واسع، لما احتاج إليه الناسُ أحدثوا الخصم المسخر، والدعوى المسخرة، وهو باطل وتلاعب بالشريعة، وهو موقوف على سماع الدعوى المقتضية للثبوت فقط لا الحكم، فائدته بقاء الحجة إن حدث منازع، وكأنه دعوى على خصم مظنون الوجود، أو خصم مقدر، وهذا قد يدخل في كتاب القاضي، وفائدته كفائدة الشهادة على الشهادة، وهو مثل كتاب القاضي إلى القاضي، إذا كان فيه ثبوت محض، فإنه هناك يكون مدع فقط من غير مدعى عليه حاضر، لكن هنا لا مدعى عليه حاضر ولا غائب، لكن المدعى عليه مخوف، فإنما المدعي يطلب من القاضي سماع البينة أو الإقرار، كما يسمع ذلك شهود الفرع، فيقول القاضي: ثبت ذلك عندي بلا مدعى عليه، وهذا ليس ببعيد، وقد ذكره قوم من الفقهاء، وفعله طائفة من القضاة. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٥]. ١٤٧٩ - الشهادة قبل الدعوى في حق الآدمي المعين: - قال ابن مفلح: (ولا تقبل شهادة قبل الدعوى (١)، وقبلها في

стр. 1062

«التعليق» و «الانتصار» و «المغني» إن لم يعلم به، قال شيخنا: وهو غريب، وذكر الأصحاب: تسمع بالوكالة من غير حضور خصم، ونقله مهنا، قال شيخنا: ولو في البلد، وبناه القاضي وغيره على القضاء على الغائب، والوصية مثلها. قال شيخنا: الوكالة إنما تثبت استيفاء حق أو إبقاءه بحاله، وهو مما لا حق للمدعى عليه فيه، فإن دفعه إلى هذا الوكيل وإلى غيره سواء، ولهذا لم يشترط فيها رضاه، وأبو حنيفة يجعل للموكل عليه فيها حقا، ولهذا لا تجوز الخصومة إلا برضا الخصم، لكن طرد العلة ثبوت الحوالة بالحق من غير حضور المحال عليه، لعدم اعتبار رضاه، والوفاة وعدد الورثة يثبت من غير حضور المدين والمودع، ولو ادعى أنه ابتاع دار زيد الغائب فله أن يثبت ذلك من غير حضور من الدار في يده، وحاصله أن كل من عليه دين أو عنده عين فإذا لم يعتبر رضاه في إقباضها أو إخراجها عن ملكه لا يعتبر حضوره في ثبوتها، وعلى هذا فيجوز أن تثبت الوكالة بعلم القاضي، كما تثبت الشهادة، وتوكل (١) علي لعبد الله بن جعفر كالدليل على ذلك، فإنه أعلم الخلفاء أنه وكيله، ولم يشهد على ذلك ولا أثبتها في وجه خصم ... إلى أن قال (٢): فالتوكيل مثل الولاية، وتثبت الولاية بالشهادة على المولى مع حضوره في البلد، ومن هذا كتاب الحاكم إلى الحاكم فيما حكم به) [الفروع ٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨ (١١/ ٢٧٠ - ٢٧٢)].

стр. 1063

- وقال أيضا: (وذكر القاضي في «التعليق»: أن الشهود لو شهدوا بحق قبل دعوى المدعي قبلت شهادتهم إن شهدوا بما لا يعلمه صاحب الحق، وإن شهدوا بما يعلمه قبل أن يدعيه لم تقبل. وفرق بينه وبين اليمين: أنه لو لم تسمع الشهادة أدى إلى ضياع حقه، لأنه غير عالم به فيطالب به، بخلاف اليمين، فإن الامتناع من سماعها بعد حضوره لا يؤدي إلى إسقاطها، لأنه حق له وهو عالم به، ولأن الشهود إذا علموا بالحق لزمهم إقامة الشهادة، لأن في الامتناع كتمانها، ولا يجوز أن يلزمهم إقامتها ولا تسميعها للحاكم. قال الشيخ تقي الدين ــ بعد ذكر كلام القاضي هذا ــ: وهذا الذي قاله القاضي ــ من صحة الشهادة قبل الدعوى ــ غريب. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠]. - وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: بناء هذه المسألة على القضاء على الغائب فيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه يخرج فيها روايتان. الثاني: أن الخصم الحاضر في البلد لا يجوز القضاء عليه، إذا لم يمتنع، وهنا يثبتون الوكالة وإن كان الخصم حاضرًا في البلد، فليس هذا من هذا. بل الأجود أن يقال: الوكالة لا تثبت حقًا، وإنما تثبت استيفاء حق وإبقاءه، وذلك مما لا حق للمدعى عليه فيه، فإنه سيان عليه دفع الحق إلى هذا الوكيل أو إلى غيره، ولهذا لم يشترط فيها رضاه، وأبو حنيفة يجعل

стр. 1064

للموكل عليه فيها حقًا، ولهذا لا يجوز الوكالة بالخصومة إلا برضى الخصم، لكن طرد هذه العلة: أن الحوالة بالحق أيضا تثبت من غير حضور المحال عليه، لأنه لا يعتبر رضاه، وكذلك الوفاة، وعدد الورثة يثبت من غير حضور المدين والمودع، وكذلك لو ادعى أنه ابتاع دار زيد الغائب، فله أن يثبت ذلك من غير حضور مَنِ الدارُ في يده. وحاصله: أن كل من عليه دين لو عنده عين، إذا لم نعتبر رضاه في إقباضها أو إخراجها عن ملكه لا يعتبر حضوره في ثبوتها. وعلى هذا: فيجوز أن تثبت الوكالة بعلم القاضي كما تثبت الشهادة، وتوكيل علي بن أبي طالب لعبد الله بن جعفر كالدليل على ذلك، فإنه أعلم الخلفاء أنه وكله، ولم يشهد على ذلك، ولا أثبتها في وجه خصم. وهذا كله في غيبة الموكل عليه، فأما الموكل إذا كان حاضرا في البلد فلا ريب أن رضاه معتبر في الوكالة، وقد يكون عليه ضرر في ثبوتها، فإن اشترط حضوره تعذر إثباتها بالبينة، لأن جحوده عزل في أحد الوجهين، فهنا قد يقال: ليس في هذا قضاء عليه، بل هو له من وجه آخر، فإن التوكيل مثل الولاية بالشهادة على المولى، مع حضوره في البلد، ومن هذا كتاب الحاكم إلى الحاكم فيما حكم به. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧]. - وقال أيضا: (وقال الجوزجاني: سئل الإمام أحمد عن رجل ادعى وكالة رجل غائب؟ قال: إذا ثبت ذلك عند الحاكم فهو جائز. قال الشيخ تقي الدين: في هذه المسألة ثبوت الوكالة، وسماع البينة بمجرد دعوى المدعي للوكالة من غير حضور مدعًى عليه، فكذلك الوصية،

стр. 1065

لأن الحاضرين الذين تقبض الأموال منهم وتخاصمهم ليسوا خصومًا لذلك في وصيته، وإنما هم خصوم في الموكل به، والموكل الذي يستوفي هذا على ماله غائب، والوكالة ليست قضاء عليه، بل قضاء له وعليه، فهذه المسألة ليست قضاء على الغائب، بل قضاء عليه وله. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٣٩]. - وقال أيضا: (وقال الشيخ تقي الدين أيضًا في تعليق آخر الدعاوى، قال: لما امتنع أصحاب أبي حنيفة من سماع البينة من غير المدعى عليه= رتبوا نصب خصم لا يستغنى به عن حضور المدعى عليه، من توكيل المدين والوصية إليه، وما يصنعه الوكيل والحاكم، لاشتراطهم مجلس الحكم مع الحاكم إياه، فأما وصف ما رتبوه فإنهم كتبوا توكيل المقر للمدين، وربما جعلوا التوكيل له ولابنه، أو له ولآخر معه، والوصية إليهما استظهارًا، ليكون إن مات أحدهما قبل أن يثبت الكسب يكون الآخر باقيًا، وإذا أشهد المقر على نفسه في كتاب الإقرار سفهًا (١)) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٤٠ - ٢٤ ١]. ١٤٨٠ - دعوى الاستيلاد: - قال ابن مفلح: (وفسر القاضي الاستيلاد بأن يدعي استيلاد أمة فتنكره. وقال شيخنا: بل هي المدعية (٢)) [فروع ٦/ ٥٢٩ (١١/ ٢٧٣)] (٣).

стр. 1066

١٤٨١ - تغليظ اليمين: - قال ابن مفلح: (قوله: «وإن غلظها بزمان أو مكان أو لفظ جاز، ولم يستحب». وهذا اختيار القاضي وغيره، وقطع به في «المستوعب» وغيره، واختار أبو الخطاب الاستحباب، كمذهب الشافعي. وذكر الشيخ تقي الدين: أن أحد الأقسام معنى الأقوال أنه يستحب إذا رآه الإمام مصلحة) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٢٠ (٣/ ٥٤)]. - وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: قصة مروان تدل على أن القاضي إذا رأى التغليظ، فامتنع من الإجابة أدى ما ادعى به عليه، ولو لم يكن كذلك ما كان في التغليظ زجر قط. وهذا الذي قاله صحيح، والردع والزجر علة التغليظ، كما ذكره جماعة من أصحابنا وغيرهم، فلو لم يجب برأي الإمام لتمكن كل أحد من الامتناع منه، لعدم الضرر عليه في ذلك، وانتفت فائدته. وقال أيضًا: متى قلنا: هو مستحب للإمام، فينبغي أنه إذا امتنع منه الخصم صار ناكلا) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٢٣] (١). ١٤٨٢ - مكان تغليظ اليمين في القدس: - قال ابن مفلح: (وتجزئ اليمين بالله وحده، وللحاكم تغليظها فيما له خطر كجناية وعتق وطلاق ونصاب زكاة، وقيل: نصاب سرقة بزمن أو مكان

стр. 1067

أو لفظ ... فالزمن بعد العصر، أو بين أذان وإقامة، والمكان بمكة بين الركن والمقام، وبالقدس عند الصخرة. وقال شيخنا: عند المنبر، كبقية البلاد) [الفروع ٦/ ٥٣٢ - ٥٣٣ (١١/ ٢٧٨ - ٢٧٩)]. - وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين في «اقتضاء الصراط المستقيم» ــ بعد ذكره هذه المسألة ــ: ليس لها أصل في كلام الإمام أحمد ونحوه من الأئمة، بل السنة: أن تغلظ اليمين فيها كما تغلظ في سائر المساجد عند المنبر، ولا تغلظ اليمين بالتحليف عند ما لم يشرع للمسلمين تعظيمه، كما لا تغلظ بالتحليف عند المشاهد، ونحو ذلك) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٢ ١ - ٢٢٢] (١). ١٤٨٣ - لا يُحَلَّف بطلاقٍ: - قال ابن مفلح: (ولا يحلف بطلاق، ذكره شيخنا وفاقا، وابن عبد البر إجماعا) [الفروع ٦/ ٥٣٣ (١١/ ٢٨٠)]. ١٤٨٤ - إذا تعارضت البينتان: - قال ابن مفلح: (وإن شهدت بينتان أنه أتلف ثوبا قالت بينة: قيمته عشرة، وبينة: عشرون، ثبت عشرة، وعنه: يسقطان لتعارضهما، وقيل: يقرع، وقيل: عشرون، وقاله شيخنا في نظيرها فيمن آجر حصة موليه، قالت بينة: بأجرة مثله، وبينة: بنصفها) [الفروع ٦/ ٥٤٣ (١١/ ٢٩٥ - ٢٩٧)] (٢).

стр. 1068

كتاب الشهادات ١٤٨٥ - إذا امتنع أداء الشهادة امتنعت كتابتها: - قال ابن مفلح: (وكتابة كشهادة، في ظاهر كلام الشيخ وشيخنا) [الفروع ٦/ ٥٤٩ (١١/ ٣٠٩)] (١). ١٤٨٦ - أخذ الأجرة والجعل على الشهادة: - قال ابن مفلح: (ويحرم في الأصح أخذ أُجرة وجُعْلٍ، وقيل: إن تعينت، وقيل: ولا حاجة، وذكر شيخنا وجها: يجوز لحاجة تعينت أو لا، واختاره) [الفروع ٦/ ٥٥٠ (١١/ ٣٠٩)] (٢). ١٤٨٧ - كتم الشهادة: - قال ابن مفلح: (ولا يقيم شهادة لآدمي حتى يسأله، ولا يقدح فيها، كشهادة حسبة، ويقيمها بطلبه ولو لم يطلبها حاكم، ويحرم كتمها، قال شيخنا: ويقدح فيه، وقال: إن كان بيد من لا يستحقه ولا يصل إلى من يستحقه لم يلزمه إعانة أحدهما، ويعين متأولا مجتهدا على غيره) [الفروع ٦/ ٥٥١ (١١/ ٣١٠)] (٣).

стр. 1069

١٤٨٨ - أداء الشهادة قبل طلبها: - قال ابن مفلح: ( ... وقال شيخنا: الطلب العرفي أو الحالي كاللفظي (١)، علمها الآدمي أو لا، وأنه ظاهر الخبر، وأن خبر: «يشهد ولا يستشهد» على الزور (٢)، وأنها ليست حقا لأحد، وإلا لتعين إعلامه، ولما تحملها بلا إذنه. وقال في «رده على الرافضي»: إذا أداها قبل طلبه قام بالواجب وكان أفضل، كمن عنده أمانة فأداها عند الحاجة، وأن المسألة تشبه الخلاف في الحكم قبل الطلب) [الفروع ٦/ ٥٥١ (١١/ ٣١٠ - ٣١١)] (٣).

стр. 1070

١٤٨٩ - الشهادة بالاستفاضة: - قال ابن مفلح: (ويشهد باستفاضة عن عدد يقع بهم العلم، وقيل: عدلان، واختار في «المحرر» وحفيده: أو واحد يسكن إليه) [الفروع ٦/ ٥٥٣ (١١/ ٣١٧)]. - وقال أيضا: (وفي «التعليق» وغيره: الشهادة بالاستفاضة خبر لا شهادة، وأنها تحصل بالنساء والعبيد. وقال شيخنا: هي نظير أصحاب المسائل عن الشهود، على الخلاف) [الفروع ٦/ ٥٥٣ (١١/ ٣١٧ - ٣١٨)] (١). ١٤٩٠ - الشاهد يشهد بما سمع، وإذا قامت بينة بتعيين ما دخل في اللفظ قبل: - قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: الشاهد يشهد بما سمع، وإذا قامت بينة بتعيين ما دخل في اللفظ قبل، كما لو أقر لفلان عندي كذا، وأن داري الفلانية أو المحدودة بكذا لفلان، ثم قامت بينة بأن هذا المعين هو المسمى والموصوف أو المحدود، فإنه يجوز باتفاق الأئمة) [الفروع ٦/ ٥٥٦ (١١/ ٣٢٢)] (٢). ١٤٩١ - الشهادة على الخط: ١٤٩٢ - ومن كتب وصيته وقال: اشهدوا علي بما فيها: - قال ابن القيم: (قال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأحمد: الرجل يموت

стр. 1071

وتوجد له وصية تحت رأسه، من غير أن يكون أشهد عليها، أو أعلم بها أحدا، هل يجوز إنفاذ ما فيها؟ قال: إن كان قد عرف خطه، وكان مشهور الخط، فإنه ينفذ ما فيها. وقد نص في الشهادة أنه إذا لم يذكرها ورأى خطه لا يشهد حتى يذكرها، ونص فيمن كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما فيها= أنهم لا يشهدون إلا أن يسمعوها منه، أو تقرأ عليه فيقر بها. فاختلف أصحابنا: فمنهم من خَرَّج في كل مسألة حكم الأخرى، وجعل فيها وجهين بالنقل والتخريج. ومنهم من امتنع من التخريج، وأقر النصين، وفرق بينهما. واختار شيخنا التفريق، قال: والفرق أنه إذا كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما فيها= فإنهم لا يشهدون لجواز أن يزيد في الوصية وينقص ويغير، وأما إذا كتب وصيته ثم مات، وعرف أنه خطه، فإنه يشهد لزوال هذا المحذور) [الطرق الحكمية ٣٠١].

стр. 1072

باب شروط من تقبل شهادته وما يمنع قبولها ١٤٩٣ - المصر على ترك الجماعة ليس بعدل: - قال ابن مفلح: (وكذا في «الفصول»: الإدمان على ترك هذه السنن الراتبة (١) غير جائز، واحتج بقول أحمد في الوتر، لأنه يعد راغبا عن السنة، وقال بعد قول أحمد في الوتر: وهذا يقتضي أنه حكم بفسقه، ونقل جماعة: من ترك الوتر ليس عدلا، وقاله شيخنا في الجماعة على أنها سنة (٢)، لأنه يسمى ناقص الإيمان) [الفروع ٦/ ٥٦١ (١١/ ٣٣٢)]. - وقال أيضاً: (وقال الشيخ تقي الدين ــ في المصرِّين على ترك الجماعة ــ: ترد شهادتهم، بل يقاتلون في أحد القولين، وهذا عند من لا يقول بوجوبها، فأما من قال بوجوبها: فإنه يقاتل تاركها، ويفسق المصرِّين على تركها، إذا قامت عليهم الحجة التي تبيح القتال والتفسيق، كما يقاتل أهل البغي بعد إزالة الشبهة ورفع المظلمة) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٦٠] (٣). ١٤٩٤ - رد الشهادة بكذبة: - قال ابن مفلح: (وعنه: ترد بكذبة، وهو ظاهر «المغني»، واختاره شيخنا) [الفروع ٦/ ٥٦٢ (١١/ ٣٣٣)] (٤).

стр. 1073

١٤٩٥ - رد شهادة القاذف: - قال ابن مفلح: (وقال القاضي: إذا عجز عن تصديق نفسه بإقامة البينة صار فاسقًا وسقطت شهادته. وقولهم: «يجوز أن يكون صادقا في قذفه» غير صحيح، لأنه إذا عجز عن إقامة البينة حكمنا بكذبه، ألا ترى أنه يوجب الحد عليه؟ ولا يجوز أن نوجب الحد عليه ولم نحكم بكذبه. قال الشيخ تقي الدين ــ عن كلام القاضي هذا ــ: وهذا الكلام يقتضي: أنه يفسق حين يجب عليه الحد، وذلك يستدعي مطالبة المقذوف، وقالت الحنفية: الحاكم لو شاهد رجلا يزني أو يسرق يحكم بفسقه ولم يقبل شهادته، ولو رآه يقذف لم يحكم بفسقه لجواز كونه صادقا، قال القاضي: إذا عجز عن إقامة البينة حكم بفسقه. وقال أبو الخطاب في «الانتصار»: ولا فرق بينهما، ولأنه لم يذكر شهادته بصورة الزنا والسرقة لجواز الشبهة، فإن انكشف له الحال بأنه زنى بانتفاء الشبهة رد حينئذ، كالقذف سواء إذا عجز عن إقامة البينة على صدقه وشهادته وحكم بفسقه وحده، ولا فرق بينهما. وقال القاضي بعد ذلك: لا يحكم بكذبه بنفس القذف، وإنما يحكم بالقذف والعجز عن تصديقه بالبينة، وذلك متأخر عن حال القذف بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فحكم بكذبهم بالعجز عن الإيتاء بالشهادة (١).

стр. 1074

ثم قال: فإن قيل: فيجب أن تقبل شهادته قبل عجزه عن إقامة البينة، لأنه لم يحكم بكذبه. قيل: إنما لم تقبل شهادته قبل ذلك، لأن القذف سبب في القدح في العدالة، فأكسب ذلك شبهة في قبولها، كطعن الخصم في الشهود. قال الشيخ تقي الدين: هذا يدل على أنه يتوقف عن القبول بعد القذف وقبل العجز، ثم قال: واحتج بأنه يجوز أن يأتى بالبينة قبل وقوع الحد عليه فلا يتبين عجزه عن إقامة البينة قبل وقوع الحد عليه، فيجب أن تقبل شهادته. والجواب: أن هذا التجويز لم يمنع من إقامة الحد عليه، كذلك لا يمنع من رد الشهادة، لأن الحد لا يجوز استيفاؤه إلا بعد ثبوت سببه كسائر الحدود، فلما جاز استيفاؤه في هذا الحال وجب الحكم بفسقه ورد شهادته. قال الشيخ تقي الدين: فقد تحرر أن القاذف له ثلاثة أحوال: أحدها: أن لا تطلب منه البينة. الثاني: أن تطلب منه فيعجز. الثالث: أن تطلب منه فيذهب ليأتي بها، وهنا يتوجه أن ينظر ثلاثة أيام، فمن عجز فهو فاسق، ومتى ذهب ليأتي بها فهو بمنزلة المطعون فيه. وإن لم يطالب بالحد ولا بالبينة فهنا على مقتضى كلام القاضي لم تزل عدالته، وهو ظاهر القرآن، ويحتمل كلامه الثاني: أن يكون مطعونا فيه، وعلى عموم كلامهم في أن القذف يوجب الفسق: لا تقبل شهادته. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠].

стр. 1075

١٤٩٦ - التفريق بين شهادة القاذف وخبره: - قال ابن مفلح: (قال القاضي في «العدة»: فأما أبو بكرة ومن جُلد معه فلا يرد خبرهم، لأنهم جاءوا مجيء الشهادة، وليس بصريح في القذف، وقد اختلفوا في وجوب الحد فيما يسوغ فيه الاجتهاد، ولا ترد الشهادة بما يسوغ فيه الاجتهاد، ولأن نقصان العدد من معنى وجهة غيره، فلا يكون سببا في رد شهادته. انتهى كلامه. ويوجه بأنه أحد نوعي القذف، فاستوت فيه الشهادة والرواية في القبول كالنوع الآخر، فإن القاذف في الشتم لا تقبل شهادته ولا روايته حتى يتوب، وحكي هذا عن الشافعي. قال الشيخ تقي الدين ــ عقيب كلام القاضي المذكور ــ: مضمون هذا الكلام: أنه يقبل خبره وشهادته، وهو خلاف المشهور، والمحفوظ عن عمر في قوله لأبي بكرة: تب، أقبل شهادتك، ولكن الناس قبلوا رواية أبي بكرة، فيجوز أن ترد شهادته كما لو جلد، ويقبل خبره كالمتأول في شرب النبيذ ونحو ذلك، ولأن الخبر لا يرد بالتهمة التي ترد بها الشهادة، من قرابة أو صداقة أو عداوة أو نحو ذلك، أو لاشتراك المخبر والمخبر فيه بخلاف الشهادة. انتهى) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٥٠ - ٢٥ ١]. ١٤٩٧ - توبة القاذف: - قال ابن مفلح: (وقال الشيخ تقي الدين: ويتوجه أن يحمل قوله (١): «إذا أكذب نفسه» على الشهادة بالقذف، كقضية أبي بكرة) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٥٥].

стр. 1076

- وقال أيضا: (ثم إن القاضي ذكر بعد ذلك المسألة بخلاف ذلك، وقال: إن شهادته تقبل بمجرد التوبة، لأنا قد حكمنا بصحة التوبة في الباطن فلم نعتبر في قبول الشهادة إصلاح العمل كالتوبة عن الردة. وقال الشيخ تقي الدين ــ عند قوله: «إن القاذف تقبل شهادته إذا تاب» ــ: معناه: التوبة الصحيحة التي يعلم صحتها، وذلك لا يكون إلا بعد سنة، وصلاح العمل المذكور في القرآن إنما هو لتصحيح التوبة، وسقوط العقوبة لا يستلزم قبول الشهادة، فإن العقوبة تسقط بالشهادات، وبالدخول في أوائل الخير، وعلى هذا فلا فرق بين التوبة من الردة وغيرها. وقوله ــ يعني القاضي ــ: «قد حكمت بصحة التوبة في الباطن» فيه نظر، ونصوص أحمد تخالف ذلك، فإنه إن أراد أنه هو الذي حكم بذلك فقد يصدق، وأما نحن فلم نحكم بصحتها في الباطن. قال القاضي: ولأن القذف على ضربين: قذف بلفظ الشتم ــ كقوله: زنيت وأنت زان ــ، وقذف بلفظ الشهادة المردودة، ثم إذا كان بلفظ الشهادة المردودة قبلت شهادته بمجرد التوبة، كما دل عليه حديث عمر، فكذلك إذا كان بلفظ الشتم. قال: ولأنه يقبل خبره بمجرد التوبة، ولا يعتبر فيه صلاح العمل، كذلك في باب الشهادة. واستشهد بآية الفرقان والبقرة، وفي كلاهما نظر، قاله الشيخ تقي الدين) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٥٦ (٣/ ٩٦)].

стр. 1077

١٤٩٨ - توبة الفاسق والمبتدع: - قال ابن مفلح: (قوله (١): «وعنه (٢): يعتبر معها (٣) ــ في غير القاذف ــ إصلاح العمل سنة» لما تقدم، لأن فيها يتبين صلاحه لاختلاف الأهوية وتغير الطباع، وعن الشافعي كالروايتين، وقيل: إن فسخ بفعل وإلا فلا يعتبر فيه إصلاح ذلك، وقيل: يعتبر مضي مدة يعلم فيها حاله بذلك. وذكر القاضي في موضع: أن التائب من البدعة يعتبر له مضي سنة، لحديث صبيغ أن عمر ﵁ لما ضربه أمر بهجرانه حتى بلغته توبته، فأمر أن لا يكلم إلا بعد سنة. رواه الإمام أحمد ﵁. وروى المروذي (٤) عن أحمد أنه قال: لا يكلم التائب عن البدعة إلا بعد أن يأتي عليه سنة، كما أمر عمر بن الخطاب أن لا نكلم صبيغ إلا بعد سنة، وقال: من علامة توبته في هذه السنة أن ينظر إليه، فإن كان يوالي من عاداه على بدعته، ويعادي من والاه فهذه توبة صحيحة. واختار القاضي في موضع: أن التائب من البدعة كغيره في أنه لا يعتبر إصلاح العمل. وقال عن هذا النص: محمول على طريق الاختيار والاحتياط. وقال: وقد قال الإمام أحمد في رواية يعقوب ــ في رجل من الشكاك

стр. 1078

أظهر التوبة ــ فقال: يتوب فيما بينه وبين الله، ويجانب أهل مقالته حتى يعرف الناس أنه تائب. قال: وظاهر هذا أنه لم يجعل مجانبته شرطا في صحة توبته، وإنما جعلها ليكون ذلك دلالة على توبته عند من عرف ذلك منه، ولم يشترط معنى زائدا على ذلك. وهذا اختياره في «المغني»، قال: والصحيح أن التوبة من البدعة كغيرها، إلا أن تكون التوبة بفعل يشبه الإكراه كتوبة صبيغ، فتعتبر له مدة تظهر أن توبته عن إخلاص لا عن إكراه. وقال الشيخ تقي الدين: من تأمل كلام أحمد وجده إنما يعتبر في جميع المواضع التوبة، لكن نحن لا نعلم صدقه في توبته بمجرد قوله: قد تبت، فلا بد من انكفافه عن ذلك الذنب، وعلاماته سنة، ليكون هذا دليلا لنا على صدق توبته فيما بينه وبين الله، ويجانب أهل مقالته، حتى يعرف الناس أنه تائب، فجعل التوبة فيما بينه وبين الله صحيحة في الحال، وأما عند الناس فيترك مواضع الذنب، وهو مجانبة أصحاب الذنب. وقول القاضي: «إنما أمر بذلك ليكون دليلا على توبته عند من عرف ذلك منه» ضعيف، لأن المجانبة لأهل المقالة المبتدعة واجبة، وإنما أمر به لأن ملازمته دليل على القيام بموجب التوبة، ولأنه قال: حتى يعرف الناس منه ذلك، وهذا يقتضي معرفة من عرف أنه قد تاب، ومن لم يعرف أنه تاب، ألا ترى أن المسألة: أنه أظهر التوبة، فحقيقة التوبة عن إظهار، وكذلك قوله: «من علامة توبته موالاة من عاداه على البدعة، ومعاداة من والاه عليها»، وقال: «فهذه توبة صحيحة»، فعلمت أنه لا بد من علامة تدلنا على صحة

стр. 1079

التوبة، وإلا فلو كان مجرد التكلم بالتوبة موجبا لصحتها لم يحتج إلى علامة. ثم ذكر الشيخ تقي الدين كلامه المكتوب في القاذف (١)) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩]. ١٤٩٩ - حد العدل: - قال ابن مفلح: (وظاهر «الكافي»: العدل من رجح خيره ولم يأت كبيرة، لأن الصغائر تقع مكفرة أولا فأولا فلا تجتمع، قال ابن عقيل: لولا الإجماع لقلنا به، وظاهر «العدة» للقاضي: ولو أتى كبيرة، قال شيخنا: صرَّح (٢) به في قياس الشبه) [الفروع ٦/ ٥٦٣ (١١/ ٣٣٥)]. ١٥٠٠ - حد الكبيرة: - قال ابن مفلح: (وهي (٣) ما فيه حد أو وعيد، نص عليه، وعند شيخنا: أو غضب أو لعنة أو نفي الإيمان. قال: ولا يجوز أن يقع نفي الإيمان لأمر مستحب، بل لكمال واجب. قال: وليس لأحد أن يحمل (٤) كلام أحمد (٥) إلا على معنى يبين من كلامه ما يدل على أنه مراده، لا على ما يحتمله اللفظ في كلام كل أحد.

стр. 1080

قال: ومن هذا الباب: «من غشنا فليس منا»، و «من حمل علينا السلاح فليس منا») [الفروع ٦/ ٥٦٤ (١١/ ٣٣٦)] (١). ١٥٠١ - من الكبائر: - قال ابن مفلح: (قال شيخنا: من شهد على إقرار كذب مع علمه بالحال، أو تكرر نظره إلى الأجنبيات والقعود له بلا حاجة شرعية قدح في عدالته. قال: ولا يستريب أحد فيمن صلى محدثا، أو لغير القبلة، أو بعد الوقت، أو بلا قراءة، أنه كبيرة) [الفروع ٦/ ٥٦٥ (١١/ ٣٣٧)] (٢). وانظر: ما يأتي برقم (١٥٣٩). ١٥٠٢ - خبر المبتدع: - قال ابن مفلح: (وذكر جماعة في خبر غير الداعية روايات (٣): الثالثة إن كانت مفسقة قبل، وإن كانت مكفرة رد، وسبقت المسألة في البغاة, واختار شيخنا: لا يفسق أحد، وقاله القاضي في «شرح الخرقي» في المقلد كالفروع؛ لأن التفرقة بينهما ليست من أئمة الإسلام، ولا تصح، وإن نهى

стр. 1081

الإمام أحمد عن الأخذ عنهم لعلة الهجر، وهي تختلف، ولهذا لم يرو الخلال عن قوم لنهي المروذي، ثم روى عنهم بعد موته. قال: وجعل القاضي الدعاء إلى البدعة قسما غير داخل في مطلق العدالة، والبدعة المفسقة) [الفروع ٦/ ٥٦٧ (١١/ ٣٣٩ - ٣٤٠)] (١). ١٥٠٣ - من أتى فرعا مختلفا فيه: - قال ابن مفلح: (ومن أتى فرعا مختلفا فيه يعتقد تحريمه ردت شهادته، نص عليه، وقيل: لا، كمتأول، وفيه في «الإرشاد»: إلا أن يجيز ربا الفضل، أو يرى الماء من الماء، لتحريمهما الآن، وذكرهما شيخنا مما خالف النص من جنس ما ينقض فيه حكم الحاكم. وقال: اختلف الناس في دخول الفقهاء في أهل الأهواء، فأدخلهم القاضي وغيره، وأخرجهم ابن عقيل وغيره) [الفروع ٦/ ٥٦٩ - ٥٧٠ (١١/ ٣٤٣)] (٢). ١٥٠٤ - شارب النبيذ: - قال ابن مفلح: (وعنه: يفسق متأول، لم يسكر من نبيذ، اختاره في «الإرشاد» و «المبهج»، كحده، لأنه يدعو إلى المجمع عليه والسنة المستفيضة، وعلله ابن الزاغوني بأنه إلى الحاكم لا إلى فاعله، كبقية الأحكام، وفيه في «الواضح» روايتان، كذمي شرب خمرا، وهو ظاهر «الموجز»، واختلف كلام شيخنا) [الفروع ٦/ ٥٧٠ (١١/ ٣٤٣)].

стр. 1082

- وقال أيضا: (وقال ابن أبي موسى: الأظهر من قول الإمام أحمد: أنه لا تقبل شهادة من شرب النبيذ متأولا ولم يسكر، قال في «الرعاية»: لفسقه إذًا، وهذا قول مالك، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: ترد شهادته لاستحقاقه الهجر والعقوبة كالمبتدع، والعلة: أنه موجب للحد، وهذا لا يتعداه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٦٠] (١). ١٥٠٥ - تتبع رخص العلماء: - قال ابن مفلح: (ومن أخذ بالرخص فنصه: يفسق، وذكره ابن عبد البر إجماعا. وقال شيخنا: كرهه العلماء) [الفروع ٦/ ٥٧١ (١١/ ٣٤٤ - ٣٤٥)]. - وقال أيضاً: (قال القاضي على ظهر أجزاء «العدة»: نقلت من «مجموع» (٢) لأبي حفص البرمكي ــ من خط ولده أبي إسحاق ــ: عبد الله: سمعت أبي يقول: لو أن رجلا عمل بكل رخصة، بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في المشاع، وأهل مكة في المتعة، لكان فاسقا. قال القاضي: هذا محمول على أحد وجهين: إما أن يكون من أهل الاجتهاد ولم يؤده اجتهاده إلى الرخص، فهذا فاسق؛ لأنه ترك ما هو الحق عنده واتبع الباطل. أو يكون عاميا فأقدم على الرخص من غير تقليد، فهذا أيضا فاسق، لأنه أخل بفرضه وهو التقليد، فأما إن كان عاميا وقلد في ذلك لم يفسق، لأنه

стр. 1083

قلد من يسوغ اجتهاده. قال الشيخ تقي الدين: قد فسق العاصي المجتهد إذا عمل برخصة مختلف فيها من غير اجتهاد، والعامي إذا عمل بها من غير تقليد، ومع هذا فكلام الإمام أحمد إنما هو فيمن يتبع الرخص مطلقًا المختلف فيها مع ضعفها، وهذا فاسق، لأنه يفعل الحرام قطعا. انتهى كلامه. ولم يقل في موضع آخر: مع ضعفها. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٦ ١ - ٢٦٢ (٣/ ١٠٣)] (١). ١٥٠٦ - الشهادة على العقد الفاسد المختلف فيه: - قال ابن مفلح: (فصل: هل يجوز أن يشهد العقد الفاسد المختلف فيه ويشهد به؟ ينبغي أن يقال: يدخل في كلام الأصحاب، فإن كان متأولا أو مقلدا لمتأول جاز، وفي بعض المواضع خلاف ... وإلا لم يجز. وقال الشيخ تقي الدين: قال القاضي: هل يجوز أن يشهد العقد الفاسد ويشهد به؟ فإن كان ذلك في عقد متفق على فساده ــ كعقد الربا، والعقد المشروط فيه الخيار المجهول، أو شرط باطل بإجماع ــ لم يجز شهوده، ولم تجز الشهادة به، فأما إن كان فساده مما يسوغ الاجتهاد فيه فلا يمنع، لأنه لا يقطع على فساده، نص عليه في رواية أحمد بن صدقة، وقد سأله: فإن كانوا يشهدون على ربا؟ قال: لا يشهدون على ربا إذا علموا.

стр. 1084

وقال في رواية حرب ــ في الرجل يدعى إلى الشهادة، ويظن أنه ربا أو بيع فاسد ــ قال: إذا علم ذلك فلا يشهد. وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه في الرجل يفضل بعض ولده يشهد؟ قال: لا يشهد، قيل له: فقد شهد؟ فقال: لا تشهد للذي أشهدك ولا لولده. وكذلك نقل إسماعيل بن سعيد: لا تشهد على عطية من لم يعدل فيها. وكذلك نقل أبو الحارث: إذا علمت أنه يريد أن يزوي ميراثه عن ورثته، يصيره لبعض دون بعض، لا تشهد له بشيء. قال: وظاهر هذا يقتضي أنه لا يشهد، وإن كان مختلفا فيه، لأن تفضيل بعضهم على بعض مختلف فيه، واحتج بقوله: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يشهد». ولحديث النعمان بن بشير، ولحديث: «لعن شاهدا الربا»، قال: ولأن فعل الفاسد منكر، وحضور المنكر منكر. فإن قيل: ما رويتموه من الأخبار في أحكام يسوغ فيها الاجتهاد، وهو الشهادة في نكاح المحرم، وإذا خص بعض أولاده؟ قيل: في هذا تنبيه على تحريم ذلك فيما اتفق على فساده، وإذا قام الدليل على المختلف فيه خصصناه وبقي تنبيهه على ظاهره. فإن قيل: فالشاهد لا يلزم بشهادته، وإنما ذلك إلى اجتهاد الحاكم؟ قيل: وإن لم يلزم فلا يجوز له أن يحضر المنكر، لأن حضوره منكر.

стр. 1085

فإن قيل: فلله حكم في الفاسد، كما له حكم في الصحيح، فهو ينقل الفاسد فينفذه الحاكم؟ قيل: فيجب أن يحضر المؤاجر المشاهد بيع الخمر فيشهد بذلك، وكذلك دور الفسق لشاهد الزنا، فيشهد بذلك، لأن لله فيه حكما، وهو سقوط ثمن الخمر، ومهر الزانية. قال الشيخ تقي الدين: الشهادة عليه إعانة على حصوله، والإعانة على المحرم محرمة، فأما إذا غلب على ظنه أنه يشهد عليه ليبطله فذلك شيء آخر. انتهى كلامه. وظاهر قول الشيخ تقي الدين كما تقدم في أول الفصل، وعليه ما ذكره القاضي في نص الإمام أحمد) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٥]. - وقال أيضا: (وقال الشيخ تقي الدين في موضع آخر: فصل، الشهادة على الإقرار الذي يعلم أنه تلجئة أو كاذب أو فيه تأويل. وقد أبطل الإمام أحمد إقرار التلجئة، ونصه مكتوب عند مسألة الإقرار للزوجة إذا أبانها ثم تزوجها. وقال في موضع آخر: إن الأمر بإقرار باطل: مثل أمر المريض أن يقر لوارث بما ليس بحق ليبطل به حق بقية الورثة، فإن الأمر بذلك والشهادة عليه باطل) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٦٦] (١). ١٥٠٧ - التمذهب بمذهب من المذاهب: - قال ابن مفلح: (وأما لزوم التمذهب بمذهب وامتناع الانتقال إلى

стр. 1086

غيره في مسألة ففيها وجهان، وفاقا لمالك والشافعي وعدمه أشهر، وفي اللزوم (١) طاعة غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه، وهو (٢) خلاف الإجماع (٣)، قاله شيخنا. وقال: جوازه فيه ما فيه. قال: ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال ينبغي كان جاهلا ضالا. قال: ومن كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته، بلا نزاع. وقال أيضا: في هذه الحال يجوز عند أئمة الإسلام. وقال أيضا: بل يجب، وأن أحمد نص عليه) [الفروع ٦/ ٥٧ ١ - ٥٧٢ (١١/ ٣٤٥ - ٣٤٦)] (٤). ١٥٠٨ - اللهو: - قال ابن مفلح: (قال الشيخ تقي الدين: قول النبي ﷺ : «كل لهو يلهو

стр. 1087

به فهو باطل، إلا رمية بقوس، وتأديب فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق» يدخل في معنى الثلاثة ما كان من جنسهن. فإن ملاعبة السرية كملاعبة المرأة سواء. وأما تأديب الفرس: فقريب منه تأديب البعير؛ لأن كلاهما يشتركان في الإيجاف والسباق، ولهذا أسهم للبعير في إحدى الروايتين إذا كان للقتال لا للحمولة فقط، كما كانت زمن بدر. فأما تأديب الحمولة من البغال والحمير والإبل: فهل لها نصيب من تأديب الموجفة في القتال؟ وكذلك رميه بقوسه: في معناه عمله برمحه وسيفه، فإنه ﷺ أقر الحبشة في المسجد يوم العيد على اللعب بالحراب، وقد قال الإمام أحمد في العمل بالرمح والقوس: إنه أفضل من الصلاة في الثغر، وأما في غير الثغر فسوى بينهما، ولأنه قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] يتناول كلما يستطاع من القوة، فيدخل فيه ما يرمى به، وما يضرب به، وما يطعن به، سواء كان المرمي به سهمًا أو حربة، وسواء كان السهم منفردًا أو جاريًا في مجرى، وسواء كان يؤثر باليد أو بالرجل الذي يسمى الجرخ. وكذلك المضروب به يدخل فيه ما يقتل بحده كالسيف والخنجر والسكين، وما يقتل بثقله كاللت، وما يقتل بهما كالدبوس، فأما قوله ﷺ : «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» فقد أراد به القوة الكاملة، وهذا كثيرًا ما يكون لحصر الكمال لا لحصر أصل الاسم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ

стр. 1088

الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]، وقوله ﷺ : «ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه» ونحو ذلك، وذلك لأن الرمي يصيب العدو البعيد مع الحائل من نهر ونحوه، ويدفع العدوَّ عن الإقدام، ففيه ثلاثة فوائد لا توجد في غيره من السلاح. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧ (٣/ ٨٨ - ٨٩)]. ١٥٠٩ - اللعب بالشطرنج: - قال ابن مفلح: (ويحرم شطرنج في المنصوص، كمع عوض أو ترك واجب أو فعل محرم، إجماعا، وكنرد، وفاقا للائمة الثلاثة، وعند شيخنا: هو شر من نرد، وفاقا لمالك) [الفروع ٦/ ٥٧٣ (١١/ ٣٤٨)]. وانظر: ما سبق برقم (٧٩٧). ١٥١٠ - شهادة القاسم: - قال ابن مفلح: (قال القاضي: دليلنا: أن القاسم بغير أجر يتصرف من جهة الحكم، فوجب أن يقبل قوله فيه، دليله: الحاكم يقبل قوله فيما يحكم به في حال ولايته عندهم، وعندنا يقبل في حال الولاية وبعد الولاية، ولا يلزم عليه إذا قسم بأجرة؛ لأن تصرفه لا يكون من جهة الحكم، لأنه أجير، وشهادة الأجير لا تجوز فيما يستحق عليه الأجرة، لأن لهما فيه منفعة، وهو استحقاق الأجرة متى صحت القسمة، وهذا معنى كلام أصحاب القاضي كأبي الخطاب والشريف. قال الشيخ تقي الدين: والتعليل الأول يقتضي: أن قول القاسم خبر لا شهادة، كالحاكم.

стр. 1089

والتعليل الثاني ضعيف، لأنه يوجب أن لا تقبل شهادتهما بالقيمة والقدر، لأنهما يستحقان عليه الأجرة، ولأن الأمناء تقبل أقوالهم فيما يستحقون عليه أجرة، كالوصي في العمل والإنفاق، وذلك لأنهما تراضيا بأن يكون حكما بينهما، يجعل كالحاكم لو أعطيناه جعلا على ما ذكره بعض أصحابنا، وشبيه بهذا: ما لو رضي الخصم بشهادة عدوه، أو أبي خصمه ومن يتهم عليه، أو رضي بقضائه، وكذلك شهادة الظئر المستأجرة بالرضاع، وشهادة القابلة بالولادة. انتهى كلام الشيخ تقي الدين. وقال أيضا: بناها القاضي على أن شهادة الإنسان على فعل نفسه تقبل كالمرضعة، ضَعَّف مأخذ من وافقه أنهما ليسا شهادة على فعل نفسه. انتهى كلامه. وقال القاضي: قال مالك والشافعي: لا تجوز شهادتهما. قال الشيخ تقي الدين: وكذلك قال القاضي في مسألة الحكم بالعلم: في حكمه بعلمه سبب يوجب التهمة، وهو أنه يثبت حكمه بقوله، فهو كقاسمي الحاكم إذا شهدا بالقسمة لم يحكم بشهادتهما، لأنهما أثبتا فعلهما بشهادتهما) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠ (٣/ ١١٢)]. ١٥١١ - شهادة الكافر: - قال ابن القيم: (الطريق السابع عشر (١): الحكم بشهادة الكافر، وهذه مسألة لها صورتان: إحداهما: شهادة الكفار بعضهم على بعض.

стр. 1090

والثانية: شهادتهم على المسلمين. فأما المسألة الأولى فقد اختلف فيها الناس قديما وحديثا، فقال حنبل: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن أبي حصين عن الشعبى قال: تجوز شهادة اليهودي على النصراني. قال حنبل: وسمعت أبا عبد الله قال: تجوز شهادة بعضهم على بعض، فأما على المسلمين فلا تجوز، وتجوز شهادة المسلم عليهم. وبالغ الخلال في إنكار رواية حنبل، ولم يثبتها رواية. وأثبتها غيره من أصحابنا، وجعلوا المسألة على روايتين. قالوا: وعلى رواية الجواز فهل يعتبر اتحاد الملة (١)؟ فيه وجهان. ونصروا كلهم عدم الجواز، إلا شيخنا، فإنه اختار الجواز) [الطرق الحكمية ١٣٧ ـ ١٣٨ (١/ ٤٧٤ - ٤٧٥)]. - وقال أيضا: (قال شيخنا ﵀: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع (٢): هو ضرورة، يقتضي هذا التعليل قبولها ضرورة حضرا وسفرا. وعلى هذا، لو قيل: يحلفون في شهادة بعضهم على بعض، كما يحلفون في شهاداتهم على المسلمين في وصية السفر لكان متوجها. ولو قيل: تقبل شهادتهم، مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون لكان له وجه، ويكون بدلا مطلقا.
следующие страницы →