← Фикх общий

Фикх общий · id 132619

الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه

سامي بن جاد الله

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

غيره في مسألة ففيها وجهان، وفاقا لمالك والشافعي وعدمه أشهر، وفي اللزوم (١) طاعة غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه، وهو (٢) خلاف الإجماع (٣)، قاله شيخنا. وقال: جوازه فيه ما فيه. قال: ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال ينبغي كان جاهلا ضالا. قال: ومن كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته، بلا نزاع. وقال أيضا: في هذه الحال يجوز عند أئمة الإسلام. وقال أيضا: بل يجب، وأن أحمد نص عليه) [الفروع ٦/ ٥٧ ١ - ٥٧٢ (١١/ ٣٤٥ - ٣٤٦)] (٤). ١٥٠٨ - اللهو: - قال ابن مفلح: (قال الشيخ تقي الدين: قول النبي ﷺ : «كل لهو يلهو

стр. 1087

به فهو باطل، إلا رمية بقوس، وتأديب فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق» يدخل في معنى الثلاثة ما كان من جنسهن. فإن ملاعبة السرية كملاعبة المرأة سواء. وأما تأديب الفرس: فقريب منه تأديب البعير؛ لأن كلاهما يشتركان في الإيجاف والسباق، ولهذا أسهم للبعير في إحدى الروايتين إذا كان للقتال لا للحمولة فقط، كما كانت زمن بدر. فأما تأديب الحمولة من البغال والحمير والإبل: فهل لها نصيب من تأديب الموجفة في القتال؟ وكذلك رميه بقوسه: في معناه عمله برمحه وسيفه، فإنه ﷺ أقر الحبشة في المسجد يوم العيد على اللعب بالحراب، وقد قال الإمام أحمد في العمل بالرمح والقوس: إنه أفضل من الصلاة في الثغر، وأما في غير الثغر فسوى بينهما، ولأنه قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] يتناول كلما يستطاع من القوة، فيدخل فيه ما يرمى به، وما يضرب به، وما يطعن به، سواء كان المرمي به سهمًا أو حربة، وسواء كان السهم منفردًا أو جاريًا في مجرى، وسواء كان يؤثر باليد أو بالرجل الذي يسمى الجرخ. وكذلك المضروب به يدخل فيه ما يقتل بحده كالسيف والخنجر والسكين، وما يقتل بثقله كاللت، وما يقتل بهما كالدبوس، فأما قوله ﷺ : «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» فقد أراد به القوة الكاملة، وهذا كثيرًا ما يكون لحصر الكمال لا لحصر أصل الاسم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ

стр. 1088

الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]، وقوله ﷺ : «ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه» ونحو ذلك، وذلك لأن الرمي يصيب العدو البعيد مع الحائل من نهر ونحوه، ويدفع العدوَّ عن الإقدام، ففيه ثلاثة فوائد لا توجد في غيره من السلاح. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧ (٣/ ٨٨ - ٨٩)]. ١٥٠٩ - اللعب بالشطرنج: - قال ابن مفلح: (ويحرم شطرنج في المنصوص، كمع عوض أو ترك واجب أو فعل محرم، إجماعا، وكنرد، وفاقا للائمة الثلاثة، وعند شيخنا: هو شر من نرد، وفاقا لمالك) [الفروع ٦/ ٥٧٣ (١١/ ٣٤٨)]. وانظر: ما سبق برقم (٧٩٧). ١٥١٠ - شهادة القاسم: - قال ابن مفلح: (قال القاضي: دليلنا: أن القاسم بغير أجر يتصرف من جهة الحكم، فوجب أن يقبل قوله فيه، دليله: الحاكم يقبل قوله فيما يحكم به في حال ولايته عندهم، وعندنا يقبل في حال الولاية وبعد الولاية، ولا يلزم عليه إذا قسم بأجرة؛ لأن تصرفه لا يكون من جهة الحكم، لأنه أجير، وشهادة الأجير لا تجوز فيما يستحق عليه الأجرة، لأن لهما فيه منفعة، وهو استحقاق الأجرة متى صحت القسمة، وهذا معنى كلام أصحاب القاضي كأبي الخطاب والشريف. قال الشيخ تقي الدين: والتعليل الأول يقتضي: أن قول القاسم خبر لا شهادة، كالحاكم.

стр. 1089

والتعليل الثاني ضعيف، لأنه يوجب أن لا تقبل شهادتهما بالقيمة والقدر، لأنهما يستحقان عليه الأجرة، ولأن الأمناء تقبل أقوالهم فيما يستحقون عليه أجرة، كالوصي في العمل والإنفاق، وذلك لأنهما تراضيا بأن يكون حكما بينهما، يجعل كالحاكم لو أعطيناه جعلا على ما ذكره بعض أصحابنا، وشبيه بهذا: ما لو رضي الخصم بشهادة عدوه، أو أبي خصمه ومن يتهم عليه، أو رضي بقضائه، وكذلك شهادة الظئر المستأجرة بالرضاع، وشهادة القابلة بالولادة. انتهى كلام الشيخ تقي الدين. وقال أيضا: بناها القاضي على أن شهادة الإنسان على فعل نفسه تقبل كالمرضعة، ضَعَّف مأخذ من وافقه أنهما ليسا شهادة على فعل نفسه. انتهى كلامه. وقال القاضي: قال مالك والشافعي: لا تجوز شهادتهما. قال الشيخ تقي الدين: وكذلك قال القاضي في مسألة الحكم بالعلم: في حكمه بعلمه سبب يوجب التهمة، وهو أنه يثبت حكمه بقوله، فهو كقاسمي الحاكم إذا شهدا بالقسمة لم يحكم بشهادتهما، لأنهما أثبتا فعلهما بشهادتهما) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠ (٣/ ١١٢)]. ١٥١١ - شهادة الكافر: - قال ابن القيم: (الطريق السابع عشر (١): الحكم بشهادة الكافر، وهذه مسألة لها صورتان: إحداهما: شهادة الكفار بعضهم على بعض.

стр. 1090

والثانية: شهادتهم على المسلمين. فأما المسألة الأولى فقد اختلف فيها الناس قديما وحديثا، فقال حنبل: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن أبي حصين عن الشعبى قال: تجوز شهادة اليهودي على النصراني. قال حنبل: وسمعت أبا عبد الله قال: تجوز شهادة بعضهم على بعض، فأما على المسلمين فلا تجوز، وتجوز شهادة المسلم عليهم. وبالغ الخلال في إنكار رواية حنبل، ولم يثبتها رواية. وأثبتها غيره من أصحابنا، وجعلوا المسألة على روايتين. قالوا: وعلى رواية الجواز فهل يعتبر اتحاد الملة (١)؟ فيه وجهان. ونصروا كلهم عدم الجواز، إلا شيخنا، فإنه اختار الجواز) [الطرق الحكمية ١٣٧ ـ ١٣٨ (١/ ٤٧٤ - ٤٧٥)]. - وقال أيضا: (قال شيخنا ﵀: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع (٢): هو ضرورة، يقتضي هذا التعليل قبولها ضرورة حضرا وسفرا. وعلى هذا، لو قيل: يحلفون في شهادة بعضهم على بعض، كما يحلفون في شهاداتهم على المسلمين في وصية السفر لكان متوجها. ولو قيل: تقبل شهادتهم، مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون لكان له وجه، ويكون بدلا مطلقا.

стр. 1091

قال الشيخ: ويؤيد هذا ما ذكره القاضي وغيره محتجا به، وهو في «الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد: أن رجلا من المسلمين خرج، فمر بقرية، فمرض، ومعه رجلان من المسلمين فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا لي من أشهده على ما قبضتماه، فلم يجد أحدا من المسلمين في تلك القرية، فدعوا أناسا من اليهود والنصارى فأشهدهم على ما دفع إليهما ... وذكر القصة، فانطلقوا إلى ابن مسعود فأمر اليهودي والنصراني أن يحلفا بالله لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين، ثم أمر أهل المتوفي أن يحلفوا أن شهادة اليهود والنصارى حق، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهد به اليهودي والنصراني، وذلك في خلافة عثمان ﵁. فهذه شهادة للميت على وصيته، وقد قضى بها ابن مسعود مع يمين الورثة لأنهم المدعون، والشهادة على الميت لا تفتقر إلى يمين الورثة، ولعل ابن مسعود أخذ هذا من جهة أن الورثة يستحقون بأيمانهم على الشاهدين إذا استحقا إثما، فكذلك يستحقون على الوصية مع شهادة الذميين بطريق الأولى. وقد ذكر القاضي هذا في مسألة دعوى الأسير إسلاما، فقال: وقد قال الإمام أحمد في السبي إذا ادعوا نسبا، وأقاموا بينة من الكفار: قبلت شهادتهم. نص عليه في رواية حنبل وصالح وإسحاق بن إبراهيم، لأنه قد تتعذر البينة العادلة، ولم يجز ذلك في رواية عبد الله، وأبي طالب. قال شيخنا ــ -رحمه الله تعالى- ــ: فعلى هذا كل موضع ضرورة، غير المنصوص فيه فيه روايتان، لكن التحليف ههنا لم يتعرضوا له، فيمكن أن

стр. 1092

يقال: لأنه إنما يحلف حيث تكون شهادتهم بدلا، كما في مسألة الوصية، بخلاف ما إذا كانوا أصولا، والله أعلم) [الطرق الحكمية ١٤٨ - ١٤٩]. - وقال أيضا: (قال شيخنا ﵀: وهل تعتبر عدالة الكافرين في الشهادة بالوصية في دينهما، عموم كلام الأصحاب يقتضي أنها لا تعتبر، وإن كنا إذا قبلنا شهادة بعضهم على بعض اعتبرنا عدالتهم في دينهم. وصرح القاضي بأن العدالة غير معتبرة في هذه الحال، والقرآن يدل عليه. وصرح القاضي أنه لا تقبل شهادة فساق المسلمين في هذا الحال، وجعله محل وفاق، واعتذر عنه، وفي اشتراط كونهم من أهل الكتاب روايتان، وظاهر القرآن: أنه لا يشترط، وهو الصحيح، لأنه سبحانه قال للمؤمنين: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] وغير المؤمنين هم الكفار كلهم، ولأنه موضع ضرورة، وقد لا يحضر الموصى إلا كفار من غير أهل الكتاب، وإن تقييده بأهل الكتاب لا دليل عليه، ولأن ذلك يستلزم تضييق محل الرخصة، مع قيام المقتضي لعمومه. فإن قيل: فهل يجوز في هذه الصورة أن يحكم بشهادة كافر وكافرتين؟ قيل: لا نعرف عن أحد في هذا شيئاً، ويحتمل أن يقال بجواز ذلك، وهو القياس، فإن الأموال يقبل فيها رجل وامرأتان، وهذا قول أبي محمد بن حزم، وهو يحتج بعموم قوله ﷺ : «أليست شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ » وهذا العموم جوز الحكم أيضا في هذه الصورة بأربع نسوة كوافر، وليس ببعيد عند الضرورة إذا لم يحضره إلا النساء، بل هو محض الفقه. فإن قيل: فهل ينقض حكم من حكم بغير حكم هذه الآية؟

стр. 1093

قيل: أصول المذهب تقتضي نقض حكمه، لمخالفة نص الكتاب. قال شيخنا ــ ﵁ ــ في «تعليقه على المحرر»: ويتوجه أن ينقض حكم الحاكم إذا حكم بخلاف هذه الآية، فإنه خالف نص الكتاب العزيز بدلالات ضعيفة) [الطرق الحكمية ١٤٩ ـ ١٥٠]. - وقال ابن مفلح: (ولا شهادة لكافر إلا عند العدم بوصية ميت في سفر مسلم أو كافر، نقله الجماعة، وذكر في «المغني» و «الروضة» وشيخنا أنه نص القرآن، وفي «المذهب» رواية: لا تقبل، وفي اعتبار كونه كتابيا روايتان، بل رجلا (١)، وقيل: وذميا (٢)، ويحلفه الحاكم، قيل: وجوبا، وقيل: ندبا، وفي «الواضح»: مع ريب، بعد العصر، ما خان ولا حرف وإنها لوصية الرجل، وعنه: وتقبل للحميل (٣)، وعنه: وموضع ضرورة، وعنه: سفرا، ذكرهما شيخنا، قال: كما تقبل شهادة النساء في الحدود، إذا اجتمعن في العرس أو الحمَّام، وعنه: وبعضهم على بعض، نصره شيخنا وابن رزين) [الفروع ٦/ ٥٧٨ - ٥٧٩ (١١/ ٣٥٤ - ٣٥٦)]. - وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: وهل تعتبر عدالة الكافرين في الوصية في دينهما؟ عموم كلام الأصحاب يقتضي: أنه لا يعتبر، وإن كنا إذا قبلنا شهادة بعضهم على بعض اعتبرنا عدالتهم في دينهم.

стр. 1094

وصرح القاضي: بأن العدالة غير معتبرة في هذه الحال، والقرائن تدل عليه، وكذلك الآثار المرفوعة والموقوفة. وأما المسلمون فصرح القاضي: أنه لا تقبل شهادة فساق المسلمين في هذه الحال، جعله محل وفاق، واعتذر عنه. انتهى كلامه. وسيأتي في ذكر مسألة: «ومالا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء» من كلامه ما يخالفه. وقال أكثر العلماء ــ منهم الأئمة الثلاثة ــ: لا تقبل شهادتهم على المسلمين بحال، ولم أجد بهذا قولا في مذهبنا) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣]. - وقال أيضا: (وقد ذكر القاضي أبو يعلى هذه المسألة، فقال: وقد قال الإمام أحمد في السبي إذا ادعوا نسبا، وأقاموا بينة من الكفار: قبلت شهادتهم، نص عليه في رواية حنبل وصالح وإسحاق بن إبراهيم، لأنه قد تتعذر البينة العادلة. ولم يجز ذلك في رواية عبد الله وأبي طالب، لأنه لا نص في ذلك. قال الشيخ تقي الدين: فعلى هذا كل موضع ضرورة غير المنصوص فيه روايتان، لكن التحليف هنا لم يتعرضوا له، فيمكن أن يقال: لأنه إنما يحلف حيث تكون شهادتهم بدلا في التحميل، بخلاف ما إذا كانوا أصولا قد علموا من غير تحميل. وقال أيضًا: نقل ابن صدقة عن الإمام أحمد: سئل الإمام أحمد عن الرجل يوصي بأشياء لأقاربه ويعتق، ولا يحضر إلا النساء، هل تجوز

стр. 1095

شهادتهن؟ قال: نعم، تجوز شهادتهن في الحقوق، ذكرها القاضي مستشهدًا بقبول الشهادة حال الضرورة. وظاهر هذه: أنه تقبل شهادة النساء منفردات في الوصية مطلقا، كما تقبل شهادة الكفار، وهذا يؤيد ما ذكرته، يعني ما تقدم من أنها تقبل في السفر والحضر إذا لم يكن ثم مسلم. وفي موضع آخر قال ــ يعني القاضي ــ: نقلت من خط أبي حفص عن سندي القزاز قال: وسئل عن الرجل يوصي بأشياء لأقاربه ويُعتِق ولا يحضره إلا النساء، هل تجوز شهادتهن في الحقوق؟ يحتمل أنها تقبل مع يمين الموصى له، كأحد الزوجين. ويتوجه أن يكون ذلك فيما ليس له منكر، فإن الشهادة على الميت ليست كالشهادة على الحي، فإنه إما أن يقر أو يجحد، فإن جحد كان جحده معارضا لأحدهما، وسلم الآخر، بخلاف مالا معارض له، ولهذا قلنا: إن الإمام لا يرجع حتى يسبح به اثنان في الصلاة، وهذا فرق معنوي. وقال أيضا: قول الإمام أحمد: «أقبل شهادتهم إذا كانوا في سفر ليس فيه غيرهم، هذه ضرورة» فيقتضى عمومه: أنها لا تقبل في السفر على كل شيء عند عدم المسلمين، فتقبل على الإقرار، وعلى نفس الموت لأجل انتقال الإرث، وزوال النكاح، وعلى القتال، وعلى غير ذلك، وهذا هو القياس الجلي، فإنها إذا قبلت على الوصية فلأن تقبل على الموت أولى وأحرى، وليس في الوصية معنى إلا وقد يوجد في غيرها مثله، أو أقوى، أو قريب، ولذلك قلنا: شهادتهم في إحدى الروايتين بالنسب والولادة في مسألة الحميل، إذ ليس هناك من يعلم النسب من المسلمين.

стр. 1096

قال: وقوله: «هذه ضرورة» يقتضى هذا التعليل قبولها في كل ضرورة، حضرًا وسفرًا، وعلى هذا: فشهادة بعضهم على بعض ضرورة، فلو قيل: إنهم يحلفون في شهادة بعضهم على بعض، كما يحلفون في شهادتهم على المسلمين وأصحابهم في وصية السفر لكان متوجهًا، ولو قيل: بقبول شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عُدم فيه المسلمون لكان له وجه، وتكون شهادتهم بدلًا مطلقا. يؤيد ما ذكرته: ما ذكره القاضي وغيره محتجا به ــ وهو في «الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد أن رجلا من المسلمين خرج، فمر بقرية، فمرض ومعه رجلان من المسلمين، فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا لي من أشهده على ما قبضتماه، فلم يجدوا أحدا من المسلمين في تلك القرية، فدعوا أناسا من اليهود والنصارى، فأشهدهم على ما دفع إليهما ... وذكر القصة، فانطلقوا إلى ابن مسعود، فأمر اليهود أن يحلفوا بالله: لقد ترك من المال كذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين، ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا: أن شهادة اليهود والنصارى حق، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهدت به اليهود والنصارى، وكان ذلك في خلافة عثمان ﵁. قال أبو العباس: فهذه شهادة الميت على وصيته، قد قضى بها ابن مسعود مع يمين الورثة، لأنهم المدعون، والشهادة على الميت لا تفتقر إلى يمين الورثة، ولعل ابن مسعود أخذ هذا من جهة أن الورثة يستحقون بأيمانهم على الشاهدين إذا استحقا إثما، فلذلك يستحقون على الوصيين بشهادة الذميين بطريق الأولى، وهذا يؤيد ما ذكرته باطنها. انتهى كلامه.

стр. 1097

يعني: باطن الورقة، وسيأتي ذلك) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٨]. - وقال أيضا: (قوله (١): «وعنه (٢): تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض» نقل الجماعة ــ المروذي وأبو داود وحرب والميموني ــ: لا تجوز شهادة بعضهم على بعض، ولا على غيرهم، لأن الله تعالى قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليس الذمي ممن نرضى، وبه قال مالك والشافعي. قال القاضي: ونقل حنبل عنه: تجوز شهادة بعضهم على بعض. واختلف أصحابنا في ذلك، فقال أبو بكر الخلال وصاحبه: غلط حنبل فيما نقل، والمذهب: أنه لا تقبل. وكان شيخنا (٣) يحمل المسألة على روايتين: إحداهما: تجوز شهادة بعضهم على بعض، على ظاهر ما رواه حنبل، والثانية: لا تجوز، وهو الصحيح. انتهى كلامه. قال أبو الخطاب: وقال ابن حامد وشيخنا: المسألة على روايتين، قال:

стр. 1098

وهو الصحيح، فإن حنبلا ثقة ضابط، وروايته أقوى في باب القياس، ويعضد هذا: أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- أجاز شهادتهم على المسلمين في الوصية في السفر، فلولا كونهم أهلا للشهادة لما جازت، ونصر أبو الخطاب هذه الرواية، وهي قول أبي حنيفة وجماعة. قال الشيخ تقي الدين: وهي إن شاء الله أصح. انتهى كلامه. وقد روى جابر ﵁: أن النبي ﷺ أجاز شهادة بعضهم على بعض، رواه ابن ماجه وغيره من رواية مجالد، وهو ضعيف عند الأكثر. ويحتمل أنه أراد اليمين، فإنها تسمى شهادة، قال الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]. وقال الشيخ تقي الدين: وهذا الخلاف على أصلنا إنما هو حيث لا نجيز شهادتهم على المسلمين، فأما إذا أجزنا شهادتهم على المسلمين فعلى أنفسهم أولى، كما ذكره الجد في الوصية في السفر، وقد ذكر في قبول شهادتهم في كل ضرورة غير الوصية روايتين، كالشهادة على الأنساب التي بينهم في دار الحرب، فعلى هذه الرواية: تقبل شهادة بعضهم على بعض في كل موضع ضرورة، كما تقبل على المسلمين وأولى بنفي التحليف، وضرورة شهادة بعضهم على بعض أكثر من ضرورة المسلمين، فيقرب الأمر. انتهى كلامه. وقد تقدمت هذه الرواية التي ذكرها، وأما على الرواية التي تقبل شهادة بعضهم على بعض: فتقبل مطلقا، بعضهم تصريحا، وبعضهم ظاهرا، لما في تكليفهم إشهاد المسلمين من الحرج والمشقة، وعلى هذه الرواية لا يختلف.

стр. 1099

وتقدم كلام الشيخ تقي الدين، فتارة مال إليه مطلقا، وتارة فصل) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٨ ١ - ٢٨٢] (١). ١٥١٢ - استحلاف من قبلت شهادته للضرورة: - قال ابن القيم: (وقد شرع تحليف الشاهدين، إذا كانا من غير أهل الملة على الوصية في السفر، وكذلك قال ابن عباس: بتحليف المرأة إذا شهدت الرضاع، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. قال القاضي: لا يحلف الشاهد على أصلنا إلا في موضعين، وذكر هذين الموضعين. قال شيخنا ــ قدس الله روحه ــ: هذان الموضعان قبل فيهما الكافر، والمرأة وحدها للضرورة، فقياسه أن كل من قبلت شهادته للضرورة استحلف) [الطرق الحكمية ١١٠]. - وقال ابن مفلح: (قال القاضي: لا يحلف الشاهد على أصلنا إلا في موضعين: هنا، وفي شهادة المرأة بالرضاع. قال الشيخ تقي الدين: هذان الموضعان قبل فيهما الكافر والمرأة وحدها للضرورة، فقياسه: أن كل من قبلت شهادته للضرورة استحلف) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٨١]. - وقال أيضا: (قوله: «ويحلفهم الحاكم بعد العصر ما خانوا ولا حرفوا وإنها لوصية الرجل للآية، وتصريح خبر أبي موسى». قال ابن قتيبة: لأنه وقت يعظمه أهل الأديان.

стр. 1100

قال الشيخ تقي الدين: هذا يناسب الشهادة والأمانة على المال ما خانوا في الأمانة، ولا حرفوا الشهادة. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤]. - وقال أيضاً: (وقال القاضي في «أحكام القرآن»: يستحلف الشهود بعد صلاة العصر، إذا كانوا من غير أهل ملتنا، إذا اتهمهم الورثة في الشهادة، لأنه قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ولو كان الموصي المشهود له من ذوي قربى الشهود ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فيما أوصى به الميت، وأشهدهما عليه، ولذلك قال فيما بعد: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] يعني أيمان الشهود عند ارتياب الورثة. قال الشيخ تقي الدين: وهذا يقتضي أن استحلاف الشهود حق للمشهود عليه، فإن شاء حلفهم، وإن شاء لم يحلفهم، ليست حقًا لله، وهو ظاهر القرآن) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٧٤]. ١٥١٣ - الشهادة مع تعذر رؤية العين المشهود لها أو عليها أو بها: - قال ابن مفلح: (والأعمى كبصير فيما سمعه، وكذا ما رآه قبل عماه وعرف فاعله باسمه ونسبه، وما يتميز به، وإن عرفه يقينا بعينه أو صوته فوصفه للحاكم وشهد فوجهان، ونصه: يقبل. وقال شيخنا: وكذا إن تعذر رؤية العين المشهود لها أو عليها أو بها لموت أو غيبة) [الفروع ٦/ ٥٨٠ - ٥٨١ (١١/ ٣٥٨)]. - وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين ــ بعد مسألة شهادة الأعمى ــ:

стр. 1101

كذلك إذا تعذر وجود (١) المشهود عليه بموت أو غيبة أو حبس، فشهد البصير على حليته، إذ في الموضعين تعذرت الرؤية من الشاهد. فأما الشاهد نفسه: هل له أن يعين من رآه وكتب صفته أو ضبطها، ثم رأى شخصا بتلك الصفة؟ هذا أبعد، فإن ذاك تعريف من الحاكم، وهذا تعريف من الشاهد، وهو شبيه بخطه إذا رآه، ولم يذكر الشهادة. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٩٠] (٢). ١٥١٤ - شهادة الأصم: - قال ابن مفلح: (قوله (٣): «وتجوز شهادة الأصم في المرئيات، وفيما سمعه قبل صممه» لأنه في ذلك كمن لا صمم به، ولأنه فيما رآه كغيره من الناس. وقال الشيخ تقي الدين: قال القاضي في مسألة الأعمى: العمى فقد حاسة لا تمنع النظر والسمع (٤)، فلم تمنع من تحمل الشهادة كفقد الشم والذوق، ولا يلزم عليه الخرس، لأنه يمنع النطق، ولا يلزم عليه الصمم، لأنه يمنع السمع. ولذلك قال بعد ذلك: لا ينتقض بالأخرس وبالأطرش، ثم قال: الأصم لا يجوز قضاؤه، ويصح أداء الشهادة منه، ذكره محل وفاق) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨].

стр. 1102

١٥١٥ - شهادة الأعمى: - قال ابن مفلح: (فأما الشهادة على الأفعال فلا تجوز. ذكره القاضي محل وفاق، واعتذر بأن الأفعال طريقها المشاهدة، وذلك لا يمكن حصوله من الأعمى، وكذلك ذكره غير القاضي. قال الشيخ تقي الدين: ما علمه بالاستفاضة كالولادة، شهد به على قول الخرقي. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠]. - وقال أيضا: (فإن قال الأعمى: أشهد أن لفلان على هذا شيئًا، ولم يذكر اسمه ونسبه، أو شهد البصير على رجل من وراء حائل، ولم يذكر اسمه ونسبه: لم يصح. ذكره القاضي محل وفاق أصلا للمخالف، وفرق بأن المشهود عليه مجهول. قال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب أنه إذا سمع صوته صحت الشهادة عليه أداء، كما تصح الشهادة عليه تحملا، فإنا لا نشترط رؤية المشهود عليه حين التحمل ولو كان الشاهد بصيراً، فكذلك لا نشترطها عند الأداء، وهذا نظير إشارة البصير إلى الحاضر إذا سماه ونسبه، وهو لا يشترط في أصح الوجهين، فكذلك إذا أشار إليه لا تشترط رؤيته. قال: وعلى هذا فتجوز شهادة الأعمى على من عرف صوته، وإن لم يعرف اسمه ونسبه، ويؤديها عليه إذا سمع صوته) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١]. - وقال أيضا: (قال القاضي ــ ضمن المسألة ــ: وأيضاً فإن حدوث العمى بعد تحمل الشهادة لم يتعذر معه إلا معاينة المشهود عليه، والإشارة

стр. 1103

إليه، وهذا لا يمنع من سماع شهادته وقبولها، لأن المقصود بمعاينته، والإشارة إليه هو تعيينه وتمييزه عن غيره ليصير معلوما عند الحاكم، فيتمكن بذلك من إنفاذ الحكم عليه، وهذا يحصل مع حدوث العمى بما يصفه بلسانه، من اسمه ونسبه وصفاته التي تميزه وتعينه. فإن قيل: لو كان التعيين باللسان يقوم مقام الإشارة لوجب أن يصح في البصر إذا شهد؟ قيل: يصح ذلك من البصير من غير حضور الخصم، ويكون التعيين باللسان بناء على قولنا في القضاء على الغائب، وسماع البينة عليه، فإن حضر الخصم احتمل أن تقبل الشهادة عليه من غير إشارة إليه إذا ذكر اسمه ونسبه، وهو الصحيح، واحتمل أن تجب الإشارة إليه مع الحضور، لأنه أقرب إلى علم الحاكم به، وفصل الحكم بينه وبين خصمه، بخلاف الأعمى فإن فصل الحكم يحصل بسماع كلامه لتعذر الإشارة من جهته، بدليل جواز الشهادة على الغائب عند المخالف بلا إشارة، وإذا حضر وجبت الإشارة. قال الشيخ تقي الدين: الأعمى تمكن منه الإشارة إذا عرف الصوت. قال القاضي: وأيضاً فإنه ليس من شرط صحة الشهادة معاينة المشهود عليه، بدليل اتفاقهم على جواز الشهادة على الميت والموكل الغائب. وقال أيضًا: تعيين المشهود عليه للحاكم يحصل بالتسمية والنسبة والصفة. قال الشيخ تقي الدين: فقد سووا بين شهادة الأعمى وبين شهادة البصير على الغائب والميت، وفي شهادة الأعمى بالصفة دون الاسم والنسب وجهان. فكذلك الشهادة على الغائب والميت.

стр. 1104

والضابط: أن كل شهادة على غير معاين، فإنه يشهد فيه بالاسم والنسب إن عرفه، وإن لم يعرفه ففي الشهادة بالحلية وجهان) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٩ ١ - ٢٩٢] (١). ١٥١٦ - شهادة قوم في ديوان آجروا شيئا: ١٥١٧ - وشهادة ديوان الأموال السلطانية على الخصوم: - قال ابن مفلح: (قال شيخنا في قوم في ديوان آجروا شيئا: لا تقبل شهادة أحد منهم على مستأجر، لأنهم وكلاء أو ولاة. قال: ولا شهادة ديوان الأموال السلطانية على الخصوم) [الفروع ٦/ ٥٨٢ (١١/ ٣٦٠)]. ١٥١٨ - الحسد: - قال ابن مفلح: (قال في «الفنون»: اعتبرت الأخلاق فإذا أشدها وبالا الحسد. قال ابن الجوزي: الإنسان مجبول على حب الترفع على جنسه، وإنما يتوجه الذم إلى من عمل بمقتضى التسخط على القدر، أو ينتصب لذم المحسود، قال: وينبغي أن يكره ذلك من نفسه. وذكر شيخنا أن عليه أن يستعمل معه التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه ويستعمل معه الصبر والتقوى، وذكر قول الحسن: لا يضرك ما لم تعد به يدا و (٢) لسانا.

стр. 1105

قال: وكثير ممن عنده دين لا يعين من ظلمه، ولا يقوم بما يجب من حقه، بل إذا ذمه أحد لم يوافقه، ولا يذكر محامده، وكذا لو مدحه أحد لسكت، وهذا مذنب في ترك المأمور (١) لا معتد، وأما من اعتدى بقول أو فعل فذاك يعاقب، ومن اتقى وصبر نفعه الله بتقواه، كما جرى لزينب بنت جحش ﵂) [الفروع ٦/ ٥٨٤ (١١/ ٣٦٢ - ٣٦٣)] (٢). ١٥١٩ - شهادة وإقرار الصبي: - قال ابن مفلح: (قال الشيخ تقي الدين: وذكر القاضي أنه لا يقبل إقراره وفاقا. قال: وهذا عندي عجيب، واعتذروا عنه بأن إقراره لا يكون إلا بالمال، إما عليه، وإما على غيره. قال: وذكر عنهم أن الخلاف في الشهادة على الجراح الموجب للقصاص، فأما الشهادة بالمال فلا تقبل. قال الشيخ تقي الدين: وهذا أيضا عجيب، فإن الصبيان لا قود بينهم، وإنما الشهادة بما يوجب المال، وما أظن إلا أنهم أسقطوا الإقرار، لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف بخلاف المشهود به، ولا تقبل في إتلاف بعضهم ثياب بعض. وهل تقبل شهادة الصبيان على المعلم؟ ذكر ابن القصار فيه خلافا بين أصحابه. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦].

стр. 1106

١٥٢٠ - شهادة من يدفع عن نفسه ضررا: - قال ابن مفلح: (قوله (١): «كشهادة من لا تقبل شهادته» (٢). ليس مثالا، ومراده ــ والله أعلم ــ: شهادة من يدفع عن نفسه بها ضررا لا تقبل، ولو كان قال: «ولا شهادة من لا تقبل شهادته» كان حسنا. قال الشيخ تقي الدين عن كلامه في «المحرر»: هذا ما دفع الضرر عن نفسه، وإنما دفعه عمن لا يشهد له، فهو بمنزلة من جر بشهادته إلى من لا يشهد له، فلو قيل: لا تقبل شهادة من يجر إلى نفسه أو إلى من يتهم له أو يدفع عن نفسه، أو من يتهم له لعم، نعم لو جرح الشاهد على نفسه لدفع عن نفسه. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٩٦]. ١٥٢١ - شهادة العدو والصديق: - قال ابن مفلح: (قوله: «ولا تقبل شهادة العدو على عدوه، كمن شهد على من قذفه أو قطع الطريق عليه». أطلق العداوة وليس كذلك، ولعل المثال يؤخذ منه تقييد المطلق، وهو مراده. قال القاضي: شهادة العدو على عدوه غير مقبولة، ذكره الخرقي فقال: لا تقبل شهادة خصم، وإنما يكون هذا في عداوة لا تخرجه عن العدالة، مثل الزوج يقذف زوجته، لا تقبل شهادته عليها، وكذلك من قطع عليه الطريق، لا تقبل شهادته على القاطع.

стр. 1107

وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور ــ في رجل خاصم مرة ثم ترك، ثم شهد ــ: لم تقبل، وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: تقبل. وهذا في عداوة لا تخرج إلى الفسق، فإذا أخرجت فلا خلاف فيها ... قال القاضي: ولأنه متهم في شهادته بسبب منهي عنه، فوجب أن لا تقبل شهادته كالفاسق. قال الشيخ تقي الدين: وهذا جيد، والمقطوع والمقذوف ليس في حقه سبب منهي عنه، فهذا يخالف ما ذكره أولا، اللهم إلا أن يراد به عادى قاذفه وقاطعه، فإن هجره الهجرة (١) المنهي عنها فهذا أقرب، لكن يخالف ما ذكر أولا في الظاهر. وكذلك قال القاضي في الفرق بين عداوة المسلم للذمي وعداوته للمسلم، مع أن عداوة المسلم للذمي مأمور بها، وعداوة المسلم للمسلم منهي عنها، لأن النبي ﷺ قال: «لا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا»، فلم يكن اعتبار إحداهما بالأخرى؛ لأن المسلم يعادي الذمي من طريق الدين، وهو لا يدعوه إلى ما يخاف من ذنبه ومن الكذب عليه، وعداوة المسلم للمسلم عداوة تحاسد وتنافس وتباغض، وهذا يحمل من طريق العادة والجبلة على مخالفة الدين، والإضرار به بالكذب والمين. قال الشيخ تقي الدين: وهذا يقتضي أن عداوة المتدين بذلك متأولا لا تمنع قبول الشهادة، فصار على الظاهر فيها ثلاثة أوجه. انتهى كلامه. وقال أيضًا: ليس في كلام أحمد ولا الخرقي تعرض للعدو، وإنما هو

стр. 1108

الخصم، والتفريق بين الخصم في الحديث موافق لما قلت، وقد يخاصم من ليس بعدو، وقد يعادي من ليس بخصم، وإنما الخصم هو المدعي أو المدعى عليه، فشهادته شهادة مدع أو مدعى عليه، ولا يجوز أن يراد به أن كل من خاصم شخصا في شيء مرة لم تقبل شهادته عليه في غير ذلك، إذا لم يكن بينهما إلا مجرد المحاكمة، فإن محاكمته في ذلك الشيء بمنزلة مناظرته في علم، وقد يكون المتحاكمان عارفين للحق، لا يدعي أحدهما ظلم الآخر بمنزلة المحاكمة في المواريث، وموجبات العقود وهو أحد نوعي القضاء الذي هو إنشاء من غير إنكار ولا بينة ولا يمين، ولا يحمل كلام أحمد على هذا، وإنما أراد ــ والله أعلم ــ: أن من خاصم في شئ مرة، ثم شهد به لم تقبل شهادته؛ لأنه بمنزلة من ردت شهادته لتهمة ثم أعادها بعد زوال التهمة، وهنا المخاصم طالب، فإذا شهد بعد ذلك فهو متضمن تصديق نفسه فيما خاصم فيه أولا، وهذا يدخل فيه صور: منها: أن يخاصم في حقوق عين هي ملكه، ثم تنتقل العين إلى غيره فيشهد. ومنها: أن يكون وليا ليتيم أو وقف ونحوهما، ويخاصم في شيء من أموره، ثم يخرج عن الولاية ويشهد به. ومنها: أن يكون وكيلا فيخاصم، ثم تزول وكالته فيشهد فيما خاصم فيه. فإذا قيل: شهادة العدوّ غير مقبولة، فإنما هو من عادى، أما المقطوع عليه الطريق إذا شهد على قاطعه، فهذا لا معنى له، إذ يوجب أن لا يشهد مظلوم على ظالمه، مع أنه لم يصدر منه ما يوجب التهمة في حقه.

стр. 1109

والتحقيق أن العداوة المحرمة تمنع قبول الشهادة وإن لم تكن فسقا، لكونها صغيرة، أو صاحبها متأولا مخطئا، وفيه نظر، كعداوة الباغي للعادل، وكما كان بين بعض السلف، وكذلك مداعاة القاضي كذلك، وقد كتبته قبل (١) فأما المباحة ففيه نظر. انتهى كلامه. وقال أيضا: الواجب في العدو والصديق ونحوهما: أنه إن علم منهما العدالة الحقيقية قبلت شهادتهما، وأما إن كانت عدالتهما ظاهرة مع إمكان أن يكون الباطن بخلافها لم تقبل، ويتوجه مثل هذا في الأب، وسائر هؤلاء. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٩] (٢). ١٥٢٢ - شهادة البدوي على القروي: - قال ابن مفلح: (قوله (٣): «وفي شهادة البدوي على القروي وجهان». أحدهما: تقبل ... والثاني: لا تقبل ... قال الشيخ تقي الدين: وبناه القاضي على أن العادة أن القروي إنما

стр. 1110

يشهد أهل القرية دون أهل البدو، فإذا كان البدوي قاطنا مع المدعين في القرية قبلت شهادته لزوال هذا المعنى. انتهى كلامه. وقد ذكر غير واحد من الأصحاب هذا التعليل، فيكون هذا قولا ثالثا. وقيل للقاضي: التهمة هنا ممن أشهد لا من الشاهد؟ فقال: التهمة هنا واقعة بهما، لأن صاحب الحق لا يعدل عن أهل بلده إلا لعلة في الملك، والشاهد أيضا في العادة إنما يشهد على أهل بلده، ولا يخرج إلى بلد آخر فيشهد فيه على غيره. وقال الشيخ تقي الدين: البدوي على الوصية في السفر ينبغي أن يقبل، لأنه ضرورة، وهو أولى من الذميين. انتهى كلامه. وهو حسن، لكنه قول رابع، قال مالك: لا تجوز شهادة البدوي على القروي إلا في الجراح والقود احتياطا للدماء) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣] (١). ١٥٢٣ - شهادة المبتدع: - قال ابن مفلح: ( .... (٢) وهو كالصريح ــ إن لم يكن صريحا ــ في أنه لا فرق بين الداعية وغيره، وبين من يكفر أو يفسق، وصرح به الشيخ تقي الدين على هذا التخريج. وهذا التخريج قد يقال: هو خلاف المذهب.

стр. 1111

وإن قلنا برواية حنبل في قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض كما هو ظاهر قول جماعة من الأصحاب، وقد يقال: المذهب التسوية على رواية حنبل كما هو قول أبي الخطاب، وظاهر كلام غيره ممن بعده. ومن لم يذكر التخريج فإما أنه لم يثبت رواية حنبل هنا، وإما لأنها خلاف المذهب، فلم يشتغل بالتفريع عليها. والأول: اختيار الشيخ تقي الدين، فإنه قال: والفرق بينهما أن الذمي يقر على كفره، والداعية إلى البدعة لا يقر على بدعته. كذا قال. والبدعة إن كانت مفسقة أقر عليها الداعية وغيره، وإن كانت مكفرة لم يقر عليها الداعية ولا غيره، لكن قد يفرق بينهما بأن أهل الذمة إنما قبلت شهادة بعضهم على بعض لمظنة الحاجة إلى ذلك لانفرادهم، وعدم اختلاطهم بالمسلمين، ولأنه لا يلزم من قبول شهادة كافر على كافر قبول شهادة كافر أو فاسق على مسلم. قال الشيخ تقي الدين: والواجب أن روايته وشهادته واحدة، وفي روايته: الخلاف المسطور في أصول الفقه، ومأخذ رد شهادته: إنما هو استحقاقه الهجران، وعلى هذا فينبغي قبول شهادته حيث لا يهجر، إما للغلبة وإما للتألف، وتقبل عند الضرورة كما قبلنا شهادة الكتابي على المسلم عند الضرورة وأولى، فإن مَن كان من أصله قبول شهادة الكافر على المسلم للحاجة، فقبول شهادة المبتدع للحاجة أولى، وكذلك شهادة النساء، وكذلك شهادة بعض الفساق كما كتبته في موضع آخر، وهذا هو الاقتصاد في هذا الباب، فإنه إذا كثر أهل البدعة في مكان بحيث يلزم مَن رد شهادتهم فتنة وتعطيل الحقوق، لم يهجروا بل يتألفوا، وأما إذا كانوا مقهورين بحيث

стр. 1112

يهجرون لم تقبل شهادتهم، ولو قيل في الإمامة أيضًا مثل ذلك لتوجه، كما في علم الحديث، والفرق بين الاضطرار والاختيار، وبين القدرة والعجز أصل عظيم) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤] (١). ١٥٢٤ - شهادة العبد: - قال ابن مفلح: ( ... وعن أحمد: التوقف في هذه المسألة، قال أبو الحارث: قلت للإمام أحمد: شهادة العبد؟ قال: قد اختلف الناس في ذلك، وأبى أن يجيب فيها. وقال أيضًا: أحب العافية من ذلك، وأبى أن يجيب، قال: وكذلك المكاتب والمدبر. وعن أحمد رواية خامسة: لا تقبل بحال، قال في رواية أبي طالب: العبد في جميع أمره ناقص ليس مثل الحر، ولا تقبل له شهادة في الطلاق والأحكام، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي، لأنها مبنية على المروءة والكمال. قال الشيخ تقي الدين: قد يؤخذ عن الإمام أحمد رواية كذلك، وسيأتي في المسألة بعدها) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨]. ١٥٢٥ - من ردت شهادته عند الحاكم ثم أعادها بعد زوال المانع: - قال ابن مفلح: (قوله (٢): «ومن شهد عند الحاكم فردت شهادته لكفره أو رقه أو صغره أو جنونه أو خرسه، ثم أعادها بعد زوال المانع قبلت

стр. 1113

في الأصح عنه». نقل عنه حنبل في الصبي: إذا بلغ جازت شهادته، وكذلك إذا شهد وهو عبد لم تجز، فإذا أعتق جازت إذا كان عدلا. واحتج القاضي أيضًا ــ مع أنه ذكر أن أحمد نص عليه ــ بقول الإمام أحمد في رواية أبي طالب في الصبي إذا حفظ الشهادة ثم كبر فشهد: جازت شهادته، وكذلك العبد إذا عتق، وكذلك اليهودي والنصراني إذا كان عدلا جازت شهادته إذا أسلم. قال الشيخ تقي الدين في رواية أبي طالب: الظاهر أنها فيما إذا لم تُرَدّ في زمان المنع. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٠٨]. - وقال أيضا: (قوله (١): «كما لو ردت لفسق». نص عليه، قال في رواية أحمد بن سعيد في شهادة الفاسق: إذا ردت مرة ثم تاب وأصلح فأقامها بعد ذلك: لم تجز، لأنه حكم قد مضى. ولم أجد فيه خلافا إلا قوله في «الرعاية الكبرى»: لم تقبل على الأصح، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، ورواية القبول قال بها أبو ثور والمزني وداود. قال ابن المنذر: والنظر يدل على هذا لغير (٢) هذه الشهادة كالمسائل المتقدمة، وقد تقدم دليل المنع والفرق.

стр. 1114

قال الشيخ تقي الدين: وتعليلهم الفرق بين الكفر والفسق بأن الكفر يتدين به= يقتضي أن يلحق به الفسق بالاعتقاد، أو بعمل يستند إلى اعتقاد، كشرب النبيذ إن قيل به. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٠٩ - ٣ ١٠]. ١٥٢٦ - إذا حدث مانع القبول بعد الشهادة: - قال ابن مفلح: (قوله (١): «وإن حدث مانع من فسق أو تهمة منع الحكم بها». لم أجد فيه خلافا كما تقدم، وذكره القاضي محل وفاق: أن الشهود إذا ارتدوا أو فسقوا أو رجعوا قبل الحكم أنه لا يحكم بها، قال: لأنه يورث تهمة في حال الأداء. قال الشيخ تقي الدين: إدخال الردة في هذا مشكل. قال: وقد علل بأن الفسق والردة مما يستسر به، فيدل على نظائره مما قبله. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣١١].

стр. 1115

باب ذكر المشهود به وأداء الشهادة ١٥٢٧ - ما يقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو يمين: - قال ابن مفلح: (ويقبل فيما ليس بعقوبة ولا مال، ويطلع عليه الرجال غالبا، كنكاح وطلاق ورجعة ونسب وولاء وإيصاء، أو توكيل في غير مال= رجلان، وعنه: ورجل وامرأتان، وعنه: أو يمين، ذكرها الشيخ وغيره، واختارها شيخنا، ولم أجد مستندها عن أحمد) [الفروع ٦/ ٥٨٨ (١١/ ٣٦٩)]. - وقال أيضا: (وقال علي بن زكريا: قيل لأبي عبد الله: شهادة شاهد ويمين؟ قال: في الحقوق. قال الشيخ تقي الدين: هذا اللفظ يعم جميع الحقوق، وكذلك قال في رواية الميموني: نحن نذهب إلى شهادة واحد في الحقوق ويمينه. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣١٤]. - وقال أيضا: (وقال الشيخ تقي الدين: قصة خزيمة وقصة أبي قتادة وقصة ابن مسعود في قوله: «رأيته يذكر الإسلام» تنبيها بلا يمين. وقد قال (١): اليمين حق للمستحلف وللإمام، فله أن يسقطها، وهذا أحسن. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣١٥ (٣/ ١٥٩)] (٢).

стр. 1116

١٥٢٨ - ما يقبل في الأموال ونحوها: - قال ابن مفلح: (ويقبل في مال وما يقصد به، كبيع وأجله وخياره ورهن وتسمية مهر ورق مجهول ووصية لمعين ووقف عليه، وقيل: إن ملكه ما تقدم، قال في «الخلاف» وغيره في ابن لبون عن بنت مخاض: إنما شرط عدم الرجلين لأنه يكره حضور النساء مجلس الحكم مع وجود شاهدين من الرجال، ورجل ويمين المدعي (١)، قال أحمد: قضى بهما النبي ﷺ ، وقيل: وامرأتان ويمين. وقال شيخنا: لو قيل: امرأة ويمين توجه، لأنهما إنما أقيما مقام رجل في التحمل، وكخبر الديانة) [الفروع ٦/ ٥٨٩ (١١/ ٣٧٠)]. - وقال أيضاً: (قوله (٢): ولا يقبل امرأتان ويمين مكان رجل ويمين. وكذا قطع به القاضي ولم يخرجه من المذهب. قال الشيخ تقي الدين: وقطع به أيضًا أبو الخطاب والشريف وغيرهما في كتب الخلاف، ونصره في «المغني» وغيره، لأنه انضم ضعيف إلى

стр. 1117

ضعيف فلا يحكم به، كما لو شهد أربع نسوة، أو حلف المدعي يمينين، فإنه محل وفاق مع مالك وغيره، ذكره القاضي وغيره في «المغني» بالإجماع. قوله (١): «وقيل: يقبل» (٢). لأن المرأتين في المال مقام رجل، وهو مذهب مالك. قال الشيخ تقي الدين: هذا يقتضيه كلام أحمد. يعني: ما نقله ابن صدقة: سئل أحمد عن الرجل يوصي بأشياء لأقاربه ويعتق، ولا يحضر إلا النساء: هل تجوز شهادتهن؟ قال: نعم تجوز شهادتهن في الحقوق. وذكر ابن حزم: أنهم اختلفوا في شهادة امرأة مع يمين الطالب ودون يمينه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣١٦ - ٣١٧]. - وقال أيضا: (قوله (٣): «والوكالة في المال والإيصاء إليه». تبع فيه القاضي وغيره، قال القاضي: لأنها إن لم تكن مالا، فإنها تتضمن التصرف في المال، والدليل كما تقدم. وقد نقل عنه البرزاطي في الرجل يوكل وكيلا ويشهد على نفسه رجلا وامرأتين: إن كانت الوكالة بمطالبة بدين فأما غير ذلك فلا.

стр. 1118

وقال في رواية بكر بن محمد عنه: لا يقبل قوله إن وصى حتى يشهد الموصي رجلان عدلان، أو رجل عدل. قال القاضي: فظاهر هذا قبول الشاهد واليمين في الوصية والوكالة، وكلام جماعة يقتضي: أنه لا فرق بين الوكالة في المال وغيره والإيصاء إليه فيه وغيره، بل صريح كلام بعضهم، وأنه هل يقبل في ذلك رجل وامرأتان، أو شاهد ويمين، أو لا يقبل إلا رجلان؟ فيه روايتان. وقال الشيخ تقي الدين: نصه في الوكالة: فرق فيه بين الوكالة بمال وبين الوكالة بغيره، وأما الوصية فقد أطلق فيها رجل عدل، وتقدم نصه أيضا: أنه يقبل فيها شهادة النساء منفردات، فقد يقال: لا يفتقر في هذا إلى يمين، لأنه لا خصم جاحد فيه، لا في الحال ولا في الاستقبال، وهو يشبه القتل لاستحقاق السلب، وتحليف الوصي فيه نظر، لأنه لا يجر بهذا إلى نفسه منفعة بخلاف الموصى له، وقد قبل الناس شهادة رجاء بن حيوة بالعهد إلى عمر بن عبد العزيز وهو وحده، وما زال الولاة يرسلون الواحد في الولاية والعزل. وقال أيضا: وعلى طريقة أصحابنا في البينة هو الشاهد الواحد، وإنما اليمين احتياط، فهذا يقتضي شيئين: أحدهما: أنه لا يحتاج إليها إلا إذا كان ثَمَّ معارض، وفي دعوى السلب لا معارض، وعلى هذا يخرج حديث أبي قتادة. والثاني: أنه لو كان الحق لصبي أو مجنون لم يحتج إلى يمين، وفي هذا نظر إلا إذا كان على ميت أو صبي أو مجنون، ولعل حديث خزيمة بن ثابت يخرج على هذا.

стр. 1119

ونص أحمد في الوصية: «أو رجل عدل» ظاهر هذا أنه يقبل في الوصية شهادة رجل واحد. وقال عقيب رواية ابن صدقة في شهادة النساء في الوصية: ظاهر هذا: أنه أثبت الوصية بشهادة النساء على الانفراد إن لم يحضره الرجال. قال القاضي: المذهب في هذا كله أنه لا يثبت إلا بشاهدين. انتهى كلامه. وقال ابن عقيل عقيب رواية ابن صدقة: وهذا يشهد له من أصله قوله: «تقبل شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر». انتهى كلامه. ووجه رواية القبول: بأنه عقد لا يفتقر في صحته إلى الشهادة، فهو كعقد البيع. قال القاضي في بحث المسألة: ولا يلزم القضاء لأنه قد يجوز أن يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وهو إذا كانت ولايته خاصة في المال فادعى أنه قاض فأنكره أهل ذلك البلد وأقام شاهدا وامرأتين قُبِلَ ذلك. والخلاف فيما إذا كانت الوكالة بعوض وبغير عوض سواء، ونسلم أن الأجل وخيار الشرط يثبت بشاهد وامرأتين. جعله محل وفاق، ولأنه يوكل في استيفاء حق، فتثبت الوكالة له بما يثبت به ذلك الحق، كالوكالة بعقد النكاح والحد والقصاص، واحتج به القاضي وسلم لهم: أن الوكالة بالنكاح والطلاق والقصاص والحدود لا تثبت إلا بذكرين. قاله الشيخ تقي الدين.

стр. 1120

قال القاضي: واحتج بعضهم بأنها ولاية فلم تثبت إلا بشاهدين كولاية القضاء. قال القاضي: الوكالة ليست ولاية، بل استنابة، وأما القضاء فهو يتضمن ما يثبت بشاهد وامرأتين، وهو المال، وما يثبت بشاهدين، وهو الحقوق، وعقد النكاح والوكالة المختلف فيها هي المتضمنة للمال حسب. قال الشيخ تقي الدين: القضاء وإن كان في المال فقط فهو متضمن الإلزام والعقوبة بالحبس ونحوه، والوكالة لا تتضمن إلا مجرد القبض، ومعلوم أن المدعي لو ادعى الملك ليثبت هو ولوازمه فوكالة المالك أخف من دعوى الملك، لأن حق الوكيل دون حق المالك، فإذا ثبت الكل فجزؤه أولى، بخلاف القاضي فإنه يثبت له مالا يثبت للمالك) [النكت على المحرر: ٢/ ٣١٧ - ٣١٩]. - وقال أيضا: (قوله (١): «وما عدا ذلك .... إلى قوله: خاصة». توجيه ذلك يعرف مما تقدم، وتقدم الكلام في الإيصاء والتوكيل في غير مال. وقد قال الشيخ تقي الدين: قال القاضي في «تعليقه» في ضمن مسألة تعديل المرأة: هذا مبني على أن شهادة النساء هل تقبل فيما لا يقصد به

стр. 1121

المال، ويطلع عليه الرجال كالنكاح؟ وفيه روايتان. فجعل الروايتين عامتين في هذا الصنف، حتى أدرج فيه التزكية إذا قلنا هي شهادة. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤] (١). وانظر: ما سبق برقم (١٤٥٩). ١٥٢٩ - إذا أتى برجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، فيما يوجب القود: - قال ابن مفلح: (قوله (٢): «ومن أتى برجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، فيما يوجب القود: لم يثبت به قود ولا مال». قطع به القاضي في «التعليق» وجماعة من الأصحاب، وعللوا ذلك بأن القتل يوجب القصاص، والمال بدل منه، فإذا لم يثبت الأصل لم يجب بدله. وإن قلنا: موجبه أحد شيئين= لم يتعين أحدهما إلا بالاختيار، فلو أوجبنا الدية وحدها أوجبنا معينا. وقد تقدم (٣) كلام ابن عبد القوي في قوله: «فإن قلنا بالقبول في الجناية المذكورة». وقد علل الشيخ تقي الدين هذه المسألة بأن المشهود عليه غير معين، قال: وهذا التعليل إنما يجيء في بعض الصور إذا كان على العاقلة.

стр. 1122

قوله (١): «وعنه (٢): يثبت المال إن كان المجني عليه عبدًا، نقلها ابن منصور». قال الشيخ تقي الدين: لاختلاف المستحق في العبد كما في الحدود والحقوق، لكن في الواجب أحدهما، وهناك جميعهما، كما أن في القود شيئين لو أخذ، فهي أربعة أقسام، لأنه إما الاثنان أو أحدهما على البدل لواحد أو لاثنين، لكن إن كان الحقان لاثنين متلازمين كالخلع لم يقبل، وإن كانا غير متلازمين كالقطع والتعزير قبلت، فصارت خمسة. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٢٥]. ١٥٣٠ - قبول شهادة المرأة فيما لا يطلع عليه إلا النساء: - قال ابن القيم: (قال شيخنا ابن تيمية ـ -رحمه الله تعالى- ـ: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى، إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط. وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ ، حيث قال: «وأما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل» فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل، لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة لم

стр. 1123

تكن فيه على نصف رجل، وما تقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هي أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها، من غير توقف على عقل، كالولادة، والاستهلال، والارتضاع، والحيض، والعيوب تحت الثياب، فإن مثل هذا لا ينسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى إعمال عقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها، من الإقرار بالدين وغيره، فإن هذه معان معقولة، ويطول العهد بها في الجملة) [الطرق الحكمية ١١٦]. - وقال ابن مفلح: (قوله (١): «ومالا يطلع عليه الرجال، كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة، والثيوبة والولادة، والحيض والرضاع ونحوه تقبل فيه امرأة». لا بد من عادة أو غالبا، قاله الشيخ تقي الدين وغيره، وهو صحيح، وهذا هو المنصوص في المذهب، وذكر القاضي أنه أصح الروايتين، وأن الإمام أحمد نص عليه في رواية الجماعة ... قوله: «وعنه: يفتقر إلى امرأتين» ... قال الشيخ تقي الدين: وعن أحمد ما يقتضي أن قبول الواحدة إنما هو إذا لم يكن غيرها، وقوله في رواية أبي طالب: تقبل شهادة القابلة بالاستهلال هذه ضرورة= يدل عليه. وذكر القاضي عند مسألة تعديل الواحد: أنه تجوز شهادة الطبيب في الجراحة، وكل موضع يضطر إليه فيه، مثل القابلة إذا لم يكن إلا طبيب واحد، أو بيطار واحد.

стр. 1124

ومقتضى هذا: أنه في العيوب التي تحت الثياب إن وجد امرأتان، وإلا اكتفي بواحدة كما في البيطار. انتهى كلامه. وذكر أيضًا أن القاضي جعل الشرط في ذلك دون القابلة، وقد تقدم وجه هذا) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٩]. - وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: قال أصحابنا: والاثنتان أحوط، وليس الرجل أحوط من المرأة، جعله القاضي محل وفاق. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٣١]. - وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: حديث أبى مسروعة في الأمة الشاهدة بالرضاع يستدل به على شهادة المرأة الواحدة، وعلى شهادة الأمة، وعلى أن الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة على الشهادة، وعلى أن الشهادة بالرضاع المطلق تؤثر، حملا للفظ المطلق على ماله قدر. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٣١]. - وقال أيضا: (روى الخلال عن الإمام أحمد، أنه قال: وسئل: هل تجوز شهادة امرأة في الاستهلال والحيض والعدة والسقط والحمَّام؟ قال: كل ما لا يطلع عليه إلا النساء تجوز شهادة امرأة واحدة إذا كانت ثقة. ونص الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه على قبول شهادة المرأة في الحمَّام يدخله النساء بينهن جراحات. وقال حنبل: قال عمي: ولا تجوز إلا فيما لا يراه الرجال. ووجه ابن عقيل عدم قبول شهادة الصبيان في الجراح في الصحراء بأن قال: لأنه لو قبل لأجل العذر لقبل شهادة النساء بعضهن على بعض في

стр. 1125

الجراح في الحمَّامات، بل حمَّام النساء لا يدخله رجل قط، والصحراء قد لا تخلو من رجل. فلو جاز هنا لعذر لجاز في شهادة النساء في تجارحهن في الحمَّامات. وقالت المالكية، وإحدى الروايات عن أحمد: إن الجراحة تدعو إلى قبول شهادتهم في هذا الموضع كما دعت الحاجة إلى قبول شهادة النساء منفردات في الولادة، لأنهن يخلون بها. قالوا: ولهذا قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه في المرأة تشهد على ما لا يحضره الرجال من إثبات إهلال الصبي، وفي الحمَّام يدخله النساء فيكون بينهن الجراحات. قال القاضي في «التعليق» ضمن مسألة شهادة الصبيان: الجواب: أنه ليس العادة أن الصبيان يخلون في الأهداف أن يكون معهم رجل، بل لا بد أن يكون معهم من يعلمهم أو ينظر إليهم، فلا حاجة تدعو إلى قبول شهادتهم على الانفراد. ثم نقول: إذا كان الشخص على صفة لا تقبل شهادته لم يجز قبولها وإن لم يكن هناك غيره، ألا ترى أن النساء يخلو بعضهن ببعض في المواسم والحمَّامات، وربما يجني بعضهن على بعض ولا تقبل شهادة بعضهن على بعض على الانفراد، وكذلك قطاع الطريق والمحبسون بها لا تقبل شهادة بعضهم على بعض، وإن لم يكن معهم غيرهم. قال الشيخ تقي الدين: الصورة التي استشهد بها قد نص الإمام أحمد على خلاف ما قاله، لكنه ملحق، وعلى المنصوص هنا أن كل مجمع للنساء
следующие страницы →