المال، ويطلع عليه الرجال كالنكاح؟ وفيه روايتان.
فجعل الروايتين عامتين في هذا الصنف، حتى أدرج فيه التزكية إذا قلنا هي شهادة. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤] (١).
وانظر: ما سبق برقم (١٤٥٩).
١٥٢٩ - إذا أتى برجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، فيما يوجب القود:
- قال ابن مفلح: (قوله (٢): «ومن أتى برجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، فيما يوجب القود: لم يثبت به قود ولا مال».
قطع به القاضي في «التعليق» وجماعة من الأصحاب، وعللوا ذلك بأن القتل يوجب القصاص، والمال بدل منه، فإذا لم يثبت الأصل لم يجب بدله.
وإن قلنا: موجبه أحد شيئين= لم يتعين أحدهما إلا بالاختيار، فلو أوجبنا الدية وحدها أوجبنا معينا.
وقد تقدم (٣) كلام ابن عبد القوي في قوله: «فإن قلنا بالقبول في الجناية المذكورة».
وقد علل الشيخ تقي الدين هذه المسألة بأن المشهود عليه غير معين، قال: وهذا التعليل إنما يجيء في بعض الصور إذا كان على العاقلة.
стр. 1122
قوله (١): «وعنه (٢): يثبت المال إن كان المجني عليه عبدًا، نقلها ابن منصور».
قال الشيخ تقي الدين: لاختلاف المستحق في العبد كما في الحدود والحقوق، لكن في الواجب أحدهما، وهناك جميعهما، كما أن في القود شيئين لو أخذ، فهي أربعة أقسام، لأنه إما الاثنان أو أحدهما على البدل لواحد أو لاثنين، لكن إن كان الحقان لاثنين متلازمين كالخلع لم يقبل، وإن كانا غير متلازمين كالقطع والتعزير قبلت، فصارت خمسة. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٢٥].
١٥٣٠ - قبول شهادة المرأة فيما لا يطلع عليه إلا النساء:
- قال ابن القيم: (قال شيخنا ابن تيمية ـ -رحمه الله تعالى- ـ: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى، إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط.
وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ ، حيث قال: «وأما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل» فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل، لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة لم
стр. 1123
تكن فيه على نصف رجل، وما تقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هي أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها، من غير توقف على عقل، كالولادة، والاستهلال، والارتضاع، والحيض، والعيوب تحت الثياب، فإن مثل هذا لا ينسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى إعمال عقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها، من الإقرار بالدين وغيره، فإن هذه معان معقولة، ويطول العهد بها في الجملة) [الطرق الحكمية ١١٦].
- وقال ابن مفلح: (قوله (١): «ومالا يطلع عليه الرجال، كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة، والثيوبة والولادة، والحيض والرضاع ونحوه تقبل فيه امرأة».
لا بد من عادة أو غالبا، قاله الشيخ تقي الدين وغيره، وهو صحيح، وهذا هو المنصوص في المذهب، وذكر القاضي أنه أصح الروايتين، وأن الإمام أحمد نص عليه في رواية الجماعة ...
قوله: «وعنه: يفتقر إلى امرأتين» ...
قال الشيخ تقي الدين: وعن أحمد ما يقتضي أن قبول الواحدة إنما هو إذا لم يكن غيرها، وقوله في رواية أبي طالب: تقبل شهادة القابلة بالاستهلال هذه ضرورة= يدل عليه.
وذكر القاضي عند مسألة تعديل الواحد: أنه تجوز شهادة الطبيب في الجراحة، وكل موضع يضطر إليه فيه، مثل القابلة إذا لم يكن إلا طبيب واحد، أو بيطار واحد.
стр. 1124
ومقتضى هذا: أنه في العيوب التي تحت الثياب إن وجد امرأتان، وإلا اكتفي بواحدة كما في البيطار. انتهى كلامه.
وذكر أيضًا أن القاضي جعل الشرط في ذلك دون القابلة، وقد تقدم وجه هذا) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٩].
- وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: قال أصحابنا: والاثنتان أحوط، وليس الرجل أحوط من المرأة، جعله القاضي محل وفاق. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٣١].
- وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: حديث أبى مسروعة في الأمة الشاهدة بالرضاع يستدل به على شهادة المرأة الواحدة، وعلى شهادة الأمة، وعلى أن الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة على الشهادة، وعلى أن الشهادة بالرضاع المطلق تؤثر، حملا للفظ المطلق على ماله قدر. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٣١].
- وقال أيضا: (روى الخلال عن الإمام أحمد، أنه قال: وسئل: هل تجوز شهادة امرأة في الاستهلال والحيض والعدة والسقط والحمَّام؟ قال: كل ما لا يطلع عليه إلا النساء تجوز شهادة امرأة واحدة إذا كانت ثقة.
ونص الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه على قبول شهادة المرأة في الحمَّام يدخله النساء بينهن جراحات.
وقال حنبل: قال عمي: ولا تجوز إلا فيما لا يراه الرجال.
ووجه ابن عقيل عدم قبول شهادة الصبيان في الجراح في الصحراء بأن قال: لأنه لو قبل لأجل العذر لقبل شهادة النساء بعضهن على بعض في
стр. 1125
الجراح في الحمَّامات، بل حمَّام النساء لا يدخله رجل قط، والصحراء قد لا تخلو من رجل.
فلو جاز هنا لعذر لجاز في شهادة النساء في تجارحهن في الحمَّامات.
وقالت المالكية، وإحدى الروايات عن أحمد: إن الجراحة تدعو إلى قبول شهادتهم في هذا الموضع كما دعت الحاجة إلى قبول شهادة النساء منفردات في الولادة، لأنهن يخلون بها.
قالوا: ولهذا قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه في المرأة تشهد على ما لا يحضره الرجال من إثبات إهلال الصبي، وفي الحمَّام يدخله النساء فيكون بينهن الجراحات.
قال القاضي في «التعليق» ضمن مسألة شهادة الصبيان: الجواب: أنه ليس العادة أن الصبيان يخلون في الأهداف أن يكون معهم رجل، بل لا بد أن يكون معهم من يعلمهم أو ينظر إليهم، فلا حاجة تدعو إلى قبول شهادتهم على الانفراد.
ثم نقول: إذا كان الشخص على صفة لا تقبل شهادته لم يجز قبولها وإن لم يكن هناك غيره، ألا ترى أن النساء يخلو بعضهن ببعض في المواسم والحمَّامات، وربما يجني بعضهن على بعض ولا تقبل شهادة بعضهن على بعض على الانفراد، وكذلك قطاع الطريق والمحبسون بها لا تقبل شهادة بعضهم على بعض، وإن لم يكن معهم غيرهم.
قال الشيخ تقي الدين: الصورة التي استشهد بها قد نص الإمام أحمد على خلاف ما قاله، لكنه ملحق، وعلى المنصوص هنا أن كل مجمع للنساء
стр. 1126
لا يحضره الرجال لا تقبل شهادتهن فيه كالشهادة على الولادة.
وليس بين هذا وبين ما سلمه القاضي وغيره فرق، إلا أن المشهود به في الحمَّام ونحوها لا يقع غالبا، بخلاف الاستهلال ونحوه، فإنه يقع غالبًا، ولا يشهده إلا النساء، ولهذا فرق المالكية بين الصبيان والنساء بأن الصبيان اجتماعهم مظنة القتال بخلاف النساء.
وأيضا فإن الاستهلال ونحوه هو جنس لا يطلع عليه الرجال، وجراح الحمَّام ونحوها جنس يطلع عليه الرجال، وإنما كونه في الحمَّام هو الذي منع الاطلاع، وهذا نظير نص أحمد على قبول شهادة البيطار والطبيب ونحوه للضرورة، فصارت الضرورة مؤثرة في الجنس وفي العدد.
فيتوجه على هذا أن تقبل شهادة المعروفين بالصدق، وإن لم يكونوا ملتزمين للحدود عند الضرورة، مثل الحبس وحوادث البر وأهل القرية الذين لا يوجد فيهم عدل، وله أصول:
أحدها: شهادة أهل الذمة في الوصية إذا لم يكن مسلم، وشهادتهم على بعضهم في قول.
الثاني: شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال.
الثالث: شهادة الصبيان فيما لا يشهده الرجال، ويظهر ذلك بمحتضر في السفر إذا حضر اثنان كافران واثنان مسلمان مصدقان ليسا بملازمين للحدود، واثنان مبتدعان، فهذان خير من الكافرين، والشروط التي في القرآن إنما هي شروط التحمل لا الأداء، وقد ذكر القاضي هذا المعنى في
стр. 1127
مسألة شهادة أهل الكتاب على الوصية فقال ــ لما قاس على شهادة النساء منفردات ــ فقال: الضرورة قد تؤثر في الشهادات بدليل شهادة النساء على الانفراد فيما لا يطلع عليه الرجال.
فإن قيل: الأنوثة لا تؤثر في الدين وفي العدالة، وهذا يؤثر في العدالة فيما قد اعتبرت فيه.
قيل: لا يمنع أن يسقط اعتبارها لأجل الضرورة، كما قالوا: العدالة معتبرة في ولاية النكاح فسقط اعتبارها بالضرورة، وهو إذا كان الأب كافرا والبنت مسلمة جاز أن يزوجها، لأنها حال ضرورة، وفقد العدالة ليس بأكثر من فقد الصفة في الشهادة، وهذا يجوز مع الضرورة كالذكورية هي شرط في الشهادة، وتسقط عند الضرورة، وهي في الحال التي لا يطلع عليها الرجال) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٣١ - ٣٣٣] (١).
وانظر: ما سبق برقم (١٤٥٩).
١٥٣١ - أجرة القابلة ونحوها:
- قال ابن مفلح: (وترك القابلة ونحوها الأجرة لحاجة المقبولة أفضل، وإلا دفعتها لمحتاج، ذكره شيخنا) [الفروع ٦/ ٥٩٤ (١١/ ٣٧٩)] (٢).
١٥٣٢ - صيغة أداء الشهادة:
- قال ابن القيم: (وإذا كان كل خبر شهادة، فليس مع من اشترط لفظ
стр. 1128
شهادة فيها دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس صحيح.
وعن أحمد فيها ثلاثة روايات، إحداهن: اشتراط لفظ الشهادة، والثانية: الاكتفاء بمجرد الإخبار، اختارها شيخنا، والثالثة: الفرق بين الشهادة على الأقوال، وبين الشهادة على الأفعال) [بدائع الفوائد ١/ ٩].
- وقال أيضا: (وقال علي بن المديني: أقول: إن العشرة في الجنة ولا أشهد بذلك. فقال الإمام أحمد: متى قلت: «هم في الجنة» فقد شهدت.
قال شيخنا: وهذا صريح من أحمد أن لفظ الشهادة ليس بشرط. قال: وهو الصحيح) [بدائع الفوائد ٤/ ٨٥٥ (٤/ ١٣٧٠)].
- وقال أيضا: ( ... وفي القصة دليل على مسألة أخرى، وهي: أنه لا يشترط في الشهادة التلفظ بلفظ: أشهد، وهذا أصح الروايات عن أحمد في الدليل، وإن كان الأشهر عند الصحابة (١) الاشتراط، وهي مذهب مالك.
قال شيخنا: ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط لفظ الشهادة) [زاد المعاد ٣/ ٤٩٢].
- وقال أيضا: (قال شيخنا: فاشتراط لفظ (الشهادة) لا أصل له في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من الصحابة، ولا يتوقف إطلاق لفظ (الشهادة) لغة على ذلك، وبالله التوفيق) [الطرق الحكمية ١٥٨].
- وقال ابن مفلح: (ولا يصح أداء شهادة إلا بلفظها، فلا يحكم بقوله:
стр. 1129
أعلم ونحوه، وعنه: تصح، اختاره أبو الخطاب وشيخنا، وفاقا لمالك وأخذها من قول علي بن المديني: أقول: إن العشرة في الجنة ولا أشهد، فقال أحمد: متى قلت فقد شهدت ... قال شيخنا: لا نعرف عن صحابي ولا تابعي اشتراط لفظ الشهادة، وفي الكتاب والسنة إطلاق لفظ الشهادة على الخبر المجرد عن لفظة: أشهد) [الفروع ٦/ ٥٩٤ - ٥٩٥ (١١/ ٣٧٩ - ٣٨٠)].
- وقال أيضاً: (قوله (١): «ولا يصح أداء الشهادة إلا بلفظها، فإن قال: أعلم، أو أحق ونحوه لم يحكم بها».
ذكره القاضي محل وفاق في مواضع، منها شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال، وذكر: أنه يعتبر فيه لفظ الشهادة، جعله محل وفاق.
ذكره الشيخ تقي الدين، ولم يحك فيه خلافا ...
وذكر الشيخ تقي الدين في موضع آخر: الحكم بذلك عن أحمد، وأخذه من مناظرته لعلي بن المديني، وأن أحمد شهد بالجنة لكل من جعله الرسول ﷺ من أهلها، فقال ابن المديني: أقول ولا أشهد، فقال له أحمد: إذا قلت فقد شهدت (٢))
стр. 1130
[النكت على المحرر ٢/ ٣ ١١ - ٣١٣] (١).
١٥٣٣ - استصحاب الحال في الحكم:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: ولا يعتبر: «وأن الدَّين باق في ذمته إلى الآن» بل يحكم الحاكم باستصحاب الحال، إذا ثبت عنده سبب (٢) الحق إجماعا) [الفروع ٦/ ٥٩٥ (١١/ ٣٨٠)] (٣).
стр. 1131
باب الشهادة على الشهادة
والرجوع عن الشهادة
١٥٣٤ - الحكم بالشهادة على الشهادة:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «ولا يحكم بها إلا إن تعذر شهادة شهود الأصل بموت، أو مرض، أو غيبة».
زاد في «المغني» وغيره: أو خوف من السلطان أو غيره، وهذا قول الأئمة الثلاثة، لأن الأدنى لا يقبل مع القدرة على الأقوى، وكسائر الإبدال.
وقال ابن عبد القوي مع ذلك: أو حبس، وفي معناه الجهل بمكانهم ولو في المصر. انتهى كلامه.
وقال أبو يوسف ومحمد: تقبل شهادة حاضر في المصر.
وقال الشيخ تقي الدين: هذا متوجه على قولنا إن شهادة الفرع خبر، ولو كان الأصل في المجلس لم تقبل الفروع، ذكره ــ يعني القاضي ــ محل وفاق.
وقد علل ــ يعني القاضي ــ بالمشقة على شهود الأصل في الحضور، وهذا تتعدد أسبابه.
قال ــ يعني القاضي ــ: ويحتمل أن نعتبر سفرًا تقصر فيه الصلاة، ويحتمل أن لا يعتبر ذلك، وتجوز مع الغيبة القصيرة، لأن مشقة السفر
стр. 1132
القصير أكثر من مشقة المريض المقيم في البلد. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٣٥].
١٥٣٥ - إنكار شهود الأصل لشهادة الفرع:
- قال ابن مفلح: (وإنكار شهود الأصل يمنع قبول شهادة الفرع، ذكره القاضي وغيره محل وفاق، وكذلك احتج المخالف في الرواية، لأنه لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين، فقال شاهدا الأصل: لا نذكر ذلك ولا نحفظه لم يجز للحاكم أن يحكم بشهادتهما، كذلك الخبر، وكذلك الحاكم إذا ادعى رجل أنه قضى له بحق على فلان، ولم يذكر القاضي فأحضر المدعي بينة على حكمه لم يرجع إليها، كذلك ههنا.
قال القاضي: والجواب أنا لا نسلم هذا في القاضي، بل نقول: يرجع، وأما شهود الفرع فإننا لم نسمع شهادتهم، لأن الشهادة أغلظ حكما وأشق طريقًا من الخبر.
قال الشيخ تقي الدين: القول في الشهود، كالقول في الحكام والمحدثين متوجه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧].
١٥٣٦ - إذا قال شاهد الأصل لشاهد الفرع: اشهد على أني أشهد:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «فيقول: أشهده على شهادتي بكذا».
قال في «المغني»: فأما إن قال: اشهد أني أشهد على فلان بكذا، فالأشبه أنه يجوز أن يشهد على شهادته، وهو قول أبي يوسف، لأن معنى ذلك: اشهد على شهادتي أني أشهد، لأنه إذا قال: اشهد فقد أمره بالشهادة
стр. 1133
ولم يسترعه، وما عدا هذه المواضع لا يجوز أن يشهد فيها على الشهادة. انتهى كلامه.
وفي كلام الشيخ تقي الدين: اشهد على أني أشهد، وقال في «الرعاية»: فيقول: أشهدك، أو اشهد على شهادتي أني أشهد لزيد على عمرو بكذا، أو أني أشهد له عليه بكذا، أو أنه عندي طوعا بكذا، أو أشهدني به عليه ... إلى أن قال: فإن سمعه فرعه يقول: اشهد له عليه بكذا، لم يشهد على شهادته به، أو قال: أشهدني فلان بكذا، أو عندي شهادته عليه بكذا، أو لفلان على فلان كذا، أو شهدت عليه به، أو أقرَّ عندي به فوجهان، أقواهما منعه.
قال: وإن سمعه خارج مجلس الحكم يقول: عندي شهادة لزيد، أو أشهد بكذا: لم يصر فرعا) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٣٨].
١٥٣٧ - كيفية أداء الفرع للشهادة:
- قال ابن مفلح: (قال في «الكافي»: ويؤدي الشهادة على الصفة التي تحملها فيقول: أشهد أن فلانا يشهد أن لفلان على فلان كذا وأشهدني على شهادته. وإن سمعه يشهد عند الحاكم، أو يعزو الحق إلى سببه= ذكره.
قال في «المستوعب» في الصورتين الأخيرتين: فيقول: أشهد على شهادة فلان عند الحاكم بكذا، أو يقول: أشهد على شهادته بكذا، وأنه عزاه إلى واجب فيؤدي على حسب ما تحمل، فإن لم يؤدها على ذلك لم يحكم بها الحاكم.
وقال في المسألة الأولى: ويشترط أن يؤدي شاهد الفرع إلى الحاكم ما تحمله على صفته وكيفيته.
стр. 1134
وقال الشيخ تقي الدين: الفرع يقول: أشهد على فلان أنه يشهد له، أو: أشهد على شهادة فلان بكذا، فإن ذكر لفظ المسترعي فقال: أشهد على فلان أنه قال: اشهد أني أشهد فهو أوضح.
فالحاصل أن الشاهد بما يسمع، تارة يؤدي اللفظ، وتارة يؤدي المعنى.
وقال أيضًا: والفرع يقول: أشهد أن فلانًا يشهد، أو: بأن فلانًا يشهد، فهو أول رتبة.
والثانية: أشهد عليه أنه يشهد، أو: بأنه يشهد.
والثالثة: أشهد على شهادته) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٣٩].
١٥٣٨ - دخول النساء في شهادة الفرع وشهادة الأصل:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «وعنه: يدخلن فيهما».
نصره في «المغني»، وقدمه في «الرعاية»، وقيد جماعة هذه الرواية فيما تقبل فيه شهادتهن مع النساء أو منفردات، وحكاه في «الرعاية» قولا، وليس كذلك.
قال القاضي في «التعليق»: إن حربًا نقل عن الإمام أحمد ما يقتضي هذه الرواية، فقال: شهادة امرأتين على شهادة امرأتين تجوز.
قال: ورأيت في «جامع الخلال»: أن هذا قول إسحاق، قال: شهادة
стр. 1135
رجل على شهادة امرأتين جائز يحكم به، فلا يضاف هذا إلى أحمد، وبهذا قال أبو حنيفة، لأن القصد من شهادتهن إثبات الحق، فكان لهن مدخل كالبيع.
قال الشيخ تقي الدين: هذا قياس المذهب في التي قبلها، بناء على أن الشهادة على الشهادة تجري مجرى الخبر، وإن ألحقناها بثبوت حكم الحاكم قوي المذهب، وهذا متوجه جدًا، فإن شاهد الفرع مسترعى كالحاكم. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٤٢].
١٥٣٩ - إذا قال شاهدا الفرع: لقد بان لنا كذب الأصول أو غلطهم:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «ولو قالا: لقد بان لنا كذب الأصول أو غلطهم لم يضمنا شيئا».
وفي كلام بعضهم إشارة إلى هذا لأنهما لم يفرطا، ولم يتسببا في إتلافه ولأنهما لو ضمنا في هذه الحال أفضى إلى عدم الشهادة على الشهادة.
وظاهر كلام جماعة الضمان، لأن إتلافه حصل بشهادتهم كالتي قبلها، والافتراق في الكذب لا يمنع الضمان، ويعرف من كلامه أنهما لو قالا: لا نعلم أنهم كذبة أو غالطون ضمنا.
وصرح به الشيخ تقي الدين، قال: لأنه من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين، وكذلك كل من شهد على إقرار أو حكم يعلم أنه باطل، وإن شهدوا على عقد يعلمون تحريمه. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٤٣].
стр. 1136
١٥٤٠ - إذا رجع شهود المال:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم ينقض، سواء قبض المال أو لم يقبض، تالفًا كان أو باقيًا».
قد أطلق في مواضع أن الشاهد يضمن، ولم يفرق بين ما قبل التلف وبعده، قاله الشيخ تقي الدين، وسيأتي في الشاهد واليمين، وذكره القاضي محل وفاق، وذكر في «المغني»: أنه قول أهل الفتيا من علماء الأمصار، لأن حق المشهود له قد وجب، فلا يزول إلا ببينة أو إقرار، ولم يوجد واحد منهما.
قال الشيخ تقي الدين: في كلام أحمد ما ظاهره أنه ينقض الحكم إذا رجعا بعد الحكم، ثم إن كان المال باقيًا أعيد، وإن كان تالفًا ضمناه.
ولفظ رواية ابن منصور يقتضي ذلك، فإنه قال: إذا شهد شهادة ثم رجع عنها وقد أتلف مالا فهو ضامن لحصته، فإنما أوجب الضمان إذا تلف المال.
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل قضى عليه بشهادة شاهدين فرجع أحد الشاهدين؟ قال: يلزمه ويرد الحكم. قيل لأبي عبد الله: وإذا قضى له بحق بشهادة شاهد ويمين المدعي، ثم رجع الشاهد؟ فقال: إذا تلف الشيء كان على الشاهد، لأنه إنما ثبت ههنا بشهادته ليس اليمين من الشهادة في شيء.
فقد نص على أنه يرد الحكم، قال: إذا تلف الشيء كان على الشاهد.
стр. 1137
وقال أحمد بن القاسم: قلت لأبي عبد الله: فإن رجع الشاهد عن الشهادة كم يغرم؟ قال: المال كله، لأنه شاهد وحده قضى بشهادته، ثم قال لي: كيف قول مالك فيها؟ قلت: لا أحفظه، قلت له بعد هذا المجلس: إن مالكا كان يقول: إن رجع الشاهد فعليه نصف الحق، لأني إنما حكمت بشيئين بشهادة ويمين الطالب. فلم أره رجع عن قوله.
وسألته عن رجوع الشهود قبل الحكم وبعده سواء؟ قال: لا، كيف يكون سواء، وقبل الحكم لم يقع شيء، ولم يؤخذ من الرجل شيء، كيف يكون هذا وذاك سواء؟ ! هذا قائم بعد بحاله.
فعلم أن الموجب للضمان بعد هذا فعل تلف المال، لا مجرد الحكم، ولكن جوابه بأن الضمان جميعه على الشاهد دون المال قد يظن أنه لا ضمان معه على الطالب، فلا ينقض الحكم، لكن مقصود أحمد: أن الشاهد هنا يطالب بجميع المشهود به، بخلاف ما لو كانا شاهدين، فإنه إذا رجع أحدهما لم يطالب إلا بنصفه.
وروى الأثرم عن ابن أبي شيبة عن وكيع قال: قال سفيان: إذا مضى الحكم جازت الشهادة، ويغرم الشاهد إذا رجع.
وعن ابن أبي شيبة عن ابن مهدي وغندر عن شعبة عن حماد قال: يرد الحكم.
ثم ذكر نص أحمد، قال: يلزمه ويرد الحكم. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥].
стр. 1138
١٥٤١ - إذا حكم في مال بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «وإذا حكم في مال بشاهد ويمين، ثم رجع الشاهد عن الشهادة غرم المال كله. نص عليه».
في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث وأبي الحارث: يضمن الشاهد جميع المال، ولا يرجع بنصفه على المشهود له، وقال: إنما ثبت الحق بشهادته.
وكذلك نقل ابن مشيش وابن بختان، وهذا قول مالك.
قال الشيخ تقي الدين: بنى القاضي المسألة على أن الحكم إنما وقع بالشهادة وإنما اليمين للاحتياط، كاليمين مع الشاهدين على الغائب، وأن اليمين قول المدعي فلا يحكم له بها، وهذه بحوث تشبه بحوث الحنفية، فإنهم لا يجعلون اليمين في جنبة المدعي قط.
ويتوجه للمسألة مأخذ آخر وهو أن اليمين هنا قول آخر، فأشبهت دعواه وقبضه، فإن الشاهد هو الذي مكنه من أن يحلف ويأخذ، كما أن الشاهدين هما اللذان مكناه من أن يأخذ، ألا ترى أنه لا يحلف إلا بعد الشهادة، بخلاف أحد الشاهدين مع الآخر.
وحقيقته أن الشاهد متسبب في الإتلاف، والحالف مباشر، ولم يمكن إحالة الحكم عليه، فيحال على السبب، وكل واحد من الشاهدين متسبب، وهذا فقه جيد، يبين به حسن فقه أبي عبد الله.
стр. 1139
وقال القاضي في «التعليق» ضمن مسألة الشاهد: إذا ادعى على ميت أو صبي أو مجنون، واستحلفه الحاكم مع بينته، فإن الحكم بالبينة لا باليمين، ذكره محل وفاق، فلو رجع الشاهدان هنا ضمنا جميع المال.
قال: وهو يستحلف عندنا إذا ألزمه الحاكم، وفيها روايتان مطلقا، فاعتذر المخالف بأن اليمين هناك على وجه الاستظهار، لأن المدعى عليه لا يعبر عن نفسه، واليمين هنا لإثبات الحق، فقال: لا نسلم أنها لإثبات الحق، وإنما هي للاحتياط، وإنما يثبت الحق بالشاهد.
قال الشيخ تقي الدين: وهذا يؤيد أن الروايتين في مسألة الغائب: أن يحلف على ثبوت الحق المشهود به لا على بقائه، كما في الشاهد واليمين، إذ لولا ذلك لكان عذر المخالف عن تلك المسألة ظاهرًا، لأن المحلوف عليه غير المشهود به.
قوله (١): «وقيل: يغرم النصف».
خرجه أبو الخطاب من رد اليمين على المدعي، وهو قول الشافعي، وحكاه بعضهم عن مالك، ورواية عن الشافعي يرجع بنصفه على المشهود له.
قال الشيخ تقي الدين: وهذه العبارة ليست بجيدة إلا فيما إذا رجعا معًا، وفي هذه الصورة قرار الجميع على المشهود له، وأما الشاهد فيضمن، إما الجميع وإما النصف، ويرجع به) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢].
стр. 1140
١٥٤٢ - إذا رجع شهود الطلاق:
- قال ابن مفلح: (وإن رجع شهود طلاق فلا غرم إلا قبل الدخول نصف المسمى أو بدله، وعنه: وبعده كله، وذكر شيخنا وجها: مهر المثل) [الفروع ٦/ ٥٩٩ (١١/ ٣٨٩ - ٣٩٠)] (١).
١٥٤٣ - إذا رجع شهود التزكية:
- قال ابن مفلح: (قوله (٢): «ويضمن شهود التزكية إذا رجعوا عنها ما يضمنه من زكوهم لو رجعوا».
وكذا ذكره الشيخ موفق الدين محل وفاق، قاس عليه رجوع شهود الأصل، لأن الحكم ينبني على شهادتهم كشهود الفرع.
فصل
قال الشيخ تقي الدين: وإذا تبين خطأ الشهود أو كذبهم أو خطأ المزكين، فهنا الحكم باطل، لكن ينبغي أن تكون الشهادة أو التزكية سببًا للضمان والقرار على المتلف، بخلاف الرجوع، فإنه لا ضمان إلا على الراجع. انتهى كلامه.
ولعل هذا المعنى يؤخذ من كلام الشيخ موفق الدين وغيره.
وقال القاضي: لو شهدا عليه بالقرض فحكم الحاكم عليه بالمال وسلمه إلى المقرض، ثم أقام المشهود عليه البينة بعد ذلك: أنه كان قضاه لم
стр. 1141
يضمن شهود القرض، لأنه لم يكن في شهادتهم إثبات المال في الحال، ولو كانوا شهدوا بأن لفلان عليه ألف درهم، فحكم الحاكم بشهادتهم، ثم أقام المقضي عليه البينة: أنه كان قضاه قبل ذلك ضمن الشهود الذين شهدوا بالمال. ذكره محل وفاق مع الحنفية.
قال الشيخ تقي الدين: وهذا يقتضي أن خطأ الشهود موجب للضمان كرجوعهم، وإن ظهر ذلك ببينة، كما قيل في شاهد الزور: قد يظهر كذبه بإقرار، أو تبيين، لكن هنا قالوا: ببينة.
قال الشيخ تقي الدين: وكذا يجب، فإن الشهادة إذا كانت باطلة، فسواء علم بطلانها برجوعهم أو بطريق آخر، وكذلك التزكية لو ظهر فسق الشهود ضمن المزكون، وكذلك يجب أن يكون في الولاية، لو أراد الإمام أن يولي قاضيًا أو واليًا لا يعرفه، فسأل عنه، فزكاه أقوام ووصفوه بما يصلح معه للولاية ثم رجعوا، أو ظهر بطلان تزكيتهم، فينبغي أن يضمنوا ما أفسده الوالي والقاضي، وكذلك لو أشاروا عليه، أو أمروه بولايته، فإن الآمر بالأمر بمنزلة الشهادة بالشهادة، لكن الذي لا ريب في ضمانه: من تعمد المعصية، مثل أن يعلم منه الخيانة أو العجز، ويخبر عنه بخلاف ذلك، أو يأمر بولايته، أو يكون لا يعلم بحاله ويزكيه، أو يشير به، فأما إذا اعتقد صلاحه وأخطأ، فهذا معذور، والسبب هنا ليس محرما، وعلى هذا فالمزكي للعامل من المقرض والمشتري والوكيل كذلك، فالتزكية أبدًا جنس واحد، وأما الأمر: فهو نظير التزكية التي هي خبر. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣].
стр. 1142
١٥٤٤ - إذا رجع شهود الحق قبل الحكم:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «وإذا رجع شهود الحق قبل الحكم لغت شهادتهم، ولم يضمنوا».
وهذا قول عامة العلماء، لأنها شرط الحكم، فيشترط استدامتها إلى انقضائه كعدالتها، ولأن رجوعها يظهر كذبها، ولأنه يزول ظنه في أن ما شهد به حق، كما لو تغير اجتهاده. وقد قال الإمام أحمد في رواية الأثرم ــ في شاهدين شهدا على رجل بألف درهم، فقال أحدهما بعد إقامة الشهادة: قد قضاه منها خمسمائة درهم ــ: قد أفسد ما شهد به إذا كان بحضرة ذلك، ولو جاء بعد هذا المجلس، فقال: أشهد أنه قضاه منها خمسمائة = لم يقبل، لأنه قد أمضى الشهادة.
قال ابن عقيل: وظاهر هذا من كلامه: أنه لم يعتبر حكم الحاكم، وإنما اعتبر انقضاء المجلس، وهو محمول على أن الإمام أحمد أبطل شهادته في قدر المرجوع فيه قبل أن يحكم الحاكم بشهادتهما.
وقال الشيخ تقي الدين ــ عقيب هذا النص ــ: وشهادته بالقضاء رجوع، أو بمنزلة الرجوع، وقد قال: إذا كان في غير ذلك المجلس لم يقبل، لأن الشهادة عند الحاكم قد تعلق بها حق المشهود له، وثبتت عنده؛ فرجوعه حينئذ كرجوعه بعد الحكم، لكن لم يذكر ضمانه للمشهود عليه، إما لعدم الحاجة، أو كمذهب الشافعي. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤].
стр. 1143
١٥٤٥ - إذا شهد بعد الحكم بمناف للأوّلة:
١٥٤٦ - وضمان الشاهد ما غرمه الوكيل بسببه:
- قال ابن مفلح: (ومن شهد بعد الحكم بمناف للأولة فكرجوعه وأولى، قاله شيخنا.
وقال في شاهد قاس بكذا، وكتب خطه بالصحة فاستخرج الوكيل على حكمه، ثم قاس وكتب خطه بزيادة، فغرم الوكيل الزيادة، قال: يضمن الشاهد ما غرمه الوكيل من الزيادة بسببه، تعمد الكذب أو أخطأ، كالرجوع) [الفروع ٦/ ٦٠ ١ (١١/ ٣٩٣)] (١).
١٥٤٧ - تأديب شاهد الزور:
- قال ابن مفلح: (قوله (٢): «وإذا علم الحاكم بشاهد الزور بإقراره، أو تبين كذبه يقينا عزره وطاف به حتى يشتهر أمره، ويقال: إنا وجدناه شاهد زور فاجتنبوه».
قال الإمام أحمد في رواية عبد الله وإسحاق بن إبراهيم في شاهد الزور: يطاف به في حيه ويشهر أمره، ويؤدب أيضًا ما به بأس.
وقال في رواية ابن منصور: ويقام للناس ويعرف ويؤدب.
وهكذا في رواية يعقوب: يشهر أمره.
وبهذا قال مالك والشافعي، لأنه قول محرم يضرّ به الناس لا كفارة فيه، أشبه السب والقذف، ولأن فيه زجرا.
стр. 1144
وذكر القاضي في تعزير الإمام على الظهار وجهين، وفرق غيره بأن فيه كفارة، وبأنه يختص بنفسه، ولو سب نفسه أو شتمها لم يعزر، ولو سب غيره وشتمه عزر.
قال الشيخ تقي الدين: هذا مع قوله: إن كل معصية لا حدّ فيها ولا كفارة يجب فيها التأديب والتعزير. انتهى كلامه.
وقال أبو حنيفة: لا يعزر، ثم حكى أنه يوقف في قومه، ويقال: إنه شاهد زور. وحكي عنه: عدمه، ووافق أنه إذا كان مصرا فعل به ذلك، لكن إذا ظهر منه الندم والتوبة لم يعزر، وقد روي عن عمر ﵁ أنه كتب فيه: «أن يجلد ظهره ــ وفي رواية: أربعين ــ، ويسخم وجهه، ويطال حبسه، ويطاف به» وفي رواية: «يحلق رأسه»، والأسانيد فيها ضعف.
فتأولت الحنفية ذلك على أنه كان مصرا، ولهذا جمع بين التعزير والحبس والتسخيم، قالوا: وعندكم يفعل التسخيم والحبس والتعزير؟
فقال القاضي: الظاهر يقتضي الجمع بينهما، لكن قام دليل الإجماع على إسقاط الحبس.
قال الشيخ تقي الدين: قال الإمام أحمد: يؤدب، والأثران عن عمر هو رواهما، فلعل الأدب عنده هو ما رواه عن عمر. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦].
- وقال أيضا: (واحتج الحنفية، فقالوا: الرجوع عن القول الموجب ــ وهو الإقرار بالزنا ــ أسقط عنه الحد، فالرجوع عن القول الذي يوجب التعزير، وهو التزوير على المشهود عليه أولى أن يسقط عنه.
стр. 1145
فقال القاضي: والجواب: أنه ليس الخلاف فيمن تاب، وإنما الخلاف فيمن ثبت عليه أنه شهد بالزور، إما بقيام البينة على إقراره بذلك، أو بعلم الحاكم به قطعا، بأن شهد بقتل رجل والحاكم يعلم أنه لم يقتل، وهو أن يكون الرجل عنده وقت القتل، أو يكون الذي يدعي أنه مقتول حيٌّ لم يقتل، فأما إذا تاب فإنا لا نعزره، وقيل: لا يسقط التعزير بالتوبة، لأنه قد تعلق بحق آدمي، وهو شهادته عليه، وحقوق الآدميين لا تؤثر فيها التوبة.
قال الشيخ تقي الدين: أما إذا تاب بعد الحكم فيما لا يبطل برجوعه فهنا قد تعلق به حق آدمي، ثم تارة يجيء إلى الإمام تائبا فهذا بمنزلة قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه، وتارة يتوب بعد ظهور تزويره فهنا لا ينبغي أن يسقط عنه التعزير) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨] (١).
١٥٤٨ - الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة على الشهادة:
- قال ابن مفلح: (قال الشيخ تقي الدين: الإقرار بالشهادة هل يكون بمنزلة الشهادة على الشهادة؟ فيه حديث الأمة السوداء في الرضاع، فإن عقبة بن الحارث أخبر النبي ﷺ أن المرأة أخبرته أنها أرضعتهما، فنهاه عنها من غير سماع من المرأة، وقد احتج به الأصحاب في قبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، فلولا أن الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة ما صحت الحجة، وهو ظاهر ... (٢)) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨] (٣).
стр. 1146
كتاب الإقرار
١٥٤٩ - الإقرار إما أن يعلم كذبه أو يعلم صدقه أو يحتمل الأمرين:
- قال ابن مفلح: (قال الشيخ تقي الدين: إن الإقرار ينقسم إلى:
ما يعلم كذبه، كإقراره لمن هو أكبر منه أنه ابنه، ومن هذا الجنس كل إقرار بحق أسنده إلى سبب وذلك السبب باطل، مثل أن يقر أن له في تركة أبيه ثلثها بجهة الإرث وليس بوارث، أو أن لفلان عليَّ كذا من ثمن كذا أقرض كذا أو نكاح كذا، إذا كان السبب لا يثبت به ذلك الحق، فحيثما أضاف الحق إلى سبب باطل فهو باطل.
وإن أضافه إلى سبب يصلح أن يكون حقًا لكن قد علم ارتفاعه، مثل أن يقول: له عليَّ ألف من ثمن هذه الدار، ويكون المشتري قد أبرأه قبل ذلك، أو: لها عليَّ صداقها، وتكون قد أبرأته منه قبل ذلك، أو: له عليَّ حقه من إرث أبي، ويكونان قد اصطلحا قبل ذلك وتبارآ، فهذا أيضا كذلك، لأن الإقرار إخبار فإذا كان الخبر قد علم كذبه وبطلانه كان باطلا.
قال: وإلى ما يعلم صدقه، كإقراره بأن هذا المال الذي خلفه أبوه هو بينه وبين أخيه ابن الميت نصفين.
وإلى ما يحتمل الأمرين، فالأصل فيه التصديق، إلا أن يثبت ما يعارضه مما يقفه أو يرفعه.
فالأول: مثل تكذيب المقر له، فإنه أيضًا خبر، فليس تصديق أحدهما أولى من الآخر، فيعود الأمر كما كان.
стр. 1147
وأما الثاني: فالبينات، فإذا قامت البينة بأنه كان مكرها على إقراره، فإقرار المكره لا يصح أيضًا، وإن أمكن أن يكون مطابقا، كان إقرار تلجئة، وهو أن يتفق المقر والمقر له على الإقرار ظاهرا، مثل بقاء المقر به للمقر فهو باطل، فإذا شهدت بينة بأنهما اتفقا قبل الإقرار كان ذلك مبطلا لهذا الإقرار، وإذا كان الإقرار إنشاء في الباطن مثل إقرار المريض لمن يقصد التبرع له، إما بعطية وإما بإبراء فيجعل الإنشاء إقرارا لينفذ.
قال: فإذا قامت البينة بأنهما اتفقا قبل الإقرار على ذلك مثل أن يشهد الشاهد أنه قيل للمريض: أعط فلانا ألف درهم، أو أوص له بها، فقيل له: بل اجعل ذلك إقرارا، أو أنه قال المريض: كيف أصنع حتى أعطي فلانا ألفا من أصل المال؟ فقيل له: أقر له بها، أو: أن اثنين تراضيا على ذلك ثم أمرا به المريض، فإنه يجب العمل بهذه البينة، أو يقول: ما له عندي شيء، أو: ما لأحد عندي شيء لكن أنا مقر، أو: أقر له بألف، أو: اشهدوا عليَّ أن له عندي ألفا، أو يقول بعد ذلك: له عندي ألف، فيكون قد تقدم الإقرار ما يبطله وما ينافيه، وإن شهدت بينة بأن هذا المقر به لم يكن ملكا للمقر له، بل كان ملكا للمقر إلى حين الإقرار إن كان عينا، أو كانت ذمته بريئة منه إن كان دينا، فهل تقبل هذه البينة فإنها تضمنت نفيا؟ فينبغي أن يقال: إن كان نفيا يحاط به قبل ذلك، وإلا لم يقبل، وهل يستفصل المقر له: من أين لك هذا الملك؟ نعم.
قال: وكذلك يستفصل المدعي عند التهمة والمدعى عليه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢].
١٥٥٠ - من يملك الإقرار:
- قال ابن مفلح: (من ملك شيئا ملك الإقرار به، ومن لا فلا، وهذا
стр. 1148
المشهور في كلام الأصحاب، وثم صور مستثناة.
وقال الشيخ تقي الدين: ما يملك إنشاءه يملك الإقرار به، وما لا يملكه فإن كان مما لا يمكنه إنشاؤه بحال ملك الإقرار به أيضا، كالنسب والولاء وما يوجب القود عليه، إذ لا طريق إلى ثبوته إلا بالإقرار به، فصار كالشهادة بالاستفاضة فيما يتعذر علمه غالبا بدونها، لكن يستثنى النكاح والولد على ما فيه من الخلاف.
وإن كان مما يمكنه إنشاء سببه في الجملة كالأفعال الموجبة للعقوبة (١) قبل إذا لم يكن متهما فيه.
وأحسن من هذا أن ما لا يصح أو ما لا يحل إنشاؤه منه إن كان متهما في إقراره به لم يقبل وإلا قبل.
وهنا يتبين أن المقر شاهد على نفسه بما لا يمكنه إنشاؤه، ومن هذا إقراره بالبينونة فإنه لا يملك إنشاءها، لكنه لا يتهم على إسقاط حقه من الرجعة وسقوط حقها من النفقة ضمنا وتبعا.
وقد ذكر القاضي في إخبار الحاكم بعد العزل لما قاسه على الإخبار قبل العزل، فقيل له: المعنى في الأصل أنه يملك الحكم، فلهذا ملك الإقرار به، وليس كذلك ههنا، لأنه لا يملكه، فلم يملك الإقرار به، كمن باع عبدا ثم أقر أنه أعتقه، أو باعه بعد أن باعه، لم يقبل منه.
فقال: هذا غير ممتنع، كالوصي إذا ادعى دفع المال إلى الصبي بعد بلوغه، أو ادعى الإنفاق عليه، فإنه يقبل وإن كان في حال لا يملك التصرف عليه.
стр. 1149
وكذلك العبد المأذون إذا حجر عليه فأقر بثمن مبيع في حال الإذن، وكذلك المكاتب إذا أقر بعد العجز بثمن مبيع في حال الكتابة يقبل ذلك وإن لم يملك ذلك في حال الإقرار، كذلك ههنا.
وكذلك الموصى.
وكذلك المودع إذا ادعى رد الوديعة أو تلفها بعد عزل المودع له.
وكذلك العبد إذا أقر بجناية عمدا، فإنه يقبل إقراره وإن لم يكن مالكا لما أقر به.
قال: ولا معنى لقولهم إن دعوى النفقة لا يمكن إقامة البينة عليها، فإنه منقوض برد الوديعة يمكن إقامة البينة عليه (١) ويقبل، والإنفاق على الزوجة لا يمكن إقامة البينة عليه، ومع هذا لا يقبل قوله فيها.
قال الشيخ تقي الدين: تسمية هذه الأشياء إقرارا يجوز، وقد ذكر الجد وغيره تسمية بعض هذا إقرار.
والتحقيق أن يقال: المخبر إن أخبر بما على نفسه فهو مقر، وإن أخبر بما على غيره لنفسه فهو مدعي، وإن أخبر بما على غيره لغيره فإن كان مؤتمنا عليه فهو مخبر، وإلا فهو شاهد، فالقاضي والوكيل والمكاتب والمأذون له والوصي كل هؤلاء مأذون لهم (٢) مؤتمنون، فإخبارهم بعد العزل ليس إقرارا، وإنما هو خبر محض. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣ (٣/ ٢٠٧ - ٢٠٩)] (٣).
стр. 1150
- وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: فأما ما يملك الإنسان إنشاءه فهل يجوز إقراره به، ويجعل الإنشاء في ضمن الإقرار قاصدا بالإقرار الإنشاء، مثل أن يقر أنه ملَّك ابنه الشيء الفلاني، أو أنه قد وقف المكان الفلاني، أو أنه وقف عليه من واقف جائز الأمر، يعني نفسه؟ انتهى كلامه، والجواز متوجه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤].
١٥٥١ - إقرار التلجئة:
- قال ابن مفلح: (قال القاضي في «التعليق» ضمن مسألة النكول: الإنسان لا يكون مخيرا بين أن يقر، وبين أن لا يقر، لأنه لا يخلو إما أن يكون الحق عليه فلا يسعه أن لا يقر، أو لا يكون عليه فلا يسعه أن يقر، لأنه كاذب.
قال الشيخ تقي الدين: فأما إذا كان الإنسان ببلد سلطان ظالم، أو قطاع طريق ونحوهم من الظلمة، فخاف أن يؤخذ ماله، أو المال الذي يتركه لوارثه، أو المال الذي بيده للناس، إما بحجة أنه ميت لا وارث له، أو بحجة أنه مال غائب، أو بلا حجة أصلا، فهل للإنسان أن يقر إقرارا يدفع به ذلك الظلم ويحفظ المال لصاحبه، مثل أن يقول لحاضر: إنه ابنه، أو يقر أن له عليه كذا وكذا، أو يقر أن المال الذي بيده لفلان؟
فإن ظاهر هذا الإقرار يتضمن مفسدتين:
إحداهما: الكذب.
والثانية: صرف المال إلى من لا يستحقه عمن يستحقه، وهذا إقرار تلجئة.
أما الأول: فينبغي أن يكون كالتعريض في اليمين، فيجوز له أن يتأول
стр. 1151
في إقراره، بأن يعني بقوله: «ابني» كونه صغيرا، وبقوله: «أخي» أخوة الإسلام، وأن المال الذي بيدي له، أي: له ولاية قبضه لكوني قد وكلته في إيصاله إلى مستحقه، وإن له في ذمتي عشرة آلاف درهم، أي: له في عهدتي، أي: يستحق فيما عهدت إليه قبض ذلك ونحو ذلك، فإن النبي ﷺ كان مع أبي بكر وأقر أنه أخوه وحلف على ذلك، وكذلك إبراهيم ﵇ أقر على زوجته أنها أخته، وكذلك النبي ﷺ أقر أنهم من ماء.
وأما الثانية: فلا يجوز ذلك إلا إذا أزال هذه المفسدة، بأن يكون المقر له أمينا حقا، والاحتياط أن يشهد على المقر له أن هذا إقرار تلجئة، تفسيره كذا وكذا.
وينبغي أن يكون التعريض في الشهادة إذا خاف الشاهد من إظهار الباطن ظلم المشهود عليه كذلك، بأن يستنطق الشهادة ولا يمكن كتمانها، وكذلك التعريض في الحكم إذا خاف الحاكم من إظهار الأمر وقوع الظلم، وكذلك التعريض في الفتوى والرواية والإقرار والشهادة والحكم والفتوى والرواية ينبغي أن يكون كاليمين بل اليمين خبر وزيادة) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥] (١).
١٥٥٢ - الفرق بين الإكراه على قول الحق والإكراه على الإقرار:
- قال ابن مفلح: (وقال الخلال: من تقدم إلى الحاكم فدهش فأقر ثم أنكر.
قال إسحاق بن إبراهيم: سئل الإمام أحمد عن الرجل يقدم إلى
стр. 1152
السلطان بحق لرجل عليه، فيمدده (١) السلطان، فيدهش فيقر له، ثم يرجع بعد ما أقر به فيقول: هددني ودهشت، للسلطان أن يأخذه بما أقر به، أو يستثبت، وهو ربما علم أنه أقر بتهديده إياه؟ قال أبو عبد الله: يؤخذ بإقراره الأول.
قال الشيخ تقي الدين: السلطان هو الحاكم كما ترجم الخلال، والتهديد من الحاكم إنما يكون على أن يقول الحق، لا على أن يقر، مثل أن يقول: اعترف بالحق، أو إن كذبت عزرتك، أو إن تبين لي كذبك أدبتك، فيهدده على الكذب والكتمان، ويأمره بالصدق والبيان، فإن هذا حسن، فأما إن كان التهديد على نفس الإقرار فهذا أمر بما يجوز أن يكون حقا وباطلا ومحرما، فالأمر به حرام، والتهديد عليه أحرم، وهو مسألة الإكراه على الإقرار، ففرق بين أن يكرهه على قول الحق مطلقا، أو على الإقرار. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦ (٣/ ٢ ١١)].
١٥٥٣ - إقرار الصبي:
- قال ابن مفلح: (قال الإمام أحمد ــ في رواية مهنا ــ في إقرار اليتيم: يجوز إقراره بقدر ما أذن له الوصي في التجارة. وهو قول أبي حنيفة كالبالغ، والفرق بالتكليف لا أثر له.
وقال أبو بكر وابن أبي موسى: إنما يصح إقراره فيما أذن له في التجارة فيه في الشيء اليسير يتسامح به، كما صح تصرفه فيه بدون إذنه، أو نقول: لا يصح إقراره مطلقا، كقول مالك والشافعي.
стр. 1153
وظاهر ما رواه الأثرم عن الإمام أحمد في ابن أربع عشرة سنة كان أجيرا مع رجل فقد أستاذه شيئا، فأقر الغلام أنه أخذه ثم أنكره، فقال: لا يجب عليه إقراره حتى يأتي [أحد] (١) الحدود: الإنبات، أو الاحتلام، أو خمسة عشر (٢) سنة.
وقال القاضي في «التعليق»: وهذا محمول على أنه غير مأذون له في التجارة.
وقال الشيخ تقي الدين: ظاهر كلام الإمام أحمد أنه إذا أتى عليه الحدود صح إقراره بمثل هذا وإن لم يكن رشيدا، وهو ظاهر كلام الجد.
لكن قد يقال: يقبل في الحدود لا في الأموال، فتقطع يده ولا يغرم، كالعبد. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٦٧].
١٥٥٤ - إقرار الأب على ابنه المأذون له:
- قال ابن مفلح: (لو أقر الأب على ابنه المأذون له لم ينفذ، وذكره القاضي محل وفاق في حجة المخالف وسلمه، واعتذر بأنه لا يملك بإذنه الإقرار، وإنما يرتفع عنه الحجر بإذنه في التجارة فيجوز إقراره لنفسه.
قال الشيخ تقي الدين: هذا يشبه مذهب أبي حنيفة، وأما على أصلنا فإنما استفاد الإقرار بإذنه بدليل أنه يتقدر في قدر ما أذن فيه، وعلى أصل أبي حنيفة لا يتقدر، ولو أقر الأب بصدقة في مال ابنه فإنه يقبل، لأن الأب يملك التصرف) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٦٧].
стр. 1154
١٥٥٥ - إذا أقر من يشك في بلوغه ثم ذكر أنه لم يبلغ عند إقراره:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «وإذا أقر من يشك في بلوغه وذكر أنه لم يبلغ فالقول قوله بلا يمين».
وكذا قطع به الشيخ موفق الدين وغيره، أما كون القول قوله فلأن الأصل معه وهو الصغر، وسيأتي كلام الشيخ تقي الدين في الفصل بعده.
وأما كونه بلا يمين فكحكمنا بعدم بلوغه، وغير المكلف لا يجوز تكليفه بوجوب اليمين عليه.
قال الشيخ تقي الدين: يتوجه أن يجب عليه اليمين، لأنه إن كان لم يبلغ لم يضره، وإن كان قد بلغ حجزته فأقر بالحق. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٦٧].
- وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: قد نص أحمد على أنهما إذا اختلفا فقال: بعتك قبل أن أبلغ، وقال المشتري: بل بعد بلوغك، فالقول قول المشتري.
وهذا يتجه (٢) في الإقرار وسائر التصرفات، لأن الأصل في العقود الصحة، فإما أن يقال: هذا عام، وإما أن يفرق بين أن يتيقن أنه وقت التصرف كان مشكوكا فيه غير محكوم ببلوغه، أو لا يتيقن، فإنا هنا تيقنا صدور التصرف ممن لم تثبت أهليته، والأصل عدمها، فقد شككنا في الشرط، وهناك يجوز صدوره في حال الأهلية وحال عدمها، والظاهر صدوره وقت
стр. 1155
الأهلية، والأصل عدمه قبل وقت الأهلية، والأهلية (١) هنا متيقن وجودها) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٦٨] (٢).
- وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: سئلت عن مسألة، وهي: من أسلم أبوه فادعى أنه بالغ، فأفتى بعضهم بأن القول قوله في ذلك، وقلت: إذا لم يقر بالبلوغ إلى حين الإسلام فقد حكم بإسلامه قبل الإقرار بالبلوغ، بمنزلة ما إذا ادعت انقضاء العدة بعد أن ارتجعها، وهكذا يجيء في كل من أقر بالبلوغ بعد حق ثبت في حق الصبي، مثل الإسلام وثبوت الذمة للولد تبعا لأبيه، ولو ادعى (٣) البلوغ بعد تصرف الولي وكان رشيدا، أو بعد تزويج ولي أبعد منه.
إلا أن يقال: لا يحكم بإسلام الولد وذمته حتى يسأل: هل بلغ أو لم يبلغ؟ بخلاف تصرف الولي له أو لموليته فإن الولاية كانت ثابتة، والأصل بقاؤها، وهنا الأصل عدم إسلام الولد وذمته، فيقال في الرجعة كذلك: ينبغي أن لا تصح الرجعة حتى تسأل المرأة، ومع أن في مسألة الرجعة وجهين، على قول الخرقي ينبغي أن يكون القول قوله هنا مطلقا، كما في الرجعة، وما ذكرته على الوجه المقدم، ولم أجد فرقا بين كون المرأة مؤتمنة على فرجها في انقضاء العدة أو في بلوغها، وهكذا في كل موضع كان الإنسان مؤتمنا فيه إذا ادعى ذلك بعد تعلق الحق به.
ونظيره اختلاف الروايتين فيما إذا ادعى المجهول الرق بعد التصرف،
стр. 1156
ففيه روايتان، لكن هناك إذا قبلناه فلأن الرق حق آدمي، فالمقر به حق آدمي، بخلاف الحيض أو البلوغ فإنه سبب يثبت له وعليه به حقوق.
وقد يقال في الرجعة: لم يقبل قوله (١) لأن فيه إبطال حق آدمي، بخلاف الإسلام والذمة.
فيقال: بل إبطال الإسلام والعصمة أعظم.
ونظيره في المجهول المحكوم بإسلامه كاللقيط فاللقيط (٢) إذا ادعى الكفر بعد البلوغ. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٦٩].
١٥٥٦ - الإقرار للوارث:
- قال ابن مفلح: (وقال الشيخ تقي الدين ــ في الإقرار للوارث ــ: هنا احتمالات:
أحدها: أن يجعل إقراره للوارث كالشهادة، فترد في حق من ترد شهادته له، كالأب، بخلاف من لا ترد، ثم على هذا: هل يحلف المقر له معه كالشاهد، وهل تعتبر عدالة المقر؟ ثلاث احتمالات، ويحتمل أن يفرق مطلقا بين العدل وغيره، فإن العدل معه من الدين ما يمنعه من الكذب، ويخرجه إلى براءة ذمته، بخلاف الفاجر، وإنما حلف المقر له مع هذا
стр. 1157
للتأكيد، فإن في قبول الإقرار مطلقا فسادا عظيما، وكذا في رده مطلقا فساد وإن كان أقل، فإن المبطلين في هذا الإقرار أكثر من المحقين، وهذه الحجة لمن رده، كالشهادة مع التهمة، وكطلاق الفار. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٧٢].
- وقال أيضا: (ويجوز عندنا للميت الإقرار لجميع الورثة، ويخيرون بين أخذ المال والإقرار بالإرث. هذا لفظ القاضي، وأظنه موافقة للحنفية. قاله الشيخ تقي الدين) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٧٢].
١٥٥٧ - إذا لم يذكر في كتاب الإقرار أن المقر به كان بيد المقر:
١٥٥٨ - وإذا أقر به وأراد إنشاء تمليكه:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: وإن لم يَذْكُر في كتاب الإقرار أن المقر به كان بيد المقر، وأن الإقرار قد يكون إنشاء، كقوله: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١]، فلو أقر به وأراد: إنشاء تمليكه صح، كذا قال) [الفروع ٦/ ٦٠٥ (١١/ ٣٩٩)] (١).
١٥٥٩ - إذا أقر لامرأته بالصداق:
- قال ابن مفلح: (قوله (٢): «ولو أقر لامرأته بالصداق فلها قدر مهر المثل بالزوجية».
لا بإقراره، والذي قطع به الشيخ موفق الدين وغيره أنه يصح الإقرار،
стр. 1158
لأنه إقرار بما تحقق سببه ولم يعلم البراءة منه، أشبه ما لو اشترى عبدا من وارثه فأقر للبائع بثمن مثله.
وقيل: لا يصح، ذكره في «الرعاية»، ثم ذكر ما في «المحرر» قولا، فيكون وجه عدم الصحة أنه أقر لوارث، وهو قول الشعبي وصاحب «المحرر» تبع القاضي، وهو معنى كلامه في «المستوعب».
قال القاضي: وأما إذا أقر لزوجته بالصداق فنقل أبو طالب عنه: إذا أقر عند موته أن لامرأته عليه صداق ألف درهم، تقيم البينة أن لها صداق ألف درهم، لا يجوز إقراره لها، لعل صداقها أقل، فإن لم يكن لها بينة فصداق نسائها إذا كان ذلك يعرف، فإن لم يعرف ذلك يكون ذلك من ثلثه.
قال: فقد نص على أنه لا يقبل إقراره بالصداق على الإطلاق، وإنما يقبل ما صادف مهر المثل، لأن ثبوته بالعقد لا بإقراره، فإن تعذر مهر المثل اعتبر من ثلثه، واختلفت الرواية في قدر الصداق، فنقل أبو الحارث: مهر المثل، لأنها معاوضة في مرض الموت، أشبه ثمن المبيع، ولا يعتبر من الثلث، لأنها وصية لوارث.
ونقل أبو طالب: من الثلث، لأن الزيادة على مهر المثل محاباة لا يقابلها عوض، فهي كالمحاباة، والمحاباة هناك من الثلث فكذلك هنا.
هكذا نقل الشيخ تقي الدين كلام القاضي، ثم قال من عنده: كلامه في رواية أبي طالب يقتضي أنه إذا لم يعرف مهر المثل اعتبر ما أقر به من الثلث، لأنا قد تيقنا أن لها صداقا فلم نبطل الإقرار، ولم نعلم أن هذا كله واجب، فكأنه ملك أن يوصي به، لأنه لا طريق إلى معرفته من غيره، ووصيته من الثلث لأنه غير مصدق للوارث. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣].
стр. 1159
١٥٦٠ - إذا أقر لامرأته بدين في مرض موته ثم أبانها، ثم تزوجها:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «ولو أقر لها بدين ثم أبانها، ثم تزوجها لم يصح إقراره».
قال الشيخ تقي الدين: الفرق بين هذه وبين أن يتبرع في مرضه ظاهر، بمنزلة أن يقر ثم يصح ثم يمرض، ونظيرها أن يتبرع لأخيه، ثم ينحجب بولد يولد له، ثم يموت الولد. انتهى كلامه.
ووجه المسألة أنه أقر لوارث في مرض الموت، أشبه ما لو لم يبنها.
قال القاضي: أومأ إليه أحمد ــ في رواية ابن منصور ــ فيمن أقر في مرضه لامرأة بدين، ثم تزوجها، ثم مات وهي وارثة: يجوز، هذا أقر لها وليست له بامرأة، إلا أن يكون تلجئة.
فقد أجاز الإقرار (٢)، فاقتضى أنها لو كانت وارثة لم يصح، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال محمد بن الحسن: إقراره جائز، فإن برأ من ذلك المرض ثم تزوجها ثم مات صح الإقرار وفاقا، على ما ذكره القاضي.
قال الشيخ تقي الدين: أخذ مذهب الإمام أحمد من عكس علته، وقد يكون الحكم ثابتا في هذه الصورة لعلة أخرى عنده، ثم قوله: «أقر لها وليست له بامرأة» قد يراد به ليست امرأة في بعض زمان الإقرار، ثم الأخذ بتعليله يقتضي أنه إذا صح ثم تزوجها يكون الإقرار أيضا باطلا، وإن كان
стр. 1160
البرء ليس من فعله، وقد فرق القاضي بالتهمة في الطلاق بأن يكونا قد تواطآ على ذلك، وهذه العلة منتفية فيما إذا انفسخ النكاح بغير فعله، وفيما إذا طلقها ثلاثا، وفيما إذا كان الزوج المطلق سفيها، فيخرج في المسألتين ثلاثة أوجه. انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ٢/ ٣٧٤].
١٥٦١ - إذا أقر في مرض موته بدين لوارث وأجنبي:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «وإذا أقر بدين لوارث وأجنبي لزمه في حصة الأجنبي».
هذا هو المنصور في المذهب، كما لو كان الإقرار بلفظين.
قال القاضي: وهذا بناء على أصلنا في تفريق الصفقة في البيع مع انتفاء الجهالة فيه، فأولى أن يفرق في الإقرار مع دخول الجهالة فيه.
وذكر أبو الخطاب والأصحاب قولا بعدم اللزوم والصحة، أخذا من تفريق الصفقة، وقاس القاضي الصحة على الوصية.
قال الشيخ تقي الدين: فكان التفريق بينهما محل وفاق، ولو أقر لأجنبي ولعبده بدين فإنه يصح في حصة الأجنبي، ذكره محل وفاق.
ولو أقر بزق خمر، وبزق خل، وبملكه وبملك غيره، ذكره محل وفاق.
وقاس في «المغني» عدم الصحة على شهادته لابنه وأجنبي، وفرَّق بأن الإقرار أقوى، ولذلك لا تعتبر فيه العدالة.
ولو أقر بشيء له فيه نفع كالإقرار بنسب موسر قبل، وهذا الفرق على