النص. ومما احتجّ بهذه المسألة (١)) [الفروع ٣/ ٥١٥ (٦/ ٥٦)].
٥٣٠ - يكفي المتمتع والقارن سعي واحد:
- قال ابن القيم: (وقد تنازع الناس في القارن والمتمتع هل عليهما سعيان أو سعي واحد؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: ليس على واحد منهما إلا سعي واحد، كما نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله، قال عبد الله: قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن طاف طوافين فهو أجود، وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس. قال شيخنا: وهذا منقول عن غير واحد من السلف) [زاد المعاد ٢/ ١٤٩].
- وقال ابن مفلح: (ثم يأتي (٢) مكة فيطوف المتمتع ــ في المنصوص ــ للقدوم، كعمرته، ثم يسعى، نص عليه، وعنه: يجزئ سعي عمرته، اختاره شيخنا) [الفروع ٣/ ٥١٦ (٦/ ٥٨)] (٣).
٥٣١ - صلاة الظهر يوم النحر بمنى:
- قال ابن القيم: (وقالت طائفة ــ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره ــ: الذي يرجح أنه (٤) إنما صلّى الظهر بمنى لوجوه ... ) [تهذيب السنن ٥/ ٣٣٣].
٥٣٢ - تعجل الإمام المقيم للمناسك:
- قال ابن مفلح: (وليس للإمام المقيم للمناسك التعجيل لأجل من
стр. 352
يتأخر. قاله أصحابنا. وذكره شيخنا (١)) [الفروع ٣/ ٥٢٠] (٢).
٥٣٣ - طواف الوداع ليس من أعمال الحج:
- قال ابن مفلح: (ثم يطوف للوداع إن لم يُقْم، قال القاضي والأصحاب: إنما يستحق عليه عند العزم على الخروج. واحتج به شيخنا على أنه ليس من الحج «و: ش» كذا في «التعليق» أنه ليس منه، ولا يتعلق به، في مَن وطئ بعد التحلل (٣)) [الفروع ٣/ ٥٢١ (٦/ ٦٢)] (٤).
стр. 353
٥٣٤ - طواف الوداع لمن خرج من مكة وهو غير حاج:
- قال ابن مفلح: (وإن خَرَج غير حاجّ، فظاهر كلام شيخنا: لا يودِّع) [الفروع ٣/ ٥٢١ (٦/ ٦٤)] (١).
٥٣٥ - ما يفعله الحاج بعد طواف الوداع:
- قال ابن مفلح: (وذكر أحمد أنه يأتي الحطيم ــ وهو تحت الميزاب ــ فيدعو، وذكر شيخنا: ثم يشرب من زمزم، ويستلم الحجر الأسود. نقل حرب: إذا قدم معتمرا فيستحب أن يقيم بمكة بعد عمرته ثلاثة أيام. ثم يخرج، فإن التفت ودّع، نص عليه، وذكره أبو بكر وقدّمه في «التعليق» وغيره، وحمله جماعة على الندب، وذكر ابن عقيل وابن الزاغوني: لا يولِّي ظهره حتى يغيب. وذكر شيخنا: أن هذه بدعة مكروهة) [الفروع ٣/ ٥٢٣ (٦/ ٦٥)] (٢).
٥٣٦ - الوقوف عند القبور للدعاء:
- قال ابن مفلح: (قال ابن عقيل وابن الجوزي: يكره قصد القبور للدعاء. قال شيخنا: ووقوفه عندها له) [الفروع ٣/ ٥٢٣ (٦/ ٦٦)] (٣).
وانظر: ما تقدم برقم (٣٣ ٥).
٥٣٧ - الطواف بغير الكعبة:
٥٣٨ - وتقبيل قبر النبي ﷺ والتمسح به:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: يحرم طوافه بغير البيت العتيق اتفاقًا.
стр. 354
قال: واتفقوا أنه لا يقبِّله ولا يتمسح به، فإنه من الشرك.
وقال: والشرك لا يغفره الله، ولو كان أصغر) [الفروع ٣/ ٥٢٤ (٦/ ٦٦)] (١).
٥٣٩ - النهي عن اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدا:
- قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- ــ بعد أن ذكر جملة من الأحاديث التي فيها النهي عن اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدا ــ: (قال شيخ الإسلام ــ قدّس الله روحه ــ: ووجه الدلالة (٢) أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي، كائنا من كان.
ثم إنه قرن ذلك بقوله: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا» أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري النافلة في البيوت، ونهى عن تحري العبادة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم.
ثم إنه عقّب النهي عن اتخاذه عيدًا بقوله: «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا ...
وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵄ نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ ، واستدل بالحديث، وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي ﵁، وهو أعلم بمعناه من هؤلاء
стр. 355
الضلال، وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن ــ شيخ أهل بيته ــ كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا.
قال شيخنا: فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قُربُ النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا له أضبط) [إغاثة اللهفان ١/ ٣٠٢ ــ ٣٠٣] (١).
٥٤٠ - شد الرحل لزيارة قبر النبي ﷺ -:
- قال ابن عبدالهادي ــ بعد كلام سابق ــ: ( ... فانظر إلى كلام هذا المعترض (٢) المتضمن لرد النقل الصحيح بالرأي الفاسد، واجمع بينه وبين ما حكاه عن شيخ الإسلام من الافتراء العظيم، والإفك المبين، والكذب الصراح، وهو ما نقله عنه من أنه جعل زيارة قبر النبي ﷺ ، وقبور سائر الأنبياء ﵈ = معصية بالإجماع مقطوعًا بها.
هكذا ذكر هذا المعترض عن بعض قضاة الشافعية عن الشيخ أنه قال هذا القول، الذي لا يشك عاقل من أصحابه وغير أصحابه أنه كذب مفترى لم يقله قط، ولا يوجد في شيء من كتبه، ولا دل كلامه عليه، بل كتبه كلها ومناسكه وفتاويه وأقواله وأفعاله تشهد ببطلان هذا النقل عنه، ومن له أدنى علم وبصيرة يقطع بأن هذا مفتعل مختلق على الشيخ، وأنه لم يقله قط، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا
стр. 356
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] ...
إلى أن قال: وليعلم: قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض أن شيخ الإسلام ﵀ لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه، ولم ينه عنها، ولم يكرهها، بل استحبها، وحض عليها، ومناسكه ومصنفاته طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وسائر القبور.
قال رحمه الله تعالى في بعض مناسكه: باب زيارة قبر النبي ﷺ ، إذا أشرف على مدينة النبي ﷺ قبل الحج أو بعده، فليقل ما تقدم، فإذا دخل استحب له أن يغتسل (١)،
نص عليه الإمام أحمد، فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى، وقال: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلي بها، ويدعو بما شاء، ثم يأتي قبر النبي ﷺ فيستقبل جدار القبر، ولا يمسه، ولا يقبله، ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه؛ ليكون قائمًا وجاه النبي ﷺ ، ويقف متباعدًا كما يقف لو ظهر في حياته
стр. 357
بخشوع وسكون، منكس الرأس، غاض الطرف، مستحضرًا بقلبه جلالة موقفه، ثم يقول: السلام عليك يا رسول الله، ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله، وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيًا ورسولًا عن أمته، اللهم آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، يغبطة به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم (١)،
وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، وأسقنا بكأسه مشربًا رويًا، لا نظمأ بعده أبدًا.
ثم يأتي أبا بكر وعمر ﵄، فيقول: السلام عليك يا أبا بكر
стр. 358
الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ﷺ وضجيعيه، ورحمة الله وبركاته، جزاكما الله عن صحبة نبيكما وعن الإسلام خيرًا، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
قال: ويزور قبور أهل البقيع، وقبور الشهداء إن أمكن.
هذا كلام الشيخ ﵀ بحروفه، وكذلك سائر كتبه ذكر فيها استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وسائر القبور، ولم ينكر زيارتها في موضع من المواضع، ولا ذكر في ذلك خلافًا إلا نقلًا غريبًا ذكره في بعض كتبه عن بعض التابعين (١).
وإنما تكلم عن مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور، وذكر في ذلك قولين للعلماء المتقدمين والمتأخرين:
أحدهما: القول بإباحة ذلك، كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.
стр. 359
والثاني: أنه منهي عنه، كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافه، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد.
هكذا ذكر الشيخ الخلاف في شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور، ولم يذكره في الزيارة الخالية عن شد رحل وإعمال مطي، والسفر إلى زيارة القبور مسألة، وزيارتها من غير سفر مسألة أخرى، ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة، وجعلهما مسألة واحدة، وحكم عليهما بحكم واحد، وأخذ في التشنيع على من فرَّق بينهما، وبالغ في التنفير عنه= فقد حرم التوفيق، وحاد عن سواء الطريق.
واحتج الشيخ لمن قال بمنع شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور بالحديث المشهور المتفق على صحته وثبوته من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».
هكذا أخرجه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» بصيغة الخبر: (لا تشد الرحال)، ومعنى الخبر في هذا معنى النهي، يبين ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». هكذا رواه مسلم بصيغة النهي.
ورواه الإمام إسحاق بن راهويه في «مسنده» بصيغة الحصر: «إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد إبراهيم، ومسجد محمد، ومسجد بيت المقدس».
стр. 360
وقد روي عبد الله بن عمر ﵄ هذا الحديث أيضًا عن النبي ﷺ بصيغة النهي: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس».
هذا هو الذي فعل الشيخ: حكى الخلاف في مسألة بين العلماء، واحتج لأحد القولين بحديث متفق على صحته، فأي عتب عليه في ذلك؟ ! ولكن نعوذ بالله من الحسد، والبغي، واتباع الهوى) [الصارم المنكي (٢١ - ٢٨)].
- وقال أيضًا: (قال المعترض (١): ... قال القاضي عياض ﵀: زيارة قبره ﷺ سنة بين المسلمين، مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها.
قلت: هذا الإجماع الذي حكاه القاضي عياض ــ رحمه الله تعالى ــ حكاه شيخ الإسلام أيضًا في غير موضع، وقد قدمنا غير مرة ذكره في مصنفاته وفتاويه ومناسكه = استحباب زيارة قبر النبي ﷺ على الوجه المشروع، ولم يذكر في ذلك نزاعًا بين العلماء، وإنما ذكر الخلاف بينهم في السفر لمجرد زيارة القبور، واختار المنع من ذلك كما هو مذهب مالك وغيره من أهل العلم، وهو الذي اختاره القاضي عياض مع حكايته هذا الاجماع.
ومقصود المعترض الاحتجاج على الشيخ بهذا الإجماع الذي ذكره القاضي عياض، والشيخ لا يخالف هذا الإجماع، بل يوافقه ويذهب إليه، ويحكيه في مواضع، مع قوله بالنهي عن السفر لزيارة القبور، كما ذهب إليه
стр. 361
القاضي عياض ناقل هذا الإجماع، وينبغي للمعترض وأمثاله أن يعرفوا الفرق بين مواقع الإجماع ومحال النزاع، ولا يخلطوا بعضها ببعض ... الخ) [الصارم المنكي (٣٣٨ - ٣٣٩)] (١).
- وقال أيضًا: ( ... فلما كان في سنة ست وعشرين وسبعمائة وقع الكلام في مسألة شد الرحال، وإعمال المطي إلى قبور الأنبياء والصالحين، وظفروا للشيخ بجواب سؤال في ذلك، كان قد كتبه من سنين كثيرة، يتضمن حكاية قولين في المسألة، وحجة كل قول منهما، وكان للشيخ في هذه المسألة كلام متقدم أقدم من الجواب المذكور بكثير ذكره في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم» وغيره، وفيه ما هو أبلغ من هذا الجواب الذي ظفروا به.
وكثر الكلام، والقيل والقال، بسبب العثور على الجواب المذكور، وعظم التشنيع على الشيخ، وحرف عليه، ونقل عنه ما لم يقله، وحصل فتنة طار شررها في الآفاق، واشتد الأمر، وخيف على الشيخ من كيد القائمين في
стр. 362
هذه القضية بالديار المصرية والشامية، وكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله تعالى، وضعف من أصحاب الشيخ من كان عنده قوة، وجبن منهم من كانت له همة، وأما الشيخ ﵀ فكان ثابت الجأش، قوي القلب، وظهر صدق توكله واعتماده على ربه ...
ولما كان يوم الاثنين بعد العصر السادس من شعبان من السنة المذكورة = حضر إلى الشيخ من جهة نائب السلطنة بدمشق مشد الأوقاف، وابن خطير ــ أحد الحجاب ــ وأخبراه أن مرسوم السلطان ورد بأن يكون في القلعة، وأحضرا معهما مركوبا.
فأظهر الشيخ السرور بذلك، وقال: أنا كنت منتظرا ذلك، وهذا فيه خير عظيم ... الخ).
وقد ساق ابن عبدالهادي بعد ذلك نص فتيا الشيخ المشار إليها (١) , ثم قال: (هذا آخر ما أجاب به شيخ الإسلام، والله أعلم.
وله من الكلام في مثل هذا كثير، كما أشار إليه في الجواب.
ولما ظفروا في دمشق بهذا الجواب كتبوه، وبعثوا به إلى الديار المصرية، وكتب عليه قاضي الشافعية: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية فصح ... إلى أن قال: وإنما المحرف (٢) جعله زيارة قبر النبي وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم معصية بالإجماع مقطوع بها.
стр. 363
هذا كلامه! فانظر إلى هذا التحريف على شيخ الإسلام، والجواب ليس فيه المنع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما ذكر فيه قولين في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى.
والشيخ لا يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض الشيخ إلى هذه الزيارة في الفتيا، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، والله لا تخفى عليه خافية.
ولما وصل خط القاضي المذكور إلى الديار المصرية كثر الكلام وعظمت الفتنة، وطلب القضاة بها فاجتمعوا وتكلموا، وأشار بعضهم بحبس الشيخ، فرسم السلطان به، وجرى ما تقدم ذكره.
ثم جرى بعد ذلك أمور على القائمين في هذه القضية لا يمكن ذكرها في هذا الموضع) [العقود الدرية ٣٢٧ - ٣٤١].
- وقال ابن كثير: (وفي يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة، دَرَّس بالحنبلية برهان الدين [إبراهيم بن] (١) أحمد بن هلال الزرعي الحنبلي، بدلا عن شيخ الاسلام ابن تيمية، وحضر عنده القاضي الشافعي وجماعة من الفقهاء، وشق ذلك على كثير من أصحاب الشيخ تقي الدين، وكان ابن الخطيري الحاجب قد دخل على الشيخ تقي الدين قبل هذا اليوم فاجتمع به، وسأله عن أشياء بأمر نائب السلطنة.
стр. 364
ثم يوم الخميس دخل القاضي بدر الدين ابن جملة، وناصر الدين مشد الأوقاف، وسألاه عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فكتب ذلك في درج، وكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية إلى أن قال: وإنما المحز جعله زيارة قبر النبي ﷺ وقبور الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالإجماع مقطوعا بها!
فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الاسلام، فإن جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما فيه ذكر قولين في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة على هذا الوجه في الفتيا، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل قول الرسول ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة»، والله سبحانه لا يخفى عليه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) [البداية والنهاية ١٤/ ١٤٣] (١).
٥٤١ - السلام على النبي ﷺ عند قبره:
- قال ابن عبد الهادي: (وقال شيخ الإسلام ــ في أثناء كلامه في الصلاة والسلام على النبي ﷺ في كل مكان ــ: وأما السلام عليه عند القبر
стр. 365
فقد عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه ... إلى أن قال (١): ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة، ولا بين حال السفر وغيره، فإن استحباب هذا لهؤلاء، وكراهته لهؤلاء= حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن النبي ﷺ أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر، وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولم يشرع ذلك لأهل المدينة.
فمثل هذه الشريعة ليس منقولًا عن النبي ﷺ ، ولا عن خلفائه، ولا هو معروف من عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة، كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر في السفر، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك، بل أبوه عمر كان ينهى عن مثل ذلك، والله أعلم) [الصارم المنكي ٣٢٨ - ٣٢٩].
٥٤٢ - تكرار العمرة مع الموالاة:
- قال ابن مفلح: (ولا يكره الاعتمار في السنة أكثر من مرة «م»، ويكره الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف، اختاره الشيخ وغيره، قال أحمد: إن شاء كل شهر. وقال: لا بدَّ يحلق أو يقصِّر، وفي عشرة أيام يمكن. واستحبّه جماعة (٢)، ومن كره أطلق، ويتوجه أن مراده: إذا عوض بالطواف، وإلا لم
стр. 366
يكره، خلافًا لشيخنا) [الفروع ٣/ ٥٢٨ (٦/ ٧١)] (١).
٥٤٣ - الخروج من مكة لعمرة تطوع، وتفضيل الطواف عليه:
- قال ابن مفلح: (وكره شيخنا: الخروج من مكة لعمرة تطوع، وأنه بدعة، لأنه لم يفعله ﵇ ولا صحابي على عهده إلا عائشة، لا في رمضان ولا غيره اتفاقًا، ولم يأمر عائشة، بل أذن لها بعد المراجعة لتطييب قلبها.
قال: وطوافه ولا يخرج أفضل اتفاقًا، وخروجه عند من لم يكرهه على سبيل الجواز. كذا قال) [الفروع ٣/ ٥٢٨] (٢).
٥٤٤ - دخول المتمتع في الحج من حين يحرم بالعمرة:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: قوله ﵇: «من حج، فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» يدخل فيه بإحرام العمرة، ولهذا أنكر أحمد على من قال: إن حجة المتمتع حجة مكية، نقله الأثرم، وهي عند أحمد بعض حجه الكامل، بدليل صومها (٣)) [الفروع ٣/ ٥٢٩ (٦/ ٧٢)] (٤).
٥٤٥ - الخروج مع الجند في الحج:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: ومن جُرِّد معهم (٥)، وجمع له من الجند
стр. 367
المقطعين ما يعينه على كلفة الطريق: أبيح له، ولا ينقص أجره، وله أجر الحج والجهاد، وهذا كأخذ بعض الأقطاع ليصرفه في المصالح، وليس في هذا خلاف، ويلزم المعطى بذل ما أمر به) [الفروع ٣/ ٥٣١ (٦/ ٧٥)] (١).
٥٤٦ - شهر السلاح عند القدوم على تبوك:
- قال ابن مفلح: (وشهر السلاح عند قدوم تبوك بدعة. زاد شيخنا: محرمة.
قال: وما يذكره الجهال من حصار تبوك كذب، لم يكن بها حصن ولا مقاتلة. فإن مغازي النبي ﷺ كانت بضعًا وعشرين لم يقاتل فيها، إلا في تسع: بدر، وأحد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف) [الفروع ٣/ ٥٣١ (٦/ ٧٥)] (٢).
стр. 368
باب الفوات والإحصار
٥٤٧ - إذا وقف الناس في الثامن أو العاشر خطأ:
- قال ابن مفلح: (وإن وقف الناس الثامن أو العاشر خطأ أجزأ، نص عليهما. قال شيخنا: هل هو يوم عرفة باطنا؟ فيه خلاف في مذهب أحمد، بناء على أن الهلال اسم لما يطلع في السماء، أو لما يراه الناس ويعلمونه؟ وفيه خلاف مشهور في مذهب أحمد وغيره.
وذكر في موضع آخر: أن عن أحمد فيه روايتين، قال: والثاني الصواب، ويدل عليه لو أخطؤوا لغلط في العدد أو في الطريق ونحوه، فوقفوا العاشر لم يجزئهم «ع»، فلو اغتفر الخطأ للجميع لاغتفر لهم في غير هذه الصورة بتقدير وقوعها، فعلم أنه يوم عرفة باطنا وظاهرًا، يوضحه أنه لو كان هنا خطأ وصواب لا يستحب الوقوف مرتين، وهو بدعة لم يفعله السلف، فعلم أنه لا خطأ، ومن اعتبر كون الرائي من مكة دون مسافة القصر، أو بمكان لا تختلف فيه المطالع فقول لم يقله أحد من السلف في الحج، فلو رآه طائفة قليلة لم ينفردوا بالوقوف، بل الوقوف مع الجمهور) [الفروع ٣/ ٥٣٥ (٦/ ٧٩)].
٥٤٨ - من فاته الحج:
- قال ابن مفلح: (فإن فاته الحج تحلَّلَ بعمرة، نقله الجماعة، ولا ينحر هديا معه إلا بالحرم، نصَّ على التفرقة، وفي لزوم القضاء والهدي الخلاف، وأوجب الآجري القضاء هنا، وعنه: يتحلَّل كمحصر بعدوٍّ، واختاره شيخنا، وأنَّ مثله حائض تعذَّر مقامها، وحرم طوافها، أو رجعت ولم تطف لجهلها
стр. 369
بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه ولو لذهاب الرفقة، وكذا من ضلَّ الطريق، ذكره في «المستوعب»، وفي «التعليق»: لا يتحلل.
واحتجَّ شيخنا لاختياره بأن الله لم يوجب على المحصر أن يبقى محرمًا حولًا بغير اختياره، بخلاف بعيد أحرم من بلده، ولا يصل إلا في عام، بدليل تحلل النبي ﷺ وأصحابه، لما حصروا عن إتمام العمرة مع إمكان رجوعهم محرمين إلى العام القابل، واتفقوا أن من فاته الحج، لا يبقى محرمًا إلى العام القابل) [الفروع ٣/ ٥٣٩ (٦/ ٨٣ ــ ٨٤)] (١).
стр. 370
باب الهدي والأضحية
٥٤٩ - الأجر على قدر القيمة:
- قال ابن مفلح: (وعند شيخنا: الأجر على قدر القيمة مطلقًا) [الفروع ٣/ ٥٤١ (٦/ ٨٦)] (١).
٥٥٠ - الهتماء:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: الهتماء ــ التي سقط بعض أسنانها ــ تجزئ في أصحِّ الوجهين) [الفروع ٣/ ٥٤٢ (٦/ ٨٨)] (٢).
٥٥١ - ما يقال عند الذبح:
- قال ابن مفلح: (وذكر بعضهم، يقول: اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك. وقاله شيخنا، وأنه إذا ذبح قال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ... » إلى قوله: «وأنا من المسلمين») [الفروع ٣/ ٥٤٥ (٦/ ٩١)] (٣).
٥٥٢ - آخر أيام الذبح:
- قال ابن مفلح: (وآخره آخر ثاني التشريق، وفي «الإيضاح»: آخر يوم، واختاره شيخنا) [الفروع ٣/ ٥٤٦ (٦/ ٩٣)] (٤).
стр. 371
٥٥٣ - التضحية عن الميت أفضل من الصدقة:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: والتضحية عن الميت أفضل) [الفروع ٣/ ٥٥٤ (٦/ ١٠١)] (١).
٥٥٤ - اسم ما يذبح بمكة:
٥٥٥ - والأضحية من النفقة بالمعروف:
- قال ابن مفلح: (وقال (٢): كل ما ذبح بمكة يسمّى هديا، ليس فيه ما يقال له: أضحية، ولا يقال: هديٌ.
وقال: ما ذبح بمنى وقد سيق من الحل إلى الحرم هديٌ، ويسمى أيضا: أضحية، فما اشتراه من عرفات وساقه إلى منى فهو هديٌ باتفاق العلماء، وكذا ما اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم، وإن اشتراه من منى وذبحه بها فعن ابن عمر: ليس بهدي «و: م»، وعن عائشة: هديٌ «و: هـ ش» وأحمد، وما ذبح يوم النحر بالحل أضحية لا هديٌ.
وقال: هي من النفقة بالمعروف، فتضحّي امرأة من مال زوج عن أهل البيت بلا إذنه، ومدين لم يطالَب) [الفروع ٣/ ٥٥٤ (٦/ ١٠١ ــ ١٠٢)] (٣).
٥٥٦ - الحلق بعد ذبح الأضحية:
- قال ابن مفلح: (ويحرم على من يضحّي أو يضحّى عنه ــ في ظاهر
стр. 372
كلام الأثرم وغيره ــ أخذ شيء من شعره وظفره وبشرته في العشر، وقال القاضي وغيره: يكره، وأطلق أحمد النهي، ويستحب الحلق بعد الذبح، قال أحمد: على ما فعل ابن عمر تعظيم لذلك اليوم، وعنه: لا، اختاره شيخنا) [الفروع ٣/ ٥٥٥ (٦/ ١٠٣)] (١).
стр. 373
باب العقيقة
٥٥٧ - إذا لم يجد ثمن العقيقة:
- قال ابن مفلح: (فإن عدم اقترض، نص عليه، وقال شيخنا: مع وفاء) [الفروع ٣/ ٥٦٤ (٦/ ١١٢)] (١).
٥٥٨ - عدم اعتبار التمليك في العقيقة:
- قال ابن مفلح: (ولم يعتبر شيخنا التمليك) [الفروع ٣/ ٥٦٥ (٦/ ١١٣)] (٢).
стр. 374
كتاب البيع
٥٥٩ - صيغة الإيجاب والقبول:
- قال ابن مفلح: (ونص في رواية أحمد بن القاسم فيمن قيل له: بكم هذا الثوب؟ قال: بعشرة دراهم، فيقول المشتري: قد قبلت: أنه يكفي، ولا يحتاج بعد هذا إلى كلام آخر.
قال الشيخ تقي الدين: فقد نص على أن قوله: «هذا الثوب بعشرة دراهم» إيجاب، وإن لم يلفظ بما اشتق من المبيع، ولا بصيغة انتقال إلى المشتري، وقوله: «هذا بعشرة دراهم» جملة اسمية لا فعلية، مع احتماله لمعنى السوم، وقد نص على أن القبول بصيغة المضارع لا يصح، انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٢ ٥٢].
٥٦٠ - تقدم القبول على الإيجاب:
- قال ابن مفلح: (وقوله (١): «وإن تقدم عليه فعلى روايتين» يعني: إن تقدم بلفظ الماضي أو الطلب.
والذي نصره القاضي وأصحابه: أنه لا يصح، قال: وهي الرواية المشهورة، واختاره أبو بكر وغيره، وذكر ابن هبيرة: أنها أشهرهما عن الإمام أحمد، ومما احتج به أبو الحسين بأن القبول تقدم (٢) الإيجاب في عقد
стр. 375
يلحقه الفسخ لم يصح، دليله: لو تأخر الإيجاب عن القبول ساعة، وهما في المجلس، وهو معنى كلام أبي الفرج.
وقطع في «المغني» و «الكافي» بالصحة فيما إذا تقدم بلفظ الماضي، كقول الأئمة الثلاثة، وقدم الصحة فيما إذا تقدم بلفظ الأمر، خلافًا لأبي حنيفة، واختار الشيخ تقي الدين الصحة) [النكت على المحرر ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤].
- وقال أيضا: (ولو تأخر الطلب من المشتري لم يصح قولا واحدا.
وقال الشيخ تقي الدين: إذا كان المبيع عينًا من الطرفين فكلاهما موجب قابل= فينبغي أن يقدم أحدهما على الآخر كالعكس، لكن لو قال أحدهما: ابتعت هذا العبد بهذا، أو قال: بعني= كان تقدما على ظاهر كلام أصحابنا، مع أن الرواية التي ذكرها عن أحمد ليس فيها إلا إذا تقدم بلفظ الطلب والاستدعاء، ولا يلزم من المنع هنا المنع إذا كان بلفظ الخبر، مثل قوله: اشتريت وابتعت.
قال: وأما إذا كان دينا بعين، وهو السلم، فهنا المعروف: أن يقول: أسلمت إليك هذه المائة في وسق حنطة، أو أسلمت إليك مائة في وسق حنطة، فيقول: قبلت. فيقدمون لفظ المسلف، ويجعلونه بمنزلة الموجب، والمستسلف بمنزلة القابل، لأن المسلف هو الذي يقدم العين، فصار بمنزلة البائع، وإن كان في المعنى المستسلف هو البائع، فلو تقدم قول المستسلف بصيغة البيع، مثل أن يقول: بعتك وسق حنطة بعشرة دراهم= فهذا جار على الترتيب، لكنه بلفظ البيع.
ولو قال المسلم: اشتريت منك وسق حنطة بعشرة دراهم، فقال: بعت، فقد استويا من جهة أن المسلف تقدم قبوله، لكن هناك جاء بلفظ القبول،
стр. 376
وهو: «اشتريت»، وهنا جاء بلفظ الإيجاب، وهو: «أسلمت»، فهنا يجيء أربع مسائل، لأن الترتيب بلفظ «السلم» غير الترتيب بلفظ البيع.
ويجوز أن يقارن القبول الإيجاب إذا تولاهما واحد، في مثل قوله: جعلت عتقك صداقك، وقول الولي: تزوجت فلانة، ونحو ذلك، ذكره غير واحد من الأصحاب، لأن الجملة الواحدة تضمنت جملتي القبول والإيجاب، فيكون اشتراط تقدم الإيجاب على القبول حيث افتقر إلى جملتين.
ولو قال: إن بعتني عبدك هذا فلك عليّ ألف، فقال: بعتك= لم يصح البيع، بخلاف الخلع، لأن البيع يفتقر إلى استدعاء تمليك، والخلع لا يفتقر إلى استدعاء تمليك، لأن ملكه يزول عنها بغير رضاها، ذكره القاضي في «الجامع» و «المجرد».
قال الشيخ تقي الدين: ومضمونه أن تقدم القبول بصيغة الشرط لا يصح البتة) [النكت على المحرر ١/ ٢ ٥٤ - ٢٥٦].
٥٦١ - الموالاة بين الإيجاب والقبول:
- قال ابن مفلح: (وقال الشيخ تقي الدين ــ في أثناء كلامه في اشتراط الاتصال ــ قال: وأما في الموالاة ــ وهو الاتصال ــ فإما في كلام واحد، كالأيمان والنذور والطلاق والعتق، وفيها الروايتان في الأيمان والطلاق، وهما في العقود أولى. هذا كلامه.
وقال أيضًا في موضع آخر ــ والظاهر أنه من كلام أبي حفص العكبري، لأنه يعلم له «ك» وفي هذا الموضع علم له «ك» ــ: إذا قال: بعت أو زوجت
стр. 377
ونحوهما، وطال الفصل قبل القبول، ثم قال البائع: ألا تقبل مني هذا البيع؟ اقبله مني. فقال: قبلت= فأفتيت بانعقاد البيع، وكذلك لو قال: إن أبرأتني هذه الساعة من صداقك فأنت طالق. فقالت: ما أبريك، ثم سكتوا زمانًا، ثم قال: بل أبريني، فقالت: أبرأتك= أفتيت بوقوع الطلاق، لأن هذه الصيغ متضمنة للطب، لأن كل واحد من المتعاقدين طالب من الآخر مقصوده، فمتى تكلم بصيغة العقد، وطال الفصل، ثم طلب مقصوده الذي طلبه أولًا طلبًا ثانيًا= كان هذا بمنزلة ابتدائه الطلب حيئنذ، وكان ترك ذكره للعوض الآخر من باب المحذوف المدلول عليه، ويمكن أن تبنى هذه المسألة على الشرط المتقدم على العقد: هل هو بمنزلة المقارن؟ وهذا بناء صحيح) [النكت على المحرر ١/ ٢ ٥٧ - ٢٥٨].
٥٦٢ - بيع المعاطاة:
- قال ابن مفلح: (قال الشيخ تقي الدين: وأصوله تقتضي ثبوت العقود والشروط بالعرف في مسألة الحمَّام والغسل.
وقد نصَّ أحمد على أن العقد والفسخ لا يكون إلا بكلام في رواية إسماعيل بن سعيد، قال: سألت أحمد بن حنبل، قلت: أرأيت لو أعتق المشتري العبد الذي اشتراه، وهما في المجلس فأنكر البائع عتقه، وأراد أن يرد بيعه، هل له ذلك؟ قال: عتق المشتري فيه جائز بمنزلة الموت، ما لم يرجع البائع فيه قبل عتقه، ولا يكون الرجوع للبائع فيه إلا بكلام، مثل البيع الذي ما يكون إلا بكلام. انتهى كلام الشيخ.
ولعل هذا من أحمد على الرواية التي تمنع بيع المعاطاة.
стр. 378
قال الشيخ تقي الدين: عبارة أصحابنا وغيرهم تقتضي أن المعاطاة ونحوها ليست من الإيجاب والقبول، وهذا تخصيص عرفي، فالصواب الاصطلاح الموافق للغة، وكلام المتقدمين: أن لفظ الإيجاب والقبول يشتمل على صور العقد: قولية أو فعلية.
قال: ولهذا قيده القاضي في آخر كلامه، حيث قال: لم يوجد الإيجاب والقبول المعتاد، يعني: المعتاد تسميته بذلك) [النكت على المحرر ١/ ٢٦٠] (١).
٥٦٣ - تصرفات الصغير المميز:
- قال ابن مفلح: (وعنه: يصح تصرف مميز ويقف على إجازة وليه، نقل حنبل: إن تزوج الصغير، فبلغ أباه فأجازه، جاز. قال جماعة: ولو أجازه هو بعد رشده، لم يجز.
وقال شيخنا: رضاه بقسمه هو قسمة تراض، وليس إجازة لعقد فضولي.
وقال: إن نفذ عتقه المتقدم، أو دل على رضاه به عتق، كمن يعلم أنه يتصرف كالأحرار) [الفروع ٤/ ٥ ــ ٦ (٦/ ١٢٥)].
٥٦٤ - بيع شحوم الميتة للاستصباح:
- قال ابن القيم: (وأما تحريم بيع الميتة، فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة، سواء مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة لا تفيد حله، ويدخل فيه أبعاضها أيضا،
стр. 379
ولهذا استشكل الصحابة ﵃ تحريم بيع الشحم، مع ما لهم فيه من المنفعة، فأخبرهم النبي ﷺ أنه حرام، وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة، وهذا الموضع اختلف الناس فيه، لاختلافهم في فهم مراده ﷺ ، وهو: أن قوله: «لا، هو حرام» هل هو عائد إلى البيع، أو عائد إلى الأفعال التي سألوا عنها؟
فقال شيخنا: هو راجع إلى البيع، فإنه ﷺ لما أخبرهم: أن الله حرم بيع الميتة، قالوا: إن في شحومها من المنافع كذا وكذا ــ يعنون: فهل ذلك مسوغ لبيعها؟ ــ فقال: «لا، هو حرام») [زاد المعاد ٥/ ٧٤٩] (١).
وانظر: ما تقدم برقم (١٧).
٥٦٥ - بيع الطير لقصد صوته:
- قال ابن مفلح: (ويجوز بيع طير لقصد صوته، قاله جماعة، وعند شيخنا: إن جاز حبسه) [الفروع ٤/ ٩ (٦/ ١٢٩)] (٢).
٥٦٦ - ضابط الوصف المعتبر:
- قال ابن مفلح: (قوله (٣): «أو بصفة تكفي في السلم».
تارة يصفه بقوله، وهذا هو المعروف، وتارة يقول: هو مثل هذا، فيجعل له مثالًا يرد إليه فإن هذا كما لو وصف وأولى، قاله الشيخ تقي
стр. 380
الدين (١)) [النكت على المحرر (١/ ٤٢٧)].
٥٦٧ - بيع العقار بالصفة:
- قال ابن مفلح: ( ... ولما احتج الحنفية لمذهبهم في صحة بيع الغائب من غير رؤية ولا صفة بما روي عن الصحابة ﵃ من بيع العقار= حمل القاضي والشيخ موفق الدين ذلك على أنه يحتمل أن يكون وصف له.
قال الشيخ تقي الدين: وهذا يقتضي أن بيع العقار بالصفة جائز، والعقار لا يجوز فيه السلم، فعلم أن هذا أوسع من باب السلم) [النكت على المحرر ١/ ٢٩٢].
стр. 381
٥٦٨ - إذا عدمت الصفة وعرف المبيع بذوق أو لمس أو شم:
- قال ابن مفلح: (فإن عدمت الصفة فعرف المبيع بذوق أو لمس أو شم صح وإلا فلا، وإن باع شيئًا بثمن معين احتمل وجهين، ووافق على صحة بيعه أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي: لا يصح، بناء على الأصل المذكور.
قال الشيخ تقي الدين: وعلى الرواية التي توافقه يمكن أن نقول: يصح هنا للحاجة.
ولا يشترط مع الرؤية ذوق ولا لمس ولا شم، ذكره القاضي بما يقتضي أنه محل وفاق، وأنه لا يثبت الخيار بعدمه عند أبي حنيفة.
وذكر (١) أبو الخطاب: أنه يشترط أيضًا المعرفة، فلا يجوز أن يشتري غير الجوهري جوهرة، ولا غير الكاتب كتابًا مثمنًا، أو يشتري الدباغ عودًا كبيرًا.
قال: على ما نقله أبو طالب عن الإمام أحمد: إذا لم يعرف صفته فهو بيع فاسد. وكذلك الميموني: فلا يبيعه حتى يراه ويعرفه. قال: فشرط المعرفة، لأنه ليس المقصود عين المعرفة، وإنما المقصود المعرفة بها.
ثم ذكر وجهًا ثانيًا: أنه لا يشترط، وفرق بينه وبين الرؤية، وذكر في موضع آخر من المسألة: أن الوجه الثاني أصح، وأنه يكفي مجرد الرؤية، أو الصفة في جميع المبيعات) [النكت على المحرر ١/ ٢٩٢ - ٢٩٣].
стр. 382
٥٦٩ - إذا اشترى الشيء بغير رؤية ولا صفة:
- قال ابن مفلح: (وعنه: ويعرف صفة المبيع تقريبا، فلا يصح شراء غير جوهري جوهرة، وقيل: وشمه وذوقه، وعلى الأصح: أو رؤية سابقة بزمن لا يتغير فيه ظاهرا، وقيل: يعتبر (١) ظن بقاء ما اصطرفا به، وعلى الأصح: أو بصفة تكفي في السلم «ق» فيصح بيع أعمى وشراؤه كتوكيله «و» وعنه: لا تكفي (٢) «خ» وعنه: وبغير صفة «و: هـ» اختاره شيخنا في موضع، وضَعَّفَهُ أيضًا (٣)، هذا إن ذكر جنسه وإلا لم يصح رواية واحدة قاله القاضي وغيره) [الفروع ٤/ ٢١ - ٢٢ (٦/ ١٤٤)] (٤).
٥٧٠ - مسألة:
- قال ابن مفلح: (وكذا مسألة: بعتك بعشرة نقدًا، وبعشرين نسيئة، فإن باع من المعدود المنفصل المتقارب كالبيض، مثل: أن يبيع مائة بيضة من ألف بيضة، فينبغي أن يخرج على السلم فيه عددًا، فإن صح ــ وهو الراجح ــ صح ذلك، وإلا فلا.
وذكر القاضي في مسألة المبيع المتعين أنه يصح.
قال الشيخ تقي الدين: وهو مقتضى قول الخرقي، إلا أن نجعل قول
стр. 383
الخرقي: «معدودًا»: يعم المذروع (١) أيضًا) [النكت على المحرر ١/ ٢٩ ٥ (١/ ٤٣١)].
٥٧١ - بيع الصفة والسلم حالّا:
- قال ابن مفلح: (وجَوَّز شيخنا بيع الصفة والسلم حالّا إن كان في ملكه، قال: وهو المراد بقوله ﵇ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» فلو لم يجز السلم حالّا لقال: لا تبع هذا، سواء كان عنده أو لا، وأما إذا لم يكن عنده، فإنما يفعله لقصد التجارة والربح، فيبيعه بسعر، ويشتريه بأرخص، ويلزمه تسليمه في الحال، وقد يقدر عليه وقد لا، وقد لا تحصل له تلك السلعة إلا بثمن أعلى مما تسلف فيندم، وإن حصلت بسعر أرخص من ذلك ندم المسلف، إذ كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الثمن، فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع بدون ثمنه، فإن حصل ندم البائع، وإن لم يحصل ندم المشتري، وأما مخاطرة التجارة فيشتري السلعة بقصد أن يبيعها بربح، ويتوكل على الله تعالى في ذلك، فهذا الذي أحله الله) [الفروع ٤/ ٢٣ ــ ٢٤ (٦/ ١٤٦ - ١٤٧] (٢).
وانظر: ما يأتي تحت المسألة رقم (٥٨٤)، والمسألة رقم (٦٧٨).
٥٧٢ - إذا قال الشريك: بعتك ثلث الدار أو ربعها:
٥٧٣ - وإذا باع الشريك نصيبه من بيت من دار له فيها بيوت:
- قال ابن مفلح: (قوله (٣): «وإن باعه ذراعًا غير معين من أرض أو
стр. 384
ثوب لم يصح، إلا أن يعلما ذرع الكل فيصح في قدره مشاعًا».
قال ابن منصور: قلت للإمام أحمد: قال سفيان في خمس نفر بينهم خمسة أبيات في دار، فباع أحدهم نصيبه في بيت: لا أجيزه، وإن باعوا جميعًا جاز، هو ضرر يضر بأصحابه، هو لا يستطيع أن يأخذ نصيبه من ذلك البيت.
فإن قال: أبيعك بيتًا من الدار، لا يجوز، يبيع ما ليس له (١)؟ قيل له: فإن قال: أبيعك خمس الدار؟ فقال: إذا قال: نصيبي. قال أحمد: جيد.
قيل للإمام أحمد: قال سفيان: إذا كان دار بين اثنين، فقال أحدهما: أبيعك نصف هذه الدار. قال: لا يجوز، إنما له الربع من النصف، حتى يقول: نصيبي. قال أحمد: هو كما قال.
قال الشيخ تقي الدين: هذا الكلام فيه مسألتان:
إحداهما: إذا قال الشريك: بعتك ثلث الدار أو ربعها أو قيراطًا منها لم يجز حتى يقول: نصيبي، لأن قوله: الثلث أو النصف يعم النصف من نصيبه ونصيب شريكه، وكذلك الهبة والوقف والرهن.
المسألة الثانية: إذا باع نصيبه من بيت من دار له فيها بيوت= لم يجز، بخلاف ما لو باع نصيبه من البيوت كلها، ولهذا إذا باع البيت جميعه لم يجز بيعه في نصيبه لأنه لا يملك بيعه مفردًا، لأن في ذلك ضررًا بالشركاء، لأن المشتري لا يمكنه الانتفاع ببعض البيت إلا بالانتفاع بغيره من الأرض
стр. 385
المشتركة، وإنما يملك الانتفاع من كان شريكًا في البيوت كلها.
وهذا معنى قوله: «هو لا يستطيع أن يأخذ نصيبه من ذلك» يعني أن الانتفاع بنصيبه من ذلك البيت دون غيره لا يجوز، فكيف يجوز للمشتري منه؟
وقال ــ بعد أن ذكر كلام صاحب «المحرر» ــ: تقدم الكلام على بيع المشاع، وكلام الإمام أحمد يخالف هذا، وإذا علمنا عدد العبيد وأوجبنا القسمة أعيانًا، فالفرق بين المتصل والمنفصل بين ذراع من أرض، وعبد من أعبد= ليس بذاك، وقد ذكروا احتمالًا في صحة بيع ذراع مبهم، ويكون مشاعًا، فكذلك بيع عبد مبهم. انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٢٩ ٥ - ٢٩٦ (١/ ٤٣٢ - ٤٣٣)] (١).
٥٧٤ - إذا استأجر مبهما في مجموعة:
- قال ابن مفلح: (قوله (٢): «وإذا باع عبدًا مبهمًا في أعبد لم يصح».
قال القاضي: إذا ابتاع ثوبًا من أحد هذين، أو من أحد ثلاثة، أو من أحد أربعة: فالعقد فاسد، ولم يذكر عن أحمد ولا غيره نصًا، وذكر في أثناء المسألة: أنه يصح مثل ذلك في الإجارة فيما يتقارب نفعه، وهذا مثل مذهب مالك في البيع.
قال الشيخ تقي الدين: والفرق بين البيع والإجارة عسر، انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥].
стр. 386
٥٧٥ - الاستثناء في الإقرار ونحوه:
- قال ابن مفلح: (قوله (١): «أو بدينار إلا درهمًا (٢)».
قال حرب: سألت الإمام أحمد، قلت: الرجل يقول: أبيعك هذا بدينار إلا درهمًا؟ قال: لا يجوز، ولكن بدينار إلا قيراطًا، ونحو ذلك، لأن الاستثناء يكون في شيء يعرف، والدرهم ليس يعرف كم هو من الدينار؟ ويجوز أن يقول: أبيعك بدينار ودرهم.
قال الشيخ تقي الدين: قد يؤخذ من هذا جواز الاستثناء في الإقرار ونحوه لأنه علل بالجهالة، وذلك لا يضر في الإقرار، ولأنه لو كان الاستثناء باطلًا لصح بالدينار، ولغا قوله: إلا درهما، على قول من يبطل هذا الاستثناء. انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٣٠٢].
٥٧٦ - بيع لبن موصوف في الذمة من شاة أو بقرة معينة:
- قال ابن القيم: (وأما إن باعه لبنًا مطلقًا، موصوفًا في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة، أو البقرة.
فقال شيخنا: هذا جائز، واحتج بما في «المسند»: من أن النبي ﷺ نهى أن يسلم في حائط بعينه، إلا أن يكون قد بدا صلاحه.
قال: فإذا بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط= جاز، كما يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه
стр. 387
الصبرة، ولكن الثمن (١) يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه. هذا لفظه) [زاد المعاد ٥/ ٨٢٣].
- وقال ابن مفلح: (وقال شيخنا: إن باعه لبنا موصوفا في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة جاز، واحتج بما في «المسند» أن النبي ﷺ نهى أن يسلم في حائط بعينه، إلا أن يكون قد بدا صلاحه.
قال: فإذا بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز، كما يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن التمر يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه. هذا لفظه) [الفروع ٤/ ٢ ٥ ــ ٢٦ (٦/ ١٤٧ - ١٤٨)] (٢).
٥٧٧ - بيع المقاثي ونحوها من المغيبات مع عدم ظهور أصلها:
- قال ابن القيم: (يجوز بيع المقاثي والباذنجان ونحوها بعد أن يبدو صالحها كما تباع الثمار في رؤوس الأشجار، ولا يمنع من صحة المبيع تلاحق المبيع شيئا بعد شيء، كما لم يمنع ذلك صحة بيع التوت والتين وسائر ما يخرج شيئا بعد شيء، هذا محض القياس ... وبيع ذلك كبيع الثمار، وهو قول أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخنا) [إعلام الموقعين ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣].
- وقال أيضا: (اختلف الفقهاء في جواز بيع المغيبات في الأرض من البصل والثوم والجزر واللفت والفجل والقلقاس ونحوها على قولين:
стр. 388
أحدهما: المنع من بيعه كذلك، لأنه مجهول غير مشاهد، والورَق لا يدل على باطنه، يخلاف ظاهر الصبرة، وعند أصحاب هذا القول لا يباع حتى يقلع.
والقول الثاني: يجوز بيعه كذلك على ما جرت به عادة أصحاب الحقول، وهذا قول أهل المدينة، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخنا) [إعلام الموقعين ٤/ ٤].
- وقال أيضا: (والنوع المختلف فيه (١)، كبيع المقاثي والمباطخ إذا طابت، فهذا فيه قولان:
أحدهما: أنه يجوز بيعها جملة، ويأخذها المشتري شيئًا بعد شيء، كما جرت به العادة، ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بدوِّ صلاحها، وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة، ولا غنى لهم عنه، ولم يأت بالمنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر ولا قياس صحيح، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، وأحد القولين في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية) [زاد المعاد ٥/ ٨٠٨ ــ ٨٠٩].
- وقال ابن مفلح: (ولا فُجل (٢) ونحوه قبل قلعه، في المنصوص، وقثاء ونحوه، إلا لقطة لقطة، نص عليه، إلا مع أصله، وجوّز ذلك شيخنا، وقال: هو قول كثير من أصحابنا «و: م» لقصد الظاهر غالبا) [الفروع ٤/ ٢٧
стр. 389
(٦/ ١٤٩)] (١).
وانظر: ما يأتي تحت المسألة رقم (٦٢٤).
٥٧٨ - بيع الثمر بعد بدو صلاحه:
- قال ابن مفلح: (ورخص في الثمر بعد بدوِّ صلاحه، قال شيخنا: وبعضه معدوم) [الفروع: ٤/ ٢٧ (٦/ ١٥٠)] (٢).
٥٧٩ - بيع النحل في كواراته:
- قال ابن مفلح: (وقال في «الكافي»: ويجوز بيع النحل في كواراته ومنفردًا عنها، إذا رؤى وعلم قدره.
وذكر الشيح تقي الدين كلامه في «الكافي»، ثم قال: وهذا الكلام يقتضي أنه اشترط العلم فقط، وأنه يصح بيعه طائرًا، كالعبد الخارج من المنزل وهو أصح. انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٢٨٨].
٥٨٠ - بيع العين المؤجرة:
- قال ابن مفلح: (وقد نقل الميموني عن الإمام أحمد: سأله رجل: اكتريت دارًا أربعة أشهر، فخرج بعد شهر؟ فسمعته يقول: مذهبنا أنه يلزمه الكراء. ثم قال أبو عبد الله: ليس له أن يخرجه من منزله، قلت: ولا له أن ييبعه؟ قال: ولا له أن يبيعه، إلا أن يبين شرطه، هذا الذي له فيه.
стр. 390
قال الشيح تقي الدين: رواية الميموني ظاهرها أنه من باع العين المؤجرة، ولم يبين للمشترى أنها مستأجرة لم يصح) [النكت على المحرر ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠] (١).
٥٨١ - نقل الملك في العين المؤجرة بغير البيع:
٥٨٢ - وإذا بيعت العين المؤجرة ونحوها مما قد يتعلق به حق غير المالك وهو عالم بالبيع ولم يتكلم:
٥٨٣ - وإذا رأى عبده يبيع فلم ينهه:
- قال ابن مفلح: (قال الشيخ تقي الدين: سائر نقل الملك في العين المؤجرة كالبيع، فلو وهبها، أو أعتق العبد المؤجر، أو وقفها، فينبغي أن يكون كالبيع، لا يسقط حق المستأجر، وكذلك لو زوج الحرة أو الأمة المؤجرة، فينبغي أن يقدم حق المستأجر على حق الزوج، فإن الزوج لا يكون أقوى من المشتري، لا سيما عند من يقول: إن السيد لا يجب عليه تسليم الأمة نهارًا، لأن السيد يستحق الاستخدام، فإذا قدم حق السيد فحق المستأجر أولى، لأن العقود الواردة إذا أوردها المستحق قطعت حقه، بخلاف ما إذا أوردها غير المستحق.
وقال: إذا بيعت العين المؤجرة، أو المرهونة ونحوها، مما قد يتعلق به حق غير البائع وهو عالم بالبيع، فلم يتكلم، فينبغي أن يقال: لا يملك المطالبة بفساد البيع بعد هذا، لأن إخباره بالعيب واجب عليه بالسنة بقوله: «ولا يحل لمن علم ذلك إلا أن يبينه» فكتمانه تغرير، والغار ضامن.