← Фикх общий

Фикх общий · id 132619

الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه

سامي بن جاد الله

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٥٧٥ - الاستثناء في الإقرار ونحوه: - قال ابن مفلح: (قوله (١): «أو بدينار إلا درهمًا (٢)». قال حرب: سألت الإمام أحمد، قلت: الرجل يقول: أبيعك هذا بدينار إلا درهمًا؟ قال: لا يجوز، ولكن بدينار إلا قيراطًا، ونحو ذلك، لأن الاستثناء يكون في شيء يعرف، والدرهم ليس يعرف كم هو من الدينار؟ ويجوز أن يقول: أبيعك بدينار ودرهم. قال الشيخ تقي الدين: قد يؤخذ من هذا جواز الاستثناء في الإقرار ونحوه لأنه علل بالجهالة، وذلك لا يضر في الإقرار، ولأنه لو كان الاستثناء باطلًا لصح بالدينار، ولغا قوله: إلا درهما، على قول من يبطل هذا الاستثناء. انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٣٠٢]. ٥٧٦ - بيع لبن موصوف في الذمة من شاة أو بقرة معينة: - قال ابن القيم: (وأما إن باعه لبنًا مطلقًا، موصوفًا في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة، أو البقرة. فقال شيخنا: هذا جائز، واحتج بما في «المسند»: من أن النبي ﷺ نهى أن يسلم في حائط بعينه، إلا أن يكون قد بدا صلاحه. قال: فإذا بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط= جاز، كما يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه

стр. 387

الصبرة، ولكن الثمن (١) يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه. هذا لفظه) [زاد المعاد ٥/ ٨٢٣]. - وقال ابن مفلح: (وقال شيخنا: إن باعه لبنا موصوفا في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة جاز، واحتج بما في «المسند» أن النبي ﷺ نهى أن يسلم في حائط بعينه، إلا أن يكون قد بدا صلاحه. قال: فإذا بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز، كما يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن التمر يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه. هذا لفظه) [الفروع ٤/ ٢ ٥ ــ ٢٦ (٦/ ١٤٧ - ١٤٨)] (٢). ٥٧٧ - بيع المقاثي ونحوها من المغيبات مع عدم ظهور أصلها: - قال ابن القيم: (يجوز بيع المقاثي والباذنجان ونحوها بعد أن يبدو صالحها كما تباع الثمار في رؤوس الأشجار، ولا يمنع من صحة المبيع تلاحق المبيع شيئا بعد شيء، كما لم يمنع ذلك صحة بيع التوت والتين وسائر ما يخرج شيئا بعد شيء، هذا محض القياس ... وبيع ذلك كبيع الثمار، وهو قول أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخنا) [إعلام الموقعين ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣]. - وقال أيضا: (اختلف الفقهاء في جواز بيع المغيبات في الأرض من البصل والثوم والجزر واللفت والفجل والقلقاس ونحوها على قولين:

стр. 388

أحدهما: المنع من بيعه كذلك، لأنه مجهول غير مشاهد، والورَق لا يدل على باطنه، يخلاف ظاهر الصبرة، وعند أصحاب هذا القول لا يباع حتى يقلع. والقول الثاني: يجوز بيعه كذلك على ما جرت به عادة أصحاب الحقول، وهذا قول أهل المدينة، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخنا) [إعلام الموقعين ٤/ ٤]. - وقال أيضا: (والنوع المختلف فيه (١)، كبيع المقاثي والمباطخ إذا طابت، فهذا فيه قولان: أحدهما: أنه يجوز بيعها جملة، ويأخذها المشتري شيئًا بعد شيء، كما جرت به العادة، ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بدوِّ صلاحها، وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة، ولا غنى لهم عنه، ولم يأت بالمنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر ولا قياس صحيح، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، وأحد القولين في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية) [زاد المعاد ٥/ ٨٠٨ ــ ٨٠٩]. - وقال ابن مفلح: (ولا فُجل (٢) ونحوه قبل قلعه، في المنصوص، وقثاء ونحوه، إلا لقطة لقطة، نص عليه، إلا مع أصله، وجوّز ذلك شيخنا، وقال: هو قول كثير من أصحابنا «و: م» لقصد الظاهر غالبا) [الفروع ٤/ ٢٧

стр. 389

(٦/ ١٤٩)] (١). وانظر: ما يأتي تحت المسألة رقم (٦٢٤). ٥٧٨ - بيع الثمر بعد بدو صلاحه: - قال ابن مفلح: (ورخص في الثمر بعد بدوِّ صلاحه، قال شيخنا: وبعضه معدوم) [الفروع: ٤/ ٢٧ (٦/ ١٥٠)] (٢). ٥٧٩ - بيع النحل في كواراته: - قال ابن مفلح: (وقال في «الكافي»: ويجوز بيع النحل في كواراته ومنفردًا عنها، إذا رؤى وعلم قدره. وذكر الشيح تقي الدين كلامه في «الكافي»، ثم قال: وهذا الكلام يقتضي أنه اشترط العلم فقط، وأنه يصح بيعه طائرًا، كالعبد الخارج من المنزل وهو أصح. انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٢٨٨]. ٥٨٠ - بيع العين المؤجرة: - قال ابن مفلح: (وقد نقل الميموني عن الإمام أحمد: سأله رجل: اكتريت دارًا أربعة أشهر، فخرج بعد شهر؟ فسمعته يقول: مذهبنا أنه يلزمه الكراء. ثم قال أبو عبد الله: ليس له أن يخرجه من منزله، قلت: ولا له أن ييبعه؟ قال: ولا له أن يبيعه، إلا أن يبين شرطه، هذا الذي له فيه.

стр. 390

قال الشيح تقي الدين: رواية الميموني ظاهرها أنه من باع العين المؤجرة، ولم يبين للمشترى أنها مستأجرة لم يصح) [النكت على المحرر ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠] (١). ٥٨١ - نقل الملك في العين المؤجرة بغير البيع: ٥٨٢ - وإذا بيعت العين المؤجرة ونحوها مما قد يتعلق به حق غير المالك وهو عالم بالبيع ولم يتكلم: ٥٨٣ - وإذا رأى عبده يبيع فلم ينهه: - قال ابن مفلح: (قال الشيخ تقي الدين: سائر نقل الملك في العين المؤجرة كالبيع، فلو وهبها، أو أعتق العبد المؤجر، أو وقفها، فينبغي أن يكون كالبيع، لا يسقط حق المستأجر، وكذلك لو زوج الحرة أو الأمة المؤجرة، فينبغي أن يقدم حق المستأجر على حق الزوج، فإن الزوج لا يكون أقوى من المشتري، لا سيما عند من يقول: إن السيد لا يجب عليه تسليم الأمة نهارًا، لأن السيد يستحق الاستخدام، فإذا قدم حق السيد فحق المستأجر أولى، لأن العقود الواردة إذا أوردها المستحق قطعت حقه، بخلاف ما إذا أوردها غير المستحق. وقال: إذا بيعت العين المؤجرة، أو المرهونة ونحوها، مما قد يتعلق به حق غير البائع وهو عالم بالبيع، فلم يتكلم، فينبغي أن يقال: لا يملك المطالبة بفساد البيع بعد هذا، لأن إخباره بالعيب واجب عليه بالسنة بقوله: «ولا يحل لمن علم ذلك إلا أن يبينه» فكتمانه تغرير، والغار ضامن.

стр. 391

وكذلك ينبغي أن يقال: فيما إذا رأى عبده يبيع فلم ينهه، وفي جميع المواضع فالمذهب: أن السكوت لا يكون إذنًا، فلا يصح التصرف، لكن إذا لم يصح يكون تغريرًا، فيكون ضامنًا، فإن ترك الواجب عندنا يوجب الضمان بفعل المحرم، كما نقول في مسألة المستضيف، ومن قدر على إنجاء شخص من الهلكة، بل الضمان هنا أقوى. انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٢٩٠ - ٢٩١]. ٥٨٤ - حديث «لا تبع ما ليس عندك»: - قال ابن القيم: (ورأيت لشيخنا في الحديث فصلا مفيدا وهذه سياقته، قال: للناس في هذا الحديث أقوال: قيل: المراد بذلك أن يبيع السلعة المعينة التي هي مال الغير، فيبيعها ثم يتملكها ويسلمها إلى المشتري، والمعنى: لا تبع ما ليس عندك من الأعيان، ونقل هذا التفسير عن الشافعي، فإنه يُجوِّز السلم الحال وقد لا يكون عند المسلم إليه ما باعه، فحمله على بيع الأعيان ليكون بيع ما في الذمة غير داخل تحته، سواء كان حالًا أو مؤجلًا. وقال آخرون: هذا ضعيف جدًا، فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئًا معينًا هو ملك لغيره، ثم ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلب عبد فلان، ولا دار فلان، وإنما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب فيقول: أريد طعاما كذا وكذا، أو ثوبا كذا وكذا، أو غير ذلك، فيقول: نعم، أعطيك، فيبيعه منه، ثم يذهب فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده، هذا هو الذي يفعله من يفعله من الناس، ولهذا قال: «يأتيني فيطلب مني المبيع عندي»، لم يقل: يطلب مني ما هو مملوك لغيري، فالطالب طلب الجنس لم

стр. 392

يطلب شيئا معينا، كما جرت به عادة الطالب لما يؤكل ويلبس ويركب، إنما يطلب جنس ذلك ليس له غرض في ملك شخص بعينه دون ما سواه مما هو مثله أو خير منه، ولهذا صار الإمام أحمد وطائفة إلى القول الثاني، فقالوا: الحديث على عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم إذا لم يكن عنده، لكن جاءت الأحاديث بجواز السلم المؤجل، فبقي هذا في السلم الحال. والقول الثالث ــ وهو أظهر الأقوال ــ: أن الحديث لم يُرد به النهي عن السلم المؤجل ولا مطلقا، وإنما أريد به أن يبيع ما في الذمة مما ليس هو مملوكا له ولا يقدر على تسليمه، ويربح فيه قبل أن يملكه ويضمنه ويقدر على تسليمه، فهو نهي عن السلم الحال إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه، فيلزم ذمته بشيء حال ويربح فيه، وليس هو قادرا على إعطائه، وإذا ذهب يشتريه فقد يحصل وقد لا يحصل، فهو من نوع الغرر والمخاطرة، وإذا كان السلم حالا وجب عليه تسليمه في الحال، وليس بقادر على ذلك، ويربح فيه على أن يملكه ويضمنه، وربما أحاله على الذي ابتاع منه فلا يكون قد عمل شيئا، بل أكل المال بالباطل، وعلى هذا فإذا كان السلم الحال والمسلم إليه قادرا على الإعطاء فهو جائز، وهو كما قال الشافعي: إذا جاز المؤجل فالحال أولى بالجواز. ومما يبين أن هذا مراد النبي ﷺ أن السائل إنما سأله عن بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم، لكن إذا لم يجز بيع ذلك فبيع المعين الذي لم يملكه أولى بالمنع، وإذا كان إنما سأله عن بيع شيء في الذمة فإنما سأله عن بيعه حالا، فإنه قال: أبيعه ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: «لا تبع ما ليس عندك»،

стр. 393

فلو كان السلف الحال لا يجوز مطلقا لقال له ابتداء: لا تبع هذا، سواء كان عنده أو ليس عنده، فإن صاحب هذا القول يقول: بيع ما في الذمة حالا لا يجوز، ولو كان عنده ما يسلمه، بل إذا كان عنده فإنه لا يبيع إلا معينا، لا يبيع شيئا في الذمة، فلما لم ينه النبي ﷺ عن ذلك مطلقا بل قال: «لا تبع ما ليس عندك» = علم أنه ﷺ فرق بين ما هو عنده ويملكه ويقدر على تسليمه وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في الذمة. ومن تدبر هذا تبين له أن القول الثالث هو الصواب، فإن قيل: إن بيع المؤجل جائز للضرورة، وهو بيع المفاليس، لأن البائع احتاج أن يبيع إلى أجل وليس عنده ما يبيعه الآن، فأما الحال فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه فلا حاجة إلى بيع موصوف في الذمة أو بيع عين غائبة موصوفة لا يبيع شيئا مطلقا. قيل: لا نسلم أن السلم على خلاف الأصل، بل تأجيل المبيع كتأجيل الثمن، كلاهما من مصالح العالم، والناس لهم في مبيع الغائب ثلاثة أقوال: منهم من يجوزه مطلقا، ولا يجوزه معينا موصوفا، كالشافعي في المشهور عنه؛ ومنهم من يجوزه معينا موصوفا، ولا يجوزه مطلقا، كأحمد وأبي حنيفة؛ والأظهر جواز هذا وهذا، ويقال للشافعي مثل ما قال هو لغيره: إذا جاز بيع المطلق الموصوف في الذمة فالمعين الموصوف أولى بالجواز، فإن المطلق فيه من الغرر والخطر والجهل أكثر مما في المعين، فإذا جاز بيع حنطة مطلقة بالصفة= فجواز بيعها معينة بالصفة أولى، بل لو جاز بيع المعين بالصفة فللمشتري الخيار إذا رآه= جاز أيضا، كما نقل عن الصحابة وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وقد جَوَّز القاضي وغيره من أصحاب أحمد السلم الحال بلفظ البيع.

стр. 394

والتحقيق أنه لا فرق بين لفظ ولفظ، فالاعتبار في العقود بحقائقها ومقاصدها لا بمجرد ألفاظها، ونفس بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر قبضها يسمى: «سلفا» إذا عجل له، كما في «المسند» عن النبي ﷺ أنه نهى أن يسلم في الحائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه، فإذا بدا صلاحه وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز، كما يجوز أن يقول: ابتعت عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن الثمن يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه، فإذا عجل له الثمن قيل له: سلف، لأن السلف هو الذي تقدم، والسالف: المتقدم، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]، والعرب تسمي أول الرواحل: «السالفة»، ومنه قول النبي ﷺ : «ألحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون»، وقول الصديق ﵁: لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي. وهي: العنق. ولفظ: «السلف» يتناول القرض والسلم، لأن المقرض أيضا أسلف القرض، أي: قدمه، ومنه هذا الحديث: «لا يحل سلف وبيع»، ومنه الحديث الآخر: أن النبي ﷺ استسلف بكرا وقضى جملا رباعيا، والذي يبيع ما ليس عنده لا يقصد إلا الربح، وهو تاجر، فيستلف بسعر ثم يذهب فيشتري بمثل ذلك الثمن، فإنه يكون قد أتعب نفسه لغيره بلا فائدة، وإنما يفعل هذا من يتوكل لغيره فيقول: أعطني فأنا أشتري لك هذه السلعة، فيكون أمينا، أما أنه يبيعها بثمن معين يقبضه، ثم يذهب فيشتريها بمثل ذلك الثمن من غير فائدة في الحال فهذا لا يفعله عاقل. نعم إذا كان هناك تاجر فقد يكون محتاجا إلى الثمن، فيستسلفه وينتفع به مدة إلى أن يحصل تلك السلعة، فهذا يقع في السلم المؤجل، وهو الذي

стр. 395

يسمى: «بيع المفاليس»، فإنه يكون محتاجا إلى الثمن وهو مفلس، وليس عنده في الحال ما يبيعه ولكن له ما ينتظره من مغل أو غيره، فيبيعه في الذمة، فهذا يفعل مع الحاجة، ولا يفعل بدونها إلا أن يقصد أن يتجر بالثمن في الحال، أو يرى أنه يحصل به من الربح أكثر مما يفوت بالسلم، فإن المستسلف يبيع السلعة في الحال بدون ما تساوي نقدا، والمسلف يرى أن يشتريها إلى أجل بأرخص مما يكون عند حصولها، وإلا فلو علم أنها عند طرد الأصل تباع بمثل رأس مال السلم لم يسلم فيها فيذهب نفع ماله بلا فائدة، وإذا قصد الأجر أقرضه ذلك قرضا، ولا يجعل ذلك سلما إلا إذا ظن أنه في الحال أرخص منه وقت حلول الأجل، فالسلم المؤجل في الغالب لا يكون إلا مع حاجة المستسلف إلى الثمن، وأما الحال فإن كان عنده فقد يكون محتاجا إلى الثمن فيبيع ما عنده معينا تارة وموصوفا أخرى، وأما إذا لم يكن عنده فإنه لا يفعله إلا إذا قصد التجارة والربح فيبيعه بسعر ويشتريه بأرخص منه، ثم هذا الذي قدره قد يحصل كما قدره، وقد لا يحصل له تلك السلعة التي يسلف فيها إلا بثمن أغلى مما أسلف، فيندم، وإن حصلت بسعر أرخص من ذلك قدم السلف إذ كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الثمن، فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع بدون ثمنه، فإن حصل ندم البائع، وإن لم يحصل ندم المشتري، وكذلك بيع حبل الحبلة وبيع الملاقيح والمضامين ونحو ذلك مما قد يحصل وقد لا يحصل، فبائع ما ليس عنده من جنس بائع الغرر الذي قد يحصل وقد لا يحصل، وهو من جنس القمار والميسر. والمخاطرة مخاطرتان: مخاطرة التجارة: أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها ويربح ويتوكل على الله في ذلك؛ والخطر الثاني: الميسر الذي

стр. 396

يتضمن أكل المال بالباطل، فهذا الذي حرمه الله تعالى ورسوله، مثل بيع الملامسة والمنابذة وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، ومن هذا النوع يكون أحدهما قد قمر الآخر وظلمه، ويتظلم أحدهما من الآخر، بخلاف التاجر الذي قد اشترى السلعة ثم بعد هذا نقص سعرها فهذا من الله سبحانه ليس لأحد فيه حيلة، ولا يتظلم مثل هذا من البائع، وبيع ما ليس عنده من قسم القمار والميسر لأنه قصد أن يربح على هذا لما باعه ما ليس عنده، والمشتري لا يعلم أنه يبيعه ثم يشتري من غيره، وأكثر الناس لو علموا ذلك لم يشتروا منه، بل يذهبون ويشترون من حيث اشترى هو، وليست هذه المخاطرة مخاطرة التجار بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة على التسليم، فإذا اشترى التاجر السلعة وصارت عنده ملكا وقبضا فحينئذ دخل في خطر التجارة وباع بيع التجارة كما أحله الله بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، والله أعلم) [زاد المعاد ٥/ ٨١١ - ٨١٦]. وانظر: ما تقدم برقم (٥٧١). وما يأتي برقم (٦٧٨). ٥٨٥ - بيع الحيوان المذبوح مع جلده، أو بيع اللحم وحده والجلد وحده: - قال ابن مفلح: (قال شيخنا في حيوان مذبوح: يجوز بيعه مع جلده جميعا، كما قبل الذبح، كقول جماهير العلماء كما يعلمه إذا رآه حيّا، ومنعه بعض متأخري الفقهاء، ظانًّا أنه بيع غائب بدون رؤية ولا صفة. قال شيخنا: وكذلك يجوز بيع اللحم وحده والجلد وحده، وأبلغ من ذلك: أن النبي ﷺ وأبا بكر في سفر الهجرة، اشتريا من رجل شاة، واشترطا

стр. 397

له رأسها وجلدها وسواقطها، وكذلك كان أصحابه ﵇ يتبايعون) [الفروع ٤/ ٢٩ ــ ٣٠ (٦/ ١ ٥٥)] (١). ٥٨٦ - اشتراط معرفة الثمن: ٥٨٧ - والبيع بما ينقطع به السعر: ٥٨٨ - والبيع بدون تسمية الثمن: ٥٨٩ - وبيع السلعة برقمها: - قال ابن القيم: ( ... والقول الثاني ــ وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصر ومصر ــ: جواز البيع بما ينقطع به السعر، وهو منصوص الإمام أحمد، واختاره شيخنا، وسمعته يقول: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوة بالناس، آخذ بما يأخذ به غيري. قال: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه، بل هم واقعون فيه، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح يحرمه، وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل، وأكثرهم يجوزون عقد الإجارة بأجرة المثل كالنكاح (٢) والغسال والخباز والملاح وقيِّم الحمَّام والمكاري والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمَّام، فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعه بثمن المثل فيجوز، كما تجوز المعاوضة بثمن المثل في هذه الصورة وغيرها، فهذا هو القياس الصحيح، ولا تقوم مصالح الناس إلا به) [إعلام الموقعين ٤/ ٦].

стр. 398

- وقال أيضا: (إذا قال: بعتك هذه السلعة، ولم يسم الثمن؟ ... وجواب شيخنا ابن تيمية: صحة البيع بدون تسمية الثمن؛ لانصرافه إلى ثمن المثل، كالنكاح، والإجارة، كما في دخول الحمَّام، ودفع الثوب إلى القصّار، والغسّال، واللحم إلى الطبّاخ، ونظائره. قال: فالمعاوضة بثمن المثل ثابتة بالنص والإجماع في النكاح، وبالنص في إجارة المرضع، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وعمل الناس قديما وحديثا عليه في كثير من عقود الإجارة، وكذلك البيع بما ينقطع به السعر، وهو بيع بثمن المثل، وقد نص أحمد على جوازه، وعمل الأمة عليه) [بدائع الفوائد ٤/ ٨٥٢ (٤/ ١٣٦٤)]. - وقال ابن مفلح: (السادس (١): معرفة الثمن، فلا يصح برقم مجهول، أو بما ينقطع سعره، أو كما يبيع الناس على الأصح فيهن، وصححه شيخنا بثمن المثل، كنكاح (٢)، وأنه مسألة السعر (٣)، وأخذه من مسألة التحالف، ومن جهالة الثمن: بعني هذا بمائة، على أن أرهن بثمنه وبالمائة

стр. 399

التي عليّ هذا) [الفروع ٤/ ٣٠ (٦/ ١٥٥ - ١٥٦)]. - وقال أيضًا: (قوله (١): «وإن باعه شيئا برقمه». قال الخلال: ذكر البيع بغير ثمن مسمى، ثم ذكر عن حرب: سألت الإمام أحمد: قلت: الرجل يقول لرجل: ابعث لي جريبا من بر واحسبه علي بسعر ما تبيع؟ قال: لا يجوز هذا حتى يبين له السعر. وعن إسحاق بن منصور، قلت للإمام أحمد: الرجل يأخذ من الرجل سلعة فيقول: أخذتها منك على ما تبيع الباقي؟ قال: لا يجوز. وعن حنبل: قال عمي: أنا أكرهه، لأنه بيع مجهول، والسعر يختلف، يزيد وينقص. وروى حنبل عن أبي عبيدة (٢) أنه كره ذلك. قال أبو داود في «مسائله»: باب في الشراء ولا يسمى الثمن، سمعت أحمد سئل عن الرجل يبعث إلى البقال فيأخذ منه الشيء بعد الشيء، ثم يحاسبه بعد ذلك؟ قال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس. قال أبو داود: قيل لأحمد: يكون البيع ساعتئذ؟ قال: لا. قال الشيخ تقي الدين: وظاهر هذا أنهما اتفقا على الثمن بعد قبض المبيع، والتصرف فيه، وأن البيع لم يكن وقت القبض، وإنما كان وقت التحاسب، وأن معناه صحة البيع بالسعر. وقوله: «أيكون البيع ساعتئذ؟ » يعني: وقت التحاسب، وهذا هو

стр. 400

الظاهر، وأصرح من ذلك ما ذكره في مسألة المعاطاة عن مثنى بن جامع عن أحمد في الرجل يبعث إلى معامل له ليبعث إليه بثوب، فيمر به فيسأله عن ثمن الثوب، فيخبره، فيقول له: اكتبه. والرجل يأخذ التمر فلا يقطع ثمنه، ثم يمر بصاحب التمر فيقول له: اكتب ثمنه؟ فأجازه إذا ثمنه بسعر يوم أخذه، وهذا صريح في جواز الشراء بثمن المثل وقت القبض، لا وقت المحاسبة، سواء ذكر ذلك في العقد أو أطلق لفظ الأخذ زمن البيع. وقد احتج القاضي في مسألة المعاطاة بحديث أبي بكر وعمر ﵄، وهما دليل على ذلك، وهذا يشبه الإذن في الإتلاف بعوض، كما إذا قال: ألقه في البحر وعلي قيمته، أو: أعتق عبدك عني وعلي قيمته. وعلى هذا: فلو اختلفا والعين قائمة ردت، وإن فاتت فالقيمة، وسيجيء في أول السلم (١) هذه المسألة عن الأوزاعي: إذا اتفقا على تقدير الثمن، ثم أخذ منه بعد ذلك، ثم حاسبه، فلعل كلام الإمام أحمد على ذلك. هذا ويتوجه أن يكون الثمن بعد العقد والإتلاف، كتقدير الصداق بعد العقد أو بعد الدخول. هذا كله كلام الشيخ تقي الدين. قال القاضي: وقد أطلق الإمام أحمد القول في جواز البيع بالرقم، فقال في رواية أبي داود: وقد سئل عن بيع الرقم؟ فكأنه لم ير به بأسا. وقال أيضا في رواية أبي طالب: لا بأس ببيع الرقم، يقول: أبيعك برقم كذا وكذا، وزيادة على الرقم كذا وكذا، كل ذلك جائز، ومتاع فارس إنما هو

стр. 401

بيع بالرقم، قال: وهذا محمول على أنهما عرفا مبلغ الرقم، فأوقعا العقد عليه. قال الشيخ تقي الدين: الرقم رأس المال، وما اشترى به فلان أحاله على فعل واحد، والسعر إحالة على فعل العامة، مع أنه محتمل، فإنه شبه التوكيل، ولو أذن لرجل أن يشتري له هذه السلعة بما رأى جاز، لكن قد يقال: هو مقيد بأن لا يكون فيه غير خارج عن العادة، وهذا متوجه إن شاء الله تعالى، وقول الإمام أحمد: كل ذلك جائز، دليل على أنه ذكر صورتين: إحداهما: أن يعين الرقم، فيقول: برقم كذا وكذا، والثانية: أن يقول: بزيادة على الرقم كذا وكذا، ولا يعينه، فقال: كل ذلك جائز، ولولا أن الرقم غير معين لم يكن لسؤالهم له وجه، ولا يقول أبو داود: كأنه لم ير به بأسا، وهذا كالتوكيد والأخذ بالشفعة ونحو ذلك. ثم قال: بيع الشيء بالسعر أو بالقيمة ــ وهي في معنى السعر ــ لها صور: إحداها: أن يقول: بعني كذا بالسعر، وقد عرفا السعر، فهذا لا ريب فيه. الثانية: أن يكون عرف (١) عام أو خاص، أو قرينة تقتضي البيع بالسعر وهما عالمان، فهذا قياس ظاهر المذهب: صحتُه هنا، كبيع المعاطاة، مثل أن يقول: زن لي من الخبز أو اللحم أو الفاكهة كذا وكذا، وعُرف هذا البائع أنه يبيع الناس كلهم بثمن واحد، وكذا عرف أهل البلد، فإن الرجوع إلى العرف

стр. 402

في قدر الثمن كالرجوع في وصفه (١). الثالثة: أن يتبايعا بالسعر لفظا أو عرفا، وهما أو أحدهما لا يعلم، فكلام الإمام أحمد يقتضي روايتين، ووجه الصحة: إلحاق ذلك بقيمة المثل في الإجارة إذا دخل الحمّام أو قصر الثوب، ثم إن قيل: البيع فاسد، وكانت العين تالفة، فالواجب أن لا يضمن إلا بالقيمة، لأنهما تراضيا بذلك، ونظيره: أعتق عبدك عني وعليّ ثمنه، أو: ألق متاعك في البحر وعليّ ثمنه. انتهى كلامه. وقال أيضا ــ بعد أن حكى ما تقدم من الروايات ــ: قد يقال في المسألة روايتان، لأنه جوّزه هناك بالسعر كما تقدم، ومنعه هنا، وقد يقال هناك: كان السعر معلوما للبائع مستقرا، وهنا لم يكن السعر معلوما للبائع، لأنه لم يدر بعد ما يبيع به، فصار البيع بالسعر المستقر الذي يعلمه البائع كالبيع بالثمن الذي اشتراه في بيع التولية والمرابحة، وأخذ الشفيع الشقص المشفوع بالثمن الذي اشترى به قبل علمه بقدر الثمن. وذكر في موضع آخر: أن هذا أظهر، قال: كل من ألزمه الشارع بالبيع فإنما يلزمه البيع بثمن المثل، وبذلك حكم رسول الله ﷺ ، كمن أعتق شركا له في عبد. قال: وليس هذا من باب ضمن التلف بالبدل، كما توهم ذلك طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل هو من باب البيع بقيمة المثل، لأن نصيب الشريك يدخل

стр. 403

في ملك المعتق، ثم يعتق ويكون ولاء العبد كله له، ليس من قبيل العبد المشترك بينه وبين شريكه، بل هو كمن ابتاع نصيب شريكه، لكن ألزمهما بالتبايع لتكميل حرية العبد) [النكت على المحرر ١/ ٢٩٨ - ٣٠١ (١/ ٤٣٥ - ٤٣٨)] (١). وانظر: ما يأتي تحت المسألة رقم (٦٧٩). ٥٩٠ - البيع بالنقد المطلق: - قال ابن مفلح: (قوله: «أو بدينار مطلق، وليس للبلد نقد غالب». وذكره أجود، لأن الجهالة تزول بظهور المعاملة بغالب نقد البلد. قال الشيخ تقي الدين: الذي يقتضيه كلامه في رواية الأثرم والأنطاكي وسندي وابن القاسم: إذا باعه أو أكراه بكذا وكذا درهمًا صح، وله نقد الناس، وإن كانت النقود مختلفة، فله أوسطها في رواية، وأقلها في رواية. وكلامه نص لمن تأمله: أن البيع بالنقد المطلق يصح بكل حال، وإلا لأخبر بفساد العقد، وهذا شبيه بتصحيح المطلق من الحيوان في الصداق وغيره، لكن المطلق في النقود أوسع، فلهذا صححه في البيع. انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٣٠٣]. ٥٩١ - إذا تفرقا قبل أن يعينا أحد الثمنين: - قال ابن مفلح: (قوله (٢): «أو قال: بعتك بعشرة نقدا، أو بعشرين

стр. 404

نسيئة، فإنه لا يصح». يعني: إن افترقا قبل تعيين أحد الثمنين، لأن هذا بيعان في بيعة، وقد نهى عنه الشارع، فسره بذلك جماعة منهم: مالك والثوري وإسحاق وأحمد في رواية أبي الحارث، وهو قول أكثر العلماء. وقال مهنا (١): سألت الإمام أحمد عن رجل باع بيعا بدرهم، واشترط عليه الدينار بكذا وكذا؟ فقال: هذا لا يحل، هذه بيعتان في بيعة. وكذا فسره في رواية: حرب ومحمد بن موسى بن مشيش وهارون الحمَّال وأبي الحارث أيضا. وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن الرجل يقول للرجل: هذا الثوب بثلاثين درهما بالمكسرة، وبخمسة وعشرين بالصحاح؟ قال: لا يصح، هذان شرطان في بيع. فقلت: يترك له هذا الثوب بثلاثين درهما نسيئة، وعشرين بالنقد. قال: لا يصح، هذه بيعتان في بيعة. وقيل للإمام أحمد ــ في رواية الأثرم ــ: إذا قال: بعشرة دراهم بالصحاح وباثني عشر بالغلة، هو شرطان في بيع؟ قال: لا، بيعتان في بيعة. وقيل للإمام أحمد ــ في رواية محمد بن أبي حرب -: إن قال: إن أتيتني بالدراهم إلى شهر (٢) فهو بكذا، وإن أتيتني إلى شهرين فهو بكذا، أكثر من ذلك؟ قال: لا يجوز هذا. وقال في رواية صالح: هذا مكروه، إلا أن يفارقه على أحد البيوع.

стр. 405

وقال أبو الخطاب: ويحتمل أن يصح قياسا على قول الإمام أحمد في الإجارة: إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته غدا فلك نصف درهم. وفرَّق غيره من جهة أن العقد ثَمَّ يمكن أن يصح جعالة بخلاف البيع. وقال الشيخ تقي الدين: قياس مسألة الإجارة أن يكون في هذه روايتان، لكن الرواية المذكورة في الإجارة فيها نظر، وهذه تشبه: شاة من قطيع، وعبدا من أعبد، ونظيرها من كل وجه: أحد العبدين أو الثوبين. انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٣٠٤ - ٣٠ ٥]. ٥٩٢ - إذا قال: بعتك داري هذه وأجرتكها شهرا بألف: - قال ابن مفلح: (قال القاضي: فإن قال: بعتك داري هذه، وأجرتكها شهرًا بألف= فالكل باطل، لأن ملك الرقبة ملك المنافع، فلا يصح أن يؤاجره منفعة ملكها عليه. قال الشيخ تقي الدين: وللصحة وجه بأن تكون مستثناة) [النكت على المحرر ١/ ٣٠٨]. ٥٩٣ - إذا تصرف في مال غيره أو طلق زوجاته أو غير ذلك من التصرفات: - قال ابن مفلح: (وإن باع أو اشترى بمال غيره، أو طلق زوجته، أو غير ذلك من التصرفات ــ قاله شيخنا، وهو ظاهر كلام غيره، وصرح به ابن الجوزي في طلاق زوجة غيره بلا إذنه ــ لم يصح، اختاره الأكثر) [الفروع ٤/ ٣٦ (٦/ ١٦٣)] (١).

стр. 406

٥٩٤ - بيع الأرض الموقوفة مما فتح عنوة ولم يقسم: - قال ابن مفلح: (ولا يصح بيع أرض موقوفة مما فتح عنوة ولم يقسم، كالشام والعراق ومصر ونحوها، وعنه: يصح» و: هـ ق» ذكره الحلواني، اختاره شيخنا، وذكره قولا لنا، وقال: جوّز أحمد إصدَاقها) [الفروع ٤/ ٣٨ (٦/ ١٦ ٥)] (١). ٥٩٥ - من وقع بيده من آبائه أرض موقوفة مما فتح عنوة ولم يقسم: - قال ابن مفلح: (وجوزها (٢) في «الترغيب» مؤقتة، لأن عمر لم يقدر المدة للمصلحة العامة، احتمل في واقعة كلية. قال: وليس لأحد أخذ شيء ممن وقع بيده من آبائه، ويقول: أنا أعطي غلته، لأن الإجارة لا تنفسخ بموت، والمزارعة أولى، والمؤثر بها أحق. قال شيخنا: بلا خلاف) [الفروع ٤/ ٣٩ (٦/ ١٦٧)]. ٥٩٦ - حكم الأرض التي يجعلها الإمام فيئا: - قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: إذا جعلها الإمام فيئا، صار ذلك حكما باقيا فيها دائما، فإنها لا تعود إلى الغانمين، وليس غيرهم مختصًا بها) [الفروع ٤/ ٤١ (٦/ ١٦٨)] (٣).

стр. 407

٥٩٧ - ملك ما يتولد من الأرض قبل حيازتها (١): - قال ابن مفلح: (ولا يملك ماءٌ عِدٌّ (٢) وكلأٌ ومعدنٌ جارٍ بملك أرض قبل حيازته «و: هـ»، فلا يجوز بيعه «و: هـ»، كأرض مباحة «ع» فلا يدخل في بيع، بل مشترٍ أحقُّ به، وعنه: يملكه فيجوز بيعه، لأنّه متولدٌ من أرضه كالنتاج «و: ش م» في أرض عادة ربِّها ينتفع بها، لا أرض بور، وجوَّزه شيخنا في مُقطع محسوب عليه يريد تعطيلَ ما يستحقُّه من زرعٍ وبيع الماء) [الفروع ٤/ ٤١ (٦/ ١٦٨ - ١٦٩)] (٣). ٥٩٨ - صاحب الأرض أحق بالطلول التي يجني منها النحل: - قال ابن مفلح: (والطلول التي يجنى منها النحل كالكلأ وأولى، ونحلُ ربِّ الأرضِ أحقُّ، فله منع غيره إن أضرَّ به. ذكره شيخنا) [الفروع ٤/ ٤٢ (٦/ ١٦٩)] (٤).

стр. 408

٥٩٩ - إذا جمع بين البيع والنكاح في عقد واحد: - قال ابن مفلح: (قوله (١): «وإن كان الجمع بين بيع ونكاح». مثل: إن زوج وباع عبده بألف، أو أصدقها عبدًا على أن ترد عليه ألفًا= صح النكاح، لأنه لا يفسد بفساد العوض، وفي البيع وجهان: أحدهما: يصح، قال الشيخ تقي الدين: وهو الذي ذكره القاضي في كتابيه، وابن عقيل في الصداق، فتقسط الألف على مهر المثل وقيمة العبد، وكذلك يقسط العبد على مهر المثل والألف، لأن جملة العوض معلومة. والثاني: لا يصح فيهما، فإنه إذا انفسخ البيع لزم توزيع الصفقة، قال: ولو قال: زوجتك بنتي، ولك هذه الألف بعبدك هذا= فالعبد بعضه مبيع وبعضه مهر، فيقسط العبد على مهر المثل والألف، ولو كان لبنته مال فقال: زوجتك هذه ولك هذه الألف معها بهذه الألفين من عندك= بطل البيع والمهر جميعًا، لأنه من باب: «مد عجوة ودرهم» (٢)، هذا الذي ذكره القاضي وابن عقيل وأبو محمد من غير خلاف. انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٣٠٨]. ٦٠٠ - المعاوضة على المنافع الدينية: - قال ابن مفلح: (قال الشيخ تقي الدين ــ بعد أن ذكر الكلام في المصحف ــ: وكذلك في المعاوضة على المنافع الدينية من العلم ونحوه، وكذلك الاستئجار هناك مثل الابتياع هنا، وإبدال منفعة دينية بمنفعة دينية كما هنا، إذ لا فرق بين الأعيان الدينية والمنافع.

стр. 409

ويتوجه في هذا وأمثاله: أنه يجوز للحاجة كالرواية المذكورة في التعليم، فينبغي أن يفرق في الأعيان بين المحتاج وغيره، كما فرق في المنافع. وما لم يجز بيعه فينبغي أن لا يجوز أن يوهب هبة يبتغى بها الثواب، لحديث المكارمة بالخمر، وكذلك ينبغي أن لا يجوز استنقاذ آدمي أو مصحف ونحو ذلك بها، مثل أن نعطي لكافر خمرًا، أو ميتة، أو دهنًا نجسًا، ليعطينا مسلمًا بدله، أو مصحفًا، انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٢٨٧] (١). ٦٠١ - بيع ما قصد به الحرام: - قال ابن مفلح: (ولا يصحُّ بيعُ ما قصد به الحرام، كعصير لمتخذه خمرًا قطعًا، نقل الجماعة: إذا علم، وقيل: أو ظنًّا، واختاره شيخنا) [الفروع ٤/ ٤٢ (٦/ ١٦٩)] (٢). ٦٠٢ - بيع الدار على الكافر والفاسق والمبتدع: - قال ابن القيم: ( ... قال (٣): وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال: سئل أبو عبد الله عن حصين بن عبد الرحمن، فقال: روى عنه حفص، لا أعرفه. قال له أبو بكر (٤): هذا من النساك، حدثني أبو سعيد

стр. 410

الأشج سمعت أبا خالد الأحمر يقول: حفص هذا العدى (١) نفسه، باع دار حصين بن عبد الرحمن عابد أهل الكوفة من عون البصري! فقال له أحمد: حفص؟ قال: نعم، فعجب أحمد من حفص بن غياث. قال الخلال: وهذا أيضا تقوية لمذهب أبي عبد الله. قال شيخنا: وعون هذا كان (٢) من أهل البدع أو من الفساق بالعمل، فأنكر أبو خالد الأحمر على حفص بن غياث قاضي الكوفة أنه باع دار الرجل الصالح من مبتدع، وعجب أحمد من فعل القاضي. قال الخلال: وإذا كان يكره بيعها من فاسق فكذلك من كافر، وإن كان الذمي يقر، والفاسق لا يقر، لكن ما يفعله الكافر فيها أعظم. وهكذا ذكر القاضي عن أبي بكر عبد العزيز، وقد ذكر قول أحمد في رواية أبي الحارث: لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها، يبيعها من مسلم أحب إلي، فقال أبو بكر: لا فرق بين الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة. ووافقه القاضي وأصحابه على ذلك. قال شيخنا: وتلخيص الكلام في ذلك أما بيع داره من كافر فقد ذكرنا منع أحمد منه، ثم اختلف أصحابه في ذلك، هل هذا تنزيه أو تحريم؟ فقال الشريف أبو علي بن أبي موسى: كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي يكفر فيها بالله تعالى، ويستبيح المحظورات، فإن فعل أساء ولم

стр. 411

يبطل البيع، وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرا عليها. أما الخلال وصاحبه والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك، وصرح به القاضي فقال: لا يجوز أن يؤاجر داره أو بيته ممن يتخذه كنيسة أو بيت نار، أو يبيع فيه الخمر، سواء شرط أنه يبيع فيه الخمر أم لم يشرط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر، وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر فيها بالله .. إلى آخر كلامه (١). قال القاضي: وقال أحمد أيضا في نصارى وقفوا ضيعة لهم للبيعة: لا يستأجرها الرجل المسلم منهم، يعينهم على ما هم فيه. قال: وبهذا قال الشافعي. ثم قال القاضي: فإن قيل: أليس قد أجاز أحمد إجارتها من أهل الذمة مع علمه بأنهم يفعلون فيها ذلك؟ قيل: المنقول عن أحمد أنه حكى قول ابن عون، وعجب منه. وذكر القاضي رواية الأثرم، وهذا يقتضي أن القاضي لا يُجوّز إجارتها من ذمي، وقد قال أبو بكر: إذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع منع. قال شيخنا: وكلام أحمد يحتمل الأمرين، فإن قوله في رواية أبي الحارث: يبيعها من مسلم أحب إلي= يقتضي أنه منع تنزيه، واستعظامه لذلك في رواية المروذي، وقوله: لا يباع من الكافر، وتشديده في ذلك= يقتضي التحريم، وأما الإجارة فقد سوى الأصحاب بينها وبين البيع، وما حكاه عن ابن عون فليس بقول أحمد، وإعجابه بفعله إنما هو لحسن مقصد ابن عون ونيته الصالحة، ويمكن أن يقال: ظاهر الرواية أنه أجاز ذلك، فإن

стр. 412

إعجابه بالفعل دليل جوازه عنده، واقتصاره على الجواب بفعل رجل يقتضي أنه مذهبه في أحد الوجهين. والفرق بين الإجارة والبيع أن ما في الإجارة مفسدة الإعانة قد عارضه مصلحة أخرى، وهي صرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم، وإنزال ذلك بالكافر، وصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية، فإنه وإن كان إقرارا لكافر لكن لما تضمنه من المصلحة جاز، ولذلك جازت مهادنة الكفار في الجملة، فأما البيع فهذه المصلحة منتفية فيه، وهذا ظاهر على قول ابن أبي موسى وغيره أن البيع مكروه غير محرم، فإن الكراهة في الإجارة تزول بهذه المصلحة الراجحة، كما في نظائره، فيصير في المسألة أربعة أقوال. قال شيخنا: وهذا الخلاف عندنا والتردد في الكراهة هو إذا لم يعقد الإجارة على المنفعة المحرمة، فأما إن أجره إياها لأجل بيع الخمر أو اتخاذها كنيسة أو بيعة لم يجز قولا واحدا، وبه قال الشافعي وغيره، كما لا يجوز أن يكري أمته أو عبده للفجور، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يؤاجرها لذلك، قال أبو بكر الرازي: لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط أن يبيع فيه الخمر وبين ألا يشترط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر= أن الإجارة تصح، ومأخذه في ذلك أنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء، وإن شرط له ألا يبيع فيها الخمر ولا يتخذها كنيسة، ويستحق عليه الأجرة بالتسليم في المدة، فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء كان ذكرها وترك ذكرها سواء، كما لو اكترى دارا لينام فيها أو يسكنها، فإن الأجرة تستحق عليه وإن لم يفعل ذلك، وكذلك يقول فيما إذا استأجر رجلا لحمل خمر أو خنزير أنه يصح، لأنه لا يتعين حمل الخمر، بل لو حمل عليه بدله عصيرا

стр. 413

استحق الأجرة، فهذا التقييد عنده لغو، فهو بمنزلة الإجارة المطلقة، والمطلقة عنده جائزة، وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها، كما يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا، ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة، قال: لأن السلاح معمول للقتال لا يصلح لغيره. وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى، وقالوا: ليس المقيد كالمطلق، بل المنفعة المعقود عليها هي المستحقة، فتكون هي المقابلة بالعوض، وهي منفعة محرمة، وإن جاز للمستأجر أن يقيم مثله مقامه (١)، وألزموه ما لو اكترى دارا ليتخذها مسجدا، فإنه لا يستحق عليه فعل المعقود عليه، ومع هذا فإنه أبطل هذه الإجارة بناء على أنها اقتضت فعل الصلاة، وهي لا تستحق بعقد إجارة. ونازعه أصحابنا وكثير من الفقهاء في المقدمة الثانية، وقالوا: إذا غلب على ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم حرمت الإجارة له، لأن النبي ﷺ لعن عاصر الخمر ومعتصرها، والعاصر إنما يعصر عصيرا، لكن إذا رأى أن المعتصر يريد أن يتخذه خمرا أو عصيرا (٢) استحق اللعنة، وهذا أصل مقرر في غير هذا الموضع. لكن معاصي الذمي قسمان: أحدهما: ما اقتضى عقد الذمة إقراره عليها. والثاني: ما اقتضى عقد الذمة منعه منها أو من إظهارها.

стр. 414

فأما القسم الثاني فلا ريب أنه لا يجوز على أصل أحمد أن يؤاجر أو يبايع إذا غلب على الظن أنه يفعل ذلك، كالمسلم وأولى. وأما القسم الأول فعلى ما قاله ابن أبي موسى: يكره ولا يحرم، لأنا قد أقررناه على ذلك، وإعانته على سكنى هذه الدار كإعانته على سكنى دار الإسلام، فلو كان هذا من الإعانة المحرمة لما جاز إقراره بالجزية، وإنما كره ذلك لأنه إعانة من غير مصلحة، لإمكان بيعها من مسلم، بخلاف الإقرار بالجزية، فإنه جاز لأجل المصلحة. وعلى ما قاله القاضي: لا يجوز، لأنه إعانة على ما يستعين به على المعصية من غير مصلحة تقابل هذه المفسدة، فلم يجز، بخلاف إسكانهم دار الإسلام فإن فيه من المصالح ما هو مذكور في فوائد إقرارهم بالجزية) [أحكام أهل الذمة ١/ ٢٨٦ - ٢٩٠]. - وقال ابن مفلح: (قال الخلال ﵀: باب الرجل يؤاجر داره للذمي أو يبيعها منه ... قال الخلال: وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال: سئل أبو عبد الله عن حصين بن عبد الرحمن، فقال: روى عنه حفص، لا أعرفه, قال له أبو بكر: هذا من النساك، حدثني أبو سعيد الأشج، سمعت أبا خالد الأحمر يقول: حفص هذا باع دار حصين بن عبد الرحمن عابد أهل الكوفة من عون البصري، فقال له أحمد: حفص؟ قال: نعم، فعجب أحمد، يعني من حفص بن غياث. قال الخلال: وهذا تقوية لمذهب أبي عبد الله، فإذا كان يكره بيعها من فاسق فكذلك من كافر، وأن الذمي يقر، وأن الفاسق لا يقر، لكن ما يفعله الذمي فيها أعظم. انتهى كلامه.

стр. 415

عون هذا من أهل البدع، أو من الفساق بالعمل. قال أبو بكر عبد العزيز ــ فيما ذكره عن (١) القاضي ــ: لا فرق بين البيع والإجارة عنده، فإذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة، ووافقه القاضي وأصحابه على ذلك. وعن إسحاق بن منصور أنه قال لأبي عبد الله: سئل ــ يعني الأوزاعي ــ عن الرجل يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني، فكره ذلك، قال أحمد: ما أحسن ما قال؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فلا بأس. قال الشريف أبو علي بن أبي موسى: كره أحمد أن يبيع داره من ذمي يكفر فيها بالله ، ويستبيح المحظورات، فإن فعل أساء ولم يبطل البيع. وكذلك قال أبو الحسن الآمدي: أطلق الكراهة مقتصرا عليها، وأما الخلال وصاحبه والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك، وقد سبق كلام الخلال وصاحبه. وقال القاضي: لا يجوز أن يؤجر داره أو بيته ممن يتخذه بيت نار، أو كنيسة، أو يبيع فيه الخمر، سواء شرط أنه يبيع فيه الخمر أو لم يشترط، لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر، وقد قال أحمد: لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها، يبيعها من مسلم أحبُّ إلي.

стр. 416

وقال أيضا في نصارى وقفوا ضيعة لهم للبيعة: لا يستأجرها الرجل المسلم منهم يعينهم على ما هم فيه، قال: وبهذا قال الشافعي. فقد حرم القاضي إجارتها لمن يعلم أنه يبيع فيها الخمر، مستشهدًا على ذلك بنص أحمد على أنه لا يبيعها لكافر، ولا يشتري وقف الكنيسة، وذلك يقتضي أن المنع عنده في هاتين الصورتين منع تحريم. قال: قال القاضي في أثناء المسألة: فإن قيل: أليس قد أجاز أحمد إجارتها من أهل الذمة مع علمهم بأنهم يفعلون ذلك فيها؟ قيل: المنقول عن أحمد أنه حكى قول ابن عون وعجب منه. وهذا يقتضي أن القاضي لا يجوز إجارتها من ذمي، وظاهر رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث جواز ذلك، فإن إعجابه بالفعل دليل جوازه عنده، واقتصاره على الجواب بفعل رجل يقتضي أنه مذهبه في أحد الوجهين. والفرق بين البيع والإجارة أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد عارضه مصلحة أخرى، وهو مصرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم وأنزل ذلك بالكفار، وصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية، فإنه وإن كان إقرارًا لكافر لكن لما تضمنه من المصلحة جاز، ولذلك جازت مهادنة الكفار في الجملة، فأما البيع فهذه المصلحة منتفية فيه، فيصير في المسألة أربعة أقوال. ذكر هذا كله الشيخ تقي الدين) [الآداب الشرعية ٣/ ٢٥٦ ــ ٢٥٧] (١).

стр. 417

٦٠٣ - بيع الحرير والذهب والخمر للكفار: - قال ابن مفلح: (قال الشيخ تقي الدين: بيع الحرير للكفار حديث عمر ﵁ يقتضي جوازه بخلاف بيع الخمر، فإن الحرير ليس حراما على الإطلاق، وعلى قياسه بيع آنية الذهب والفضة لهم، وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعتها لبيعها منهم، وجاز عملها لهم بالأجرة. انتهى كلامه، ذكره في أول باب ما يجوز بيعه من «تعليقه على المحرر») [الآداب الشرعية ٣/ ٣٧٩]. ٦٠٤ - إذا باع على بيع أخيه أو اشترى على شرائه: - قال ابن مفلح: (قوله (١): «فإن فعلا ذلك، فهل يصح البيع الثاني؟ على وجهين». وقال ابن الجوزي: فالبيع باطل في ظاهر المذهب. وقدمه الشيخ موفق الدين وغيره، لظاهر النهي، وحكاه في «المستوعب» عن أبي بكر، وحكى عن القاضي وأبي الخطاب: أنه يصح، لأن المحرم سابق على عقد البيع، ولأن الفسخ الذي حصل به الضرر صحيح، فالبيع المحصل للمصلحة أولى، ولأن النهي لحق آدمي فأشبه بيع النجش. وقطع بالخلاف في «الهداية» و «الخلاصة». وقال في «الرعاية»: وفي صحة العقد الثاني روايتان، أشهرهما بطلانه. قال الشيخ تقي الدين: وهذا القول يعمُّ ما إذا كان أحد المتبايعين وكيلًا، أو وليًا ليتيم أو غيره، ويكون بيع المزايدة جائزًا في الوقت الذي

стр. 418

يجوز فيه الاستيام؛ لأن الرجل الزائد سائم دون ما بعد ذلك، وهذا هو التوفيق بين حديث المزايدة وحديث النهي عن السوم، ويكون ثبوت الخيار لا يبيح الفسخ في هذه الصورة، لما فيه من الضرر، كما أنه لا يجوز التفريق خشية أن يستقيله على الروايتين عنه (١)، وإن كان يملك التفرق إلا (٢) بهذه النية. ولو قيل: إنه في بيوع المزايدة ليس لأحدهما أن يفسخ لما فيه من الضرر بالآخر= كان متوجهًا، لأنه لو لم يقبل أمكنه أن يبيع الذي قبله، فإذا قبل ثم فسخ= كان قد غرّ البائع، بل يتوجه كقول مالك: إنه في بيع المزايدة إذا زاد أحدهما شيئًا لزمه، وإن كان المستام المطلق لا يلزمه، فإنه بزيادته فوت عليه الطالب الأول، ألا ترى أنه في النجش إذا زاد قد غرّ المشتري؟ فكذلك هنا إذا زاد فقد غرّ البائع. والفرق بين المساومة التي كانت غالبة على عهد رسول الله ﷺ ، وبيع المزايدة= ظاهر، وإخراج الصور القليلة من العموم لمعارض أمر مستمر في الأدلة الشرعية. وقد نهى النبي ﷺ عن أنواع من العقود لما فيها من الضرر بالغير، فعلى قياسه ينهى عن الفسوخ التي فيها إضرار بالغير، انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣ (١/ ٤١٧ ــ ٤١٨)].

стр. 419

- وقال ابن مفلح أيضا: (وعند شيخنا: للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة وأخذ الزيادة، أو عوضها (١)) [الفروع ٤/ ٤ ٦ (٦/ ١٧٤)] (٢). ٦٠٥ - سومه على سوم أخيه: ٦٠٦ - واستئجاره على استئجار أخيه، واقتراضه على اقتراض أخيه، واتهابه على اتهاب أخيه، وطلبه العمل في الولايات: - قال ابن مفلح: (وقال الشيخ تقي الدين: وأما استيامه على سوم أخيه: فكخطبته على خطبة أخيه، يفرق فيه بين الركون وعدمه، ولهذا جاز بيع المزايدة؛ لأن البائع طلب المزايدة، فلم يركن، بل رده، ولو لم يجب برد ولا قبول ففيه وجهان، لكن بيع المزايدة ظاهر فيما إذا كانت السلعة أو المنفعة بين البائع أو المؤجر، فأما المستأجر لحانوت، وفي رأس الحول إن لم يزد عليه أحد وإلا أجره المالك (٣) = فهذا ليس مثل بيع المزايدة، فإن المالك لم يطلب ولم يزد، وإنما تشبه مسألة الوجهين. وقال: استئجاره على استئجار أخيه، واقتراضه على اقتراض أخيه، واتهابه على اتهاب أخيه= مثل شرائه على شراء أخيه، وكذا اقتراضه في

стр. 420

الديوان، وطلبه العمل في الولايات، ونحو ذلك) [النكت على المحرر ١/ ٢٨٤ (١/ ٤١٨ ــ ٤١٩)]. ٦٠٧ - إذا امتنع الغاصب من دفع المال إلى صاحبه لإلجائه إلى أن يبيعه عليه: - قال ابن مفلح: (قال شيخنا: من استولى على ملك رجل بلا حق، فطلبه صاحبه، فجحده أو منعه إياه حتى يبيعه إياه، فباعه إياه على هذا الوجه، فهذا مكره بغير حق) [الفروع ٤/ ٥٠ (٦/ ١٧٧)] (١). ٦٠٨ - إذا أقر الرجل بالعبودية لكي يباع: - قال ابن مفلح: (وسأله ابن الحكم عن رجلٍ يقرُّ بالعبوديَّة حتى يباع، قال: يؤخذ البائع والمقر بالثمن، فإن مات أحدهما أو غاب أخذ الآخر بالثمن، واختاره شيخنا) [الفروع ٤/ ٥١ (٦/ ١٧٨)] (٢). ٦٠٩ - إلزام الباعة بالمعاوضة بثمن المثل (التسعير): - قال ابن القيم: (وأما صفة ذلك عند من جوَّزه (٣)، فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم، فيسألهم: كيف يشترون، وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سدادا، حتى يرضوا به، ولا يجبرهم على التسعير، ولكن عن رضى.

стр. 421

قال أبو الوليد: ووجه هذا: أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه= أدى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس. قال شيخنا: فهذا الذي تنازعوا فيه، وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب، ويعاقبون على تركه، وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع. ومن احتج على منع التسعير مطلقا بقول النبي ﷺ : «إن الله هو المسعر القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال» = قيل له: هذه قضية معينة وليست لفظا عاما، وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه، ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه ــ كما جرت به العادة ــ ولكن الناس تزايدوا فيه، فهنا لا يسعر عليهم) [الطرق الحكمية ٢٠٠] (١). - وقال ابن مفلح: (وأوجب شيخنا إلزامَهم المعاوضة بثمن المثل» ش» وأنه لا نزاع فيه، لأنها مصلحة عامة لحقِّ الله، فهي أولى من تكميل الحريّة. قال: ولهذا حرم «هـ» وأصحابه من يقسم بالأجر الشركة، لئلا يغلوا على الناس، فمنع (٢) البائعين والمشترين المتواطئين أولى، وأنه أولى من تلقي الركبان، وحرم غيره «م ر» وألزم بصنعة الفلاحة للجند، وكذا بقية الصناعة، وأن

стр. 422

ابن الجوزي وغيرَه ذكروا ذلك، لأن مصلحة الناس لا تتم إلا بها، كالجهاد وطلب العلم إذا لم يتعينا) [الفروع ٤/ ٥١ - ٥٢ (٦/ ١٧٨ - ١٧٩)] (١). ٦١٠ - حكم تمني الغلاء: - قال ابن مفلح: (قال أحمد: لا ينبغي أن يتمنى الغلاء، وفي «الرعاية»: يكره، واختاره شيخنا) [الفروع ٤/ ٥٤ (٦/ ١٨٠)] (٢). ٦١١ - الإجبار على بيع السلاح لحاجة الجهاد: - قال ابن مفلح: (ويجبر المحتكر على بيعه كما يبيع الناس «ش» فإن أبى وخيف التلف: فرقه الإمام، ويردون مثله، ويتوجه قيمته، وكذا سلاح لحاجة، قاله شيخنا) [الفروع ٤/ ٥٤ (٦/ ١٨٠)] (٣). ٦١٢ - إذا ضمن مكانا ليبيع ويشتري فيه وحده: - قال ابن مفلح: (ومن ضمن مكانا ليبيع ويشتري فيه وحده= كره الشراء منه بلا حاجة، ويحرم عليه أخذُ زيادةٍ بلا حقٍّ، ذكره شيخنا) [الفروع ٤/ ٥٤ (٦/ ١٨٠)] (٤). ٦١٣ - النهي عن بيعتين في بيعة: - قال ابن القيم: (وقوله في الحديث المتقدم: «من باع بيعتين في

стр. 423

بيعة: فله أوكسهما أو الربا» هو منزل على العينة بعينها، قاله شيخنا) [تهذيب السنن ٩/ ٢٤٠] (١). ٦١٤ - تفريق الصفقة: - قال ابن مفلح: (قال القاضي في «التعليق» ضمن المسألة: وإذا أوجب في عبدين لم يكن للمشتري أن يقبل في أحدهما، ذكره القاضي محل وفاق، مسلمًا له، وذكر في حجة المخالف أن امرأتين لو قالتا لرجل: زوجناك أنفسنا= لكان له أن يقبل إحداهما دون الأخرى وسلَّمه القاضي. وبناه المخالف على أنه إذا جمع بين محللة ومحرمة في النكاح، فإن نكاح المحرمة لا يصير شرطًا في نكاح المحللة، فإن تفريق الصفقة في النكاح جائز، وفي البيع يصير شرطًا. وقال القاضي: قبول البيع في أحدهما ليس شرطًا في قبوله في الآخر عندنا، قاله الشيخ تقي الدين. قال: وأجاب عن الحكم جوابًا فيه نظر، والتحقيق: أنه شرط، لكن المشروط وجود القبول، لا صحة القبول كما لم يشترط لزوم القبول في أحدهما، ولو كان المشروط شرطًا فاسدًا لم نسلم أنه يبطل البيع. وعلّله القاضي بأنه إنما لم يصح أن يقبل البيع في أحد العبدين، لأن نصف الثمن لا يقابل أحدهما؛ لأنه ينقسم على قدر قيمتهما، فإن قبل أحدهما بنصف الثمن لم يكن القبول موافقًا للإيجاب، فلهذا لم يصح.

стр. 424

وهذا التعليل يقتضي القبول، كما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء، وفيما لو قال: بعتك هذا بألف، وهذا بخمسمائة، وهذا فيه نظر. وقياس المذهب: أن ذلك ليس بلازم؛ لأن لمن تفرقت عليه الصفقة الخيار، والصفقة تتفرق هنا عليه، كما فيما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء. قال: وإذا جمع بين عقدين مختلفين بعوضين متميزين، مثل: بعتك عبدي بألف، وزوجتك بنتي بخمسمائة، فهذا أولى بالجواز من ذاك إذا قلنا به هناك، وإن قلنا بالمنع ... وبيض، فعلى هذا: هل للخاطب أن يقبل في أحد العقدين؟ قياس المذهب: أنه ليس له ذلك؛ لأن غاية هذا أن يكون كأنه جمع بعوض بين ما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء، ومعلوم أنه لو قال: بعتك هذه الصبرة بألف، لم يكن له أن يقبل نصفها بنصف الألف، وإن كان نصيبها من الثمن معلومًا، فكذلك إذا أوجب في عينين مختلفي الحكم أو متفقتين، إذ لا فرق في الحقيقة بين الأعيان التي تتفق أحكامها أو تختلف، إلا أن العطف في المختلف كالجمع في المؤتلف، فقوله: بعتك هذه، وزوجتك هذه، كقوله: بعتك هذين، أو زوجتكهما. انتهى كلامه) [النكت على المحرر ١/ ٣٠٩ - ٣١١ (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠)].

стр. 425

باب الشروط في البيع ٦١٥ - الشروط الباطلة في البيع: - قال ابن القيم: (واستفتته ﷺ عائشة ﵂، فقالت: إني أردت أن أشتري جارية فأعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا. فقال: «لا يمنعك ذلك، إنما الولاء لمن أعتق». والحديث في الصحيح ... وقال شيخنا: بل الحديث على ظاهره، ولم يأمرها النبي ﷺ باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط، ولا إباحة له، ولكن عقوبة لمشترطه إذ أبى أن يبيع جارية للمعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه، فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل، ليظهر به حكم الله ورسوله؛ لأن الشروط الباطلة لا تغير شرعه، وأن من شرط ما يخالف دينه لم يجز أن يوفّى له بشرطه، ولا يبطل البيع به، وأن من عرف فساد الشرط وشَرَطه ألغي اشتراطه ولم يعتبر) [إعلام الموقعين ٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩] (١). ٦١٦ - إذا شرط البائع نفع المبيع مدة معلومة: ٦١٧ - وحكم اشتراط تأخير القبض بلا غرض صحيح: - قال ابن مفلح: (ويصح شرط البائع نفع المبيع مدة معلومة على الأصح، غير الوطء، واحتج في «التعليق» و «الانتصار» و «المفردات» و «عيون المسائل» بشراء عثمان من صهيب أرضًا، وشرط وقفها عليه وعلى عقبه، وكحبسه على ثمنه والانتفاع به، والأشهر لا ينتفع، وقيل: يلزم تسليمه
следующие страницы →