قال شيخ الإسلام: وهذا لا يحتاج إليه، بل الصواب: جواز إجارة الشجر، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بحديقة أسيد بن حضير، فإنه آجرها سنين، وقضى بها دينه.
قال: وإجارة الأرض لأجل ثمرها بمنزلة إجارة الأرض لمغلها، فإن المستأجر يقوم على الشجر بالسقي والإصلاح والذيار في الكرم حتى تحصل الثمرة، كما يقوم على الأرض بالحرث والسقي والبذر حتى يحصل المغل، فثمرة الشجر تجري مجرى مغل الأرض بالحرث والسقي) [إغاثة اللهفان ٢/ ٨ ــ ٩].
- وقال أيضا: ( ... صح عن عمر ﵁: أنه قبل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين، وأخذ الأجرة، فقضى بها دينه، والحديقة: هي النخل.
فهذه إجارة الشجر لأخذ ثمرها، وهو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ولا يعلم له في الصحابة مخالف، واختاره أبو الوفاء بن عقيل من أصحاب أحمد، واختيار شيخنا) [زاد المعاد ٥/ ٨٢٥].
- وقال ابن مفلح: (وجَوَّز شيخنا إجارة الشجر مفردًا، ويقوم عليها المستأجر كأرض لزرع، وأن ما استوفاه الموقوف عليه، والمستعير بلا عوض يستوفيه المستأجر بالعوض، بخلاف بيع السنين، فإن تلفت الثمرة فلا أجرة، وإن نقصت عن العادة فالفسخ أو الأرش، لعدم المنفعة المقصودة بالعقد، وهو كجائحة، واشتراط عمل الآخر حتى يثمر ببعضه) [الفروع ٤/ ٤١٧ (٧/ ١٣٠ - ١٣١)] (١).
وانظر: ما يأتي في المسألة رقم (٧٧٨).
стр. 527
٧٦٥ - إلتزامات المتعاقدين في المزارعة والمساقاة:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: والسياج (١) على المالك، ويتبع في الكلف السلطانية العرف ما لم يكن شرط.
قال: وما طلب من قرية من وظائف سلطانية ونحوها، فعلى قدر الأموال، وإن وضعت على الزرع فعلى ربه، وعلى العقار على ربه ما لم يشرطه على مستأجر، وإن وضع مطلقًا فالعادة.
ومتى فسد العقد فالثمرة والبذر لربه وعليه الأجرة، وكذا العشر، وإن صحت= لزم المقطع عشر نصيبه، ومن قال: العشر كله على الفلاح= فخلاف الإجماع، قاله شيخنا، وإن ألزموا الفلاح به فمسألة الظفر، وقال شيخنا: الحق ظاهر، فيأخذه) [الفروع ٤/ ٤١ ٧ (٧/ ١٣٠ - ١٣١)] (٢).
٧٦٦ - إذا فسدت المساقاة:
- قال ابن مفلح: (وإن فسدت وسميت إجارة، فأجر المثل، وقيل: قسط المثل، واختاره شيخنا) [الفروع ٤/ ٤١٨ (٧/ ١٣٢)] (٣).
٧٦٧ - اشتراط صاحب الأرض على الفلاح:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: لا يجوز أن يشرط عليه شيئا مأكولًا ولا غيره (٤).
стр. 528
وقال ـ فيما يؤخذ من نصيب الفلاح للمقطع والعشر والدياسة (١) ونحو ذلك ـ: إن كانت لو دفعت مقاسمة قسمت أو جرت بمقدار فأخذ قدره فلا بأس.
قال: وهديته له إنما هي بسبب الإقطاع، فينبغي أن يحسبها مما له عنده أو لا يأخذها) [الفروع ٤/ ٤١٨ ــ ٤١٩ (٧/ ١٣٢ - ١٣٣)] (٢).
٧٦٨ - ضمان البساتين والحدائق:
- قال ابن القيم: (وضمان البساتين كما هو إجماع الصحابة فهو مقتضى القياس الصحيح، كما تضمن الأرض لمغلِّ الزرع فكذلك تضمن الشجر لمغل الثمر، ولا فرق بينهما ألبته، إذ الأصل هنا كالأرض هناك، والمغل يحصل بخدمة المستأجر والقيام على الشجر كما يحصل بخدمته والقيام على الأرض، ولو استأجر أرضا ليحرثها ويسقيها ويستغل ما ينبته الله تعالى فيها من غير بذر منه كان بمنزلة استئجار الشجر من كل وجه، لا فرق بينهما ألبته، فهذا أفقه من هذه الحيلة (٣)، وأبعد من الفساد، وأصلح للناس، وأوفق للقياس، وهو اختيار أبي الوفاء بن عقيل وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ , وهو الصواب) [إعلام الموقعين ٣/ ٢٥١] (٤).
стр. 529
باب الإجارة
٧٦٩ - موافقة الإجارة للقياس:
٧٧٠ - وإجارة الظئر:
٧٧١ - وإجارة الحيوان لأخذ لبنه:
- قال ابن القيم: (وأما الإجارة: فالذين قالوا هي على خلاف القياس= قالوا: هي بيع معدوم، لأن المنافع معدومة حين العقد، ثم لما رأوا الكتاب قد دل على جواز إجارة الظئر للرضاع، بقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] قالوا: إنها على خلاف القياس من وجهين:
أحدهما: كونها إجارة. والثاني: أن الإجارة عقد على المنافع، وهذه عقد على الأعيان.
ومن العجب: أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه، وقالوا: هي على خلاف القياس، والحكم إنما يكون على خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع يشابهه بنقيض ذلك الحكم، فيقال: هذا خلاف قياس ذلك النص، وليس في القرآن ولا في السنة ذكر فساد إجارة شبه هذه الإجارة، ومنشأ وهمهم ظنهم أن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منافع هي أعراض قائمة بغيرها، لا أعيان قائمة بنفسها.
ثم افترق هؤلاء فرقتين:
فقالت فرقة: إنما احتملناها على خلاف القياس، لورود النص، فلا نتعدى محله.
стр. 530
وقالت فرقة: بل نخرجها على ما يوافق القياس، وهو كون المعقود عليه أمرا غير اللبن، بل هو إلقام الصبي الثدي، ووضعه في حجر المرضعة، ونحو ذلك من المنافع التي هي مقدمات الرضاع، واللبن يدخل تبعا، غير مقصود بالعقد.
ثم طردوا ذلك: في مثل ماء البئر والعيون، التي في الأرض المستأجرة، وقالوا: يدخل ضمنا وتبعا، فإذا وقعت الإجارة على نفس العين والبئر، لسقي الزرع والبستان، قالوا: إنما وردت الإجارة على مجرد إدلاء الدلو في البئر وإخراجه، وعلى مجرد إجراء العين في أرضه، مما هو قلب الحقائق، وجعل المقصود وسيلة، والوسيلة مقصودة، إذ من المعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الإجارة، وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة، ولا معقودا عليها، ولا قيمة لها أصلًا، وإنما هي كفتح الباب، وكقود الدابة لمن اكترى دارا أو دابة.
ونحن نتكلم على هذين الأصلين الباطلين: على أصل من جعل الإجارة على خلاف القياس، وعلى أصل من جعل إجارة الظئر ونحوها على خلاف القياس، فنقول وبالله التوفيق:
أما الأصل الأول، فقولهم: إن الإجارة بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل، دليل مبني على مقدمتين مجملتين غير مفصلتين، قد اختلط في كل منهما الخطأ بالصواب:
فأما المقدمة الأولى، وهي كون الإجارة بيعا: إن أردتم به البيع الخاص، الذي يكون العقد فيه على الأعيان لا على المنافع= فهو باطل، وإن أردتم به: البيع العام، الذي هو معاوضة ــ إما على عين، وإما على منفعة ــ
стр. 531
فالمقدمة الثانية باطلة، فإن بيع المعدوم ينقسم إلى: بيع الأعيان، وبيع المنافع، ومن سلم بطلان بيع المعدوم فإنما يسلمه في الأعيان.
ولما كان لفظ البيع يحتمل هذا وهذا تنازع الفقهاء في الإجارة: هل تنعقد بلفظ البيع؟ على وجهين.
والتحقيق: أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما، وهذا حكم شامل لجميع العقود، فإن الشارع لم يحد لألفاظ العقود حدا، بل ذكرها مطلقة، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية والرومية والتركية، فانعقادها بما يدل عليها من الألفاظ العربية أولى وأحرى، ولا فرق بين النكاح وغيره، وهذا قول جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب أحمد.
قال شيخنا: بل نصوص أحمد لا تدل إلا على هذا القول، وأما كونه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج فإنما هو قول ابن حامد والقاضي وأتباعه، وأما قدماء أصحاب أحمد: فلم يشترط أحد منهم ذلك، وقد نص أحمد على أنه إذا قال: أعتقت أمتي، وجعلت عتقها صداقها= أنه ينعقد النكاح.
قال ابن عقيل: وهذا يدل، على أنه لا يختص النكاح بلفظ.
وأما ابن حامد: فطرد أصله، وقال: لا ينعقد، حتى يقول مع ذلك: تزوجتها.
وأما القاضي: فجعل هذا موضع استحسان خارجا عن القياس، فجوز النكاح في هذه الصورة خاصة، بدون لفظ الإنكاح والتزويج.
стр. 532
وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا، فإن من أصوله: أن العقود تنعقد بما يدل على مقصودها، من قول أو فعل، ولا يرى اختصاصها بالصيغ.
ومن أصوله: أن الكناية مع دلالة الحال كالصريح، كما قاله في الطلاق والقذف وغيرهما.
والذين اشترطوا لفظ الإنكاح والتزويج، قالوا: ما عداهما كناية، فلا يثبت حكمها إلا بالنية، وهي أمر باطن، لا اطلاع للشاهد عليه، إذ الشهادة إنما تقع على المسموع، لا على المقاصد والنيات، وهذا إنما يستقيم إذا كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع، وفي عرف المتعاقدين، والمقدمتان غير معلومتين.
أما الأولى: فإن الشارع استعمل لفظ التمليك في النكاح، فقال: «ملكتكها بما معك من القرآن» وأعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج، وأباح الله ورسوله النكاح، ورد فيه الأمة إلى ما تتعارفه نكاحا، بأي لفظ كان، ومعلوم: أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيم شرعي، فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلًا، فما هو الضابط لذلك؟
وأما المقدمة الثانية: فكون اللفظ صريحًا أو كناية أمر يختلف باختلاف عرف المتكلم والمخاطب، والزمان والمكان، فكم من لفظ صريح عند قوم، وليس بصريح عند آخرين، وفي مكان دون مكان، وزمان دون زمان، فلا يلزم من كونه صريحا في خطاب الشارع أن يكون صريحا عند كل متكلم، وهذا ظاهر.
стр. 533
والمقصود أن قوله: إن الإجارة نوع من البيع= إن أراد به البيع الخاص فباطل، وإن أراد به البيع العام فصحيح، ولكن قوله: إن هذا البيع لا يرد على معدوم= دعوى باطلة، فإن الشارع جوز المعاوضة العامة على المعدوم، فإن قستم بيع المنافع على بيع الأعيان= فهذا قياس في غاية الفساد، فإن المنافع لا يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها البتة، بخلاف الأعيان، وقد فرق بينهما الحس والشرع، فإن النبي ﷺ أمر: أن يؤخر العقد على الأعيان التي لم تخلق إلى أن تخلق، كما نهى عن بيع السنين، وحبل الحبلة، والثمر قبل أن يبدو صلاحه، والحب حتى يشتد، ونهى عن الملاقيح والمضامين ونحو ذلك، وهذا يمتنع مثله في المنافع، فإنه لا يمكن أن تباع، إلا في حال عدمها، فههنا أمران:
أحدهما: يمكن إيراد العقد عليه في حال وجوده، وحال عدمه، فنهى الشارع عن بيعه حتى يوجد، وجوز منه بيع ما لم يوجد تبعا لما وجد إذا دعت الحاجة إليه، وبدون الحاجة لم يجوزه.
والثاني: ما لا يمكن إيراد العقد عليه، إلا في حال عدمه كالمنافع، فهذا جوز العقد عليه، ولم يمنع منه.
فإن قلت: أنا أقيس أحد النوعين على الآخر، وأجعل العلة مجرد كونه معدومًا.
قيل: هذا قياس فاسد، لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين، وقولك: إن العلة مجرد كونه معدوما= دعوى بغير دليل، بل دعوى باطلة، فلم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدوما، يمكن تأخير بيعه إلى زمن
стр. 534
وجوده؟ وعلى هذا التقدير: فالعلة مقيدة بعدم خاص، وأنت لم تبين أن العلة في الأصل مجرد كونه معدوما، فقياسك فاسد، وهذا كاف في بيان فساده بالمطالبة، ونحن نبين بطلانه في نفسه، فنقول: ما ذكرناه علة مطردة، وما ذكرته علة منتقضة، فإنك إذا عللت بمجرد العدم، ورد عليك النقض بالمنافع كلها، وبكثير من الأعيان، وما عللنا به لا ينتقض، وأيضا فالقياس المحض وقواعد الشريعة وأصولها ومناسباتها= تشهد لهذه العلة، فإنه إذا كان له حال وجود وعدم كان في بيعه حال العدم مخاطرة وقمار، وبذلك علل النبي ﷺ المنع، حيث قال: «أرأيت إن منع الله الثمرة، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ ! ».
وأما ما ليس له إلا حال واحد، والغالب فيه السلامة= فليس العقد عليه مخاطرة ولا قمارا، وإن كان فيه مخاطرة يسيرة فالحاجة داعية إليه، ومن أصول الشريعة: أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما، والغرر إنما نهي عنه لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما، وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ضرر المخاطرة، فلا يزيل أدنى الضررين بأعلاهما، بل قاعدة الشريعة ضد ذلك، وهو دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما، ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة= أباحها لهم في العرايا للحاجة، لأن ضرر المنع من ذلك أشد من ضرر المزابنة، ولما حرم عليهم الميتة لما فيها من خبث التغذية أباحها لهم للضرورة، ولما حرم عليهم النظر إلى الأجنبية أباح منه ما تدعو إليه الحاجة للخاطب والمعامل والشاهد والطبيب.
فإن قلت: فهذا كله على خلاف القياس.
стр. 535
قيل: إن أردت أن الفرع اختص بوصف يوجب الفرق بينه وبين الأصل فكل حكم استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على خلاف القياس الفاسد، وإن أردت أن الأصل والفرع استويا في المقتضى والمانع واختلف حكمهما= فهذا باطل قطعا، ليس في الشريعة منه مسألة واحدة، والشيء إذا شابه غيره في وصف وفارقه في وصف= كان اختلافهما في الحكم باعتبار الفارق مخالفا لاستوائهما باعتبار الجامع، وهذا هو القياس الصحيح، طردا وعكسا، وهو التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، وأما التسوية بينهما في الحكم، مع افتراقهما فيما يقتضي الحكم، أو يمنعه فهذا هو القياس الفاسد، الذي جاء الشرع دائما بإبطاله، كما أبطل قياس الربا على البيع، وقياس الميتة على المذكى، وقياس المسيح عيسى ﵊ على الأصنام، وبين الفارق بأنه عبد أنعم عليه بعبوديته ورسالته، فكيف يعذبه بعبادة غيره له، مع نهيه عن ذلك، وعدم رضاه به؟ بخلاف الأصنام.
فمن قال: إن الشريعة تأتي بخلاف القياس الذي هو من هذا الجنس= فقد أصاب، وهو من كمالها واشتمالها على العدل والمصلحة والحكمة، ومن سوى بين الشيئين لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوي بين كل موجودين لاشتراكهما في مسمى الوجود! وهذا من أعظم الغلط والقياس الفاسد، الذي ذمه السلف، وقالوا: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، وهو القياس الذي اعترف أهل النار في النار ببطلانه، حيث قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ ــ ٩٨]، وذم الله أهله بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] أي يقيسونه على غيره، ويسوون بينه وبين غيره في
стр. 536
الإلهية والعبودية، وكل بدعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل: فأصلها من القياس الفاسد، فما أنكرت الجهمية صفات الرب وأفعاله، وعلوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وكلامه وتكليمه لعباده، ورؤيته في الدار الآخرة إلا من القياس الفاسد، وما أنكرت القدرية عموم قدرته ومشيئته، وجعلت في ملكه ما لا يشاء، وأنه يشاء ما لا يكون إلا بالقياس الفاسد، وما ضلت الرافضة، وعادوا خيار الخلق، وكفروا أصحاب محمد ﷺ ، وسبوهم إلا بالقياس الفاسد، وما أنكرت الزنادقة والدهرية معاد الأجسام، وانشقاق السموات، وطي الدنيا، وقالت بقدم العالم إلا بالقياس الفاسد، وما فسد ما فسد من أمر العالم، وخرب ما خرب منه إلا بالقياس الفاسد، وأول ذنب عصي الله به القياس الفاسد، وهو الذي جر على آدم وذريته من صاحب هذا القياس ما جر، فأصل شر الدنيا والآخرة جميعه من هذا القياس الفاسد، وهذه حكمة، لا يدريها إلا من له اطلاع على الواجب والواقع، وله فقه في الشرع والقدر.
فصل
وأما المقدمة الثانية، وهي: أن بيع المعدوم لا يجوز، فالكلام عليها من وجهين:
أحدهما: منع صحة هذه المقدمة، إذ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولا في كلام أحد من الصحابة: أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بلفظ عام، ولا بمعنى عام، وإنما في السنة: النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة، فليست العلة في المنع: لا العدم ولا الوجود، بل الذي وردت به السنة: النهي عن بيع
стр. 537
الغرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودًا، أو معدومًا كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد، وإن كان موجودا، إذ موجب البيع تسليم المبيع، فإذا كان البائع عاجزا عن تسليمه فهو غرر ومخاطرة وقمار، فإنه لا يباع إلا بوكس، فإن أمكن المشتري تسلمه كان قد قمر البائع، وإن لم يمكنه ذلك قمره البائع، وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهي عنه للغرر لا للعدم، كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمة أو هذه الشجرة= فالمبيع لا يعرف وجوده ولا قدره ولا صفته، وهذا من الميسر الذي حرمه الله ورسوله.
ونظير هذا في الإجارة أن يكريه دابة لا يقدر على تسليمها، سواء كانت موجودة أو معدومة، وكذلك في النكاح إذا زوجه أمة لا يملكها، أو ابنة لم تولد له، وكذلك سائر عقود المعاوضات، بخلاف الوصية فإنها تبرع محض، فلا غرر في تعلقها بالموجود والمعدوم، وما يقدر على تسليمه إليه، وما لا يقدر، وطرده الهبة، إذ لا محذور في ذلك فيها، وقد صح عن النبي ﷺ هبة المشاع المجهول، في قوله لصاحب كبة الشعر حين أخذها من المغنم، وسأله أن يهبها له، فقال: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك».
الوجه الثاني: أن نقول: بل الشرع صحَّح بيع المعدوم في بعض المواضع، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه، والحب بعد اشتداده، ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد، والنبي ﷺ نهى عن بيعه قبل بدو صلاحه، وأباحه بعد بدو الصلاح، ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل الصلاح بشرط القطع كالحصرم: جاز، فإنما نهى عن بيعه إذا كان قصده التبقية إلى الصلاح، ومن جوَّز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط
стр. 538
القطع أو مطلقا، وجعل موجب العقد القطع، وحرم بيعه بشرط التبقية أو مطلقًا= لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة، ولم يكن فرق بين ما نهي عنه من ذلك وما أذن فيه، فإنه يقول: موجب العقد التسليم في الحال، فلا يجوز شرط تأخيره، سواء بدا صلاحه أو لم يبد.
والصواب: قول الجمهور، الذي دلت عليه سنة رسول الله ﷺ ، والقياس الصحيح.
وقوله: إن موجب العقد التسليم في الحال= جوابه: أن موجب العقد: إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد، أو ما أوجبه المتعاقدان، مما يسوغ لهما أن يوجباه، وكلاهما منتف في هذه الدعوى، فلا الشارع أوجب أن يكون كل مبيع مستحق التسليم عقيب العقد، ولا العاقدان التزاما ذلك.
بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه، وتارة يشترطان التأخير: إما في الثمن، وإما في المثمن، وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير التسليم للمبيع، كما كان لجابر ﵁ غرض صحيح، في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة، فكيف يمنعه الشارع ما فيه مصلحة له، ولا ضرر على الآخر فيها؟ إذ قد رضي بها كما رضي ﷺ على جابر بتأخير تسليم البعير، ولو لم ترد السنة بهذا لكان محض القياس يقتضي جوازه.
ويجوز لكل بائع أن يستثني من منفعة المبيع ما له فيه غرض صحيح، كما إذا باع عقارا واستثنى سكناه مدة، أو دابة واستثنى ظهرها، ولا يختص ذلك بالبيع، بل لو وهبه واستثنى نفعه مدة، أو أعتق عبده واستثنى خدمته مدة، أو وقف عينا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته، أو كاتب أمة واستثنى وطأها مدة الكتابة، ونحوه.
стр. 539
وهذا كله منصوص أحمد، وبعض أصحابه يقول: إذا استثنى منفعة المبيع فلا بد أن يسلم العين إلى المشتري، ثم يأخذها ليستوفي المنفعة، بناء على هذا الأصل الذي قد تبين فساده، وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد.
وعن هذا الأصل قالوا: لا تصح الإجارة إلا على مدة تلي العقد، وعلى هذا بنوا ما إذا باع العين المؤجرة: فمنهم من أبطل البيع، لكون المنفعة لا تدخل في البيع، فلا يحصل التسليم، ومنهم من قال: هذا مستثنى بالشرع، بخلاف المستثنى بالشرط، وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوجة، وإن كانت منفعة البضع للزوج، ولم تدخل في البيع، واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه، كما إذا باع مخزنا له فيه متاع كثير، لا ينقل في يوم ولا أيام فلا يجب عليه جمع دواب البلد، ونقله في ساعة واحدة، بل قالوا: هذا مستثنى بالعرف، فيقال: وهذا من أقوى الحجج عليكم، فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف، كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع، فإنه يثبت بالشرط مالا يثبت بالشرع، كما أن الواجب بالنذر أوسع من الواجب بالشرع.
وأيضًا، فقولكم: إن موجب العقد استحقاق التسليم عقيبه= أتعنون أن هذا موجب العقد المطلق، أو مطلق العقد؟ فإن أردتم الأول: فصحيح، وإن أردتم الثاني: فممنوع، فإن مطلق العقد ينقسم إلى المطلق والمقيد، وموجب العقد المقيد ما قيد به، كما أن موجب العقد المقيد بتأجيل الثمن وثبوت خيار الشرط والرهن والضمين= هو ما قيد به، وإن كان موجبه عند إطلاقه خلاف ذلك، فموجب العقد المطلق شيء، وموجب العقد المقيد شيء.
стр. 540
والقبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين، والنبي ﷺ جوز بيع الثمرة بعد بدو الصلاح مستحقة الإبقاء إلى كمال الصلاح، ولم يجعل موجب العقد القبض في الحال، بل القبض المعتاد عند انتهاء صلاحها، ودخل فيما أذن فيه: بيع ما هو معدوم لم يخلق بعد، وقبض ذلك بمنزلة قبض العين المؤجرة، وهو قبض يبيح التصرف في أصح القولين، وإن كان قبضًا لا يوجب انتقال الضمان، بل إذا تلف المبيع قبل قبضه المعتاد كان من ضمان البائع، كما هو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث ــ أهل بلدته وأهل سنتَه.
وهو مذهب الشافعي قطعا، فإنه علق القول به على صحة الحديث، وقد صح صحة لا ريب فيها، من غير الطريق التي توقف الشافعي فيها، فلا يسوغ أن يقال: مذهبه عدم وضع الجوائح، وقد قال: إن صح الحديث قلت به، ورواه من طريق توقف في صحتها، ولم تبلغه الطريق الأخرى التي لا علة لها، ولا مطعن فيها.
وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كل قبض جوز التصرف ينقل الضمان، وما لم يجوز التصرف لا ينقل الضمان، فقبض العين المؤجرة يجوز التصرف، ولا ينقل الضمان، وقبض العين المستامة والمستعارة والمغصوبة يوجب الضمان، ولا يجوز التصرف.
فصل
ومن هذا الباب: بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان، فمن منع بيعه إلا لقطة لقطة، قال: لأنه معدوم، فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها، ومن جوّزه كأهل المدينة وبعض أصحاب أحمد، فقولهم أصح، فإنه لا يمكن بيعها إلا
стр. 541
على هذا الوجه، ولا تتميز اللقطة المبيعة عن غيرها، ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك، ولو كلف الناس به لكان أشق شيء عليهم، وأعظمه ضررا، والشريعة لا تأتي به، وقد تقدم أن ما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى الشارع عن بيعه، وإنما نهى الشارع عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بدو الصلاح.
ونظير ما نهى عنه وأذن فيه، سوى بيع المقاثي إذا بدا الصلاح فيها، ودخول الأجزاء والأعيان التي لم تخلق بعد كدخول أجزاء الثمار، وما يتلاحق في الشجر منها، ولا فرق بينهما البتة.
فصل
وبنوا على هذا الأصل الذي لم يدل عليه دليل شرعي، بل دل على خلافه ــ وهو: بيع المعدوم ــ= ضمان الحدائق والبساتين، وقالوا: هو بيع للثمر قبل ظهوره، أو قبل بدو صلاحه، ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه، وليس مع المانعين كما ظنوه، فلا النص يتناوله ولا معناه، ولم تجمع الأمة على بطلانه، فلا نص مع المانعين ولا قياس ولا إجماع، ونحن نبين انتفاء هذه الأمور الثلاثة:
أما الإجماع: فقد صحَّ عن عمر بن الخطاب أنه ضمن حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين، وتسلف الضمان، فقضى به دينا كان على أسيد، وهذا بمشهد من الصحابة، ولم ينكره منهم رجل واحد، ومن جعل مثل هذا إجماعا، فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك، وأقل درجاته: أن يكون قول صحابي، بل: قول الخليفة الراشد، ولم ينكره منهم منكر، وهذا حجة عند جمهور العلماء.
стр. 542
وقد جوَّز بعض أصحاب أحمد ضمان البساتين مع الأرض المؤجرة، إذ لا يمكن إفراد إحداهما عن الأخرى، واختاره ابن عقيل.
وجوَّز بعضهم ضمان الأشجار مطلقًا، مع الأرض وبدونها، واختاره شيخنا، وأفرد فيه مصنفًا.
ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال، وجوَّز مالك ذلك، تبعًا للأرض في قدر الثلث.
قال شيخنا: والصواب ما فعله عمر ﵁، فإن الفرق بين البيع والضمان، هو الفرق بين البيع والإجارة، والنبي ﷺ نهى عن بيع الحب حتى يشتد، ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة، مع أن المستأجر مقصوده الحب بعمله، فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها، وهو نظير مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه، والحب نظير الثمر، والشجر نظير الأرض، والعمل نظير العمل، فما الذي حرم هذا وأحل هذا؟
وهذا بخلاف المشتري، فإنه يشتري ثمرا، وعلى البائع مؤونة الخدمة والسقي والقيام على الشجر، فهو بمنزلة الذي يشتري الحب وعلى البائع مؤونة الزرع والقيام عليه.
فقد ظهر انتفاء القياس والنص، كما ظهر انتفاء الإجماع، بل القياس الصحيح مع المجوزين، كما معهم الإجماع القديم.
فإن قيل: فالثمر أعيان، وعقد الإجارة إنما يكون على المنافع.
قيل: الأعيان هنا حصلت بعمله في الأصل المستأجر، كما حصل الحب بعمله في الأرض المستأجرة.
стр. 543
فإن قيل: الفرق أن الحب حصل من بذره، والثمر حصل من شجر المؤجر.
قيل: لا أثر لهذا الفرق في الشرع، بل قد ألغاه الشارع في المساقاة والمزارعة، فسوى بينهما، والمساقي يستحق جزءا من الثمرة الناشئة من أصل الملك، والمزارع يستحق جزءا من الزرع النابت في أرض المالك، وإن كان البذر منه، كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة.
فإذا لم يؤثر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة، التي يكون النماء فيها مشتركا لم يؤثر في الإجارة بطريق الأولى، لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في المزارعة، فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز من المزارعة فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها، فهذا محض القياس، وعمل الصحابة، ومصلحة الأمة. وبالله التوفيق.
والذين منعوا ذلك وحرموه توصلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعًا وعقلًا، فإنهم يؤجرونه الأرض، وليست مقصودة له البتة، ويساقونه على الشجر من ألف جزء، على جزء مساقاة غير مقصودة، وإجارة غير مقصودة، فجعلوا ما لم يقصد مقصودا، وما قصد غير مقصود! وحابوا في المساقاة أعظم محاباة، وذلك حرام باطل في الوقف وبستان المولى عليه من يتيم أو سفيه أو مجنون، ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تسوغ لهم محاباة المستأجر في المساقاة، ولا يسوغ اشتراط أحد العقدين في الآخر، بل كل عقد مستقل بحكمه، فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه؟ وأين القياس من القياس؟ والفقه من الفقه؟ فبينهما في الصحة بعد ما بين المشرقين.
стр. 544
فصل
فهذا الكلام على المقام الأول، وهو: كون الإجارة على خلاف القياس، وقد تبين بطلانه.
وأما المقام الثاني، وهو: أن الإجارة التي أذن الله فيها في كتابه، وهي إجارة الظئر على خلاف القياس، فبناء منهم على هذا الأصل الفاسد، وهو: أن المستحق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان، وهذا الأصل: لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، بل الذي دلت عليه الأصول: أن الأعيان التي تحدث شيئًا فشيئًا، مع بقاء أصلها= حكمها حكم المنافع، كالثمر في الشجر، واللبن في الحيوان، والماء في البئر، ولهذا سوى بين النوعين في الوقف، فإن الوقف: تحبيس الأصل، وتسبيل الفائدة، فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعة كالسكنى، وأن تكون ثمرة، وأن تكون لبنا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها.
وكذلك في باب التبرعات: كالعارية، لمن ينتفع بالمتاع، ثم يرده، والعرية: لمن يأكل ثمر الشجرة، ثم يردها، والمنيحة: لمن يشرب لبن الشاة، ثم يردها، والقرض: لمن ينتفع بالدراهم، ثم يرد بدلها القائم مقام عينها.
فكذلك في الإجارة: تارة يكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانا، وتارة للعين التي تحدث شيئًا من بعد شيء مع بقاء الأصل، كلبن الظئر، ونقع البئر، فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئا بعد شيء، مع بقاء الأصل= كانت كالمنفعة، والمسوغ هو: ما بينهما من القدر المشترك، وهو حدوث المقصود بالعقد شيئًا فشيئًا، سواء كان الحادث عينًا أو منفعة، وكونه جسما أو معنى قائما بالجسم لا أثر له في الجواز والمنع، مع اشتراكهما في
стр. 545
المقتضي للجواز، بل هذا النوع من الأعيان الحادثة شيئا فشيئا أحق بالجواز، فإن الأجسام أكمل من صفاتها.
وطرد هذا القياس: جواز إجارة الحيوان ــ غير الآدمي ــ لرضاعه، فإن الحاجة تدعو إليه، كما تدعو إليه في الظئر من الآدميين بطعامها وكسوتها، ويجوز استئجار الظئر من البهائم بعلفها، والماشية إذا عاوض على لبنها فهو نوعان:
أحدهما: أن يشترى اللبن مدة، ويكون العلف والخدمة على البائع= فهذا بيع محض.
والثاني: أن يسلمها، ويكون علفها وخدمتها عليه، ولبنها له مدة الإجارة= فهذا إجارة، وهو كضمان البستان سواء، وكالظئر، فإن اللبن يستوفى شيئًا فشيئًا مع بقاء الأصل، فهو كاستئجار العين، ليسقي بها أرضه، وقد نص مالك على جواز إجارة الحيوان مدة للبنه، ثم من أصحابه من جوز ذلك تبعا لنصه، ومنهم من منعه، ومنهم من شرط فيه شروطًا ضيقوا بها مورد النص ولم يدل عليها نصه.
والصواب: الجواز، وهو موجب القياس المحض، فالمجوزون أسعد بالنص من المانعين، وبالله التوفيق) [إعلام الموقعين ٢/ ٢٢ - ٣٤] (١).
- وقال أيضًا: (وليس في القرآن إجارة منصوص عليها في شريعتنا، إلا إجارة الظئر، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ
стр. 546
بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦]، قال شيخنا: وإنما ظن الظان أنها خلاف القياس، حيث توهم أن الإجارة لا تكون إلا على منفعة، وليس الأمر كذلك، بل الإجارة تكون على كل ما يستوفى مع بقاء أصله، سواءً كان عينًا أو منفعة، كما أن هذه العين هي التي توقف وتعار فيما استوفاه الموقوف عليه والمستعير، بلا عوض يستوفيه المستأجر وبالعوض.
فلما كان لبن الظئر مستوفى مع بقاء الأصل= جازت الإجارة عليه، كما جازت على المنفعة، وهذا محض القياس، فإن هذه الأعيان: يحدثها الله شيئًا بعد شيء، وأصلها باقٍ، كما يحدث الله المنافع شيئًا بعد شيء وأصلها باقٍ) [زاد المعاد ٥/ ٨٢٦] (١).
- وقال أيضا: (فالأقوال في العقد على اللبن في الضرع ثلاثة:
أحدها: منعه بيعًا وإجارة، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة.
والثاني: جوازه بيعًا وإجارة.
والثالث: جوازه إجارة لا بيعًا، وهو اختيار شيخنا ﵀) [زاد المعاد ٥/ ٨٢٩ ــ ٨٣٠].
٧٧٢ - الألفاظ التي تنعقد بها الإجارة:
- قال ابن مفلح: (تنعقد بلفظها، ومعناه إن أضافه إلى العين، وكذا إلى النفع في الأصح، وفي لفظ البيع وجهان (٢)، قال شيخنا: بناء على أن هذه
стр. 547
المعاوضة نوع من البيع أو شبيه به) [الفروع ٤/ ٤٢٠ ــ ٤٢١ (٧/ ١٣٤ - ١٣٥)] (١).
٧٧٣ - إذا استأجر دارا كل شهر بكذا ونحو ذلك:
- قال ابن مفلح: (ولو اكترى دارا كل شهر بكذا ونحو ذلك، ففي صحة العقد، وقيل: بعد الأول= روايتان، فإن صح ففسخ بعد دخول الثاني (٢)، وقال القاضي و «المحرر»: إلى تمام يوم، وقال الشيخ: أو قبله (٣)، وقال أيضًا وأبو الخطاب وشيخنا: بل قبله) [الفروع ٤/ ٤٢٣ (٧/ ١٣٧ - ١٣٩)].
٧٧٤ - لا تحل الأجرة المؤجلة بموت:
٧٧٥ - وليس لناظر الوقف تعجيلها كلها إلا لحاجة:
- قال ابن مفلح: (ولا تحل في أصح قولي العلماء مؤجلة بموت (٤)
стр. 548
وإن حل دين لأن حلها مع تأخير استيفاء المنفعة ظلم. قاله شيخنا.
قال: وليس لناظر وقف ونحوه تعجيلها كلها إلا لحاجة، ولو شرطه: لم يجز، لأن الموقوف عليه يأخذ ما لا يستحقه الآن، كما يفرقون في الأرض المحتكرة إذا بيعت وورثت، فإن الحكر من الانتقال يلزم المشتري والوارث، وليس لهم أخذه من بائع وتركه في أصح قوليهم) [الفروع ٤/ ٤٢٦ (٧/ ١٤١ - ١٤٢)] (١).
٧٧٦ - إذا أنزاه على فرسه فنقص:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: ولو أنزاه على فرسه فنقص= ضمن نقصه) [الفروع ٤/ ٤٢٨ (٧/ ١٤٤)] (٢).
٧٧٧ - إجارة الشاة للبنها:
- قال ابن القيم: (وقد حكم الله سبحانه بصحة إجارة الظئر للبنها، وهو بمنزلة إجارة الشجر لثمرها، وطرد هذا ما جوَّزه مالك وغيره من إجارة الشاة والبقرة للبنها مدة معلومة، وهذا أحد الوجهين في مذهب أحمد،
стр. 549
اختاره شيخنا) [أحكام أهل الذمة ١/ ١١١].
- وقال أيضا: (يجوز أن يستأجر الشاة والبقرة ونحوهما مُدّة معلومة للبنها، ويجوز أن يستأجرها لذلك بعلفها وبدراهم مسماة، والعلف عليه، هذا مذهب مالك، وخالفه الباقون، وقوله هو الصحيح، واختاره شيخنا) [إغاثة اللهفان ٢/ ٤٨].
- وقال أيضا: (وأما إن أجره الشاة أو البقرة أو الناقة مدة معلومة لأخذ لبنها في تلك المدة، فهذا لا يجوزه الجمهور، واختار شيخنا جوازه، وحكاه قولا لبعض أهل العلم، وله فيها مصنف مفرد.
قال: إذا استأجر غنما أو بقرا أو نوقا أيام اللبن بأجرة مسماة، وعلفها على المالك، أو بأجرة مسماة مع علفها على أن يأخذ اللبن= جاز ذلك في أظهر قولي العلماء كما في الظئر.
قال: وهذا يشبه البيع، ويشبه الإجارة، ولهذا يذكره بعض الفقهاء في البيع، وبعضهم في الإجارة ... ) [زاد المعاد ٥/ ٨٢٣ - ٨٢٤] (١).
وانظر: ما تقدم في المسألة رقم (٧٧١)، وكلام ابن مفلح في المسألة التالية.
٧٧٨ - إجارة الشمع ليشعله:
٧٧٩ - وإجارة ماء قناة مدة وماء فائض بركة رأياه:
- قال ابن القيم: (المثال الخامس (٢): لا يجوز استئجار الشمع
стр. 550
ليشعله، لذهاب عين المستأجر، والحيلة في تجويز هذا العقد أن يبيعه من الشمعة أواقي معلومة، ثم يؤجره إياها، فإن كان الذي أشعل منها ذلك القدر وإلا احتسب له بما أذهبه منها.
وأحسن من هذه الحيلة أن يقول: بعتك من هذه الشمعة كل أوقية منها بدرهم، قل المأخوذ منها أو كثر، وهذا جائز على أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخنا) [إعلام الموقعين ٣/ ٣٤١ - ٣٤٢].
- وقال ابن مفلح: (وشمع ليشعله (١)، وجعله شيخنا مثل كل شهر بدرهم، فمثله في الأعيان نظير هذه المسألة في المنافع، ومثله: كلما أعتقت عبدا من عبيدك فعلي ثمنه، فإنه يصح وإن لم يبين العدد والثمن، وهو إذن في الانتفاع بعوض، واختار جوازه، وأنه ليس بلازم، بل جائز، كالجعالة، وكقوله: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه فإنه جائز، أو من ألقى كذا فله كذا، ومن ألقى كذا فله كذا، وجواز إجارة ماء قناة مدة، وماء فائض بركة رأياه، وإجارة حيوان لأخذ لبنه قام به هو أو ربه، فإن قام عليها المستأجر وعلفها فكاستئجار الشجر، وإن علفها ربها، ويأخذ المشتري لبنا مقدرًا فبيع محض، وإن كان يأخذ اللبن مطلقًا فبيع أيضًا، وليس هذا بغرر، لأن الغرر ما تردد بين الوجود والعدم، فهو من جنس القمار الذي هو الميسر، وهو أكل المال بالباطل، كبيع الآبق والشارد.
قال: والمنافع والفوائد تدخل في عقود التبرع، سواء كان الأصل محتبسا بالوقف أو غير محتبس كالعارية ونحوها، كما نص عليه الشارع في منيحة الشاة، وهو عاريتها للانتفاع بلبنها، كما يعيره الدابة لركوبها، ولأن هذا
стр. 551
يحدث شيئًا فشيئا، فهو بالمنافع أشبه، فإلحاقه بها أولى، ولأن المستوفى بعقد الإجارة على زرع الأرض هو عين من الأعيان، وهو ما يحدثه من الحب بسقيه وعمله، وكذا مستأجر الشاة للبنها مقصوده ما يحدثه الله من لبنها بعلفها والقيام عليها، فلا فرق بينهما، والآفات والموانع التي تعرض للزرع أكثر من آفات اللبن، لأن الأصل في العقود الجواز والصحة. قال: وكظئر، ومثلها نفع بئر) [الفروع ٤/ ٤٢٨ ــ ٤٣٠ (٧/ ١٤٤ - ١٤٥)] (١).
٧٨٠ - أخذ الأجرة على تعليم الحديث والفقه:
- قال ابن مفلح: (ويحرم (٢) على أذان وإمامة صلاة وتعليم قرآن ونيابة حج، وفي حديث وفقه وجهان، وذكر شيخنا وجها: يجوز لحاجة، واختاره) [الفروع ٤/ ٤٣٥ (٧/ ١٥٢)] (٣).
٧٨١ - أخذ الأجرة على الأذان:
- قال ابن مفلح: (ونقل حنبل: يكره للمؤذن أن يأخذ على أذانه أجرًا. قال شيخنا: وهو معنى كلام بعضهم، ومن لم يجوزه لم يجوز إيقاعها على غير وجه العبادة لله تعالى، كصلاة وصوم وقراءة، والاستئجار يخرجها عن ذلك، ومن جوزه فلأنه نفع يصل إلى المستأجر كسائر النفع، وجوز إيقاعها غير عبادة في هذه الحال، لما فيها من النفع.
قال: وأما ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضا وأجرة، بل رزق للإعانة
стр. 552
على الطاعة، فمن عمل منهم لله أثيب، وما يأخذه رزق للإعانة على الطاعة) [الفروع ٤/ ٤٣٦ (٧/ ١٥٢ - ١٥٣)] (١).
٧٨٢ - أخذ المال على الاستنابة في الحج:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: المستحب أن يأخذ ليحج، لا أن يحج ليأخذ، فمن يحب إبراء ذمة الميت أو رؤية المشاعر يأخذ ليحج، ومثله كل رزق أخذ على عمل صالح، فَفَرْقٌ (٢) بين من يقصد الدين والدنيا وسيلته، وعكسه، والأشبه أن عكسه ليس له في الآخرة من خلاق.
قال: وحجه عن غيره ليستفضل (٣) ما يوفي دينه الأفضل تركه، لم يفعله السلف، ويتوجه فعله لحاجة) [الفروع ٤/ ٤٣٦ (٧/ ١٥٤)] (٤).
٧٨٣ - إجارة المسلم نفسه من أهل الذمة:
٧٨٤ - ومن استؤجر لعمل محرم لا لنفسه:
٧٨٥ - وأجرة العمل المحرم:
- قال ابن القيم: ( ... أما إيجارهم (٥) نفسه فهي مسألة تفصيل، ونحن نذكر نصوص أحمد:
قال إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبا عبد الله، وسأله رجل بناء: أبني
стр. 553
للمجوس ناووسا؟ قال: لا تبن لهم، ولا تعنهم على ما هم فيه.
وقال محمد بن عبد الحكم: سألت أبا عبد الله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرا بكراء؟ قال: لا بأس به.
وليس هذا باختلاف رواية، قال شيخنا: والفرق بينهما أن الناووس من خصائص دينهم الباطل، فهو كالكنيسة بخلاف القبر المطلق، فإنه ليس في نفسه معصية، ولا من خصائص دينهم.
قال إسحاق بن منصور: قيل لأبي عبد الله: يؤاجر الرجل نفسه للمجوسي؟ قال: لا ...
ومضى ابن القيم إلى أن قال: وتلخيص مذهبه (١) أن إجارة المسلم نفسه للذمي ثلاثة أنواع:
أحدها: إجارة على عمل في الذمة، فهذه جائزة.
والثانية: إجارة للخدمة، فهذه فيها روايتان منصوصتان عنه، أصحهما: المنع منها.
الثالثة: إجارة عينه منه لغير الخدمة، فهذه جائزة، وقد آجر علي ﵁ نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة، وأكل النبي ﷺ من ذلك التمر.
هذا كله إذا كان الإيجار لعمل لا يتضمن تعظيم دينهم وشعائره، فإن كانت الإجارة على عمل يتضمن ذلك لم يجز، كما نص عليه أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم ...
стр. 554
إلى أن قال: فإن قيل: فقد قال الخلال: أخبرني أبو نصر (١) إسماعيل بن عبد الله بن ميمون العجلي قال: قال أبو عبد الله فيمن حمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصارى: يكره أكل كرائه، ولكنه يقضى للحمال بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشد كراهية.
قيل: اختلف الأصحاب في هذا النص على ثلاث طرق:
إحداها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة، قال ابن أبي موسى في «الإرشاد»: وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني، فإن فعل قضي له بالكراء، وإن أجر نفسه لحمل محرم لمسلم كانت الكراهية أشد، ويأخذ الكراء، وهل يطيب له؟ على وجهين، أوجههما أنه لا يطيب له، وليتصدق به ...
إلى أن قال ابن القيم ــ بعد أن ذكر الطريقة الثانية والثالثة -: قال شيخنا: والأشبه طريقة ابن أبي موسى، فإنها أقرب إلى مقصود أحمد، وأقرب إلى القياس، وذلك أن (٢) النبي ﷺ لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق العوض وليست محرمة في نفسها، وإنما حرمت بقصد المعتصر والمستحيل (٣)، فهو
стр. 555
كما لو باع عنبا أو عصيرا لمن يتخذه خمرا، وفات العصير والعنب في يد المشتري فإن مال البائع لا يذهب مجانا، بل يقضى له بعوضه.
كذلك ههنا: المنفعة التي وفَّاها المؤجر لا تذهب مجانا، بل يعطى بدلها، فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر، لا من جهته، ثم نحن نحرم الإجارة عليه لحق الله سبحانه، لا لحق المستأجر والمشتري، بخلاف من استؤجر للزنا أو التلوط أو السرقة ونحو ذلك، فإن نفس هذا الفعل محرم في نفسه، فهو كما لو باعه ميتة أو خمرا أو خنزيرا، فإنه لا يقضى له بثمنها، لأن نفس هذه العين محرمة.
ومثل هذه الإجارة والجعالة لا توصف بالصحة مطلقا ولا بالفساد مطلقا، بل يقال: هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه تجب عليه الأجرة والجعل، فاسدة بالنسبة إلى [الأجير] (١)، يعني أنه يحرم عليه الانتفاع بالمال، ولهذا نظائر في الشريعة، ونص أحمد على كراهة نطارة (٢) كرم النصراني لا ينافي هذا، فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن ثمنه، ثم نقضي له بكرائه ولو لم يفعل هذا، لكان فيه منفعة عظيمة وإعانة للعصاة، فإن من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصّلوا غرضهم منه، ثم لا يعطونه شيئا، وإذا أخذ منهم العوض يُنْزع منه ثم يرد هنيئا موفرا.
فإن قيل: فما تقولون فيمن سلم إليهم المنفعة المحرمة التي استأجروه عليها كالغناء والنوح والزنى واللواط؟
стр. 556
قيل: إن كان لم يقبض منهم العوض لم يقض له به باتفاق الأمة، وإن كان قبض لم يطب له أكله، ولم يملكه بذلك، والجمهور يقولون: يرده عليهم، لأنه قبضه قبضا فاسدا، وهذا فيه روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد: إحداهما: أنه يرده عليهم؛ والثانية: لا يأكله ولا يرده، بل يتصدق به.
قال شيخنا: وأصح الروايتين أنه لا يرده عليه، ولا يباح للآخذ، ويصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر.
ومن ظن أنها ترد على الباذل المستأجر، لأنها مقبوضة بعقد فاسد، فيجب ردها عليه كالمقبوض بعقد الربا ونحوه من العقود الفاسدة، قيل له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه كما في عقود الربا، وهذا عند من يقول: المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك، فأما إذا تلف المعوّض عند القابض وتعذر رده فلا يقضى له بالعوض الذي بذله، ويجمع له بين العوض والمعوض، فإن الزاني واللائط ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا عوضه المحرم، وليس التحريم الذي فيه لحقهم، وإنما هو لحق الله، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال الذي بذله في استيفائها، وأيضا فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وعوضها جميعا، بخلاف ما لو كان العوض خنزيرا أو ميتة فإن ذلك لا ضرر عليه في فواته، فإنه لو كان باقيا أتلفناه عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه، بحيث يتمكن من صرفها في أمر آخر، أعني: القوة التي عمل بها.
стр. 557
فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن تقضوا له بها إذا طالب بقبضها، قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها، كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل القبض لم نحكم بالرد، لكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة، لأنه كان معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر، فإذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرطت حيث صرفت قوتك في عمل محرم، فلا يقضى له بالأجرة، فإذا قبضها ثم قال الدافع: هذا المال اقضوا لي برده، فإنه قبض مني باطلا.
قلنا له: أنت دفعته بمعاوضة رضيت بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ منك فاردد إليه ما أخذته منه، فإن في بقائه معه منفعة له، فإن قال: قد تعذر رد المنفعة التي استوفيتها منه، قيل له: فلا يجمع لك بين ما استمتعت به من منفعته وبين العوض الذي بذلته فيها، فإن قال: أنا بذلت ما لا يجوز بذله، وهو أخذ ما لا يجوز أخذه، قيل: وهو بذل لك من منفعته ما لا يجوز له بذله، واستوفيت أنت ما لا يجوز استيفاؤه، فكلاكما سواء، فما الموجب لرجوعك عليه، ولا يفوت عليك شيء، وتفوت المنفعة عليه، وكلاكما راض بما بذل، مستوف لعوضه؟ ! فإن قال: ما بذلته أنا عين يمكن الرجوع في معوضها الذي بذلت في مقابلته، أو إذا لم يمكن، الأول مسلم، والثاني هو محل النزاع، فكيف يجعل مقدمته من مقدمات الدليل؟ قياسه على المقبوض عوضا عن الخمر والميتة لا يصح كما عرف الفرق بينهما، على أنا لا نسلم أن مشتري الخمر إذا قبض ثمنها وشربها ثم طلب أن يعاد إليه المال أن يقضى له به، بل الأوجه ألا يرد إليه الثمن، ولا يباح للبائع أيضا، لا سيما ونحن نعاقب الخمار يبيع الخمر بأن يحرق الحانوت التي يباع فيها، نص عليه أحمد وغيره من العلماء، فإن عمر بن الخطاب ﵁ حرق حانوتا يباع فيه الخمر، وعلي بن أبي طالب ﵁ حرق قرية يباع فيها الخمر، وهذا على أصل من يرى جواز
стр. 558
العقوبات المالية أطرد، فإنه إذا جاز عقوبته بمال ينزع منه يفسده عليه ويحول بينه وبينه فأن لا يقضى له بمال أخرجه في المعصية ويمنع من استرجاعه أولى وأحرى، وبالله التوفيق) [أحكام أهل الذمة ١/ ٢٧٥ - ٢٨٤].
- وقال أيضا: (وقد نص أحمد في رواية أبي النضر فيمن حمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني: أكره أكل كرائه، ولكن يقضى للحمال بالكراء, وإذا كان لمسلم فهو أشد كراهة.
فاختلف أصحابه في هذا النص على ثلاث طرق:
إحداها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة، قال ابن أبي موسى: وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني، فإن فعل قضي له بالكراء، وهل يطيب له أم لا؟ على وجهين، أوجههما أنه لا يطيب له، وليتصدق به ... (١).
إلى أن قال ابن القيم ــ بعد أن ذكر الطريقة الثانية والثالثة -: قال شيخنا: والأشبه طريقة ابن أبي موسى ــ يعني أنه يقضى له بالأجرة وإن كانت المنفعة محرمة، ولكن لا يطيب له أكلها -، فإنها أقرب إلى مقصود أحمد، وأقرب إلى القياس، وذلك لأن النبي ﷺ لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق
стр. 559
العوض وهي ليست محرمة في نفسها، وإنما حرمت بقصد المعتصر والمستحمل، فهو كما لو باع عنبا وعصيرا لمن يتخذه خمرا، وفات العصير والعنب في يد المشتري، فإن مال البائع لا يذهب مجانا، بل يقضى له بعوضه، كذلك هنا المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانا، بل يعطى بدلها، فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر، لا من جهة المؤجر، فإنه لو حملها للإراقة أو لإخراجها إلى الصحراء خشية التأذي بها جاز، ثم نحن نحرم الإجارة عليه لحق الله سبحانه، لا لحق المستأجر والمشتري، بخلاف من استؤجر للزنا أو التلوط أو السرقة، فإن نفس هذا العمل محرم لأجل قصد المستأجر، فهو كما لو باع ميتة أو خمرا، فإنه لا يقضى له بثمنها، لأن نفس هذه العين محرمة، وكذلك لا يقضى له بعوض هذه المنفعة المحرمة.
قال شيخنا: ومثل هذه الإجارة والجعالة ــ يعني الإجارة على حمل الخمر والميتة ــ لا توصف بالصحة مطلقا ولا بالفساد مطلقا، بل يقال: هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه يجب عليه العوض، وفاسدة بالنسبة إلى الأجير، بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجر، ولهذا في الشريعة نظائر.
قال: ولا ينافي هذا نص أحمد على كراهة نطارة كرم النصراني، فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن عوضه، ثم نقضي له بكرائه.
قال: ولو لم يفعل هذا، لكان في هذا منفعة عظيمة للعصاة، فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصّلوا غرضهم منه، فإذا لم يعطوه شيئا ووجب أن يرد عليهم ما أخذ منهم، كان ذلك أعظم العون
стр. 560
لهم وليسوا بأهل أن يعاونوا على ذلك، بخلاف من سلّم إليهم عملا لا قيمة له بحال، يعني: كالزانية والمغني والنائحة، فإن هؤلاء لا يقضى لهم بأجرة) [زاد المعاد ٥/ ٧٨٢ - ٧٨٦].
- وقال أيضا: (وقد توقف شيخنا في وجوب رد عوض هذه المنفعة المحرمة على باذله أو الصدقة به في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم»، وقال: الزاني ومستمع الغناء والنوح= قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، فاستوفوا العوض المحرم، والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق الله تعالى، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي: أنه إذا رد أحد العوضين رد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال، وهذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته، وأخذ عوضها جميعًا منه، بخلاف ما إذا كان العوض خمرًا أو ميتة= فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها، فإنها لو كانت باقية لأتلفناها عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه، بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر، أعني: من صرف القوة التي عمل بها.
ثم أورد على نفسه سؤالًا، فقال: فيقال: على هذا، فينبغي أن تقضوا بها إذا طالب بقبضها؟
وأجاب عنه، بأن قال: قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها، كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل القبض لم يحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض لم يحكم بالرد، ولكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة، لأنه كان معتقدًا لتحريمها، بخلاف الكافر، وذلك لأنه إذا طلب الأجرة، قلنا له: أنت فرطت، حيث صرفت قوتك في عمل يحرم، فلا يقضى لك بالأجرة.
стр. 561
فإذا قبضها، وقال الدافع: هذا المال، اقضوا لي برده، فإني أقبضته إياه عوضًا عن منفعة محرمة.
قلنا له: دفعته معاوضة رضيت بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ= فاردد إليه ما أخذت إذا كان له في بقائه معه منفعة، فهذا محتمل.
قال: وإن كان ظاهر القياس ردها، لأنها مقبوضة بعقد فاسد. انتهى) [زاد المعاد ٥/ ٧٨١ - ٧٨٢].
- وقال أيضا: (فأما إذا استأجره لحملها (١) ليريقها، أو لينقل الميتة إلى الصحراء لئلا يُتأذى بها= فإن الإجارة تجوز حينئذ، لأنه عمل مباح، لكن إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح، واستحق أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه. هذا قول شيخنا) [زاد المعاد ٥/ ٧٨٣].
- وقال أيضا: (إذا عاوض غيره معاوضة محرمة، وقبض العوض ــ كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ــ ثم تاب والعوض بيده، فقالت طائفة: يرده إلى مالكه، إذ هو عين ماله، ولم يقبضه بإذن الشارع، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح.
وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به، ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية) [مدارج السالكين ١/ ٤٢١ - ٤٢٢] (٢).
стр. 562
٧٨٦ - إجارة الدار على الكافر والفاسق والمبتدع:
انظر: ما تقدم في المسألة رقم (٦٠٢).
٧٨٧ - إجارة الإقطاع إذا انتقل لآخر:
٧٨٨ - وليس لوكيل مطلق الإيجار مدة طويلة:
- قال ابن مفلح: (وقد قال شيخنا فيمن استأجر أرضا من جندي وغرسها قصبا، ثم انتقل الإقطاع عن الجندي: إن الجندي الثاني لا يلزمه حكم الإجارة الأولى، وأنه إن شاء أن يؤجرها لمن له فيها القصب أو لغيره.
وليس لوكيل مطلق الإيجار مدة طويلة، بل العرف كسنتين ونحوهما. قاله شيخنا (١)) [الفروع ٤/ ٤٣٩ (٧/ ١٥٨ - ١٥٩)] (٢).
٧٨٩ - وقت انقضاء المدة إذا آجره في أثناء الشهر:
- قال ابن مفلح: (ولو آجره في أثناء شهر سنة فشهر بالعدد ثلاثين، نص عليه في نذر وصوم، وباقيها بالأهلة، وعنه: الجميع بالعدد، وكذا ما اعتبرت الأشهر فيه، كعدة، ونص عليهما في نذر، وعند شيخنا: إلى مثل تلك الساعة (٣)) [الفروع ٤/ ٤٤٠ (٧/ ١٥٩ - ١٦٠)] (٤).
стр. 563
٧٩٠ - إذا وجد المستأجر العين معيبة:
- قال ابن مفلح: (وله الفسخ بعيب أو بانت معيبة، وهو ما يظهر به تفاوت الأجرة إن لم يزل بلا ضرر يلحقه، وقياس المذهب: أو الأرش، قال شيخنا: وإلا ورد (١) ضعفه على أصل أحمد بين) [الفروع ٤/ ٤٤٠ (٧/ ١٦١)].
٧٩١ - إذا تلفت المنفعة قبل استيفائها:
- قال ابن القيم: (قال شيخنا: اتفق العلماء على أن المنفعة في الإجارة إذا تلفت قبل التمكن من استيفائها= أنه لا تجب الأجرة) [زاد المعاد ٥/ ٨٣٣] (٢).
٧٩٢ - إذا ترك الأجير ما يلزمه بلا عذر فتلف بسببه:
- قال ابن مفلح: (الثالث (٣): عقد على منفعة في الذمة في شيء معين أو موصوف، كخياطة، ويشترط ضبطه بما لا يختلف، ويلزمه الشروع عقيب (٤) العقد، وإن ترك ما يلزمه ــ قال شيخنا: بلا عذر ــ فتلف بسببه= ضمن) [الفروع ٤/ ٤٤١ (٧/ ١٦٣)] (٥).
стр. 564
٧٩٣ - إجارة الإقطاع:
- قال ابن القيم: (قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما علمت أحدًا من علماء الإسلام ــ من الأئمة الأربعة ولا غيرهم ــ قال: إجارة الإقطاع لا تجوز، وما زال المسلمون يؤجرون إقطاعاتهم، قرنا بعد قرن، من زمن الصحابة إلى زمننا هذا. حتى حدث بعض أهل زماننا فابتدع القول ببطلان إجارة الإقطاع) [الطرق الحكمية ١٩٥].
- وقال ابن مفلح: (وتجوز إجارة الإقطاع (١)،
كموقوف. قاله شيخنا، قال: ولم يزل يؤجر من زمن الصحابة إلى الآن، ولم أعلم عالمًا منع) [الفروع ٤/ ٤٤٤ (٧/ ١٦٨ - ١٦٩)] (٢).
стр. 565
٧٩٤ - إذا اكترى أرضا وأطلق، أو قال: انتفع بها بما شئت:
- قال ابن مفلح: (وإذا اكترى أرضًا لزرع ما شاء أو غرسه أو وغرسه: صح، في الأصح فيهما، كزرع ما شئت، وإن قال: لزرع، فوجهان، وكذا الغراس، وإن أطلق وتصلح لزرع وغيره= صح، في الأصح، وقال شيخنا: إن أطلق، أو إن قال: انتفع بها بما شئت= فله زرع وغرس وبناء) [الفروع ٤/ ٤٤٥ ــ ٤٤٦ (٧/ ١٧٠)] (١).
٧٩٥ - إذا عابت الأرض المستأجرة للزرع:
- قال ابن مفلح: ( ... أو عابت بغرق يعيب به بعض الزرع، واختار شيخنا: أو برد أو فأر أو عذر، قال: فإن أمضى فله الأرش، كعيب الأعيان، وإن فسخ: فعليه القسط قبل القبض، ثم أجرة المثل إلى كماله.
قال: وما لم يرو من الأرض فلا أجرة له اتفاقًا) [الفروع ٤/ ٤٤٨ (٧/ ١٧٢)] (٢).