والعقول، ولو نفرت منه لم يبح في أول الإسلام.
التاسع: أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابة مدة للركوب، وإجارة الدار مدة للانتفاع والسكنى، وإجارة العبد للخدمة مدة، ونحو ذلك مما للباذل فيه غرض صحيح، ولكن لما دخله التوقيت أخرجه عن مقصود النكاح الذي شرع بوصف الدوام والاستمرار، وهذا بخلاف نكاح المحلل، فإنه لا يشبه شيئًا من ذلك، ولهذا شبهه الصحابة ﵃ بالسفاح، وشبهوه باستعارة التيس للضراب.
العاشر: أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب ــ كالبيع والإجارة والهبة والنكاح ــ مفضية إلى أحكام جعلها مسببات لها ومقتضيات، فجعل البيع سببًا لملك الرقبة، والإجارة سببًا لملك المنفعة أو الانتفاع، والنكاح سببًا لملك البضع وحل الوطء، والمحلل مناقض معاكس لشرع الله تعالى ودينه، فإنه جعل نكاحه سببًا لتمليك المُطلِّق البضع وإحلاله له، ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو للبضع وحله له، ولا له غرض في ذلك، ولا دخل عليه، وإنما قصد به أمرًا آخر لم يشرع له ذلك السبب، ولم يجعل طريقا له.
الحادي عشر: أن المحلل من جنس المنافق، فإن المنافق يظهر أنه مسلم، ملتزم لعقد الإسلام ظاهرًا وباطنًا، وهو في الباطن غير ملتزم له، وكذلك المحلل يظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويسمي المهر، ويشهد على رضى المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك، لا يريد أن يكون زوجا، ولا أن تكون المرأة زوجة له، ولا يريد بذل الصداق، ولا القيام بحقوق النكاح، وقد أظهر خلاف ما أبطن، وأنه مريد لذلك، والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو
стр. 702
والمُطلِّق: أن الأمر ليس كذلك، وأنه غير زوج على الحقيقة، ولا هي امرأته على الحقيقة.
الثاني عشر: أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح أهل الجاهلية، ولا نكاح أهل الإسلام، فكان أهل الجاهلية يتعاطون في أنكحتهم أمورًا منكرة، ولم يكونوا يرضون نكاح التحليل، ولا يفعلونه، ففي «صحيح البخاري» عن عروة بن الزبير: أن عائشة ﵂ أخبرته: أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، فيعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر ليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع عنه، ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا ــ كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن ــ فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها، ودعوا لها القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله تعالى محمدا ﷺ بالحق= هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم.
стр. 703
ومعلوم أن نكاح المحلل ليس من نكاح الناس الذي أشارت إليه عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أقره ولم يهدمه، ولا كان أهل الجاهلية يرضون به، فلم يكن من أنكحتهم، فإن الفطر والأمم تنكره، وتعير به) [إغاثة اللهفان ١/ ٤١٧ ــ ٤٢٢] (١).
٩٩٧ - إذا علق النكاح بشرط:
- قال ابن مفلح: (ومتى شرط نفي الحل في نكاح أو علق ابتداءه على شرط فسد العقد، على الأصح، كالشرط، وقال شيخنا: ذكر القاضي وغيره روايتين في تعليقه بشرط، والأنص من كلامه جوازه، كالطلاق، قال: والفرق بأن هذا معاوضة أو إيجاب، وذاك إسقاط غير مؤثر، وبأنه ينتقض بنذر التبرر وبالجعالة) [الفروع ٥/ ٢١٦ (٨/ ٢٦٦)] (٢).
٩٩٨ - شرط نفي المهر:
٩٩٩ - وشرط عدم الوطء:
- قال ابن مفلح: (وفي «مفردات ابن عقيل»: ذكر أبو بكر فيما إذا شرط أن لا يطأ أو (٣) لا ينفق أو إن فارق رجع بما أنفق روايتين، يعني في صحة العقد، واختاره شيخنا (٤) [بنفي مهر] (٥)، وأنه قول أكثر السلف، كما في مذهب «م» وغيره، لحديث الشغار.
стр. 704
وقيل: بعدم وطئه، ونقل الأثرم توقفه في الشرط، قال شيخنا: فيخرج على وجهين، واختار صحته، كشرطه ترك ما يستحقه، وفرق القاضي بأن له مخلصًا لملكه طلاقها، وأجاب شيخنا: بأن عليه المهر، وأن ابن عقيل سوى بينهما، فإن صح وطلبته فارقها وأخذ المهر، وهو في معنى الخلع، فإن وجبت الفرقة ثم وجبت هنا، وأن على الأول للفائت غرضه الجاهل بفساده الفسخ بلا شيء، كالبيع وأولى) [الفروع ٥/ ٢ ١٧ (٢٦٧ - ٢٦٨)] (١).
١٠٠٠ - شرط الخيار:
- قال ابن مفلح: (وإن شرطا أو أحدهما فيه خيارًا أو إن جاءها بالمهر وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما ففي صحة العقد روايتان، وعنه: صحتهما، واختار شيخنا صحتهما في شرط الخيار.
قال: وإن بطل الشرط لم يلزم العقد بدونه، فإن الأصل في الشروط الوفاء، وشرط الخيار له مقصود صحيح.
وقال شيخنا: وكذا تعليق النكاح على شرط فيه ثلاث روايات، وذكر ابن عقيل في الثانية رواية: يفسد المهر، لأنه يأخذ قسطًا، فبتأخيره عن أجله يحصل مجهولًا) [الفروع ٥/ ٢ ١٧ - ٢١٨ (٨/ ٢٦٨)] (٢).
١٠٠١ - إن شرط بكرًا أو جميلة أو نسيبة أو نفي عيب لا يثبت الفسخ، فبانت بخلافه:
- قال ابن مفلح: (وإن شرط بكرًا أو جميلة أو نسيبة أو نفي عيب لا
стр. 705
يثبت الفسخ، فبانت بخلافه، فعنه: له الفسخ، اختاره في «الترغيب» وشيخنا «و: م ق»، وفي «الإيضاح» واختاره في «الفصول» في شرط بكر: إن لم يملكه رجع بما بين المهرين، ويتوجه: مثله في بقية الشروط، وفي «الفنون» في شرط بكر: يحتمل فساد العقد، لأن لنا قولًا إذا تزوجها على صفة فبانت بخلافها بطل العقد، قال شيخنا: ويرجع على الغار) [الفروع ٥/ ٢٢٠ (٨/ ٢٧٠ - ٢٧١)] (١).
وانظر ما يأتي تحت المسألة رقم (١٠٠٨).
١٠٠٢ - إذا أوهمته أنها زوجته أو سريته:
١٠٠٣ - وإذا جهل فساد نكاح لتغرير غار:
- قال ابن مفلح: (ولو أوهمته أنها زوجته أو سريته فظنه فوطؤه شبهة، أو أوهمه سيدها به فلا مهر، وإن جهلت تحريمه، وتعزر عالمة، ذكره شيخنا، قال: وإن جهل فساد نكاح لتغرير غارٍّ [كأخته من رضاع] (٢) فالمهر على الغار) [الفروع ٥/ ٢٢٤ (٨/ ٢٧٦)] (٣).
١٠٠٤ - إذا شرطت صفة فبان أقل:
- قال ابن مفلح: (وإن شرطت صفة فبان (٤) أقل، فلا فسخ إلا شرط
стр. 706
حرية (١)، وقيل: ونسب لم يخل بكفاءة (٢)، وقيل فيه: ولو مماثلًا، وفي «الجامع الكبير»: وغيرهما (٣)، واختاره شيخنا «و: م» كشرطه وأولى، لملكه طلاقها) [الفروع ٥/ ٢٢٥ (٨/ ٢٧٦)] (٤).
١٠٠٥ - إذا عتقت الأمة وهي تحت حُرٍّ:
١٠٠٦ - وإذا شرط عليها المعتق دوام النكاح تحت حر أو عبد:
- قال ابن مفلح: (ومن عتقت ــ وعنه: أو بعضها ــ تحت عبد ــ وعنه: أو معتق بعضه، وعنه: وليس فيه بقدر حريتها، وعنه: أو تحت حرٍّ، وجزم في «الترغيب»: أو عتقت تحت معتق بعضه ــ فلها الفسخ، ولو ارتد بلا حاكم، ما لم ترضاه أو تعتق (٥) أو يطأ طوعًا، وليس طلاقًا، قال الإمام أحمد: لأن الطلاق ما تكلم به فتقول: فسخته أو اخترت نفسي وطلقتها، كناية عن الفسخ، واختار شيخنا وغيره: لها الفسخ تحت حرٍّ، وإن كان زوج بريرة عبدًا، لأنها ملكت رقبتها وبضعها، فلا يملك عليها إلا باختيارها، وتمليك العتيق رقبته ومنفعته أقوى من البيع؛ لأنه ينفذ فيما لم يعتقه ويسري في حصة الشريك، بخلاف البيع، وقد استوفى الزوج المنفعة بالوطء، فلم يسقط له حق، كما لو طرأ رضاع أو حدوث عيب مما يزيل النكاح أو يفسخه، وأنه إن
стр. 707
شرط عليها دوام النكاح تحت حر أو عبد فرضيت لزمها، وأنه يقتضيه مذهب أحمد، فإنه يجوز العتق بشرط) [الفروع ٥/ ٢٢٥ (٨/ ٢٧٧)] (١).
١٠٠٧ - نكاح التلجئة:
انظر: ما يأتي في المسألة رقم (١٠٢٠).
стр. 708
باب العيوب في النكاح
١٠٠٨ - التفريق بين عيوب الفرج وغيرها:
- قال ابن مفلح: (وقيل لشيخنا: لم فرق بين عيوب الفرج وبين غيرها؟
قيل: قد علم أن عيوب الفرج المانعة من الوطء لا يرضى بها في العادة، فإن المقصود بالنكاح الوطء، بخلاف اللون والطول والقصر ونحو ذلك مما ترد به الأمة، فإن الحرة لا تقلب كما تقلب الأمة، والزوج قد رضي رضًا مطلقًا، وهو لم يشترط صفة فبانت بدونها، فإن شرط فقولان في مذهب الشافعي وأحمد، والصواب أن له الفسخ، وكذا بالعكس، وهو مذهب «م»، والشرط إنما يثبت لفظًا أو عرفًا، ففي البيع دل العرف على أنه لم يرض إلا بسليم من العيوب، وكذلك في النكاح لم يرض بمن لا يمكن وطؤها، والعيب الذي يمنع كمال الوطء ــ لا أصله ــ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره.
وأما ما أمكن معه الوطء وكماله فلا تنضبط فيه أغراض الناس، والشارع قد أباح النظر ــ بل أحبه ــ إلى المخطوبة، وقال: «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» وهو دليل على أن النكاح يصح وإن لم يرها، فإنه لم يعلل الرؤية بأنه يصح معها النكاح، فدل على أن الرؤية لا تجب، ويصح النكاح بدونها، وليس من عادة المسلمين ولا غيرهم أن يصفوا المرأة المنكوحة، فدل على أنه يصح نكاحها بلا رؤية ولا صفة، ويلزم النكاح لأنه رضي بذلك، بخلاف البيع.
стр. 709
قال: وهذا الفرق إنما هو الفرق بين النساء والأموال: أن النساء يرضى بهن في العادة في الصفات المختلفة، والأموال لا يرضى بها على الصفات المختلفة، إذ المقصود بها التموُّل، وهو يختلف باختلاف الصفات، والمقصود من النكاح المصاهرة والاستمتاع، وذلك يحصل باختلاف الصفات، فهذا فرق شرعي معقول في عرف الناس.
أما إذا عرف أنه لم يرض لاشتراطه صفة فبانت بخلافها وبالعكس فإلزامه بما لم يرض به مخالف للأصول، ولو قال: ظننتها أحسن مما هي أو ما ظننت فيها هذا ونحو ذلك كان هو المفرط، حيث لم يسأل عن ذلك، ولم يرها، ولا أرسل من رآها، وليس من الشرع والعادة أن توصف له في العقد كما توصف الإماء في السلم، فإن الله صان الحرائر عن ذلك، وأحب سترهن، ولهذا نهيت المرأة أن تعقد نكاحها، فإذا كن لا يباشرن العقد فكيف يوصفن؟ أما الرجل فأمره ظاهر، يراه من شاء، فليس فيه عيب يوجب الرد، والمرأة إذا فرط الزوج فالطلاق بيده) [الفروع ٥/ ٢٣٤ - ٢٣٦ (٨/ ٢٨٧ - ٢٨٩)] (١).
١٠٠٩ - الفسوخ لا تتوقف على حكم الحاكم:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: الحاكم ليس هو الفاسخ، وإنما (٢) يأذن ويحكم به، فمتى أذن أو حكم لأحد باستحقاق عقد أو فسخ، فعقد أو فسخ لم يحتج بعد ذلك إلى حكم بصحته بلا نزاع، لكن لو عقد هو أو فسخ فهو فعله، وفيه الخلاف لكن إن عقد المستحق أو فسخ بلا حكم فأمر
стр. 710
مختلف فيه، فيحكم بصحته.
وخرَّج شيخنا: بلا حكم في الرضا بعاجز عن الوطء كعاجز عن النفقة (١)) [الفروع ٥/ ٢٣٨ - ٢٣٩ (٨/ ٢٩٢)] (٢).
стр. 711
باب نكاح الكفار
١٠١٠ - إذا أسلم الزوجان في مجلس واحد:
- قال ابن القيم: ( ... بل إذا أسلما في المجلس الواحد فقد اجتمعا على الإسلام، ولا يؤثر سبق أحدهما الآخر بالتلفظ به، وهذا اختيار شيخنا) [أحكام أهل الذمة ١/ ٣١٨] (١).
١٠١١ - إذا أسلم أحد الزوجين قبل الآخر:
- قال ابن القيم: (وقد ثبت أن النبي ﷺ رد زينب ابنته على أبي العاص بالنكاح الأول بعد ست سنين.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ رد زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يحدث شيئا. وفي لفظ له: بعد ست سنين. وفي لفظ: بعد سنتين.
قال شيخ الإسلام: هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث، والذي روي أنه جدَّد النكاح ضعيف.
قال: وكذلك كانت المرأة تسلم ثم يسلم زوجها بعدها والنكاح بحاله، مثل أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، فإنها أسلمت قبل العباس بمدة، قال عبد الله بن عباس: كنت أنا وأمي ممن عذر الله بقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨].
стр. 712
ولما فتح النبي ﷺ مكة أسلم نساء الطلقاء، وتأخر إسلام جماعة منهم ــ مثل: صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما ــ الشهرين والثلاثة وأكثر، ولم يذكر النبي ﷺ فرقا بين ما قبل انقضاء العدة وما بعدها، وقد أفتى علي بن أبي طالب ﵁ بأنها ترد إليه وإن طال الزمان، وعكرمة بن أبي جهل قدم على النبي ﷺ المدينة بعد رجوعه من حصار الطائف وقسم غنائم حنين في ذي القعدة، وكان فتح مكة في رمضان، فهذا نحو ثلاثة أشهر يمكن انقضاء العدة فيها وفيما دونها، فأبقاه على نكاحه ولم يسأل امرأته هل انقضت عدتك أم لا؟ ولا سأل عن ذلك امرأة واحدة مع أن كثيرا منهن أسلم بعد مدة يجوز انقضاء العدة فيها، وصفوان بن أمية شهد مع النبي ﷺ حنينا وهو مشرك، وشهد معه الطائف كذلك، إلى أن قسم غنائم حنين بعد الفتح بقريب من شهرين، فإن مكة فتحت لعشر بقين من رمضان، وغنائم حنين قسمت في ذي القعدة، ويجوز انقضاء العدة في مثل هذه المدة.
قال: وبالجملة فتجديد رد المرأة على زوجها بانقضاء العدة لو كان هو شرعه الذي جاء به لكان هذا مما يجب بيانه للناس من قبل ذلك الوقت، فإنهم أحوج ما كانوا إلى بيانه، وهذا كله مع حديث زينب يدل على أن المرأة إذا أسلمت وامتنع زوجها من الإسلام فلها أن تتربص وتنتظر إسلامه، فإذا اختارت أن تقيم منتظرة لإسلامه فإذا أسلم أقامت معه فلها ذلك، كما كان النساء يفعلن في عهد النبي ﷺ ، كزينب ابنته وغيرها، ولكن لا يمكنه من وطئها ولا حكم له عليها ولا نفقة ولا قسم، والأمر في ذلك إليها لا إليه، فليس هو في هذه الحال زوجا مالكا لعصمتها من كل وجه، ولا يحتاج إذا أسلم إلى ابتداء عقد يحتاج فيه إلى ولي وشهود ومهر وعقد، بل إسلامه
стр. 713
بمنزلة قبوله للنكاح، وانتظارها بمنزلة الإيجاب، وسر المسألة أن العقد في هذه المدة جائز لا لازم، ولا محذور في ذلك ولا ضرر على الزوجة فيه، ولا يناقض ذلك شيئا من قواعد الشرع.
وأما الرجل إذا أسلم وامتنعت المشركة أن تسلم فإمساكه لها يضر بها، ولا مصلحة لها فيه، فإنه إذا لم يقم لها بما تستحقه كان ظالما، فلهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فنهى الرجال أن يستديموا نكاح الكافرة، فإذا أسلم الرجل أمرت امرأته بالإسلام فإن لم تسلم فرق بينهما.
قال شيخنا: وقد يقال بل هذا النهي للرجال ثابت في حق النساء، ويقال: إن قضية زينب منسوخة، فإنها كانت قبل نزول آية التحريم لنكاح المشركات، وهذا مما قاله طائفة منهم محمد بن الحسن.
قلت: وهذا قاله غير واحد من العلماء، قال أبو محمد بن حزم: أما خبر زينب فصحيح ولا حجة فيه؛ لأن إسلام أبي العاص كان قبل الحديبية، ولم يكن نزل بعد تحريم المسلمة على المشرك. وكذلك قال البيهقي.
قال شيخنا: لكن يقال: فهذه الآية كانت قبل فتح مكة بعد الحديبية، ثم لما فتح النبي ﷺ مكة رد نساء كثيرا على أزواجهن بالنكاح الأول لم يحدث نكاحا، وقد احتبس أزواجهن عليهن، ولم يأمر رجلا واحدا بتجديد النكاح البتة، ولو وقع ذلك لنقل، ولما أهملت الأمة نقله) [أحكام أهل الذمة ١/ ٣٢٤ - ٣٢٧].
- وقال أيضا: (قال شيخ الإسلام: وأما القول بأنه بمجرد إسلام أحد
стр. 714
الزوجين المشركين تحصل الفرقة قبل الدخول أو بعده= فهذا قول في غاية الضعف، فإنه خلاف المعلوم المتواتر من شريعة الإسلام، فإنه قد علم أن المسلمين الذين دخلوا في الإسلام كان يسبق بعضهم بعضا بالتكلم بالشهادتين، فتارة يسلم الرجل وتبقى المرأة مدة ثم تسلم، كما أسلم كثير من نساء قريش وغيرهم قبل الرجال، وروي أن أم سليم امرأة أبي طلحة أسلمت قبل أبي طلحة، وتارة يسلم الرجل قبل المرأة ثم تسلم بعده بمدة قريبة أو بعيدة.
وليس لقائل أن يقول: هذا كان قبل تحريم نكاح المشركين لوجهين:
أحدهما: أنه لو قدر تقدم ذلك فدعوى المدعي أن هذا منسوخ تحتاج إلى دليل.
الوجه الثاني: أن يقال: لقد أسلم الناس ودخلوا في دين الله أفواجا بعد نزول تحريم المشركات، ونزول النهي عن التمسك بعصم الكوافر، فأسلم الطلقاء بمكة وهم خلق كثير، وأسلم أهل الطائف وهم أهل مدينة، وكان إسلامهم بعد أن حاصرهم النبي ﷺ ونصب عليهم المنجنيق ولم يفتحها، ثم قسم غنائم حنين بالجعرانة واعتمر عمرة الجعرانة، ثم رجع بالمسلمين إلى المدينة، ثم وفد وفد الطائف فأسلموا، ونساؤهم بالبلد لم يسلمن، ثم رجعوا وأسلم نساؤهم بعد ذلك ... الخ (١)) [أحكام أهل الذمة: ٣٤٢].
- وقال ابن مفلح: (واختار شيخنا فيما إذا أسلمت قبله بقاء نكاحه قبل الدخول وبعده ما لم تنكح غيره، والأمر إليها، ولا حكم له عليها، ولا حق
стр. 715
عليه، لأن الشارع لم يستفصل، وهو مصلحة محضة، وكذا عنده إن أسلم قبلها، وليس له حبسها، وأنها متى أسلمت ــ ولو قبل الدخول وبعد العدة ــ فهي امرأته إن اختار) [الفروع ٥/ ٢٤٧ (٨/ ٣٠ ١)] (١).
١٠١٢ - إذا ارتد أحد الزوجين:
- قال ابن مفلح: (والمهر يسقط بردتها، ويتنصف بردته، وفيه بردتهما معا وجهان، وهل تتنجز الفرقة بعد الدخول أو تقف على فراغ العدة؟ فيه روايتان واختار شيخنا كما تقدم (٢)) [الفروع ٥/ ٢٥٠ (٨/ ٣٠٤)] (٣).
١٠١٣ - إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة:
- قال ابن القيم: (فإن طلق (٤) إحداهما أو طلق ما زاد على الأربع ثبت النكاح في غير المطلقة، وكانت المطلقة هي المفارقة. ذكره شيخنا) [أحكام أهل الذمة ١/ ٣٦٠] (٥).
١٠١٤ - النكاح ينفسخ بسباء المرأة:
- قال ابن القيم: (والصواب الذي دل عليه القرآن وسيرة النبي ﷺ في
стр. 716
السبايا والقياس= أن النكاح ينفسخ بسباء المرأة مطلقا، فإنها قد صارت ملكا للسابي وزالت العصمة عن ملك الزوج لها كما زالت عن ملكه لرقبتها ومنافعها، وهذا اختيار أبي الخطاب وشيخنا وهو مذهب الشافعي) [أحكام أهل الذمة ١/ ٣٧٠] (١).
стр. 717
باب الصداق
١٠١٥ - إذا تزوجها على خمر أو خنزير:
١٠١٦ - والبضع متقوم في دخوله إلى ملك الزوج وخروجه عنه:
١٠١٧ - وخلع الأب ابنته بشيء من مالها:
١٠١٨ - وإذا أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول:
- قال ابن القيم: (إذا تزوجها على خمر أو خنزير صحَّ النكاح، واستحقَّت مهر المثل، ولو خالعها على خمر أو خنزير صحَّ الخلع، ولم تستحق عليه شيئًا ــ في أحد القولين ــ.
والفرق بينهما عند بعض الأصحاب: أن البضع متقوم في دخوله إلى ملك الزوج، ولا يتقوم في خروجه عن ملكه .... ) إلى أن قال: (وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية ــ ﵀ ورضي عنه ــ يضعف هذا القول جدًا، ويذهب إلى أنَّ خروج البضع من ملكه متقومٌ، ويحتج عليه بالقرآن.
قال: لأن الله تعالى أمر المسلمين أن يردوا إلى من ذهبت امرأته إلى الكفار مهره إذا أخذوا من الكفار مالًا، بغنيمة أو غيرها، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١]، ومعنى عاقبتم: أصبتم منهم عقبى، وهي الغنيمة، هذا قول المفسرين.
والمقصود أنه قال: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ وهو
стр. 718
المهر، وقال تعالى في هذه القصة: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] فأمر المسلمين أن يسألوا مهور نسائهم، ويسأل الكفار مهور نسائهم اللاتي هاجرن وأسلمن، ولولا أن خروج البضع متقوم لم يكن لأحد الفريقين على الآخر مهرًا.
واختلف أهل العلم في رد مهر من أسلم من النساء إلى أزواجهن في هذه القصة، هل كان واجبًا، أو مندوبًا؟ على قولين، أصلهما: أن الصلح هل كان قد وقع على رد النساء، أم لا؟ والصحيح أن الصلح كان عامًا، على رد من جاء مسلمًا مطلقًا، ولم يكن فيه تخصيص، بل وقع بصيغة «من» المتناولة للرجال والنساء، ثم أبطل الله تعالى منه رد النساء، وعوض منه رد مهورهن.
وهذه شبهة من قال: إن حكم هذه الآية منسوخ، ولم ينسخ منه إلا رد النساء خاصة، وكان رد المهور مأمورًا به، والظاهر أنه كان واجبًا، لأن الله تعالى قال: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فثبت أن رد المهور حق لمن يسأله، فيجب رده إليه.
قال الزهري: ولولا الهدنة، والعهد الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يردد الصداق.
وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد، فلما نزلت هذه الآية أقر المسلمون بحكم الله تعالى، وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبي المشركون أن يقروا بحكم الله تعالى فيما أمر، من رد نفقات المسلمين إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] فهذا
стр. 719
ظاهر القرآن، يدل على أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم.
قلت (١): ويدل عليه، أن الشارع كما جعله متقومًا في دخوله، فكذلك في خروجه، لأنه لم يدخله إلى ملك الزوج إلا بقيمة، وحكمُ الصحابة ﵃ في المفقود، بما حكموا به من رد صداق امرأته إليه بعد دخول الثاني بها= دليلٌ على أنه متقوم في خروجه، وهذا ثابت عن خمسة من الصحابة، منهم عمر وعلي.
قال أحمد: أي شيء يذهب من خالفهم؟ فهذا القرآن والسنة وأقوال الخلفاء الراشدين دالة على تقويمه، ولو لم يكن له قيمة لما صح بذل نفائس الأموال فيه، بل قيمته عند الناس من أغلى القيم، ورغبتهم فيه من أقوى الرغبات، وخروجه عن ملك الرجل من أعظم المغارم، حتى يعده غرمًا أعظم من غرم المال.
قلت لشيخنا: لو كان خروجه من ملكه متقومًا عليه لكانت المرأة إذا وطئت بشبهة، يكون المهر للزوج دونها، فحيث كان المهر لها دل على أن الزوج لم يملك البضع، وإنما يملك الاستمتاع، فإذا خرج البضع عنه لم يخرج عنه شيء كان مالكه؟
فقال لي: الزوج إنما ملك البضع ليستمتع به، ولم يملكه ليعاوض عليه، فإذا حصل لها بوطء الشبهة عوض كان لها، لأن عقد النكاح لم يقتض ملك الزوج المعاوضة عن بضع امرأته، فصار ما يحصل لها بجناية الواطئ بمثابة ما يحصل لها بغيره من أروش الجنايات.
стр. 720
قلت له: فما تقول في خلع المريض بدون مهر المثل؟
فقال: هو يملك إخراج البضع مجانًا بالطلاق، فإذا أخذ منها شيئًا فقد زاد الورثة خيرًا.
قال: ونحن إنما منعناه من المحاباة فيما ينتقل إلى الورثة، لأنه يُفَوِّتُه عليهم، وبضع الزوجة لا حق للورثة فيه ألبتة، ولا ينتقل إليهم، فإذا أخرجه بدون مهر المثل لم يفوتهم حقًا ينتقل إليهم. انتهى.
قلت (١): وأما منع الأب من خلع ابنته بشيء من مالها فليست مسألة وفاق، بل فيها قولان مشهوران، ونحن إذا قلنا أن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب، وأن له أن يعفو عن صداق ابنته قبل الدخول ــ وهو الصحيح، لبضعه عشر دليلًا، قد ذكرتها في موضع آخر ــ فكذلك خلعها بشيء من مالها، بل هو أولى، لأنه إذا ملك إسقاط مالها مجانًا، فلأن يملك إسقاطه ليخلصها من رق الزوج وأسره ويزوجها بمن هو خير لها منه أولى وأحرى، وهذه رواية عن أحمد، ذكرها أبو الفرج في «مبهجه» وغيره، واختارها شيخنا (٢).
وأما قولكم: إنه يخرج من ملكه قهرًا بغير عوض، فيما إذا طلق عليه الحاكم، لإعسار، أو عنت، أو غيرها.
فجوابه: أن الشارع إنما ملكه البضع بالمعروف، وإنما ملكه بحقه، فإذا لم يستمتع به بالمعروف ــ الذي هو حقه ــ أخرجه الشارع عنه، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ
стр. 721
بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فأوجب الله تعالى على الزوج أحد الأمرين: إما أن يمسك بمعروف، وإما أن يسرح بإحسان، فإذا لم يمسك بمعروف، ولم يسرح بإحسان، سرح الحاكم عليه قهرًا.
قلت لشيخنا: فلو قُتلت الزوجة، لم يجب للزوج المهر على قاتلها، مع كونه قد أخرج البضع عن ملكه، وفوته إياه، فلو كان خروجه متقومًا لوجب له على القاتل المهر؟
فقال: النكاح معقود على مدة الحياة، فإذا قتلت زال وقت النكاح، وانقضى أمده، فلا يجب للزوج شيء بعد ذلك، كما لو ماتت.
قلت له: فلو أفسد مفسد نكاحها بعد الدخول لاستقر المهر على الزوج، ولم يرجع على المفسد؟
فضعَّف هذا القول، وقال: عندي أنه يرجع به، وهو المنصوص عن أحمد، وهو مبنيٌّ على هذا الأصل، فإذا ثبت أن خروج البضع من ملكه متقوم= فله قيمته على من أخرجه من ملكه.
قلت (١): ويرد عليه ما لو أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول، فإن مهرها لا يسقط، قولًا واحدًا.
ولم أسأله عن ذلك، وكان يمنع ذلك، ويختار سقوط المهر، ويثبت الخلاف في المذهب، ولا فرق بين ذلك وبين إفساد الأجنبي، فطرد قول من طرد هذا الأصل، وقال بالتقويم في حال الخروج= أن يسقط إذا أفسدته هي،
стр. 722
ولو قيل: إن مهرها لا يسقط بذلك، قولًا واحدًا.
وإن قلنا: بأن خروج البضع متقوم فيجب لها مهرها المسمى في العقد، وعليها مهر المثل وقت الإفساد، [لأن اعتبار خروجه من] (١) ملكه حيئذ= لكان متوجها.
ولكن يشكل على هذا: أن الله اعتبر في خروج البضع ما أنفق الزوج، وهو المسمى، لا مهر المثل، وكذلك الصحابة حكموا للمفقود بالمسمى الذي أعطاها، لا بمهر المثل، فطرد هذه القاعدة: أن مهرها يسقط بإفسادها، وهو الذي كان شيخنا يذهب إليه) [بدائع الفوائد ٣/ ١٤٢ ـ ١٤٥ (٣/ ١١٠٨ - ١١١٤)].
١٠١٩ - إذا تعذر المهر المعين:
- قال ابن مفلح: (وإن بان حرًا صحَّ، ولها قيمته، وكذا إن بان أحدهما، وعنه: قيمتهما، وإن بان نصفه مستحقًا، أو أصدقها ألف ذراع فبان تسعمائة= خيرت بين أخذه وقيمة الفائت وبين قيمة الكل، وإن بان خمرًا فمثله، وقيل: قيمته، وقدم في «الإيضاح»: مهر مثلها، وعند شيخنا: لا يلزمه فيهن، وكذا قال في مهر معين تعذر، وإن كان المنع من جهته، وأن الكل قالوا: لها بدله.
وقال: إن لم يحصل لها ما أصدقته لم يكن النكاح لازمًا، وإن أعطيت بدله، كالبيع وأولى، وإنما يلزم ما ألزم به الشارع أو التزمه.
وقال عن قول غيره: هذا ضعيف مخالف للأصول، فإن لم نقل بامتناع
стр. 723
العقد بتعذر تسليم المعقود عليه فلا أقل من أن تملك المرأة الفسخ، فإنها لم ترض ولم تبح فرجها إلا بهذا، وهم يقولون: المهر ليس بمقصود أصلي فيقال: كل شرط فهو مقصود، والمهر أوكد من الثمن، لكن الزوجان معقود عليهما، وهما عاقدان، بخلاف البيع، فإنهما عاقدان غير معقود عليهما، وهذا يقتضي إذا فات فالمرأة مخيرة بين الفسخ وبين المطالبة بالبدل، كالعيب في البيع، لكن المعقود عليه وهما الزوجان باقيان، فالفائت جزء من المعقود عليه، فهو كالعيب في السلعة، وإن كان الشرط باطلًا ولم يعلم المشترط بطلانه (١) لم يكن العقد لازمًا إن رضي بدون الشرط وإلا فله الفسخ، وأما إلزامه بعقد لم يرض به ولا ألزمه الشارع أن يعقده فمخالف لأصول الشرع والعدل) [الفروع ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥ (٨/ ٣٢٠ - ٣٢٢)] (٢).
١٠٢٠ - إذا أصدق صداقا في السر وآخر في العلن:
- قال ابن القيم: (وقال في رواية الأثرم، في رجل أصدق صداقًا سرًا، وصداقًا علانية: يؤخذ بالعلانية، إذا كان قد أقر به. قيل له: فقد أشهد شهودًا في السر بغيره؟ قال: وإن، أليس قد أقر بهذا أيضًا عند شهود؟ يؤخذ بالعلانية.
قال شيخنا: ومعنى قوله: «أقر به» أي رضي به والتزمه، لقوله تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] وهذا يعم التسمية في العقد، والاعتراف بعده، ويقال: أقر بالجزية، وأقر للسلطان بالطاعة، وهذا
стр. 724
كثير في كلامهم.
وقال في رواية صالح ــ في الرجل يعلن مهرا ويخفي آخر -: آخذ بما يعلن لأن العلانية قد أشهد على نفسه بها، وينبغي لهم أن يفوا له بما كان أسرَّه.
وقال في رواية ابن منصور: إذا تزوج امرأة في السر بمهر، وأعلنوا مهرا آخر، ينبغي لهم أن يفوا، وأما هو فيؤخذ بالعلانية.
قال القاضي وغيره: فقد أطلق القول بمهر العلانية، وإنما قال: «ينبغي لهم أن يفوا بما أسروا» على طريق الاختيار، لئلا يحصل منهم غرور له في ذلك، وهذا القول هو قول الشعبي وأبي قلابة وابن أبي ليلى وابن شبرمة والأوزاعي، وهو قول الشافعي المشهور عنه، وقد نص في موضع آخر: أنه يؤخذ بمهر السر، فقيل: في هذه المسألة قولان، وقيل: بل ذلك في الصورة الثانية كما سيأتي.
وقال كثير من أهل العلم ــ أو أكثرهم -: إذا علم الشهود أن المهر الذي يظهره سمعة، وأن أصل المهر كذا وكذا، ثم تزوج وأعلن الذي قال، فالمهر هو السر، والسمعة باطلة، وهذا هو قول الزهري والحكم بن عتيبة ومالك والثوري والليث وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق، وعن شريح والحسن كالقولين، وذكر القاضي عن أبي حنيفة: أنه يبطل المهر ويجب مهر المثل، وهو خلاف ما حكاه عنه أصحابه وغيرهم.
وقد نقل عن أحمد ما يقتضي: أن الاعتبار بالسر، إذا ثبت أن العلانية تلجئة، فقال: إذا كان رجل قد أظهر صداقًا، وأسر غير ذلك= نظر في البينات والشهود، وكان الظاهر أوكد، إلا أن تقوم بينة تدفع العلانية.
стр. 725
قال القاضي: وقد تأول أبو حفص العكبري هذا، على أن بينة السر عدول، وبينة العلانية غير عدول، فحكم بالعدول.
قال القاضي: وظاهر هذا أنه يحكم بمهر السر إذا لم تقم بينة عادلة بمهر العلانية.
وقال أبو حفص: إذا تكافأت البينات، وقد شرطوا في السر: أن الذي يظهر في العلانية الرياء والسمعة، فينبغي لهم أن يفوا له بهذا الشرط، ولا يطالبوه بالظاهر، لقول النبي ﷺ : «المؤمنون على شروطهم».
قال القاضي: وظاهر هذا الكلام من أبي حفص أنه قد جعل السر حكمًا.
قال: والمذهب على ما ذكرناه.
قال شيخنا: كلام أبي حفص الأول فيما إذا قامت البينة بأن النكاح عقد في السر بالمهر القليل، ولم يثبت نكاح العلانية، وكلامه الثاني فيما إذا ثبت نكاح العلانية، ولكن تشارطوا، أن ما يظهرون من الزيادة على ما اتفقوا عليه للرياء والسمعة.
قال شيخنا: وهذا الذي ذكره أبو حفص أشبه بكلام الإمام أحمد وأصوله، فإن عامة كلامه في هذه المسألة، إنما هو إذا اختلف الزوج والمرأة، ولم تثبت بينة ولا اعتراف أن مهر العلانية سمعة، بل شهدت البينة أنه تزوجها بالأكثر، وادعى عليه ذلك، فإنه يجب أن يؤخذ بما أقر به، إنشاء أو إخبارا، فإذا أقام شهودا يشهدون أنهم تراضوا بدون ذلك عمل على البينة الأولى، لأن التراضي بالأقل في وقت لا يمنع التراضي بما زاد عليه في وقت
стр. 726
آخر، ألا ترى أنه قال: آخذ بالعلانية، لأنه قد أشهد على نفسه؟ وينبغي لهم أن يفوا بما كان أسره، فقوله: لأنه قد أشهد على نفسه، دليل على أنه: إنما يلزمه في الحكم فقط، وإلا فما يجب بينه وبين الله لا يعلل بالإشهاد.
وكذلك قوله: «ينبغي لهم أن يفوا له، وأما هو فيؤخذ بالعلانية» دليل على أنه يحكم عليه به، وأن أولئك يجب عليهم الوفاء، وقوله «ينبغي» يستعمل في الواجب أكثر مما يستعمل في المستحب.
ويدل على ذلك: أنه قد قال أيضا ــ في امرأة تزوجت في العلانية على ألف، وفي السر على خمسمائة، فاختلفوا في ذلك -: فإن كانت البينة في السر والعلانية سواء أخذ بالعلانية، لأنه أحوط، وهو فرج يؤخذ بالأكثر.
وقيدت المسألة بأنهم اختلفوا، وأن كليهما قامت به بينة عادلة، وإنما يظهر ذلك بالكلام في الصورة الثانية، وهو:
ما إذا تزوجها في السر بألف، ثم تزوجها في العلانية بألفين، مع بقاء النكاح الأول، فهنا قال القاضي في «المجرد» و «الجامع»: إن تصادقا على نكاح السر لزم نكاح السر بمهر السر، لأن النكاح المتقدم قد صح ولزم، والنكاح المتأخر عنه لا يتعلق به حكم، ويحمل مطلق كلام أحمد والخرقي على مثل هذه الصورة، وهذا مذهب الشافعي.
وقال الخرقي: إذا تزوجها على صداقين، سر وعلانية، أخذ بالعلانية، وإن كان السر قد انعقد النكاح به.
وهذا منصوص كلام أحمد في قوله: «إن تزوجت في العلانية على ألف، وفي السر على خمسمائة»، وعموم كلامه المتقدم يشمل هذه الصورة،
стр. 727
والتي قبلها، وهذا هو الذي ذكره القاضي في «خلافه»، وعليه أكثر الأصحاب، ثم طريقته وطريقة جماعة في ذلك أن ما أظهراه زيادة في المهر، والزيادة فيه بعد لزومه لازمة، وعلى هذا: فلو كان السر هو الأكثر أخذ به أيضا، وهو معنى قول الإمام أحمد: آخذ بالعلانية، أي: يؤخذ بالأكثر.
ولهذا القول طريقة ثانية: وهو أن نكاح السر إنما يصح، إذا لم يكتموه، على إحدى الروايتين، بل أنصّهما، فإذا تواصوا بكتمان النكاح الأول كانت العبرة إنما هي بالنكاح الثاني.
فقد تحرر أن الأصحاب مختلفون: هل يؤخذ بصداق العلانية ظاهرًا وباطنًا، أو ظاهرا فقط؟ فيما إذا كان السر تواطؤا من غير عقد، وإن كان السر عقدًا فهل هي كالتي قبلها، أو يؤخذ هنا بالسر في الباطن بلا تردد؟ على وجهين:
فمن قال: إنه يؤخذ به ظاهرًا فقط، وأنهم في الباطن لا ينبغي لهم أن يأخذوا إلا بما اتفقوا عليه لم يرد نقضا، وهذا قول له شواهد كثيرة.
ومن قال: إنه يؤخذ به ظاهرًا وباطنا، بنى ذلك على أن المهر من توابع النكاح وصفاته، فيكون ذكره سمعة كذكره هزلًا، والنكاح جده وهزله سواء، فكذلك ذكر ما هو فيه، يحقق ذلك: أن حل البضع مشروط بالشهادة على العقد، والشهادة وقعت على ما أظهره، فيكون وجوب المشهود به شرطا في الحل.
هذا كلام شيخ الاسلام في مسألة مهر السر والعلانية، في كتاب «إبطال التحليل»، نقلته بلفظه.
стр. 728
ولهذه المسألة عدة صور، هذه إحداها ... إلى أن قال:
الصورة الرابعة: أن يظهرا نكاحا تلجئة لا حقيقة له، فاختلف الفقهاء في ذلك:
فقال القاضي، وغيره من الأصحاب: إنه صحيح، كنكاح الهازل، لأن أكثر ما فيه أنه غير قاصد للعقد، بل هازل به، ونكاح الهازل صحيح.
قال شيخنا: ويؤيد هذا أن المشهور عندنا، أنه لو شرط في العقد رفع موجبه، مثل: أن يشترط أنه لا يطأها، أو أنها لا تحل له، أو أنه لا ينفق عليها، ونحو ذلك= صح العقد دون الشرط، فالاتفاق على التلجئة حقيقته: أنهما اتفقا على أن يعقدا عقدا لا يقتضي موجبه، وهذا لا يبطله.
قال شيخنا: ويتخرج في نكاح التلجئة: أنه باطل، لأن الاتفاق الموجود قبل العقد بمنزلة المشروط في العقد في أظهر الطريقين لأصحابنا، ولو شرطا في العقد: أنه نكاح تلجئة لا حقيقة، لكان نكاحًا باطلًا، وإن قيل: إن فيه خلافًا، فإن أسوأ الأحوال أن يكون كما لو شرطا أنها لا تحل له، وهذا الشرط يفسد العقد، على الخلاف المشهور) [إعلام الموقعين ٣/ ٨٩ ـ ٩٣] (١).
١٠٢١ - وقت استحقاق مؤخر الصداق:
١٠٢٢ - ولا يحبس الزوج إذا تأخر في دفع الصداق:
- قال ابن القيم: ( .... الإلزام بالصداق الذي اتفق الزوجان على تأخير المطالبة به، وإن لم يسميا أجلًا، بل قال الزوج: مائة مقدمة، ومائة مؤخرة=
стр. 729
فإن المؤخر لا يستحق المطالبة به، إلا بموت أو فرقة.
هذا هو الصحيح، وهو منصوص أحمد، فإنه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوجها على العاجل والآجل= لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة.
واختاره قدماء شيوخ المذهب، والقاضي أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية) [إعلام الموقعين ٣/ ٨١] (١).
- وقال أيضا: (قال شيخنا ﵀: وكذلك لم يحبس رسول الله ﷺ ، ولا أحد من الخلفاء الراشدين زوجا في صداق امرأته أصلا، وفي رسالة الليث إلى مالك ــ التي رواها يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ في «تاريخه» ــ: عن أيوب عن يحيى بن عبيد الله بن أبي بكر المخزومي، قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك ... فذكرها، إلى أن قال: ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صدقات النساء أنها متى شاءت أن تكلم في مؤخر صداقها تكلمت، فيدفع إليها، وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك، وأهل الشام وأهل مصر، ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من بعده لامرأة بصداقها المؤخر، إلا أن يفرق بينهما موت أو طلاق، فتقوم على حقها ..... إلى أن قال:
قال شيخنا ﵀: ومن حين سُلط النساء على المطالبة بالصدقات المؤخرة، وحبس الأزواج عليها حدث من الشرور والفساد ما الله به عليم، وصارت المرأة إذا أحست من زوجها بصيانتها في البيت، ومنعها من البروز
стр. 730
والخروج من منزله، والذهاب حيث شاءت= تدعي بصداقها، وتحبس الزوج عليه، وتنطلق حيث شاءت، فيبيت الزوج ويظل يتلوى في الحبس، وتبيت المرأة فيما تبيت فيه!) [الطرق الحكمية ٤٩] (١).
وانظر: ما تقدم في المسألة رقم (٧٢٢).
١٠٢٣ - إذا أهدى شيئا قبل العقد وقد وُعِدَ بالزواج:
١٠٢٤ - وما قبض بسبب النكاح:
- قال ابن مفلح: (وليست هديته من المهر، نص عليه، فإن كانت قبل العقد وقد وُعد به، فزوجوا غيره رجع، قاله شيخنا.
وقال: ما قبض بسبب نكاح فكمهر.
وقال فيما كتب فيه المهر: لا يخرج منها بطلاقها) [الفروع ٥/ ٢٦٨ (٨/ ٣٢٥)] (٢).
١٠٢٥ - إذا وطء بعد العقد وادعى عدم علمه بها:
- قال ابن مفلح: (ولا تقبل دعواه عدم علمه بها، والمنصوص: ولو أنه أعمى؛ لأن العادة أنه لا يخفى عليه ذلك، فقد قدَّم أصحابنا هنا العادة على الأصل، فكذا دعوى إنفاقه، فإن العادة هناك أقوى، قاله شيخنا) [الفروع ٥/ ٢٧٢ (٨/ ٣٢٩)].
стр. 731
١٠٢٦ - الذي بيده عقدة النكاح:
- قال ابن القيم: (الذي بيده عقدة النكاح: هو الزوج، وقد قال قوم: هو الولي، فإذا عفا الرجل: أعطاها المهر كاملًا، أو يعفون، قال: تكون المرأة تترك للزوج ما عليه، فتكون قد عفت.
قلت: ونص أحمد في رواية أخرى: أنه الأب، وهو مذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية) [بدائع الفوائد ٣/ ١٠٢].
- وقال ابن مفلح: (والذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، فإذا طلق قبل الدخول صح عفو مالك التبرع منهما عن حقه، ولا عفو للأب، كعفوه عن مهر ابنه الراجع إليه، لأنه لم يكسبه إياه، وعنه: أنه الأب، قدمه ابن رزين، واختاره شيخنا، قال (١): ومثله سيد الأمة فيعفو عن نصف مهر ابنته المطلقة قبل الدخول المجنونة والصغيرة) [الفروع ٥/ ٢٨٥ (٨/ ٣٤٥)] (٢).
وانظر: ما تقدم في المسألة رقم (١٠١٧).
١٠٢٧ - المتعة للمطلقة:
- قال ابن مفلح: (ومتى فرض فكالمسمى، وعنه: يسقط وتجب المتعة، فإن دخل فلا متعة، ونقل حنبل: لكل مطلقة (٣)، واختاره شيخنا في موضع، وقال: كما دل عليه ظاهر القرآن ... وقال أحمد فيما خرجه في محبسه: قال ابن
стр. 732
عمر: لكل مطلقة متاع إلا التي لم يدخل بها وقد فرض لها، واختاره شيخنا في «الاعتصام بالكتاب والسنة») [الفروع ٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (٨/ ٣٥٠ - ٣٥ ١)] (١).
١٠٢٨ - مهر المكرهة على الزنا:
١٠٢٩ - ومهر الموطوءة بشبهة:
- قال ابن مفلح: (وأطلق شيخنا رواية أنه لا مهر لمكرهة، واختارها (٢)، وأنه خبيث، وظاهر كلامه: ولا بشبهة، لأنه قال: البضع إنما يتقوم على زوج أو شِبْهِه (٣) فيملكه به) [الفروع ٥/ ٢٩٣ (٨/ ٣٥٥)] (٤).
١٠٣٠ - إذا خرجت المرأة من الزوج بغير اختياره:
١٠٣١ - ورجوع الزوج بالمهر على الغار:
١٠٣٢ - وضمان مهر المرأة إذا أسلمت تحت كافر:
١٠٣٣ - ومهر المرأة إذا ارتدت:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: متى خرجت منه بغير اختياره بإفسادها أو لا، أو بيمينه: لا تفعل شيئا ففعلته، فله مهره، وذكره رواية، كالمفقود، لأنها استحقت المهر بسبب هو تمكينها من وطئها، وضمنته بسبب هو
стр. 733
إفسادها، واحتج بالمختلعة التي تسببت إلى الفرقة.
قال: والملاعنة لم تفسد النكاح، ويمكن توبتها، وتبقى معه، مع أن جواز عضل الزانية يدل أن له حقا في مهرها إذا أفسدت نكاحه.
وقال: في رجوعه بالمهر على الغارِّ في نكاح فاسد ومعيبة ومدلسة وإذا أفسده عليه (١) ونحوه روايتان، بناء على أن خروج البضع متقوم، وصحَّحه، وأن أكثر نصوصه تدل عليه، واحتج بالآية أن لزوج المسلمة إذا ارتدَّت المهر، وللمعاهد (٢) الذي شرط رد المرأة إذا لم ترد المهر، والمنصوص المسمى لا مهر المثل.
قال القاضي وجماعة: أداء المهر وأخذه من الكفار وتعويض الزوج من الغنيمة، ومن صداق وجب رده على أهل الحرب، منسوخ عند جماعة، ونص عليه أحمد.
قال شيخنا: هو إحدى الروايتين، وأن الآية دلت أن من أسلمت وهاجرت أو ارتدت ولحقت بالكفار فلزوجها ما أنفق، فيلزم المهاجرة الموسرة وإلا لزمنا كفداء الأسير، لولا العهد بيننا وبينهم للمصلحة لمنع المسلم امرأته من اللحاق بهم ولم تطمع به، فلزمنا المهر له من المصالح، وقد يقال: يجوز لحاجة من الأربعة الأخماس، لأنهم نالوها بالعهد، فالزوج كالرد، ولهذا أقام عثمان على رقية يوم بدر وقسم له لتمكن النبي ﷺ من الغزو، وإنما أخذ منهم مهر المعاهد وأعطيه من ارتدت امرأته، وهو لم
стр. 734
يحبس امرأته، لأن الطائفة الممتنعة كشخص واحد فيما أتلفوه.
قال: والمرتدة بدون هذا العهد والشرط، فقد ذكروا مذاهب الأئمة الأربعة لا مهر له، وذلك لأنها إن لحقت بدار الحرب فمحاربة، كإباق عبده، فلا شيء له، وإن أقامت بدارنا فهي امرأته إن عادت، وإن أبت حتى قتلت فكموتها.
وقال: والنسخ بنبذ العهد في «براءة» فيه نظر، وكون الرد استحبابا ضعيف) [الفروع ٥/ ٥٧٤ - ٥٧٥ (٩/ ٢٨٥ - ٢٨٦)] (١).
стр. 735
باب وليمة العرس
١٠٣٤ - غسل اليدين قبل الأكل:
- قال ابن مفلح: (يستحب غسل اليدين قبل الطعام وبعده، وعنه: يكره، اختاره القاضي كذا ذكره السامري وغيره .... قال الشيخ تقي الدين: من كرهه قال: هذا من فعل اليهود، فيكره التشبه بهم) [الآداب الشرعية ٣/ ٢ ١٢ - ٢١٣] (١).
١٠٣٥ - غسل اليدين بالمطعوم:
- قال ابن مفلح: (قال في «المغني»: واستدل الخطابي على ذلك بحديث الملح، والملح طعام ففي معناه ما أشبهه.
قال الشيخ تقي الدين: وهذا من أبي محمد يقتضي جواز غسلها بالمطعوم، وهذا خلاف المشهور. ويأتي كلامه على هذه المسألة) [الآداب الشرعية ٣/ ١٥٥].
- ثم قال: (قال الشيخ تقي الدين: يستدل على كراهة الاغتسال بالأقوات، بأن ذلك يفضي إلى خلطها بالأدناس والأنجاس، فنهي عنه كما نهي عن إزالة النجاسة بها، والملح ليست قوتا وإنما يصلح بها القوت، نعم ينهى في الاستنجاء عن قوت الآدميين والبهائم للإنس والجن، فعلى هذا لا يستنجي بالنخالة وإن غسل يده بها، فأما إن دعت الحاجة إلى استعمال القوت، مثل الدبغ بدقيق الشعير أو التطبب للجرب باللبن والدقيق ونحو
стр. 736
ذلك، فينبغي أن يرخص فيه كما رخص في قتل دود القز بالتشميس لأجل الحاجة، إذ لا تكون حرمة القوت أعظم من حرمة الحيوان.
وبهذا قد يجاب عن الملح أنها استعملت لأجل الحاجة، وعلى هذا فقد يستدل بهذا الأصل الشرعي على المنع من إهانتها بوضع الإدام فوقها كما ذكره الشيخ عبد القادر.
ودليل آخر وهو أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وأخذ اللقمة الساقطة، وإماطة الأذى عنها، كل ذلك كيلا يضيع شيء من القوت، والتدلك به إضاعة له لقيام غيره مقامه، وهو من أنواع التبذير الذي هو من فعل الشيطان.
وسُئلت عن مثل هذه، وهو غسل الأيدي بالمسك، فقلت: إنه إسراف، بخلاف تتبع الدم بالفرصة الممسكة فإنه يسير لحاجة، وهذا كثير لغير حاجة، فاستعمال الطيب في غير التطيب وغير حاجة كاستعمال القوت في غير التقوت وغير حاجة، وحديث البقرة: «إنا لم نخلق للركوب» يستأنس به في مثل هذا.
ويستدل على ما فعله أحمد من مسح اليد عند كل لقمة بأن وضع اليد في الطعام يخلط أجزاء من الريق في الطعام، فهو في معنى ما نهى عنه النبي ﷺ من التنفس في الإناء، لكن يسوغ فيه لمشقة المسح عند كل لقمة، فمن يحشم المسح، فذلك حسن منه، انتهى كلامه.
وظاهر كلام الأصحاب ﵏ أنه لا يكره غسل اليد بطيب ولو كثر لغير حاجة، ويتوجه تحريم الاغتسال بمطعوم كما هو ظاهر تعليل الشيخ تقي الدين) [الآداب الشرعية ٣/ ٢٠١].
стр. 737
١٠٣٦ - زيادة «الرحمن الرحيم» في التسمية عند الأكل:
١٠٣٧ - وزيادتها عند الذبح:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: ولو زاد «الرحمن الرحيم» عند الأكل كان حسنًا، فإنه أكمل بخلاف الذبح، فإنه قد قيل: لا يناسب ذلك) [الفروع ٥/ ٣٠٠ (٨/ ٣٦٤ - ٣٦٥)] (١).
١٠٣٨ - التسمية على كل نوع:
- قال ابن مفلح: (وفي كلام الشيخ تقي الدين ﵀ قال: من القرَّاء من يفصل بالبسملة بين السورتين، ومنهم من لا يفصل؛ لأن القرآن كله كلام الله فلا يفصلون بها بين السورتين، كمن سمَّى إذا أكل أنواعا من الطعام، ومنهم من يسمي في أول كل سورة وهو حسن، لمتابعته لخط المصحف وهو بمنزلة رفع الطعام ووضع طعام فالتسمية عنده أفضل. انتهى كلامه) [الآداب الشرعية ٣/ ١٦٤].
١٠٣٩ - القِران في الطعام:
- قال ابن مفلح: (ويكره ... قرانه في التمر قيل: مطلقًا، وقيل: مع شريك لم يأذن (٢)، قال في «الترغيب» وشيخنا: ومثله قران ما العادة جارية بتناوله إفرادًا) [الفروع ٥/ ٣٠١ (٨/ ٣٦٥)].
стр. 738
- وقال أيضًا: (ويكره القران في التمر ... . والقران في غير التمر مثله إلا أن ذلك لا يقصد ولا تظهر فائدته إلا في الفواكه وما في معناها، قال الشيخ تقي الدين: وعلى قياسه قران كل ما العادة جارية بتناوله إفرادا) [الآداب الشرعية ٣/ ١٥٨] (١).
١٠٤٠ - تصغير اللقم في الأكل:
- قال ابن مفلح: (ويسن أن يصغر اللقم ويجيد المضغ، قال الشيخ تقي الدين: إلا أن يكون هناك ما هو أهم من إطالة الأكل. على أن هذه المسألة لم أجدها مأثورة ولا عن أبي عبد الله لكن فيها مناسبة.
وقال أيضا: هو نظير ما ذكره الإمام أحمد من استحباب تصغير الأرغفة) [الآداب الشرعية ٣/ ١٦٢].
١٠٤١ - الأكل حتى يتخم، والإسراف فيه:
- قال ابن مفلح: (وكره شيخنا أكله حتى يتخم، وحرَّمه أيضًا، وحرَّم أيضًا الإسراف، وهو مجاوزة الحد) [الفروع ٥/ ٣٠٢ (٨/ ٣٦٦)] (٢).
- وقال أيضا: (وعن سمرة بن جندب أنه قيل له: إن ابنك بات البارحة بشما. قال: أما لو مات لم أصل عليه!
قال الشيخ تقي الدين: يعني أنه أعان على قتل نفسه، فيكون كقاتل نفسه.
стр. 739
وقال في موضع آخر: يكره أن يأكل حتى يتخم، ثم ذكر ما سبق عن سمرة) [الآداب الشرعية ٣/ ١٨٥ - ١٨٦] (١).
١٠٤٢ - الإسراف:
- قال ابن مفلح: (وقال الشيخ تقي الدين في موضع آخر: الإسراف في المباحات هو مجاوزة الحد، وهو من العدوان المحرم، وترك فضولها هو من الزهد المباح، وأما الامتناع من فعل المباحات مطلقا كالذي يمتنع من أكل اللحم أو أكل الخبز أو شرب الماء، أو من لبس الكتان والقطن ولا يلبس إلا الصوف، ويمتنع من نكاح النساء، ويظن أن هذا من الزهد المستحب= فهذا جاهل ضال ... إلى أن ذكر: أن الله أمر بالأكل من الطيبات، والشكر له، والطيب هو ما ينفع الإنسان ويعينه على الطاعة، وحرم الخبائث وهو ما يضره في دينه، وأمر بشكره وهو العمل بطاعته بفعل المأمور به وترك المحظور.
قال: فمن أكل من الطيبات ولم يشكر ربه ولم يعمل صالحا كان معاقبا على ما تركه من فعل الواجبات، ولم يحل (٢) له الطيبات، فإن الله تعالى إنما أحلها لمن يستعين بها على طاعته، ولم يحلها لمن يستعين بها على معصيته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣].
قال: ولهذا لا يجوز أن يعان الإنسان بالمباحات على المعاصي، مثل
стр. 740
من يعطي اللحم والخبز لمن يشرب عليه الخمر، ويستعين به على الفواحش.
قال: وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] أي: عن الشكر على النعيم، فيطالب العبد بأداء شكر الله على النعيم، فإن الله تعالى لا يعاقب على ما أباح، وإنما يعاقب على ترك مأمور وفعل محذور. انتهى كلامه) [الآداب الشرعية ٣/ ١٨٧ - ١٨٨].
وانظر: ما تقدم برقم (١٤٦، ١٤٧).
١٠٤٣ - الشرب والأكل قائما:
- قال ابن مفلح: (ولا يكره شربه قائمًا، نقله الجماعة، وعنه: بلى، وجزم به في «الإرشاد»، واختاره شيخنا، وسأله صالح عن شربه قائمًا في نفس، ونائمًا، قال: أرجو، ويتوجه: كأكل، وظاهر كلامهم: لا يكره أكله قائمًا، ويتوجه: كشرب، قاله شيخنا) [الفروع ٥/ ٣٠٢ (٨/ ٣٦٧)] (١).
١٠٤٤ - الأكل من بيت القريب والصديق بلا إذن:
- قال ابن مفلح: (ويحرم أكله بلا إذن صريح أو قرينة، كدعائه إليه، نص عليه، ولو من بيت قريبه أو صديقه ولم يحرزه عنه، نقله ابن القاسم وابن النضر، وجزم به في «الجامع»، وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره: يجوز، واختاره شيخنا) [الفروع ٥/ ٣٠٤ (٨/ ٣٦٨)] (٢).