ذلك، فينبغي أن يرخص فيه كما رخص في قتل دود القز بالتشميس لأجل الحاجة، إذ لا تكون حرمة القوت أعظم من حرمة الحيوان.
وبهذا قد يجاب عن الملح أنها استعملت لأجل الحاجة، وعلى هذا فقد يستدل بهذا الأصل الشرعي على المنع من إهانتها بوضع الإدام فوقها كما ذكره الشيخ عبد القادر.
ودليل آخر وهو أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وأخذ اللقمة الساقطة، وإماطة الأذى عنها، كل ذلك كيلا يضيع شيء من القوت، والتدلك به إضاعة له لقيام غيره مقامه، وهو من أنواع التبذير الذي هو من فعل الشيطان.
وسُئلت عن مثل هذه، وهو غسل الأيدي بالمسك، فقلت: إنه إسراف، بخلاف تتبع الدم بالفرصة الممسكة فإنه يسير لحاجة، وهذا كثير لغير حاجة، فاستعمال الطيب في غير التطيب وغير حاجة كاستعمال القوت في غير التقوت وغير حاجة، وحديث البقرة: «إنا لم نخلق للركوب» يستأنس به في مثل هذا.
ويستدل على ما فعله أحمد من مسح اليد عند كل لقمة بأن وضع اليد في الطعام يخلط أجزاء من الريق في الطعام، فهو في معنى ما نهى عنه النبي ﷺ من التنفس في الإناء، لكن يسوغ فيه لمشقة المسح عند كل لقمة، فمن يحشم المسح، فذلك حسن منه، انتهى كلامه.
وظاهر كلام الأصحاب ﵏ أنه لا يكره غسل اليد بطيب ولو كثر لغير حاجة، ويتوجه تحريم الاغتسال بمطعوم كما هو ظاهر تعليل الشيخ تقي الدين) [الآداب الشرعية ٣/ ٢٠١].
стр. 737
١٠٣٦ - زيادة «الرحمن الرحيم» في التسمية عند الأكل:
١٠٣٧ - وزيادتها عند الذبح:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: ولو زاد «الرحمن الرحيم» عند الأكل كان حسنًا، فإنه أكمل بخلاف الذبح، فإنه قد قيل: لا يناسب ذلك) [الفروع ٥/ ٣٠٠ (٨/ ٣٦٤ - ٣٦٥)] (١).
١٠٣٨ - التسمية على كل نوع:
- قال ابن مفلح: (وفي كلام الشيخ تقي الدين ﵀ قال: من القرَّاء من يفصل بالبسملة بين السورتين، ومنهم من لا يفصل؛ لأن القرآن كله كلام الله فلا يفصلون بها بين السورتين، كمن سمَّى إذا أكل أنواعا من الطعام، ومنهم من يسمي في أول كل سورة وهو حسن، لمتابعته لخط المصحف وهو بمنزلة رفع الطعام ووضع طعام فالتسمية عنده أفضل. انتهى كلامه) [الآداب الشرعية ٣/ ١٦٤].
١٠٣٩ - القِران في الطعام:
- قال ابن مفلح: (ويكره ... قرانه في التمر قيل: مطلقًا، وقيل: مع شريك لم يأذن (٢)، قال في «الترغيب» وشيخنا: ومثله قران ما العادة جارية بتناوله إفرادًا) [الفروع ٥/ ٣٠١ (٨/ ٣٦٥)].
стр. 738
- وقال أيضًا: (ويكره القران في التمر ... . والقران في غير التمر مثله إلا أن ذلك لا يقصد ولا تظهر فائدته إلا في الفواكه وما في معناها، قال الشيخ تقي الدين: وعلى قياسه قران كل ما العادة جارية بتناوله إفرادا) [الآداب الشرعية ٣/ ١٥٨] (١).
١٠٤٠ - تصغير اللقم في الأكل:
- قال ابن مفلح: (ويسن أن يصغر اللقم ويجيد المضغ، قال الشيخ تقي الدين: إلا أن يكون هناك ما هو أهم من إطالة الأكل. على أن هذه المسألة لم أجدها مأثورة ولا عن أبي عبد الله لكن فيها مناسبة.
وقال أيضا: هو نظير ما ذكره الإمام أحمد من استحباب تصغير الأرغفة) [الآداب الشرعية ٣/ ١٦٢].
١٠٤١ - الأكل حتى يتخم، والإسراف فيه:
- قال ابن مفلح: (وكره شيخنا أكله حتى يتخم، وحرَّمه أيضًا، وحرَّم أيضًا الإسراف، وهو مجاوزة الحد) [الفروع ٥/ ٣٠٢ (٨/ ٣٦٦)] (٢).
- وقال أيضا: (وعن سمرة بن جندب أنه قيل له: إن ابنك بات البارحة بشما. قال: أما لو مات لم أصل عليه!
قال الشيخ تقي الدين: يعني أنه أعان على قتل نفسه، فيكون كقاتل نفسه.
стр. 739
وقال في موضع آخر: يكره أن يأكل حتى يتخم، ثم ذكر ما سبق عن سمرة) [الآداب الشرعية ٣/ ١٨٥ - ١٨٦] (١).
١٠٤٢ - الإسراف:
- قال ابن مفلح: (وقال الشيخ تقي الدين في موضع آخر: الإسراف في المباحات هو مجاوزة الحد، وهو من العدوان المحرم، وترك فضولها هو من الزهد المباح، وأما الامتناع من فعل المباحات مطلقا كالذي يمتنع من أكل اللحم أو أكل الخبز أو شرب الماء، أو من لبس الكتان والقطن ولا يلبس إلا الصوف، ويمتنع من نكاح النساء، ويظن أن هذا من الزهد المستحب= فهذا جاهل ضال ... إلى أن ذكر: أن الله أمر بالأكل من الطيبات، والشكر له، والطيب هو ما ينفع الإنسان ويعينه على الطاعة، وحرم الخبائث وهو ما يضره في دينه، وأمر بشكره وهو العمل بطاعته بفعل المأمور به وترك المحظور.
قال: فمن أكل من الطيبات ولم يشكر ربه ولم يعمل صالحا كان معاقبا على ما تركه من فعل الواجبات، ولم يحل (٢) له الطيبات، فإن الله تعالى إنما أحلها لمن يستعين بها على طاعته، ولم يحلها لمن يستعين بها على معصيته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣].
قال: ولهذا لا يجوز أن يعان الإنسان بالمباحات على المعاصي، مثل
стр. 740
من يعطي اللحم والخبز لمن يشرب عليه الخمر، ويستعين به على الفواحش.
قال: وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] أي: عن الشكر على النعيم، فيطالب العبد بأداء شكر الله على النعيم، فإن الله تعالى لا يعاقب على ما أباح، وإنما يعاقب على ترك مأمور وفعل محذور. انتهى كلامه) [الآداب الشرعية ٣/ ١٨٧ - ١٨٨].
وانظر: ما تقدم برقم (١٤٦، ١٤٧).
١٠٤٣ - الشرب والأكل قائما:
- قال ابن مفلح: (ولا يكره شربه قائمًا، نقله الجماعة، وعنه: بلى، وجزم به في «الإرشاد»، واختاره شيخنا، وسأله صالح عن شربه قائمًا في نفس، ونائمًا، قال: أرجو، ويتوجه: كأكل، وظاهر كلامهم: لا يكره أكله قائمًا، ويتوجه: كشرب، قاله شيخنا) [الفروع ٥/ ٣٠٢ (٨/ ٣٦٧)] (١).
١٠٤٤ - الأكل من بيت القريب والصديق بلا إذن:
- قال ابن مفلح: (ويحرم أكله بلا إذن صريح أو قرينة، كدعائه إليه، نص عليه، ولو من بيت قريبه أو صديقه ولم يحرزه عنه، نقله ابن القاسم وابن النضر، وجزم به في «الجامع»، وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره: يجوز، واختاره شيخنا) [الفروع ٥/ ٣٠٤ (٨/ ٣٦٨)] (٢).
стр. 741
١٠٤٥ - دخول الكنيسة والبيعة مع وجود الصور:
١٠٤٦ - وليس لأهل الذمة منع من أراد أن يعبد الله في البيعة أو الكنيسة:
١٠٤٧ - والسفر إلى أرض الكفار للتجارة:
١٠٤٨ - وبيعه لهم ما يعملون به كنيسة أو تمثالا:
١٠٤٩ - وفعل ما فيه تخصيص لعيد الكفار وتمييز له:
١٠٥٠ - وإذا دعاه الكفار لوليمة عيدهم:
- قال ابن مفلح: (وله دخول بيعة وكنيسة والصلاة فيهما، وعنه: يكره، وعنه: مع صور (١)، وظاهر كلام جماعة تحريم دخوله معهما، وقاله شيخنا، وأنها كالمسجد على القبر.
وقال: وليست ملكًا لأحد، وليس لهم منع من يعبد الله، لأنا صالحناهم عليه، والعابد بينهم وبين الغافلين أعظم أجرًا.
ويحرم شهود عيد ليهود أو نصارى، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] نقله مهنا، وقاله الآمدي، وترجمه الخلال بالكراهة، وفيه تنبيه على المنع أن يفعل كفعلهم، قاله شيخنا.
لا البيع لهم فيها، نقله مهنا، وحرَّمه شيخنا، وخرَّجه على ما ذكره من روايتين منصوصتين في حمل التجارة إلى دار حرب، وأن مثله مهاداتهم لعيدهم، وجزم غيره بكراهة التجارة والسفر إلى أرض كفر ونحوه.
стр. 742
وقال شيخنا أيضًا: لا يمنع منه إذا لم يلزموه بفعل محرم أو ترك واجب، وينكر ما يشاهده من المنكر بحسبه.
قال: ويحرم بيع ما يعملون به كنيسة أو تمثالًا ونحوه.
قال: وكل ما فيه تخصيص لعيدهم وتمييز له، فلا أعلم خلافًا أنه من التشبه، والتشبه بالكفار منهي عنه «ع».
قال: ولا ينبغي إجابة هذه الوليمة.
قال: ولما صارت العمامة الصفراء والزرقاء من شعارهم لم يجز لبسها (١)، فكيف بمن يشاركهم في عباداتهم وشرائع دينهم، بل ليس لمسلم أن يحضر مواسمهم بشيء مما يخصونها به، وليس لأحد أن يجيب دعوة مسلم في ذلك ويحرم الأكل والذبح، ولو أنه فعله لأنه اعتاده وليفرح أهله، ويعزر إن عاد) [الفروع ٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨ (٨/ ٣٧٣ - ٣٧٤)] (٢).
١٠٥١ - الرغائب وليلة النصف:
١٠٥٢ - تخصيص يوم من الأيام بطعام أو نحوه موافقة للكفار:
- قال ابن مفلح: (وأما موسم خاص، كالرغائب وليلة النصف، فلعل ظاهر كلامهم: لا يكره، وكرهه شيخنا، وأنه بدعة، ولعله ظاهر تعليل أحمد بزي الأعاجم.
قال: وقد كره طوائف من الأئمة والسلف كأنس والحسن وأحمد صوم أعيادهم لأن فيه نوع تعظيم لها، فكيف بتخصيصها بنظير ما يفعلونه؟!
стр. 743
بل نهى أئمة الدين عما ابتدعه الناس، كما يفعلونه يوم عاشوراء أو في رجب وليلة نصف شعبان، ونحو ذلك من الصلاة والاجتماع والأطعمة والزينة وغير ذلك، فكيف بأعياد المشركين؟ !
والناهي عن هذه المنكرات مطيع لله ورسوله، والمجاهد في ذلك من المجاهدين في سبيل الله.
وذكر في موضع آخر أنَّه لا يجوز تخصيص ذلك بطعام غيره) [الفروع ٥/ ٣٠٩ - ٣١٠ (٨/ ٣٧٥ - ٣٧٦)] (١).
стр. 744
باب عشرة النساء
١٠٥٣ - يجب على الزوج أن يطأ امرأته بالمعروف:
- قال ابن القيم: ( ... وقالت طائفة أخرى: بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف، كما ينفق عليها ويكسوها ويعاشرها بالمعروف؛ بل هذا عمدة المعاشرة ومقصودها، وقد أمر الله أن يعاشرها بالمعروف؛ فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد.
قالوا: وعليه أن يشبعها وطئًا إذا أمكنه ذلك، كما عليه أن يشبعها قوتًا.
وكان شيخنا ﵀ يرجح هذا القول ويختاره) [روضة المحبين ٢٢٧] (١).
١٠٥٤ - حق الفسخ لامرأة من علم خبره كأسير ومحبوس:
- قال ابن مفلح: (وأما إذا اعتبر قصد الإضرار (٢) فالإيلاء دلَّ على قصد الإضرار فيكفي ولو لم يظهر منه قصده، وقال شيخنا: خرَّج ابن عقيل قولًا: لها الفسخ بالغيبة المضرة بها، ولو لم يكن مفقودًا، كما لو كوتب فلم يحضر بلا عذر (٣)،
وفي «المغني» في امرأة من علم خبره كأسير ومحبوس:
стр. 745
لها الفسخ بتعذر النفقة من ماله وإلا فلا «ع»، قال شيخنا: لا إجماع) [الفروع ٥/ ٣٢٢ (٨/ ٣٨٩ - ٣٩٠)] (١).
١٠٥٥ - إذا حبست المرأة زوجها بحقها وخاف خروجها بلا إذنه:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا فيمن حبسته بحقها: إن خاف خروجها بلا إذنه أسكنها حيث لا يمكنها، فإن لم يكن له من يحفظها غير نفسه حبست معه، فإن عجز عن حفظها أو خيف حدوث شرٍّ أسكنت في رباط ونحوه) [الفروع ٥/ ٣٢٨ (٨/ ٣٩٨)] (٢).
وانظر: ما تقدم في المسألة رقم (٧٢٢).
١٠٥٦ - خدمة المرأة لزوجها:
- قال ابن مفلح: (وليس عليها عجن وخبز وطبخ ونحوه، نصَّ عليه، خلافًا للجوزجاني، وأوجب شيخنا: المعروف من مثلها لمثله، وخرَّج أيضًا الوجوب من نصه على نكاح الأمة لحاجة الخدمة، وفيه نظر، لأنه ليس فيه وجوب الخدمة عليها) [الفروع ٥/ ٣٢٩ (٨/ ٣٩٨)] (٣).
стр. 746
١٠٥٧ - التسوية بين الزوجات في النفقة والكسوة:
- قال ابن مفلح: (القسم مستحق على غير طفل، فيلزمه التسوية بين زوجاته، حتى حائض ومعيبة ورتقاء ومظاهر منها ومن سافر بها بقرعة ومجنونة مأمونة وكتابية، نصَّ عليه، وصغيرة ــ قيل: توطأ، وقيل: مميزة ــ في القسم فقط، نص عليه، وقال شيخنا: والنفقة والكسوة) [الفروع ٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠ (٨/ ٣٩٩)] (١).
١٠٥٨ - الحاكمان بين الزوجين:
- قال ابن مفلح: (ولا يجبران على التوكيل، وعنه: بلى بعوض وغيره، فإن أبيا جعله الحاكم للحكمين، اختاره ابن هبيرة وشيخنا) [الفروع ٥/ ٣٤٢ (٨/ ٤١٥)] (٢).
стр. 747
باب الخلع
١٠٥٩ - حكم الإجابة للخلع:
- قال ابن مفلح: (يباح لسوء عشرة بين الزوجين، وتستحب الإجابة إليه، واختلف كلام شيخنا في وجوبه) [الفروع ٥/ ٣٤٣ (٨/ ٤١٧)].
- وقال أيضا: (المذهب: يكره ويصح وحالهما مستقيمة، وعنه: يحرم ولا يصح، واعتبر شيخنا خوف قادر على القيام بالواجب أن لا يقيما حدود الله، فلا يجوز انفرادهما به، لقراءة حمزة: (أن يُخافا) بالضم، ولا يصح «هـ» مع منعه حقها وظلمه لتختلع منه، فيقع رجعيًّا إن قيل: هو طلاق، وقيل: بائنًا إن صح الخلع بلا عوض، ولو لم يقصد بظلمه لتختلع لم يحرم «و: هـ ش» ولنا نزاع، قاله شيخنا) [الفروع ٥/ ٣٤٣ (٨/ ٤ ١٧)] (١).
١٠٦٠ - إذا ادعت المرأة أو وليها السفه حال إبرائها له:
- قال ابن مفلح: (ولا يبطل الإبراء بدعواها السفه، قال شيخنا: ولو مع بينة أنها سفيهة وليست تحت الحجر، ويتوجه: بلى مع بينة، قال: ولو أبرأته وولدت عنده، ومالها بيده يتصرف فيه، لم يصدق أبوها أنها كانت سفيهة تحت حجره بلا بينة) [الفروع ٥/ ٣٤٤ (٨/ ٤ ١٨)] (٢).
١٠٦١ - الخلع فسخ بأي لفظ كان:
- قال ابن القيم: (وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق: دل
стр. 748
على أنها من غير جنسه، فهذا مقتضى النص، والقياس، وأقوال الصحابة.
ثم، من نظر إلى حقائق العقود ومقاصدها، دون ألفاظها: يعد الخلع فسخًا بأي لفظ كان، حتى بلفظ الطلاق، وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا، قال: وهذا ظاهر كلام أحمد، وكلام ابن عباس وأصحابه) [زاد المعاد ٥/ ٢٠٠].
- وقال ابن مفلح: (وهو بصريح طلاق أو نيته طلاق بائن، وعنه: مطلقا، وقيل: عكسه، قال شيخنا: وعليه دل كلام أحمد وقدماء أصحابه، ومراده ما قال عبد الله: رأيت أبي كان يذهب إلى قول ابن عباس، وابن عباس صح عنه: ما أجازه المال فليس بطلاق، وصح عنه: الخلع تفريق وليس بطلاق) [الفروع ٥/ ٣٤٦ (٨/ ٤٢ ١)] (١).
١٠٦٢ - إذا خالع بلا عوض أو بمحرم:
- قال ابن القيم: (والصواب: أن الرجعة حق لله تعالى، ليس لهما أن يتفقا على إسقاطها، وليس له أن يطلقها بائنة، ولو رضيت الزوجة، كما أنه: ليس لهما أن يتراضيا بفسخ النكاح بلا عوض.
فإن قيل: فكيف يجوز الخلع بغير عوض، في أحد القولين، في مذهب مالك وأحمد؟ وهل هذا إلا اتفاق من الزوجين على فسخ النكاح بغير عوض؟
قيل: إنما يُجَوِّز أحمد في إحدى الروايتين بلا عوض إذا كان طلاقا، فأما إذا كان فسخا فلا يجوز بالاتفاق، قاله شيخنا ﵀، قال: ولو جاز هذا:
стр. 749
لجاز أن يتفقا، على أن يبينها مرة بعد مرة، من غير أن ينقص عدد الطلاق، ويكون الأمر إليهما، إذا أرادا أن يجعلا الفرقة بين الثلاث جعلاها، وإن أرادا لم يجعلاها من الثلاث) [زاد المعاد ٥/ ٦٧٥ - ٦٧٦].
- وقال ابن مفلح: (وإن خالع بلا عوض (١) أو بمحرم يعلمانه لم يصح، فيقع رجعيا بنية طلاق، وعنه: يصح ولا يلزمه شيء، وجعله شيخنا كعقد البيع (٢) حتى في الإقالة، وأنه لا يجوز إذا كان فسخا بلا عوض «ع») [لفروع ٥/ ٣٤٦ (٨/ ٤٢٢ - ٤٢٤)] (٣).
وانظر: ما تقدم برقم (١٠١٥).
١٠٦٣ - إذا قالت المرأة: إن طلقتني فلك كذا أو أنت بريء منه:
١٠٦٤ - وإذا التزم دينا لا على وجه المعاوضة:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: وقولها: إن طلقتني فلك كذا، أو أنت بريء منه، كـ: إن طلقتني فلك علي ألف، وأولى، وليس فيه النزاع في تعليق البراءة بشرط، أما لو التزم دينا لا على وجه المعاوضة، كـ: إن تزوجت فلك
стр. 750
في ذمتي ألف، أو جعلت لك في ذمتي ألفا، لم يلزمه، عند الجمهور) [الفروع ٥/ ٣٥٢ (٨/ ٤٣٢)].
١٠٦٥ - إذا قال: «أنت طالق على ألف»:
- قال ابن مفلح: (وإن قال ابتداء: أنت طالق بألف، أو على ألف (١)، أو: وعليك ألف، فقبلته في المجلس ــ وأجراه في «المغني» كـ: إن أعطيتني ــ بانت واستحقه، وله الرجوع قبل قبولها، وإن لم تقبل فنصه: يقع رجعيًا، وقيل: يقع في الأولى، وقيل: والثانية (٢)،
وخُرِّج من نظيرتِهن في العتق
стр. 751
عدمه فيهن، ولا ينقلب بائنًا ببذلها في المجلس، وقيل: بلى في الأولتين، قال شيخنا: مع أن «على» للشرط اتفاقًا) [الفروع ٥/ ٣٥٣ - ٣٥٤ (٨/ ٤٣٦)] (١).
١٠٦٦ - إذا قال: «متى أعطيتني ألفا فأنت طالق»:
- قال ابن مفلح: (وإذا قال: متى، أو: إذا، أو: إن أعطيتني، أو أقبضتني ألفًا، فأنت طالق، لزم من جهته، خلافًا لشيخنا) [الفروع ٥/ ٣٥٦ (٨/ ٤٣٩)].
١٠٦٧ - من حلف بطلاق أو عتق ثم أبان المرأة وباع المملوك:
- قال ابن مفلح: (ومن حلف بطلاق أو عتق على شيء ثم أبانها وباعه (٢) ثم عاد إليه= فيمينه باقية؛ لأن غرضه منعه في ملكه، كقوله لأجنبيّة:
стр. 752
إن طلّقتك فعبدي حرٌّ، أو زوجتي طالق، بخلاف اليمين بالله، لحنثه وانعقادها وحلها في غير ملك، وعنه: لا، ذكره شيخنا، وذكره أيضًا قولا) [الفروع ٥/ ٣٦ ١ (٨/ ٤٤٥)].
١٠٦٨ - إذا اعتقد البينونة بحيلة فعلها، ثم فعل ما حلف عليه:
١٠٦٩ - وخلع اليمين:
- قال ابن مفلح: (والحيل خداع لا تحل ما حرم الله، فلو اعتقد البينونة ففعل ما حلف فكمطلِّقٍ معتقد أجنبية فتبين امرأته، ذكره شيخنا، وقال: خلع اليمين هل يقع رجعيًّا أو لغوًا ــ وهو أقوى -؟ فيه نزاع؛ لأن قصده ضده كالمحلل) [الفروع ٥/ ٣٦٢ (٨/ ٤٤٧)].
стр. 753
كتاب الطلاق
١٠٧٠ - إذا أمرته أمه بالطلاق:
- قال ابن مفلح: (ويجب (١) في المُوْلِي والحكَمَين، وعنه: لا، وعنه: ولأمر أبيه، وعنه: العدل، فإن أمرته أمه فنصه: لا يعجبني طلاقه، ومنعه شيخنا منه) [الفروع ٥/ ٣٦٣ (٩/ ٧)].
- وقال أيضا: (وقد قال الشيخ تقي الدين فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته، قال: لا يحل له أن يطلقها، بل عليه أن يبرها وليس تطليق امرأته من برها) [الآداب الشرعية ١/ ٤٧٥] (٢).
١٠٧١ - طلاق الأب على ابنه الصغير والمجنون:
- قال ابن مفلح: (ويصح من زوج مكلف حتى كتابي وسفيه، نص عليهما، وكذا مميز يعقله، نقله واختاره الأكثر، وعنه: ابن عشر، وعنه: اثنتي عشرة، وعنه: لا يقع، اختاره ابن أبي موسى وغيره، وقدَّمه في «المحرر»، وجزم به الآدمي، وعنه: لأبِ صغيرٍ ومجنونٍ فقط الطلاق، نصره القاضي وأصحابه، وفي «الترغيب»: هي أشهر، وذكره شيخنا ظاهر المذهب) [الفروع ٥/ ٣٦٣ (٩/ ٨)] (٣).
стр. 754
١٠٧٢ - طلاق الإغلاق:
- قال ابن عبد الهادي: (وقد فُسِّر الإغلاق بـ: الإكراه ... وفُسِّر أيضا بـ: الغضب، قال أبو داود: أظنه الغضب. وقد نص الإمام أحمد على هذا التفسير في رواية حنبل.
قال شيخنا: والصواب أنَّه يعمُّ الإكراه والغضب والجنون، وكُلَّ أمر انغلق على صاحبه علمه وقصده، مأخوذٌ من: غلق الباب؛ بخلاف من علم ما يتكلَّم به وقصده وأراده، فإنَّه انفتح له بابه، ولم يغلق عليه، والله أعلم) [تنقيح التحقيق ٤/ ٤٠٩].
- وقال ابن القيم: (قال شيخنا: والإغلاق: انسداد باب العلم، والقصد عليه، يدخل فيه: طلاق المعتوه، والمجنون، والسكران، والمكره، والغضبان الذي لا يعقل ما يقول، لأن كلًا من هؤلاء قد أغلق عليه باب العلم والقصد، والطلاق إنما يقع من قاصد له، والله أعلم) [تهذيب السنن ٦/ ١٨٧].
- وقال أيضا: (وأما طلاق الإغلاق: فقد قال الإمام أحمد في رواية حنبل: وحديث عائشة ﵂: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» يعني: الغضب. هذا نص أحمد، حكاه عنه الخلال، وأبو بكر في «الشافي»، و «زاد المسافر»، فهذا تفسير أحمد.
وقال أبو داود في «سننه»: أظنه الغضب، وترجم عليه: باب الطلاق على غلط، وفسره أبو عبيد: بأنه الإكراه، وفسره غيرهما: بالجنون، وقيل: هو نهي عن إيقاع الطلقات الثلاث واحدة، فيغلق عليه الطلاق حتى لا يبقى منه شيء، كغلق الرهن. حكاه أبو عبيد.
стр. 755
قال شيخنا: وحقيقة الإغلاق: أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام، أو لا يعلم به، انغلق عليه قصده وإرادته.
قلت: قال أبو العباس المبرد: الغلق: ضيق الصدر، وقلة الصبر، بحيث لا يجد مخلصا.
قال شيخنا: ويدخل في ذلك: طلاق المكره، والمجنون، ومن زال بسكر، أو غضب، وكل من لا قصد له، ولا معرفة له بما قال ... الخ) [زاد المعاد ٥/ ٢١٤ - ٢١٥].
- وقال أيضا: (وقد نص الإمام أحمد على تفسير الإغلاق في قوله ﷺ : «لا طلاق في إغلاق» بأنه الغضب، وفسره به غير واحد من الأئمة، وفسروه بالإكراه والجنون.
قال شيخنا: وهو يعم هذا كله، وهو من الغلق، لانغلاق قصد المتكلم عليه، فكأنه لم ينفتح قلبه لمعنى ما قاله) [مدارج السالكين ١/ ٢٣١].
١٠٧٣ - طلاق الغضبان:
- قال ابن القيم: (وقسم شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ الغضب إلى ثلاثة أقسام:
قسم يزيل العقل، كالسكر، فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب.
وقسم يكون في مبادئه، بحيث لا يمنعه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع معه الطلاق.
وقسم يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبت
стр. 756
والتروي، ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد) [إعلام الموقعين ٤/ ٥٠] (١).
- وقال ابن مفلح: (وتعتبر إرادة لفظ الطلاق لمعناه، فلا طلاق لفقيه يكرره وحاك عن نفسه، خلافا لبعض الشافعية، حكاه ابن عقيل كغيره، ونائم وزائل العقل (٢)، ولو ذكر المغمى عليه أو المجنون لما أفاق أنه طلق وقع، نص عليه، قال الشيخ: هذا فيمن جنونه بذهاب معرفته بالكلية، فأما المُبَرْسَمُ ومن به نِشَافٌ فلا يقع، وفي «الروضة» أن المُبَرْسَمَ والموَسْوَسَ إن عقل الطلاق لزمه.
ويدخل في كلامهم من غضب حتى أُغمي عليه أو غُشي عليه (٣)، قال شيخنا: بلا ريب، ذكر أنه طلق أم لا.
ويقع من غيره في ظاهر كلامهم .... وعند شيخنا: إن غيره ولم يزل عقله لم يقع، لأنه ألجأه وحمله عليه فأوقعه وهو يكرهه ليستريح منه، فلم يبق له قصد صحيح، فهو كالمكره، ولهذا لا يجاب دعاؤه على نفسه وماله، ولا يلزمه نذر الطاعة فيه، وفي صحة حكمه الخلاف، وإنما انعقدت يمينه، لأن ضررها يزول بالكفارة، وهذا إتلاف) [الفروع ٥/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (٩/ ٩ - ١٠)] (٤).
стр. 757
١٠٧٤ - طلاق السكران:
١٠٧٥ - وحكم صلاته:
- قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: ( ... وهذا (١) هو الصحيح، وهو الذي رجع إليه الإمام أحمد أخيرًا ...
إلى أن قال: وهو اختيار الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وإمام الحرمين، وشيخ الإسلام ابن تيمية) [إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان ٣٦].
- وقال ابن مفلح: (ويقع ممن زال عقله بسكر محرم، وعنه: لا، اختاره أبو بكر والشيخ وشيخنا، وقال: كمكره لم يأثم في الأصح، ونقل الميموني: كنت أقول يقع حتى تبينته، فغلب علي أنه لا يقع. ونقل أبو طالب: الذي لا يأمر بالطلاق إنما أتى خصلة واحدة، والذي يأمر به أتى ثنتين: حرمها عليه وأحلها لغيره. وعنه: الوقف. وهو من يخلط في كلامه أو لم يعرف ثوبه أو هذى.
وذكر شيخنا وجها: أن الخلاف فيمن قد يفهم، وإلا لم يقع، قال شيخنا: وزعم طائفة من أصحاب «م ش» وأحمد: أن النزاع إنما هو في النشوان الذي قد يفهم ويغلط، فأما الذي تم سكره بحيث لا يفهم ما يقول: فإنه لا يقع به، قولًا واحدًا، والأئمة الكبار جعلوا النزاع في الجميع.
والروايتان في أقواله وكل فعل يعتبر العقل له، وعنه: في حد، وعنه: وقول كمجنون، وغيرهما كصاح، وعنه: أنه فيما يستقل به كعتقه وقتله كصاح.
стр. 758
قال جماعة: ولا تصح عبادته، قال شيخنا: ولا تقبل صلاته أربعين يومًا حتى يتوب، للخبر، وقاله الإمام أحمد) [الفروع ٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨ (٩/ ١٣ - ١٤)] (١).
١٠٧٦ - قصد إزالة العقل بلا سبب شرعي:
- قال ابن مفلح: (والبنج ونحوه كجنون، لأنه لا لذة به، نص عليه، وذكر جماعة: يقع لتحريمه، ولهذا يعزر، قال شيخنا: قصد إزالة العقل بلا سبب شرعي محرم) [الفروع ٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨ (٩/ ١٤)] (٢).
١٠٧٧ - إذا ظن الضرر من شخص بلا تهديد:
- قال ابن مفلح: (ومن أكره عليه ظلمًا ــ وعنه: من سلطان ــ بإيلامه بضربه أو حبسه، والأصح: أو لولده، ويتوجه: أو والده ونحوه، أو أخذ مال يضره، أو هدَّده بأحدها قادر يظن إيقاعه، فطلق تبعًا لقوله، وقال شيخنا: أو ظن أنه يضره ــ بلا تهديد ــ في نفسه أو أهله أو ماله= لم يقع) [الفروع ٥/ ٣٦٨ (٩/ ١٤)] (٣).
١٠٧٨ - إذا سحره ليطلق:
- قال ابن مفلح: (وإن سحره ليطلق فإكراه، قاله شيخنا) [الفروع ٥/ ٣٦٨ (٩/ ١٥)] (٤).
стр. 759
١٠٧٩ - إذا قال: أنت طالق في آخر طهرك، ولم يطأ فيه:
- قال ابن مفلح: (وإن طلق مدخولًا بها في حيض أو طهر وطئ فيه حرم ووقع، نص عليه، وفي «المحرر»: وكذا أنت طالق في آخر طهرك ولم يطأ فيه، وكلام الكل - واختاره شيخنا -: مباح إلا على رواية القروء: الأطهار (١)) [الفروع ٥/ ٣٧٠ (٩/ ١٧ - ١٨)] (٢).
١٠٨٠ - الطلاق في الطهر المتعقب للرجعة:
- قال ابن مفلح: (وطلاقها في الطهر المتعقِّب للرجعة بدعةٌ في ظاهر المذهب، اختاره الأكثر، ذكره شيخنا) [الفروع ٥/ ٣٧ ١ (٩/ ١٨)].
١٠٨١ - طلاق الحائض:
١٠٨٢ - والطلاق في طهر جامع فيه:
١٠٨٣ - وطلاق الثلاث مجموعة أو مفرقة قبل الرجعة:
- قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: (والمقصود: أن هؤلاء يشترطون في وقوع الطلاق إذن الشارع فيه، وما لم يأذن فيه الشارع فهو عندهم لاغٍ غير منفذ.
стр. 760
قال شيخ الإسلام: وقولهم أصح في الدليل من قول من يوقع الطلاق الذي لم يأذن فيه الله ورسوله، ويراه صحيحًا لازمًا) [إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان ٥٩ - ٦٠].
- وقال أيضا: (والمقصود: أن المسألة (١) من مسائل النزاع، لا من مسائل الإجماع، فأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد: أنه لا يقع الطلاق في زمن الحيض، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وبالله التوفيق) [الصواعق المرسلة ٢/ ٦٣١].
- وقال أيضا: (وأفتى به بعض أصحاب أحمد، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، قال: وكان الجد يفتي به أحيانًا) [إعلام الموقعين ٣/ ٣٥].
- وقال أيضا: ( .... أما المسألة الأولى: وهي إذا طلق امرأته ثلاثا جملة، فهذه مما يحتج لها ولا يحتج بها، وللناس فيها أربعة أقوال:
أحدها: الإلزام بها.
والثاني: إلغاءها جملة، وإن كان هذا إنما يعرف عن الفقهاء الشيعة.
والثالث: أنها واحدة، وهذا قول أبى بكر الصديق وجميع الصحابة في زمانه، وإحدى الروايتين عن ابن عباس، واختيار أعلم الناس بسيرة النبي ﷺ محمد بن إسحاق والحارث العكلي وغيره، وهو أحد القولين في مذهب مالك، حكاه التلمساني في «شرح تفريع ابن الجلاب»، وأحد القولين في مذهب أحمد، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ... ) [إعلام الموقعين ٣/ ٢٧٥].
стр. 761
- وقال أيضا: (وحكاه شيخ الإسلام عن بعض أصحاب أحمد، وهو اختياره، وأسوأ أحواله أن يكون كبعض أصحاب الوجوه في مذهبه، كالقاضي وأبي الخطَّاب، وهو أجل من ذلك، فهذا قول في مذهب أحمد بلا شك) [إغاثة اللهفان ١/ ٤٣٦].
- وقال أيضا: ( ... أن شيخنا حكى عن جده أبي البركات أنه كان يفتي بذلك أحيانا سرا، وقال في بعض مصنفاته: هذا قول أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد) [إغاثة اللهفان ١/ ٤٨٤].
- وقال أيضا: (وأما ما اعتمد عليه الشافعي من طلاق الملاعِن ثلاثًا بحضرة رسول الله ﷺ ، ولم ينكره، فلا دليل فيه؛ لأن الملاعنة يحرم عليه إمساكها، وقد حرمت تحريمًا مؤبدًا، فما زاد الطلاق الثلاث هذا التحريم الذي هو مقصود اللعان إلا تأكيدًا وقوّة، وهذا جواب شيخنا ﵀) [إغاثة اللهفان ١/ ٤٦٧ ــ ٤٦٨].
- وقال أيضا: ( ... وقوع الثلاث بكلمة واحدة، فاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب ...
الثالث: أنه يقع به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس، ذكره أبو داود عنه.
قال الإمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق، يقول: خالف السنة، فيرد إلى السنة. انتهى. وهو قول طاووس، وعكرمة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية) [زاد المعاد ٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨].
- وقال أيضا: ( ... الوجه التاسع: أنه أحد القولين في مذهب أحمد، حكاه شيخنا واختاره، وأفتى به، وأقل درجات اختياراته يكون وجهًا في
стр. 762
المذهب، ومن الممتنع أن يكون اختيار ابن عقيل وأبي الخطاب والشيخ أبي محمد وجهًا يفتى بها، واختيارات شيخ الإسلام لا تصل إلى هذه المرتبة) [الصواعق المرسلة ٢/ ٦٢٤].
- وقال أيضا: (قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن ذلك إلزامه للمطلق ثلاثًا بكلمة واحدة بالطلاق، وهو يعلم أنها واحدة، ولكن لما أكثر الناس منه رأى عقوبتهم بإلزامهم به، ووافقه على ذلك رعيته من الصحابة، وقد أشار هو إلى ذلك، فقال: إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، ليقلوا منه، فإنهم إذا علموا أن أحدهم إذا أوقع الثلاث جملة واحدة وقعت، وأنه لا سبيل له إلى المرأة أمسك عن ذلك، فكان الإلزام به عقوبة منه، لمصلحة رآها، ولم يكن يخفى عليه أن الثلاث كانت في زمن النبي ﷺ وعهد أبي بكر كانت تجعل واحدة، بل مضى على ذلك صدر من خلافته، حتى أكثر الناس من ذلك، وهو اتخاذ لآيات الله هزوا.
كما في «المسند» و «سنن النسائي» وغيرهما من حديث محمود بن لبيد: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ » فقال رجل: ألا أضرب عنقه يا رسول الله؟ فلما أكثر الناس من ذلك عاقبهم به.
ثم إنه ندم على ذلك قبل موته، كما ذكره الإسماعيلي في «مسند عمر».
فقلت لشيخنا: فهلا تبعت عمر في إلزامهم به عقوبة، فإن جمع الثلاث يحرم عندك؟
стр. 763
فقال: أكثر الناس اليوم لا يعلمون أن ذلك محرم، ولا سيما والشافعي يراه جائزا، فكيف يعاقب الجاهل بالتحريم؟
قال: وأيضًا فإن عمر ألزمهم بذلك، وسد عليهم باب التحليل، وأما هؤلاء فيلزمونهم بالثلاث، وكثير منهم يفتح لهم باب التحليل، فإنه لابد للرجل من امرأته، فإذا علم أنها لا ترجع إليه إلا بالتحليل سعى في ذلك، والصحابة لم يكونوا يسوغون ذلك، فحصلت مصلحة الامتناع من الجمع، من غير وقوع مفسدة التحليل بينهم.
قال: ولو علم عمر أن الناس يتتابعون في التحليل لرأى أن إقرارهم على ما كان عليه الأمر في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافته أولى.
وبسط شيخنا الكلام في ذلك بسطًا طويلًا) [الطرق الحكمية ١٣ ـ ١٤].
- وقال أيضا: (قال شيخنا ﵁: وأبو داود لما لم يرو في «سننه» الحديث الذي في «مسند أحمد» ــ يعني: الذي ذكرناه آنفا ـ، فقال: حديث البتة أصح من حديث ابن جريج: أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا، لأنهم أهل بيته.
ولكن الأئمة الأكابر، العارفون بعلل الحديث والفقه ــ كالإمام أحمد وأبي عبيد والبخاري ــ ضعفوا حديث البتة، وبينوا أنه رواية قوم مجاهيل، لم تعرف عدالتهم وضبطهم، وأحمد أثبت حديث الثلاث، وبين أنه الصواب، وقال: حديث ركانة لا يثبت: أنه طلق امرأته البتة.
وفي رواية عنه: حديث ركانه في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، وأهل المدينة يسمون الثلاث: البتة.
стр. 764
قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة، فضعَّفه) [إعلام الموقعين ٣/ ٣٢ - ٣٣] (١).
- وقال أيضًا: (وقال شيخنا ﵀: الأئمة الكبار، العارفون بعلل الحديث ــ كالإمام أحمد والبخاري وأبي عبيد وغيرهم ــ ضعَّفوا حديث ركانه البتة، وكذلك أبو محمد بن حزم، وقالوا: إن رواته قوم مجاهيل، لا تعرف عدالتهم وضبطهم.
قال: وقال الإمام أحمد: حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة، لا يثبت.
وقال أيضًا (٢): حديث ركانة في البتة ليس بشيء، لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا، وأهل المدينة يسمون من طلق ثلاثًا: طلق البتة.
فإن قيل: فقد قال أبو داود: حديث البتة أصح من حديث ابن جريج: أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا، لأنهم أهل بيته، وهم أعلم به ــ يعني: وهم الذين رووا حديث البتة ــ.
فقد قال شيخنا في الجواب: أبو داود إنما رجح حديث البتة على حديث ابن جريج؛ لأنه روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول، فقال: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني بعض ولد أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ثلاثًا ... الحديث، ولم يرو الحديث الذي رواه أحمد في «مسنده»
стр. 765
عن إبراهيم بن سعد حدثني أبي عن محمد بن إسحاق حدثنا داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فلهذا رجح أبو داود حديث البتة على حديث ابن جريج، ولم يتعرض لهذا الحديث، ولا رواه في «سننه»، ولا ريب أنه أصح من الحديثين، وحديث ابن جريج شاهد له وعاضد.
فإذا انضم حديث أبي الصهباء إلى حديث ابن إسحاق، إلى حديث ابن جريج ــ مع اختلاف مخارجها، وتعدد طرقها= أفادت العلم بأنها أقوى من حديث البتة، بلا شك، ولا يمكن من شم روائح الحديث ولو على بعد أن يرتاب في ذلك، فكيف يقدم الحديث الضعيف الذي ضعَّفه الأئمة ورواته مجاهيل على هذه الأحاديث؟ ! ) [إغاثة اللهفان ١/ ٤٦٩ ــ ٤٧٠].
- وقال ابن مفلح: (ولم يوقع شيخنا طلاق حائض، وفي طهر وطئ فيه، وأوقع من ثلاث مجموعة أو مفرقة قبل رجعة واحدة.
وقال: إنه لا يعلم أحدًا فرق بين الصورتين، وحكاه فيها عن جده؛ لأنه محجور عليه إذن فلا يصح، وكالعقود المحرمة لحق الله، ومنع ابن عقيل في «الواضح» في مسألة النهي وقوعه في حيض؛ لأن النهي للفساد.
وقال عن قول عمر في إيقاع الثلاث: إنما جعله (١) لإكثارهم منه، فعاقبهم على الإكثار منه لما عصوا بجمع الثلاث، فيكون عقوبة لمن لم يتق الله، من التعزير الذي يرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة، كالزيادة على الأربعين في حد الخمر لما أكثر الناس منها وأظهروه ساغت الزيادة عقوبة، ثم هذه
стр. 766
العقوبة إن كانت لازمة مؤبدة كانت حدًا، كما يقوله من يقوله في جلد الثمانين في الخمر، ومن يقول بوقوع الثلاث بمن جمعها، وإن كان المرجع فيها إلى اجتهاد الإمام كانت تعزيرًا، ومتى كان الأمر كذلك اتفقت النصوص والآثار، لكن فيه عقوبة بتحريم ما تمكن إباحته له.
وهذا كالتعزير بالعقوبات المالية، وهو أجود من القول بوقوع طلاق السكران عقوبة، لأن هذا قول محرم يعلم قائله أنه محرم، وإذا أفضى إيقاع الثلاث إلى التحليل كان ترك إيقاعها خيرًا من إيقاعها، ويؤذن لهم في التحليل.
ولعل إيقاع بعض من أوقع الطلاق بالحلف به من هذا الباب، فإن الحالف بالنذر يخير بين التكفير والإمضاء، فإذا قصد عقوبته لئلا يفعل ذلك أمر بالإمضاء، كما قال ابن القاسم لابنه: أفتيتك بقول الليث، وإن عدت أفتيتك بقول مالك، وعبد الرحمن بن القاسم إمام في الفقه والدين، فرأى سائغًا له أن يفتي ابنه ابتداء بالرخصة، فإن أصر على فعل ما نهي عنه أفتاه بالشدة، وهذا هو بعينه هو التعزير في بعض المواضع بالشديد، إما في الإيجاب وإما في التحريم فإن العقوبة بالإيجاب كالعقوبة بالتحريم.
وحديث ركانة ضعَّفه أحمد وليس فيه إذا أراد الثلاث بيان حكمه، وبتقدير أن يكون حكمه جواز إلزامه بالثلاث يكون قد عمل بموجب دلالة المفهوم، وقد يكون الاستفهام لاستحقاق التعزير بجمع الثلاث، فيعاقب على ذلك ويغتاظ عليه كما اغتاظ على ابن عمر لما طلَّق في الحيض، لكن التعزير لمن علم التحريم، وكانوا قد علموا النهي عن الطلاق في الحيض.
стр. 767
والعجز ــ في قول ابن عمر ــ: ضد الكيس، يستحق العقوبة، فيوقع به، وأما من لم يبلغه أن هذا الطلاق منهي عنه، فلا يستحق العقوبة.
قال: وقد يقال من هذا الباب أمر طائفة من الصحابة لمن صام في السفر أن يعيد لامتناعه من قبول الرخصة، وكثيرًا ما يكون النزاع واقعًا فيما يسوغ فيه الأمران في نفس الأمر.
وقال: إن من ذلك بيع أمهات الأولاد، لولي الأمر منع الناس منه إذا رآه مصلحة، وله أن يأذن في ذلك) [الفروع ٥/ ٣٧٢ - ٣٧٤ (٩/ ١٩ - ٢٢)] (١).
стр. 768
باب صريح الطلاق وكنايته
١٠٨٤ - صيغة الطلاق:
- قال ابن مفلح: (وصريحه: لفظ الطلاق، وما تصرف منه بغير أمر ومضارع، وعنه: أنت مطلقة «و: م»، وقيل: وطلقتُكِ كناية، فيتوجه عليه أنه يحتمل الإنشاء والخبر، وعلى الأول هو إنشاء، وذكر القاضي في مسألة الأمر أن العقود الشرعية بلفظ الماضي أخبار، وقال شيخنا: هذه الصيغ إنشاء من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم وبها تم، وهي أخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس) [الفروع ٥/ ٣٧٨ (٩/ ٢٨)] (١).
١٠٨٥ - إذا قال: إن أبرأتني فأنت طالق:
- قال ابن مفلح: ( ... ويوافق هذا ما قال شيخنا في: إن أبرأتِني فأنت طالقٌ، فقالت: أبرأكَ الله مما تَدَّعي النساء على الرجال، فظن أنه يبرأُ، فطلَّق، قال: يبرأ) [الفروع ٥/ ٣٨٦ (٩/ ٣٨)] (٢).
١٠٨٦ - إذا أشهد عليه بطلاق ثلاث، ثم أفتي بأنه لا شيء عليه:
- قال ابن مفلح: (ومن أُشهِد عليه بطلاق ثلاث، ثم أُفتي بأنه لا شيء عليه، لم يؤاخذ بإقراره لمعرفة مستنده، ويقبل بيمينه أن مستنده في إقراره ذلك ممن يجهله مثله، ذكره شيخنا) [الفروع ٥/ ٣٩٢ (٩/ ٤٧)] (٣).
стр. 769
١٠٨٧ - دعوى الموكل الرجوع في الوكالة قبل تصرف الوكيل:
- قال ابن مفلح: (وتقبل دعوى الزوج في أنه رجع قبل إيقاع وكيله عند أصحابنا، قاله في «المحرر»، ونص أحمد ــ ذكره في «المجرد» و «الفصول» ــ في تعليق الوكالة، في رواية أبي الحارث: لا يقبل إلا ببينة، وجزم به في «الترغيب» والأزجي في عزل الموكل له، وجزم به شيخنا قال: وكذا دعوى عتقه ورهنه ونحوه) [الفروع ٥/ ٣٩٣ - ٣٩٤ (٩/ ٥٠)] (١).
стр. 770
باب الاستثناء في الطلاق
١٠٨٨ - مسألة:
- قال ابن مفلح: (وإن قال: ثلاثا إلا ربعَ طلقة، أو: إلا ثلاثا إلا واحدة، أو: إلا ثنتين إلا واحدة، أو: إلا واحدة إلا واحدة، أو: أنت طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ إلا طلقةً، أو: إلا طالقا، أو: ثنتين وثنتين إلا ثنتين، أو: إلا واحدة، أو: ثنتين وواحدة إلا واحدة، أو: ثنتين ونصفا إلا طلقة، فقيل: يقع ثلاث، كعطفه بغير واو للترتيب، ذكره الشيخ وغيره، وسوَّى شيخنا) [الفروع ٥/ ٤٠٨ (٩/ ٧٣ - ٧٤)] (١).
١٠٨٩ - الاستثناء بعد تكميل ما ألحقه به:
- قال ابن مفلح: (ويعتبر للاستثناء ونحوه (٢): اتصالٌ معتاد، قاله (٣) القاضي وغيره، وقطع به في «المحرر»، واختاره في «الترغيب»، ونيتُه قبل تكميل ما ألحقه به، وقيل: وبعده، قطع به في «المبهج» و «المستوعب» و «المغني»، وفي «الترغيب» أنه ظاهر كلام أصحابنا، واختاره شيخنا، وقال: دل عليه كلام أحمد، وعليه متقدمو أصحابه، وأنه لا يضر فصل يسير بالنية وبالاستثناء، واحتج بالأخبار الواردة في الأيمان.
وقال: في القرآن جمل قد فصل بين أبعاضها بكلام آخر، كقوله تعالى:
стр. 771
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٣] , فصل بين أبعاض الكلام المحكي عن أهل الكتاب، وله نظائر.
وسأله أبو داود عمن تزوج امرأة فقيل له: ألك امرأة سوى هذه؟ فقال: كل امرأة لي طالق، فسكت، فقيل: إلا فلانة، قال: إلا فلانة فإني لم أعنها. فأبى أن يفتي فيه) [الفروع ٥/ ٤ ١٣ - ٤١٤ (٩/ ٨٠ - ٨٢)] (١).
١٠٩٠ - مسألة:
- قال ابن مفلح: (يصح بنية جاهل بالعربية، وإن نواه عالم فروايتا: أنت طالق، ثم يريد إن قمت وإلا لم يصح، لأنه لم يأت بحرف شرط، وتطلق، كقوله: لقد فعلت كذا، وتبعه في «الترغيب»، وذكر شيخنا أنه خلاف الإجماع القديم) [الفروع ٥/ ٤١٨ (٩/ ٨٧)].
стр. 772
باب تعليق الطلاق بالشروط
١٠٩١ - قوله: «أنت طالق لأفعلن»:
- قال ابن مفلح: (يصح مع تقدم الشرط «و» كعتق على وجه النذر «ع»، أو لا (١)، وكذا إن تأخر، وعنه: يتنجز، ونقله ابن هانئ في العتق، قال شيخنا: وتأخر القَسَم، كأنت طالق لأفعلن، كالشرط، وأولى بأن لا يلحق) [الفروع ٥/ ٤٢٤ (٩/ ٩٨)].
١٠٩٢ - الحلف بالطلاق:
- قال ابن عبد الهادي: (ومن أقواله المعروفة المشهورة التي جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل قوله بالتكفير في الحلف بالطلاق، وأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة، وأن الطلاق المحرم لا يقع.
وله في ذلك مصنفات ومؤلفات كثيرة منها: قاعدة كبيرة سماها «تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان» نحو أربعين كراسة، وقاعدة سماها «الفرق المبين بين الطلاق واليمين» بقدر النصف من ذلك، و «قاعدة في أن جميع أيمان المسلمين مكفرة» مجلد لطيف، و «قاعدة في تقرير أن الحلف بالطلاق من الأيمان حقيقة»، وقاعدة سماها «التفصيل بين التكفير والتحليل»، وقاعدة سماها «اللمعة».
وغير ذلك من القواعد والأجوبة في ذلك، لا ينحصر ولا ينضبط، وله في ذلك جواب اعتراض ورد عليه من الديار المصرية، وهو جواب طويل،
стр. 773
في ثلاث مجلدات بقطع نصف البلدي.
وكان القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي ﵀ في يوم الخميس منتصف شهر ربيع الآخر من سنة ثمان عشرة وسبعمائة قد اجتمع بالشيخ، وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل الشيخ إشارته، وعرف نصيحته، وأجاب إلى ذلك، وكان قد اجتمع إلى القاضي جماعة من الكبار حتى فعل ذلك.
فلما كان يوم السبت مستهل جمادى الأولى من هذه السنة ورد البريد إلى دمشق، ومعه كتاب السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق التي رآها الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأفتى فيها، وصنف فيها، والأمر بعقد مجلس في ذلك.
فعقد يوم الاثنين ثالث الشهر المذكور بدار السعادة، وانفصل الأمر على ما أمر به السلطان، ونودي بذلك في البلد يوم الثلاثاء، رابع الشهر المذكور، ثم إن الشيخ عاد إلى الإفتاء بذلك، وقال: لا يسعني كتمان العلم.
فلما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة جمع القضاة والفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة، وقرئ عليهم كتاب السلطان، وفيه فصل يتعلق بالشيخ بسبب الفتوى في هذه المسألة، وأحضر وعوتب على فتياه بعد المنع، وأكد عليه في المنع من ذلك.
فلما كان بعد ذلك بمدة في يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب من سنة عشرين وسبعمائة عقد مجلس بدار السعادة، حضره النائب، والقضاة، وجماعة من المفتين، وحضر الشيخ، وعاودوه في الإفتاء بمسألة الطلاق،
стр. 774
وعاتبوه على ذلك، وحبسوه بالقلعة، فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا.
ثم ورد مرسوم السلطان بإخراجه، فأخرج منها يوم الاثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وتوجه إلى داره) [العقود الدرية ٣٢٤ - ٣٢٦].
- وقال الذهبي: (وذهب شيخنا ابن تيمية ــ وهو من أهل الاجتهاد؛ لاجتماع الشرائط فيه ــ: أن الحالف على شيء بالطلاق لم تطلق منه امرأته بهذه اليمين، سواء حنث أو بر، ولكن إذا حنث في يمينه بالطلاق مرة قال: يكفر كفارة يمين.
وقال: إن كان قصد الحالف حضاً أو منعاً ولم يرد الطلاق فهي يمين، وإن قصد بقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، شرطاً وجزاءاً فإنها تطلق ولا بد، وكما إذا قال لها: إن أبريتني من الصداق فأنت طالق، وإن زنيت فأنت طالق، وإذا فرغ الشهر فأنت طالق= فإنها تطلق منه بالإبراء، والزنا، وفراغ الشهر، ونحو ذلك.
لكن ما علمنا أحداً سبقه إلى هذا التقسيم، ولا إلى القول بالكفارة، مع أن ابن حزم نقل في كتاب «الإجماع» له خلافاً في الحالف بالعتاق والطلاق، هل يكفر كفارة يمين أم لا؟ ولكنه لم يسم من قال بالكفارة، والله أعلم.
والذي عرفناه من مذهب غير واحد من السلف القول بالكفارة في الحلف بالعتق وبالحج، وبصدقة ما يملك، ولم يأتنا نص عن أحد من البشر بكفارة لمن يحلف بالطلاق، وقد أفتى بالكفارة شيخنا ابن تيمية مدة أشهر، ثم حرم الفتوى بها على نفسه من أجل تكلم الفقهاء في عرضه، ثم منع من
стр. 775
الفتوى بها مطلقاً (١)) [تاريخ الإسلام ٧/ ١٦٥].
- وقال أيضا في أثناء كلامه عن أحداث سنة (٧١٩): (وجاء كتاب سلطاني بمنع ابن تيمية من فتياه بالكفارة في الحلف بالطلاق، وجمع له القضاة، وعوتب في ذلك، واشتد المنع، فبقي أتباعه يفتون بها خفية) [ذيل العبر ٤/ ٥٢].
- وقال أيضا في حوادث سنة (٧٢٠): (وحبس بقلعة دمشق ابن تيمية لإفتائه في الطلاق) [ذيل العبر ٤/ ٥٦].
١٠٩٣ - إذا أراد بتعليق الطلاق الجزاء:
- قال ابن مفلح: (واختار شيخنا إن أراد الجزاء بتعليقه (٢)
كره