﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٣] , فصل بين أبعاض الكلام المحكي عن أهل الكتاب، وله نظائر.
وسأله أبو داود عمن تزوج امرأة فقيل له: ألك امرأة سوى هذه؟ فقال: كل امرأة لي طالق، فسكت، فقيل: إلا فلانة، قال: إلا فلانة فإني لم أعنها. فأبى أن يفتي فيه) [الفروع ٥/ ٤ ١٣ - ٤١٤ (٩/ ٨٠ - ٨٢)] (١).
١٠٩٠ - مسألة:
- قال ابن مفلح: (يصح بنية جاهل بالعربية، وإن نواه عالم فروايتا: أنت طالق، ثم يريد إن قمت وإلا لم يصح، لأنه لم يأت بحرف شرط، وتطلق، كقوله: لقد فعلت كذا، وتبعه في «الترغيب»، وذكر شيخنا أنه خلاف الإجماع القديم) [الفروع ٥/ ٤١٨ (٩/ ٨٧)].
стр. 772
باب تعليق الطلاق بالشروط
١٠٩١ - قوله: «أنت طالق لأفعلن»:
- قال ابن مفلح: (يصح مع تقدم الشرط «و» كعتق على وجه النذر «ع»، أو لا (١)، وكذا إن تأخر، وعنه: يتنجز، ونقله ابن هانئ في العتق، قال شيخنا: وتأخر القَسَم، كأنت طالق لأفعلن، كالشرط، وأولى بأن لا يلحق) [الفروع ٥/ ٤٢٤ (٩/ ٩٨)].
١٠٩٢ - الحلف بالطلاق:
- قال ابن عبد الهادي: (ومن أقواله المعروفة المشهورة التي جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل قوله بالتكفير في الحلف بالطلاق، وأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة، وأن الطلاق المحرم لا يقع.
وله في ذلك مصنفات ومؤلفات كثيرة منها: قاعدة كبيرة سماها «تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان» نحو أربعين كراسة، وقاعدة سماها «الفرق المبين بين الطلاق واليمين» بقدر النصف من ذلك، و «قاعدة في أن جميع أيمان المسلمين مكفرة» مجلد لطيف، و «قاعدة في تقرير أن الحلف بالطلاق من الأيمان حقيقة»، وقاعدة سماها «التفصيل بين التكفير والتحليل»، وقاعدة سماها «اللمعة».
وغير ذلك من القواعد والأجوبة في ذلك، لا ينحصر ولا ينضبط، وله في ذلك جواب اعتراض ورد عليه من الديار المصرية، وهو جواب طويل،
стр. 773
في ثلاث مجلدات بقطع نصف البلدي.
وكان القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي ﵀ في يوم الخميس منتصف شهر ربيع الآخر من سنة ثمان عشرة وسبعمائة قد اجتمع بالشيخ، وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل الشيخ إشارته، وعرف نصيحته، وأجاب إلى ذلك، وكان قد اجتمع إلى القاضي جماعة من الكبار حتى فعل ذلك.
فلما كان يوم السبت مستهل جمادى الأولى من هذه السنة ورد البريد إلى دمشق، ومعه كتاب السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق التي رآها الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأفتى فيها، وصنف فيها، والأمر بعقد مجلس في ذلك.
فعقد يوم الاثنين ثالث الشهر المذكور بدار السعادة، وانفصل الأمر على ما أمر به السلطان، ونودي بذلك في البلد يوم الثلاثاء، رابع الشهر المذكور، ثم إن الشيخ عاد إلى الإفتاء بذلك، وقال: لا يسعني كتمان العلم.
فلما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة جمع القضاة والفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة، وقرئ عليهم كتاب السلطان، وفيه فصل يتعلق بالشيخ بسبب الفتوى في هذه المسألة، وأحضر وعوتب على فتياه بعد المنع، وأكد عليه في المنع من ذلك.
فلما كان بعد ذلك بمدة في يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب من سنة عشرين وسبعمائة عقد مجلس بدار السعادة، حضره النائب، والقضاة، وجماعة من المفتين، وحضر الشيخ، وعاودوه في الإفتاء بمسألة الطلاق،
стр. 774
وعاتبوه على ذلك، وحبسوه بالقلعة، فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا.
ثم ورد مرسوم السلطان بإخراجه، فأخرج منها يوم الاثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وتوجه إلى داره) [العقود الدرية ٣٢٤ - ٣٢٦].
- وقال الذهبي: (وذهب شيخنا ابن تيمية ــ وهو من أهل الاجتهاد؛ لاجتماع الشرائط فيه ــ: أن الحالف على شيء بالطلاق لم تطلق منه امرأته بهذه اليمين، سواء حنث أو بر، ولكن إذا حنث في يمينه بالطلاق مرة قال: يكفر كفارة يمين.
وقال: إن كان قصد الحالف حضاً أو منعاً ولم يرد الطلاق فهي يمين، وإن قصد بقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، شرطاً وجزاءاً فإنها تطلق ولا بد، وكما إذا قال لها: إن أبريتني من الصداق فأنت طالق، وإن زنيت فأنت طالق، وإذا فرغ الشهر فأنت طالق= فإنها تطلق منه بالإبراء، والزنا، وفراغ الشهر، ونحو ذلك.
لكن ما علمنا أحداً سبقه إلى هذا التقسيم، ولا إلى القول بالكفارة، مع أن ابن حزم نقل في كتاب «الإجماع» له خلافاً في الحالف بالعتاق والطلاق، هل يكفر كفارة يمين أم لا؟ ولكنه لم يسم من قال بالكفارة، والله أعلم.
والذي عرفناه من مذهب غير واحد من السلف القول بالكفارة في الحلف بالعتق وبالحج، وبصدقة ما يملك، ولم يأتنا نص عن أحد من البشر بكفارة لمن يحلف بالطلاق، وقد أفتى بالكفارة شيخنا ابن تيمية مدة أشهر، ثم حرم الفتوى بها على نفسه من أجل تكلم الفقهاء في عرضه، ثم منع من
стр. 775
الفتوى بها مطلقاً (١)) [تاريخ الإسلام ٧/ ١٦٥].
- وقال أيضا في أثناء كلامه عن أحداث سنة (٧١٩): (وجاء كتاب سلطاني بمنع ابن تيمية من فتياه بالكفارة في الحلف بالطلاق، وجمع له القضاة، وعوتب في ذلك، واشتد المنع، فبقي أتباعه يفتون بها خفية) [ذيل العبر ٤/ ٥٢].
- وقال أيضا في حوادث سنة (٧٢٠): (وحبس بقلعة دمشق ابن تيمية لإفتائه في الطلاق) [ذيل العبر ٤/ ٥٦].
١٠٩٣ - إذا أراد بتعليق الطلاق الجزاء:
- قال ابن مفلح: (واختار شيخنا إن أراد الجزاء بتعليقه (٢)
كره
стр. 776
الشرط (١) أو لا، وكذا عنده الحلف به (٢) وبعتق وظهار وتحريم، وأن عليه دل كلام أحمد. وقال: نقل حرب: أنه توقف عن وقوع العتق (٣). وما توقف فيه يخرجه أصحابه على وجهين، قال: ومنهم من يجعله رواية.
قال شيخنا: كما سلم الجمهور أن الحالف بالنذر ليس ناذرا (٤)، ولأنه لو علق إسلامه أو كفره لم يلزمه، وإن قصد الكفر تنجز (٥)، وما لزم منجزا مع تعليقه أبلغ، فإذا كان هذا (٦) إذا قصد اليمين به معلقا (٧) لا يلزم فذاك
стр. 777
أولى (١)، فعلى هذا إذا حنث فإنه في العتق إن لم يختره لزمه كفارة يمين، وفي غيره (٢) مبني على نذره، فيكفر وإلا التزم ذلك بما يحدثه من قول أو فعل يكون مؤقِّتًا لموجب عقده، ولا يجيء التخيير بينه وبين الكفارة عند من يوجب الكفارة عينا في الحلف بنذر الطاعة، وأما أنه لا شيء عليه ولا تطلق قبله (٣) ذهب أحمد إلى قول أبي ذر: أنت حر إلى الحول. وعنه: بلى مع تيقن وجوده، وخصها شيخنا بالثلاث؛ لأنه الذي يصيره كمتعة) [الفروع ٥/ ٤٢٥ - ٤٢٦ (٩/ ١٠٠ - ١٠١)] (٤). وانظر: ما يأتي برقم (١١٠٧).
- وقال ابن كثير في حوادث سنة (٧١٩): (قال الشيخ علم الدين (٥): وفي يوم الخميس منتصف ربيع الأول، اجتمع قاضي القضاة شمس الدين ابن مسلم بالشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية، وأشار عليه في ترك الافتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل الشيخ نصيحته، وأجاب إلى ما
стр. 778
أشار به، رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المفتين.
ثم ورد البريد في مستهل جمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه منع الشيخ تقي الدين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، وانعقد بذلك مجلس، وانفصل الحال على ما رسم به السلطان، ونودي به في البلد، وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعة من المفتين الكبار، وقالوا له أن ينصح الشيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق، فعلم الشيخ نصيحته، وأنه إنما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشر) [البداية والنهاية ١٤/ ٩٩].
- وقال أيضًا في ترجمة ابن القيم: (وقد كان متصديا للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وجرت بسببها فصول يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره) [البداية والنهاية: ١٤/ ٢١٧].
١٠٩٤ - إذا علل الطلاق بعلة ثم تبين انتفاؤها:
- قال ابن القيم: ( ... والمقصود أنه إذا علل الطلاق بعلة ثم تبين انتفاؤها فمذهب أحمد أنه لا يقع بها الطلاق، وعند شيخنا: لا يشترط ذكر التعليل بلفظه، ولا فرق عنده بين أن يطلقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة، فإذا تبين انتفاؤها لم يقع الطلاق، وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره، ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره، فإذا قيل له: امرأتك قد شربت مع فلان، أو: باتت عنده، فقال: اشهدوا على أنها طالق ثلاثا، ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمة تصلي، فإن هذا الطلاق لا يقع به قطعا) [إعلام الموقعين ٤/ ٩٠ - ٩١].
стр. 779
- وقال أيضًا: (وقد أفتى غير واحد من الفقهاء، منهم ابن عقيل وشيخنا وغيرهما، فيمن قيل له: إن امرأتك قد خرجت من بيتك، أو: قد زنت بفلان، فقال: هي طالق، ثم تبين له أنها لم تخرج من البيت، وأن الذي رميت به في بلد بعيد، لا يمكن وصوله إليها، أو أنه حين رميت به كان ميتًا، ونحو ذلك مما يعلم به أنها لم تزن، فإنه لا يقع عليها الطلاق، لأنه إنما طلقها بناء على هذا السبب، فهو كالشرط في طلاقها) [إغاثة اللهفان ٢/ ١٢٨] (١).
١٠٩٥ - إذا علق الطلاق بشرط، فظن وقوعه، فقال: اذهبي فأنت طالق:
- قال ابن القيم: (وصرَّحوا أن الرجل لو علق طلاق امرأته بشرط، فظن أن الشرط قد وقع، فقال: اذهبي فأنت طالق، وهو يظن أن الطلاق قد وقع بوجود الشرط، فبان أن الشرط لم يوجد، لم يقع الطلاق، ونص على ذلك شيخنا قدس الله روحه) [إعلام الموقعين ٤/ ٩ ١].
١٠٩٦ - إذا قال: إن أكلت رمانة وإن أكلت نصفها فأنت طالق:
- قال ابن مفلح: (وإن قال: إن أكلت رمانة وإن أكلت نصفها فأنت طالق، فأكلت رمانة، فثنتان، واختار شيخنا واحدة) [الفروع ٥/ ٤٢٩ (٩/ ١٠٥)].
١٠٩٧ - إذا قال: أنت طالق لا قمت ولا قعدت:
- قال ابن مفلح: ( ... وذكر جماعة في «الفاء» و «ثم» رواية كالواو، وبالواو كـ «إن قمت وقعدت»، أو: «لا قمت وقعدت»، تطلق بوجودهما، وعنه: أو أحدهما، كـ «إن قمت وإن قعدت»، وكالأصح في «لا قمت ولا قعدت»،
стр. 780
وذكره شيخنا في هذه اتفاقا، وأنه لا يتكرر حنثه) [الفروع ٥/ ٤٣٢ (٩/ ١٠٩)].
١٠٩٨ - العمل بعرف المتكلم وقصده في مسمى اليمين:
- قال ابن مفلح: (إذا قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم أعاده، أو علقه بشرط فيه حث أو منع، والأصح أو تصديق خبر أو تكذيبه، وقيل: وغيره، كطلوع الشمس وقدوم الحاج، سوى تعليقه بمشيئتها أو حيض وطهر، ومنا من لم يستثن هذه الثلاثة، ذكره شيخنا, واختار العمل بعرف المتكلم وقصده في مسمى اليمين, وأنه موجب أصول أحمد ونصوصه، وأن مثله: والله لا أحلف يمينا= طلقت في الحال طلقة في مرة (١)) [الفروع ٥/ ٤٤٢ (٩/ ١٢٣)].
١٠٩٩ - إذا قال: أنت طالق، أو عبدي حر، إن شاء الله:
- قال ابن مفلح: (وإن قال: أنت طالق، أو عبدي حرٌّ، إن شاء الله، أو قدم الاستثناء وقعا، لقصده (٢) به تأكيد الإيقاع، وذكر أحمد قول قتادة: قد شاء الله الطلاق حين أذن فيه، وكالمنصوص في إلا أن يشاء الله، وعنه: لا، اختاره جماعة، قال شيخنا: ويكون معناه هي طالق إن شاء الله الطلاق بعد هذا, والله لا يشاؤه إلا بتكلمه به بعد ذلك) [الفروع ٥/ ٤٥٢ (٩/ ١٣٥)].
١١٠٠ - إذا علق الطلاق بشرط أو صفة:
- قال ابن مفلح: (قال جماعة: اليمين المطلقة إنما تنصرف إلى
стр. 781
الحلف بالله، قال أبو يعلى الصغير: ولهذا لو حلف: لا حلفت فعلق طلاقا بشرط أو صفة لم يحنث. وقال شيخنا: إن قصد اليمين حنث، بلا نزاع أعلمه، قال: وكذا ما علق لقصد اليمين) [الفروع ٥/ ٤٥٢ (٩/ ١٣٥ - ١٣٦)] (١).
١١٠١ - استعمال القرعة في تعيين المرأة المطلقة:
- قال ابن القيم: (قال (٢): وهكذا الحكم في كل موضع وقع الطلاق على امرأة بعينها، ثم اشتبهت بغيرها، مثل: أن يرى امرأة في روزنة أو مُوَلِّية، فيقول: أنت طالق، ولا يعلم عينها من نسائه، وكذلك إذا أوقع الطلاق على واحدة من نسائه في مسألة الطائر وشبهها، فإنه يحرم عليه جميع نسائه حتى تتبين المطلقة، ويؤخذ بنفقة الجميع، لأنهن محبوسات عليه، وإن أقرع بينهن لم تفد القرعة شيئًا، ولا يحل لمن وقعت عليها القرعة التزويج لأنها يجوز أن تكون غير مطلقة، ولا تحل للزوج غيرها، لاحتمال أن تكون المطلقة.
قال أصحابنا: إذا أقرع بينهن فخرجت القرعة على إحداهن ثبت حكم الطلاق فيها، فحل لها النكاح بعد انقضاء عدتها، وحل للزوج من سواها، كما لو كان الطلاق في واحدة غير معينة.
وقال شيخنا: الصحيح استعمال القرعة في الصورتين) [إغاثة اللهفان ١/ ٢٦١] (٣).
стр. 782
باب الرجعة
١١٠٢ - إذا لم يرد المطلق الإصلاح:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: لا يُمَكَّن من الرجعة إلا من أراد إصلاحا وأمسك بمعروف، فلو طلق إذن ففي تحريمه الروايات (١)، وقال: القرآن يدل على أنه لا يملكه (٢)، وأنه لو أوقعه لم يقع، كما لو طلق البائن، ومن قال: إن الشارع ملك الإنسان ما حرمه عليه فقد تناقض) [الفروع ٥/ ٤٦٤ (٩/ ١٥١ - ١٥٢)] (٣).
١١٠٣ - إعلان الرجعة والتسريح والإشهاد عليهما:
- قال ابن مفلح: (وألزم شيخنا بإعلان الرجعة والتسريح أو الإشهاد (٤)
стр. 783
كالنكاح والخلع عنده، لا على ابتداء الفرقة، لقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ [الطلاق: ٢] ولئلا يكتم طلاقها) [الفروع ٥/ ٤٦٦ (٩/ ١٥٥)] (١).
١١٠٤ - إذا جاءت امرأة إلى الحاكم وادعت أن زوجها طلقها وانقضت عدتها:
- قال ابن مفلح: (والمرأة إذا عرفت بصدق يقبل منها, ولو كذبها الثاني صدقت في حلها للأول, وكذا دعوى نكاح حاضر منكر, في الأصح, ومثل الأولة من جاءت إلى حاكم (٢) فادعت أن زوجها طلقها وانقضت عدتها، فله تزويجها إن ظن صدقها, كمعاملة عبد لم يثبت عتقه, قاله شيخنا) [الفروع ٥/ ٤٧١ (٩/ ١٦٠)].
стр. 784
باب الإيلاء
١١٠٥ - مسألة:
- قال ابن مفلح: (وهو أن يحلف ــ في الرضا والغضب، ولو قبل الدخول ــ زوجٌ .... بالله أو صفة من صفاته، لاختصاص سقوط الدعوى بها، واختصاصها باللعان، وعنه: وبيمين مكفرة، كنذر وظهار، اختاره أبو بكر، وعنه: وبعتق وطلاق بأن يحلف بهما، لنفعها (١)، أو على رواية تركه ضرارا، ليس كمُولٍ، اختاره شيخنا وألزم عليه كونه يمينا مكفرة يدخلها الاستثناء، وخرج على الأولى أن الحلف بغير الله وصفته لغوٌ= على ترك وطء زوجتِه (٢)
стр. 785
في الفرج لا الدبر أبدا، أو يطلق، أو فوق أربعة أشهر، أو ينويها) [الفروع ٥/ ٤٧٤ (٩/ ١٦٢ - ١٦٣)] (١).
стр. 786
باب الظهار
١١٠٦ - إذا قال لأجنبية: أنت عَلَيَّ كظهر أمي:
- قال ابن مفلح: (وإن نجَّزه لأجنبية فنصه: يصحُّ، ولم يطأ إن تزوَّج حتى يكفِّر، وقيل: لا يصحُّ، قال في «الانتصار»: هو قياس المذهب، كطلاق. وذكره شيخنا رواية، والفرق أنه يمين، والطلاق حل عقد، ولم يوجد) [الفروع ٥/ ٤٩٠ (٩/ ١٨٢)].
١١٠٧ - إذا حلف بظهار أو حرام أو طلاق أو عتق وحنث:
- قال ابن القيم: (وفي المسألة مذهب آخر وراء هذا كله، وهو: أنه إن أوقع التحريم كان ظهارًا، ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينًا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية) [إعلام الموقعين ٣/ ٧٢].
- وقال أيضا: (المذهب الثالث عشر: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزًا، أو معلقًا تعليقًا مقصودًا، وبين أن يخرجه مخرج اليمين:
فالأول: ظهار، بكل حال، ولو نوى به الطلاق، ولو وصله بقوله: أعني به الطلاق.
والثاني: يمين، يلزمه به كفارة يمين، فإذا قال: أنت عليَّ حرام، أو إذا دخل رمضان فأنت علي حرام= فظهار.
وإذا قال: إن سافرت، أو: إن أكلت هذا الطعام، أو: كلمت فلانًا، فامرأتي علي حرام= فيمين مكفرة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية) [زاد المعاد ٥/ ٣٠٦].
стр. 787
- وقال أيضا: (وفرّق شيخ الإسلام بين البابين، على أصله في التفريق بين الإيقاع والحلف، كما فرّق الشافعي وأحمد رحمهما الله، ومن وافقهما بين البابين في النذر، بين أن يحلف به، فيكون يمينا مكفرة، وبين أن ينجزه، أو يعلقه بشرط يقصد وقوعه فيكون نذرا لازم الوفاء ...
قال: فيلزمهم على هذا، أن يفرقوا بين إنشاء التحريم وبين الحلف، فيكون في الحلف به حالفا، يلزمه كفارة يمين، وفي تنجيزه أو تعليقه بشرط مقصود مظاهرا، يلزمه كفارة الظهار.
وهذا مقتضى المنقول عن ابن عباس ﵄، فإنه مرة جعله ظهارًا، ومرة جعله يمينًا) [زاد المعاد ٥/ ٣١٢ ـ ٣١٣].
- وقال أيضا: (وأما من قال: إنه يمين مكفرة بكل حال، فمأخذ قوله: أن تحريم الحلال من الطعام واللباس يمين تكفر بالنص والمعنى وآثار الصحابة، فإن الله سبحانه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ ــ ٢] ولا بد أن يكون تحريم الحلال داخلًا تحت الفرض لأنه سببه، وتخصيص محل السبب من جملة العام ممتنع قطعًا، إذ هو المقصود أولا، فلو خص لخلا سبب الحكم عن البيان، وهو ممتنع، وهذا استدلال في غاية القوة.
فسألت عنه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-، فقال: نعم، التحريم يمين كبرى في الزوجة، كفارتها كفارة الظهار، ويمين صغرى فيما عداها كفارتها كفارة اليمين بالله، وهذا معنى قول ابن عباس وغيره من الصحابة ومن بعدهم: أن التحريم يمين تكفر) [زاد المعاد ٥/ ٣١٣].
стр. 788
- وقال ابن مفلح: (فإن حلف به أو بحرام أو طلاق أو عتق وحنث لزمه، وخَرَّج شيخنا على أصول أحمد ونصوصه عدمه في غير ظهار، ومطلقا إن قصد اليمين، واختاره، ومَثَّلَ (١) بـ: الحِلِّ عَلَيَّ حرامٌ لأفعلن، أو: إن فعلته فالحِلُّ عَلَيَّ حرامٌ، أو: الحرام يلزمني لأفعلن، أو: إن لم أفعله فالحرام يلزمني، وأن صيغة القسم والتعليق يمين اتفاقا، وأنه ما لم يقصد وقوع الجزاء عند الشرط يُكفِّر، لأنها يمين اتفاقا، لأن قصده الحض أو المنع، أو التصديق أو التكذيب، وهو مؤكد لذلك، فالجزاء أكره إليه من الشرط (٢)، وأنه إن قصده وقع طلاقا أو غيره، ولا يجزئه كفارة يمين اتفاقا، وليس بيمين، ولا حالفا شرعا ولغة، بل عرفًا حادثًا كالعرف الحادث في المنجَّز.
وقال: إذا حلف بالحرام وأطلق فكفارة يمين عند «هـ وش» وأحمد، وعند «م» طلاقٌ) [الفروع ٥/ ٤٩٢ - ٤٩٣ (٩/ ١٨٥)] (٣). انظر: ما تقدم برقم (١٠٩٣).
١١٠٨ - إذا أعتق ولد زنا:
١١٠٩ - وشفاعة ولد الزنا في أمه:
- قال ابن مفلح: (وإن أعتق من قُطع أنفه وأذناه، ومجبوبا، وخصيا، وأحمق، وأعرج يسيرا، أو أعور يبصر بعين ... أو ولد زنا مع كمال أجره،
стр. 789
ــ قاله شيخنا «م»، وأنه يشفع مع صغره في أمه لا أبيه (١) ــ ... أجزأ (٢)) [الفروع ٥/ ٤٩٩ - ٥٠٠ (٩/ ١٩٣)] (٣).
١١١٠ - إذا غَدَّى المساكين أو عشَّاهم:
- قال ابن مفلح: (ويعطي ما يجزئ فطرة من البرِّ مُدٌّ ومن غيره مُدَّان لا أقل مطلقا، ولا مدٌّ مدٌّ «م»، وذكره في «الإيضاح»، وذكره صاحب «المحرر» رواية، ونقله الأثرم، وعنه: ورطلا خبز برٍّ عراقيَّةٍ، أو ما علم مدًّا أو ضعفَه من شعيرٍ، ويستحب أدمُه، نص عليه، وعنه: أنه ذكر قول ابن عباس: بأدمه. وذكره شيخنا رواية، لكل مسكين، اختاره الأكثر كالوصية لهم، وعنه: وقوت بلده، اختاره أبو الخطاب والشيخ وغيرهما، وعنه: والقيمة، وغداؤهم وعشاؤهم بالواجب، ولم يقل شيخنا: «بالواجب»، وهو ظاهر نقل أبي داود وغيره) [الفروع ٥/ ٥٠٦ (٩/ ١٩٩)] (٤).
١١١١ - الواجب في الإطعام:
- قال ابن مفلح: (وأوجب شيخنا وسطه قدرا ونوعا مطلقا بلا تقدير ولا تمليك، وأنه قياس المذهب، كزوجة، وأن الأدم يجب إن كان يطعمه أهله) [الفروع ٥/ ٥٠٧ (٩/ ٢٠١)] (٥).
стр. 790
باب اللعان
١١١٢ - إذا التعن الزوج ونكلت الزوجة:
- قال ابن مفلح: (وإن التعن ونكلت، فعنه: تخلى، وعنه: تحبس حتى تقر أربعا، وقيل: ثلاثا، أو تلاعن، وقال الجوزجاني وأبو الفرج وشيخنا: تحد، وهو قوي) [الفروع ٥/ ٥١٥ (٩/ ٢١٢)] (١).
стр. 791
باب ما يلحق من النسب
١١١٣ - الزوجة لا تصير فراشا إلا بالدخول:
- قال ابن القيم: (واختلف الفقهاء فيما تصير به الزوجة فراشًا، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه نفس العقد، وإن علم أنه لم يجتمع بها، بل لو طلقها عقيبه في المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة.
والثاني: أنه العقد مع إمكان الوطء، وهذا مذهب الشافعي وأحمد.
والثالث: أنه العقد مع الدخول المحقق، لا إمكانه المشكوك فيه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنه نص في روايته فيمن طلق قبل البناء، وأتت امرأته بولد، فأنكره= أنه ينتفي عنه بغير لعان.
وهذا هو الصحيح المجزوم به، وإلا فكيف تصير المرأة فراشًا، ولم يدخل بها الزوج، ولم يبن بها لمجرد إمكان بعيد؟ وهل يعد أهل العرف واللغة المرأة فراشا قبل البناء بها؟ وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب بمن لم يبن بامرأته، ولا دخل بها، ولا اجتمع بها بمجرد إمكان ذلك؟ وهذا الإمكان قد يقطع بانتفائه عادة، فلا تصير المرأة فراشًا إلا بدخول محقق، وبالله التوفيق.
وهذا الذي نص عليه في رواية حرب، هو الذي تقتضيه قواعده وأصول مذهبه، والله أعلم) [زاد المعاد ٥/ ٤١٥].
стр. 792
- وقال ابن مفلح: (ونقل حرب فيمن طلق قبل الدخول وأتت بولد فأنكره: ينتفي بلا لعان، وأخذ شيخنا من هذه الرواية أن الزوجة لا تصير فراشا إلا بالدخول، واختاره شيخنا وغيره من المتأخرين) [الفروع ٥/ ٥ ١٨ (٩/ ٢١٦)] (١).
١١١٤ - إذا ادعى البائع أنه ما باع حتى استبرأ، وحلف المشتري أنه ما وطئها:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا فيما إذا ادعى البائع أنه ما باع حتى استبرأ، وحلف المشتري أنه ما وطئها، فقال: إن أتت به بعد الاستبراء لأكثر من ستة أشهر فقيل: لا يقبل قوله (٢) ويلحقه النسب، قاله القاضي في «تعليقه»، وهو ظاهر كلام أحمد، وقيل: ينتفي النسب، اختاره القاضي في «المجرد» وابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهم، وهو مذهب «م ش»، فعلى هذا هل يحتاج إلى اليمين على الاستبراء؟ فيه وجهان في مذهب مالك وأحمد، والاستحلاف قول «ش» والمشهور: لا يحلف) (٣) [الفروع ٥/ ٥٢٤ (٩/ ٢٢٢ - ٢٢٣)].
١١١٥ - يلحقه الولد بوطء شبهة:
- قال ابن مفلح: (ويلحقه الولد بوطء شبهة كعقد، نصه عليه، وذكره
стр. 793
شيخنا «ع» خلافا لأبي بكر) [الفروع ٥/ ٥٢٥ (٩/ ٢٢٣)].
١١١٦ - تبعض أحكام النسب:
- قال ابن مفلح: (ولا أثر لشبهة مع فراش، ذكره جماعة، واختار شيخنا: تبعض الأحكام، لقوله: «واحتجبي منه يا سودة»، وعليه نصوص أحمد، لأنه احتج به على أن الزنا يُحَرِّم، وأن بنته من الزنا تحرم، وبما يروى عن عمر من وجهين أنه ألحق أولاد المعاهرين في الجاهلية بآبائهم) [الفروع ٥/ ٥٢٦ (٩/ ٢٢٤)] (١).
١١١٧ - إذا لم يكن هناك فراش واستلحق ولده من الزنا:
- قال ابن مفلح: (واختار شيخنا أنه إن استلحق ولده من الزنا ولا فراش لحقه) [الفروع ٥/ ٥٢٦ (٩/ ٢٢٤)] (٢).
١١١٨ - تبعية الولد:
- قال ابن مفلح: (وتبعية النسب للأب «ع» ما لم ينتف منه، كابن ملاعنة، فولد قرشي من غير قرشية قرشي لا عكسه، وتبعية حرية ورق للأم «ع» إلا من عذر للعيب أو غرور (٣)، وظاهره ولد (٤)، ويتبع خيرهما دينا،
стр. 794
وقاله شيخنا) [الفروع ٥/ ٥٢٩ - ٥٣٠ (٩/ ٢٢٨)] (١).
١١١٩ - إذا تنازع أكثر من رجل في الولد:
- قال ابن القيم: (وهذا الحديث (٢) اشتمل على أمرين: ...
إلى أن قال: الأمر الثاني: جعله ثلثي الدية على من وقعت عليه القرعة، وهذا مما أشكل على الناس، ولم يعرف له وجه، وسألت عنه شيخنا؟ فقال: له وجه، ولم يزد) [تهذيب السنن ٦/ ٢٥٨].
стр. 795
كتاب العِدد
١١٢٠ - سن اليأس:
- قال ابن القيم: ( ... وقال آخرون ــ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ــ: اليأس يختلف باختلاف النساء، وليس له حد يتفق فيه النساء، والمراد بالآية: أن يأس كل امرأة من نفسها، لأن اليأس ضد الرجاء، فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض، ولم ترجه، فهي آيسة وإن كان لها أربعون أو نحوها، وغيرها لا تيأس منه وإن كان لها خمسون) [زاد المعاد ٥/ ٦٥٨].
- وقال أيضا: (قال شيخنا: وليس للنساء في ذلك عادة مستمرة، بل فيهن من لا تحيض وإن بلغت، وفيهن من تحيض حيضًا يسيرًا، يتباعد ما بين أقرائها حتى تحيض في السنة مرة، ولهذا اتفق العلماء على أن أكثر الطهر بين الحيضتين لا حد له، وغالب النساء يحضن كل شهر مرة، ويحضن ربع الشهر، ويكون طهرهن ثلاثة أرباعه، ومنهن من تطهر الشهور المتعددة لقلة رطوبتها، ومنهن من يسرع إليها الجفاف فينقطع حيضها وتيأس منه، وإن كان لها دون الخمسين، بل والأربعين، ومنهن من لا يسرع إليها الجفاف، فتجاوز الخمسين وهي تحيض.
قال: وليس في الكتاب ولا السنة تحديد اليأس بوقت، ولو كان المراد بالآيسة من المحيض من لها خمسون سنة، أو ستون سنة، أو غير ذلك، لقيل: واللائي يبلغن من السن كذا وكذا، ولم يقل: يئسن) [زاد المعاد ٥/ ٦٦٢].
стр. 796
١١٢١ - الحكمة من عدة الوفاة:
- قال ابن القيم: (وقد اضطرب الناس في حكمة عدة الوفاة وغيرها ...
قال شيخنا: والصواب أن يقال: أما عدة الوفاة، فهي حرم لانقضاء النكاح، ورعاية لحق الزوج، ولهذا تحد المتوفى عنها في عدة الوفاة، رعاية لحق الزوج، فجعلت العدة حريما لحق هذا العقد، الذي له خطر وشأن، فيحصل بهذه فصل بين نكاح الأول ونكاح الثاني، ولا يتصل الناكحان، ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما عظم حقه حرم نساؤه بعده؟ وبهذا اختص الرسول، لأن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة، بخلاف غيره، فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها تضررت المتوفى عنها، وربما كان الثاني خيرًا لها من الأول، ولكن لو تأيمت على أولاد الأول، لكانت محمودة على ذلك، مستحبا لها، وفي الحديث: «أنا وامرأة سفعاء الخدين، كهاتين يوم القيامة» وأومأ بالوسطى والسبابة «امرأة آمت من زوجها، ذات منصب وجمال، وحبست نفسها على يتامى لها، حتى بانوا أو ماتوا».
وإذا كان المقتضى لتحريمها قائمًا فلا أقل من مدة تتربصها، وقد كانت في الجاهلية سنة، فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر، وقيل لسعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيها ينفخ الروح، فيحصل بهذه المدة براءة الرحم، حيث يحتاج إليه، وقضاء حق الزوج إذا لم يحتج إلى ذلك) [زاد المعاد ٥/ ٦٦٥ ــ ٦٦٦].
١١٢٢ - امرأة المفقود:
- قال ابن القيم: (ومما ظن أنه على خلاف القياس: ما حكم به
стр. 797
الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود، فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب: أن أجل امرأته أربع سنين، وأمرها أن تتزوج، فقدم المفقود بعد ذلك، فخيّره عمر بين امرأته، وبين مهرها، فذهب الإمام أحمد إلى ذلك، وقال: ما أدري من ذهب إلى غير ذلك إلى أي شيء يذهب؟
وقال أبو داود في «مسائله»: سمعت أحمد ــ وقيل له: في نفسك شيء من المفقود؟ ــ فقال: ما في نفسي منه شيء، هذا خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ أمروها أن تتربص. قال أحمد: من ضيق علم الرجل أن لا يتكلم في امرأة المفقود.
وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس، والقياس أنها زوجة القادم بكل حال، إلا أن نقول: الفرقة تنفذ ظاهرًا وباطنًا، فتكون زوجة الثاني بكل حال.
وغلا بعض المخالفين لعمر في ذلك، فقالوا: لو حكم حاكم بقول عمر في ذلك لنقض حكمه، لبعده عن القياس.
وطائفة ثالثة: أخذت ببعض قول عمر، وتركوا بعضه، فقالوا: إذا تزوجت، ودخل بها الثاني، فهي زوجته، ولا ترد إلى الأول، وإن لم يدخل بها ردت إلى الأول.
قال شيخنا: من خالف عمر لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر، ولم يكن له من الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر، وهذا إنما يتبين بأصل، وهو وقف العقود، إذا تصرف الرجل في حق الغير بغير إذنه، هل يقع تصرفه مردودًا، أو موقوفًا على إجازته؟ على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد:
стр. 798
إحداهما: أنها تقف على الإجازة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.
والثانية: أنها لا تقف، وهو أشهر قولي الشافعي.
وهذا في النكاح والبيع والإجارة.
وظاهر مذهب أحمد: التفصيل، وهو: أن المتصرف إذا كان معذورًا لعدم تمكنه من الاستئذان، وكان به حاجة إلى التصرف، وقف العقد على الإجازة، بلا نزاع عنده، وإن أمكنه الاستئذان، أو لم تكن به حاجة إلى التصرف ففيه النزاع.
فالأول: مثل من عنده أموال لا يعرف أصحابها ــ كالغصوب، والعواري، ونحوها ــ فإذا تعذر عليه معرفة أرباب الأموال، ويئس منها، فإن مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد: أنه يتصدق بها عنهم، فإن ظهروا بعد ذلك كانوا مخيرين بين الإمضاء، وبين التضمين، وهذا مما جاءت به السنة في اللقطة، فإن الملتقط يأخذها بعد التعريف، ويتصرف فيها، ثم إن جاء صاحبها كان مخيرا بين إمضاء تصرفه، وبين المطالبة بها، فهو تصرف موقوف، لما تعذر الاستئذان، ودعت الحاجة إلى التصرف، وكذلك الموصي بما زاد على الثلث وصيته موقوفة على الإجازة عند الأكثرين، وإنما يخيرون بعد الموت.
فالمفقود المنقطع خبره، إن قيل: إن امرأته تبقى إلى أن يعلم خبره بقيت لا أيما، ولا ذات زوج، إلى أن تبقى من القواعد أو تموت، والشريعة لا تأتي بمثل هذا، فلما أجلت أربع سنين، ولم يكشف خبره حكم بموته ظاهرًا.
стр. 799
فإن قيل: يسوغ للإمام أن يفرق بينهما للحاجة، فإنما ذلك بعد اعتقاد موته، وإلا فلو علمت حياته، لم يكن مفقودًا، وهذا كما ساغ التصرف في الأموال التي تعذر معرفة أصحابها، فإذا قدم الرجل تبينا أنه كان حيا، كما إذا ظهر صاحب المال، والإمام قد تصرف في زوجته بالتفريق فيبقى هذا التفريق موقوفًا على إجازته، فإن شاء أجاز ما فعل الإمام، وإن شاء رده، وإذا أجازه صار كالتفريق المأذون فيه، ولو أذن للإمام أن يفرق بينهما ففرق وقعت الفرقة بلا ريب، وحينئذ فيكون النكاح الثاني صحيحًا، وإن لم يجز ما فعله الإمام كان التفريق باطلًا، فكانت باقية على نكاحه، فتكون زوجته.
فكان القادم مخيرًا بين إجازة ما فعله الإمام، ورده، وإذا أجاز فقد أخرج البضع من ملكه، وخروج البضع عن ملك الزوج متقوم عند الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد في [أنص] (١) الروايتين، والشافعي يقول: هو مضمون بمهر المثل.
والنزاع بينهم فيما إذا شهد شاهدان أنه طلق امرأته، ثم رجعا عن الشهادة:
فقيل: لاشيء عليهما، بناء على أن خروج البضع من ملك الزوج ليس بمتقوم، وهذا قول أبى حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، اختارها متأخرو أصحابه، كالقاضى أبى يعلى وأتباعه.
وقيل: عليهما مهر المثل، وهو قول الشافعى، وهو وجه في مذهب أحمد.
стр. 800
وقيل: عليهما المسمى، وهو مذهب مالك، وهو أشهر في نص أحمد، وقد نص على ذلك فيما إذا أفسد نكاح امرأته برضاع: أنه يرجع بالمسمى، والكتاب والسنة يدلان على هذا القول، فإن الله تعالى قال: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠ ـ ١١]، وهذا هو المسمى دون مهر المثل، ولذلك أمر النبي ﷺ زوج المختلعة أن يأخذ ما أعطاها دون مهر المثل، وهو سبحانه إنما يأمر في المعاوضات المطلقة بالعدل.
فحكم أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل، والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة، ثبت ذلك عنهم في قضايا متعددة، ولم يعلم أن أحدا منهم أنكر ذلك، مثل قضية ابن مسعود في تصدقه عن سيد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذمة، لما تعذرت عليه معرفته، وكتصدق الغال بالمال المغلول من الغنيمة، لما تعذر قسمه بين الجيش، وإقرار معاوية له على ذلك، وتصويبه له، وغير ذلك من القضايا.
مع أن القول بوقف العقود مطلقا هو الأظهر في الحجة، وهو قول الجمهور، وليس في ذلك ضرر أصلًا، بل هو إصلاح بلا إفساد، فإن الرجل قد يرى أن يشتري لغيره، أو يبيع له، أو يؤجر له، أو يستأجر له، ثم يشاوره فإن رضي، وإلا لم يحصل له ما يضره، وكذلك في تزويج وليته، ونحو ذلك، وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه.
فمسألة المفقود: هي مما يوقف فيها تفريق الإمام على إذن الزوج إذا
стр. 801
جاء، كما يقف تصرف الملتقط على إذن المالك إذا جاء، والقول برد المهر إلى الزوج بخروج بضع امرأته عن ملكه (١).
ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجع به: هل هو ما أعطاها هو، أو ما أعطاها الثاني، وفيه روايتان عن أحمد: إحداهما: يرجع بما مهرها الثاني، لأنها هي التي أخذته، والصواب: أنه إنما يرجع بما مهرها هو، فإنه الذي يستحقه، وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حق له فيه.
وإذا ضمن الثاني للأول المهر، فهل يرجع به عليها؟ فيه روايتان عن أحمد:
إحداهما: يرجع، لأنها هي التي أخذته، والثاني قد أعطاها المهر الذي عليه، فلا يضمن مهرين، بخلاف المرأة فإنها لما اختارت فراق الزوج الأول، ونكاح الثاني فعليها أن ترد المهر، لأن الفرقة جاءت من جهتها.
والثانية: لا يرجع، لأن المرأة تستحق المهر بما استحل من فرجها، والأول يستحق المهر بخروج البضع عن ملكه، فكان على الثاني.
وهذا المأثور عن عمر في مسألة المفقود، وهو عند طائفة من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس، حتى قال بعض الأئمة: لو حكم به حاكم نقض حكمه!
وهو مع هذا أصح الأقوال وأحراها في القياس، وكل قول قيل سواه فهو خطأ.
فمن قال: إنها تعاد إلى الأول بكل حال، أو تكون مع الثاني بكل حال،
стр. 802
فكلا القولين خطأ، إذ كيف تعاد إلى الأول، وهو لا يختارها ولا يريدها، وقد فرق بينه وبينها تفريقا سائغًا في الشرع، وأجاز هو ذلك التفريق؟ فإنه وإن تبين للإمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده فالحق في ذلك للزوج، فإذا أجاز ما فعله الإمام زال المحذور.
وأما كونها زوجة الثاني بكل حال، مع ظهور زوجها، وتبين أن الأمر بخلاف ما فعل الإمام فهو خطأ أيضًا، فإنه مسلم لم يفارق امرأته، وإنما فرق بينهما بسبب ظهر أنه لم يكن كذلك، وهو يطلب امرأته، فكيف يحال بينه وبينها؟ وهو لو طلب ماله، أو بدله، رد إليه، فكيف لا ترد إليه امرأته، وأهله أعز عليه من ماله؟
وإن قيل: حق الثاني تعلق بها. قيل: حقه سابق على حق الثاني، وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحق الثاني أن تكون زوجة له، وما الموجب لمراعاة حق الثاني دون الأول؟
فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ولهذا تعجب أحمد ممن خالفه، فإذا ظهر صحة ما قاله الصحابة ﵃ وصوابه في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها مثل: أبي حنيفة ومالك الشافعي، فلأن يكون الصواب معهم فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى.
قال شيخنا: وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله، فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها، واعتبر هذا بمسائل الأيمان والنذور، والعتق، وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط، فالمنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة والقياس الجلي، وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص، مناقض للقياس.
стр. 803
وكذلك في مسائل غير هذه: مثل مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله من المسائل، لم أجد أجود الأقوال فيها، إلا أقوال الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمت قولًا قاله الصحابة، ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجل العلوم، وإنما يعرف ذلك من كان خبيرا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة، والنعمة السابغة، والعدل العام، والله أعلم. انتهى) [إعلام الموقعين ٢/ ٥٣ - ٥٧] (١).
١١٢٣ - لا يفتقر فسخ نكاح امرأة المفقود إلى حكم الحاكم:
- قال ابن مفلح: (امرأة المفقود تتربص ما تقدم في ميراثه ثم تعتد للوفاة، وفي اعتبار حكمٍ بضرب المدة والعدة واعتبار طلاق الولي بعدها، ثم تعتد بالأقراء إن طلق= روايتان، قال ابن عقيل: لا يعتبر فسخ النكاح الأول، على الأصح، كضرب المدة، وكذا قال شيخنا: إن على الأصح لا يعتبر الحاكم، فلو مضت المدة والعدة تزوجت بلا حكم) [الفروع ٥/ ٥٤٥ - ٥٤٦ (٩/ ٢٤٨ - ٢٤٩)] (٢).
١١٢٤ - إذا تزوجت امرأة المفقود ثم قدم:
- قال ابن مفلح: (فإن تزوجت ثم قدم قبل وطء الثاني فهي له، وعنه: يخير، وبعده له أخذها زوجة بعقده الأول، والمنصوص: وإن لم يطلق
стр. 804
الثاني، ويطأ بعد عدته، وله تركها معه، وقال الشيخ: بعقد ثان، فإن تركها ففي أخذه ما مهرها هو أو الثاني، وفي رجوع الثاني عليها به، روايتان، وقال ابن عقيل: القياس لا يأخذه، وقال جماعة: القياس أنها للأول بلا خيار، إلا أن تقع الفرقة باطنا فللثاني، ونقل أبو طالب: لا خيار للأول مع موتها، وأن الأمة كنصف حرة، كالعدة.
وقال شيخنا: هي زوجة الثاني ظاهرا وباطنا وترثه (١)، ذكره أصحابنا، وهل ترث الأول؟ قال أبو جعفر (٢): ترثه، وخالفه غيره (٣)، وأن متى ظهر الأول فالفرقة ونكاح الثاني موقوف، فإن أخذها بطل نكاح الثاني حينئذ، وإن أمضى ثبت نكاح الثاني) [الفروع ٥/ ٥٤٦ - ٥٤٨ (٩/ ٢٥٠ - ٢٥٢)] (٤).
١١٢٥ - إذا فرق بين الزوجين لسبب يوجب الفرقة ثم بان انتفاؤه:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: متى فرق بينهما لسبب يوجب الفرقة،
стр. 805
ثم بان انتفاؤه فكمفقود (١)) [الفروع ٥/ ٥٥٠ (٩/ ٢٥٤)] (٢).
١١٢٦ - عدة المختلعة ونحوها:
- قال ابن القيم: (وفي أمره ﷺ المختلعة أن تعتد بحيضة واحدة دليل على حكمين:
أحدهما: أنه لا يجب عليها ثلاث حيض، بل تكفيها حيضة واحدة، وهذا كما أنه صريح السنة، فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ... وذهب إلى هذا المذهب: إسحاق بن راهويه والإمام أحمد في رواية عنه، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية) [زاد المعاد ٥/ ١٩٧].
- وقال أيضا: ( ... وقد روى حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن جمهان: أن أم بكرة الأسلمية كانت تحت عبد الله بن أسيد، واختلعت منه، فندما، فارتفعا إلى عثمان بن عفان، فأجاز ذلك، وقال: هي واحدة، إلا أن تكون سمت شيئًا، فهو على ما سمت ...
قال شيخنا: وكيف يصح عن عثمان، وهو لا يرى فيه عدة، وإنما يرى الاستبراء فيه بحيضة؟ فلو كان عنده طلاقًا لأوجب فيه العدة.
وجمهان الراوي لهذه القصة عن عثمان لا نعرفه بأكثر من أنه مولى الأسلميين) [زاد المعاد ٥/ ١٩٨].
- وقال أيضا: (وقد ذكرنا حكم رسول الله ﷺ في المختلعة: أنها تعتد
стр. 806
بحيضة، وأن هذا مذهب عثمان بن عفان، وابن عباس، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، اختارها شيخنا) [زاد المعاد ٥/ ٦٧٧].
- وقال أيضا: (وقال شيخنا: عدتهن حيضة واحدة، وكذلك عدة المختلعة، وسائر من فسخ نكاحها؛ لأن العدة إنما جعلت ثلاثة قروء لتمكن الزوج من الرجعة فيها، وأما الفسوخ كالخلع وغيره فالمقصود منها براءة الرحم، فيكتفى فيها بحيضة.
قال: وبذلك أفتى النبي ﷺ المختلعة.
قال: وهو مذهب ابن عباس، ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
قلت له: فما تقول في المطلقة تمام الثلاث؟
فقال: الطلقة الثالثة من جنس الطلقتين اللتين قبلها، فكان حكمها حكمهما، هذا إن كان في المسألة إجماع. انتهى) [أحكام أهل الذمة ١/ ٣٨٠].
- وقال ابن مفلح: (وعنه: عدة مختلعة حيضة، واختاره شيخنا في بقية الفسوخ، وأومأ إليه في رواية صالح) [الفروع ٥/ ٥٤٢ (٩/ ٢٤٤)] (١).
١١٢٧ - عدة الشابة إذا ارتفع حيضها:
- قال ابن مفلح: (ونقل حنبل: إن كانت لا تحيض أو ارتفع حيضها أو صغيرة فعدتها ثلاثة أشهر، ونقل أبو الحارث في أمة ارتفع حيضها لعارض:
стр. 807
تستبرأ بتسعة أشهر للحمل، وشهر للحيض، واختار شيخنا: إن علمت عدم عوده فكآيسة، وإلا سنة (١))
[الفروع ٥/ ٥٤٤ - ٥٤٥ (٩/ ٢٤٨)] (٢).
стр. 808
١١٢٨ - عدة المطلقة آخر ثلاث تطليقات:
١١٢٩ - وعدة الموطوءة بشبهة أو نكاح فاسد والزانية والأمة المزوجة:
- قال ابن القيم: ( ... فذهب ابن اللبان الفرضي، صاحب «الإيجاز» وغيره: إلى أن المطلقة ثلاثا ليس عليها غير استبراء بحيضة، ذكره عنه أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى، فقال: مسألة: إذا طلق امرأته ثلاثا بعد الدخول، فعدتها ثلاثة أقراء، إن كانت من ذوات الأقراء، وقال ابن اللبان: عليها الاستبراء بحيضة، دليلنا، قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ولم يقف شيخ الإسلام على هذا القول، وعلق تسويغه على ثبوت الخلاف، فقال: إن كان فيه نزاع كان القول بأنه ليس عليها، ولا على المعتقة المخيرة إلا الاستبراء قولا متوجها.
ثم قال: ولازم هذا القول، أن الآيسة لا تحتاج إلى عدة بعد الطلقة الثالثة.
стр. 809
قال: وهذا لا نعلم أحدًا قاله.
وقد ذكر الخلاف أبو الحسين، فقال: مسألة إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا، وكانت ممن لا تحيض لصغر أو هرم، فعدتها ثلاثة أشهر، خلافا لابن اللبان: أنه لا عدة عليها، دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
قال شيخنا: وإذا مضت السنة بأن على هذه ثلاثة أقراء لم يجز مخالفتها، ولو لم يجمع عليها، فكيف إذا كان مع السنة إجماع؟ !
قال: وقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: «اعتدي» قد فهم منه: أنها تعتد ثلاثة قروء، فإن الإستبراء قد يسمى عدة) [زاد المعاد ٥/ ٦٧٣].
- وقال أيضا: (وأما الزانية والموطوءة بشبهة، فموجب الدليل: أنها تستبرأ بحيضة فقط، ونص عليه أحمد في الزانية، واختاره شيخنا في الموطوءة بشبهة، وهو الراجح، وقياسهما على المطلقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده) [إعلام الموقعين ٢/ ٩٠].
- وقال ابن مفلح: (وعدة موطوءة بشبهة أو نكاح فاسد كمطلقة، ذكره في «الانتصار» «ع»، وكذا الزانية، وعنه: لا عدة بل تستبرأ، اختاره الحلواني وابن رزين كأمة مزوجة، واختاره شيخنا في الكل، وفي كل فسخٍ وطلاقٍ ثلاثٍ، وأن لنا في وطء الشبهة وجهين، وأنها دون المختلعة.
وقال أيضا في الطلقة الثالثة: تعتد بثلاثة قروء «ع» لخبر فاطمة «اعتدي»، وقد جاء تسمية الاستبراء عدة، فإن كان فيه نزاع فالقول بالاستبراء متوجه، ونقل صالح وعبد الله في أم الولد: تعتق بالموت، قال بعضهم: تعتد
стр. 810
ثلاث حيض، ولا وجه له، إنما تعتد ثلاث حيض المطلقة، ولا توطأ في هذه المدة، وفيما دونه وجهان (١)، ولا ينفسخ نكاح بزنا، نقله الجماعة.
وقال: حديث النبي ﷺ لمن سأله «لا ترد يد لامس» لا يصح، وإن أمسكها يستبرئها، والحديث على ظاهره أنها كانت وطئت) [الفروع ٥/ ٥٥٠ - ٥٥ ١ (٩/ ٢٥٤ - ٢٥٥)] (٢).
١١٣٠ - لا توطأ الأمة الحامل حتى تضع:
- قال ابن القيم: (وقوله ﷺ : «كيف يورثه، وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟». كان شيخنا يقول في معناه: كيف يجعله عبدًا موروثًا عنه، ويستخدمه استخدام العبيد، وهو ولده؟ لأن وطأه زاد في خلقه) [زاد المعاد ٥/ ١٥٥].
- وقال في موضع آخر: (وقوله: «كيف يورثه، وهو لا يحل له؟» سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه: أي: كيف يجعله تركة موروثة عنه، فإنه يعتقده عبده، فيجعله تركة تورث عنه، ولا يحل له ذلك، لأن ماءه زاد في خلقه، ففيه جزء منه) [زاد المعاد ٥/ ٧٣٠] (٣).
١١٣١ - لا يحل للمرأة أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج:
- قال ابن مفلح: (ولا يحل أن تحد فوق ثلاث إلا على زوجها، باتفاق