باب مسح الحائل
٤٢ - التفضيل بين المسح والغسل:
- قال ابن القيم: (ولم يكن يتكلف ضِدَّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف: مسح عليهما، ولم ينزعهما؛ وإن كانتا مكشوفتين: غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه، وهذا أعدل الأقوال في مسألة: الأفضل من المسح والغسل، قاله شيخنا، والله أعلم) [زاد المعاد: ١/ ١٩٩] (١).
٤٣ - المسح على القدم ونعلها التي يشق نزعها:
٤٤ - والمسح على الخف المخرق:
٤٥ - والمسح على الملبوس دون الكعب:
- قال ابن مفلح: (واختار شيخنا مسح القدم ونعلها التي يشق نزعها إلا بيد أو رجل كما جاءت به الآثار، قال: والاكتفاء ههنا بأكثر القدم نفسها أو الظاهر منها غسلا أو مسحا أولى من مسح بعض الخف، ولهذا لا يتوقت، وكمسح عمامة. وأنه يمسح خفا مخرقا إلا أن يتخرق أكثره فكالنعل، وكذا ملبوس دون كعب (٢)) [الفروع: ١/ ١٦٠ (١/ ١٩٦)] (٣).
стр. 72
٤٦ - المسح على العمامة الصماء:
- قال ابن مفلح: (وفي ذات ذؤابة وجهان، وذكرهما ابن شهاب وجماعة في صمَّاء، وقالوا: لم يفرّق أحمد، وفي «مفردات ابن عقيل»: هو مذهبه، والظاهر ــ إن لم يكن يقينا ــ قد اطّلعوا على كراهة أحمد للبسها، وإنما رأوا أن الكراهة لا تمنع الرخصة ... واختار شيخنا وغيره المسح وقال: هي كالقلانس.
стр. 73
وكره أحمد لبس غير (١) المحنكة، ونقل الحسن بن ثواب: كراهية شديدة، ولم يصرح الأصحاب بإباحة لبسها، بل ذكر بعضهم كراهة أحمد، وقال بعضهم: لا تباح مع النهي، فلا يتعلق بها رخصة، وعلله بعضهم بعدم المشقة، كالكلة، وبأنها تشبه عمائم أهل الذمة، وقد نهي عن التشبه بهم ... وقال شيخنا: المحكي عن أحمد الكراهة، والأقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى التحريم، ومثل هذا لا يمنع الترخص، كسفر النزهة. كذا قال.
ولعل ظاهر من جوّز المسح إباحة لبسها، وهو متجه، لأنه فعل أبناء المهاجرين والأنصار، وتحمل كراهة السلف على الحاجة إلى ذلك (٢)، لجهاد أو غيره، واختاره شيخنا) [الفروع: ١/ ١٦٣ (١/ ٢٠٢)] (٣).
٤٧ - عدم اشتراط كمال الطهارة لجواز المسح:
- قال ابن مفلح: (يشترط للمسح اللبس على طهارة، ويعتبر كمالها، وعنه: لا، اختاره شيخنا) [الفروع: ١/ ١٦٥ (١/ ٢٠٥)] (٤).
стр. 74
٤٨ - اشتراط لبس العمامة على طهارة للمسح عليها:
- قال ابن مفلح: (وإن لبسها (١) محدثا، ثم توضأ ومسح رأسه ورفعها رفعا فاحشا فكذلك، قال شيخنا: كما لو لبس الخف محدثا، فلو غسل رجله رفعها إلى الساق، ثم أعادها (٢)، وإن لم يرفعها فاحشا احتمل أنه كما لو غسل رجله في الخف، لأن الرفع اليسير لا يخرجه عن حكم اللبس، ولهذا لا تبطل الطهارة به، ويحتمل أنه كابتداء اللبس، لأنه إنما عفي عنه هناك للمشقة.
قال: ويتوجه أن العمامة لا يشترط فيها ابتداء اللبس على طهارة، ويكفي فيها الطهارة المستدامة، لأن العادة أن من توضأ رفع العمامة ومسح رأسه، ثم أعادها، فلا يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء، ولا أنه يخلعها بعد وضوئه ثم يلبسها بخلاف الخف) [الفروع: ١/ ١٦٥ ــ ١٦٦ (١/ ٢٠٦ ــ ٢٠٧)] (٣).
٤٩ - مدة المسح في حال الضرورة:
- قال ابن مفلح: (ويمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر سفر القصر ثلاثة أيام ولياليهن ثم يخلع «م»: لا توقيت، فإن خاف فوات رفقة أو تضرر
стр. 75
رفيقه بانتظاره (١) تيمم، فلو مسح وصلى أعاد، نص عليه، وقيل: يمسح كالجبيرة، واختاره شيخنا) [الفروع: ١/ ١٦٧ (١/ ٢٠٩)] (٢).
٥٠ - لا تبطل الطهارة بنزع الحائل:
- قال ابن مفلح: (وإن زالت الجبيرة فكالخف «و: م، ش»، وقيل: طهارته باقية قبل البرء «و: هـ»، اختاره شيخنا مطلقا (٣)، كإزالة الشعر) [الفروع: ١/ ١٧٣ (١/ ٢١٨)] (٤).
стр. 76
باب نواقض الطهارة الصغرى (١)
٥١ - خروج النجاسة ــ غير البول والغائط ــ من غير السبيلين لا ينقض الوضوء:
- قال ابن مفلح: (الثاني: خروج بول أوغائط من بقية البدن «ش» وخروج نجاسة فاحشة في نفوس أوساط الناس، في رواية اختارها القاضي وجماعة كثيرة، وجزم به في التلخيص وغيره، ونقل الجماعة وذكره الشيخ المذهب: كل أحد بحسبه. وعنه: ينقض اليسير «و: هـ»، وقال شيخنا: لا ينقض مطلقا «و: م، ش») [الفروع: ١/ ١٧١ (١/ ٢٢١ ــ ٢٢٢)] (٢).
٥٢ - النوم الذي ينقض الوضوء:
- قال ابن مفلح: (وعن أحمد: لا ينقض نوم مطلقا، واختاره شيخنا إن ظن بقاء طهره) [الفروع: ١/ ١٧٩ (١/ ٢٢ ٥ ــ ٢٢٦)] (٣).
٥٣ - الوضوء من مس الفرج:
٥٤ - والوضوء من مس المرأة:
- قال ابن مفلح: (الخامس (٤): لمسه أنثى لشهوة «و: م» نص عليه،
стр. 77
وعنه: مطلقا «و: ش»، وعنه: عكسه، اختاره الآجري وشيخنا، ولو باشر مباشرة فاحشة «هـ» وقيل: إن انتشر نقض، وإذا لم ينقض مس فرج [و] (١) أنثى (٢) استحب الوضوء، نص عليه، وعند شيخنا لشهوة) [الفروع ١/ ١٨١ (١/ ٢٣٠)] (٣).
- وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين في «شرح العمدة»: إذا قلنا بالنقض (٤) اعتبرنا الشهوة في المشهور، كما نعتبرها في اللامس، حتى ينتقض وضوءه إذا وجدت الشهوة فيه دون اللامس، ولا ينتقض إذا لم توجد فيه، وإن وجدت في اللامس، انتهى كلامه) [النكت على المحرر: ١/ ١٤] (٥).
وانظر ما يأتي في المسألة التالية (ص: ٨٤).
стр. 78
٥٥ - الوضوء من أكل لحم الجزور، وأكل ما مسته النار:
- قال ابن القيم نقلا عن شيخ الإسلام ــ في جوابه عن المسائل التي قيل فيها إنها على خلاف القياس ــ (وأما قولهم: إن الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس، لأنها لحم، واللحم لا يتوضأ منه، فجوابه أن الشارع فرق بين اللحمين، كما فرق بين المكانين، وكما فرق بين الراعيين: رعاة الإبل ورعاة الغنم، فأمر بالصلاة في مرابض الغنم دون أعطان الإبل، وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل دون الغنم، كما فرق بين الربا والبيع، والمذكى والميتة، فالقياس الذي يتضمن التسوية بين ما فرق الله بينه من أبطل القياس وأفسده، ونحن لا ننكر أن في الشريعة ما يخالف القياس الباطل.
هذا مع أن الفرق بينهما ثابت في نفس الأمر، كما فرق بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم، فقال: «الفخرُ والخيلاء في الفدَّادين أصحاب الإبل، والسكينة في أصحاب الغنم»، وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطان، وجاء أنها جنٌّ خلقت من جن، ففيها قوة شيطانية، والغاذي شبيه بالمغتذي، ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، لأنها دواب عادية، فالاغتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذي من العُدْوان ما يضره في دينه، فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشيطانية والشيطان خلق من نار، والنار تطفأ بالماء ــ هكذا جاء الحديث، ونظيره الحديث الآخر: «إن الغضب من الشيطان؛ فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» ــ فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يطفئ تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة.
стр. 79
ولهذا أُمرْنا بالوضوء مما مسَّت النار إما إيجابًا منسوخًا، وإما استحبابًا غير منسوخ، وهذا الثاني أظهر لوجوه: منها: أن النسخ لا يُصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين، ومنها: أن رُواة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة، ومنها: أن المعنى الذي أمرنا بالوضوء لأجله منها هو اكتسابها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خلق منها، والنار تطفأ بالماء، وهذا المعنى موجود فيها، وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب، ومنها: أن أكثر ما مع من ادعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه ﷺ أكل مما مسَّت النار ولم يتوضأ، وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء، لا على عدم استحبابه، فلا تنافي بين أمره وفعله، وبالجملة فالنسخ إنما يصار إليه عند التنافي، وتحقق التاريخ، وكلاهما منتفٍ.
وقد يكون الوضوء من مس الذكر ومس النساء من هذا الباب، لما في ذلك من تحريك الشهوة، فالأمر بالضوء منهما على وفق القياس.
ولما كانت القوة الشيطانية في لحوم الإبل لازمة كان الأمر بالوضوء منها لا مُعارض له من فعل ولا قول، ولما كان في ممسوس النار عارضةً صح فيها الأمر والترك، ويدل على هذا أنه فرّق بينها وبين لحوم الغنم في الوضوء، وفرّق بينها وبين الغنم في مواضع الصلاة؛ فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل وأذن في الصلاة في مرابض الغنم، وهذا يدل على أنه ليس ذلك لأجل الطهارة والنجاسة، كما أنه لما أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم علم أنه ليس ذلك لكونها مما مسَّتْه النار، ولما كانت أعطانُ الإبل مأوى الشيطان لم تكن مواضع للصلاة كالحُشوش، بخلاف مباركها
стр. 80
في السفر؛ فإن الصلاة فيها جائزة؛ لأن الشيطان هناك عارض، وطردُ هذا المنعُ من الصلاة في الحمّام لأنه بيت الشيطان، وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان، والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل؛ فإذا عقل المعنى لم يكن بُدٌّ من تعديته، ما لم يمنع منه مانع، والله أعلم) [إعلام الموقعين: ١/ ٣٩٦] (١).
٥٦ - إعادة الصلاة لمن لم يتوضأ من أكل لحم الجزور ونحوها من المسائل:
- قال ابن مفلح: (السادس (٢): أكل لحم الجزور على الأصح، وعنه: إن علم النهي، اختاره الخلال وغيره، قال: وعليه استقر قوله، لخفاء الدليل، وعنه: لا يعيد مع الكثرة، وعنه: متأوّل، وقيل: فيه مطلقا روايتان، ويتوجه مثله فيما اختلف فيه الأثر، بخلاف ترك الطمأنينة، وتوقيت مسح، نص عليه، ومعناه كلام شيخنا، وذكر جماعة: لا يعيد متأوّل مطلقا، وذكره شيخنا وجها في: الماء من الماء، وأن نص أحمد خلافه، قال أحمد: لا أعنف من قال
стр. 81
شيئا له وجه وإن خالفناه) [الفروع: ١/ ١٨٣ (١/ ٢٣٣)] (١).
٥٧ - الوضوء من أكل اللحم الخبيث المباح للضرورة:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: الخبيث المباح للضرورة، كلحم السباع أبلغ من لحم الإبل، فالوضوء منه أولى. قال: والخلاف فيه بناء على أن لحم الإبل تعبدي، أو عقل معناه) [الفروع ١/ ١٨٤ (١/ ٢٣٦)] (٢).
٥٨ - الطهارة للطواف:
- قال ابن القيم: (وقد اختلف السلف والخلف في اشتراط الطهارة للطواف على قولين:
أحدهما: أنها شرط، كقول الشافعي ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد.
والثاني: ليست بشرط، نص عليه في رواية ابنه عبد الله وغيره، بل نصه في رواية عبد الله يدل على أنها ليست بواجبة، فإنه قال: أحب إلي أن يتوضأ، وهذا مذهب أبي حنيفة.
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: وهذا قول أكثر السلف. قال: وهو الصحيح، فإنه لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة، لا في عمره ولا حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبا
стр. 82
ولا يبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع) [تهذيب السنن: ١/ ٦٦] (١).
- وقال أيضًا: (وقد نص أحمد ــ في إحدى الروايتين عنه ــ على أن الرجل إذا طاف جنبًا ناسيا صح طوافه ولا دم عليه، وعنه رواية أخرى: عليه دم، وثالثة: أنه لا يجزيه الطواف.
وقد ظن بعض أصحابه أن هذا الخلاف عنه إنما هو في المحدِثِ والجُنب، فأما الحائض فلا يصح طوافها قولا واحدا.
قال شيخنا: وليس كذلك، بل صرَّح غير واحد من أصحابنا بأن الخلاف عنه في الحيض والجنابة، قال: وكلام أحمد يدل على ذلك، ويبين أنه كان متوقفا في طواف الحائض وفي طواف الجنب.
قال عبد الملك الميموني في «مسائله»: قلت لأحمد: من طاف طواف الواجب على غير وضوء وهو ناس ثم واقع أهله، قال: أخبرك مسألة فيها وهم مختلفون، وذكر قول عطاء والحسن، قلت: ما تقول أنت؟ قال: دعها، أو كلمة تشبهها (٢).
وقال الميموني في «مسائله» أيضًا: قلت له: من سعى وطاف على غير طهارة ثم واقع أهله، فقال لي: مسألة (٣) الناس فيها مختلفون، وذكر قول ابن عمر، وما يقول عطاء مما يسهل فيها (٤)، وما يقول الحسن، وأن عائشة
стр. 83
قال لها النبي ﷺ حين حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت»، ثم قال لي: إلا أن هذا أمر بليت به نزل عليها ليس من قبلها، قلت: فمن الناس من يقول عليها (١) الحج من قابل؟ فقال لي: نعم كذا أكبر علمي، وقلت: ومنهم من يذهب إلى أن عليها دما؟ فذكر تسهيل عطاء فيها خاصة ــ قال لي أبو عبد الله أولا وآخرا: هي مسألة مشتبهة فيها موضع نظر، فدعني حتى أنظر فيها. قال ذلك غير مرة ــ، ومن الناس من يقول: وإن رجع إلى بلده يرجع حتى يطوف، قلت: والنسيان؟ قال: والنسيان أهون حكما بكثير، يريد أهون ممن يطوف على غير طهارة متعمدا. هذا لفظ الميموني) [إعلام الموقعين: ٣/ ٣٦ ــ ٣٧] (٢).
وانظر: ما يأتي برقم (١٠٦).
٥٩ - الوضوء لمس المصحف:
- قال ابن القيم ــ في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]ــ: (وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر، فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة، إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر) [التبيان: ٢٩٠ ــ ٢٩١].
стр. 84
- وقال أيضا: (وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ يقول: الصحيح منها (١) ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى.
قلت: مثاله، قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].
قال: والصحيح في الآية، أن المراد به: الصحف التي بأيدي الملائكة، لوجوه عديدة (٢):
منها: أنه وصفه بأنه مكنون، والمكنون: المستور عن العيون، وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة.
ومنها: أنه قال: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهم الملائكة، ولو أراد المتوضئين لقال: لا يمسه إلا المتطهرون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالملائكة: مطهرون، والمؤمنون: متطهرون.
ومنها: أن هذا إخبار، ولو كان نهيًا لقال: لا يمسسه، بالجزم؛ والأصل في الخبر: أن يكون خبرًا، صورة ومعنى.
ومنها: أن هذا رد على من قال: إن الشيطان جاء بهذا القرآن، فأخبر تعالى: أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين، ولا وصول لها إليه، كما قال
стр. 85
تعالى في آية الشعراء: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ ـ ٢١١] وإنما تناله الأرواح المطهرة، وهم الملائكة.
ومنها: أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢ ـ ١٦] قال مالك في «موطئه»: أحسن ما سمعت في تفسير قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]: أنها مثل هذه الآية التي في سورة عبس.
ومنها: أن الآية مكية، من سورة مكية تتضمن: تقرير التوحيد، والنبوة، والمعاد، وإثبات الصانع، والرد على الكفار، وهذا المعنى أليق بالمقصود من فرع عملي، وهو: حكم مس المحدث المصحف.
ومنها: أنه لو أريد به: الكتاب الذي بأيدي الناس، لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة، إذ من المعلوم أن كل كلام: فهو قابل لأن يكون في كتاب، حقًا أو باطلًا، بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون مستور عن العيون عند الله، لا يصل إليه شيطان، ولا ينال منه، ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة الزكية، فهذا المعنى: أليق وأجل وأخلق بالآية وأولى بلا شك.
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: لكن تدل الآية بإشارتها على أنه: لا يمس المصحف إلا طاهر، لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون لكرامتها على الله: فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر) [مدارج السالكين: ٢/ ٤٣٣ ـ ٤٣٥] (١).
стр. 86
٦٠ - استفتاح الفأل في المصحف:
٦١ - وتحريم كتابته حيث يهان:
- قال ابن مفلح: (واستفتاح الفأل فيه (١)، فعله ابن بطة، ولم يره غيره، وذكره شيخنا، واختاره.
ويحرم كتبه حيث يهان ببول حيوان، أو جلوس، ونحوه، وذكره شيخنا إجماعا، فتجب إزالته) [الفروع ١/ ١٩٣ (١/ ٢٤٧)] (٢).
٦٢ - القيام للمصحف:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض فهو أحق) [الفروع ١/ ١٩٦ (١/ ٢٥١)] (٣).
стр. 87
باب الغسل
٦٣ - انتقال دم الحيض من مكانه بدون خروجه:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: قياس المني انتقال حيض) [الفروع: ١/ ١٩٧ (١/ ٢٥٤)] (١).
٦٤ - إذا وجد من الكافر ما يوجب الغسل قبل إسلامه:
- قال ابن مفلح: ( ... فلو اغتسل في كفره أعاد، واختار شيخنا: لا، إن اعتقد وجوبه، قال: بناء على أنه يثاب على طاعته في الكفر إذا أسلم، وأنه كمن تزوج مطلقته ثلاثا معتقدا حلها، وفيه روايتان) [الفروع: ١/ ١٩٩ (١/ ٢٥٨)] (٢).
٦٥ - الذِّكْر للجنب والحائض:
- قال ابن مفلح: (وكره شيخنا الذكر له، لا لحائض) [الفروع: ١/ ٢٠١ (١/ ٢ ٦١)] (٣).
٦٦ - الغسل لدخول مكة والوقوف بعرفة والطواف والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار:
- قال ابن مفلح: (ويستحب (٤) لدخول مكة، قال في «المستوعب»:
стр. 88
حتى لحائض. وعند شيخنا: لا (١)، ومثله أغسال (٢) الحج، والوقوف بعرفة، وطواف زيارة ووداع «و» في الكل، ومبيت بمزدلفة، ورمي جمار، وخالف شيخنا في الثلاثة (٣) .... وقيل: ولدخول المدينة، وقال شيخنا: نص عليه (٤)) [الفروع: ١/ ٢٠٣ (١/ ٢٦٤)] (٥).
стр. 89
٦٧ - إذا نوى بغسله الحدثين أو الأكبر:
- قال ابن مفلح: (وإن نوى الحدثين، وقال شيخنا: أو الأكبر، وقاله الأزجي= ارتفعا) [الفروع: ١/ ٢٠٥ (١/ ٢ ٦٩)] (١).
٦٨ - إذا أراد الجنب أن ينام قبل الاغتسال:
- قال ابن مفلح: (ويستحب للجنب ــ وعنه: الرجل ــ غسل فرجه ووضوء ... لنوم، وفي كلامه (٢) ما ظاهره وجوبه، قاله شيخنا) [الفروع: ١/ ٢٠ ٦ (١/ ٢٦٩)] (٣).
٦٩ - إذا أحدث الجنب بعد أن توضأ للنوم:
- قال ابن مفلح: (ومن أحدث بعده لم يعده في ظاهر كلامهم، لتعليلهم بخفة الحدث، أو بالنشاط، وظاهر كلام شيخنا: يتوضأ لمبيته على إحدى الطهارتين) [الفروع: ١/ ٢٠٦ (١/ ٢٧٠)] (٤).
стр. 90
٧٠ - لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب إلا إذا توضأ:
- قال ابن مفلح: (ذكر شيخنا: لا تدخل الملائكة عليه إلا إذا توضأ) [الفروع: ١/ ٣٥٤ (٢/ ٧٦)] (١).
٧١ - بناء الحمَّام وبيعه وإجارته:
- قال ابن مفلح: (وكره أحمد ﵀ بناء الحمَّام وبيعه وإجارته، وحرّمه القاضي، وحمله شيخنا على غير البلاد الباردة) [الفروع: ١/ ٢٠٦ (١/ ٢ ٧٠)] (٢).
٧٢ - الاغتسال في المستحم والماء عريانا:
- قال ابن مفلح: (ويكره الاغتسال في مستحم وماء عريانا، قال شيخنا: عليه أكثر نصوصه) [الفروع: ١/ ٢٠٨ (١/ ٢ ٧٢)] (٣).
٧٣ - الإسراف في استعمال الماء في الغسل والوسوسة في ذلك:
- قال ابن القيم: (فهديُ رسول الله ﷺ الذي من رغب عنه فقد رغب عن سنته: جواز الاغتسال من الحياض والآنية، وإن كانت ناقصة غير فائضة؛ ومن انتظر الحوض حتى يفيض ثم استعمله وحده، ولم يمكن أحد أن يشاركه في استعماله: فهو مبتدع مخالف للشريعة.
قال شيخنا: ويستحق التعزير البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا
стр. 91
في الدين ما لم يأذن به الله، ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع) [إغاثة اللهفان: ١/ ١٩٩] (١).
стр. 92
باب التيمم
٧٤ - قبول عادم الماء له أو لثمنه قرضا:
- قال ابن مفلح: (يلزمه قبول الماء قَرْضًا وكذا ثمنه، والمراد: وله ما يُوَفِّيه، وقاله شيخنا) [الفروع: ١/ ٢١٣ (١/ ٢٨٠)] (١).
٧٥ - مراعاة الترتيب للجريح إذا تيمم لبعض الأعضاء وتوضأ للباقي:
- قال ابن مفلح: (وهل يلزمه عن حدث أصغر مراعاة ترتيب وموالاة أم لا، فلا يعيد غسل الصحيح ما لم يحدث؟ (٢) فيه وجهان، وقال شيخنا: ينبغي أن لا يرتب (٣)) [الفروع: ١/ ٢١ ٧ (١/ ٢٨٧)] (٤).
٧٦ - إذا لم يخف من مسح الجرح:
- قال ابن القيم: (وسألوه (٥) عن الجرح يكون بالإنسان يخاف عليه
стр. 93
كيف يمسح عليه؟ قال: ينزع الخرقة ثم يمسح على الجرح نفسه.
قلت: هذا النص خلاف المشهور عند الأصحاب فإنهم يقولون: إذا كان مكشوفا لم يمسح عليه حتى يستره، فإن لم يكن مستورا تيمم له، ونص أحمد صريح في أنه يكشف الخرقة ثم يباشر الجرح بالمسح، وهذا يدل على أن مسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة، وأنه خير من التيمم، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو المحفوظ عن السلف من الصحابة والتابعين، ولا ريب أنه بمقتضى القياس فإن مباشرة العضو بالمسح الذي هو بعض الغسل المأمور به أولى من مباشرة غير ذلك العضو بالتراب، ولم أزل أستبعد هذا حتى رأيت نص أحمد هذا بخلافه، ومعلوم أن المسح على الحائل إنما جاء لضرورة المشقة بكشفه، فكيف يكون أولى من المسح على الجرح نفسه بغير حائل؟ ! فالقياس والآثار تشهد بصحة هذا النص، والله أعلم.
وقد ذكرت في «الكتاب الكبير الجامع بين السنن والآثار» من قال بذلك من السلف، وذكرت الآثار عنهم بذلك، وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية ﵀ يذهب إلى هذا ويضعف القول بالتيمم بدل المسح) [بدائع الفوائد: ٤/ ٦٧ ــ ٦٨].
- وقال ابن مفلح: (وإن لم يخف من مسحه فهل هو فرضه «و: م» أو التيمم «و: ش»؟ فيه روايتان، وعنه: هما، وظاهر نقل ابن هانئ: مسح البشرة لعذر كجريح، واختاره شيخنا، وأنه أولى) [الفروع: ١/ ٢١٨ ــ ٢١٩ (١/ ٢٨٨ ــ ٢٨٩)] (١).
стр. 94
٧٧ - التيمم لخوف فوت الوقت:
- قال ابن مفلح: (ولا يتيمم لخوف فوت الفرض «م» نقله الجماعة، خلافا لشيخنا، إن انتبه أول الوقت (١)، وقال فيمن يمكنه الذهاب إلى الحمَّام لكن لا يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت كالغلام، والمرأة التي معها أولادها ولا يمكنها الخروج حتى تغسلهم، ونحو ذلك: فالأظهر يتيمم ويصلي (٢) خارج الحمَّام، لأن الصلاة في الحمَّام وبعد الوقت منهي عنها) [الفروع: ١/ ٢٢٠ (١/ ٢٩٠)] (٣).
وانظر ما يأتي برقم (١٢١).
٧٨ - التيمم لخوف فوات الجمعة:
- ذكر ابن مفلح الخلاف في من خاف فوات الجنازة وأن فيها قولين: أحدهما: أنه لا يتيمم لها، والثاني: أنه يتيمم ثم قال: (اختار شيخنا: وجمعة (٤)، وأنه أولى من الجنازة لأنها لا تعاد) [الفروع: ١/ ٢٢٠ (١/ ٢٩٠)] (٥).
стр. 95
٧٩ - إذا تعذر استعمال الماء والتراب:
- قال ابن مفلح: (وإن تعذر استعمال ماء وتراب ــ وهو معنى قولهم: من لم يجد ماء ولا ترابا، وقيل للقاضي في التيمم في حضر عذر نادر وغير متصل فأعاد كما لو منع من الطهارة بالماء والتراب؟ فأجاب بالروايتين في مسألة العدم ــ صلَّى فرضا فقط ولا يزيد على ما يجزئ، وعند شيخنا: يتوجه فعل ما شاء، لأنه لا تحريم مع العجز، ولأن له أن يزيد على ما يجزئ في ظاهر قولهم. كذا قال) [الفروع: ١/ ٢٢٢ (١/ ٢٩٢ ــ ٢٩٣)] (١).
٨٠ - فرض من تعذر عليه استعمال الماء والتراب ــ وقلنا عليه الإعادة ــ:
- ذكر ابن مفلح الخلاف في من كان عادما للماء والتراب، وصلى على حاله، فهل عليه الإعادة أم لا؟ ثم قال: (فعليها (٢) إن قدر فيها خرج، وإلا فكمتيمم يجد الماء، وكذا متيمم زال عذره فيها، في إعادته خلاف، وفرضه الثانية، وقال أبو المعالي: وقيل: الأولى، وقيل: هما، واختاره شيخنا في «شرح العمدة») [الفروع: ١/ ٢٢٢ (١/ ٢٩٣ ــ ٢٩٤)] (٣).
стр. 96
٨١ - حمل التراب للتيمم:
- قال ابن مفلح: (وأعجب أحمد حمل تراب للتيمم، وعند شيخنا وغيره: لا، وهو أظهر) [الفروع: ١/ ٢٢٤ (١/ ٢٩٧)].
٨٢ - إذا نوى بتيممه استباحة واجب بالنذر:
- قال ابن مفلح: (ومن نوى شيئا استباحه ومثله ودونه «و: م ش» فالنذر دون ما وجب شرعا. وقال شيخنا: ظاهر كلامهم: لا فرق) [الفروع: ١/ ٢٢٧ (١/ ٣٠٢)] (١).
٨٣ - صلاة النافلة بتيمم الجنازة:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: يتخرّج: لا يصلي نافلة بتيمم جنازة، لأن أحمد جعل الطهارة لها أوكد) [الفروع: ١/ ٢٢٧ (١/ ٣٠٢)] (٢).
٨٤ - الطواف لمن تيمم بنية النافلة:
- قال ابن مفلح: (ويباح الطواف بنية النافلة في الأشهر، كمس المصحف، قال شيخنا: ولو كان الطواف فرضا) [الفروع: ١/ ٢٢٧ (١/ ٣٠٢)] (٣).
٨٥ - التيمم للجنازة الثانية:
- قال ابن مفلح: (وعنه (٤): إن تيمم لجنازة ثم جيء بأخرى فإن كان
стр. 97
بينهما وقت يمكنه التيمم لم يصل عليها حتى يتيمم لها، وإلا صلى، قال القاضي: هذا للاستحباب، وقال ابن عقيل: للإيجاب، لأن التيمم إذا تعدد بالوقت فوقت كل صلاة جنازة قدر فعلها، وكذا قال شيخنا، لأن الفعل المتواصل هنا كتواصل الوقت للمكتوبة، قال: وعلى قياسه ما ليس له وقت محدود، كمس المصحف (١)، وطواف) [الفروع: ١/ ٢٢٩ (١/ ٣٠٦)] (٢).
٨٦ - لا يبطل التيمم بخروج الوقت:
- قال ابن مفلح: (وعنه (٣): يصلي به (٤) إلى حدثه «و: هـ» اختاره أبو محمَّد الجوزي وشيخنا) [الفروع: ١/ ٢٣١ (١/ ٣٠٩)] (٥).
٨٧ - إذا بذل الماء للأَولى من حي وميت:
٨٨ - وإذا كان الماء مشتركا:
- قال ابن مفلح: (وإن بذل ماء للأولى من حيٍّ وميِّت، فالميِّت أحق «و: ش»، وعنه: الحي، فتقدم الحائض، وقيل: الجنب «و: هـ»، وقيل: الرجل، وقيل: يقسم بينهما، وقيل: يقرع، ومن عليه نجاسة أحق، وقيل: الميت، واختاره صاحب «المحرر» وحفيده «و: ش» (٦).
стр. 98
ويقدم الجنب على محدث، وقيل: سواء، وقيل: المحدث، إلا أن يكفي من تطهَّر به منهما، وإن كفاه فقط قدّم، وقيل: الجنب، وإن تطهر به غير الأولى أساء وأجزأه، وعند شيخنا: أن هذه المسائل في الماء المشترك أيضا، وأنه ظاهر ما نقل عن أحمد، لأنه أولى من التشقيص (١)) [الفروع: ١/ ٢٣٣ ــ ٢٣٤ (١/ ٣١٣)] (٢).
стр. 99
باب ذكر النجاسة وإزالتها
٨٩ - نجاسة المذي:
- قال ابن القيم ــ ضمن ذكره لبعض الأشياء التي سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة وشدد فيها بعض الناس ــ: (ومن ذلك: أن النبي ﷺ سئل عن المذي، فأمر بالوضوء منه؛ فقال: كيف ترى بما أصاب ثوبي منه؟ قال: «تأخذ كفًا من ماء، فتنضح به حيث ترى أنه أصابه» رواه أحمد والترمذي والنسائي، فجوّز نضح ما أصابه المذي، كما أمر بنضح بول الغلام.
قال شيخنا: وهذا هو الصواب، لأن هذه النجاسة يشق الاحتراز منها لكثرة ما يصيب ثياب الشاب العزبِ، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام؛ ومن أسفل الخف والحذاء) [إغاثة اللهفان: ١/ ٢٣٨ ــ ٢٣ ٩] (١).
٩٠ - المِدَّة والقيح والصديد:
- قال ابن القيم ــ ضمن ذكره لبعض الأشياء التي سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة وشدد فيها بعض الناس ــ: (ومن ذلك: نص أحمد على أن الودي يعفى عن يسيره كالمذي، وكذلك يعفى عن يسير القيء؛ نص عليه أحمد.
وقال شيخنا: لا يجب غسل الثوب ولا الجسد من المِدَّة والقيح والصديد؛ قال: ولم يقم دليل على نجاسته) [إغاثة اللهفان: ١/ ٢٣٩] (٢).
стр. 100
٩١ - ريق الطفل ولعابه:
- قال ابن القيم: (قال شيخنا ابن تيمية وغيره من الأصحاب: بل ريق الطفل يطهّر فمه للحاجة، كما كان ريق الهرة مطهرا لفمها، وقد أخبر النبي ﷺ أنها ليست بنجس مع علمه بأكلها الفأر وغيره ... الخ) [تحفة المودود: ١٧٦] (١).
٩٢ - يسير أرواث البغال والحمير والسباع:
- قال ابن القيم: ــ ضمن ذكره لبعض الأشياء التي سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة وشدد فيها بعض الناس ــ (ومن ذلك: أنه يعفى عن يسير أرواث البغال والحمير والسباع، في إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها شيخنا، لمشقة الاحتراز) [إغاثة اللهفان: ١/ ٢٣ ٩] (٢).
٩٣ - شعر الكلب والخنزير:
- قال ابن مفلح: (المذهب نجاسة كلب وخنزير وما تولد من أحدهما «م»، وعنه: غير شعر، اختاره أبو بكر وشيخنا «و: هـ») [الفروع: ١/ ٢٣٥ (١/ ٣١٤)] (٣).
стр. 101
٩٤ - المنفصل عن المحل النجس:
- قال ابن مفلح: (والمنفصل عن محلٍّ طاهرٍ طاهرٌ على الأصح «هـ»، وقيل: طهورٌ، وقيل: بطهارته عن محلٍّ نجس مع عدم تغيره، لأنه وارد، وذكر القاضي: أن كلام أحمد يحتمل روايتين فيما أزيلت به النجاسة: يحتمل أنه طاهر، لأنه قال: إذا غسل ثوبه في إجَّانة طهر، وقال: المنفصل عن محلٍّ نجس من الأرض طاهر، وقال: يغسل ما يصيبه من ماء الاستنجاء، فعلى هذا: إنما حكمنا بنجاسته لأنه ماء قليل حلَّته نجاسة، والمستعمل في رفع الحدث لم يحلَّه غير العضو الذي لاقاه، فلم نحكم بنجاسته.
قال شيخنا: هذا من القاضي يقتضي أن الخلاف في نجاسة المزال به النجاسة مطلقا حال اتّصاله وانفصاله قبل طهارة المحل) [الفروع: ١/ ٢٣٨ (١/ ٣١ ٩)].
٩٥ - طهارة النجاسات بالشمس والريح والجفاف:
- قال ابن القيم: (قال أبو البركات ابن تيمية: وهذا كله يقوي طهارة الأرض بالجفاف، لأن الإنسان في العادة لا يزال يشاهد النجاسات في بقعة طرقاته التي يكثر فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما، فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاف أثرها للزمه تجنب ما يشاهده من بقاع النجاسة بعد ذهاب أثرها، ولما جاز له التحفي بعد ذلك.
وقد علم: أن السلف الصالح لم يتحرزوا من ذلك، ويعضده: أمره ﷺ بمسح النعلين بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خبثًا، ولو نجست الأرض بذلك نجاسة لا تطهر بالجفاف: لأمر بصيانة طريق المسجد عن ذلك، لأنه يسلكه الحافي وغيره.
стр. 102
قلت: وهذا اختيار شيخنا ﵀) [إغاثة اللهفان: ١/ ٢٣٧ ــ ٢٣٨].
- وقال ابن مفلح: (ولا تطهر أرض بشمس أو ريح أو جفاف، واختار صاحب «المحرر» وغيره: بلى «و: هـ»، وقيل: وغيرها، ونص عليه في حبل غسيل، واختاره شيخنا، وقال: وإحالة التراب لها ونحوه كشمس، وقال: إذا أزالها التراب عن النعل، فعن نفسه إذا خالطها أولى. كذا قال) [الفروع: ١/ ٢٤١ (١/ ٣٢٤)] (١).
٩٦ - إزالة النجاسة بكل مائع طاهر مزيل:
- قال ابن مفلح: (ولا يجوز إزالة نجاسة إلا بماء طهور «و: م ش»، وقيل: مباح «خ»، وقيل: أو طاهر، وعنه: بكل مائع طاهر مزيل كخل، اختاره ابن عقيل وشيخنا «و: هـ»، قال: ويحرم استعمال طعام أو شراب في إزالتها، لإفساد المال) [الفروع: ١/ ٢٥ ٩ (١/ ٣٥١)] (٢).
٩٧ - استحالة النجاسة:
- قال ابن القيم نقلا عن شيخ الإسلام ــ في جوابه عن المسائل التي قيل فيها إنها على خلاف القياس ــ: (وعلى هذا الأصل (٣) فطهارة الخمر بالاستحالة على وَفْق القياس، فإنها نجسة لوصف الخبث، فإذا زال الموجِبُ زال الموجَبُ، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها، بل وأصل
стр. 103
الثواب والعقاب، وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت، وقد نبش النبي ﷺ قبورَ المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب، وقد أخبر الله سبحانه عن اللبن أنه يخرج من بين فَرْث ودَمٍ، وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا عُلفتْ بالنجاسة ثم حُبست وعُلفت بالطاهرات حل لبنها ولحمها، وكذلك الزرع والثمار إذا سقيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلت لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب.
وعكس هذا أن الطيب إذ استحال خبيثًا صار نجسًا كالماء والطعام إذا استحال بولا وعذرة، فكيف أثّرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثًا ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبًا؟ ! والله تعالى يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب، ولا عبرة بالأصل، بل بوصف الشيء نفسه، ومن الممتنع بقاء حكم الخبث وقد زال اسمه ووصفه، والحكم تابع للاسم والوصف دائر معه وجودًا وعدمًا؛ فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر لا تتناول الزروع والثمار والرماد والملح والتراب والخل لا لفظًا ولا معنى ولا نصًا ولا قياسًا. والمفرقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا: الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة، فيقال لهم: وهكذا الدم والبول والعذرة إنما نجست بالاستحالة فتطهر بالاستحالة، فظهر أن القياس مع النصوص وأن مخالفة القياس في الأقوال التي تخالف النصوص) [إعلام الموقعين: ١/ ٣٩٤] (١).
стр. 104
- وقال ابن مفلح: (أطلق جماعة روايتين في نجاسة وجه تنُّور سُجِرَ بنجاسة، ونقل الأكثر: يغسل، ونقل ابن أبي حرب: لا بأس، وعليهما يخرّج عمل زيت نجس صابونا ونحوه، وتراب جبل بروث حمار، فإن لم يستحل عفي عن يسيره في رواية، ذكره شيخنا، وذكر الأزجي: إن تنجس التنور بذلك، طهر بمسحه بيابس، فإن مسح برطب تعيّن الغسل، وكذا قال الشافعية، وحمل القاضي قول أحمد: «يُسْجَرُ التنُّور مرة أخرى» على ذلك، وذكر شيخنا: أن الرواية صريحة في التطهير بالاستحالة، وأن هذا من القاضي يقتضي أن يكتفى بالمسح إذا لم يبق للنجاسة أثر، كقول الحنفية في الجسم الصقيل) [الفروع: ١/ ٢٤١ ــ ٢٤٢ (١/ ٣٢٥ ــ ٣٢٦)] (١).
٩٨ - خفاء موضع النجاسة:
- قال ابن مفلح: (وإن خفيت نجاسة غسل حتى يتيقَّن غسلها، نص عليه «و» وعنه: يكفي الظن في مَذْي، وعند شيخنا: وفي غيره، ولا يلزم تطهير ما شكّ في نجاسته بالنضح «م») [الفروع: ١/ ٢٤٥ (١/ ٣٣٠)] (٢).
٩٩ - طهارة أسفل الرِّجْل أو الخف أو النعل بالدلك والحك:
١٠٠ - وطهارة ذيل المرأة المتنجس بمروره على طاهر:
- قال ابن مفلح: (وعنه: وتطهر به «خ» ... وقيل: يجزئ من اليابسة لا الرطبة، وقيل: وكذا الرِّجْل، ذكره شيخنا واختاره.
стр. 105
وذيل المرأة، قيل: كذلك، وقيل: يغسل «و»، ونقل إسماعيل بن سعيد: يطهر بمروره على طاهر يزيلها، اختاره شيخنا) [الفروع ١/ ٢٤٥ (١/ ٣٣١ ــ ٣٣٢)] (١).
١٠١ - إذا أصاب رجله أو ذيله بالليل شيء رطب ولا يعلم ما هو:
- قال ابن القيم: (قال شيخنا: وكذلك إذا أصاب رجله أو ذيله بالليل شيء رطب، ولا يعلم ما هو: لم يجب عليه أن يشمه، ويتعرف ما هو، واحتج بقصة عمر ﵁ في الميزاب؛ وهذا هو الفقه، فإن الأحكام إنما تترتب على المكلف بعد علمه بأسبابها، وقبل ذلك هي على العفو، فما عفا الله عنه فلا ينبغي البحث عنه) [إغاثة اللهفان: ١/ ٢٤٤] (٢).
١٠٢ - ما يأكل النجاسة من الطير:
- قال ابن مفلح: (وعنه في الطير: لا يعجبني عرقه إن أكل الجيف، فدل أنه كرهه لأكله النجاسة فقط، ذكره شيخنا، ومال إليه) [الفروع: ١/ ٢٤٦ (١/ ٣٣٣)] (٣).
١٠٣ - الدم الذي يبقى في العروق:
- قال ابن مفلح: (قال ابن الجوزي: المحرّم من الدم: المسفوح، ثم قال: قال القاضي: فأما الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح، وما يبقى
стр. 106
في العروق فمباح. ولم يذكر جماعة إلا دم العروق، قال شيخنا: لا أعلم خلافا في العفو عنه، وأنه لا ينجس المرقة، بل يؤكل معها) [الفروع: ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥ (١/ ٢٤٥)] (١).
١٠٤ - العفو عن يسير النجاسة في الأطعمة:
- قال ابن مفلح: (ولا يعفى عن يسير نجاسة في الأطعمة، ولا غير ما تقدم (٢) «و: م، ش»، وخالف شيخنا وغيره فيها، وذكره قولا في المذهب، لأن الله تعالى إنما حرم الدم المسفوح، وما الفرق بين كونه في مرقة القدر أو مائع آخر، أو في السكين أو غيرها؟ وكانت أيدي الصحابة تتلوث بالجرح والدمل، ولم ينقل عنهم التحرز من المائع حتى يغسلوه (٣)، ولعموم البلوى ببعر الفأر وغيره.
وقال أيضا (٤): نص عليه أحمد في الدم، وهو نص القرآن) [الفروع: ١/ ٢٧٥ ــ ٢٥٨ (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠)] (٥).
١٠٥ - غسل اللحم الذي يشترى من القصاب:
- ذكر ابن مفلح حكم آنية وثياب لابس النجاسة كثيرا، ثم قال:
стр. 107
(وسأله (١) أبو الحارث: اللحم يشترى من القصاب؟ قال: يغسل. وقال شيخنا: بدعة) [الفروع: ١/ ١٠١ (١/ ١٠٨)] (٢).
стр. 108
باب الحيض
١٠٦ - طواف الحائض:
- قال ابن القيم: (قال شيخنا: فإذا طافت حائضا مع عدم العذر توجه القول بوجوب الدم عليها، وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال عليها دم، والأشبه أنه لا يجب الدم؛ لأن الطهارة واجب تؤمر به مع القدرة لا مع العجز، فإن لزوم الدم إنما يكون مع ترك المأمور أو مع فعل المحظور، وهذه لم تترك مأمورا في هذه الحال ولا فعلت محظورًا، فإنها إذا رمَتِ الجمرة وقصرت حل لها ما كان محظورا عليها بالإحرام غير النكاح، فلم يبق بعد التحلل الأول محظور يجب بفعله دم، وليست الطهارة مأمورا بها مع العجز فيجب بتركها دم.
فإن قيل: لو كان طوافها مع الحيض ممكنا أمرت بطواف القدوم وطواف الوداع، فلما سقط عنها طواف القدوم والوداع علم أن طوافها مع الحيض غير ممكن.
قيل: لا ريب أن النبي ﷺ أسقط طواف القدوم عن الحائض، وأمر عائشة لما قدمت وهي متمتعة فحاضت أن تدع أفعال العمرة وتحرم بالحج، فعلم أن الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما، والمحظورات لا تباح إلا في حالة الضرورة، ولا ضرورة بها إلى طواف القدوم، لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد، ولا إلى طواف الوداع فإنه ليس من تمام الحج، ولهذا لا يودع المقيم بمكة، وإنما يودع المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت، فهذان الطوافان أمر بهما القادر عليهما ــ إما أمر إيجاب
стр. 109
فيهما، أو في أحدهما، أو استحباب، كما هي أقوال معروفة ــ وليس واحد منهما ركنا يقف صحة الحج عليه، بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه، وهذا كما يباح لها الدخول إلى المسجد واللبث فيه للضرورة، ولا يباح لها الصلاة ولا الاعتكاف فيه وإن كان منذورا، ولو حاضت المعتكفة خرجت من المسجد إلى فنائه فأتمت اعتكافها ولم يبطل، وهذا يدل على أن منع الحائض من الطواف كمنعها من الاعتكاف، وإنما هو لحرمة المسجد لا لمنافاة الحيض لعبادة الطواف والاعتكاف، ولما كان الاعتكاف يمكن أن يفعل في رحبة المسجد وفنائه جوّز لها إتمامه فيها لحاجتها، والطواف لا يمكن إلا في المسجد، وحاجتها في هذه الصورة إليه أعظم من حاجتها إلى الاعتكاف، بل لعل حاجتها إلى ذلك أعظم من حاجتها إلى دخول المسجد واللبث فيه لبرد أو مطر ونحوه). [إعلام الموقعين: ٣/ ٤٠ ــ ٤١] (١).
- وقال ابن مفلح: (ويمنع الحيض الطواف «و»، وعند شيخنا: بلا عذر (٢)) [الفروع: ١/ ٢٦٠ ــ ٢٦١ (١/ ٣٥٤)] (٣).
وانظر: ما تقدم برقم (٥٨) وما يأتي برقم (٥٢٠).
стр. 110
١٠٧ - قراءة القرآن للحائض:
- قال ابن مفلح: (ويمنع الحيض الطواف ... ومس المصحف «و» [والقراءة] (١)، وقيل: لا، وحكي رواية [«و: م ر»] (٢)، اختاره شيخنا، قال (٣): إن ظنت نسيانه وجبت) [الفروع: ١/ ٢٦١ (١/ ٣٥٥)] (٤).
١٠٨ - كفارة وطء الحائض:
- قال ابن مفلح: (وله أن يستمتع من الحائض بغير الوطء في الفرج ... وإن وطئ فيه بحائل أو لا= لزمه دينار أو نصفه، نقله الجماعة، [وعنه: نصفه] (٥)، وعنه: نصفه في إدباره، وعنه: بل في أصفر، وذكر أبو الفرج: بل لعذر، واعتبر شيخنا كونه مضروبا (٦)) [الفروع: ١/ ٢٦٢ (١/ ٣٥٨)] (٧).
١٠٩ - الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج:
- قال ابن مفلح: (لا إشكال أن المذهب عدم الكراهة، وقد صرح في رواية أبي طالب أنه لا بأس أن يأتيها دون الفرج، وصرح قاطعا صاحب «النهاية» وغيرها، قال الشيخ تقي الدين: ومع هذا فالمستحب تركه) [النكت