وقال شيخنا: إن عصى الرقيق علانية أقام السيد عليه الحد، وإن عصى سرا فينبغي أن لا يجب عليه إقامته بل يخير بين ستره واستتابته بحسب المصلحة في ذلك، كما يخير الشهود على إقامة الحد بين إقامتها عند الإمام وبين الستر على المشهود عليه واستتابته بحسب المصلحة، فإن ترجح أنه يتوب ستروه، وإن كان في ترك إقامة الحد عليه ضرر للناس كان في الراجح رفعه إلى الإمام، ولهذا لم يقل أصحابنا إلا أن له (١) إقامة الحد بعلمه، ولم يقولوا إن ذلك عليه، وذلك لأنه لو وجب على من علم من رقيقه حدا أن يقيمه عليه مع إمكان استتابته لأفضى ذلك إلى وجوب هتك كل رقيق، وأنه لا يستر على أحد منهم، وقد قال النبي ﷺ : «من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة».
كذا قال، ويقال: السيد في إقامته كالإمام، فيلزمه إقامته بثبوته عنده كالإمام، ولا يلزم ما ذكره بدليل الإمام، وإنما قال الأصحاب: للسيد إقامته لأنه استثنوه من التحريم، ويتوجه من قول شيخنا تخريج في الإمام، وغايته تخصيص ظاهر الأخبار وتقييد مطلقها، وهو جائز، لكن الشأن في تحقيق دليل التخصيص والتقييد) [الفروع ٦/ ٥٤ - ٥٥ (١٠/ ٣١ - ٣٢)] (٢).
١١٧٣ - الموالاة في الحدود:
- قال ابن مفلح: (ولا تعتبر الموالاة في الحدود، ذكره القاضي وغيره في موالاة الوضوء لزيادة العقوبة، ولسقوطه بالشبهة، وقال شيخنا: فيه نظر، وما قاله أظهر) [الفروع ٦/ ٥٥ (١٠/ ٣٣)].
стр. 842
١١٧٤ - الحكمة من شرع العقوبات:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا في تتمة كلامه السابق في آخر الصلح (١): فعلى الإنسان أن يكون مقصوده نفع الخلق والإحسان إليهم، وهذا هو الرحمة التي بعث بها محمد ﷺ في قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] لكن للاحتياج (٢) إلى دفع الظلم شرعت العقوبات، وعلى المقيم لها أن يقصد بها النفع والإحسان، كما يقصد الوالد بعقوبة الولد، والطبيب بدواء المريض، فلم يأمر الشرع إلا بما هو نفع للعباد، وعلى المؤمن أن يقصد ذلك) [الفروع ٦/ ٥٦ (١٠/ ٣٤)] (٣).
١١٧٥ - اجتماع الحدود:
- قال ابن مفلح: (وإن اجتمعت حدود لله فإن كان فيها قتل استوفي وحده، قال في «المغني»: لا يشرع غيره، وإلا تداخل الجنس، فظاهره لا يجوز إلا حد واحد، قال أحمد: يقام عليه الحد مرة، لا الأجناس (٤)، وذكر ابن عقيل رواية: لا تداخل في السرقة. وفي «البلغة»: فقطع واحد، على الأصح. وفي «المستوعب» رواية: إن طالبوا متفرقين قطع لكل واحد، قال أبو بكر: هذه رواية صالح، والعمل على خلافها.
стр. 843
ثم قال شيخنا: قول الفقهاء «تتداخل» دليلٌ على أن الثابت أحكام وإلا فالشيء الواحد لا يعقل فيه تداخل، فالصواب أنها أحكام، وعلى ذلك نص الأئمة، كما قال أحمد في بعض ما ذكره: هذا مثل لحم خنزير ميت، فأثبت فيه تحريمين) [الفروع ٦/ ٦ ١ (١٠/ ٤١ - ٤٢)] (١).
١١٧٦ - إذا تعدى أهل مكة أو غيرهم على الركب في الحرم:
١١٧٧ - والعصمة في الأشهر الحرم:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: إن تعدى أهل مكة أو غيرهم على الركب دفع الركب كما يدفع الصائل، وللإنسان أن يدفع مع الركب بل يجب إن احتيج إليه، وفي «التعليق» وجه في حرم المدينة كالحرم، وفي مسلم عن أبي سعيد مرفوعا: «إني حرمت المدينة وما بين مأزميها، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال».
ولا تعصم الأشهر الحرم للعمومات ولغزو الطائف وإقرارهم، وتردد كلام شيخنا) [الفروع ٦/ ٦٤ (١٠/ ٤٦ - ٤٧)] (٢).
стр. 844
باب حد الزنا
١١٧٨ - حد اللواط:
- قال ابن القيم: (ولم يثبت عنه ﷺ أنه قضى في اللواط بشيء، لأن هذا لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه ﷺ ...
وقال ابن القصار وشيخنا: أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله: فقال أبو بكر الصديق: يرمى من شاهق، وقال علي ﵁: يهدم عليه حائط، وقال ابن عباس: يقتلان بالحجارة.
فهذا اتفاق منهم على قتله، وإن اختلفوا في كيفيته) [زاد المعاد ٥/ ٤٠] (١).
- وقال ابن مفلح: (وفي «رد شيخنا على الرافضي» إذا قيل: الفاعل كزان فقيل: يقتل المفعول به مطلقا، وقيل: لا، وقيل بالفرق، كفاعل) [الفروع ٦/ ٧ ١ (١٠/ ٥٤)] (٢).
١١٧٩ - الاختلاف في دخول المفعول به الجنة:
- قال ابن القيم: (وقد اختلف الناس هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين، سمعت شيخ الإسلام يحكيهما) [الداء والدواء ٢٥٤].
١١٨٠ - الجهل بتحريم النكاح الباطل إجماعا شبهة تمنع إقامة الحد:
- قال ابن مفلح: (ويشترط انتفاء الشبهة، فلو وطئ امرأته في حيض أو
стр. 845
نفاس أو في دبر، أو أمة له أو لمكاتبه فيها شِرْك (١) أو لبيت المال فله فيه حق، أو امرأة على فراشه أو منزله ظنها امرأته، أو جهل تحريمه لقرب إسلامه أو نشوئه ببادية بعيدة، أو تحريم نكاح باطل (٢) إجماعا، أطلقه جماعة (٣)، وقاله شيخنا وقدمه في «المغني») [الفروع ٦/ ٧٣ (١٠/ ٥٧)].
١١٨١ - الإكراه وما يباح به:
- قال ابن مفلح: (وإن أُكره رجل فزنى فنصه: يحد. اختاره الأكثر، وعنه: لا، كامرأة مكرهة أو غلام بإلجاء أو تهديد أو منع طعام مع اضطرار ونحوه، وعنه فيهما: لا بتهديد ونحوه، ذكره شيخنا، قال: بناء على أنه لا يباح بالإكراه الفعل، بل القول) [الفروع ٦/ ٧٥ (١٠/ ٦١)] (٤).
١١٨٢ - إذا وطئ أمة امرأته وقد أحلتها له:
- قال ابن مفلح: (ومن وطئ أمة امرأته وقد أحلتها له عزر بمائة جلدة، وعنه: إلا سوطا، وعنه: بعشر، ولا يلحقه الولد، في رواية، نقله الجماعة، قال أبو بكر: عليه العمل، قال أحمد: لما لزمه من الجلد أو الرجم، وعنه: بلى. وقال شيخنا: إن ظن جوازه لحقه، وإلا فروايتان فيه وفي حده) [الفروع ٦/ ٧٥ (١٠/ ٦١)].
стр. 846
١١٨٣ - إذا وطئ أمة امرأته:
١١٨٤ - وإذا أتلف عبد غيره بما يتعذر معه انتفاع مالكه به:
- قال ابن مفلح: (وعنه فيمن وطئ أمة امرأته: إن أكرهها عتقت وغرم مثلها وإلا ملكها بمثلها، لخبر سلمة بن المحبق، لأنه إتلاف، كمن مثل بعبده، فمن أتلف عبد غيره بما يتعذر معه انتفاع مالكه به عتق، ولمالكه قيمته، وليس ببعيد من الأصول، قاله شيخنا، وأن من هذا جدع مركوب الحاكم ونحوه، والرواية المذكورة حكاها شيخنا، فقال: حكي عن أحمد وإسحاق القول به) [الفروع ٦/ ٧٦ (١٠/ ٦٢)] (١).
стр. 847
باب القذف
١١٨٥ - الغيرة عذر في الغيبة:
- قال ابن مفلح: (ويحد بقذف على جهة الغيرة ــ بفتح الغين -، ويتوجه احتمال «و: م»، وأنها عذر في غيبة ونحوها، وتقدم في الطلاق (١) كلام ابن عقيل وشيخنا، لقول عائشة ﵂ للنبي ﷺ عن خديجة: وما تذكر من عجوز حمراء الشدقين، وقوله: «إني أعرف إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى»، ولدعائها وجعلها رجليها بين الإذخر تقول: يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني، وذلك في «الصحيحين» وفيهما من حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة عمر بن الخطاب ﵁ قالت: والله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر، أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت، وأن عمر قال هذا للنبي ﷺ فتبسم. وفيه: وكان قد أقسم لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله [الفروع ٦/ ٨٣ - ٨٤ (١٠/ ٧٢)].
- وقال أيضا: (وليست الغيرة عذرا في غيبة ونحوها في ظاهر كلام أحمد والأصحاب؛ لعموم الأدلة، ويتوجه احتمال، وهو معنى كلام ابن عقيل في «الفنون» فإنه قال: قل أن يصح رأي مع فورة طبع، فوجب التوقف إلى حين الاعتدال. وهو أيضا معنى ما اختاره الشيخ تقي الدين، فإنه اختار أن لا يقع طلاق من غضب حتى تغير، ولم يزل عقله كالمكره) [الآداب الشرعية ٢/ ٥٢٦].
стр. 848
١١٨٦ - قذف الرجل لامرأته:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: إذا قال أخبرتني أنها زنت فكذبته ففي كونه قاذفا نزاع في مذهب أحمد وغيره، فإن جعل قذفا أو قذفها صريحا فله لعانها، ولو حلف بالطلاق أنها قالت له فأنكرته لم تطلق باتفاق الأئمة، ولو أسقطت جنينا بسبب القذف لم يضمنه لأنه إذا جاز قذفه فلا عدوان، فدل أنه لو حرم قذفه ضمنه) [الفروع ٦/ ٨٧ (١٠/ ٧٨)] (١).
١١٨٧ - إذا قال له: «أنت عِلْقٌ»:
- قال ابن مفلح: (وإن قال: زنأت في الجبل فصريح، وقيل: إن عرف العربية، وقال: أردت الصعود في الجبل، قيل: فإن لم يقل: في الجبل فوجهان، وقيل: لا قذف ويتوجه مثله في لفظة «عِلْقٌ» (٢) وذكرها شيخنا صريحة (٣)) [الفروع ٦/ ٨٩ (١٠/ ٨١)].
- وقال أيضا: (قال شيخنا: إن «علق» تعريض (٤)) [الفروع ٦/ ٩١ (١٠/ ٨٤)] (٥).
стр. 849
١١٨٨ - حد القذف لا يستوفى إلا بطلب المقذوف:
- قال ابن مفلح: (وهو حق لآدمي، فيسقط بعفوه، قال القاضي وأصحابه: عنه: لا عن بعضه، وعنه: لله، فلا يسقط، وعليهما: لا يحد، ولا يجوز أن يعرض له إلا بالطلب، وذكره شيخنا «ع») [الفروع ٦/ ٩٣ (١٠/ ٨٦)] (١).
١١٨٩ - قذف نساء النبي ﷺ -:
- قال ابن مفلح: (ومن قذف أم النبي ﷺ كفر ويقتل، وعنه: إن تاب لم يقتل، وعنه: كافر بإسلام، وهي مخرجة من نصه من التفرقة بين الساحر المسلم والساحر الذمي، قال في «المنثور»: وهذا كافر قتل من سبه، فيعايا بها.
وقذفه ﵇ كقذف أمه، ويسقط سبه بالإسلام، كسب الله، وفيه خلاف في المرتد، قاله الشيخ وغيره (٢).
قال شيخنا: وكذا من قذف نساءه لقدحه في دينه، وإنما لم يقتلهم (٣)
стр. 850
لأنهم تكلموا قبل علمه براءتها وأنها من أمهات المؤمنين لإمكان المفارقة فتخرج بها منهن وتحل لغيره في وجه، وقيل: لا، وقيل: في غير مدخول بها (١))
[الفروع ٦/ ٩٥ (١٠/ ٨٩ - ٩٠)] (٢).
١١٩٠ - إخبار المقذوف والمغتاب واستحلالهما:
١١٩١ - والتعريض إذا سأله المقذوف أو المغتاب:
١١٩٢ - وإذا زنى بزوجة غيره ثم تاب:
- قال ابن القيم: (وإن كانت المظلمة بقدح فيه بغيبة أو قذف: فهل يشترط في توبته منها إعلامه بذلك بعينه والتحلل منه؟ أو إعلامه بأنه قد نال من عرضه، ولا يشترط تعيينه؟ أو لا يشترط لا هذا، ولا هذا، بل يكفي في توبته أن يتوب بينه وبين الله تعالى من غير إعلام من قذفه وإعتابه؟
على ثلاثة أقوال ... والقول الآخر: أنه لا يشترط الإعلام بما نال من
стр. 851
عرضه وقذفه واغتيابه بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وقذفَه بذكر عفته وإحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه، وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ) [مدارج السالكين ١/ ٢٩١].
- وقال ابن مفلح: (ولا يشترط لصحة توبة من قذف وغيبة ونحوهما إعلامه والتحلل منه، وحرمه القاضي وعبد القادر، ونقل مهنا: لا ينبغي أن يعلمه، قال شيخنا: والأشبه أنه يختلف، وعنه: يشترط، وقيل: إن علم به المظلوم وإلا دعا له واستغفر ولم يعلمه، وذكره شيخنا عن أكثر العلماء، قال: وعلى الصحيح من الروايتين لا يجب الاعتراف لو سأله فيعرض ولو مع استحلافه، لأنه مظلوم، لصحة توبته.
ومن جوَّز التصريح في الكذب المباح هنا نظر، ومع عدم توبة وإحسان تعريضُه كذب، ويمينه غموس، قال: واختيار أصحابنا: لا يعلمه، بل يدعو له في مقابلة مظلمته.
قال: وزناه بزوجة غيره كغيبته) [الفروع ٦/ ٩٧ (١٠/ ٩٣)].
- وقال أيضا: (وأن (١) يستحل من الغيبة والنميمة ونحوهما ... وقيل: إن علم به المظلوم وإلا دعا له واستغفر ولم يعلمه، وذكر الشيخ تقي الدين أنه قول الأكثرين، وذكر غير واحد: إن تاب من قذف إنسان أو غيبته قبل علمه به هل يشترط لتوبته إعلامه والتحليل منه؟ على روايتين، واختار القاضي أنه لا يلزمه ...
стр. 852
وقال الشيخ تقي الدين بعد أن ذكر الروايتين في المسألة المذكورة قال: فكل مظلمة في العرض من اغتياب صادق، وبهت كاذب، فهو في معنى القذف، إذ القذف قد يكون صدقا فيكون في المغيب غيبة، وقد يكون كذبا فيكون بهتا، واختار أصحابنا أنه لا يعلمه بل يدعو له دعاء يكون إحسانا إليه في مقابلة مظلمته، كما روي في الأثر.
ومن هذا الباب قول النبي ﷺ : «أيما مسلم شتمته، أو لعنته، أو سببته، أو جلدته، فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه إليك يوم القيامة» وهذا صحيح المعنى من وجه.
كذا قال، وهذا المعنى في «المسند» و «الصحيحين» وغيرهم، وفيه اشتراط ذلك على ربه وفيه: «إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر» ...
ولعل مراد الشيخ تقي الدين ــ -رحمه الله تعالى- ــ إن شاء الله تعالى ما في «شرح مسلم» وغيره أنه أجاب العلماء بوجهين:
أحدهما: المراد ليس بأهل لذلك عند الله في باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجب له، فيظهر له النبي ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك، وهو ﷺ مأمور بالحكم الظاهر، والله تعالى يتولى السرائر.
والثاني: أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامهم بلا نية، كقولهم: تربت يمينك، وعقرى وحلقى، لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف أن يصادف إجابة، فسأل ربه سبحانه ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة، وطهورا وأجرا، وإنما كان يقع هذا منه نادرا، ولم يكن ﷺ -
стр. 853
فاحشا ولا متفحشا، ولا لعانا، ولا منتقما لنفسه، وفي الحديث: أنهم قالوا: ادع على دوس، فقال: «اللهم اهد دوسا»، وقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون») [الآداب الشرعية ١/ ٩٣ - ٩٤].
- وقال أيضا: (قال: وإذا لم يجب عليه الإقرار فليس له أن يكذب بالجحود الصريح؛ لأن الكذب الصريح محرم، والمباح لإصلاح ذات البين، هل هو التعريضُ أو الصريح؟ فيه خلاف: فمن جوّز الصريح هناك فهل يجوز هنا؟ فيه نظر، ولكن يعرِّض؛ فإن في المعاريض مندوحة عن الكذب، وهذا هو الذي يروى عن حذيفة بن اليمان: أنه بلغ عثمان ﵁ شيء عنه، فأنكر ذلك بالمعاريض وقال: أرقع ديني بعضه ببعض أو كما قال. وعلى هذا فإذا استُحلف على ذلك، جاز له أن يحلف ويعرّض، لأنه مظلوم بالاستحلاف، فإذا كان قد تاب وصحت توبته لم يبق لذلك عليه حق فلا يجب اليمين عليه. لكن مع عدم التوبة والإحسان إلى المظلوم وهو باق على عداوته وظلمه فإذا أنكر بالتعريض كان كاذبًا، فإذا حلف كانت يمينه غموسًا.
وقال الشيخ تقي الدين أيضًا: سئلت عن نظير هذه المسألة وهو: رجل تعرض لامرأةِ غيره، فزنى بها ثم تاب من ذلك، وسأله زوجها عن ذلك فأنكر، فطلب استحلافه، فإن حلف على نفي الفعل كانت يمينه غموسًا، وإن لم يحلف قويت التهمة، وإنْ أقر جرى عليه وعليها من الشر أمر عظيم؟ فأفتيته أنه يضم إلى التوبة فيما بينه وبين الله الإحسان إلى الزوج بالدعاء والاستغفار والصدقة عنه ونحو ذلك مما يكون بإزاء إيذائه له في أهله: فإن الزنا بها تعلق به حق الله تعالى، وحق زوجها من جنس حقه في عرضه،
стр. 854
وليس هو مما ينجبر بالمثل كالدماء والأموال، بل هو من جنس القذف الذي جزاؤه من غير جنسه، فتكون توبة هذا كتوبة القاذف، وتعريضه كتعريضه، وحلفه على التعريض كحلفه.
وأما لو ظلمه في دم أو مال فإنه لابد من إيفاء الحق فإن له بدلًا، وقد نص أحمد في الفرق بين توبة القاتل وبين توبة القاذف. وهذا الباب ونحوه فيه خلاص عظيم، وتفريج كربات النفوس من آثار المعاصي والمظالم، فإنَّ الفقيه كُلَّ الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ، ولا يجرئهم على معاصي الله تعالى. وجميع النفوس لابد أن تذنب فتعريفُ النفوس ما يخلصها من الذنوب من التوبة والحسنات الماحيات كالكفارات والعقوبات هو من أعظم فوائد الشريعة، انتهى كلامه) [الآداب الشرعية ١/ ٩٧ - ٩٨] (١).
стр. 855
باب حد المسكر
١١٩٣ - الإكراه على فعل المحرمات لحق الله تعالى:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: يرخص أكثر العلماء فيما يكره عليه من المحرمات (١) لحق الله ، كأكل الميتة وشرب الخمر، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد ﵀) [الفروع ٦/ ٩٩ - ١٠٠ (١٠/ ٩٧)] (٢).
١١٩٤ - مقدار الجلد في حد الخمر:
- قال ابن مفلح: ( ... فعلى (٣) الحر الحد ثمانون جلدة، وجوَّزها شيخنا للمصلحة وأنه الرواية الثانية، وعنه: أربعون) [الفروع ٦/ ١٠١ (١٠/ ٩٩)] (٤).
стр. 856
باب التعزير
١١٩٥ - تعزير غير المكلف على الفاحشة:
- قال ابن مفلح: (وفي «رد شيخنا على الرافضي»: لا نزاع بين العلماء أن غير المكلف كالصبي المميز يعاقب على الفاحشة تعزيرا بليغا، وكذا المجنون يضرب على ما فعل لينزجر لكن لا عقوبة بقتل أو قطع) [الفروع ٦/ ١٠٦ (١٠/ ١٠٧)] (١).
١١٩٦ - القصاص من غير المكلف:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: القصاص موافق لأصول الشريعة، واحتج بثبوته في الأموال، وبوجوب دية الخطأ، وبقتال البغاة المغفور لهم.
قال: فتبين بذلك أن الظلم والعدوان يؤدى فيه حق المظلوم مع عدم التكليف، فإنه من العدل، وحرم الله تعالى الظلم على نفسه، وجعله محرما بين عباده.
كذا قال، وبتقديره فإنما يدل في الآدميين) [الفروع ٦/ ١٠٧ (١٠/ ١٠٨)] (٢).
١١٩٧ - حديث: «لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله»:
- قال ابن مفلح: (وعنه: الكل بعشر فأقل، نقله ابن منصور وغيره،
стр. 857
للخبر (١)، ومراده عند شيخنا: إلا في محرم لحق الله) [الفروع ٦/ ١٠٧ - ١٠٨ (١٠/ ١٠٩)] (٢).
١١٩٨ - صفة ما يكون به التعزير:
١١٩٩ - ومن أصر على الخلوة بالأجنبية ولم يتب:
١٢٠٠ - ومن اتخذ الطواف بالصخرة دينا:
١٢٠١ - ومن قال: انذروا لي لتقضى حاجتكم:
١٢٠٢ - ومن تكرر شربه للخمر ولم ينته بدون القتل:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: بما يردعه، كعزل متول، وأنه لا يتقدر، لكن ما فيه مقدر لا يبلغه، فلا يقطع بسرقة دون نصاب، ولا يحد حد الشرب بمضمضة خمر ونحوه، وأنه رواية، واختيار طائفة من أصحابه، وقد يقال بقتله للحاجة، وأنه يقتل مبتدع داعية، وذكره وجها «و: م»، ونقله إبراهيم بن سعيد الأطروش في الدعاة من الجهمية.
وقال في الخلوة بأجنبية، واتخاذ الطواف بالصخرة دينا، وفي قول الشيخ: انذروا لي لتقضى حاجتكم، أو استعينوا بي: إن أصر ولم يتب قتل، ومن تكرر شربه ما لم ينته بدونه، للأخبار فيه) [الفروع ٦/ ١٠٩ (١٠/ ١١١)] (٣).
стр. 858
١٢٠٣ - التعزير بالنفي:
- قال ابن مفلح: (ونقل ابن منصور: لا نفي إلا في الزنا والمخنث، وقال القاضي: نفيه دون عام، واحتج به شيخنا وبنفي عمر نصر بن حجاج لما خاف الفتنة به، نفاه من المدينة إلى البصرة، فكيف من عرف ذنبه، ويمنعه العزب السكنى بين متأهلين وعكسه، وأن امرأة تجمع بين الرجال والنساء شر منهم، وهو القوادة، فيفعل ولي الأمر المصلحة.
وقال أيضا: إنما العقوبة على ذنب ثابت، أما المنع والاحتراز فيكون للتهمة، لمنع عمر اجتماع الصبيان بمتهم بالفاحشة) [الفروع ٦/ ١١٥ (١٠/ ١١٩)] (١).
١٢٠٤ - العقوبة بما لم يرد في الشرع:
١٢٠٥ - وأعمال توجب التعزير:
- قال ابن مفلح: (وفي «الفنون»: للسلطان سلوك السياسة، وهو الحزم عندنا، ولا تقف السياسة على ما نطق به الشرع، إذ الخلفاء الراشدون ﵃ قد قتلوا ومثلوا وحرقوا المصاحف، ونفى عمر نصر بن حجاج خوف فتنة النساء.
قال شيخنا: مضمونه جواز العقوبة، ودفع المفسدة، وهذا من باب المصالح المرسلة.
قال: وقد سلك القاضي في «الأحكام السلطانية» أوسع من هذا. قال:
стр. 859
وقوله: الله أكبر عليك، كالدعاء عليه وشتمه بغير فرية، نحو: يا كلب، فله قوله له، أو تعزيره، ولو لعنه فهل له أن يلعنه؟ ينبني على جواز لعنه المعين.
ومن لعن نصرانيا أدب أدبا خفيفا، لأنه ليس له أن يلعنه بغير موجب إلا أن يكون صدر من النصراني ما يقتضي ذلك.
قال: والأربع التي من كن فيه كان منافقا خالصا محرمة لحق الله لا قصاص فيهن.
وفي «الصحيحين» أن عمر قال يوم بيعة أبي بكر: قتل الله سعدا. قال ابن الجوزي: إنما قال هذا لأن سعدا أراد الولاية وما كان يصلح أن يتقدم أبا بكر.
قال: وقال الخطابي: أي احسبوه في عداد من مات، لا تعتدوا بحضوره.
قال: ومن قال لمخاصمة الناس: تقرأ تاريخ آدم؟ وظهر منه معرفتهم بخطيئته عزر ولو كان صادقا.
قال: ومن امتنع من لفظة القطع متدينا عزر، لأنه بدعة، وكذا من يمسك الحية ويدخل النار ونحوه.
وقال فيمن فعل كالكفار في عيدهم: اتفقوا على إنكاره، وأوجبوا عقوبة من يفعله.
قال: والتعزير على شيء دليل على تحريمه.
وقال فيمن غضب فقال: فما نحن مسلمين: إن أراد ذم نفسه لنقص دينه فلا حرج فيه ولا عقوبة.
стр. 860
ومن قال لذمي: يا حاج عزر، لأن فيه تشبيه قاصد الكنائس بقاصد بيت الله، وفيه تعظيم لذلك، فإنه بمنزلة من شبه أعيادهم بأعياد المسلمين وتعظيمهم.
وكذا يعزر من يسمي من زار القبور والمشاهد حاجا، ومن سماه حجا أو جعل له مناسك فإنه ليس لأحد أن يفعل في ذلك ما هو من خصائص حج البيت العتيق وأنه منكر، وفاعله ضال) [الفروع ٦/ ١١٥ - ١١٧ (١٠/ ١٢٠)] (١).
١٢٠٦ - القصاص ممن اعتدى عليه بالقول:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: ومن دعي عليه ظلما له أن يدعو على ظالمه بمثل ما دعا به عليه، نحو: أخزاك الله، أو لعنك الله، أو يشتمه بغير فرية، نحو: يا كلب، يا خنزير، فله أن يقول له مثل ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] فعلم أنه لا سبيل إلا على الظالم للناس الباغي، وإذا كان له أن يستعين بالمخلوق من وكيل وولي أمر وغيرهما فاستعانته بخالقه أولى بالجواز.
قال الإمام أحمد: الدعاء قِصَاصٌ، ومن دعا على ظالمه فما صبر. يريد بذلك أن الداعي منتصر، والانتصار وإن كان جائزا لكن قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وقوله ﷺ لعائشة لما دعت على السارق: «لا تسبِّخي» أي: لا تخففي عنه، ثم ذكر قصة أبي بكر الأخيرة التي رواها أبو داود.
стр. 861
قال (١): وإذا دعا عليه بما آلمه بقدر ألم ظلمه فهذا عدل، وإن اعتدى في الدعاء كمن يدعو بالكفر على من شتمه أو أخذ ماله فذلك سرف محرم.
ومن حبس نقد غيره عنه مدة ثم أداه إليه عزر، فإن لم يتعمد الإثم فلا ضمان في الدنيا لأجل الربا، وهنا يعطي الله صاحب الحق من حسنات الآخر تمام حقه، فإذا كان هذا الظالم لا يمكنه تعزيره فله أن يدعو عليه بعقوبة بقدر مظلمته، وإذا كان ذنب الظالم إفساد دين المظلوم لم يكن له أن يفسد دينه، لكن له أن يدعو الله بما يفسد به دينه مثل ما فعل به (٢).
وكذا لو افترى عليه الكذب لم يكن له أن يفتري عليه الكذب، لكن له أن يدعو الله عليه بمن يفتري عليه الكذب نظير ما افتراه، وإن كان هذا الافتراء محرما، لأن الله إذا عاقبه بمن يفعل به ذلك لم يقبح منه ولا ظلم فيه؛ لأنه اعتدى بمثله، وأما من العبد فقبيح ليس له فعله، ومن هذا الباب قول موسى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا﴾ الآية [يونس: ٨٨]، ودعا سعد على الذي طعن في سيرته ودينه) [الفروع ٦/ ١١٨ - ١١٩ (١٠/ ١٢٣ - ١٢٤)] (٣).
стр. 862
باب السرقة
١٢٠٧ - اشتراط مطالبة المسروق منه بماله للقطع:
- قال ابن مفلح: (وتثبت بعدلين وصفاها ... أو إقرار مرتين ووصفها ... وصدقه المقر له على سرقة نصاب ... وطالبه هو أو وكيله، أو وليه بالسرقة لا بالقطع، وعنه: أو لم يطالبه، اختاره أبو بكر وشيخنا كإقراره بزنا بأمة غيره، وجب قطعه) [الفروع ٦/ ١٢٢ - ١٢٣ (١٠/ ١٢٨ - ١٢٩)] (١).
١٢٠٨ - إذا كان المسروق ثلاثة دراهم مغشوشة:
- قال ابن مفلح: (ونصابها ثلاثة دراهم خالصة ومغشوشة، قاله شيخنا) [الفروع ٦/ ١٢٦ (١٠/ ١٣٤)].
وانظر: ما تقدم برقم (١١٢).
١٢٠٩ - قتل السارق في الخامسة:
- قال ابن مفلح: (وقال أبو مصعب المالكي: يقتل السارق في الخامسة، وقياس قول شيخنا: إنه كالشارب في الرابعة: يقتل عنده إذا لم ينته بدونه (٢)) [الفروع ٦/ ١٣٦ (١٠/ ١٤٨)] (٣).
стр. 863
١٢١٠ - مضاعفة ضمان المسروق من غير حرز:
- قال ابن مفلح: (ومن سرق تمرا (١) أو كَثَرًا (٢) أو ماشية من غير حرز أضعفت القيمة، اختاره الأكثر، وعنه: وغيرهما، اختاره شيخنا (٣)) [الفروع ٦/ ١٣٩ (١٠/ ١٥٤)] (٤).
стр. 864
باب حد قاطع الطريق
١٢١١ - حكم الآمر بقطع الطريق أو السرقة:
- قال ابن مفلح: (والردء (١) فيها والطليع كمباشر، وذكر أبو الفرج السرقة كذلك، فردء غير مكلف كهو، وقيل: يضمن المال آخذه، وقيل: قراره عليه. وفي «الإرشاد»: من قاتل اللصوص وقُتِل= قُتِل القاتل فقط. واختار شيخنا الآمر كردء، وأنه في السرقة كذلك) [الفروع ٦/ ١٤٢ (١٠/ ١٥٧ - ١٥٨)] (٢).
١٢١٢ - إذا طلع إليهم عسكر فأخذوا رجلا ليس منهم فغرموه:
١٢١٣ - والمرأة التي تحضر النساء للقتل:
- قال ابن مفلح: (ولو طلع إليهم عسكر فأخذوا رجلا ليس منهم فغرموه فله طلبهم به، إن ساغ أخذه منهم، قاله شيخنا، وأن المرأة التي تحضر النساء للقتل تقتل) [الفروع ٦/ ١٤٢ (١٠/ ١٥٨)] (٣).
١٢١٤ - إذا تاب الخارجي والباغي والمرتد المحارب قبل القدرة عليهم:
- قال ابن مفلح: (ومن تاب قبل القدرة عليه سقط حق الله وحق الآدمي إليه، وأطلق في «المبهج»: في حق الله روايتين، وهذا فيمن تحت حكمنا، وفي خارجي وباغ ومرتد محارب الخلاف في ظاهر كلامهم، وقاله
стр. 865
شيخنا (١)) [الفروع ٦/ ١٤٢ - ١٤٣ (١٠/ ١٥٨ - ١٥٩)].
١٢١٥ - إذا تاب من فعل ما يوجب الحد قبل القدرة عليه:
١٢١٦ - وإذا تاب وهرب أثناء إقامة الحد:
- قال ابن القيم: (وسألت شيخنا عن ذلك، فأجاب بما مضمونه: بأن الحد مطهر، وأن التوبة مطهرة، وهما (٢) اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة، وأبيا إلا أن يطهرا بالحد، فأجابهما النبي ﷺ إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، فقال في حق ماعز: «هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه»، ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخير: بين أن يتركه، كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به: «اذهب فقد غفر الله لك»، وبين أن يقيمه، كما أقامه على ماعز والغامدية، لما اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به، ولذلك رددهما النبي ﷺ مرارًا، وهما يأبيان إلا إقامته عليهما.
وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة، وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في إسقاطه البتة، وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط، والله أعلم) [إعلام الموقعين ٢/ ٩٨].
- وقال أيضا: ( ... وأن المقر إذا استقال في أثناء الحد، وفر: ترك، ولم يتمم عليه الحد، فقيل: لأنه رجوع، وقيل: لأنه توبة قبل تكميل الحد، فلا يقام عليه، كما لو تاب قبل الشروع فيه، وهذا اختيار شيخنا) [زاد المعاد ٥/ ٣٣].
стр. 866
- وقال ابن مفلح: (ويسقط حد زنا وشرب وسرقة بتوبته، اختاره الأكثر، وقيل: وصلاح عمله مدة، قيل: قبل توبته، وقيل: قبل القدرة، وقيل: قبل إقامته (١).
وفي بحث القاضي: التفرقة بين علم الإمام بهم أو لا، واختار شيخنا: ولو في الحد لا يُكَمَّل (٢)، وأن هربه فيه توبة له) [الفروع ٦/ ١٤٣ (١٠/ ١٥٩ - ١٦٠)] (٣).
١٢١٧ - استيفاء حد القذف من الكافر إذا أسلم:
- قال ابن مفلح: (وفي «عيون المسائل» في سقوط الجزية بإسلام: إذا أسلم سقطت عنه العقوبات الواجبة بالكفر، كالقتل وغيره من الحدود. وفي «المبهج» احتمال يسقط حد زنا ذمي، ويستوفى حد قذف، قاله شيخنا) [الفروع ٦/ ١٤٤ (١٠/ ١٦٠ - ١٦١)].
١٢١٨ - القتال دفاعا عن مال غيره:
- قال ابن مفلح: (ويلزمه (٤) عن نفس غيره، لأنه لا يتحقق منه إيثار الشهادة، وكإحيائه ببذل طعامه، ذكره القاضي وغيره، واختار صاحب «الرعاية»: مع ظن سلامة الدافع.
стр. 867
وكذا ماله مع ظن سلامتهما، وذكر جماعة: يجوز وإلا حرم، وقيل: وفي جوازه عنهما (١) وعن حرمته روايتان، نقل حرب الوقف في مال غيره، ونقل الترمذي (٢) وغيره: لا يقاتله، لأنه لم يبح له قتله لمال غيره، وأطلق في «التبصرة» وشيخنا لزومه عن مال غيره، قال في «التبصرة»: فإن أبى أعلم مالكه، فإن عجز لزمه إعانته.
قال شيخنا في جند قاتلوا عربا نهبوا أموال تجار ليردوه إليهم: هم مجاهدون في سبيل الله، ولا ضمان عليهم بقود ولا دية ولا كفارة.
قال: ومن أمر (٣) للرئاسة والمال لم يثب (٤)، يأثم على فساد نيته كالمصلي رياء وسمعة) [الفروع ٦/ ١٤٧ (١٠/ ١٦٤)] (٥).
١٢١٩ - المفاضلة بين الانتصار والعفو:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: إن في الآية المذكورة (٦) فائدة عظيمة، وهو أنه حمدهم على أنهم هم ينتصرون عند البغي عليهم، كما أنهم هم يعفون عند الغضب.
ليسوا مثل الذي ليس له قوة الانتصار وفعله، لعجزهم أو كسلهم أو
стр. 868
وهنهم أو ذلهم أو حزنهم، فإن أكثر من يترك الانتصار بالحق إنما يتركه لهذه الأمور وأشباهها.
وليسوا مثل الذي إذا غضب لا يغفر ولا يعفو، بل يعتدى أو ينتقم حتى يكف من خارج، كما عليه أكثر الناس إذا غضبوا وقدروا لا يقفون عند العدل فضلا عن الإحسان، فحمدهم على أنهم هم ينتصرون وهم يغفرون، ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يُستذلُّوا، فإذا قدروا عفوا ... إلى أن ذكر (١) الروايتين في دفع الإنسان عن نفسه، ثم قال: ويشبه أن لا يجب مع مفسدة تقاوم مفسدة الترك أو تفضي إلى فساد أكثر، وعلى هذا تخرج قصة ابن آدم (٢) وعثمان ﵁، بخلاف من لم يكن في دفعه إلا إتلاف مال الغير الظالم أو حبسه أو ضربه، فهنا الوجوب أوجه، وهذا معنى قوله: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]، فالانتصار قد يكون مستحبا تارة، وقد يكون واجبا أخرى، كالمغفرة سواء) [الفروع ٦/ ١٤٩ - ١٥٠ (١٠/ ١٦٧ - ١٦٨)] (٣).
١٢٢٠ - إذا قفز إلى بلد العدو ولم يندفع ضرره إلا بقتله:
- قال ابن مفلح: (ومن قفز إلى بلد العدو ولم يندفع ضرره إلا بقتله جاز قتله، كالصائل ذكره شيخنا) [الفروع ٦/ ١٥٠ (١٠/ ١٦٨)] (٤).
стр. 869
باب قتال أهل البغي
١٢٢١ - ابتداء الإمام بقتال البغاة والخوارج:
- قال ابن مفلح: (ويلزمه مراسلتهم (١) وإزالة شبهتهم، فإن فاءوا وإلا لزم القادرَ قتالهم، وعند شيخنا: الأفضل تركه حتى يبدءوه «و: م» وهو ظاهر اختيار الشيخ، وقالا في الخوارج: له قتلهم ابتداء وتتمة الجريح (٢)، وهو خلاف ظاهر رواية عبدوس بن مالك، وفي «المغني» في الخوارج: ظاهر قول المتأخرين من أصحابنا أنهم بغاة، لهم حكمهم وأنه قول جمهور العلماء، كذا قال، وليس بمرادهم، لذكرهم كفرهم أو فسقهم، بخلاف البغاة، ولهذا قال شيخنا: يُفرِّق جمهور العلماء بين الخوارج والبغاة المتأولين، وهو المعروف عن الصحابة، وعليه عامة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين ونصوص أكثر الأئمة وأتباعهم من أصحاب «م ش» وأحمد وغيرهم.
واختيار شيخنا يخرج على وجه من صوب غير معين أو وقف، لا أن عليا هو المصيب وهي أقوال في مذهبنا وأن أكثر الصحابة وغيرهم رأى ترك قتالهما، وأنه لا يجب مع واحدة (٣).
وقال في «تفضيل مذهب أهل المدينة على الكوفة»: أكثر المصنفين لقتال أهل البغي يرى القتال من ناحية علي، ومنهم من يرى الإمساك، وهو
стр. 870
المشهور من قول أهل المدينة وأهل الحديث مع رؤيتهم لقتال من خرج عن الشريعة كالحرورية ونحوهم، وأنه يجب، والأخبار في أمر الفتنة توافق هذا، فاتبعوا النص الصحيح والقياس المستقيم، ولهذا كان المصنفون لعقائد أهل السنة والجماعة يذكرون فيه ترك القتال في الفتنة، والإمساك عما شجر بين الصحابة ﵃.
وقال في «رده على الرافضي»: السلف والأئمة يقول أكثرهم «هـ م» وأحمد وغيرهم: لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية، فإن الله لم يأمر به ابتداء بل بالصلح، ثم إن بغت إحداهما قوتلت، وهؤلاء قوتلوا قبل أن يبدءوا بقتال، ولهذا كان هذا القتال عند أحمد وغيره كمالك قتال فتنة، وأبو حنيفة يقول: لا يجوز قتال البغاة حتى يبدءوا بقتال ... إلى أن قال شيخنا: ولكن علي كان أقرب إلى الحق من معاوية، وأن بعض أصحابنا صوَّب كلا منهما بناء على أن كل مجتهد مصيب، ذكره ابن حامد. وفي كتاب ابن حامد كقول شيخنا) [الفروع ٦/ ١٥٢ - ١٥٣ (١٠/ ١٧٠ - ١٧٢)] (١).
١٢٢٢ - المستحل لأذى من أمره ونهاه بتأويل:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا في المستحل لأذى من أمره ونهاه بتأويل كمبتدع ونحوه: يسقط بتوبته حق العبد، واحتج بما أتلفه البغاة؛ لأنه من الجهاد الذي يجب فيه الأجر على الله، ولا حد مع تأويل، كمالٍ) [الفروع ٦/ ١٥٦ (١٠/ ١٧٥)] (٢).
стр. 871
١٢٢٣ - تفسيق البغاة:
- قال ابن مفلح: (وذكر شيخنا أن ابن عقيل وغيره فسقوا البغاة، قال: وهؤلاء نظروا إلى من عدوه بغاة في زمنهم فرأوهم فساقا) [الفروع ٦/ ١٥٧ (١٠/ ١٧٦)] (١).
١٢٢٤ - قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة متواترة من شرائع الإسلام:
١٢٢٥ - والرافضة شر من الخوارج:
١٢٢٦ - وقتال الواحد من أهل البدع:
- قال ابن مفلح: (ونقل ابن منصور: يقاتل من منع الزكاة، وكل من منع فريضة فعلى المسلمين قتاله حتى يأخذوها منه، واختاره أبو الفرج وشيخنا وقال: أجمعوا أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة متواترة من شرائع الإسلام يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله كالمحاربين وأولى، ولهذا اتفقوا أن البدع المغلظة شر من الذنوب وأمر رسول الله ﷺ بقتال الخوارج عن السنة، وأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم، وأن الرافضة شر من الخوارج اتفاقا.
قال: وفي قتل الواحد منهما ونحوهما وكفره روايتان، والصحيح جواز قتله كالداعية ونحوه، وأن ما قالوه مما تعلم مخالفته للرسول كفر، وكذا فعلهم من جنس فعل الكفار بالمسلمين كفر أيضا) [الفروع ٦/ ١٥٩ - ١٦٠ (١٠/ ١٨٠)] (٢).
стр. 872
١٢٢٧ - أسباب الفتن:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: عامة الفتن التي وقعت من أعظم أسبابها قلة الصبر، إذ الفتنة لها سببان: إما ضعف العلم، وإما ضعف الصبر، فإن الجهل والظلم أصل الشر، وفاعل الشر إنما يفعله لجهله بأنه شر، ولكون نفسه تريده، فبالعلم يزول الجهل، وبالصبر يحبس الهوى والشهوة، فتزول تلك الفتنة) [الفروع ٦/ ١٦٠ (١٠/ ١٨١)].
١٢٢٨ - تكفير أهل البدع:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: نصوصه (١) صريحة على عدم كفر الخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم وإنما كفر الجهمية لا أعيانهم (٢).
قال: وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقا، حتى المرجئة والشيعة المفضلة لعلي. قال: ومذاهب الأئمة أحمد وغيره مبنية على التفضيل (٣) بين النوع والعين) [الفروع ٦/ ١٦١ (١٠/ ١٨٢)] (٤).
١٢٢٩ - التفريق بين قتال الخوارج وأهل الردة:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: قتال التتار ولو كانوا مسلمين كقتال
стр. 873
الصديق ﵁ مانعي الزكاة، ويؤخذ مالهم وذريتهم والمتحيز (١) إليهم ولو ادعى إكراها، ومن أجهز على جريح لم يأثم ولو تشاهد، ومن أخذ منهم شيئا خمسه وبقيته له، ومن ابتاع منهم مال مسلم أخذه ربه، وإن جهله أعطى ما اشتراه به، وهو للمصالح.
كذا قال، مع أنه قال في الرافضة الجبلية: يجوز أخذ مالهم فإن عليا ﵁ أوهب عسكره ما كان في عسكر الخوارج، ولأنهم نهبوا من المسلمين أضعاف ما يؤخذ منهم، ثم خَرَّج سبي حريمهم على تكفيرهم، وأن الصحابة لم تسب الخوارج.
وفي «رده على الرافضي» أن عليا ﵁ لم يسب للخوارج ذرية، ولم يغنم مالهم، فعلم أن سيرته وسيرة الصحابة فيهم تخالف سيرتهم في أهل الردة) [الفروع ٦/ ١٦٢ - ١٦٣ (١٠/ ١٨٣ - ١٨٤)] (٢).
١٢٣٠ - إن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رياسة:
- قال ابن مفلح: (وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رياسة فظالمتان ضامنتان وتضمن، قال شيخنا: فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة وإن لم يعلم عين المتلف.
وقال: وإن تقابلا (٣) تقاصا؛ لأن المباشر والمعين سواء عند الجمهور.
стр. 874
وقال: وإن جهل قدر ما نهبه كل طائفة من الأخرى تساوتا، كمن جهل قدر المحرم بماله أخرج نصفه والباقي له، ومن دخل للصلح فجُهل قاتله ضمنتاه) [الفروع ٦/ ١٦٣ (١٠/ ١٨٥)] (١).
стр. 875
باب حكم المرتد
١٢٣١ - بعض أسباب الردة:
- قال ابن مفلح: (من كفر طوعا ولو هازلا بعد إسلامه، قيل: طوعا، وقيل: وكرها، والأصح بحقٍّ فمرتد، بأن أشرك بالله تعالى أو جحد صفة له، قال في «الفصول»: متفقا على إثباتها، أو بعض كتبه، أو رسله، أو سبه، أو رسوله، أو ادعى النبوة.
قال شيخنا: أو كان مبغضا لرسوله ولما جاء به اتفاقا.
وقال: أو ترك إنكار منكر بقلبه، أو جحد حكما ظاهرا مجمعا عليه، كعبادة من الخمس، أو تحريم خمر ونحوه، أو شك فيه ومثله لا يجهله.
قال شيخنا: ولهذا لم يكفر به النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله وإعادته، لأنه لا يكون إلا بعد بلاغ الرسالة، وأن منه قول عائشة: يا رسول الله، مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ قال: «نعم») [الفروع ٦/ ١٦٤ (١٠/ ١٨٦ - ١٨٧)].
- وقال أيضا: (قال شيخنا وغيره: في الإجماع إجماعا قطعيا (١)، وذكر أن كثيرا من أصحابنا وغيرهم فسقه فقط.
قال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم «ع») [الفروع ٦/ ١٦٥ (١٠/ ١٨٧ - ١٨٨)].
- وقال أيضا: (قال شيخنا: أو توهم أن من الصحابة أو التابعين أو
стр. 876
تابعيهم قاتل مع الكفار، أو أجاز ذلك) [الفروع ٦/ ١٦٥ (١٠/ ١٨٨)] (١).
١٢٣٢ - لعن المعين:
- قال ابن مفلح: (قال (٢): ومن أصحابنا من أخرج الحجاج عن الإسلام لأنه أخاف المدينة، وانتهك حرم الله وحرم رسوله، فيتوجه عليه: يزيد ونحوه، ونص أحمد خلاف ذلك، وعليه الأصحاب، وأنه لا يجوز التخصيص باللعنة، خلافا لأبي الحسين وابن الجوزي وغيرهما، وقال شيخنا: ظاهر كلامه الكراهة) [الفروع ٦/ ١٦٧ (١٠/ ١٩٠)] (٣).
- وقال أيضا: (ويجوز لعن الكفار عاما، وهل يجوز لعن كافر معين؟ على روايتين.
قال الشيخ تقي الدين: ولعن تارك الصلاة على وجه العموم جائز، وأما لعنة المعين فالأولى تركها؛ لأنه يمكن أن يتوب.
وقال في موضع آخر: قيل لأحمد بن حنبل: أيؤخذ الحديث عن يزيد؟ فقال: لا، ولا كرامة، أو ليس هو فعل بأهل المدينة ما فعل؟! وقيل له: إن أقواما يقولون: إنا نحب يزيد؟ فقال: وهل يحب يزيد من يؤمن بالله واليوم الآخر؟! فقيل له: أو لا تلعنه؟ فقال: متى رأيت أباك يلعن أحدا.
وقال الشيخ تقي الدين أيضا في موضع آخر: في لعن المعين من
стр. 877
الكفار من أهل القبلة وغيرهم، ومن الفساق بالاعتقاد أو بالعمل، لأصحابنا فيها أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز بحال، وهو قول أبي بكر وعبد العزيز.
والثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق.
والثالث: يجوز مطلقا.
قال ابن الجوزي في لعنة يزيد: أجازها العلماء الورعون منهم أحمد بن حنبل. وأنكر ذلك عليه الشيخ عبد المغيث الحربي، وأكثر أصحابنا، لكن منهم من بنى الأمر على أنه لم يثبت فسقه، وكلام عبد المغيث يقتضي ذلك، وفيه نوع انتصار ضعيف، ومنهم من بنى الأمر على أن لا يلعن الفاسق المعين، وشنع ابن الجوزي على من أنكر استجازة ذم المذموم، ولعن الملعون كيزيد.
قال: وقد ذكر أحمد في حق يزيد ما يزيد على اللعنة، وذكر رواية مهنا: سألت أحمد عن يزيد، فقال: هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل. قلت: فيذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر عنه الحديث، لا ينبغي لأحد أن يكتب عنه حديثا. قلت: ومن كان معه حين فعل؟ فقال: أهل الشام.
قال الشيخ تقي الدين: هذا أكثر ما يدل على الفسق لا على لعنة المعين.
وذكر ابن الجوزي ما ذكره القاضي في «المعتمد» من رواية صالح: وما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه ــ إن صحت الرواية ــ، قال: وقد صنف القاضي أبو الحسين كتابا في «بيان من يستحق اللعن»، وذكر
стр. 878
فيهم يزيد، قال: وقد جاء في الحديث لعن من فعل ما لا يقارب معشار عشر ما فعل يزيد، وذكر الفعل العام كلعن الواصلة وأمثاله.
وذكر رواية أبي طالب: سألت أحمد بن حنبل عمن قال: لعن الله يزيد بن معاوية. فقال: لا تكلم في هذا، الإمساك أحب إلي.
قال ابن الجوزي: هذه الرواية تدل على اشتغال الإنسان بنفسه عن لعن غيره، والأولى على جواز اللعنة كما قلنا في تقديم التسبيح على لعنة إبليس.
وسلم ابن الجوزي أن ترك اللعن أولى، وقد روى مسلم عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادع الله على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة».
قال ابن الجوزي: وقد لعن أحمد بن حنبل من يستحق اللعن، فقال في رواية مسدد: قالت الواقفية الملعونة، والمعتزلة الملعونة.
وقال عبيد الله بن أحمد الحنبلي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: على الجهمية لعنة الله، وكان الحسن يلعن الحجاج، وأحمد يقول: الحجاج رجل سوء.
قال الشيخ تقي الدين: ليس في هذا عن أحمد لعنة معين، لكن قول الحسن نعم.
وقال ابن الجوزي قال الفقهاء: لا تجوز ولاية المفضول على الفاضل إلا أن يكون هناك مانع إما خوف فتنة، أو يكون الفاضل غير عالم بالسياسة لحديث عمر في السقيفة، وحديث أبي بكر في تولية عمر ﵄، وأجاب من قال: كان خارجيا بأن الخارجي من خرج على مستحق، وإنما خرج
стр. 879
الحسين ﵁ لدفع الباطل وإقامة الحق.
وقال ابن الجوزي: نقلت من خط ابن عقيل قال: قال رجل: كان الحسين ﵁ خارجيا، فبلغ ذلك من قلبي، فقلت: لو عاش إبراهيم ﵁ صلح أن يكون نبيا، فهب أن الحسن والحسين نزلا عن رتبة إبراهيم مع كونه سماهما ابنيه، أو لا يصيب ولد ولده أن يكون إماما بعده؟ فأما تسميته خارجيا وإخراجه عن الإمامة لأجل صولة بني أمية هذا ما لا يقتضيه عقل ولا دين.
قال ابن عقيل: ومتى حدثتك نفسك بوفاء الناس فلا تصدق، هذا ابن رسول الله ﷺ أكثر الناس حقوقا على الخلق ... إلى أن قال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فقتلوا أصحابه وأهلكوا أولاده.
وقال الشيخ تقي الدين: فقد جوز ابن الجوزي الخروج على غير العادل، وفسر ابن عقيل الآية بالتفسير المرجوح.
وفي البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم» وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد في خلافة أبيه معاوية، وكان في الجيش أبو أيوب الأنصاري.
قال الشيخ تقي الدين: والجيش عدد معين لا مطلق، وشمول المغفرة لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة لكل واحد واحد من الظالمين، فإن هذا حصر، والجيش معينون، ويقال: إن يزيد إنما غزا القسطنطينية لأجل هذا الحديث.
стр. 880
وقال القاضي في «المعتمد»: من حكمنا بكفرهم من المتأولين وغيرهم فجائز لعنتهم نص عليه، وذكر أنه قال في اللفظية على من جاء بهذا: لعنه الله، عليه غضب الله، وذكر أنه قال عن قوم معينين: هتك الله الخبيث، وعن قوم: أخزاه الله، وقال في آخر: ملأ الله قبره نارا.
قال الشيخ تقي الدين: لم أره نقل لعنة معينة إلا لعنة نوع، أو دعاء على معين بالعذاب، أو سبا له، لكن قال القاضي: لم يفرق بين المطلق، والمعين، وكذلك جدنا أبو البركات.
قال القاضي: فأما فساق أهل الملة بالأفعال كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، ونحو ذلك، فهل يجوز لعنهم أم لا؟ فقد توقف أحمد عن ذلك في رواية صالح: قلت لأبي: الرجل يذكر عنده الحجاج أو غيره يلعنه؟ فقال: لا يعجبني، لو عَمَّ فقال: ألا لعنة الله على الظالمين.
وقال أبو طالب: سألت أحمد عن من نال يزيد بن معاوية، قال: لا تكلم في هذا، قال النبي ﷺ : «لعن المؤمن كقتله». قال: فقد توقف عن لعنة الحجاج مع ما فعله، ومع قوله: الحجاج رجل سوء، وتوقف عن لعنة يزيد بن معاوية مع قوله في رواية مهنا، وقد سأله عن يزيد بن معاوية فقال: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل، قتل بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ ونهبها، لا ينبغي لأحد أن يكتب حديثه.
قال أبو بكر الخلال في «كتاب السنة»: الذي ذكره أبو عبد الله في التوقف في اللعنة ففيه أحاديث كثيرة لا تخفى على أهل العلم، ويتبع فيه قول الحسن وابن سيرين، فهما الإمامان في زمانهما، ويقول: لعن الله من قتل الحسين بن علي، لعن الله من قتل عثمان، لعن الله من قتل عليا، لعن الله