تابعيهم قاتل مع الكفار، أو أجاز ذلك) [الفروع ٦/ ١٦٥ (١٠/ ١٨٨)] (١).
١٢٣٢ - لعن المعين:
- قال ابن مفلح: (قال (٢): ومن أصحابنا من أخرج الحجاج عن الإسلام لأنه أخاف المدينة، وانتهك حرم الله وحرم رسوله، فيتوجه عليه: يزيد ونحوه، ونص أحمد خلاف ذلك، وعليه الأصحاب، وأنه لا يجوز التخصيص باللعنة، خلافا لأبي الحسين وابن الجوزي وغيرهما، وقال شيخنا: ظاهر كلامه الكراهة) [الفروع ٦/ ١٦٧ (١٠/ ١٩٠)] (٣).
- وقال أيضا: (ويجوز لعن الكفار عاما، وهل يجوز لعن كافر معين؟ على روايتين.
قال الشيخ تقي الدين: ولعن تارك الصلاة على وجه العموم جائز، وأما لعنة المعين فالأولى تركها؛ لأنه يمكن أن يتوب.
وقال في موضع آخر: قيل لأحمد بن حنبل: أيؤخذ الحديث عن يزيد؟ فقال: لا، ولا كرامة، أو ليس هو فعل بأهل المدينة ما فعل؟! وقيل له: إن أقواما يقولون: إنا نحب يزيد؟ فقال: وهل يحب يزيد من يؤمن بالله واليوم الآخر؟! فقيل له: أو لا تلعنه؟ فقال: متى رأيت أباك يلعن أحدا.
وقال الشيخ تقي الدين أيضا في موضع آخر: في لعن المعين من
стр. 877
الكفار من أهل القبلة وغيرهم، ومن الفساق بالاعتقاد أو بالعمل، لأصحابنا فيها أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز بحال، وهو قول أبي بكر وعبد العزيز.
والثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق.
والثالث: يجوز مطلقا.
قال ابن الجوزي في لعنة يزيد: أجازها العلماء الورعون منهم أحمد بن حنبل. وأنكر ذلك عليه الشيخ عبد المغيث الحربي، وأكثر أصحابنا، لكن منهم من بنى الأمر على أنه لم يثبت فسقه، وكلام عبد المغيث يقتضي ذلك، وفيه نوع انتصار ضعيف، ومنهم من بنى الأمر على أن لا يلعن الفاسق المعين، وشنع ابن الجوزي على من أنكر استجازة ذم المذموم، ولعن الملعون كيزيد.
قال: وقد ذكر أحمد في حق يزيد ما يزيد على اللعنة، وذكر رواية مهنا: سألت أحمد عن يزيد، فقال: هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل. قلت: فيذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر عنه الحديث، لا ينبغي لأحد أن يكتب عنه حديثا. قلت: ومن كان معه حين فعل؟ فقال: أهل الشام.
قال الشيخ تقي الدين: هذا أكثر ما يدل على الفسق لا على لعنة المعين.
وذكر ابن الجوزي ما ذكره القاضي في «المعتمد» من رواية صالح: وما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه ــ إن صحت الرواية ــ، قال: وقد صنف القاضي أبو الحسين كتابا في «بيان من يستحق اللعن»، وذكر
стр. 878
فيهم يزيد، قال: وقد جاء في الحديث لعن من فعل ما لا يقارب معشار عشر ما فعل يزيد، وذكر الفعل العام كلعن الواصلة وأمثاله.
وذكر رواية أبي طالب: سألت أحمد بن حنبل عمن قال: لعن الله يزيد بن معاوية. فقال: لا تكلم في هذا، الإمساك أحب إلي.
قال ابن الجوزي: هذه الرواية تدل على اشتغال الإنسان بنفسه عن لعن غيره، والأولى على جواز اللعنة كما قلنا في تقديم التسبيح على لعنة إبليس.
وسلم ابن الجوزي أن ترك اللعن أولى، وقد روى مسلم عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادع الله على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة».
قال ابن الجوزي: وقد لعن أحمد بن حنبل من يستحق اللعن، فقال في رواية مسدد: قالت الواقفية الملعونة، والمعتزلة الملعونة.
وقال عبيد الله بن أحمد الحنبلي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: على الجهمية لعنة الله، وكان الحسن يلعن الحجاج، وأحمد يقول: الحجاج رجل سوء.
قال الشيخ تقي الدين: ليس في هذا عن أحمد لعنة معين، لكن قول الحسن نعم.
وقال ابن الجوزي قال الفقهاء: لا تجوز ولاية المفضول على الفاضل إلا أن يكون هناك مانع إما خوف فتنة، أو يكون الفاضل غير عالم بالسياسة لحديث عمر في السقيفة، وحديث أبي بكر في تولية عمر ﵄، وأجاب من قال: كان خارجيا بأن الخارجي من خرج على مستحق، وإنما خرج
стр. 879
الحسين ﵁ لدفع الباطل وإقامة الحق.
وقال ابن الجوزي: نقلت من خط ابن عقيل قال: قال رجل: كان الحسين ﵁ خارجيا، فبلغ ذلك من قلبي، فقلت: لو عاش إبراهيم ﵁ صلح أن يكون نبيا، فهب أن الحسن والحسين نزلا عن رتبة إبراهيم مع كونه سماهما ابنيه، أو لا يصيب ولد ولده أن يكون إماما بعده؟ فأما تسميته خارجيا وإخراجه عن الإمامة لأجل صولة بني أمية هذا ما لا يقتضيه عقل ولا دين.
قال ابن عقيل: ومتى حدثتك نفسك بوفاء الناس فلا تصدق، هذا ابن رسول الله ﷺ أكثر الناس حقوقا على الخلق ... إلى أن قال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فقتلوا أصحابه وأهلكوا أولاده.
وقال الشيخ تقي الدين: فقد جوز ابن الجوزي الخروج على غير العادل، وفسر ابن عقيل الآية بالتفسير المرجوح.
وفي البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم» وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد في خلافة أبيه معاوية، وكان في الجيش أبو أيوب الأنصاري.
قال الشيخ تقي الدين: والجيش عدد معين لا مطلق، وشمول المغفرة لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة لكل واحد واحد من الظالمين، فإن هذا حصر، والجيش معينون، ويقال: إن يزيد إنما غزا القسطنطينية لأجل هذا الحديث.
стр. 880
وقال القاضي في «المعتمد»: من حكمنا بكفرهم من المتأولين وغيرهم فجائز لعنتهم نص عليه، وذكر أنه قال في اللفظية على من جاء بهذا: لعنه الله، عليه غضب الله، وذكر أنه قال عن قوم معينين: هتك الله الخبيث، وعن قوم: أخزاه الله، وقال في آخر: ملأ الله قبره نارا.
قال الشيخ تقي الدين: لم أره نقل لعنة معينة إلا لعنة نوع، أو دعاء على معين بالعذاب، أو سبا له، لكن قال القاضي: لم يفرق بين المطلق، والمعين، وكذلك جدنا أبو البركات.
قال القاضي: فأما فساق أهل الملة بالأفعال كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، ونحو ذلك، فهل يجوز لعنهم أم لا؟ فقد توقف أحمد عن ذلك في رواية صالح: قلت لأبي: الرجل يذكر عنده الحجاج أو غيره يلعنه؟ فقال: لا يعجبني، لو عَمَّ فقال: ألا لعنة الله على الظالمين.
وقال أبو طالب: سألت أحمد عن من نال يزيد بن معاوية، قال: لا تكلم في هذا، قال النبي ﷺ : «لعن المؤمن كقتله». قال: فقد توقف عن لعنة الحجاج مع ما فعله، ومع قوله: الحجاج رجل سوء، وتوقف عن لعنة يزيد بن معاوية مع قوله في رواية مهنا، وقد سأله عن يزيد بن معاوية فقال: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل، قتل بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ ونهبها، لا ينبغي لأحد أن يكتب حديثه.
قال أبو بكر الخلال في «كتاب السنة»: الذي ذكره أبو عبد الله في التوقف في اللعنة ففيه أحاديث كثيرة لا تخفى على أهل العلم، ويتبع فيه قول الحسن وابن سيرين، فهما الإمامان في زمانهما، ويقول: لعن الله من قتل الحسين بن علي، لعن الله من قتل عثمان، لعن الله من قتل عليا، لعن الله
стр. 881
من قتل معاوية بن أبي سفيان، ونقول: لعنة الله على الظالمين إذا ذكر لنا رجل من أهل الفتن، على ما تقلده أحمد.
قال القاضي: فقد صرح الخلال باللعنة، قال: وقال أبو بكر عبد العزيز فيما وجدته في «تعاليق أبي إسحاق»: ليس لنا أن نلعن إلا من لعنه رسول الله ﷺ على طريق الإخبار عنه.
قال الشيخ تقي الدين: المنصوص عن أحمد الذي قرره الخلال اللعن المطلق العام، لا المقيد المعين، كما قلنا في نصوص الوعيد والوعد، وكما نقول في الشهادة بالجنة والنار، فإنا نشهد بأن المؤمنين في الجنة، وأن الكافرين في النار، ونشهد بالجنة والنار لمن شهد له الكتاب والسنة، ولا نشهد بذلك لمعين إلا لمن شهد له النص، أو شهد له الاستفاضة على قول، فالشهادة في الخبر كاللعن في الطلب، والخبر والطلب نوعا الكلام، ولهذا قال النبي ﷺ : «إن الطعانين واللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة». فالشفاعة ضد اللعن، كما أن الشهادة ضد اللعن.
وكلام الخلال يقتضي أنه لا يلعن المعينين من الكفار، فإنه ذكر قاتل عمر، وكان كافرا، ويقتضي أنه لا يلعن المعين من أهل الأهواء، فإنه ذكر قاتل علي، وكان خارجيا.
ثم استدل القاضي للمنع بما جاء من ذم اللعن، وأن هؤلاء ترجى لهم المغفرة، ولا تجوز لعنتهم؛ لأن اللعن يقتضي الطرد والإبعاد بخلاف من حكم بكفره من المتأولين، فإنهم مبعدون من الرحمة كغيرهم من الكفار، واستدل على جواز ذلك وإطلاقه بالنصوص التي جاءت في اللعن، وجميعها مطلقة كالراشي والمرتشي، وآكل الربا وموكله، وشاهديه، وكاتبيه.
стр. 882
قال الشيخ تقي الدين: فصار للأصحاب في الفساق ثلاثة أقوال:
أحدها: المنع عموما وتعينا إلا برواية النص.
والثاني: إجازتها.
والثالث: التفريق وهو المنصوص.
لكن المنع من المعين هل هو منع كراهة، أو منع تحريم؟
ثم قال في «الرد على الرافضي»: لا يجوز، واحتج بنهيه ﵇ عن لعنة الرجل الذي يدعى حمارا.
وقال هنا: ظاهر كلامه الكراهة، وبذلك فسره القاضي فيما بعد لما ذكر قول أحمد: لا تعجبني لعنة الحجاج ونحوه، لو عم فقال: ألا لعنة الله على الظالمين.
قال القاضي: فقد كره أحمد لعن الحجاج، قال: ويمكن أن يتأول توقف أحمد عن لعنة الحجاج ونظرائه أنه كان من الأمراء، فامتنع من ذلك من وجهين:
أحدهما: نهي جاء عن لعنة الولاة خصوصا.
الثاني: أن لعن الأمراء ربما أفضى إلى الهرج وسفك الدماء والفتن، وهذا المعنى معدوم في غيرهم.
قال الشيخ تقي الدين: والذين اتخذوا أئمة في الدين من أهل الأهواء هم أعظم من الأمراء عند أصحابهم، وقد يفضي ذلك إلى الفتن.
وذكر ــ يعني القاضي ــ ما نقله من خط أبي حفص العكبري أسنده إلى
стр. 883
صالح بن أحمد قلت لأبي: إن قوما ينسبون إلي تولي يزيد، فقال: يا بني، وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت: ولم لا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيتني ألعن شيئا؟ لم لا نلعن من لعنه الله في كتابه؟ فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟ فقرأ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣]، فهل يكون في قطع الرحم أعظم من القتل؟
قال القاضي: وهذه الرواية إن صحت فهي صريحة في معنى لعن يزيد.
قال الشيخ تقي الدين: الدلالة مبنية على استلزام المطلق للمعين. انتهى كلامه.
وقال في مكان آخر: وقد نقل عن أحمد لعنة أقوام معينين من دعاة أهل البدع، ولهذا فرق من فرق من الأصحاب بين لعنة الفاسق بالفعل، وبين دعاة أهل الضلال، إما بناء على تكفيرهم، وإما بناء على أن ضررهم أشد، ومن جوز لعنة المبتدع المكفر معينا، فإنه يجوز لعنة الكافر المعين بطريق الأولى، ومن لم يجوز أن يلعن إلا من ثبت لعنه بالنص، فإنه لا يجوز لعنة الكافر المعين، فمن لم يجوز إلا لعن المنصوص يرى أن لا يجوز ذلك لا على وجه الانتصار ولا على وجه الجهاد، وإقامة الحدود كالهجرة، والتعزير والتحذير.
وهذا مقتضى حديث أبي هريرة الذي في «الصحيح»: أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو على أحد قنت بعد الركوع، وقال فيه: «اللهم العن فلانا وفلانا» لأحياء من العرب، حتى نزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
стр. 884
قال: وكذلك من لم يلعن المعين من أهل السنة، أو من أهل القبلة، أو مطلقا، وأما من جوز لعنة الفاسق المعين على وجه البغض في الله ، والبراءة منه والتعزير، فقد يجوز ذلك على وجه الانتصار أيضا، ومن يرجح المنع من لعن المعين، فقد يجيب عما فعله النبي ﷺ بأحد أجوبة ثلاثة:
إما بأن ذلك منسوخ، كلعن من لعن في القنوت على ما قاله أبو هريرة.
وإما أن ذلك مما دخل في قوله: «اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما مسلم سببته أو لعنته، وليس كذلك فاجعل ذلك له صلاة وزكاة ورحمة تقربه بها إليك يوم القيامة»، لكن قد يقال: هذا الحديث لا يدل على تحريم اللعنة، وإنما يدل أنه يفعلها باجتهاده بالتعزير، فجعل هذا الدعاء دافعا عمن ليس لها بأهل.
وإما أن يقال: اللعن من النبي ﷺ ثابت بالنص فقد يكون اطلع على عاقبة الملعون.
وقد يقال: الأصل مشاركته في الفعل، ولو كان لا يلعن إلا من علم أنه من أهل النار لما قال: «إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما مسلم سببته، أو شتمته، أو لعنته فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة».
فهذا يقتضي أنه كان يخاف أن يكون لعنه بما يحتاج أن يستدرك بما يقابله من الحسنات، فإنه معصوم، والاستدراك بهذا الدعاء يدفع ما يخافه من إصابة دعائه لمن لا يستحقه، وإن كان باجتهاد، إذ هو اجتهاده الشرعي معصوم لأجل التأسي به.
стр. 885
وقد يقال: نصوص الفعل تدل على الجواز للظالم كما يقتضي ذلك القياس، فإن اللعنة هي البعد عن رحمة الله، ومعلوم أنه يجوز أن يدعى عليه من العذاب بما يكون مبعدا عن رحمة الله في بعض المواضع كما تقدم، فاللعنة أولى أن تجوز، والنبي ﷺ إنما نهى عن لعن من علم أنه يحب الله ورسوله، فمن علم أنه مؤمن في الباطن يحب الله ورسوله لا يلعن؛ لأن هذا مرحوم بخلاف من لا يكون كذلك. انتهى كلامه) [الآداب الشرعية ١/ ٢٨٥ - ٢٩٢].
١٢٣٣ - من ولد على الفطرة ثم ارتد:
- قال ابن مفلح: (ويقتل زنديق، وهو المنافق، ومن تكررت ردته أو كفر بسحره أو سبّ الله أو رسوله ... وعنه: مثلهم من ولد على الفطرة ثم ارتد، ذكره شيخنا) [الفروع ٦/ ١٧٠ (١٠/ ١٩٣ - ١٩٤)] (١).
١٢٣٤ - توبة الداعية إلى بدعته:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: قد بيَّن الله تعالى أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع (٢))
[الفروع ٦/ ١٧٠
١٢٣٥ - عصمة دم ومال المرتد إذا أسلم لا تفتقر إلى حكم حاكم:
١٢٣٦ - ومن شهدت عليه بينة بالردة فأنكر:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: اتفق الأئمة أن المرتد إذا أسلم عصم دمه وماله وإن لم يحكم به حاكم، بل مذهب الإمام أحمد في المشهور عنه «و: هـ ش» أن من شهدت عليه بينة بالردة فأنكر حكم بإسلامه، ولا يحتاج أن يقر بما شهد به عليه، فإذا لم يشهد عليه عدل لم يفتقر الحكم إلى إقراره «ع» بل إخراجه إلى ذلك قد يكون كذبا، ولهذا لا يجوز بناء حكم على هذا الإقرار، كإقرار الصحيح فإنه قد علم أنه لقنه وأنه فعله خوف القتل وهو إقرار تلجئة) [الفروع ٦/ ١٧٢ - ١٧٣ (١٠/ ٢٠٠)] (١).
١٢٣٧ - ضمان المرتد ما أتلفه زمن ردته:
- قال ابن مفلح: (ويضمن ما أتلفه، نص عليه، وعنه: إن فعله بدار حرب أو في جماعة مرتدة ممتنعة فلا، اختاره الخلال وصاحبه والشيخ، واختاره شيخنا، لفعل الصحابة وكالكافر الأصلي إجماعا. قال: وإن المرتد تحت حكمنا ليس محاربا يضمن إجماعا) [الفروع ٦/ ١٧٥ (١٠/ ٢٠٤ - ٢٠٥)] (٢).
١٢٣٨ - التنجيم:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية من السحر، قال: ويحرم إجماعا، وأقر أولهم
стр. 888
وآخرهم أن الله تعالى يدفع عن أهل العبادة والدعاء ببركته ما زعموا (١) أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك أن تجلبه) [الفروع ٦/ ١٧٨ (١٠/ ٢٠٨)] (٢).
١٢٣٩ - مسألة:
- قال ابن مفلح: (وإن أسلم أبوا حمل أو طفل أو أحدهما، لا جده وجدته، والمنصوص: أو مميز لم يبلغ، نقل ابن منصور: لم يبلغ عشرا، فمسلم، وكذا إن سباه مسلم منفردا، وعنه: كافر، كسبيه معهما على الأصح، وإن سبي مع أحدهما فمسلم، وعنه: يتبع أباه، وعنه: المسبي معه منهما، اختاره الآجري، ويتبع سابيا ذميا كمسلم، وقيل: إن سباه منفردا فمسلم، ونقل عبد الله والفضل بن زياد: يتبع مالكا مسلما كسبي، اختاره شيخنا) [الفروع ٦/ ١٨٢ (١٠/ ٢١٣)].
١٢٤٠ - إرث الحمل من أب كافر إذا أسلمت أمه قبل الوضع:
- قال ابن مفلح: (وظاهر «الفصول»: أنه كمن أسلم قبل قسم التركة، وقال في مكان آخر ــ بعد رواية الكحال (٣) ــ: جعل تجدد الإسلام مانعا من
стр. 889
إرثه مع كوننا نجعل للحمل حكما في باب الإرث، وذلك أن من أصله أن يورث القريب الكافر إذا أسلم قبل القسم.
وقال شيخنا: قيد ذلك بما إذا أسلمت أمه قبل الوضع، فإنه في هذه الصورة يصير مسلما بلا ريب. قال: وتعليل ابن عقيل ضعيف) [الفروع ٦/ ١٨٣ (١٠/ ٢١٤ - ٢١٥)].
وانظر: ما سبق برقم: (٩٢٨).
١٢٤١ - حكم أطفال الكفار، ومن بلغ منهم مجنونا في الآخرة:
- قال ابن مفلح: (وأطفال الكفار في النار، وعنه: الوقف، واختار ابن عقيل وابن الجوزي: في الجنة كأطفال المسلمين، ومن بلغ منهم مجنونا، واختار شيخنا تكليفهم في القيامة للأخبار) [الفروع ٦/ ١٨٣ - ١٨٤ (١٠/ ٢١٥ - ٢١٦)] (١).
١٢٤٢ - الطفل إذا مات أبواه الكافران أو أحدهما:
- قال ابن القيم: ( ... لكن تنازعوا في الطفل إذا مات أبواه أو أحدهما هل يحكم بإسلامه؟ وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات:
إحداهن: يحكم بإسلامه بموت الأبوين، أو أحدهما، لقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه»، وهذا ليس معه أبواه وهو على الفطرة، وهي الإسلام ... فيكون مسلما.
стр. 890
والثانية: لا يحكم بإسلامه بذلك، وهذا قول الجمهور، قال شيخنا: وهذا القول هو الصواب، بل هو إجماع قديم من السلف والخلف، بل هو ثابت بالسنة التي لا ريب فيها، فقد علم أن أهل الذمة كانوا على عهد رسول الله ﷺ بالمدينة ووادي القرى وخيبر ونجران واليمن وغير ذلك، وكان فيهم من يموت وله ولد صغير، ولم يحكم النبي ﷺ بإسلام أهل الذمة ولا خلفاؤه، وأهل الذمة كانوا في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان، وفيهم من يتاماهم عدد كثير، ولم يحكموا بإسلام واحد منهم، فإن عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا، فهم يتولون حضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولون تربيتهم، وأحمد يقول: إن الذمي إذا مات ورثه ابنه الطفل، مع قوله في إحدى الروايات أنه يصير مسلما، لأن أهل الذمة ما زال أولادهم يرثوهم، لأن الإسلام حصل مع استحقاق الإرث، لم يحصل قبله) [شفاء العليل ٢/ ٨١٢ - ٨١٣].
- وقال أيضا: ( ... فأما المسألة الأولى: وهي موت الأبوين أو أحدهما، فاختلف فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يصير بذلك مسلما، بل هو على دينه، وهذا قول الجمهور، وربما ادعي فيه أنه إجماع معلوم متيقن، لأنا نعلم أن أهل الذمة لم يزالوا يموتون ويخلفون أولادا صغارا، ولا نعرف قط أن رسول الله ﷺ ولا أحدا من الخلفاء الراشدين بعده ولا من بعدهم من الأئمة حكموا بإسلام أولاد الكفار بموت آبائهم، ولا نعرف أن ذلك وقع في الإسلام مع امتناع إهمال هذا الأمر وإضاعته عليهم، وهم أحرص الناس على الزيادة في الإسلام والنقصان من الكفر، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد ــ في إحدى الروايتين
стр. 891
عنه ــ، اختارها شيخنا ﵀) [أحكام أهل الذمة ١/ ٤٩٢] (١).
١٢٤٣ - الحكم بإسلام الطفل المولود لأبوين كافرين إذا سباه مسلم:
١٢٤٤ - والحكم بإسلام الطفل الذي انقطع نسبه عن أبيه الكافر:
١٢٤٥ - والحكم بإسلام الطفل إذا اشتراه مسلم:
- قال ابن القيم: (فإن قيل: فاجعلوه تابعا لسابيه في الإسلام وإن كان معه أبواه أو أحدهما، فإن تبعيته لأبويه قد انقطعت وصار السابي هو أحق به.
قيل: نعم، وهكذا نقول سواء، وهو قول إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ونص عليه أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ...
فإن قيل: فهل تطردون هذا فيما انقطع نسبه عن الأب، مثل كونه ولد زنا، أو منفيا بلعان؟
قيل: نعم، لوجود المقتضي لإسلامه بالفطرة، وعدم المانع، وهو وجود الأبوين.
ولكن الراجح في الدليل قول الجمهور، وأنه لا يحكم بإسلامه بذلك، وهو الرواية الثانية عنه، اختارها شيخ الإسلام ...
فإن قيل: فهل تطردون هذا الأصل في جعله تبعًا للمالك، فتقولون: إذا اشترى المسلم طفلًا كافرًا يكون مسلمًا تبعًا له، أو تتناقضون فتفرقون بينه وبين السابي؟
стр. 892
وصورة المسألة: فيما إذا زوَّج الذمي عبده الكافر من أمته، فجاءت بولد، أو تزوج الحر منهم بأمة، فأولدها، ثم باع السيد هذا الولد لمسلم.
قيل: نعم، نطرده، ونحكم بإسلامه، قاله شيخنا قدس الله روحه.
ولكن جادة المذهب: أنه باقٍ على كفره، كما لو سبي مع أبويه، وأولى.
والصحيح قول شيخنا، لأن تبعيته للأبوين قد زالت وانقطعت الموالاة والميراث، والحضانة بين الطفل والأبوين، وصار المالك أحق به، وهو تابع له، فلا يفرد عنه بحكم، فكيف يفرد عنه في دينه؟ وهذا طرد الحكم بإسلامه في مسألة السباء، وبالله التوفيق) [إعلام الموقعين ٢/ ٦٧ - ٧٠].
١٢٤٦ - حكم من لم تبلغه الدعوة:
- قال ابن مفلح: (ونقل ابن منصور فيمن ولد أعمى أبكم أصم وصار رجلا: هو بمنزلة الميت، هو مع أبويه، وإن كانا مشركين ثم أسلما بعد ما صار رجلا، قال: هو معهما، ويتوجه: مثلهما من لم تبلغه الدعوة، وقاله شيخنا) [الفروع ٦/ ١٨٤ - ١٨٥ (١٠/ ٢١٦)] (١).
١٢٤٧ - من تعدى بلفظه على حق الرسول ﷺ ثم تاب:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا فيمن شُفِع عنده في شخص، فقال: لو جاء النبي ﷺ يشفع فيه ما قبل: إن تاب بعد القدرة عليه قتل، لا قبلها، في أظهر قولي العلماء فيهما، ويسوغ تعزيره، وهذا اختيار المالكية يعزر بعد التوبة.
стр. 893
ووجه شيخنا هذا المعنى في مكان آخر بأن قتله من حيث هو رسولٌ حقٌّ لله، وقد سقط، فيعزر لحق البشرية، كتعزير ساب المؤمنين بعد إسلامه.
قال: ومن لم يعاقبه بشيء قال: اندرج حق البشرية في حق الرسالة، فإن الجريمة الواحدة إذا أوجبت القتل لم يجب غيره، عند أكثر الفقهاء، ولهذا اندرج حق الله في حق الآدمي بعفوه عن قود وحد قذف.
قال: وفي الأصلين خلاف، فمذهب «م»: يعزر القاتل بعد العفو، ومذهب «هـ»: لا يسقط حد القذف بالعفو، ولهذا تردد من أسقط القتل بالإسلام، هل يؤدب حدا أو تعزيرا على خصوص القذف والسب؟ ) [الفروع ٦/ ١٨٨ (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٢)] (١).
стр. 894
كتاب الجهاد
١٢٤٨ - الجهاد بالمال للعاجز عنه ببدنه:
- قال ابن مفلح: (وهو فرض كفاية على مكلف ذكر حر ــ فإنَّ فرض الكفاية لا يلزم رقيقا ولو أذن له سيده (١) ــ صحيحٍ (٢) ــ ولو أعور ــ واجد ــ وفي «المحرر»: ولو من الإمام ــ ما يحتاجه هو وأهله لغيبته، ومع مسافة قصر مركوبا، وعنه: يلزم عاجزا ببدنه في ماله، اختاره الآجري وشيخنا كحج على معضوب (٣) وأولى) [الفروع ٦/ ١٨٩ (١٠/ ٢٢٥)] (٤).
١٢٤٩ - أنواع الجهاد:
- قال ابن القيم: (وسمعت شيخنا يقول: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولًا حتى يخرج إليهم) [روضة المحبين ٤٧٥ ــ ٤٧٦].
- وقال ابن مفلح: (وذكر شيخنا الأمر بالجهاد: فمنه بالقلب، والدعوة، والحجة والبيان، والرأي والتدبير، والبدن، فيجب بغاية ما يمكنه، والحرب خدعة:
стр. 895
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِ ... هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني
فإذا هما اجتمعا لعبد مرَّةً ... بلغَا (١) من العلياءِ كلَّ مكانِ (٢)
قال: وعلى الرسول (٣) أن يحرضهم على الجهاد، ويقاتل بهم عدوه بدعائهم ورأيهم وفعلهم، وغير ذلك مما يمكن الاستعانة به على الجهاد) [الفروع ٦/ ١٨٩ ـ ١٩٠ (١٠/ ٢٢٦ - ٢٢٧)] (٤).
١٢٥٠ - ما لا تكفره الشهادة:
١٢٥١ - والحقوق التي لا يسقطها الحج:
١٢٥٢ - وحكم من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الواجبات:
- قال ابن مفلح: (وتكفِّر الشهادة غير الدَّين، قال شيخنا: وغير مظالم العباد كقتلٍ وظلمٍ، وزكاةٍ وحجٍّ أخرهما.
وقال شيخنا: ومن اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الصلاة والزكاة فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي من دم أو مال أو عرض بالحج «ع») [الفروع ٦/ ١٩٤ (١٠/ ٢٣٣)].
стр. 896
١٢٥٣ - الطهارة والصلاة وصيام رمضان والحج ونحوها لا تكفر إلا الصغائر:
- قال ابن مفلح: (وتكفر طهارة وصلاة ورمضان وعرفة وعاشوراء الصغائر فقط، قال شيخنا: وكذا حج؛ لأن الصلاة ورمضان أعظم منه) [الفروع ٦/ ١٩٤ (١٠/ ٢٣٣)] (١).
١٢٥٤ - الأعمال الظاهرة يعظم قدرها بما في القلوب من الإيمان:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: من عرف أن الأعمال الظاهرة تعظيم قدرها بما في القلوب من الإيمان ــ وهو متفاضل لا يعلم مقاديره إلا الله تعالى -= عرف أن ما قاله الرسول حق، ولم يضرب بعضه ببعض، وقد يفعل النوع الواحد بكمال إخلاص وعبودية فيغفر له به كبائر كصاحب السجلات، والبغي التي سقت الكلب فغفر لها. كذا قال) [الفروع ٦/ ١٩٥ (١٠/ ٢٣٤ - ٢٣٥)] (٢).
١٢٥٥ - الرباط أفضل من المقام بمكة:
- قال ابن مفلح: (وتمام الرباط أربعون يوما، قاله الإمام أحمد، ويستحب ولو ساعة، نص عليه، وقال الآجري: أقله ساعة، وهو أفضل من مقام بمكة، وذكره شيخنا «ع») [الفروع ٦/ ١٩٦ (١٠/ ٢٣٥)] (٣).
стр. 897
١٢٥٦ - الانغماس في العدو:
- قال ابن مفلح: (وذكر شيخنا: يستحب انغماسه لمنفعة المسلمين وإلا نهي عنه، وهو من التهلكة) [الفروع ٦/ ٢٠٢ (١٠/ ٢٤٣)] (١).
١٢٥٧ - جهاد الدفع:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: جهاد الدفع للكفار يتعين على كل أحد، ويحرم فيه الفرار من مثليهم؛ لأنه جهاد ضرورة لا اختيار، وثبتوا يوم أحد والأحزاب وجوبا، وكذا لما قدم التتر دمشق) [الفروع ٦/ ٢٠٢ (١٠/ ٢٤٤)] (٢).
١٢٥٨ - الاستعانة بالمشركين في العمالة والكتابة:
١٢٥٩ - وحكم من تولى منهم ديوانا للمسلمين:
- قال ابن مفلح: (ويتوجه: يكره أن يستعين بكافر إلا لضرورة، وذكر جماعة: لحاجة، وعنه: يجوز مع حسن رأي فينا، زاد جماعة وجزم به في «المحرر»: وقوته بهم وبالعدو، وفي «الواضح» روايتان: الجواز وعدمه بلا ضرورة، وبناهما على الإسهام له، كذا قال، وفي «البلغة»: يحرم إلا لحاجة بحسن الظن، قال: وقيل: إلا لضرورة، وأطلق أبو الحسين وغيره أن الرواية لا تختلف أنه لا يستعان بهم ولا يعاونون، وأخذ القاضي من تحريم
стр. 898
الاستعانة تحريمها في العمالة والكتبة، وسأله أبو طالب عن مثل الخراج؟ فقال: لا يستعان بهم في شيء. وأخذ القاضي منه أنه لا يجوز كونه عاملا في الزكاة، فدل أن المسألة على روايتين، والأولى المنع واختاره شيخنا وغيره أيضا؛ لأنه يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها، فهو أولى من مسألة الجهاد.
وقال شيخنا: من تولى منهم ديوانا للمسلمين انتقض عهده؛ لأنه من الصغار (١)) [الفروع ٦/ ٢٠٥ (١٠/ ٢٤٧ - ٢٤٨)] (٢).
١٢٦٠ - تصرفات إمام المسلمين تبنى على المصلحة في المال وغيره:
- قال ابن مفلح: (واختار شيخنا: للإمام عمل المصلحة في مال وغيره، كعمل النبي ﷺ بأهل مكة) [الفروع ٦/ ٢ ١٣ (١٠/ ٢٥٧ - ٢٥٨)] (٣).
١٢٦١ - من قتل غيره متأولا:
- قال ابن مفلح: (وفي «رد شيخنا على الرافضي»: الأمة يقع منها التأويل في الدم والمال والعرض، ثم ذكر قتل أسامة للرجل الذي أسلم بعد أن علاه بالسيف، وخبر المقداد.
قال: فقد ثبت أنهم مسلمون يحرم قتلهم، ومع هذا فلم يضمن المقتول، بقود ولا دية ولا كفارة، لأن القاتل كان متأولا، هذا قول أكثرهم كالشافعي وأحمد وغيرهما، وكما لا يلزم الحربي إذا أسلم شيء لأنه متأول، وقال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة في قصة الإفك: إنك منافق. وقال عمر
стр. 899
عن حاطب: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. وقال بعض الصحابة عن مالك بن الدخشم: إنه منافق، وذلك في «الصحيحين»، فأنكر عليه النبي ﷺ ولم يكفر أحدا، وفي البخاري: أن بعضهم لعن رجلا يدعى حمارا لكثرة شربه، فقال النبي ﷺ : «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» ولم يعاقبه للعنه (١) له، فالمتأول المخطئ مغفور له بالكتاب والسنة.
وقال بعضهم ــ كأبي حنيفة وبعض المالكية ــ: كانوا أسلموا ولم يهاجروا فثبت في حقهم العصمة المؤثمة دون المضمنة، كذرية حرب.
وقد ذكر شيخنا بعد ذلك قصة خالد كما تقدم, ولم يتكلم على ما فيها من التضمين المخالف عنده لقصة أسامة، بل قال: إنه وقع منه كما وقع من أسامة، فدل أنهما سواء.
فإما أن يقال: ظاهر قصة أسامة لا تضمين، وقصة خالد ترغيبا في الإسلام، أن التضمين ليس في «المسند»، ولا «الكتب الستة».
أو يقال: قصة خالد فيها التضمين، وفي قصة أسامة مسكوت عنه، ومثل أسامة يعلمه كما يعلم الكفارة، ولم يطالب إما لعسرته، أو لأن المستحق بيت المال، وللإمام العفو مجانا.
وظاهر كلام شيخنا هذا أن من قتل باغيا في غير حرب متأولا لا شيء فيه، وأن قتل الباغي للعادل كذلك للتأويل.
وذكر في مكان آخر قتل خالد مالك بن النويرة فلم يقتله أبو بكر، كما أن أسامة لما قتل لم يوجب النبي ﷺ قودا ولا دية ولا كفارة، وكما أنه لما
стр. 900
قتل بني جذيمة لم يقتله النبي ﷺ للتأويل) [الفروع ٦/ ٢ ١٦ - ٢١٧ (١٠/ ٢٦٢ - ٢٦٤)] (١).
١٢٦٢ - التمثيل بالكفار:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: المثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها والصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد، ولا يكون نكالا لهم عن نظيرها، فأما إذا كان في التمثيل السائغ دعاء لهم إلى الإيمان، أو زجر لهم عن العدوان، فإنه هنا من إقامة الحدود، والجهاد المشروع، ولم تكن القصة في أحد كذلك، فلهذا كان الصبر أفضل، فأما إذا كان المغلب حق الله تعالى فالصبر هناك واجب، كما يجب حيث لا يمكن الانتصار، ويحرم الجزع. هذا كلامه) [الفروع ٦/ ٢١٨ (١٠/ ٢٦٥ - ٢٦٦)] (٢).
стр. 901
باب قسمة الغنيمة
١٢٦٣ - الحرمان من السلب:
- قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: ومن العقوبة المالية حرمانه ﵇ السلب للمددي لما كان في أخذه عدوانٌ على ولي الأمر) [الفروع ٦/ ٢٢٥ (١٠/ ٢٧٥ - ٢٧٦)] (١).
١٢٦٤ - الأموال التي ملكها الله للعباد:
- قال ابن مفلح: (وفي «رد شيخنا على الرافضي» عن بعض أصحابنا «و: ش»: إن الله أضاف هذه الأموال إضافة ملك كسائر أملاك الناس، ثم اختار قول بعض العلماء إنها ليست ملكا لأحد، بل أمرها إلى الله والرسول، ينفقها فيما أمره الله به، فيثاب عليها كلها، بخلاف ما ملكه الله تعالى لعباده، فإن له (٢) صرفه في المباح) [الفروع ٦/ ٢٢٨ (١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٠)] (٣).
١٢٦٥ - مصرف الخمس والفيء:
- قال ابن مفلح: (واختار شيخنا إعطاء الإمام من شاء منهم (٤) للمصلحة، كزكاة، واختار أيضا أن الخمس والفيء واحد، يصرف في المصالح «و: م».
стр. 902
وفي «رده على الرافضي» أنه قول في مذهب أحمد، وأن عن أحمد ما يوافق ذلك فإنه جعل مصرف خمس الركاز (١) مصرف الفيء، وهو تبع لخمس الغنائم، وذكره أيضا رواية) [الفروع ٦/ ٢٢٩ (١٠/ ٢٨١)].
- وقال أيضا: (قال شيخنا: للإمام على الصحيح أن يخص طائفة بصنف كالفيء، قال: وليس للغانمين إعطاء أهل الخمس قدره من غيرها) [الفروع ٦/ ٢٣٠ (١٠/ ٢٨٢ - ٢٨٣)].
- وقال ابن كثير: (وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء.
وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية ﵀: وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال) [تفسير القرآن العظيم ٤/ ٦٢، الأنفال: ٤ ١] (٢).
١٢٦٦ - تحريق رحل الغال:
- قال ابن مفلح: (واختار شيخنا وبعض المتأخرين أن تحريق رحل الغال من باب التعزير لا الحد الواجب، فيجتهد الإمام فيه بحسب المصلحة، وهذا أظهر) [الفروع ٦/ ٢٣٧ (١٠/ ٢٩٣ - ٢٩٤)] (٣).
стр. 903
باب حكم الأرضين المغنومة
١٢٦٧ - إذا لم ينتفع بأرض الخراج:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: ولو يبست الكروم بجراد أو غيره سقط من الخراج حسبما تعطل من النفع.
قال: وإذا لم يمكن النفع به ببيع أو إجارة أو عمارة أو غيره لم تجز المطالبة بالخراج، ومن عجز عن عمارتها أجبر على إجارتها أو رفع يده) [الفروع ٦/ ٢٤٢ (١٠/ ٢٩٨)] (١).
١٢٦٨ - حكم بيع رباع مكة:
- قال ابن مفلح: (ومكة فتحت عنوة «و: هـ م» فيحرم بيعها وإجارتها، «و: هـ م» كبقاع المناسك، وجوزهما الشيخ، واختار شيخنا البيع فقط) [الفروع ٦/ ٢٤٣ (١٠/ ٢٩٩ - ٣٠٠)] (٢).
١٢٦٩ - أجرة رباع مكة:
- قال ابن مفلح: (وإن سكن بأجرة فعنه: لا يأثم بدفعها، جزم به الشيخ، وعنه: إنكار عدمه، جزم به القاضي لالتزامه، قال أحمد: لا ينبغي لهم أخذه، ويتوجه مثله فيمن عامل بعينة (٣) ونحوها في الزيادة عن رأس ماله،
стр. 904
وقال شيخنا: هي ساقطة يحرم بذلها) [الفروع ٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤ (١٠/ ٣٠٠ - ٣٠١)] (١).
١٢٧٠ - الكلف السلطانية التي تطلب من البلدان:
- قال ابن مفلح: (والكلف التي تطلب من البلدان (٢) بحق أو غيره، يحرم توفير (٣) بعضهم، وجعل قسطه على غيره، ومن قام فيها بنية العدل وتقليل الظلم مهما أمكن لله فكالمجاهد في سبيل الله. ذكره شيخنا) [الفروع ٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦ (١٠/ ٣٠٢ - ٣٠٣)] (٤).
стр. 905
باب الأمان
١٢٧١ - إذا كان عقد الأمان لأكثر من سنة:
- قال ابن مفلح: (ويحرم الأمان للقتل والرق, قاله الأصحاب, وفي «الترغيب»: ويحتمل أن لا يصح أمان امرأة عن الرق, قال: ويشترط للأمان عدم الضرر علينا, وأن لا تزيد مدته على عشر سنين ... ويعقد لرسول (١) ومستأمن، ولا جزية مدة الأمان، نص عليه، وقال أيضا: وذلك إذا أمنه الإمام، وقيل: بلى إن أقام سنة، واختاره شيخنا (٢)) [الفروع ٦/ ٢٥٠ (١٠/ ٣٠٩)].
стр. 906
باب الهدنة
١٢٧٢ - عقد الهدنة الجائز:
١٢٧٣ - وإذا قال: هادنتكم ما شئنا أو شاء فلان:
١٢٧٤ - وإذا قال: نقركم ما أقركم الله:
- قال ابن مفلح: (ولا يصح إلا حيث جاز تأخير الجهاد مدة معلومة لازمة، قال شيخنا: وجائزة (١) ...
وإن قال: هادنتكم ما شئنا أو شاء فلان= لم يصح، في الأصح، كقوله: نقركم ما أقركم الله، واختار شيخنا صحته أيضا، وأن معناه: ما شئنا، وصحتها مطلقة، لكن جائزة ويعمل بالمصلحة، لأن الله تعالى أمر بنبذ العهود المطلقة وإتمام الموقتة «هـ» إلا بسبب) [الفروع ٦/ ٢٥٣ (١٠/ ٣١٢)] (٢).
١٢٧٥ - رد عوض المرأة:
- قال ابن مفلح: (قال شيخنا: رد المال الذي هو عوض عن رد المرأة
стр. 907
المشروط (١) ردها منسوخ، أما رده نفسه (٢) فلا ناسخ له، ولو لم تبق امرأة يشترط ردها فلا يرد مهرها لعدم سببه فإن وجد سببه ــ وهو إفساد النكاح ــ فالآية دلت عليه ولم ينسخ (٣)، وفي لزوم مسلم تزوجها رد مهرها الذي كان دفعه إليها زوج كان إليه روايتان (٤)، ولم يستدل بشيء) [الفروع ٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦ (١٠/ ٣١٤ - ٣١٥)] (٥).
١٢٧٦ - شراء المعاهدين من سابيهم:
- قال ابن مفلح: (وذكر شيخنا رواية منصوصة: لنا شراؤهم من سابيهم «و: هـ» ولنا شراء ولدهم وأهلهم منهم، كحرب) [الفروع ٦/ ٢٥٦ (١٠/ ٣١٦)].
١٢٧٧ - نقض العهد:
١٢٧٨ - وإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة عهد:
- قال ابن القيم: (وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم، فأمدوهم بالمال والسلاح، وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد كما نقضت
стр. 908
قريش عهد النبي ﷺ بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه، فكيف إذا أعان أهل الذمة المشركين على حرب المسلمين؟ والله أعلم) [زاد المعاد ٣/ ١٣٨].
- وقال أيضا: ( ... وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد= جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم، ويغنم أموالهم، إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية وسبيهم، مستدلًا بقصة أبي بصير مع المشركين) [زاد المعاد ٣/ ٣٠٩].
- وقال ابن مفلح: (قيل لشيخنا عن سبي ملطية مسلميها ونصاراهم؟ فحرم مال المسلمين وأباح سبي النصارى وذريتهم وما لهم، كسائر الكفار، لأنه لا ذمة لهم ولا عهد، لأنهم نقضوا عهدهم السابق من الأئمة بالمحاربة وقطع الطريق، وما فيه غضاضة علينا، والإعانة على ذلك، ولا يعقد لهم إلا من يقاتلهم، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وهؤلاء التتر لا يقاتلونهم على ذلك، بل بعد إسلامهم لا يقاتلون الناس على الإسلام، ولهذا وجب قتال التتر حتى يلتزموا شرائع الإسلام، منها الجهاد وإلزام أهل الذمة بالجزية والصغار، ونواب التتر الذين (١) يسمون الملوك لا يجاهدون على الإسلام وهم تحت حكم التتر.
قال: ونصارى ملطية وأرض المشرق ويهودهم لو كان لهم ذمة وعهد من ملك مسلم يجاهدهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية كأهل المغرب واليمن، ثم لم يعاملوا أهل مصر والشام معاملة أهل العهد، جاز لأهل مصر
стр. 909
والشام غزوهم واستباحة دمهم ومالهم؛ لأن أبا جندل وأبا بصير حاربوا أهل مكة مع أن بينهم وبين النبي ﷺ عهدا.
قال: وهذا باتفاق الأئمة، لأن العهد والذمة إنما يكون من الجانبين) [الفروع ٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧ (١٠/ ٣١٦ - ٣١٧)] (١).
١٢٧٩ - إذا اشتبه ما أخذ من كافر بمسلم:
١٢٨٠ - وإذا كسب شيئا فادعاه رجل وأخذه:
- قال ابن مفلح: (وإن اشتبه ما (٢) أخذ من كافر بمسلم فينبغي الكف، ويتوجه: يحرم، كما قاله شيخنا في سبي مشتبه يحرم استرقاقه، قال: ومن كسب شيئا فادعاه رجل وأخذه فللأول على الثاني ما غرمه (٣) عليه من نفقة وغيرها إن لم يعرفه ملك الغير أو عرف وأنفق غير متبرع) [الفروع ٦/ ٢٥٧ (١٠/ ٣١٧)] (٤).
١٢٨١ - مصرف الأموال التي أعدها أهل البدعة لنشر بدعتهم:
- قال ابن كثير في حوادث سنة (٧١٦): (وكان صاحب مكة الأمير خميصة بن أبي نمي الحسني، قد قصد ملك التتر خربندا لينصره على أهل مكة، فساعده الروافض هناك، وجهزوا معه جيشًا كثيفًا من خراسان، فلما
стр. 910
مات خربندا لبطل ذلك بالكلية، وعاد خميصة خائبًا خاسئًا، وفي صحبته أمير من كبار الروافض من التتر، يقال له: الدلقندي، وقد جمع لخميصة أموالًا كثيرة ليقيم بها الرفض في بلاد الحجاز، فوقع بهما الأمير محمد بن عيسى أخو مهنا، وقد كان في بلاد التتر أيضًا ومعه جماعة من العرب، فقهرهما ومَن كان معهما، ونهب ما كان معهما من الأموال، وحضرت الرجال، وبلغت أخبار ذلك إلى الدولة الإسلامية فرضي عنه الملك الناصر وأهل دولته، وغسل ذلك ذنبه عنده، فاستدعى به السلطان إلى حضرته، فحضر سامعًا مطيعًا، فأكرمه نائب الشام، فلما وصل إلى السلطان أكرمه أيضًا.
ثم إنه استفتى الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وكذلك أرسل إليه السلطان يسأله عن الأموال التي أخذت من الدلقندي، فأفتاهم: أنها تصرف في المصالح التي يعم نفعها على المسلمين، لأنها كانت معدة لعناد الحق، ونصرة أهل البدعة على السنة) [البداية والنهاية: ١٤/ ٨٨ - ٨٩].
стр. 911
باب عقد الذمة
١٢٨٢ - الجزية:
- قال ابن القيم: (قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فالجزية: هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالا وصغارا، والمعنى: حتى يعطوا الخراج عن رقابهم، واختلف في اشتقاقها، فقال القاضي في «الأحكام السلطانية»: اسمها مشتق من الجزاء، إما جزاءا على كفرهم لأخذها منهم صغارا، أو جزاءا على أماننا لهم لأخذها منهم رفقا.
قال صاحب «المغني»: هي مشتقة من جزاه بمعنى قضاه كقوله (١): ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] فتكون الجزية مثل الفدية.
قال شيخنا: والأول أصح، وهذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة) [أحكام أهل الذمة ١/ ٢٢ - ٢٣] (٢).
١٢٨٣ - من تؤخذ منه الجزية:
١٢٨٤ - والكتاب الذي زوره اليهود في إسقاط الجزية عن أهل خيبر:
- قال ابن القيم: (وأهل خيبر وغيرهم من اليهود في الذمة والجزية سواء، لا يعلم نزاع بين الفقهاء في ذلك، ورأيت لشيخنا في ذلك فصلا نقلته
стр. 912
من خطه بلفظه قال:
والكتاب الذي بأيدي الخيابرة الذي يدعون أنه بخط علي في إسقاط الجزية عنهم باطل، وقد ذكر ذلك الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم، كأبي العباس بن شريح (١)، والقاضي أبي يعلى، والقاضي الماوردي، وأبي محمد المقدسي وغيرهم، وذكر الماوردي أنه إجماع، وصدق.
قال: هذا الحكم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ثابت بالعموم لفظا ومعنى، وهو عموم منقول بالتواتر لم يخصه أحد من علماء الإسلام، ولا دليل على شيء أوله الشرع، فيمتنع تخصيصه بما لا تعرف صحته، ولا وجد أيضا في الشريعة للمخصص (٢)، فإن الواحد من المسلمين مثل أبي بردة ابن نيار (٣) وسالم أبي حذيفة إنما خص بحكم لقيام معنى اختص به، وليس كذلك اليهود وأعقابهم، بل الخيابرة قد صدر منهم محاربة الله ورسوله، وفي قتال علي ﵁ لهم ما يكونون به أحق بالإهانة، فأما الإكرام وترك الجهاد إلى الغاية التي أمر الله بها في أهل دينهم فلا وجه له.
وأيضا فإن النبي ﷺ لم يضرب جزية راتبة على من حاربه من اليهود، لا بني قينقاع، ولا النضير، ولا قريظة، ولا خيبر، بل نفى بني قينقاع إلى أذرعات، وأجلى النضير إلى خيبر، وقتل قريظة، وقاتل أهل خيبر فأقرهم فلاحين ما شاء الله، وأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، لكن
стр. 913
لما بعث معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر.
قلت (١): ومقصود شيخنا أن أهل خيبر وغيرهم من اليهود كانوا في حكمه سواء، فلم يأخذ الجزية من غيرهم حتى أسقطها عنهم، فإن الجزية إنما نزلت فريضتها بعد فراغه من اليهود وحربهم، فإنها نزلت في سورة «براءة» عام حجة الصديق ﵁، سنة تسع، وقتاله لأهل خيبر كان في السنة السابعة، وكانت خيبر بعد صلح الحديبية، جعلها الله سبحانه شكرانا لأهل الحديبية وصبرهم، كما جعل فتح قريظة بعد الخندق شكرانا وجبرا لما حصل للمسلمين في تلك الغزوة، وكما جعل النضير بعد أحد كذلك، وجعل قينقاع بعد بدر، وكل واقعة من وقائع رسول الله ﷺ بأعداء الله اليهود كانت بعد غزوة من غزوات الكفار، ولم تكن الجزية نزلت بعد، فلما نزلت أخذها رسول الله ﷺ من نصارى نجران، وهم أول من أخذت منهم الجزية كما تبين، وبعث معاذ فأخذها من يهود اليمن.
فإن قيل: فلم يأخذها من أهل خيبر بعد نزولها؟
قيل: كان قد تقدم صلحه لهم على إقرارهم في الأرض بنصف ما يخرج منها ما شاء، فوفى لهم عهدهم ولم يأخذ منهم غير ما شرط عليهم، فلما أجلاهم عمر ﵁ إلى الشام ظنوا أنهم يستمرون على أن يعفوا منها، فزوروا كتابا يتضمن أن رسول الله ﷺ أسقطها عنهم بالكلية، وقد صنف الخطيب والقاضي وغيرهما في إبطال ذلك الكتاب تصانيف، ذكروا فيها وجوها تدل على أن ذلك الذي بأيديهم موضوع باطل.
стр. 914
قال شيخنا: ولما كان عام إحدى وسبع مئة أحضر جماعة من يهود دمشق عهودا ادعوا أنها قديمة، وكلها بخط علي بن أبي طالب ﵁، وقد غشوها بما يقتضي تعظيمها، وكانت قد نفقت على ولاة الأمور من مدة طويلة، فأسقطت عنهم الجزية بسببها، وبأيديهم تواقيع ولاة، فلما وقفت عليها تبين في نفسها ما يدل على كذبها من وجوه كثيرة جدا:
منها: اختلاف الخطوط اختلافا متفاقما في تأليف الحروف، الذي يعلم معه أن ذلك لا يصدر عن كاتب واحد، وكلها نافية أنه خط علي بن أبي طالب ﵁.
ومنها: أن فيها من اللحن الذي يخالف لغة العرب ما لا يجوز نسبة مثله إلى علي ﵁ ولا غيره.
ومنها: الكلام الذي لا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ في حق اليهود، مثل قوله: أنهم يعاملون بالإجلال والإكرام، وقوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقوله: أحسن الله بكم الجزاء، وقوله: وعليه أن يكرم محسنكم ويعفو عن مسيئكم، وغير ذلك.
ومنها: أن في الكتاب إسقاط الخراج عنهم مع كونهم في أرض الحجاز، والنبي ﷺ لم يضع خراجا قط، وأرض الحجاز لا خراج فيها بحال، والخراج أمر يجب على المسلمين، فكيف يسقط عن أهل الذمة؟ !
ومنها: أن في بعضها إسقاط الكلف والسخر عنهم، وهذا مما فعله الملوك المتأخرون، لم يشرعه الرسول ﷺ وخلفاؤه.
وفي بعضها: أنه شهد عنده عبد الله بن سلام وكعب بن مالك
стр. 915
وغيرهما من أحبار اليهود، وكعب بن مالك لم يكن من أحبار اليهود فاعتقدوا أنه كعب بن مالك (١) وذلك لم يكن من الصحابة، وإنما أسلم على عهد عمر ﵁.
ومنها: أن لفظ الكلام ونظمه ليس من جنس كلام النبي ﷺ .
ومنها: أن فيه من الإطالة والحشو ما لا يشبه عهود النبي ﷺ .
وفيها وجوه أخر متعددة، مثل: أن هذه العهود لم يذكرها أحد من العلماء المتقدمين قبل ابن شريح (٢)، ولا ذكروا أنها رفعت إلى أحد من ولاة الأمور فعملوا بها، ومثل ذلك مما يتعين شهرته ونقله) [أحكام أهل الذمة ١/ ٥١ - ٥٤].
- وقال أيضًا: (ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنة وأعلامها، أظهر طائفة منهم كتابا قد عتقوه وزوروه، وفيه: أن النبي ﷺ أسقط عن يهود خيبر الجزية، وفيه: شهادة علي بن أبي طالب وسعد بن معاذ وجماعة من الصحابة ﵃.
فراج ذلك على من جهل سنة رسول الله ﷺ ومغازيه وسيره، وتوهموا ــ بل ظنوا ــ صحته، فجروا على حكم هذا الكتاب المزور، حتى ألقي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، وطلب منه أن يعين على تنفيذه، والعمل عليه، فبصق عليه، واستدل على كذبه بعشرة أوجه:
منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل خيبر قطعًا.