← Фикх общий

Фикх общий · id 132619

الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه

سامي بن جاد الله

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

باب عقد الذمة ١٢٨٢ - الجزية: - قال ابن القيم: (قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فالجزية: هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالا وصغارا، والمعنى: حتى يعطوا الخراج عن رقابهم، واختلف في اشتقاقها، فقال القاضي في «الأحكام السلطانية»: اسمها مشتق من الجزاء، إما جزاءا على كفرهم لأخذها منهم صغارا، أو جزاءا على أماننا لهم لأخذها منهم رفقا. قال صاحب «المغني»: هي مشتقة من جزاه بمعنى قضاه كقوله (١): ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] فتكون الجزية مثل الفدية. قال شيخنا: والأول أصح، وهذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة) [أحكام أهل الذمة ١/ ٢٢ - ٢٣] (٢). ١٢٨٣ - من تؤخذ منه الجزية: ١٢٨٤ - والكتاب الذي زوره اليهود في إسقاط الجزية عن أهل خيبر: - قال ابن القيم: (وأهل خيبر وغيرهم من اليهود في الذمة والجزية سواء، لا يعلم نزاع بين الفقهاء في ذلك، ورأيت لشيخنا في ذلك فصلا نقلته

стр. 912

من خطه بلفظه قال: والكتاب الذي بأيدي الخيابرة الذي يدعون أنه بخط علي في إسقاط الجزية عنهم باطل، وقد ذكر ذلك الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم، كأبي العباس بن شريح (١)، والقاضي أبي يعلى، والقاضي الماوردي، وأبي محمد المقدسي وغيرهم، وذكر الماوردي أنه إجماع، وصدق. قال: هذا الحكم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ثابت بالعموم لفظا ومعنى، وهو عموم منقول بالتواتر لم يخصه أحد من علماء الإسلام، ولا دليل على شيء أوله الشرع، فيمتنع تخصيصه بما لا تعرف صحته، ولا وجد أيضا في الشريعة للمخصص (٢)، فإن الواحد من المسلمين مثل أبي بردة ابن نيار (٣) وسالم أبي حذيفة إنما خص بحكم لقيام معنى اختص به، وليس كذلك اليهود وأعقابهم، بل الخيابرة قد صدر منهم محاربة الله ورسوله، وفي قتال علي ﵁ لهم ما يكونون به أحق بالإهانة، فأما الإكرام وترك الجهاد إلى الغاية التي أمر الله بها في أهل دينهم فلا وجه له. وأيضا فإن النبي ﷺ لم يضرب جزية راتبة على من حاربه من اليهود، لا بني قينقاع، ولا النضير، ولا قريظة، ولا خيبر، بل نفى بني قينقاع إلى أذرعات، وأجلى النضير إلى خيبر، وقتل قريظة، وقاتل أهل خيبر فأقرهم فلاحين ما شاء الله، وأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، لكن

стр. 913

لما بعث معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر. قلت (١): ومقصود شيخنا أن أهل خيبر وغيرهم من اليهود كانوا في حكمه سواء، فلم يأخذ الجزية من غيرهم حتى أسقطها عنهم، فإن الجزية إنما نزلت فريضتها بعد فراغه من اليهود وحربهم، فإنها نزلت في سورة «براءة» عام حجة الصديق ﵁، سنة تسع، وقتاله لأهل خيبر كان في السنة السابعة، وكانت خيبر بعد صلح الحديبية، جعلها الله سبحانه شكرانا لأهل الحديبية وصبرهم، كما جعل فتح قريظة بعد الخندق شكرانا وجبرا لما حصل للمسلمين في تلك الغزوة، وكما جعل النضير بعد أحد كذلك، وجعل قينقاع بعد بدر، وكل واقعة من وقائع رسول الله ﷺ بأعداء الله اليهود كانت بعد غزوة من غزوات الكفار، ولم تكن الجزية نزلت بعد، فلما نزلت أخذها رسول الله ﷺ من نصارى نجران، وهم أول من أخذت منهم الجزية كما تبين، وبعث معاذ فأخذها من يهود اليمن. فإن قيل: فلم يأخذها من أهل خيبر بعد نزولها؟ قيل: كان قد تقدم صلحه لهم على إقرارهم في الأرض بنصف ما يخرج منها ما شاء، فوفى لهم عهدهم ولم يأخذ منهم غير ما شرط عليهم، فلما أجلاهم عمر ﵁ إلى الشام ظنوا أنهم يستمرون على أن يعفوا منها، فزوروا كتابا يتضمن أن رسول الله ﷺ أسقطها عنهم بالكلية، وقد صنف الخطيب والقاضي وغيرهما في إبطال ذلك الكتاب تصانيف، ذكروا فيها وجوها تدل على أن ذلك الذي بأيديهم موضوع باطل.

стр. 914

قال شيخنا: ولما كان عام إحدى وسبع مئة أحضر جماعة من يهود دمشق عهودا ادعوا أنها قديمة، وكلها بخط علي بن أبي طالب ﵁، وقد غشوها بما يقتضي تعظيمها، وكانت قد نفقت على ولاة الأمور من مدة طويلة، فأسقطت عنهم الجزية بسببها، وبأيديهم تواقيع ولاة، فلما وقفت عليها تبين في نفسها ما يدل على كذبها من وجوه كثيرة جدا: منها: اختلاف الخطوط اختلافا متفاقما في تأليف الحروف، الذي يعلم معه أن ذلك لا يصدر عن كاتب واحد، وكلها نافية أنه خط علي بن أبي طالب ﵁. ومنها: أن فيها من اللحن الذي يخالف لغة العرب ما لا يجوز نسبة مثله إلى علي ﵁ ولا غيره. ومنها: الكلام الذي لا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ في حق اليهود، مثل قوله: أنهم يعاملون بالإجلال والإكرام، وقوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقوله: أحسن الله بكم الجزاء، وقوله: وعليه أن يكرم محسنكم ويعفو عن مسيئكم، وغير ذلك. ومنها: أن في الكتاب إسقاط الخراج عنهم مع كونهم في أرض الحجاز، والنبي ﷺ لم يضع خراجا قط، وأرض الحجاز لا خراج فيها بحال، والخراج أمر يجب على المسلمين، فكيف يسقط عن أهل الذمة؟ ! ومنها: أن في بعضها إسقاط الكلف والسخر عنهم، وهذا مما فعله الملوك المتأخرون، لم يشرعه الرسول ﷺ وخلفاؤه. وفي بعضها: أنه شهد عنده عبد الله بن سلام وكعب بن مالك

стр. 915

وغيرهما من أحبار اليهود، وكعب بن مالك لم يكن من أحبار اليهود فاعتقدوا أنه كعب بن مالك (١) وذلك لم يكن من الصحابة، وإنما أسلم على عهد عمر ﵁. ومنها: أن لفظ الكلام ونظمه ليس من جنس كلام النبي ﷺ . ومنها: أن فيه من الإطالة والحشو ما لا يشبه عهود النبي ﷺ . وفيها وجوه أخر متعددة، مثل: أن هذه العهود لم يذكرها أحد من العلماء المتقدمين قبل ابن شريح (٢)، ولا ذكروا أنها رفعت إلى أحد من ولاة الأمور فعملوا بها، ومثل ذلك مما يتعين شهرته ونقله) [أحكام أهل الذمة ١/ ٥١ - ٥٤]. - وقال أيضًا: (ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنة وأعلامها، أظهر طائفة منهم كتابا قد عتقوه وزوروه، وفيه: أن النبي ﷺ أسقط عن يهود خيبر الجزية، وفيه: شهادة علي بن أبي طالب وسعد بن معاذ وجماعة من الصحابة ﵃. فراج ذلك على من جهل سنة رسول الله ﷺ ومغازيه وسيره، وتوهموا ــ بل ظنوا ــ صحته، فجروا على حكم هذا الكتاب المزور، حتى ألقي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، وطلب منه أن يعين على تنفيذه، والعمل عليه، فبصق عليه، واستدل على كذبه بعشرة أوجه: منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل خيبر قطعًا.

стр. 916

ومنها: أن في الكتاب أنه أسقط عنهم الجزية، والجزية لم تكن نزلت بعد، ولا يعرفها الصحابة حينئذ، فإن نزولها كان عام تبوك، بعد خيبر ثلاثة أعوام. ومنها: أنه أسقط عنهم الكلف والسخر، وهذا محال، فلم يكن في زمانه كلف ولا سخر تؤخذ منهم، ولا من غيرهم، وقد أعاذه الله، وأعاذ أصحابه من أخذ الكلف والسخر، وإنما هي من وضع الملوك الظلمة، واستمر الأمر عليها. ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فلم يذكره أحد من أهل المغازي والسير، ولا أحد من أهل الحديث والسنة، ولا أحد من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحد من أهل التفسير، ولا أظهروه في زمان السلف، لعلمهم أنهم إن زوروا مثل ذلك عرفوا كذبه وبطلانه، فلما استخفوا بعض الدول في وقت فتنة، وخفاء بعض السنة زوروا ذلك وعتقوه، وأظهروه، وساعدهم على ذلك طمع بعض الخائنين لله ولرسوله ﷺ ، ولم يستمر لهم ذلك، حتى كشف الله أمره، وبين خلفاء الرسل بطلانه وكذبه) [زاد المعاد ٣/ ١٥٢ ــ ١٥٣]. - وقال ابن مفلح: (واختار شيخنا في «رده على الرافضي» أخذها من الكل، وأنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد نزول الجزية بل كانوا أسلموا. وقال في «الاعتصام بالكتاب والسنة»: من أخذها من الجميع أو سوى بين المجوس وأهل الكتاب فقد خالف ظاهر الكتاب والسنة، وقد أمر الله تعالى بقتال المشركين في آيات ولم يقل: حتى يعطوا الجزية، وخبر بريدة

стр. 917

فيه: «وإذا حاصرت أهل حصن» ولا حصون للمشركين، ولم يدع النبي ﷺ أحدا منهم إليها وهي نزلت سنة تسع عام تبوك آخر مغازيه، وقيدها بأهل الكتاب) [الفروع ٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠ (١٠/ ٣١٩ - ٣٢٠)] (١). ١٢٨٥ - تحمل المسلم الجزية عن الكافر: - قال ابن القيم: ( .... ولم أر لأصحابنا في هذه المسألة كلاما إلا ما ذكره أبو عبد الله بن حمدان في «رعايته» فقال: وهل للمسلم أن يتوكل لذمي في أداء جزيته، أو أن يضمنها عنه، أو أن يحيل الذمي عليه بها؟ يحتمل وجهين، أظهرهما المنع. انتهى. وعلى هذا يجري الخلاف فيما إذا تحملها عنه مسلم أو ذمي، والحمالة أن يقول: أنا ملتزم لما على فلان بشرط براءة ذمته منه، وقد اختلف الفقهاء في أصل هذه الحمالة: فالشافعي وأحمد لا يصححانها، هكذا ذكره أصحابه عنه، ولا نص له في المنع، والصحيح الجواز، وهو مقتضى أصوله، وهو اختيار شيخنا) [أحكام أهل الذمة ١/ ٨٩]. ١٢٨٦ - انتقال الكتابي أو المجوسي إلى غير دينه: ١٢٨٧ - وإذا اشترى اليهود نصرانيا فجعلوه يهوديا: - قال ابن مفلح: (وإن انتقل كتابي أو مجوسي إلى غير دينه فعنه: إن لم يسلم قتل، وعنه: ويقر بدينه الأول، وعنه: يقر بأفضل منه، كمجوسي

стр. 918

تهود، وفي «الوسيلة» وجه: أو يهودي تنصر. وقال شيخنا: اتفقوا على التسوية بين اليهود والنصارى، لتقابلهما وتعارضهما. قال: ويسمون بهما قبل نسخ وتبديل ومؤمنين ومسلمين. قال: وإن اشترى اليهود نصرانيا فجعلوه يهوديا عزروا على جعله يهوديا، ولا يكون إلا مسلما) [الفروع ٦/ ٢٦٠ (١٠/ ٣٢٠ - ٣٢١)]. ١٢٨٨ - ما يؤخذ ممن لا تلزمه الجزية: ١٢٨٩ - وأخذ الجزية من الراهب الموسر: - قال ابن مفلح: (ولا تلزم صبيا ومجنونا وزمنا وأعمى وشيخا فانيا وراهبا بصومعة، وفيه وجه، ولا يبقى بيده مال إلا بلغته فقط، ويؤخذ ما بيده، قاله شيخنا. قال: ويؤخذ منهم ما لنا، كالرزق الذي للديورة (١) والمزارع إجماعا. قال: ويجب ذلك. قال: ومن له تجارة أو زراعة وهو مخالط أو معاونهم على دينهم كمن يدعو إليه من راهب وغيره يلزمه إجماعا وحكمه حكمهم بلا نزاع) [الفروع ٦/ ٢٦٥ (١٠/ ٣٢٧ - ٣٢٨)] (٢).

стр. 919

١٢٩٠ - تغيير الإمام للعقد الذي عقده الخلفاء مع نصارى بني تغلب للمصلحة: - قال ابن مفلح: (ويؤخذ عوض الجزية زكاتين من أموال بني تغلب، مما تجب فيه زكاة، حتى ممن لا تلزمه جزية، وفيه وجه، اختاره الشيخ، وليس للإمام تغييره، لأن عقد الذمة مؤبد، وقد عقده عمر معهم هكذا، واختار ابن عقيل: يجوز لاختلاف المصلحة باختلاف الأزمنة، وجعله جماعة كتغيير خراج وجزية، وقاله شيخنا) [الفروع ٦/ ٢٦٧ (١٠/ ٣٣١ - ٣٣٢)].

стр. 920

باب أحكام الذمة ١٢٩١ - تمييز قبور أهل الذمة: ١٢٩٢ - ومنعهم من التكني بكنية المسلمين وألقابهم: - قال ابن مفلح: (ويلزم تمييز قبورهم عن قبورنا تمييزا ظاهرا، كالحياة. وأولى، ذكره شيخنا، وأن لا يكتنوا بكنية المسلمين، كأبي القاسم وأبي عبد الله، وكذا اللقب، كعز الدين ونحوه، قاله شيخنا) [الفروع ٦/ ٢٦٩ (١٠/ ٣٣٣)] (١). ١٢٩٣ - لباس أهل الذمة: - قال ابن القيم ــ في معرض كلامه عن المفتي وأن عليه أن يفطن لحقيقة السؤال وصورته، وأن بعض المستفتين قد يصوغ السؤال في قالب مزخرف ليفتى بما يوافق هواه ــ: (وأذكر لك من هذا مثالا وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يلزم أهل الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين، فقامت لذلك قيامتهم، وعظم عليهم، وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرت به عيون المسلمين، فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صَوَّرُوا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغبار، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة أُلزموا بلباس غير لباسهم المعتاد، وزيٍّ غير زيهم المألوف، فحصل لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات، وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاة،

стр. 921

وآذوهم غاية الأذى، فطمع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم، فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا؟ فأجابهم من منع التوفيق وصد عن الطريق بجواز ذلك، وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه، قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم، ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميزون به عن المسلمين، فذهبوا ثم غيروا الفتوى، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم. فذهبوا، ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعينة، وإن خرجت في عدة قوالب. ثم ذهب إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم، ولله الحمد) [إعلام الموقعين ٤/ ١٩٣ - ١٩٤] (١). ١٢٩٤ - منع أهل الذمة من حمل سلاح والمقاتلة بثقاف ورمي وغيره: - قال ابن مفلح: (وقال شيخنا: ومِنْ (٢) حَمْلِ سلاحٍ والمقاتلَة بثقافٍ ورمي وغيره، لأنه مشروط عليهم) [الفروع ٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠ (١٠/ ٣٣٤)] (٣). ١٢٩٥ - عيادة أهل الذمة وتعزيتهم وتهنئتهم: - قال ابن مفلح: (وتحرم العيادة والتهنئة والتعزية لهم، كالتصدير والقيام، وكمبتدع يجب هجره، وعنه: يجوز «و: هـ ش»، وعنه: لمصلحة

стр. 922

راجحة، كرجاء إسلام، اختاره شيخنا، ومعناه اختيار الآجري، وأنه قول العلماء: يعاد ويعرض عليه الإسلام) [الفروع ٦/ ٢٧٠ (١٠/ ٣٣٤)] (١). ١٢٩٦ - الدعاء للشخص بالبقاء: - قال ابن مفلح: (وقد كره الإمام أحمد الدعاء لكل أحد بالبقاء ونحوه، لأنه شيء فرغ منه، واختاره شيخنا) [الفروع ٦/ ٢٧٠ (١٠/ ٣٣٤)] (٢). ١٢٩٧ - تحية الذمي بـ: كيف أنت، وكيف أصبحت، ونحو ذلك: - قال ابن مفلح: (وتحرم البداءة بالسلام، وفي الحاجة احتمال، نقل أبو داود فيمن له حاجة إليه: لا يعجبني، ومثله: كيف أنت، أو أصبحت، أو حالك، نص عليه، وجَوَّزه شيخنا) [الفروع ٦/ ٢٧ ١ (١٠/ ٣٣٦)] (٣). ١٢٩٨ - رد تحية الذمي: ١٢٩٩ - وقول: أهلا وسهلا له: - قال ابن مفلح: (وإن سلم أحدهم لزم رد عليكم، أو: عليك، وهل الأولى الواو؟ فيه وجهان، وعند شيخنا: يرد تحيته، وأنه يجوز: أهلا وسهلا) [الفروع ٦/ ٢٧٢ (١٠/ ٣٣٦)] (٤).

стр. 923

١٣٠٠ - قول: «يهديكم الله» للذمي إذا عطس: - قال ابن مفلح: (وكره أحمد مصافحته، قيل له: فإن عطس يقول له: يهديكم الله؟ قال: أي شيء يقال له؟ كأنه لم يره، وقال القاضي: ظاهره أنه لم يستحبه، كما لا يستحب بداءته بالسلام، وعن أبي موسى: إن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول لهم يرحمكم الله، فكان يقول لهم: «يهديكم الله ويصلح بالكم» رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه. وقال شيخنا: فيه الروايتان، قال: والذي ذكره القاضي: يكره، وهو ظاهر كلام أحمد، وابن عقيل إنما نفى الاستحباب) [الفروع ٦/ ٢٧٢ (١٠/ ٣٣٦ - ٣٣٧)]. - وقال أيضا: (قال الشيخ تقي الدين: وقد نص أحمد على أنه لا يستحب تشميت الذمي، ذكره أبو حفص في «كتاب الأدب» عن الفضل بن زياد قال: قلت: يا أبا عبد الله، لو عطس يهودي قلت له: يهديكم الله ويصلح بالكم؟ قال: أي شيء يقال لليهودي؟! كأنه لم يره. قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه لم يستحب تشميته؛ لأن التشميت تحية له فهو كالسلام ولا يستحب أن يبدأ بالسلام كذلك التشميت. ويدل عليه ما رواه أبو حفص بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «إن للمسلم على المسلم ست خصال، إن ترك منهن شيئا ترك حقا واجبا عليه: إذا دعاه أن يجيبه، وإذا مرض أن يعوده، وإذا مات أن يحضره، وإذا لقيه أن يسلم عليه، وإذا استنصحه أن ينصحه، وإذا عطس أن يشمته أو يسمته» فلما

стр. 924

خص المسلم بذلك دل على أن الكافر بخلافه، وهو في «السنن» إلا قوله «حقا واجبا عليه». ولأحمد ومسلم من حديث أبي هريرة: «حق المسلم على المسلم ست ... » وذكره. قال الشيخ تقي الدين: التخصيص بالوجوب أو الاستحباب إنما ينفي ذلك في حق الذمي كما ذكره أحمد في النصيحة، وإجابة الدعوة لا تنفي جواز ذلك في حق الذمي من غير استحباب ولا كراهة، كإجابة دعوته، والذي ذكره القاضي ــ وهو ظاهر كلام أحمد ــ أنه يكره، وكلام ابن عقيل إنما نفى الاستحباب، وفي المسألة حديث تعاطس اليهود عند النبي وكان يجيبهم بالهداية، وإذا كان في التهنئة والتعزية والعيادة روايتان فالتشميت كذلك. انتهى كلامه) [الآداب الشرعية ٢/ ٣٢٠ - ٣٢ ١]. ١٣٠١ - الكنائس والمعابد في الأرض التي فتحت عنوة: ١٣٠٢ - وعقد الذمة مع إبقاء المعابد بأيديهم: ١٣٠٣ - وإذا انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم: ١٣٠٤ - وما أحدث من الكنائس والمعابد بعد الفتح: ١٣٠٥ - والزيادة في الكنيسة: - قال ابن القيم: (وورد على شيخنا استفتاء في أمر الكنائس، صورته: ما يقول السادة العلماء وفقهم الله في إقليم توافق أهل الفتوى في هذا الزمان على أن المسلمين فتحوه عنوة من غير صلح ولا أمان، فهل ملك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟

стр. 925

وهل يكون الملك شاملا لما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيع والكنائس والقلايات والديورة ونحو ذلك، أو يختص الملك بما عدا متعبدات أهل الشرك؟ فإن ملك جميع ما فيه فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك من النصارى واليهود بذلك الإقليم أو غيره الذمة، على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البيع والكنائس والديورة ونحوها متعبدا لهم، وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنة في مقابلة ذلك بمفرده أو مع غيره أم لا؟ فإن لم يجز لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه، فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكم الغنيمة يتصرف فيه الإمام تصرفه في الغنائم أم لا؟ وإن جاز للإمام أن يعقد الذمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها فهل يملك من عقدت له الذمة بهذا العقد رقاب البيع والكنائس والديورة ونحوها ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذا العقد أم لا، لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع؟ وإذا لم يملكوا ذلك وبقوا على الانتفاع بذلك، وانتقض عهدهم بسبب يقتضي انتقاضه، إما بموت من وقع عقد الذمة معه ولم يعقبوا، أو أعقبوا فإن قلنا: إن أولادهم يستأنف معهم عقد الذمة ــ كما نص عليه الشافعي فيما حكاه ابن الصباغ وصححه العراقيون، واختاره ابن أبي عصرون في «المرشد» ــ فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة إلا بشرط ألا تدخلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال التي جهل مستحقوها وأيس من معرفتها، أم لا يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد

стр. 926

الذمة، بل يجب عليه إدخالها في عقد الذمة؟ فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس والديورة التي تحقق أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين، ولا يجب عليه ذلك عند التردد في أن ذلك كان موجودا عند الفتح أو حدث بعد الفتح، أو يجب عليه مطلقا فيما تحقق أنه كان موجودا قبل الفتح أو شك فيه؟ وإذا لم يجب في حالة الشك، فهل يكون ما وقع الشك في أنه كان قبل الفتح وجهل الحال فيمن أحدثه لمن هو لبيت المال أم لا؟ وإذا قلنا: إن من بلغ من أولاد من عقدت معهم الذمة وإن سلفوا ومن غيرهم لا يحتاجون أن تعقد لهم الذمة، بل يجري عليهم حكم من سلف إذا تحقق أنه من أولادهم، يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم أنفسهم، أم يحتاج إلى تجديد عقد وذمة؟ وإذا قلنا: إنهم يحتاجون إلى تجديد عقد عند البلوغ فهل تحتاج كنائسهم وبيعهم إليه أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي ﷺ ، وكعامة أرض الشام وبعض مدنها، وكسواد العراق إلا مواضع قليلة فتحت صلحا، وكأرض مصر، فإن هذه الأقاليم فتحت عنوة على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وقد روي في أرض مصر أنها فتحت صلحا، وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين صحيح على ما ذكره العلماء المتأهلون للروايات الصحيحة في هذا الباب، فإنها فتحت أولا صلحا، ثم نقض أهلها العهد فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ يستمده، فأمده بجيش كثير فيهم الزبير بن العوام، ففتحها

стр. 927

المسلمون الفتح الثاني عنوة، ولهذا روي من وجوه كثيرة أن الزبير سأل عمر بن الخطاب ﵄ أن يقسمها بين الجيش، كما سأله بلال قسم الشام، فشاور الصحابة في ذلك، فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئا للمسلمين، ينتفع بفائدتها أول المسلمين وآخرهم، ثم وافق عمر على ذلك بعض من كان خالفه، ومات بعضهم، فاستقر الأمر على ذلك. فما فتحه المسلمون عنوة فقد ملكهم الله إياه كما ملكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقار، ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد، وليس لمعابد الكفار خاصة تقتضي خروجها عن ملك المسلمين، فإن ما يقال فيها من الأقوال ويفعل فيها من العبادات إما أن يكون مبدلا، أو محدثا لم يشرعه الله قط، أو يكون الله قد نهى عنه بعدما شرعه، وقد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق، الذي بعث الله به خاتم المرسلين، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولهذا لما استولى رسول الله ﷺ على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم كبني قينقاع والنضير وقريظة كانت معابدهم مما استولى عليه المسلمون، ودخلت في قوله سبحانه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧]، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦]، و ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]، لكن وإن ملك المسلمون ذلك فحكم الملك متبوع، كما يختلف

стр. 928

حكم الملك في المكاتب والمدبر وأم الولد والعبد، وكما يختلف حكمه في المقاتلين الذين يؤسرون، وفي النساء والصبيان الذين يسبون، كذلك يختلف حكمه في المملوك نفسه والعقار والأرض والمنقول، وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم لها أحكام مختصة بها لا تقاس بسائر الأموال المشتركة، ولهذا لما فتح النبي ﷺ خيبر أقر أهلها ذمة للمسلمين في مساكنهم، وكانت المزارع ملكا للمسلمين، عاملهم عليها رسول الله ﷺ بشطر (١) ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ثم أجلاهم عمر ﵁ في خلافته واسترجع المسلمون ما كانوا أقروهم فيه من المساكن والمعابد. فصل وأما أنه هل يجوز للإمام عقد الذمة مع إبقاء المعابد بأيديهم فهذا فيه خلاف معروف في مذاهب الأئمة الأربعة: منهم من يقول: لا يجوز تركها لهم، لأنه إخراج ملك المسلمين عنها، وإقرار الكفر بلا عهد قديم. ومنهم من يقول بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما أقر النبي ﷺ أهل خيبر فيها، وكما أقر الخلفاء الراشدون الكفار على المساكن والمعابد التي كانت بأيديهم. فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار، منهم من يوجب إبقاءه كمالك في المشهور عنه وأحمد في رواية، ومنهم من يخير الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة، وهذا قول الأكثرين، وهو مذهب

стр. 929

أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وعليه دلت سنة رسول الله ﷺ حيث قسم نصف خيبر وترك نصفها لمصالح المسلمين. ومن قال: يجوز إقرارها بأيديهم= فقوله أوجه وأظهر، فإنهم لا يملكون بهذا الإقرار رقاب المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنهم لا يملكون ما ترك لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيبر ما أقرهم فيه رسول الله ﷺ من المساكن والمعابد، ومجرد إقرارهم ينتفعون بها ليس تمليكا، كما لو أقطع المسلم بعض عقار بيت المال ينتفع بغلته، أو سلم إليه مسجد أو رباط ينتفع به، لم يكن ذلك تمليكا له، بل ما أقروا فيه من كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعها منهم إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما انتزعها أصحاب النبي ﷺ من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم فيها، وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس العنوة التي خارج دمشق، فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد، وأقر ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ومن معه في عصره من أهل العلم، فإن المسلمين لما أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى جانبه، وكانت من كنائس الصلح، لم يكن لهم أخذها قهرا، فاصطلحوا على المعاوضة بإقرار كنائس العنوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عوضا عن كنيسة الصلح التي لم يكن لهم أخذها عنوة. فصل ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم، فضلا عن كنائس العنوة، كما أخذ النبي ﷺ ما كان لقريظة والنضير لما نقضوا العهد، فإن

стр. 930

ناقض العهد أسوأ حالا من المحارب الأصلي، كما أن ناقض الإيمان بالردة أسوأ حالا من الكافر الأصلي، ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار، ولم يبق من دخل في عهدهم، فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئا، فإذا عقدت الذمة لغيرهم كان كالعهد المبتدأ، وكان لمن يعقد لهم الذمة أن يقرهم في المعابد، وله ألا يقرهم، بمنزلة ما فتح ابتداء، فإنه لو أراد الإمام عند فتحه هدم ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدمه، وإنما اختلفوا في جواز بقائه، وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئا للمسلمين. أما على قول الجمهور الذين لا يوجبون قسم العقار فظاهر، وأما على قول من يوجب قسمه فلأن عين المستحق غير معروف، كسائر الأموال التي لا يعرف لها مالك معين، وأما تقدير وجوب إبقائها فهذا تقدير لا حقيقة له، فإن إيجاب إعطائهم معابد العنوة لا وجه له، ولا أعلم به قائلا، فلا يفرع عليه، وإنما الخلاف في الجواز. نعم قد يقال في الأبناء ــ إذا لم نقل بدخولهم في عهد آبائهم ــ لأن لهم شبهة الأمان والعهد، بخلاف الناقضين، فلو وجب لم يجب إلا ما تحقق أنه كان له، فإن صاحب الحق لا يجب أن يعطى إلا ما عرف أنه حقه، وما وقع الشك فيه على هذا التقدير فهو لبيت المال، وأما الموجودون الآن إذا لم يصدر منهم نقض عهد فهم على الذمة، فإن الصبي يتبع أباه في الذمة وأهل داره من أهل الذمة، كما يتبع في الإسلام أباه وأهل داره من المسلمين، لأن الصبي لما لم يكن مستقلا بنفسه جعل تابعا لغيره في الإيمان والأمان، وعلى هذا جرت سنة رسول الله ﷺ وخلفائه والمسلمين، في إقرارهم صبيان أهل الكتاب بالعهد القديم، من غير تجديد عقد آخر.

стр. 931

وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديما قبل فتح المسلمين، أما ما أحدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته، ولا يمكنون من إحداث البيع والكنائس، كما شرط عليهم عمر بن الخطاب ﵁ في الشروط المشهورة عنه: ألا يجددوا في مدائن الإسلام، ولا فيما حولها، كنيسة، ولا صومعة، ولا ديرا، ولا قلاية، امتثالا لقول رسول الله ﷺ : «لا تكون قبلتان ببلد واحد» رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، ولما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا كنيسة في الإسلام. وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك ويعمل به، مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى، فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها بصنعاء وغيرها. وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة. وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد. وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب بشروط عمر استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق، وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين، فمما ذكره ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أيما مصر مصرته العرب ــ يعني المسلمين ــ فليس للعجم ــ يعني أهل الذمة ــ أن يبنوا فيه كنيسة، ولا يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا، وأيما مصر مصرته العجم، ففتحه

стр. 932

الله على العرب، فإن للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم) [أحكام أهل الذمة ٢/ ٦٧٧ ــ ٦٨٦]. - وقال أيضا: (وفصل الخطاب أن يقال: إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة، لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين إلى بعضها وقلة أهل الذمة= فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة، وإن كان تركها أصلح لكثرتهم وحاجتهم إليها، وغنى المسلمين عنها= تركها، وهذا الترك تمكين لهم من الانتفاع بها لا تمليك لهم رقابها، فإنها قد صارت ملكا للمسلمين، فكيف يجوز أن يجعلها ملكا للكفار؟ وإنما هو امتناع بحسب المصلحة، فللإمام انتزاعها متى رأى المصلحة في ذلك، ويدل عليه أن عمر بن الخطاب والصحابة معه أجلوا أهل خيبر من دورهم ومعابدهم بعد أن أقرهم رسول الله ﷺ فيها، ولو كان ذلك الإقرار تمليكا لم يجز إخراجهم عن ملكهم إلا برضى أو معاوضة، ولهذا لما أراد المسلمون أخذ كنائس العنوة التي خارج دمشق في زمن الوليد بن عبد الملك صالحهم النصارى على تركها وتعويضهم عنها بالكنيسة التي زيدت في الجامع، ولو كانوا قد ملكوا تلك الكنائس بالإقرار لقالوا للمسلمين: كيف تأخذون أملاكنا قهرا وظلما؟ بل أذعنوا إلى المعاوضة لما علموا أن للمسلمين أخذ تلك الكنائس منهم، وأنها غير ملكهم، كالأرض التي هي بها، فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة، وهو اختيار شيخنا) [أحكام أهل الذمة ٢/ ٦٩٠ - ٦٩١]. - وقال ابن مفلح: (ويمنعون من إحداث الكنائس والبيع، ذكره شيخنا إجماعا، إلا فيما شرطوه فيما فتح صلحا على أنه لنا.

стр. 933

وفي لزوم هدم الموجود في عنوة وقت فتحه وجهان، وهما في «الترغيب» إن لم يقر به أحد بجزية وإلا لم يلزم. قال شيخنا: وبقاؤه ليس تمليكا، فنأخذه لمصلحة. وقاله أيضا في مشتبه (١)، كما لم يملك أهل خيبر المعابد، وكغيرها. وقال: لو انقرض أهل مصر ولم يبق من دخل في عهدهم فلنا العقار والمنقول والمعابد فيئا، فإن عقد لغيرهم ذمة فكعقد مبتدأ، فإن انتقض فكمفتوح عنوة. وقال: وقد أخذ المسلمون منهم كنائس كثيرة من أرض العنوة، وليس في المسلمين من أنكر ذلك، فعلم أن هدم كنائس العنوة جائز مع عدم الضرر علينا، فإعراض من أعرض عنهم كان لقلة المسلمين ونحو ذلك من الأسباب، كما أعرض النبي ﷺ عن اليهود حتى أجلاهم عمر، وولي الأمر إذا حكم في مسائل الاجتهاد بأحد القولين لمصلحة المسلمين وجبت طاعته «ع»، ومن قال: إنه ظالم وجبت عقوبته، ولا يجوز في مسائل الاجتهاد أن يفعلوا شيئا بغير أمر ولي الأمر) [الفروع ٦/ ٢٧٣ (١٠/ ٣٣٨ - ٣٣٩)]. - وقال أيضا: (ولهم رم ما تشعث منها، وعنه: وبناؤها إذا انهدمت، وعنه: منعهما، اختاره الأكثر، قاله ابن هبيرة، كمنع الزيادة، قال شيخنا: ولو في الكيفية، وقال: لا أعلى ولا أوسع، اتفاقا) [الفروع ٦/ ٢٧٤ (١٠/ ٣٣٩ - ٣٤٠)] (٢).

стр. 934

١٣٠٦ - تعلية الذمي بناءه على بناء لمسلم وذمي: - قال ابن مفلح: (ويمنعون (١) من تعلية بناء على جار مسلم .... قال شيخنا: أو كان البناء لمسلم وذمي، لأن ما لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه فمحرم، ويجب هدمه) [الفروع ٦/ ٢٧٤ (١٠/ ٣٤٠)] (٢). ١٣٠٧ - منع أهل الذمة من إظهار الأكل في رمضان: - قال ابن مفلح: (ويمنعون وجوبا إظهار خمر وخنزير، فإن فعلوا أتلفناهما وإلا فلا، نص عليه ... وإظهار عيد وصليب، وضرب ناقوس، ورفع صوت بكتاب أو على ميت، وقال شيخنا: ومثله إظهار أكل في رمضان) [الفروع ٦/ ٢٧٥ (١٠/ ٣٤١)]. - وقال أيضا: (وقال الشيخ تقي الدين ــ فيما إذا أظهر أحد من أهل الذمة الأكل في رمضان بين المسلمين ــ: ينهون عنه، فإن هذا من المنكرات في دين الإسلام، كما ينهون عن إظهار شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير. انتهى كلامه) [الآداب الشرعية ١/ ٢١٠] (٣). ١٣٠٨ - منع أهل الذمة من إظهار شعائر دينهم في دار الإسلام: - قال ابن مفلح: (قال في «الروضة» وغيرها: ويمنع من التعرض للذمة فيما لم يظهروا، مع أنه في مكان آخر قال: يمنعون من ضرب الناقوس وإظهار الخنازير، وظاهره: ليس لهم إظهار شيء من شعائر دينهم في دار

стр. 935

الإسلام، لا وقت الاستسقاء، ولا لقاء الملوك، ولا غير ذلك، وقاله شيخنا) [الفروع ٦/ ٢٧٥ (١٠/ ٣٤١)] (١). ١٣٠٩ - حدود الحجاز: - قال ابن مفلح: (ويمنعون مقام الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها، وقال شيخنا: منه تبوك ونحوها, وما دون المنحنى وهو عقبة الصوان من الشام, كمعان) [الفروع ٦/ ٢٧٦ (١٠/ ٣٤٢)] (٢). ١٣١٠ - تعزير من سمى قاصد الكنيسة من أهل الذمة: حاجا: - قال ابن مفلح: (قال: ومن سمى من قصد منهم كنيسة حاجا، أو قال: حج المشاهد، عزر بما يردعه إلا أن يسمى حجا بقيد كحج الكفار وحج الضالين) [الفروع ٦/ ٢٧٦ (١٠/ ٣٤٢)] (٣). وانظر: ما تقدم برقم (١٢٠٥). ١٣١١ - أحكام أخذ العشور من تجار أهل الحرب: - قال ابن مفلح: (وذكر شيخنا أن أخذ العشور من تجار أهل الحرب يدخل في أحكام الجزية وتقديرها، على الخلاف) [الفروع ٦/ ٢٧٩ (١٠/ ٣٤٦)] (٤).

стр. 936

١٣١٢ - لا شيء على الذمي غير الجزية: - قال ابن مفلح: (وقال القاضي في «شرحه الصغير»: الذمي غير التغلبي يؤخذ منه الجزية، وفي غيرها روايتان: إحداهما: لا شيء عليهم غيرها، اختاره شيخنا، والثانية: عليهم نصف العشر في أموالهم) [الفروع ٦/ ٢٧٩ - ٢٨٠ (١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧)]. ١٣١٣ - حكم الكلف التي يضربها الملوك على الناس: - قال ابن مفلح: (ويحرم تعشير الأموال والكلف التي ضربها الملوك على الناس (١) «ع» ذكره ابن حزم وشيخنا) [الفروع ٦/ ٢٨٠ (١٠/ ٣٤٧)] (٢). ١٣١٤ - مصرف المال الذي جهل ربه: ١٣١٥ - وللولي منع موليته من التزويج ممن لا ينفق عليها إلا من مال الكلف: - قال ابن مفلح: (قال شيخنا: وما جهل ربه وجب صرفه في المصالح، كمغصوب، عند أكثر العلماء، وكذا إن علم وأبوا رده إليه، لأنه تقليل للظلم، وهذه الكلف دخلها التأويل والشبهة لا كمغصوب، والتورع عنها كالشبهات، فلا يفسق متأول، ولا يجب إنكاره، ولكن لولي يعتقد تحريمه منع موليته من التزويج ممن لا ينفق عليها إلا منه.

стр. 937

وقال فيمن ضمنه ويأخذه ويعطيه الجند ويخفر: إن حرس أهل الطريق وأخذ كفايته جاز، وأما الضمان الذي يأخذه الجند ولا يمكنه دفعه فدركه على غيره، ولكن يلزمه نصح المسافر وحفظ ماله) [الفروع ٦/ ٢٨٠ (١٠/ ٣٤٧ - ٣٤٨)]. ١٣١٦ - إذا أبى الذمي الصغار: ١٣١٧ - وإذا اشتهر أنه زنى بمسلمة ولم يثبت ببينة: - قال ابن مفلح: (ومن أبى بذل الجزية أو الصغار ــ قاله شيخنا وغيره ــ أو التزام حكمنا، أو قاتلنا، والأشهر: أو لحق بدار حرب مقيما بها= انتقض عهده، وإن ذكر الله أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء، أو تجسس للكفار، أو آوى جاسوسا، أو قتل مسلما، أو فتنه عن دينه، أو قطع عليه الطريق، أو زنى بمسلمة ــ قال شيخنا: ولو لم يثبت ببينة بل اشتهر بين المسلمين ــ أو أصابها بنكاح، فنصه: ينتقض) [الفروع ٦/ ٢٨٤ - ٢٨٥ (١٠/ ٣٥٢)] (١). ١٣١٨ - إذا لعن النصراني المسلم: - قال ابن مفلح: (وقال شيخنا في نصراني لعن مسلما: تجب عقوبته بما يردعه وأمثاله عن ذلك) [الفروع ٦/ ٢٨٦ (١٠/ ٣٥٤)] (٢).

стр. 938

١٣١٩ - الإسلام لا يسقط عن الذمي القتل إذا كان حدا: ١٣٢٠ - وإذا أسلم من انتقض عهده: ١٣٢١ - وقتل الذمي إذا سب الله أو الرسول ﷺ : - قال ابن القيم: (والإسلام لا يسقط القتل إذا كان حدا ممن هو تحت الذمة، ملتزما لأحكام الله، بخلاف الحربي إذا أسلم، فإن الإسلام يعصم دمه وماله، ولا يقتل بما فعله قبل الإسلام، فهذا له حكم، والذمي الناقض للعهد إذا أسلم له حكم آخر، وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله، ونص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، وأفتى به في غير موضع) [زاد المعاد ٣/ ١٣٧ ــ ١٣٨]. - وقال أيضا: (قال شيخنا في الذمي إذا زنا بالمسلمة: قتل، ولا يرفع عنه القتل الإسلام، ولا يشترط فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم، بل يكفي استفاضة ذلك واشتهاره. هذا نص كلامه) [الطرق الحكمية ١٥٦] (١). - وقال أيضا: (ذكر الأدلة من السنة على وجوب قتل الساب وانتقاض عهده: الدليل الأول: ما رواه الشعبي عن علي أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها. وهكذا رواه أبو داود في «السنن»، واحتج به الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله ...

стр. 939

قال شيخنا: وهذا الحديث جيد، فإن الشعبي رأى عليا وروى عنه حديث شراحة الهمدانية، وكان في حياة علي قد ناهز العشرين سنة، وهو معه في الكوفة، وقد ثبت لقاؤه لعلي ﵁، فيكون الحديث متصلا، وإن يبعد سماع الشعبي من علي فيكون الحديث مرسلا، والشعبي عندهم صحيح المراسيل، لا يعرفون له إلا مرسلا صحيحا، وهو من أعلم الناس بحديث علي، وأعلمهم بثقات أصحابه، وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄ وهو: الدليل الثاني: قال الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا عثمان الشحام حدثنا عكرمة مولى ابن عباس أن رجلا كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ فقتلها فسأله النبي ﷺ عنها، فقال: يا رسول الله، إنها كانت تشتمك. فقال رسول الله ﷺ : «ألا إن دم فلانة هدر». رواه أبو داوود والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن عثمان الشحام عن عكرمة عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ ، فجمع الناس فقال: «أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام». فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتدلدل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال

стр. 940

النبي ﷺ : «ألا اشهدوا أن دمها هدر» ... قال شيخنا: فهذه القصة يمكن أن تكون هي الأولى وعليه يدل كلام الإمام أحمد، لأنه قيل له في رواية ابنه عبد الله: في قتل الذمي إذا سب أحاديث؟ قال: نعم، منها حديث الأعمى الذي قتل المرأة، قال سمعتها: تشتم النبي ﷺ . ثم روى عنه عبد الله كلا الحديثين، وعلى هذا فيكون قد خنقها وبعج بطنها، أو تكون كيفية القتل غير محفوظة في إحدى الروايتين، ويؤيد ذلك أن وقوع قصتين مثل هذه لأعميين كل منهما كانت المرأة تحسن إليه وتكرر الشتم، وكلاهما قتلها وحده، وكلاهما نشد رسول الله ﷺ فيها الناس= بعيد في العادة، وعلى هذا التقدير المقتولة يهودية كما جاء مفسرا في تلك الرواية، ويمكن أن تكونا قصتين كما يدل عليه ظاهر الحديثين) [أحكام أهل الذمة ٢/ ٨٣٠ - ٨٣٤] (١). - وقال أيضا: ( ... أن ابن أبي أويس قال: حدثني إبراهيم بن جعفر الحارثي عن أبيه عن جابر قال: لما (٢) كان من أمر النبي ﷺ وبني قريظة ــ كذا فيه، قال شيخنا: أحسبه: وبني قينقاع ــ اعتزل ابن الأشرف ولحق بمكة وكان فيها، وقال: لا أعين عليه، ولا أقاتله. فقيل له بمكة: ديننا خير أم دين محمد وأصحابه؟ قال: دينكم خير وأقدم من دين محمد، ودين محمد حديث) [أحكام أهل الذمة ٢/ ٨٥٤ - ٨٥٥] (٣). - وقال أيضا: (قال شيخنا: وقد عرض لبعض السفهاء شبهة في قتل ابن

стр. 941

الأشرف، فظن أن دم مثل هذا معصوم بذمة أو بظاهر الأمان، وذلك نظير الشبهة التي عرضت لبعض الفقهاء حين ظن أن العهد لا ينتقض بذاك. فروى ابن وهب: أخبرني سفيان بن عيينة عن عمر بن سعيد ــ أخي سفيان بن سعيد الثوري ــ عن أبيه عن عباية قال: ذكر قتل ابن الأشرف عند معاوية فقال ابن يامين: كان قتله غدرا. فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية، أيغدر عندك رسول الله ﷺ ولا تنكر، والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدا، ولا يخلو لي دم هذا إلا قتلته. قال الواقدي: حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم ــ وهو على المدينة، وعنده ابن يامين النضري ــ: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ فقال ابن يامين: كان غدرا. ومحمد بن مسلمة جالس، وهو شيخ كبير، فقال: يا مروان، أيغدر رسول الله ﷺ عندك؟ ! والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله ﷺ ، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد، وأما أنت يا ابن يامين فلله علي أن أفلتّ وقدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك. فكان ابن يامين لا ينزل في بني قريظة حتى يبعث رسولا ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته، وإلا لم ينزل، فبينما محمد في جنازة وابن يامين بالبقيع، فرأى محمدا نعشا عليه جرائد رطبة لامرأة جاء فحله، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما تصنع؟ نحن نكفيك. فقام إليه فجعل يضربه بها جريدة جريدة، حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مصحا، ثم أرسله ولا طباخ به (١)، ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك به.

стр. 942

قلت (١): ونظير هذا ما حصل لبعض الجهال بالسنة من بنائه بصفية عقيب سبائه لها، فقال: بنى بها قبل استبرائها، وهذا من جهله وكفره، أو من أحدهما، فإن في «الصحيح»: فلما انقضت عدتها بنى بها. فإن (٢) قيل: فإذا كان هو وبنو النضير قبيلته موادعين، فما معنى ما ذكره ابن إسحاق، قال: حدثني مولى لزيد بن ثابت قال: حدثتني ابنة محيصة عن أبيها محيصة أن رسول الله ﷺ قال ــ عقيب ذلك ــ: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم، وكان أسن من محيصة، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله قتلته، أما والله لرب شحم في بطنك من ماله. فقال: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك. فقال حويصة: والله إن دينا بلغ منك هذا لعجب! فكان هذا أول إسلام حويصة. وقال الواقدي ــ بالأسانيد المتقدمة ــ قالوا: فلما أصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي قتل فيها ابن الأشرف، قال رسول الله ﷺ : «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه» فخافت يهود، فلم تطلع عظيما من عظمائهم، وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف، وذكر قتل ابن سنينة إلى أن قال: وفزعت يهود ومن معها من المشركين ... وساق القصة كما تقدم. فإن هذا يدل على أنهم لم يكونوا موادعين، وإلا لما أمر بقتل من وجد

стр. 943

منهم، ويدل على أن العهد الذي كتبه بينه وبين اليهود كان بعد قتل ابن الأشرف وحينئذ فلا يكون ابن الأشرف معاهدا. فالجواب: أن النبي ﷺ إنما أمر بقتل من ظفر به من اليهود لأن كعب بن الأشرف كان من ساداتهم، وقد تقدم أنه قال: ما عندكم في أمر محمد؟ قالوا: عداوته ما حيينا. وكانوا مقيمين خارج المدينة، فعظم عليهم قتله، وكان مما هيجهم على المحاربة وإظهار نقض العهد انتصارهم للمقتول وذبهم عنه، فأمر النبي ﷺ بقتل من جاء منهم، لأن مجيئه دليل على نقض العهد وانتصاره للمقتول، وأما من قر فهو مقيم على عهده المتقدم، لأنه لا يظهر العداوة، ولهذا لم يحاصرهم النبي ﷺ ولم يحاربهم حتى أظهروا عداوته بعد ذلك. وأما هذا الكتاب فهو شيء ذكره الواقدي وحده، وقد ذكر هو أيضا أن قتل ابن الأشرف كان في شهر ربيع الأول سنة ثلاث، وأن غزوة بني قينقاع كانت قبل ذلك في شوال سنة اثنتين بعد بدر بنحو شهر، وذكر أن الكتاب الذي وادع فيه النبي ﷺ اليهود كلها كان لما قدم المدينة بعد بدر، وعلى هذا فيكون هذا كتابا ثانيا خاصا لبني النضير، يجدد فيه العهد الذي بينه وبينهم، غير الكتاب الأول الذي كتبه بينه وبين جميع اليهود لأجل ما كانوا قد أرادوا من إظهار العداوة. وقد تقدم أن ابن الأشرف كان معاهدا، وتقدم أيضا أن النبي ﷺ كتب الكتاب لما قدم المدينة في أول الأمر، والقصة تدل على ذلك، وإلا لما جاء اليهود إلى النبي ﷺ وشكوا إليه قتل صاحبهم، وإلا فلو كانوا محاربين له لم يستنكروا قتله، وكلهم ذكروا أن قتل ابن الأشرف كان بعد بدر، فإن معاهدة

стр. 944

النبي ﷺ كانت قبل بدر، كما ذكره الواقدي، قال ابن إسحاق: وكان فيما بين ذلك من غزو رسول الله ﷺ أمر بني قينقاع. يعني فيما بين بدر وغزوة الفرع من العام المقبل في جمادى الأولى، وقد ذكر أن بني قينقاع هم أول من حارب ونقض العهد) [أحكام أهل الذمة ٢/ ٨٦٥ - ٨٦٩] (١). - وقال أيضا: (قال شيخنا: وأقوال أحمد كلها نص في وجوب قتله، وفي أنه قد نقض العهد، وليس عنه في هذا اختلاف، وكذلك ذكر عامة أصحابه متقدمهم ومتأخرهم لم يختلفوا في ذلك، إلا أن القاضي في «المجرد» ذكر الأشياء التي يجب على أهل الذمة تركها، وفيها ضرر على المسلمين وآحادهم في نفس أو مال، وهي الإعانة على قتال المسلمين، وقتل المسلم والمسلمة، وقطع الطريق عليهم، وأن يؤوي على المسلمين جاسوسا، وأن يعين عليهم بدلالة، مثل أن يكاتب المشركين بأخبار المسلمين، وأن يزني بمسلمة، أو يصيبها باسم نكاح، وأن يفتن مسلما عن دينه. قال: فعليه الكف عن هذا شرط أو لم يشرط، فإن خالف انتقض عهده، وذكر نصوص أحمد في نقضها، مثل نصه في الزنى بمسلمة، وفي التجسس للمشركين، وقتل المسلم وإن كان عبدا، كما ذكر الخرقي، ثم ذكر نصه في قذف المسلم على أنه لا ينتقض عهده بل يحد حد القذف. قال: فتخرج المسألة على روايتين، ثم قال: وفي معنى هذه الأشياء ذكره الله وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي، قال: فهذه أربعة أشياء الحكم فيها كالحكم في الثمانية التي قبلها، ليس ذكرها شرطا في صحة العقد، فإن أتوا واحدة منها نقضوا الأمان، سواء كان مشروطا في العهد أو لم يكن.

стр. 945

وكذلك قال في «التعليق» بعد أن ذكر أن المنصوص انتقاض العهد بهذه الأفعال والأقوال، قال: وفيه رواية أخرى لا ينتقض عهده إلا بالامتناع من بذل الجزية، وجري أحكامنا عليهم، ثم ذكر نص أحمد على أن الذمي إذا قذف المسلم يضرب. قال: فلم يجعله ناقضا للعهد بقذف المسلم، مع ما فيه من الضرر عليه بهتك عرضه، وتبع القاضي جماعة من أصحابه ومن بعدهم كالشريف أبي جعفر وأبي الخطاب وابن عقيل والحلواني فذكروا أنه لا خلاف أنهم إذا امتنعوا من أداء الجزية والتزام أحكام الملة انتقض عهدهم. وذكروا في جميع هذه الأفعال والأقوال التي فيها الضرر على المسلمين وآحادهم في نفس أو مال أو فيها غضاضة على المسلمين في دينهم مثل سب رسول الله ﷺ وما معه روايتين: إحداهما: ينتقض العهد، والأخرى: لا ينتقض عهده، ويقام فيه الحد، مع أنهم كلهم متفقون على أن المذهب انتقاض العهد بذلك. ثم إن القاضي والأكثرين لم يعدوا قذف المسلم من الأمور المضرة الناقضة، مع أن الرواية المخرجة إنما خرجت من نصه في القذف، وأما أبو الخطاب ومن تبعه فإنهم نقلوا حكم تلك الخصال إلى القذف كما نقلوا حكم القذف إليها، حتى حكوا في انتقاض العهد بالقذف روايتين. ثم إن هؤلاء كلهم وسائر الأصحاب ذكروا مسألة سب النبي ﷺ في موضع آخر، وذكروا أن سابه يقتل وإن كان ذميا، وأن عهده ينتقض، وذكروا نصوص أحمد من غير خلاف في المذهب، إلا أن الحلواني قال: ويحتمل ألا يقتل من سب الله ورسوله إذا كان ذميا.

стр. 946

فصل وسلك القاضي أبو الحسين طريقا ثالثة في نواقض العهد، فقال: أما الثمانية التي فيها ضرر على المسلمين وآحادهم في مال أو نفس فإنها تنقض العهد في أصح الروايتين، وأما ما فيه إدخال غضاضة ونقص على الإسلام وهو ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي فإنه ينقض العهد، نص عليه، ولم يخرج في هذا رواية أخرى كما ذكر أولئك، وهذا أقرب من تلك الطريقة. وعلى الرواية التي تقول: لا ينتقض العهد بذلك، فإنما ذلك إذا لم يكن مشروطا عليهم في العهد، فأما إن كان مشروطا ففيه وجهان: أحدهما: ينتقض، قاله الخرقي، قال أبو الحسن الآمدي: وهو الصحيح في كل ما شرط عليهم تركه، فصحح قول الخرقي بانتقاض العهد إذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم. والثاني: لا ينتقض، قاله القاضي وغيره. قال شيخنا: وهاتان الطريقتان ضعيفتان، والذي عليه عامة المتقدمين ومن تبعهم من المتأخرين إقرار نصوص أحمد على حالها، وهو قد نص في مسائل سب الله ورسوله على انتقاض العهد في غير موضع، وعلى أنه يقتل، وكذلك فيمن جسَّس على المسلمين، أو زنى بمسلمة، على انتقاض عهده وقتله في غير موضع، وكذلك نقله الخرقي فيمن قتل مسلما أو قطع الطريق. وقد نص أحمد على أن قذف المسلم وسحره لا يكون نقضا للعهد في غير موضع، وهذا هو الواجب، وهو تقرير المذهب، لأن تخريج حكم

стр. 947

إحدى المسألتين إلى الأخرى، وجعل الروايتين في الموضعين مسألتين لوجود (١) الفرق بينهما نصا واستدلالا، ولوجود معنى يجوز أن يكون مستندا للفرق غير جائز، ولم يخرج التخريج) [أحكام أهل الذمة ٧٩٧ ــ ٨٠١] (٢). - وقال ــ بعد أن ذكر ضمن أدلة من قال بقتل الذمي إذا طعن في ديننا، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]، واعتراض المخالفين بقولهم: الآية تدل على أن من نقض عهده وطعن في الدين فإنه يقاتل، فمن أين لكم أن من طعن في الدين ولم ينقض العهد يقاتل؟ ثم أجاب عن ذلك بأجوبة إلى أن قال ــ: (الجواب الرابع: أن الذمي إذا سب الله والرسول أو عاب الإسلام علانية فقد نكث يمينه وطعن في ديننا، ولا خلاف بين المسلمين أنه يعاقب على ذلك بما يردعه وينكل به، فعلم أنه لم يعاهدنا عليه، إذ لو كان معاهدا عليه لم تجز عقوبته عليه، كما لا يعاقب على شرب الخمر وأكل الخنزير ونحو ذلك، وإذا كنا عاهدناه على ألا يطعن في ديننا ثم طعن فقد نكث يمينه من بعد عهده، فيجب قتله بنص الآية. قال شيخنا: وهذه دلالة ظاهرة جدا، لأن المنازع سلم لنا أنه ممنوع من ذلك بالعهد الذي بيننا وبينه، لكنه يقول: ليس كل ما منع منه ينقض عهده كإظهار الخمر والخنزير، ولكن الفرق بين من وجد منه فعل ما منع منه العهد مما لا يضر بنا ضررا بينا كترك الغيار مثلا وشرب الخمر وإظهار الخنزير،

стр. 948

وبين من وجد منه فعل ما منع منه العهد مما فيه غاية الضرر بالمسلمين وبالدين، فإلحاق أحدهما بالآخر باطل. يوضح ذلك الجواب الخامس: أن النكث هو مخالفة العهد فمتى خالفوا شيئا مما صولحوا عليه فهو نكث مأخوذ من نكث الحبل، وهو نقض قواه، ونكث الحبل يحصل بنقض قوة واحدة، كما يحصل بنقض جميع القوى، لكن قد يبقى من قواه ما يتمسك به الحبل، وقد يهن بالكلية. وهذه المخالفة من المعاهد قد تبطل العهد بالكلية حتى تجعله حربيا، وقد تشعث العهد حتى تبيح عقوبتهم، كما أن فقد بعض الشروط في البيع والنكاح وغيرهما قد يبطله بالكلية وقد يبيح الفسخ والإمساك. وأما من قال: ينتقض العهد بجميع المخالفات فظاهر على قول قاله القاضي في «التعليق». واحتج القاضي بأنهم لو أظهروا منكرا في دار الإسلام مثل: إحداث البيع والكنائس في دار الإسلام، ورفع الأصوات بكتبهم، والضرب بالنواقيس، وإطالة البناء على أبنية المسلمين، وإظهار الخمر والخنزير، وكذلك ما أخذ عليهم تركه من التشبه بالمسلمين في ملبوسهم ومركوبهم وشعورهم وكناهم، قال: والجواب أن من أصحابنا من جعله ناقضا للعهد بهذه الأشياء، وهو ظاهر كلام الخرقي، فإنه قال: ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه عاد حربيا، فعلى هذا لا نسلم، وإن سلمناه فلما تبين فيها أنه لا ضرر على المسلمين فيها، وإنما نهوا عن فعلها لما في إظهارها من المنكر، وليس كذلك في ملتنا؛ لأن في فعلها ضررا بالمسلمين فبان الفرق. انتهى كلامه.

стр. 949

قال شيخنا: فعلى التقديرين فقد اقتضى العقد ألا يظهروا شيئا من عيب ديننا، وأنهم متى أظهروه فقد نكثوا وطعنوا في الدين، فيدخلون في عموم الآية لفظا ومعنى، ومثل هذا العموم يبلغ درجة النص) [أحكام أهل الذمة ٢/ ٨١٦ - ٨٢٠] (١). - وقال ابن مفلح: (ومن نقضه بلحوقه بدار حرب فكأسير حربي، ومن نقضه بغيره فنصه: يقتل، قيل: يتعين قتله، والأشهر: يخير فيه، كحربي، وذكر أبو الفرج أن ما فيه ضرر علينا، أو ما في شروط عمر= يلزمه تركه وينتقض بفعله. ويحرم بإسلامه قتله، ذكره جماعة، وفي «المستوعب»: رقه «و: هـ ش» وإن رق ثم أسلم بقي رقه، وقيل (٢): من نقض عهده بغير قتالنا ألحق بمأمنه، والمراد بتحريم القتل غير الساب، وأنه فيه الخلاف الذي في المرتد، ولهذا اقتصر في «المستوعب» على ما ذكره ابن أبي موسى أن ساب النبي ﷺ يقتل ولو أسلم، وكذا ذكره ابن البنا في «الخصال»، وذكر شيخنا أنه صحيح المذهب، وذكر ما تقدم في قذف أم النبي ﷺ ، وأن اقتصار السامري على هذا مع ذكره الخلاف في توبة المسلم الساب فيه خلل، لأنه ذكر ما في «الإرشاد» و «الهداية»، وأن عكس هذه رواية تقدمت، ذكرها جماعة، وأنه قد توجه بأنه قد يكون وقع غلطا من المسلم لا اعتقادا له، وتقدم حد الزنا وتقدم حكم ماله. وفي «الخلاف» فيمن انتقض عهده وتاب: أنه يخير فيه كالأسير،

стр. 950

وحمل كلام أحمد أنه يقتل: إن الإمام رآه مصلحة، ثم ذكر الوجهين في ماله، وأن ساب النبي ﷺ يقتل لأنه قذف لميت فلا يسقط بتوبة) [الفروع ٦/ ٢٨٦ - ٢٨٨ (١٠/ ٣٥٤ - ٣٥٦)]. - وقال أيضا: (وذكر شيخنا أن أحمد قال في ذمي فجر بمسلمة: يقتل، قيل له: فإن أسلم؟ قال: يقتل، هذا قد وجب عليه، وأن على قولنا يخير الإمام فيه، تشرع استتابته بالعود إلى الذمة، لأن إقراره بها جائز بعد هذا لكن لا تجب هذه الاستتابة رواية واحدة، وإن أوجبناها بالإسلام على رواية، وأن على رواية ذكرها الخطابي (١): يسقط القتل بإسلام الذمي مع أنه لا يستتاب كأسير حربي) [الفروع ٦/ ٢٨٨ (١٠/ ٣٥٧)] (٢). - وقال أيضا: (وقال شيخنا فيمن قهر مسلمين ونقلهم إلى دار حرب: ظاهر مذهب أحمد يقتل بعد إسلامه، وأنه أشبه بالكتاب والسنة، كالمحارب) [الفروع ٦/ ٢٨٨ (١٠/ ٣٥٧)] (٣). ١٣٢٢ - إذا خالف أهل الذمة شيئا من الشروط: - قال ابن القيم: (قالوا (٤): «ضمنا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق»
следующие страницы →