مسألة: ٣٠٢ - اعتبار حال وجوب الكفارة
الاعتبار عن وجوب الكفارة حالة الأداء، عندنا (١)، وعند الشافعي: الاعتبار في حال الوجوب (٢): حتى أنه لو كان موسرًا وقت الوجوب، معسرًا وقت الأداء، لا يجزيه الصوم عنده، وعندنا: يجزيه.
دليلنا في المسألة؛ لأن القدرة إنما تشترط وقت أداء العبادات، بدليل: أنه لو كان الرجل قادرًا على أداء الصلاة في أول الوقت، فإذا توضأ وأراد أن يصلي فعجز عن القيام، يجزيه أداء الصلاة وهو قاعد، عرفنا بهذا أن الاعتبار بحال الأداء لا حال الوجوب (٣).
احتج الشافعي في المسألة؛ لأن كون الصوم مجزيًا، إنما عرفناه بخطاب الشرع، والشرع إنما خاطب الموسر بالعتق، وهذا الرجل وقت إيجاب الشرع وهو موسر، فوجب أن لا يجزيه الصوم، كما لو كان موسرًا وقت الأداء (٤).
стр. 422
باب اللعان (١)
[مسألة]: ٣٠٣ - لعان الذمي
لعان الذمي، عندنا: لا يجوز (٢)، وعند الشافعي: يجوز (٣).
دليلنا في المسألة وهو: أن اللعان أيمان، والكافر ليس هو من أهل اليمين، فوجب أن لايصح لعانه. أو نقول: لأن اللعان
стр. 423
شهادات مؤكدة بالإيمان، فكيف ما كان الكافر ليس من أهلها (١).
احتج الشافعي في المسألة وهو: أن اللعان حكمه: حكم الطلاق، والكافر من أهل الطلاق، فوجب أن يكون من أهل اللعان (٢).
مسألة: ٣٠٤ - لعان الأخرس
لعان الأخرس، عندنا: لا يجوز (٣)، وعند الشافعي: يجوز (٤).
دليلنا في المسألة: أنه قد ذكرنا أن اللعان: شهادات مؤكدة بالأيمان، والأخرس ليس من أهل الشهادة، فلا يصح لعانه (٥).
стр. 424
احتج الشافعي في المسألة وهو: أن اللعان حكمه: حكم الطلاق بعد الفراغ، والأخرس من أهل الطلاق، فوجب أن يصح لعانه (١).
مسألة: ٣٠٥ - الملاعنة من الزوجة الذمية أو الأمة
إذا لاعن الزوج من امرأته الذمية، أومن امرأته الأمة، لا يصح، عندنا (٢)، وعند الشافعي: يصح (٣).
دليلنا في المسألة وهو: أن اللعان: شهادة، إذا فرغ الزوج من اليمين يجب اليمين علي المرأة، ويمين كل واحد منهما شهادة في حق صاحبه، فلو قلنا: إنه يصح، يكون هذا قبول شهادة الذمي علي المسلم، وهذا لا يجوز (٤).
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الزوج لما فرغ من اللعان، وجب علي المرأة اليمين، وهذا اليمين إنما وجب عليها شرعًا، والشرع إنما أوجب عليها اليمين، جعل قولها معتبرًا، فوجب أن يصح؛ لأنها تحتاج إلى دفع هذا الشين عن نفسها (٥).
стр. 425
مسألة: ٣٠٦ - اجتماع المتلاعنين
المتلاعنان يجتمعان: عندنا إذا أكذب نفسه (١)، وعند أبي يوسف والشافعي: لا يجتمعان (٢).
[(٣) دليلنا في المسألة، وهو: أن الزوج لمّا أكذب نفسه، زال ذلك المعنى الذي ذكرنا: وهو [تحريم] الشرع الجمع بينهما، فوجب (٤) أن يجتمعا (٥).
احتج الشافعي، في المسألة: "ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" (٦) وهذا نص].
стр. 426
مسألة: ٣٠٧ - حق حد القذف
حد القذف (١)، عندنا: من حقوق الله تعالى، كحد شرب الخمر والزنا، وعند الشافعي: من حقوق الآدميين (٢).
دليلنا في المسألة؛ لأن حد القذف إنما يجب بنسبته إلى الزنا،
стр. 427
وحرمة الزنا لله تعالى، فكذلك الحد الذي وجب بنسبته، وحد الزنا لله تعالى.
احتج الشافعي، في المسألة؛ لأن حد القذف إنما وجب لإِزالة الشين عن المقذوف وإزالة الشين يكون حقًا للعبد، لا يكون لله تعالى فيه شيء.
مسألة: ٣٠٨ - حد القذف على الزوج
إذا شهد الزوج مع ثلاثة أنفس على امرأته بالزنا، فإن عندنا: لا يجب الحد علي الزوج ولا علي الشهود (١)، وعند الشافعي: يلزم الحد علي الزوج والشهود (٢).
دليلنا في المسألة، وهو: أن الزوج من أهل الشهادة في الجملة، إلا أن ها هنا إنما لا تقبل شهادته لتوهم عدم الحسبة، ولكن الزنا قد ثبت بشهادتهم بوجود العدد، إلا أنه لا يقام عليها الحد؛ لأن أحد الشهود إنما هو الزوج، فإذا سقط الحد عنها، فوجب أن يسقط عن الزوج أيضًا (٣).
احتج الشافعي، في المسألة وقال؛ لأن الزوج لمّا شهد مع ثلاثة، لم تقبل هذه الشهادة، وإذا لم تقبل هذه الشهادة، صار
стр. 428
الزوج والشهود قاذفًا للمرأة، فوجب أن يقام على الزوج الحد، كما نقول علي [الشهود الثلاثة] (١).
стр. 429
باب العدة (١)
[مسألة]: ٣٠٩ - هل تحيض الحامل ؟
الحامل لا تحيض، عندنا (٢)، وعند الشافعي: تحيض (٣).
فائدة المسألة: أن الحامل إذا رأت الدم، لا تدع الصلاة والصوم عندنا (٢)، وعند الشافعي: تدع (٣).
دليلنا في المسألة، وهو: أن ورود الدم إنما يعرف: بالعرف والعادة، والعرف قد جري فيما بين النسوان إذا حبلت لا تحيض؛ لأن فم الرحم ينسد بعد العلوق، فإذا رأت الدم بعد ذلك، يكون من علة، لا من حيض (٤).
стр. 430
احتج الشافعي، في المسألة: أن ترك الصلاة والصوم متعلق بورود الدم في محل مخصوص، فإذا وجد الدم، وجب أن يثبت الحيض (١).
مسألة: ٣١٠ - إلحاق المولود لستة أشهر بعد انقضاء العدة
المرأة إذا أقرت بانقضاء العدة، ثم أتت بولد بعد ستة أشهر، فإن عندنا: لا يلحق بالزوج (٢)، وعند الشافعي: يلحق (٣).
دليلنا في المسألة؛ لأن النسب إنما يلحق بالزوج بقيام الفراش، لقوله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (٤) وقيام الفراش بقيام النكاح، أو بقيام العدة، وكلاهما قد انقطع ها هنا، فوجب أن لا يلحق بالزوج.
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن المرأة لما ولدت [لأكثر] (٥) من ستة أشهر، تبين أن الولد كان من الزوج؛ لأن الولد لا يجيء بأقل من ستة أشهر، فثبت بهذا أن الولد للزوج (٦).
стр. 431
مسألة: ٣١١ -
العدتان (١)، تتداخلان, عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا تتداخلان (٣).
دليلنا في المسألة وهو: أن العدة حق من حقوق الله تعالى، إذا اجتمعا تتداخلان (٤)، كما قلنا في الحدود (٥).
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن العدة إنما وجبت علي المرأة حقًا للزوج قضاء لحق النكاح، فكان حق العبد من هذا الوجه، وحقوق العباد ألا تتداخل، كما في سائر حقوق العباد (٦).
стр. 432
مسألة: ٣١٢ - عدة أم الولد
أم الولد إذا أعتقها سيدها، أو مات عنها سيدها، فإن عدّتها عندنا: ثلاث حيض (١)، وعند الشافعي: حيضة واحدة (٢).
دليلنا في المسألة، وهو: إن عدة أم الولد تشبه عدة الحرائر من وجه، وعدة الإِماء من وجه، فقدرناها بثلاثة أشهر، لشبهها بالجانبين (٣).
احتج الشافعي في المسألة، [وهو]: أن عدة أم الولد تشبه الاستبراء، فوجب أن تكون مقدار الحيضة، كما في استبراء الجارية (٤).
стр. 433
باب الرضاع (١)
[مسألة]: ٣١٣ - المحرِّم من الرضاع
الرضاع عندنا: يثبت بمرة واحدة (٢)، وعند الشافعي: لا يثبت إلا بخمس رضعات (٣).
دليلنا في المسألة، [وهو]: أن حرمة الرضاع إنما تثبت بالجزئية والبعضية؛ لأن اللبن غذاء للصبي، فإذا وصل الغذاء إلى جوفه بمرة واحدة، تثبت الجزئية، فوجب أن تثبت الحرمة (٤).
стр. 434
احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النبي ﷺ : "أنه أثبت الرضاع بخمس رضعات" (١).
مسألة: ٣١٤ - مدة الرضاع
مدة الرضاع عندنا: سنتان ونصف (٢)، وعند الشافعي: سنتان (٣).
دليلنا في المسألة: قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ (٤) فالله تعالى أخبر أن مدة الرضاع سنتان ونصف (٥).
стр. 435
احتج الشافعي في المسألة، وقال: بأنا لو خلينا والقياس، لكنا نقول: إن لبن الآدمية حرام؛ لأنه جزء منه والآدمي محرم جميع أجزائه، إلا أن الشرع أباحه للصبي للضرورة؛ لأن طبعه لا [يحتمل] الغذاء، فلو غذيناه بلبن البهائم، ربما يتخلق بأخلاق البهائم، فالشرع أباحه لأجل الضرورة، فإذا بلغ السنتين فقد زالت الضرورة؛ لأن طبعه يحتمل الغذاء، فقدرناه السنتين لهذا المعنى (١).
مسألة: ٣١٥ - سقي الصبي
اللبن إذا شيب بالماء وسقي الصبي، عندنا: لا تثبت الحرمة إذا كانت الغلبة للماء (٢) , وعند الشافعي: تثبت الحرمة، سواء كان الماء غالبًا أو مغلوبًا (٣).
دليلنا في المسألة، وهو: أن اللبن إنما يثبت الحرمة لحصول الغذاء؛ لأن الغذاء يثبت الجزئية ولهذا قال النبي ﷺ : "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم" (٤)، فإذا ثبت أن اللبن إنما يثبت
стр. 436
الحرمة لمكان الغذاء، فإذا كان الماء غالبًا لا يحصل معنى الغذاء، فوجب أن لا تثبت الحرمة (١).
احتي الشافعي في المسألة؛ لأن الغذاء أمر باطن لا يمكن الوقوف عليه، [فا] الشرع أقام السبب الظاهر: وهو اللبن مقام خفة الغذاء، كما قلنا: في السفر؛ لأن السفر قد أبيح فيه الإفطار لأجل المشقة، والمشقة أمر باطن لا يمكن الوقوف عليه، فالشارع أقام السبب الظاهر الدال علي المشقة مقام المشقة (٢)، فكذلك هاهنا (٣).
مسألة: ٣١٦ - الرضاع بلبن الميت
لبن الميت يثبث الحرمة عندنا (٤)، وعند الشافعي: لا يثبت (٥).
دليلنا في المسألة، وهو: أن اللبن إنما يثبت الحرمة لما فيه من إثبات الجزئية والبعضية، وهذا المعنى لا يختلف في لبن الميتة والحية؛ لأن (بضع الحرمة) (٦) مما يحتاط فيه، فوجبت فيه الحرمة، كما في لبن الحي (٧).
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن اللبن إذا انفصل من الميت لا يعطي له حكم لبن الأحياء؛ لأن لبن الأحياء إنما يثبت
стр. 437
الحرمة شرعًا، والشرع إنما يثبت الحرمة في لبن الحي، فلو قلنا: بأنه يثبت [في] لبن الميتة إنما يثبت استدلالًا أو قياسًا، والقياس لا مدخل له في باب الحرمات (١).
стр. 438
باب النفقات (١)
[مسألة]: ٣١٧ - خيار فسخ النكاح بإعسار الزوج عن النفقة
إذا أعسر الرجل في نفقة المرأة، لا يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح عندنا (٢) وعند الشافعي: يثبت (٣).
دليلنا في المسألة، وهو: أنا أجمعنا: على أن إعسار الزوج عن المهر لا يثبت للمرأة خيار الفسخ، فإعساره عن النفقة أولى أن لا يثبت للمرأة [خيار الفسخ؛ لأن] (٤) المهر أقوى من النفقة وجوبًا، ثم أن العجز عن المهر لما لم يثبت الخيار، فالنفقة أولي (٥).
стр. 439
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن المقصود من النكاح في حق المرأة: قضاء الشهوتين، ثم لوفاتها شهوة الفرج، بأن وجد زوجها: عنينًا أو مجبوبًا يثبت لها خيار الفسخ، فإذا فاتها مقصود شهوة البطن: وهو النفقه أولى أن يثبت لها خيار الفسخ؛ لأن المرأة ربما تصبر عن قضاء شهوة الفرج شهرًا أو دهرًا، ولا تصبر عن شهوة البطن يومًا، ثم فوات شهوة الفرج لما أثبت لها الخيار، ففوات شهوة البطن أولى (١).
مذهبنا مذهب [سفيان الثوري] (٢) ﵁ سئل هذه المسألة؟ فأجاب بأن قال: امرأة أبتليت، فلتصبر حتى يستبين موته أو طلاقه.
стр. 440
كتاب الإِكراه (١)
[مسألة]: ٣١٨ - القصاص في الإكراه
إذا أكره على قتل رجل بالسيف، فقتله المكره، فإن القصاص يجب: علي المكرِه عندنا (٢).
وعند الشافعي: يجب القصاص عليهما جميعًا (٣)، وعند أبي يوسف: لا يجب القصاص عليهما جميعًا (٤). وعند مالك: يجب القصاص علي المكره ولا يجب على المكرِه (٥).
стр. 441
دليلنا في المسألة، وهو: أن المكرِه لما أكرهه على القتل، فقد ألجاه بذلك؛ لأن المكرَه ما فعل باختياره، إنما فعل خوفًا من السيف؛ لأن الِإنسان مجبول بحب حياته، فكان فعله نافلًا عن المكرِه، فصار المكرَه كالآلة. كما لوألقى حية على إنسان فلسعته الحية، أو وضع نارًا على صدر إنسان وأحرقته النار ومات، فإن القصاص يجب على الملقي، وإن كان القتل بفعل النار أوبفعل الحية، كذلك ها هنا (١).
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن المكرَه مباشر للقتل والمكرهِ مسبب للقتل، فكان كل واحد منهما مشتركًا في هذا الفعل، فصار كما لو اجتمعا وقتلاه، أحدهما: بسبب، والآخر: بالمباشرة، فإنه يجب القصاص عليهما؛ لأن السبب إذا كان قويًا، أقيم مقام المباشرة (٢)، كما: لو حفر بئرًا على قارعة الطريق، فوقع فيه إنسان فمات، فإنه يجب على الحافر الضمان، لهذا المعنى (٣). وأما أبو يوسف فإنه قال: لا أوجب على المكرِه القصاص؛ لأنه ما باشر بنفسه، ولا أجب القصاص على المكرَه؛ لأنه ما قتل باختياره، فأورث الشبهة فيهما جميعًا فيسقط القصاص مع الشبهة (٤).
стр. 442
وقال مالك: القصاص يجب على المكرَه؛ لأنه مباشر للقتل باختياره (١)، فإيجاب القصاص عليه أولى (٢).
مسألة: ٣١٩ - طلاق المكره وعتاقه
طلاق المكره واقع، وعتاقه صحيح، عندنا (٣)، وعند الشافعية لا يصح، ولا يقع (٤).
دليلنا في المسألة: "ما روي أن امرأة وجدت زوجها نائمًا، فأخذت سكينًا، فجلست على صدره، فقالت: تطلّقني ثلاثًا أو لأذبحنّك، فناشدها بالله تعالى فأبت، فطلقها ثلاثًا، فرفع ذلك إلى النَّبِيّ ﷺ : ، فأجاز ذلك الطلاق (٥).
стр. 443
احتج الشافعي في المسألة: "بما روي عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "لا طلاق في إغلاق" (١) والمراد به: الِإكراه (٢)
стр. 444
كتاب القصاص (١)
[مسألة]: ٣٢٠ - قتل المسلم بالذمي
المسلم يقتل بالذمي عندنا (٢)، وعند الشافعية لا يقتل (٣).
دليلنا في المسألة: أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا نص علينا من غير نكير (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٥). من غير تفصيل بين المسلم والذمي، وصح بما روي
стр. 445
عن النَّبِيّ ﷺ : "أنه أقاد مسلمًا بذمي" (١)، وهذا نص.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن القصاص مبني على المساواة، ولا مساواة بين الكافر والمسلم، لقوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ (٢)؛ لأن المسلم عصم دمه بالإِسلام، والذمي عصم دمه بعقد الذمة، فلم يستويا في العصمة، فوجب أن لا يجب القصاص على المسلم بقتل الذمي، كما لوقتل مستأمنًا، ولا خلاف أن المسلم إذا قتل ذميًا خطأ يلزمه الدية على قاتله، ولو قتل المسلم المرتد والحربي لا يلزمه شيء (٣).
مسألة: ٣٢١ - قتل الحر بالعبد
الحر يقتل بالعبد عندنا (٤)، وعند الشافعية لا يقتل (٥)، ولا خلاف أن الرجل يقتل بالمرأة (٦).
стр. 446
دليلنا في المسألة، وهو: أن القصاص إنما يجب لتفويت الروح، والعبد والحر في ذلك لا يختلفان؛ لأن العبد والحر في حق الحرمة - لكونه آدميًا أو مخاطبًا - واحد، فوجب أن يستويا في وجوب القصاص (١).
احتج الشافعي في المسألة: قد ذكرنا أن القصاص مبني على المساواة، ولا مساواة بين الحر والعبد، فوجب أن لا يجب عليه القصاص، لهذا المعنى (٢).
مسألة: ٣٢٢ - القتل بمثقل
القتل بالمثقل، عندنا: لا يجب به القصاص (٣)، وعند الشافعي: يجب به القصاص (٤)، ولا خلاف: أنه إذا قتله بالسوط الصغير، لا يجب القصاص، ولا خلاف: في العصا الكبير إذا قتل به (٥).
стр. 447
دليلنا في المسألة، وهو: "ما روي عن النَّبِيّ ﷺ : أنه خطب في حجة الوداع فقال: "ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، والدية فيه مائة من الِإبل" (١) فالنبي ﷺ أوجب في شبه العمد: الدية. ولم يوجب القصاص، ولو كان واجبًا لأمره.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن القصاص إنما يجب بتفويت الروح، وقد حصل ها هنا، تفويت الروح بفعل القصد، فيجب القصاص عليه، لقول النَّبِيّ ﷺ : "من حرّق حرّقناه، ومن غرّق غرقناه، ومن نَبَشَ قطعناه" (٢).
стр. 448
مسألة: ٣٢٣ - موجب العمد
موجب العمد عندنا: القصاص متعينًا، ليس له العدول إلى المال إلَّا برضا [أولياء من وقع] (١) عليه القتل (٢).
وعند الشافعية موجب العمد شيئان: إما القصاص وإما الدية، فالوليّ بالخيار: إن شاء مال إلى القصاص، وإن شاء مال إلى الدية، فأيهما مال إليه تعين عليه (٣).
دليلنا في المسألة، وهو: أن ضمان المتلفات مقدر [با]، لمثل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٤)، وقوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (٥) فأوجب المماثلة: في إيجاب القصاص، لا في إيجاب المال؛ لأن بين المال وبين الآدمي لا مماثلة بينهما، لا من حيث الصورة ولا من حيث المعنى، وبين القصاص والقتل مماثلة في كل وجه؛ لأنه قتل بإزاء قتل، ونفس بإزاء نفس؛ لأن القتل الأول لتشفي الغيظ ولدرك الثأر، والقتل الثاني بهذا المعنى، فكان بينهما مماثلة بهذا الوجه، فجعلنا حقه من القصاص متعينًا (٦).
стр. 449
احتج الشافعي في المسألة: "بما روي عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين، إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا مالوا إلى الدية" (١) فالنبي ﷺ : أثبت التخيير بين القصاص والدية، وهذا نص في هذه المسألة (٢).
مسألة: ٣٢٤ - قيمة دية العبد
قيمة العبد، عندنا لا يبلغ بالغة ما بلغ، ولايزاد على دية الحر، بل ينقص من دية الحر عشرة (٣)، وعند الشافعي: يبلغ (٤).
بيان ذلك: إذا قتل العبد خطأ، وكانت قيمته عشرين ألفًا، عند أبي حنيفة ديته لا تزاد على عشرة آلاف، وعند الشافعي: تجب جميع قيمته وهو: عشرون ألفًا.
دليلنا في المسألة، وهو: أن الدية إنما تجب بمقابلة الدم، والعبد والحر في حق الدم لا يختلفان، وإنما يختلفان في المالية والرق، فلو قلنا: إِنَّهُ يبلغ بالغة ما بلغ، يكون في هذا إيجاب المال
стр. 450
في مقابلة دم العبد زيادة على دم الحر، فيؤدي إلى تفصيل العبد على الحر، وهذا لا يجوز (١).
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن المال إنما يجب ها هنا حقًا للمولى في مقابلة تفويت مالية العبد؛ لأن حق المولي مالية العبد، والعبد يساوي ها هنا عشرين ألفًا، فلو نقصنا منه يكون هذا بخسًا في حق المولي، فأوجبناه بالغة ما بلغ (٢).
مسألة: ٣٢٥ - اشتراك الأب مع أجنبي في قتل الابن
الأب والأجنبي إذا اشتركا في قتل الابن، أجمعوا (٣): على أنه لا قصاص على الأب، واختلفنا في الأجنبي، هل يجب القصاص عليه؛ عندنا: لا يجب (٤)، وعند الشافعي: يجب (٥).
دليلنا في المسألة، وهو: أن هذا قتل حصل بفعلين: فعل أحدهما: موجب، والآخر: غير موجب، فلا يجب القصاص، كالخاطئ مع العامد إذا اشتركا في القتل، فإنه لا قصاص عليهما، فكذلك ها هنا (٦).
стр. 451
احتج الشافعي في المسألة، وهو: إن هذا القتل قتل عمد محض، ينبغي أن يجب القصاص عليهما، إلَّا أنه سقط القصاص عن الأب شبهة للأبوة، وأما الأجنبي فلا شبهة في حقه؛ لأن فعله عمد محض، فأوجبنا القصاص عليه (١).
مسألة: ٣٢٦ - اشتراك اثنين في قطع يد واحدة
اليدان لا تقطعان (٢) باليد الواحدة [عندنا] (٣)، وعند الشافعي: تقطع (٤).
دليلنا في المسألة، وهو: إن القصاص في الأطراف مبني على المساواة بين اليدين وبين اليد الواحدة؛ لأنه جزء معين، بخلاف القصاص [في النفس] (٥)؛ لأنه تقتل العشرة بالواحدة، وإنما كان كذلك؛ لأن القصاص إنما يجب لتفويت الروح، والروح ما لا يتجزأ، فجعلنا كل واحد منهما قاتلًا على الكمال، وأما ها هنا قطع اليدين متجزئ، فيمكننا أن نجعل كل واحد منهما قاطعًا بعضه، فأوجبنا فيه المساواة (٦).
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن المعنى في وجوب القصاص إنما هو الزجر، ألا ترى أن القصاص في النفس، تقتل
стр. 452
العشرة بالواحد لاعتبار معنى الرجز، لا يراعي فيه المماثلة؛ لأن حرمة النفس أقوى من حرمة الطرف، وفي النفس لا تعتبر المساواة من العدد، والطرف أولى (١).
مسألة: ٣٢٧ - استيفاء الكبير القصاص قبل بلوغ الصغير
إذا ثبت القصاص بين الصغير والكبير، عندنا: يجوز للكبير استيفاء القصاص قبل بلوغ الصغير، وقبل إفاقة المجنون (٢)، وعند الشافعي: لايجوز للكبير استيفاء القصاص حتى يبلغ الصغير (٣).
ولا خلاف أنه إذا ثبت القصاص للحاضر والغائب، لا يجوز للحاضر استيفاؤه حتى يقدم الغائب (٤).
دليلنا في المسألة، وهو: أن القصاص حق لا يتجزأ، وجب بسبب لا يتجزأ وما لا يتجزأ إذا جزئ ينعدم، إما أن يثبت كله أو لا يثبت، أو يثبت بعضه، ولا يمكن أن لا يثبت؛ لأنه ثابت، ولا يمكن أن يثبت لكل واحد منهما؛ لأنه لا يتجزأ، فأثبتنا لكل واحد منهما، ولأنه استيفاء القصاص على الكمال، كما قلنا: في ولاية النكاح (٥).
стр. 453
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن القصاص حق مشترك بين الصغير والكبير، فلو قلنا: بأنه يثبت للكبير استيفاؤه، يكون في هذا استيفاء القصاص مع توهم العفو والسقوط؛ لأن الصغير ربما يبلغ فيعفو عن هذا القصاص، والعفو مندوب شرعًا، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١) فلو قلنا: بأنه يثبت للكبير يكون هذا استيفاء القصاص مع توهم العفو، فوجب أن ينتظر إلى بلوغ الصغير، كما قلنا في الغائب والحاضر (٢).
مسألة: ٣٢٨ - قتل الواحد بالجماعة
الواحد إذا قتل جماعة، عندنا: هذا الواحد يقتل بالكل [و]، لا ينتقل الباقي إلى الدية (٣)، وعند الشافعي: يقتل بالأول، والباقون ينتقلون إلى الدية (٤).
دليلنا في المسألة: أجمعنا: على أن العشرة تقتل بالواحد، وجب أن يقتل الواحد بالعشرة؛ لأن الشرع لما جعل العشرة مثلًا للواحد، فمن ضرورته أن يكون هذا الواحد مثلًا للعشرة؛ لأن المماثلة لا تكون بأحد الطرفين، كالعدل؛ لأن أحد الجواليق لما كان عدلًا للآخر، لا بد أن يكون العدل للآخر مماثلًا له (٥).
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن القصاص عبارة عن المساواة، ولا مساواة بين الواحد والعشرة؛ لأنا لو خلينا والقياس، لكنا نقول: إن العشرة لا تقتل بالواحد، إلَّا أنا تركنا القياس بحديث عمر ﵁:
стр. 454
لما روي أن سبعة قتلوا واحدًا بصنعاء، فقتلهم عمر بن الخطاب ﵁ وقال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم" (١) وكان المعنى فيه: أن الجماعة قتلوا الواحد [فـ]ـجعلنا كل واحد منهم قاتلًا على الكمال باعتبار أن الروح لا يتجزأ، فلم تعتبر المساواة بهذا العذر، وهذا المعنى في هذا الجانب معدوم (٢).
مسألة: ٣٢٩ - عمد الصبي في القتل
لا خلاف أنه لا قصاص على الصبيّ والمجنون، وأما الصبي إذا عمد إلى قتل البالغ، فعندنا: عمده وخطأه سواء (٣)، وعند الشافعي: عمده عمد (٤).
وفائدته: أن الدية عندنا: تجب على عاقلته؛ لأنه بمنزلة قتل الخطأ، وعند الشافعي: قتله عمد، تجب الدية في ماله، إلَّا أن القصاص يسقط لعذر الصبا.
دليلنا في المسألة: بما روي عن النَّبِيّ ﷺ : أنه قال: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ" (٥)، فالنبي ﷺ أخبر أن الصبي
стр. 455
مرفوع عنه القلم، فلو قلنا: بأن فعله عمد، لأجرينا عليه القلم، وهذا لا يجوز.
احتج الشافعي، في هذه المسألة وهو: أن هذا ضمان إتلاف، والصبي والبالغ في ضمان الإِتلاف سواء، ألا ترى أنه لو أتلف مال إنسان، يجب الضمان في ماله (١) فكذلك ها هنا.
مسألة: ٣٣٠ - سراية القود
سراية القصاص، تكون مضمونة: عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا تكون مضمونة (٣).
بيانه: إذا قطع رجل يد رجل ظلمًا، ثم أن المقطوع يده قطع يد القاطع قصاصًا، فسرى إلى نفسه ومات في ذلك، فإن عندنا: تجب عليه دية النفس، وعند الشافعي: لايجب عليه شيء، ويكون هدرًا.
دليلنا في المسألة، وهو: أن الشرع إنما أوجب القصاص، بشرط السلامة؛ لأن العفو مندوب إليه، فلهذا لا يقطع في الحر الشديد، ولا في البرد الشديد، ولهذا أمر الشرع لحسمه؛ لأن القطع الأول مقتصر، والقطع الثانية وجب أن يكون مقتصرًا فإذا سرى إلى النفس، فقد استوفى ما بين حق له وبين ما ليس بحق له؛ لأن حقه في الأطراف لا في النفس، فإذا سرى إلى النفس وجب أن يضمن، كما لو قطع يد رجل ظلمًا، فمات من ذلك. فإنه يكون مضمونًا عليه، فكذلك ها هنا (٤).
стр. 456
احتج الشافعي، في المسألة وقال: إن الشرع أطلق له الاستيفاء، والاستيفاء: تارة يكون مقتصرًا، وتارة يكون ساريًا؛ لأن السراية والاقتصار ليس يكون في وسعه؛ لأنا لو قلنا: بأنه يقطعه قطعًا مقتصدًا، وليس في وسعه ذلك، لامتنع من استيفاء حقه؛ لأنه لما قطع طرفه من الموضع الذي قطعه في الأول، فقد استوفى ما هو حق له، فسراية المتولدة منه، وجب أن لا يكون مضمونًا عليه، كما نقول: في الإمام إذا قطع يد السارق، فسرى إلى النفس فمات، فإنه لا يجب الضمان عليه، فكذلك ها هنا (١).
مسألة: ٣٣١ - سراية الجناية
رجل قطع يد رجل فمات، فإن عندنا: يقتل القاطع ولا تقطع يده (٢)، وعند الشافعي: تقطع يده، فإن مات، فلا يجوز قتله (٣).
دليلنا في المسألة؛ لأنه لما قطع يده فسرى إلى النفس، كان هذا قتلًا من الأصل؛ لأن القتل ليس إلا جرح يعقبه خروج الروح، وقد وجد هذا المعنى هاهنا، فيكون قتلًا، فأوجبنا عليه القتل (٤).
стр. 457
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن القصاص عبارة عن المساواة، وهو مأخوذ: من القص، فلو اعتبرنا المساواة لفعلنا به كما فعل الأول؛ لأن الأول قطع وقتل، فأوجبنا عليه القطع، وهو الفعل الأول، حتى يكون مراعاة للتسوية بينهما (١).
مسألة: ٣٣٢ - اعتبار المائلة في القصاص
المماثلة في القصاص، غير معتبرة عندنا (٢)، وعند الشافعي: معتبرة (٣).
بيانه: أن من قتل إنسانًا بالإِحراق، أو بالِإغراق، وبالسمّ، فإن عندنا: يقتل بالسيف، وعند الشافعي: يفعل به كما فعل.
دليلنا في المسألة وهو: ما روي عن النَّبِيّ ﷺ : أنه قال: "لا قود إلَّا بالسيف" (٤) أي لا يستوفي القصاص إلَّا بالسيف.
احتج الشافعي، في المسألة: بما روي عن النَّبِيّ ﷺ : أنه قال: "من حرق حرقناه، ومن غرق أغرقناه" (٥)، وهذا نص في هذا المعنى.
стр. 458
مسألة: ٣٣٣ - لجوء القاتل إلى الحرم
القاتل إذا التجأ إلى الحرم، أو قاطع الطريق إذا التجأ إلى الحرم، عندنا: لا يستوفى القصاص في الحرم، ولكن يضيّق عليه أمره، حتى لا يؤاكل ولا يشارب ولا يبايع، حتى يخرج إلى الحل فيستوفى منه القصاص (١)، وعند الشافعي: يستوفى في الحرم (٢).
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٣)، جعل الداخل آمنًا؛ لأنه لما دخل في الحرم ملتجئًا معظمًا، وجب أن يكون آمنًا عن القتل، عملًا بهذه الآية.
احتج الشافعي، في المسألة وقال: قد أجمعنا على أنه لو قتل في الحرم، أو قطع الطريق في الحرم، فإنه يقتل، فكذلك ها هنا إذا قتل خارج الحرم ثم دخل الحرم، فلوقلنا: إِنَّهُ ينتظر إلى حين خروجه، يفوت من له حق القصاص، ومن له القصاص حقه محترم مراعى، ومراعاته: استيفاء القصاص في الموضع الذي قدر عليه (٤).
стр. 459
مسألة: ٣٣٤ - قطع ذكر الخصي
من قطع ذكر الخصي لا يضمن، ولكن تجب حكومة عدل (١)، عندنا (٢)، وعند الشافعي: يضمن (٣).
دليلنا في المسألة وهو: أن آلة الخصي آلة ناقصة؛ لأنا لو أوجبنا عليه كمال الدية، لا يكون في هذا اعتبار المماثلة، ألا ترى أنه لو قطع يد الأشل لا يضمن قيمته وإنما تجب حكومة عدل عليه (٤).
احتج الشافعي، في المسألة: أنه لما قطع ذكر الخصي، فقد فوت عليه آلة صالحة لذلك العمل، فوجب عليه الضمان، كما لو قطع ذكر الفحل (٥).
стр. 460
كتاب الدية (١)
[مسألة]: ٣٣٥ - القتل في أشهر الحرم أو قتل ذي رحم
إذا قتل الرجل خطأ في أشهر الحرم، أو قتل ذا رحم محرم، فإن عندنا: تلزمه دية مخففة (٢)، وعند الشافعي: تلزمه دية مغلظة،