← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 13269

تذكير الأنام بسنن وآداب الصيام

سالم جمال الهنداوي

Полный текст (146 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومن آداب الصيام: ٦ - التستر عند الأكل والشراب لمن كان له رخصة في الفطر: من الأدب أن لا يجاهر المسلم -المرخص له بالإفطار- في إفطاره في نهار رمضان؛ إحترامًا لشعور الصائمين، ولكي لا يشجع المستهترين من المفطرين بالمجاهرة في إفطارهم بحجة أو بغير حجة، هذا بخلاف من لديه سبب مقبول كمريض يتحتم عليه أن يأخذ الدواء فلا حرج في ذلك. ومن آداب الصيام: ٧ - أن لا يجالس إلا الصالحين (١): عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» (٢). قال ابن حجر في «الفتح»: وفي الحديث: النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما (٣).

стр. 107

وقال صاحب «منار القاري»: والمعنى: أن النبي ﷺ شبه الجليس الصالح في دينه وخلقه بمن يحمل معه مسكًا، وشبه جليس السوء بمن ينفخ كيرًا، وهو آلة من الجلد ينفخ بها الحداد على النار، ثم بين وجه الشبه في قوله: «فحامل المسك إمّا أن يحذيك» أي: فإذا جلست إلى حامل المسك لا بد أن تنتفع منه؛ لأنه إما أن يهديك من الطيب الذي معه، «وإما أن تبتاع منه» أي: تشترى منه مسكًا، وإما أن تجد منه -أى: تشم منه- رائحة طيبة، وكذلك الجليس الصالح إما أن يفيدك بعلمه أو بنصحه وتوجيهه، أو حسن سلوكه بالاقتداء به، «ونافخ الكير» إذا صحبته لا بد أن يؤذيك فهو «إما أن يحرق ثيابك» من الشرر المتطاير، «وإمّا أن تجد منه ريحًا خبيثة» من الدخان الذي يتصاعد من ناره فتشمّ منه رائحة كريهة تخنق أنفاسك، كذلك جليس السوء إما أن يغريك بالسيئة أو تقتدي بسلوكه السيء فتنحرف عن سواء السبيل. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في مجالسة أهل الفضل؛ لأنهم يسعد بهم جليسهم، فإن كانوا علماء استفاد منهم علمًا، وإن كانوا صلحاء استفاد منهم صلاحًا، وإن كانوا أبطالاً استفاد منهم شجاعة؛ لأن الأخلاق والمواهب والعلوم والمعارف والمهارات والآداب تتلاقح ويتأثر بعضها ببعض. ثانيًا: دل هذا الحديث على التحذير الشديد من جلساء السوء؛ لأنهم شر على من يجالسهم، وربما قصدوا أن ينفعوه فيضروه من حيث لا يشعرون. ثالثًا: قال العيني: في الحديث دليل على طهارة المسك، وروينا عن النبي ﷺ بسند جيد أنه كان له مسك يتطيب به، وعلى هذا جمهور العلماء، وقد كرهه جماعة، منهم عمر ﵁، وقال: لا تحنطوني به، وكذا عمر بن عبد العزيز إلّا أن هذا الخلاف قد انقرض واستقر الإجماع على طهارته، وجواز استعماله.

стр. 108

رابعًا: أن المسك من أجمل العطور وأحلاها وأطيبها وأغلاها ولذلك ضرب به المثل في هذا الحديث (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» (٢). قال القاري في «مرقاة المفاتيح»: قوله ﷺ : «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» أي: غالبًا، والخلة الحقيقية لا تتصور إلا في الموافقة الدينية، أو الخلة الظاهرة قد تفضي إلى حصول ما غلب على خليله من الخصلة الدينية، ويؤيده قوله: «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» قال تعالى: ﴿(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ (((((((((((((﴾ [التوبة: ١١٩]. وقال الغزالي: مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد ومخاللته تزهد في الدنيا؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدرى (٣). عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَاكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» (٤). قال القاري في «مرقاة المفاتيح»: قوله ﷺ : «لا تصاحب» أي: لا تقصد في المصاحبة، «إلا مؤمنًا» أي: كاملاً بل مكملاً، أو المراد منه النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين؛ لأن مصاحبتهم مضرة في الدين، فالمراد

стр. 109

بالمؤمن جنس المؤمنين، «ولا يأكل طعامك إلا تقي» أي: مؤمن أو متورع يصرف قوة الطعام إلى عبادة الله الملك العلام، والنهي وإن نسب إلى التقي ففي الحقيقة مسند إلى صاحب الطعام، فهو من قبيل لا أرينك ههنا، فالمعنى: لا تصاحب إلا مطيعًا، ولا تخالل إلا تقيًا (١). وصاحب تقيًا عالمًا تنتفع به ... فصحبةُ أهل الخير ترجى وتطلبُ وإياك والفساد لا تصحبنّهم ... فصحبتهم تعدي، وذاك مجربُ واحذر مؤاخاة الدنيء لأنه يعدي ... كما يعدي الصحيحَ الأجربُ واختر صديقك واصطفيه تفاخرا ... إن القرين إلى المقارن ينسبُ

стр. 110

ومن آداب الصيام: ٨ - ترك الأكل لو شك في طلوع الفجر: ولو شك في طلوع الفجر فالمستحب له أن لا يأكل، هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: إذا شك في الفجر فأحب إلي أن يدع الأكل؛ لأنه يحتمل أن الفجر قد طلع؛ فيكون الأكل إفسادًا للصوم فيتحرز عنه. والأصل فيه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لوابصة بن معبد: «الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١). ولو أكل وهو شاك: لا يحكم عليه بوجوب القضاء عليه؛ لأن فساد الصوم مشكوك فيه؛ لوقوع الشك في طلوع الفجر، مع أن الأصل هو بقاء الليل، فلا يثبت النهار بالشك. وهل يكره الأكل مع الشك؟ روى هشام عن أبي يوسف: أنه يكره. وروى ابن سماعة عن محمد: أنه لا يكره، والصحيح قول أبي يوسف، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا شك فلا يأكل وإن أكل فقد أساء؛ لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ» (٢)، والذي يأكل مع الشك في طلوع الفجر يحوم حول الحمى فيوشك أن يقع فيه؛ فكان بالأكل معرضًا صومه للفساد، فيكره له ذلك (٣).

стр. 111

ومن آداب الصيام: ٩ - التعجيل بقضاء ما أفطره من رمضان: الأصل: المبادرة إلى قضاء ما فات من صيام رمضان، ويجوز تأخير القضاء ما لم يتضيق الوقت، بألا يبقى بينه وبين رمضان القادم إلا ما يسع أداء ما عليه، فيتعين ذلك الوقت للقضاء عند الجمهور. فإن لم يقض فيه: فقد نص الشافعية والحنابلة على تأثيمه بالتأخير إذا فات وقت القضاء من غير عذر؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ » (١). قالوا: ولو أمكنها لأخرته؛ ولأن الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخير الأولى عن الثانية كالصلوات المفروضة. وذهب الحنفية إلى أنه: يجوز تأخير القضاء مطلقًا ولا إثم عليه، وإن هَلَ عليه رمضان آخر، لكن المستحب عندهم المتابعة مسارعة إلى إسقاط الواجب (٢). حكم من فرط في قضاء رَمَضَان حَتى جاء رَمَضَان آخر: قال سفيان: إذا كان على رجل رمضان فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر وفرط فيما بينهما فليصم هذا مع الناس، ويقضي الذي فاته، وليطعم م كان كل يوم نصف صاع، وكذلك قال إسحاق وأحمد. وقال أصحاب الرأي: يقضي وليس عليه إطعام. ويروى عن ابن عمر أنه قال: يطعم عن كل يوم، وليس عليه قضاء.

стр. 112

وقول سفيان: يروى عن ابن عباس وأبي هريرة (١). عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، تَقُولُ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: «إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقْضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى يَاتِيَ شَعْبَانُ» (٣). قضاء الصيام عن الميت: ورد في ذلك أحاديث منها: عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (٤). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» (٥).

стр. 113

قال الإمام الخطابي ﵀: قلت هذا فيمن لزمه فرض الصوم، إما نذرًا، وإما قضاء عن رمضان فائت، مثل أن يكون مسافرًا فيقدم وأمكنه القضاء ففرط فيه حتى مات، أو يكون مريضًا فيبرأ ولا يقضي. وإلى ظاهر هذا الحديث ذهب أحمد وإسحاق، وقالا: يصوم عنه وليه، وهو قول أهل الظاهر. وتأوله بعض أهل العلم فقال معناه: أن يطعم عنه وليه، فإذا فعل ذلك فكأنه قد صام عنه، وسمي الإطعام صيامًا على سبيل المجاز والاتساع؛ إذ كان الطعام قد ينوب عنه، وقد قال سبحانه: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] فدل على أنهما يتناوبان. وذهب مالك والشافعي: إلى أنه لا يجوز صيام أحد عن أحد، وهو قول أصحاب الرأي، وقاسوه على الصلاة ونظائرها من أعمال البدن التي لا مدخل للمال فيها. واتفق عامة أهل العلم على أنه: إذا أفطر في المرض أو السفر ثم لم يفرط في القضاء حتى مات فإنه لا شيء عليه ولا يجب الإطعام عنه، غير قتادة فإنه قال: يطعم عنه، وقد حكي ذلك أيضاً عن طاوس (١). وخلاصة ذلك: أن من مات ولم يقض فلا يخلو: إما أن يكون قد مات قبل أن يتمكن من القضاء، أو مات بعد التمكن، ولكنه لم يقض تقصيرًا. ١ - فإن مات قبل التمكن من القضاء: فلا إثم عليه، ولا تدارك له؛ لعدم تقصيره. ٢ - ومن مات بعد التمكن من القضاء: صام عنه وليه ـ ندبًا ـ الأيام الباقات في ذمته، والمقصود بالولي هنا: أي قريب من أقاربه. ويصح صوم الأجنبي عنه إذا استأذن بذلك أحد أقاربه، فإن صام بغير إذن، ولا وصية من الميت لم يصح بدلاً عنه.

стр. 114

فإن لم يصم عنه أحد: أطعم عنه لكل يوم مد، ويخرج هذا من التركة وجوبًا كالديون، فإن لم يكن له مال جاز الإخراج عنه، وتبرأ ذمته. عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» (١). وروى أبو داود عن ابنِ عباسٍ قال: «إذا مَرِضَ الرجلُ في رمَضَانَ ثم ماتَ ولم يصُمْ أُطعِمَ عنه» (٢) (٣).

стр. 115

الفصل الثالث ما يُكره في الصيام

стр. 116

تعريف المكروه المكروه لغة: هو ضد المحبوب، تقول: «كرهت الشيء» إذا لم تحبه، وقيل: المكروه مأخوذ لغة من الكريهة، وهي الشدة في الحرب، ومنه سمي يوم الحرب: «يوم الكريهة»، والكُره -بضم الكاف-: المشقة كما نقله الجوهري في الصحاح عن الفراء. وعلى هذا يكون المكروه هو: ما نفر عنه الشرع والطبع؛ لأن الطبع والشرع لا ينفران إلا عن شدة ومشقة تلحق بالمكلف. المكروه اصطلاحًا: هو ما تركه خير من فعله، ولا عقاب في فعله (١). وقال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: وأما المكروه: فهو لفظ مشترك في عرف الفقهاء بين معان: أحدها: المحظور: فكثيرًا ما يقول الشافعي ﵀: «وأكره كذا»، وهو يريد التحريم. الثاني: ما نهي عنه نهي تنزيه: وهو الذي أشعر بأن تركه خير من فعله، وإن لم يكن عليه عقاب، كما أن الندب هو الذي أشعر بأن فعله خير من تركه. الثالث: ترك ما هو الأولى وإن لم ينه عنه: كترك صلاة الضحى مثلاً، لا لنهي ورد عنه، ولكن لكثرة فضله وثوابه، قيل فيه: إنه مكروه تركه. الرابع: ما وقعت الريبة والشبهة في تحريمه: كلحم السبع وقليل النبيذ، وهذا فيه نظر؛ لأن من أداه اجتهاده إلى تحريمه فهو عليه حرام، ومن أداه اجتهاده إلى حله فلا معنى للكراهية فيه، إلا إذا كان من شبهة الخصم حزازة في نفسه ووقع في قلبه، فقد قال ﷺ : «الإثم حزاز

стр. 117

القلب» (١)، فلا يقبح إطلاق لفظ الكراهة؛ لما فيه من خوف التحريم، وإن كان غالب الظن الحل (٢). أسباب تنوع الأحكام التكليفية لقد تنوعت الأحكام التكليفية لحكمٍ كثيرة، منها: الحكمة الأولى: رفع الحرج والشقة عن المكلفين: وبيان ذلك: أن الأحكام التكليفية وضعت لمصلحة العباد، فلو قصر تلك لتكاليف على الوجوب والتحريم -فقط- للزم من ذلك الحرج والتضييق عليهم، فبعض العبيد قد لا يستطيع امتثال جميع الأوامر والنواهي، ففتح اللَّه باب المباحات، والمندوبات، والمكروهات، تخفيفًا عليهم؛ وذلك لعلمه -سبحانه- أن العبد فيه ضعف من فعل الواجبات، وترك المحرمات. الحكمة الثانية: الابتلاء والامتحان من اللَّه تعالى للمكلفين: وبيان ذلك: أن امتثال الواجبات، واجتناب الحرمات أقرب إلى النفس الضعيفة التي تخاف العقاب، دون رغبة في زيادة الثواب. لكن إذا قوي إيمان العبد، وعرف أن هذه الأحكام التكليفية -جميعها- إنما شرعت لمصلحته، وهي السبيل لسعادته في الدنيا والآخرة، فإنه لا يرضى أن يقف عند حدود الواجب، بل يتعداه إلى فعل المندوبات والفضائل؛ ليتقرب إلى اللَّه تعالى بذلك، كما ورد في

стр. 118

الحديث القدسي: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ...» (١)، وكذلك لا يرضى هذا العبد أن يقتصر على اجتناب المحرمات، بل يتعدَّى ذلك فيجتنب المكروهات (٢). وقال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام ﵀: «ويستدل على الْأَحْكَام تَارَة بالصيغة، وَتارَة بالأخبار، وَتارَة بِمَا رتب عَلَيْهَا فِي العاجل والآجل من خير أَو شَرّ أَو ضر. وَقد نوع الشَّارِع ذَلِك أنواعًا كَثِيرَة؛ ترغيبًا لِعِبَادِهِ، وترهيبًا، وتقريبًا إِلَى أفهامهم، فَتَارَة يرغب فِي الْفِعْل يمدحه أَو يمدح فَاعله، أَو بِمَا رتبه على الْفِعْل من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَتارَة يحذر من الْفِعْل بِذِمَّة أَو ذمّ فَاعله، أَو توعده على الْفِعْل بشر عَاجل أَو آجل، وكل ذَلِك رَاجع إِلَى الْمَنَافِع والمضار. لَكِن ذكر أَنْوَاع الْمَنَافِع والمضار؛ ليعلم عباده مَا هم صائرون إِلَيْهِ من أَنْوَاع بره وإنعامه، أَو من أَنْوَاع تعذيبه وانتقامه، فَإِنَّهُ لَو اقْتصر على ذَلِك النَّفْع والضر لما أنبأ عَمَّا ينبىء عَنهُ لفظ الْمحبَّة والبغض، وَلَفظ الرِّضَا والسخط والتقريب والإبعاد والشقاوة والإسعاد، فَإِن اللَّذَّة والألم تَتَفَاوَت بِهَذِهِ الْأَسْبَاب تَفَاوتًا شَدِيدًا، ولهذه الْأَوْصَاف آثَار لَا يخفى تفاوتها على أحد فَلذَلِك عول إِلَيْهَا؛ ليقف عباده على درجاتهم ودركاتهم من عَالم خفياتهم، فسبحان من رتب خير الدَّاريْنِ على مَعْرفَته وطاعته، وَشر الدَّاريْنِ على معصيتة ومخالفته ﴿((((لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ ((((((((((((((﴾ [الأعراف:٥٤] (٣).

стр. 119

مكروهات الصيام لقد أرشدنا نينا ﷺ على بعض الأمور وحذرنا من فعلها؛ وذلك حتى لا تكون هذه الأمور سببًا لفساد صيامنا، أو تكون سببًا في نقصان الأجر والثواب من الله تعالى؛ فيجب علينا أن نعرف هذه الأمور جيدًا، وأن نتجنبها ما استطعنا، وأن نطلب من الله المعونة والتوفيق والسداد على حفظ صيامنا، وأن يتقبله منا بفضله وإحسانه، إنه على كل شيء قدير. ومن مكروهات الصيام: ١ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق: تكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق أثناء الصيام؛ وذلك حتى لا يصل الماء إلى البطن فيفسد الصوم ويبطل، فلا يبالغ في ذلك حال صومه، بخلاف الفطر فيبالغ في المضمضة والاستنشاق، ولا يسرف في استعمال الماء. أخرج أبو داود في سننه من حديث لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، وفيه: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي، عَنِ الْوُضُوءِ، قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (١). قوله ﷺ : «وبالغ في الاستنشاق» أي: بإيصال الماء إلى باطن الأنف، وقوله ﷺ : «إلا أن تكون صائمًا» أي: فلا تبالغ؛ لئلا يصل إلى باطنه فيبطل الصوم، وكذا حكم المضمضة (٢).

стр. 120

وقال أبو جعفر الطحاوي ﵀: ففي هذا الحديث أمر رسول الله ﷺ بالمبالغة في الاستنشاق في الوضوء للصلاة في حال الإفطار، وبالنهي عن ذلك في حال الصيام، فدل ذلك أن المبالغة التي أمر بها في حال الإفطار كانت على الاختيار, لا على الفرض؛ لأنها لو كانت على الفرض لم يرفعها الصيام، وكان في نهيه عنها في حال الصيام ما قد دل على أنها تفسد الصيام بدخول الماء بها من الموضع الذي بلغ بها إليه، مما يكون سببًا إلى وصولها إلى حلق المستعمل لها؛ فيكون ذلك مفسدًا عليه صيامه (١). وقال الخطيب الشربيني ﵀: وأما الصائم فلا يسن له المبالغة بل تكره؛ لخوف الإفطار كما في «المجموع». وقال الماوردي والصيمري: يبالغ في المضمضة دون الاستنشاق؛ لأن المتمضمض متمكن من رد الماء عن وصوله إلى جوفه بطبق حلقه، ولا يمكن دفعه بالخيشوم. فإن قيل: لم لم يحرم ذلك كما قالوا بتحريم القبلة إذا خشي الإنزال، مع أن العلة في كل منهما خوف الفساد، ولذا سوى القاضي أبو الطيب بينهما فجزم بتحريم المبالغة أيضًا؟. أجيب: بأن القُبلة غير مطلوبة بل داعية لما يضاد الصوم من الإنزال، بخلاف المبالغة فيما ذكر، وبأنه هنا يمكنه إطباق الحلق ومج الماء، وهناك لا يمكنه رد المني إذا خرج؛ لأنه ماء دافق، وبأنه ربما كان في القُبلة إفساد لعبادة إثنين. قلت: الأظهر تفضيل الجمع بين المضمضة والاستنشاق على الفصل بينهما؛ لصحة الأحاديث الصريحة في ذلك، ولم يثبت في الفصل شيء، كما قاله ابن الصلاح والمصنف في «المجموع» (٢).

стр. 121

وقال الإمام الماوردي ﵀: من أراد المضمضة والاستنشاق في صومه، فالأولى له أن يرفق ولا يبالغ؛ لأن رسول الله ﷺ أمر لقيطًا بذلك، فإن تمضمض واستنشق فوصل الماء إلى رأسه أو جوفه فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون ناسيًا لصومه: فلا شيء عليه وهو على صومه كالآكل ناسيًا. والثاني: أن يكون ذاكرًا لصومه قاصدًا لإيصال الماء إلى جوفه أو رأسه: فهذا يفطر، وعليه القضاء كالآكل عامدًا. والحال الثانية: أن يكون ذاكرًا لصومه غير قاصد إلى إيصال الماء إلى جوفه، وإنما سبقه الماء وغلبه فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون قد بالغ في الاستنشاق، والثاني: لم يبالغ. فإن بالغ: فقد أفطر ولزمه القضاء؛ لأن ذلك حادث عن سبب مكروه كالإنزال إذا حدث عن القبلة، وكان بعض أصحابنا البغداديين لا يفرق بين المبالغة وغيرها، وليس يصح لما ذكرنا. فإن لم يبالغ فيه فقولان: أحدهما: قد أفطر ولزمه القضاء، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء، واختاره المزني. ووجهه: ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل رسول الله ﷺ عن قبلة الصائم فقال: «أرأيت لو تمضمضت»، فشبه القبلة بالمضمضة، ثم كانت القبلة مع الإنزال تفطر، فكذلك المضمضمة مع الازدراد؛ ولقوله ﷺ في الاستنشاق: «إلا أن تكون صائما فترفق» خوفًا من إفطاره بوصول الماء إلى رأسه؛ ولأن الأسباب الحادثة عن الأفعال تجري مجرى المباشرة لها في الحكم، كالجنابة يجب القود فيها بالمباشرة والسراية، فكذلك المضمضة والاستنشاق يجب أن يستوي حكم السبب فيهما والمباشرة، ولا ذكره المزني عن قياسه، على الأكل شاكًا في الفجر. والقول الثاني: نص عليه في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى: أنه على صومه، وبه قال الحسن وأحمد وإسحاق وأبو ثور.

стр. 122

ووجه هذا القول هو: أنه مغلوب على هذا الفعل فصار بمثابة من أكره على الأكل؛ ولأنه واصل إلى جوفه من غير قصده فوجب أن لا يفطر، أصله الذباب إذا طار إلى حلقه؛ ولأن الفطر يقع تارة بما يصل إلى الجوف، وتارة بما ينفصل عنه، ثم تقرر أن ما ينفصل عنه بلا اختيار كالقيء والإنزال لا يفطر، فكذلك ما وصل إليه من المضمضة بالاختيار، وهذان القولان في صوم الفرض، والنفل سواء. وحكي عن الشعبي والنخعي وابن أبي ليلى، وهو قول ابن عباس: أنه إن توضأ لنافلة أفطر، وإن توضأ لفريضة لم يفطر؛ لأنه في الفريضة مضطر، وفي النافلة مختار، وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: إنه في الطهارتين غير مضطر إلى المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما سنتان في الطهارتين معًا. والثاني: إن حكم الفطر في الاضطرار والاختيار سواء؛ لأنه لو أجهده الصوم فأكل خوف التلف أفطر، ولو ابتدأ الأكل من غير خوف أفطر، فدل على أن لا فرق بين الموضعين، والله أعلم (١). مسألة: إذا تمضمض فدخل الماء في حلقه: فعند الحنفية والمالكية والشافعية في قول: يبطل الصوم ويلزم القضاء دون الكفارة؛ لأن الخطأ عذر لا يغلب وجوده بخلاف النسيان فإنه عذر غالب؛ ولأن الوصول إلى الجوف مع التذكر في الخطأ ليس إلا لتقصير في الاحتراز فيناسب الفساد، إذ فيه نوع إضافة إليه بخلاف النسيان. ومذهب الحنابلة وقول عند الشافعية: عدم البطلان مطلقًا؛ لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره، فلم يبطل صومه كغبار الطريق وغربلة الدقيق والذباب.

стр. 123

والصحيح عند الشافعية: أنه إن بالغ أفطر وإلا فلا؛ لأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» فنهاه عن المبالغة، فلو لم يكن وصول الماء في المبالغة يبطل صومه لم يكن للنهي عن المبالغة معنى؛ ولأن المبالغ منهي عنها في الصوم، وما تولد من سبب منهي عنه فهو كالمباشرة، والدليل عليه: أنه إذا جرح إنسانًا فمات جعل كأنه باشر قتله (١).

стр. 124

ومن مكروهات الصيام: ٢ - الكلام القبيح والغيبة والنميمة والكذب: يكره للصائم اللفظ القبيح والمشاتمة، والغيبة أكثر مما تكره لغيره، فإن شاتمه غيره، قال: إني صائم؛ لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» (١). وحكى عن بعض الناس: أنه قال: لا يتلفظ به؛ لأنه يكون إظهارًا لعبادته فيكون رياء، وإنما يقول ذلك في نفسه. قال ابن الصباغ: ويمكن أن يحمل هذا على ظاهره ويتكلم بذلك ولا يقصد به الرياء، وإنما يقصد به كف الخصومة وإطفاء الشر بينهما، وإن خالف وشاتم لم يفطره، وهو قول كافة العلماء إلا الأوزاعي، فإنه قال: يفطر بذلك؛ لقوله ﷺ : «خمس يفطرن الصائم» (٢) فذكر منها الغيبة والنميمة والكذب. دليلنا: أنه نوع كلام، فلا يفطر به، كسائر أنواع الكلام. وأما الخبر: فالمراد به: أنه يسقط ثوابه، حتى يصير في معنى المفطر، كقوله ﷺ : «من قال لأخيه والإمام يخطب: أنصت، فلا جمعة له» (٣)، ولم يرد أن صلاته تبطل، وإنما أراد أن ثوابه يسقط، حتى يصير في معنى من لم يصل (٤).

стр. 125

قال الشافعي ﵀: وأحب له أن ينزه صيامه عن اللغط والمشاتمة، وإن شوتم أن يقول: أنا صائم، وإن شاتم: لم يفطره (١). وقال النووي ﵀: ينبغي للصائم أن ينز صومه عن الغيبة والشتم، ومعناه: يتأكد التنزه عن ذلك في حق الصائم أكثر من غيره للحديث، وإلا فغير الصائم ينبغي له ذلك أيضًا، ويؤمر به في كل حال، والتنزه التباعد، فلو اغتاب في صومه عصى ولم يبطل صومه عندنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا الأوزاعي، فقال: يبطل الصوم بالغيبة ويجب قضاؤه، واحتج بحديث أبي هريرة المذكور، وبحديثه أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري، وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر» رواه النسائي وابن ماجه في سننهما ورواه الحاكم في المستدرك قال وهو صحيح على شرط البخاري، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الصيام من الأكل والشرب فقط الصيام من اللغو والرفث» رواه البيهقي ورواه الحاكم في المستدرك وقال هو صحيح على شرط مسلم، وبالحديث الآخر: «خمس يفطرن الصائم الغيبة والنميمة والكذب والقبلة واليمين الفاجرة». وأجاب أصحابنا عن هذه الأحاديث سوى الأخير بأن المراد: أن كمال الصوم وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء لا أن الصوم يبطل به، وأما الحديث الأخير: «خمس يفطرن الصائم» فحديث باطل لا يحتج به، وأجاب عنه الماوردي والمتولي وغيرهما بأن المراد: بطلان الثواب لا نفس الصوم (٢).

стр. 126

ومن مكروهات الصيام: ٣ - مضغ العلك (١): والعلك: بكسر العين هو هذا المعروف، ويجوز فتح العين، ويكون المراد الفعل وهو مضغ العلك وإدارته (٢). والعِلْك بكسر العين: هو ضربٌ من صمغ الشجر، كاللبان، يمضغ فلا يذوب. قال الشافعي ﵀: وأكره العلك لأنه يحلب الريق، وإن مضغه فلا يفطره (٣). قال الماوردي ﵀: وهذا صحيح وإنما كرهناه لأمور، منها: إنه يجمع الريق، ويدعو إلى القيء، ويورث العطش، ولا يأمن أن يبتلعه، فإن مضغه ولم يصل منه شيء إلى جوفه فهو على صومه (٤). وقال النووي ﵀ في «المجموع»: قال الشافعي والأصحاب: يكره للصائم العلك؛ لأنه يجمع الريق، ويورث العطش والقئ، وروى البيهقي بإسناده عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ أنها قالت: «لا يمضغ العلك الصائم»، ولفظ الشافعي في «مختصر المزني»: «وأكره العلك؛ لأنه يحلب الفم»، قال صاحب الحاوي رويت هذه اللفظة بالجيم وبالحاء، فمن قال بالجيم فمعناه: يجمع الريق، فربما ابتلعه، وذلك يبطل الصوم في أحد الوجهين، ومكروه في الآخر، قال: وقد قيل معناه: يطيب الفم، ويزيل الخلوف، قال ومن قاله بالحاء فمعناه: يمتص الريق، ويجهد الصائم؛ فيورث العطش.

стр. 127

قال أصحابنا: ولا يفطر بمجرد العلك، ولا بنزول الريق منه إلى جوفه فإن تفتت فوصل من جرمه شئ إلى جوفه عمدًا وإن شك في ذلك لم يفطر، ولو نزل طعمه في جوفه أو ريحه دون جرمه لم يفطر؛ لأن ذلك الطعم بمجاورة الريق له، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور، وحكى الدارمي وجهًا عن ابن القطان: أنه إن ابتلع الريق وفيه طعمه أفطر، وليس بشئ (١). قال ابن القاسم: وكره مالك للصائم مضغ العلك (٢). وقال ابن قدامة في «المغني»: قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: الصائم يمضغ العلك. قال: لا. قال أصحابنا: العلك ضربان: أحدهما: ما يتحلل منه أجزاء، وهو الرديء الذي إذا مضغه يتحلل، فلا يجوز مضغه، إلا أن لا يبلع ريقه، فإن فعل فنزل إلى حلقه منه شيء، أفطر به، كما لو تعمد أكله. والثاني: العلك القوي الذي كلما مضغه صلب وقوي، فهذا يكره مضغه ولا يحرم، وممن كرهه الشعبي، والنخعي ومحمد بن علي وقتادة، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنه يحلب الفم، ويجمع الريق، ويورث العطش. ورخصت عائشة في مضغه، وبه قال عطاء؛ لأنه لا يصل إلى الجوف، فهو كالحصاة يضعها في فيه، ومتى مضغه ولم يجد طعمه في حلقه، لم يفطر، وإن وجد طعمه في حلقه، لم يفطر. وإن وجد طعمه في حلقه ففيه وجهان، أحدهما: يفطره، كالكحل إذا وجد طعمه في حلقه، والثاني: لا يفطره؛ لأنه لم ينزل منه شيء، ومجرد الطعم لا يفطر، بدليل أنه قد قيل: من لطخ باطن قدمه بالحنظل وجد طعمه ولا يفطر، بخلاف الكحل، فإن أجزاءه تصل إلى الحلق، ويشاهد إذا تنخع.

стр. 128

قال أحمد: من وضع في فيه درهمًا أو دينارًا وهو صائم، ما لم يجد طعمه في حلقه فلا بأس به، وما يجد طعمه فلا يعجبني (١). وقال ابن عثيمين ﵀: لا ينبغي أن يمضغه أمام الناس؛ لأنه يساء به الظن إذا مضغه أمام الناس فما الذي يدريهم أنه علك قوي أو غير قوي، أو أنه ليس فيه طعم أو فيه طعم وربما يقتدي به بعض الناس، فيمضغ العلك دون اعتبار الطعم (٢).

стр. 129

ومن مكروهات الصيام: ٤ - ذوق الطعام لغير الحاجة (١): الذوق: هو معرفة الشيء بفمه من غير إدخال عينه في حلقه. ويكره للصائم ذوق الشيء بالفم، لما فيه من تعريض الصوم للفساد؛ لأنه لا يؤمن أن يصل إلى جوفه (٢). قال ابن قدامة في «المغني»: قال أحمد: أحب إلي أن يجتنب ذوق الطعام، فإن فعل لم يضره، ولا بأس به. قال ابن عباس: لا بأس أن يذوق الطعام والخل والشيء يريد شراءه. وكان الحسن: يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم، ورخص فيه إبراهيم. قال ابن عقيل: يكره من غير حاجة، ولا بأس به مع الحاجة، فإن فعل فوجد طعمه في حلقه أفطر، وإلا لم يفطر (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: يكره أن يذوق الصائم طعامًا كالتمر والخبز والمرق، إلا إذا كان لحاجة فلا بأس، ووجه هذا: أنه ربما ينزل شيء من هذا الطعام إلى جوفه من غير أن يشعر به، فيكون في ذوقه لهذا الطعام تعريض لفساد الصوم، وأيضًا: ربما يكون مشتهيًا الطعام كثيرًا، ثم يتذوقه لأجل أن يتلذذ به، وربما يمتصه بقوة، ثم ينزل إلى جوفه. والحاجة: مثل أن يكون طباخًا يحتاج أن يذوق الطعام لينظر ملحه أو حلاوته، أو يشتري شيئًا من السوق يحتاج إلى ذوقه، أو امرأة تمضغ لطفلها تمرة، وما أشبه ذلك (٤).

стр. 130

وقال صاحب البيان: ويكره للصائم مضغ الخبز، فإن كان معه صبي يحتاج إلى مضغ الخبز له لم يكره؛ لأنه موضع ضرورة، فإن نزل إلى حلقه أفطر (١). وقال النووي ﵀ في «المجموع»: يكره له -أي: للصائم- مضغ الخبز وغيره من غير عذر، وكذا ذوق المرق والخل وغيرهما، فإن مضغ أو ذاق ولم ينزل إلى جوفه شئ منه لم يفطر. فإن احتاج إلى مضغه لولده أو غيره ولم يحصل الاستغناء عن مضغه لم يكره؛ لأنه موضع ضرورة، وروى البيهقي بإسناده الصحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «لا بأس أن يتطاعم الصائم بالشئ» يعني: المرقة ونحوها (٢). وقال السرخسي ﵀: ولا بأس بأن تمضغ المرأة لصبيها طعامًا إذا لم تجد منه بدا؛ لأن الحال حال الضرورة، ويجوز لها الفطر لحاجة الولد فلأن يجوز مضغ الطعام كان أولى. فأما إذا كانت تجد من ذلك بدا يكره لها ذلك؛ لأنها لا تأمن أن يدخل شيء منه حلقها فكانت معرضة صومها للفساد، وذلك مكروه عند عدم الحاجة قال ﷺ : «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه»، والله تعالى أعلم بالصواب (٣).

стр. 131

ومن مكروهات الصيام: ٥ - الحجامة: ويستحب أن يحترز عن الحجامة والفصد ونحوهما؛ لأن ذلك يضعفه، فهو خلاف الأولى كما في «المجموع» وإن جزم في أصل «الروضة» بكراهته، وقال المحاملي: يكره أن يحجم غيره أيضًا (١). «والحجامة مما يكره للصائم، وهي استخراج الدم المحقن من الجسم، مصًا أو شرطًا. ومذهب الجمهور: أنها لا تفطر الحاجم ولا المحجوم، ولكنهم كرهوها بوجهٍ عام. وقال الحنفية: لا بأس بها، إن أمن الصائم على نفسه الضعف، أما إذا خاف الضعف، فإنها تكره، وشرط شيخ الإسلام الكراهة، إذا كانت تورث ضعفًا يحتاج معه إلى الفطر. وقال المالكية: إن المريض والصحيح، إذا علمت سلامتهما بالحجامة أو ظنت، جازت الحجامة لهما، وإن علم أو ظن عدم السلامة لهما حرمت لهما، وفي حالة الشك تكره للمريض، وتجوز للصحيح. قالوا: إن محل المنع إذا لم يخش بتأخيرها عليل هلاكًا أو شديد أذى، وإلا وجب فعلها وإن أدت للفطر، ولا كفارة عليه. وقال الشافعية: يستحب الاحتراز من الحجامة، من الحاجم والمحجوم؛ لأنها تضعفه. قال الشافعي في «الأم»: لو ترك رجل الحجامة صائمًا للتوقي، كان أحب إلي، ولو احتجم لم أره يفطره. ونقل النووي عن الخطابي: أن المحجوم قد يضعف فتلحقه مشقة، فيعجز عن الصوم فيفطر بسببها، والحاجم قد يصل إلى جوفه شيء من الدم.

стр. 132

ودليل كراهة الحجامة حديث ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك ﵁: «أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد النبي ﷺ ؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف». قال الشوكاني: يجمع بين الأحاديث، بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها، وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون سببًا للإفطار، ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها، وعلى كل حال تجنب الحجامة للصائم أولى» (١).

стр. 133

ومن مكروهات الصيام: ٦ - القُبلة: قال النووي ﵀ في «المجموع»: تكره القبلة على من حركت شهوته وهو صائم، ولا تكره لغيره، لكن الأولى تركها، ولا فرق بين الشيخ والشاب في ذلك، فالاعتبار بتحريك الشهوة وخوف الإنزال، فإن حركت شهوة شاب أو شيخ قوي كرهت، وإن لم تحركها لشيخ أو شاب ضعيف لم تكره، والأولى تركها، وسواء قبل الخد أو الفم أو غيرهما، وهكذا المباشرة باليد والمعانقة لهما حكم القبلة، ثم الكراهة في حق من حركت شهوته كراهة تحريم عند المنصف وشيخه القاضي أبى الطيب والعبدرى وغيرهم، وقال آخرون كراهة تنزيه ما لم ينزل، وصححه المتولي، قال الرافعي وغيره: الأصح كراهة تحريم، وإذا قبل ولم ينزل لم يبطل صومه بلا خلاف عندنا، سواء قلنا كراهة تحريم أو تنزيه (١). وفي الموسوعة الفقهية: يكره للصائم تقبيل الزوجة إن لم يأمن على نفسه وقوع مفسد من الإنزال والجماع؛ لما روي أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا عند النبي ﷺ فجاء شاب فقال يا رسول الله أقبل وأنا صائم؟ قال: لا. فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله ﷺ : قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض؟ إن الشيخ يملك نفسه؛ ولأنه إذا لم يأمن المفسد ربما وقع في الجماع فيفسد صومه. وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة. ومحل الكراهة: إذا كانت القبلة بقصد اللذة لا إن كان بدون قصدها، كأن تكون بقصد وداع أو رحمة فلا كراهة. وإذا أمن على نفسه وقوع مفسدٍ: فلا بأس بالتقبيل عند جمهور الفقهاء؛ لما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقبل ويباشر وهو صائم.

стр. 134

وقال المالكية: تكره القبلة بقصد اللذة للصائم لو علمت السلامة من خروج مني أو مذي، وإن لم يعلم السلامة حرمت. واتفق الفقهاء على أن التقبيل ولو كان بقصد اللذة لا يفطر الصائم ما لم يسبب الإنزال، أما إذا قبل وأنزل بطل صومه اتفاقًا بين المذاهب (١). وقال الإمام الجويني ﵀: قال الأئمة: إن كانت القبلة تحرك الشهوة كرهناها للصائم، وإن كانت لا تحركها تحريكًا يخاف منه الخروج عن الضبط فلا بأس بها؛ قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يقبل إحدانا، وهو صائم، وكان أملككم لإرْبه، بأبي هو وأمي» (٢). وقيل: سأل سائل رسول الله ﷺ عن القبلة في الصوم فأباحها له، [فسأله آخر فنهاه]، فروجع في جوابه ﷺ ، فقال: كان الأول شيخًا، والثاني شابًا. وعن عمر ﵁ أنه سئل عن قبلة الصائم، فقال: «أرأيت لو تمضمضت» (٣)، وهذا منه قياس حسن، وفيه إشارة إلى تنزيله القبلة على المضمضة والمبالغة (٤). وقال ابن قدامة ﵀: وتكره القبلة لمن تحرك شهوته؛ لأنه لا يأمن إفضاءها إلى فساد صومه، ومن لا تحرك شهوته فيه روايتان: إحداهما: يكره؛ لأنه لا يأمن من حدوث شهوة.

стр. 135

والأخرى: لا يكره؛ لأن «النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم» متفق عليه لما كان أملك لإربه، والحكم في اللمس وتكرار النظر كالحكم في القبلة؛ لأنهما في معناها (١). ومن مكروهات الصيام: ٧ - تأخير الفطر: قال البكري الدمياطي ﵀: ويكره تأخير الفطر إن قصده ورأى فيه فضيلة، وإلا فلا بأس به (٢). قال ﷺ : «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» (٣). وقال الإمام الشافعي ﵀: وأحب تعجيل الفطر وتأخير السحور؛ اتباعًا لرسول الله ﷺ (٤). هل في تأخير الفطر بعد صلاة المغرب ثواب؟ الجواب: تأخير الفطر ليس فيه ثواب، بل الأفضل والأكمل في الثواب هو تعجيل الفطر بعد غروب الشمس مباشرة. روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» (٥).

стр. 136

ورواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁، وفيه: «لأن اليهود والنصارى يُؤخِّرونَ» (١). قال النووي: فيه الحث على تعجيله بعد تحقق غروب الشمس، ومعناه: لا يزال أمر الأمة منتظمًا وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السُنة، وإذا أخروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه، أ. هـ وقوله ﷺ : «لأن اليهود والنصارى يُؤخِّرونَ» قال الطيبي: في هذا التعليل دليل على أن قوام الدين الحنيفي على مخالفة الأعداء من أهل الكتاب، وأن في موافقتهم تلفًا للدين، أ. هـ وروى مسلم أن عائشة ﵂ سئلت عن رجل من أصحاب محمد ﷺ [وهو عبد الله بن مسعود ﵁] يعجل المغرب والإفطار، فقالت: «هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ» (٢). قال الشافعي في «الأم»: تعجيل الفطر مستحب، أ. هـ. وقال ابن حزم في «المحلى»: ومن السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور، وإنما هو مغيب الشمس عن أفق الصائم ولا مزيد، أ. هـ. وقد ذكر العلماء عدة حكم لاستحباب تعجيل الفطر، فمنها: ١ - مخالفة اليهود والنصارى. ٢ - اتباع السنة وموافقتها. ٣ - أن لا يزاد في النهار من الليل. ٤ - أنه أرفق بالصائم، وأقوى له على العبادة.

стр. 137

٥ - ولما فيه من المبادرة إلى تناول ما أحله الله ، والله كريم، والكريم يحب أن يتمتع الناس بكرمه، فيحب من عباده أن يبادروا بما أحل الله لهم من حين أن تغرب الشمس (١). ومن مكروهات الصيام: ٨ - الوصال في الصوم: ويكره الوصال في الصيام؛ وذلك لحديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ» كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا (٢). وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: وَاصَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالًا، يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي - أَوْ قَالَ - إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» (٣). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» (٤). قال الإمام النووي ﵀: معناه: يجعل الله تعالى في قوة الطاعم الشارب، وقيل: هو على ظاهره، وأنه يطعم من طعام الجنة كرامةً له، والصحيح الأول؛ لأنه لو أكل حقيقة لم

стр. 138

يكن مواصلاً، ومما يوضح هذا التأويل ويقطع كل نزاع قوله ﷺ في الرواية التي بعد هذا: «إني أظل يطعمني ربي ويسقيني»، ولفظة: «ظل» لا يكون إلا في النهار كما سنوضحه قريبًا إن شاء الله تعالى، ولا يجوز الأكل الحقيقي في النهار بلا شك، والله أعلم (١). صفة الوصال المكروه: قال الماوردي ﵀: أما الوصال في الصيام فهو: أن يصوم الرجل يومه فإذا دخل الليل امتنع من الأكل والشرب، ثم أصبح من الغد صائمًا فيصير واصلاً بين اليومين بالإمساك لا بالصوم؛ لأنه قد أفطر بدخول الليل وإن لم يأكل. قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٢) رواه أبو هريرة، فهذا هو الوصال المكروه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ (٣). وقال النووي ﵀: قال أصحابنا: وحقيقة الوصال المنهي عنه أن يصوم يومين فصاعدًا ولا يتناول في الليل شيئًا لا ماء ولا مأكولاً، فإن أكل شيئًا يسيرًا أو شرب فليس وصالاً، وكذا إن أخر الأكل إلى السحر لمقصود صحيح أو غيره فليس بوصال، وممن صرح بأن الوصال أن لا يأكل ولا يشرب ويزول الوصال بأكل أو شرب وإن قل صاحب الحاوي وسليم الرازي والقاضي أبو الطيب وإمام الحرمين والشيخ نصر والمتولي وصاحب العدة وصاحب البيان وخلائق لا يحصون من أصحابنا. وأما قول المحاملي في «المجموع» وأبي علي بن الحسن بن عمر البندنيجي في كتابه «الجامع» والغزالي في «الوسيط» والبغوى في «التهذيب»: الوصال أن لا يأكل شيئًا في الليل، وخصوه

стр. 139

بالأكل فضعيف، بل هو متأول على موافقة الأصحاب، ويكون مرادهم لا يأكل ولا يشرب كما قاله الجماهير واكتفوا بذكر أحد القرينين، كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ أي: والبرد، ونظائره معروفة. وقد بالغ إمام الحرمين فقال في «النهاية» في بيان ما يزول به الوصال فقيل: يزول الوصال بقطرة يتعاطاها كل ليلة، ولا يكفي اعتقاده أن من جن عليه الليل فقد أفطر، هذا لفظه بحروفه. واعلم: أن الجمهور قد أطلقوا في بيان حقيقة الوصال أنه: صوم يومين فأكثر من غير أكل ولا شرب في الليل. وقال الروياني في «الحلية»: الوصال أن يصل صوم الليل بصوم النهار قصدًا، فلو ترك الأكل بالليل لا على قصد الوصال والتقرب إلى الله به لم يحرم. وقال البغوي: العصيان في الوصال لقصده إليه، وإلا فالفطر حاصل بدخول الليل كالحائض إذا صلت عصت وإن لم يكن لها صلاة، وهذا الذي قالاه خلاف إطلاق الجمهور، وخلاف ما صرح به إمام الحرمين كما سبق قريبًا. وقد قال المحاملي في «المجموع»: الوصال ترك الأكل بالليل دون نية الفطر؛ لأن الفطر يحصل بالليل سواء نوى الإفطار أم لا، هذا كلامه وظاهره مخالف لقول الروياني والبغوي، والله أعلم. فالصواب: أن الوصال: ترك الأكل والشرب في الليل بين الصومين عمدًا بلا عذر (١). حكم الوصال: قال الإمام النووي ﵀: هو مكروه بلا خلاف عندنا، وهل هي كراهة تحريم أم تنزيه؟ فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف، وهما مشهوران ودليلهما في الكتاب، أصحهما عند أصحابنا وهو ظاهر نص الشافعي كراهة تحريم؛ لأن الشافعي ﵁ قال في «المختصر»:

стр. 140

«فرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له وحظرها عليهم، وذكر منها الوصال»، وممن صرح به من أصحابنا بتصحيح تحريمه صاحب «العدة» والرافعي وآخرون، وقطع به جماعة من أصحابنا منهم القاضي أبو الطيب في كتابه «المجرد» والخطابى في «المعالم» وسليم الدارى في «الكفاية» وإمام الحرمين في «النهاية» والبغوي والروياني في «الحلية» والشيخ نصر في كتابه «الكافي وآخرون كلهم صرحوا بتحريمه من غير خلاف (١). وقال ابن عبد البر ﵀: واختلف أهل العلم في تأويل هذا الحديث، فقال منهم قائلون: إنما نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رفقًا لأمته ورحمة بهم، فمن قدر على الوصال فلا حرج؛ لأنه لله يدع طعامه وشرابه، وكان عبد الله بن الزبير ﵁ وغيره جماعة يواصلون الأيام. وعن مالك بن أنس: أن عامر بن عبد الله بن الزبير كان يواصل في شهر رمضان ثلاثًا، فقيل له: ثلاثة أيام؟ قال: لا، ومن يقوى يواصل ثلاثة أيام يومه وليله. ومن حجة من ذهب هذا المذهب: حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة قالوا يا رسول الله إنك تواصل قال إني لست كأحد منكم يطعمني ربي ويسقيني» وكان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: لا يكرهان أن يواصل الرجل من سحر إلى سحر لا غير. ومن حجة من ذهب إلى هذا أيضًا: حديث عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر» قالوا فإنك تواصل قال إني لست كهيئتكم إن لي مطعما يطعمني وساقيا يسقيني»

стр. 141

وحديث بن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال فقال رجل من المسلمين إنك يا رسول الله تواصل فقال لستم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال ﷺ لو تأخر لزدتكم كالمنكل بهم، هكذا رواه صالح بن كيسان وشعيب بن أبي حمزة ويحيى بن سعيد عن بن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وزاد بعضهم فيه كالمنكل بهم حين أبوا أن ينتهوا، ورواه عبد الرحمن بن سمرة عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار كلها في التمهيد. وكره مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي وجماعة من أهل الفقه والأثر: الوصال على كل حال لمن قوي عليه ولغيره، ولم يجيزوه لأحد. ومن حجتهم: أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال، وأنه ﷺ قال: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» (١)، وحقيقة النهي الزجر والمنع، وقالوا لما قال لهم: أني لست كهيئتكم» أعلمهم أن الوصال له خاصة لا لغيره كما خص بسائر ما خص ﷺ . وقد احتج من ذهب هذا المذهب بحديث عمر بن الخطاب ﵁ رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٢). قالوا: ففي هذا ما يدل على أن الوصال للنبي ﵇ مخصوص، وأن المواصل لا ينتفع بوصاله؛ لأن الليل ليس بموضع للصيام بدليل هذا الحديث وشبهه، وروى عبد الله بن أبي أوفى عن النبي ﷺ مثله.

стр. 142

ولا معنى لطلب الفضل في الوصال إلى السحر على مذهب من أراد ذلك؛ لقوله ﷺ : «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (١)، وقالت عائشة كان النبي ﷺ أعجل الناس فطرا (٢). وقال ابن بطال ﵀: فأما الصوم ليلاً فلا معنى له؛ لأن ذلك غير وقت للصوم، كما شعبان غير وقت لصوم شهر رمضان، وكذلك لا معنى لتأخير الأكل إلى السحر لمن كان صائمًا فى رمضان إذا لم يكن تأخيره ذلك طلبًا للنشاط على قيام الليل؛ لأن فاعل ذلك إن لم يفعله لما ذكرناه فإنه مجيع نفسه فى غير ما فيه لله رضا، فلا معنى لتركه الأكل بعد مغيب الشمس لقوله ﵇: «إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٣). وقال النووي ﵀: قال أصحابنا: الحكمة في النهي عن الوصال؛ لئلا يضعف عن الصيام والصلاة وسائر الطاعات، أو يملها ويسأم منها لضعفه بالوصال، أو يتضرر بدنه أو بعض حواسه، وغير ذلك من أنواع الضرر (٤). وقال الدهلوي ﵀: النهي عن الوصال إنما هو لأمرين: أحدهما: ألا يصل إلى حد الإجحاف، والثاني: ألا تحرف الملة، وقد أشار النبي ﷺ إلى أنه لا يأتيه الإجحاف؛ لأنه مؤيد بقوة ملكية نورية، وهو مأمون (٥).

стр. 143

ومن مكروهات الصيام: ٩ - الإكثار من النوم بالنهار (١): ذكر ذلك ابن جزي المالكي في مكروهات الصيام وسأل فضيلة الشيخ/ عطية صقر ﵀: هل كثرة النوم فى نهار رمضان تبطل الصيام، مع المحافظة على أداء الصلوات؟ فأجاب ﵀: شهر رمضان شهر عبادة ليلاً ونهارًا، أما بالليل فبالقيام بصلاة التراويح وقراءة القرآن، وأما بالنهار فبالصيام، والجزاء على ذلك وردت فيه نصوص كثيرة، وفى حديث واحد جمع ثواب الصيام والقرآن فقال ﷺ : «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ»، قَالَ: «فَيُشَفَّعَانِ» (٢). ولو نام الصائم طول النهار فصيامه صحيح، وليس حرامًا عليه أن ينام كثيرًا ما دام يؤدى الصلوات فى أوقاتها، وقد يكون النوم مانعًا له من التورط فى أمور لا تليق بالصائم، وتتنافى مع حكمة مشروعية الصيام، وهى جهاد النفس ضد الشهوات والرغبات التى من أهمها شهوتا البطن والفرج، ويدخل فى الجهاد عدم التورط فى المعاصي مثل الكذب والزور والغيبة، فقد صح فى الحديث: ««مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ

стр. 144

طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (١) رواه البخارى، هذا، ولم يصح عن النبي ﷺ أنه قال: «نوم الصائم عبادة» (٢). وفي فتاوى الشيخ ابن عثيمين *﵀: أنه سئل عن النوم طوال ساعات النهار ما حكمه؟ وما حكم صيام من ينام وإذا كان يستيقظ لأداء الفرض، ثم ينام فما حكم ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال يتضمن حالين: الحال الأولى: رجل ينام طوال النهار ولا يستيقظ، ولا شك أن هذا جانٍ على نفسه، وعاصٍ لله بتركه الصلاة في أوقاتها، وإذا كان من أهل الجماعة فقد أضاف إلى ذلك ترك الجماعة أيضاً، وهو حرام عليه، ومنقص لصومه، وما مثله إلا مثل من يبني قصرًا ويهدم مصرًا، فعليه أن يتوب إلى الله ، وأن يقوم ويؤدي الصلاة في أوقاتها حسبما أمر به. أما الحال الثانية: وهي حال من يقوم ويصلي الصلاة المفروضة في وقتها ومع الجماعة فهذا ليس بآثم، لكنه فوَّت على نفسه خيرًا كثيرًا؛، لأنه ينبغي للصائم أن يشتغل بالصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن الكريم حتى يجمع في صيامه عبادات شتى، والإنسان إذا عوَّد نفسه ومرنها على أعمال العبادة في حال الصيام سهل عليه ذلك، وإذا عوَّد نفسه الكسل والخمول والراحة صار لا يألف إلا ذلك وصعبت عليه العبادات والأعمال في حال الصيام، فنصيحتي لهذا ألا يستوعب وقت صيامه في نومه، فليحرص على العبادة، وقد يسر الله والحمد لله في وقتنا هذا للصائم ما يزيل عنه مشقة الصيام من المكيفات وغيرها مما يهون عليه الصيام. (٣).

стр. 145

ومن مكروهات الصيام: ١٠ - كراهية الأكل لو شك في طلوع الفجر: ولو شك في طلوع الفجر: فالمستحب له أن لا يأكل، هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: إذا شك في الفجر فأحب إلي أن يدع الأكل؛ لأنه يحتمل أن الفجر قد طلع فيكون الأكل إفسادًا للصوم، فيتحرز عنه. والأصل فيه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لوابصة بن معبد: «الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَالحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ» (١). ولو أكل وهو شاك: لا يحكم عليه بوجوب القضاء عليه؛ لأن فساد الصوم مشكوك فيه؛ لوقوع الشك في طلوع الفجر، مع أن الأصل هو بقاء الليل فلا يثبت النهار بالشك. وهل يكره الأكل مع الشك؟ روى هشام عن أبي يوسف: أنه يكره، وروى ابن سماعة عن محمد: أنه لا يكره، والصحيح قول أبي يوسف، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا شك فلا يأكل، وإن أكل فقد أساء؛ لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ» (٢)، والذي يأكل مع الشك في طلوع الفجر يحوم حول الحمى فيوشك أن يقع فيه، فكان بالأكل معرضًا صومه للفساد، فيكره له ذلك (٣).
следующие страницы →