← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى المُصَلَّى، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُؤَدِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ بالِيَوْم وَاليَوْمَيْنِ» (١). وروى ابن وهبٍ، عن حفص بن ميسرة (٢)، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ : «أَنَّهُ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ الغُدُوِّ إِلَى المُصَلَّى» (٣). وروى أبو معشرٍ، قال: حدثنا نافعٌ، عن ابن عمر، قال: «أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ، صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، وَكَانَ يَأْتُونَ بِالزَّبِيبِ فَيَقْبَلُونَهُ، وَكُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نُخْرِجَهُ قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، نَقُولُ: أَغْنُوهُم عَنِ طَوْفِ هَذَا اليَوْمِ» (٤). وقوله: «إنّها إن أُخْرِجَت قبل الفطر بيومٍ أو يومين أجزأه»، فهذا على وجه الاستحسان؛ لقرب وقت وجوبها، ولأنَّ جواز إخراجها في هذا الوقت وقبله مُختلفٌ فيه، فمن العلماء من أجاز ذلك، فأجازه مالكٌ إذا قَرُبَ وقت وجوبها استحساناً لا قياساً.

стр. 107

ومن أصحابنا من قال: إنَّ معنى ذلك: أن يخرجها عن ملكه إلى صاحب الصدقة فيفرقها في يوم الفطر، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمدينة قديماً؛ لأن يسقط عنهم الاشتغال بها يوم الفطر، وبخاصة بعد طلوع الفجر؛ لأنَّ ذلك وقتٌ لعلّه يتعذر فيه وجود المساكين، ولأنَّ النَّاس يشتغلون في هذا الوقت بالغسل والتزين والطيب والغدو إلى المصلى. ••• [٧٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَزَكَاةُ الفِطْرِ عَلَى أَهْلِ البَادِيَةِ وَأَهْلِ القُرَى (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لعموم إيجاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ صدقة الفطر على كل حرٍّ وعبدٍ، ذكرٍ أو أنثى من المسلمين، وذلك يجمع كل مسلمٍ من قرويّ وبدويّ، كما تجمعهم زكاة الأموال، فاستوى البدوي والقروي فيها لاستوائهم في الإسلام؛ إذ لا فرق بين البدوي والحضري في الفرائض التي تلزم المسلمين. وروى الليث بن سعد (٢)، عليٌّ (٣)، عن ابن جريج، عن عمرو بن

стр. 108

شعيب، أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا إِنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ بَدَوِيّ أَوْ حَاضِرٍ، حُرٍّ أوَ عَبْدٍ» (١). ••• [٧٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَقِّيَهُ إِذَا أَخْرَجَهُ، إِذَا كَانَ طَعَاماً لَيْسَ بِغَلَثٍ (٢) (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الذي علينا (٤) أن نخرج من الطعام على حسب ما هو عليه، ليس عليه تنقيته حتى لا يخالطه شيءٌ البتة؛ لأنَّ ذلك شيءٌ يشق على النَّاس ويصعب عليهم، وليس يستعملون ذلك في بيعه وشرائه وتعاطيه بينهم، فكذلك ليس عليه في إخراجه إلى الفقراء، إلَّا أنْ يكون مختلطاً بغيره من تِبْنٍ أو ترابٍ كثيرٍ، أو شيءٍ إذا مُيِّزَ ونُقِّي نقص من الكيل كثيرٌ، فعليه حينئذ تمييزه؛ لأنَّ في إخراجه كذلك نقصاناً كثيراً من الصاع الذي أمر النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بإخراجه. •••

стр. 109

[٧٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي المُسَافِرُ عَنْ نَفْسِهِ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ يستحبُّ للإنسان أن يخرج زكاته في البلد الذي هو فيه، زكاة ماله وفطره، فإن أمر أهله بإخراجه عنه جاز ذلك. ••• [٧٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ فَرَّطَ فِيهَا - يَعْنِي: فِي زَكَاةِ الفِطْرِ - فَلْيُخْرِجْهَا (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ زكاة الفطر فرضٌ إخراجها على من أمكنه ذلك كزكاة المال، فإذا أَخَّرَ إخراجها، كانت ديناً عليه وعليه إخراجها، كما أنَّ عليه أداء الدَّيْنِ الذي هو في ذمَّته. ••• [٧٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَدْفَعُ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ ثَمَناً (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ أمر بإخراج التمر والشعير والزبيب وغير ذلك من الأقوات، فكان عليه إخراج ذلك أو ما كان في معناه من الأقوات. ولا يجوز أن يخرج ثمن ذلك، كما لا يجوز أن يخرج مقدار الزَّكاة غيره من العروض (٤)؛ لأنَّ في ذلك شراء الصدقة التي قد أخرجها لله تعالى، وذلك

стр. 110

مكروهٌ، وقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لعمر بن الخطاب ﵁، حيث أراد أن يشتري الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله : «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَو بَاعَكَهُ بِدِرْهَمٍ» (١)، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدَّم (٢). ••• [٧٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي التَّمْرَ وَالشَّعِيرَ إِذَا كَانَ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَالأُرْزَ وَالذُّرَةَ إِذَا كَانَ يَأْكُلُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنَّهُ يُخْرِجُهُ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ إِذَا كَانَ هُوَ طَعَامُهِ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ عليه أن يطعم الفقراء مما يتقوَّته إذا كان ذلك غالب قوت أهل البلد. فإن كان هو ممن يَخُصُّ نفسه بقوتٍ ليس الأغلب من قوت البلد، بل هو أجود، فإنا نستحب له أن يخرج منه، فإن لم يفعل كان عليه أن يخرج الغالب من قوت أهل البلد (٤). فإن كان يأكل دون قوت أهل البلد في الجودة، كان عليه أن يخرج الأغلب من قوت أهل البلد إذا أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه أخرج مما يأكل والله أعلم، مِن

стр. 111

قِبَلِ أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لَمَّا قال: «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوْفِ هَذَا اليَوْمِ» (١)، وجب عليهم أن يغنوهم عن طلب قوتهم بما يمكنهم، ليس عليهم أكثر من ذلك، إلَّا أن يتطوّع أحدٌ بأجود؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو مواساةٌ لهم، فعليهم أن يواسوا بما أمكنهم من قوتهم، إلَّا أنْ يكون ما يقتاته ليس الغالب من قوت أهل البلد إذا أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه على ما ذكرنا أنَّ عليه أن يخرج الغالب من قوتهم. ••• [٧٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُؤَدِّي فِي زَكَاةِ الفِطْرِ تِيناً وَلَا جَوْزاً وَلَا لَوْزاً (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذه ليست بأقواتٍ، وإنَّما هي فواكه. ألا ترى: أنَّهُ لا زكاة فيها، فكذلك لا يجوز أن يخرجها في زكاة الفطر. ••• [٧٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُعْطِي مَنْ يَحْرُسُ الزَّكَاةَ أُجْرَةً مِنْهَا (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا أخرج أجرة من يحفظها منها، نقص مقدار ما يُخرج من الزَّكاة من الصاع، وذلك غير جائزٍ. وهذا الذي ذكرته قبل هذا الموضع، أنَّ أهل المدينة كانوا يخرجون

стр. 112

زكاة الفطر قبل يوم الفطر بيومين أو ثلاثةٍ إلى المسجد، فيجعل في بيت الصدقة، ثم يُفَرَّق (١). وقد روى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أنه كان يُخْرِجُ صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، يَجْعَلُهَا فِي المَسْجِدِ» (٢)، فقال مالكٌ: «إنَّ هذا الذي يحفظها لا يعطى الأجرة منها، لكنه يعطى من غيرها». ••• [٨٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ دَقِيقاً وَلَا سَوِيقاً (٣) (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ عليه أن يخرج في زكاة الفطر من الحبِّ الذي يقتاته على ما بيناه؛ لأمر النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بذلك، والدقيق والسويق فليسا بحبٍّ. ومنفعة الحبِّ أكثر من منفعة الدقيق والسويق؛ لأنَّ الحب يكون منه الدقيق والسويق إذا أراده الفقير، وليس يكون من الدقيق والسويق حبٌّ، ولعلَّ للفقير غرضاً في الحب خلاف غرضه في الدقيق والسويق.

стр. 113

والدقيق والسويق أيضاً هو أقل من الصاع؛ لأنَّهُ ينقص عن الصاع بالصنعة. ••• [٨١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي زَكَاةَ الفِطْرِ عَنِ اليَتِيمِ، وَيُؤَدِّي عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ اليتيم ممّن قد وجبت عليه زكاة الفطر؛ لأنَّهُ داخلٌ في جملة المسلمين الذين فرض عليهم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ صدقة الفطر، فقال: «عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، ذَكَرٍ أَو أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ» (٢). ••• [٨٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي زَكَاةَ الفِطْرِ عَنِ المَوْلُودِ يُولَدُ يَوْمَ الفِطْرِ (٣). • يعني بذلك: إذا ولد قبل طلوع الفجر، فأمَّا إذا ولد بعد طلوع الفجر، فإنَّ مالكاً يستحبُّ إخراجها عنه، فأمَّا الواجب فلا، ولأنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر. هذا هو المشهور من قوله، حكاه عنه ابن القاسم وغيره من أصحابه (٤)، وقد قال فيمن اشترى عبداً ليلة الفطر، فإنَّ زكاته على البائع، أعني: زكاة

стр. 114

الفطر، وهذا القول يوجب أن تكون زكاة الفطر قد وجبت عليه بدخول شوال، حكى هذا القول أشهب عنه (١)، وقد حكاه ابن عبد الحكم أيضاً. ••• [٨٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ هَلَكَ غَدَاةَ (٢) الفِطْرِ، فَلْتُخْرَجْ عَنْهُ زَكَاةُ الفِطْرِ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنها قد وجبت عليه بطلوع الفجر يوم الفطر، فوجب أن تُخرج عنه من ماله، كما تُخرج سائر الحقوق التي قد لزمته. ••• [٨٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَأَيُّمَا نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَلْيُؤَدِّ الزَّكَاةَ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَمَا ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالوَاجِبِ (٤). • إنما استحبَّ له إخراجها إذا أسلم في يوم الفطر؛ لأنَّهُ قد صار مسلماً في يوم الفطر، ولزمته أحكام المسلمين ليوم الفطر وما بعده، فكان هذا اليوم تُخرج فيه زكاة الفطر، فاحتِيط له بإخراجها بإسلامه في وقتها. فأمَّا الواجب فهو ما قلناه، أن يكون الإنسان من أهل الزَّكاة عند طلوع

стр. 115

الفجر، ومولوداً عنده، أو يكون في ملك سيده قبله؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ زكاة الفطر إنَّما تجب بدخول اليوم لا ما بعد ذلك؛ لأنها إنَّما وجبت على المسلمين شكراً لله ، إذ كمَّل لهم الصّيام وتمَّمَه لهم، وذلك هو بدخول الفطر؛ لأنَّ الفطر من صومهم هو بدخول يوم الفطر لا ما قبل ذلك؛ لأنَّ الليل ليس وقتاً للصيام فيراعى دخوله وجواز الأكل فيه، وقد كان أكلهم جائزاً في ليالي الصّوم كلها، لكنه يراعى أكلهم في أول يومٍ يلي آخر صومهم، وهو يوم الفطر. ••• [٨٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَلْيُضَحِّ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النحر ثلاثة أيامٍ، يوم النحر ويومان بعده، فإن كان إسلامه أول يوم النحر قبل الزوال، نحر يوم النحر، وإلا نحر في يوم الثاني والثالث؛ لأنَّهُ أسلم في وقت النحر فصار من أهله. ••• [٨٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ العَبْدُ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ مَمْلُوكٌ، أَدَّى سَيِّدُهُ عَنْ نِصْفِهِ المَمْلُوكِ (٢). • يعني: ولا شيء على العبد في نصفه الحر، ليس عليه أن يخرج نصف زكاة الفطر عن نفسه بقدر حريته (٣).

стр. 116

وإنَّمَا قال ذلك مالكٌ؛ لأنَّ السيد عليه أنْ يخرج مقدار ما يملك منه، كما أنَّ عليه أنْ ينفق عليه بمقدار ما يملك منه، وكذلك له من الخراج بمقدار ما يملك منه، فكانت نفقته عليه وزكاته عنه بمقدار ما له من المنفعة في كسبه وخراجه. وكذلك إذا كان بين جماعةٍ فعليهم زكاة الفطر على مقدار أملاكهم فيه، فكذلك النّفقة عليهم، وكذلك خراجه لهم على حسب أملاكهم. ولا شيء على العبد في نصفه الحر؛ من قِبَلِ أنَّهُ غير مستقر الملك. ألا ترى: أنَّهُ لا زكاة عليه، أعني: زكاة المال في مقدار ما يملك من المال بحصة حريته، ولو وجبت عليه الزَّكاة في ذلك المقدار لمِلْكِهِ إياه، وإن لم يتكامل حكم الحرية فيه، لوجب على المكاتب الزَّكاة لملكه إياه وإن لم تتكامل حريته. وهذا قول مالكٍ، حكاه عنه ابن القاسم (١)، وابن عبد الحكم. وقال عبد الملك في هذه المسألة: «إنَّ على السيد أنْ يخرج عنه زكاة الفطر كلها» (٢)، قال: لأنَّهُ حابسه عن الحرية، يعني: أنَّ أحكامه أحكام العبد قبل أن يعتق. هذا (٣) هو غير صحيح؛ من قِبَل أنَّهُ لو كان لهذه العلَّة، لكان عليه أن ينفق عليه نفقته كلها، ويأخذ خراجه كله، وليس هذا قوله.

стр. 117

وقال محمد بن مسلمة: «على السيد أن يخرج على مقدار ملكه، وعلى العبد أن يخرج بمقدار الحرية» (١)، ورد ذلك إلى النّفقة والخراج، وهذا القول أشبه من قول عبد الملك. والصحيح والله أعلم قول مالك؛ لِمَا ذكرناه، وقد حكى أهل المدينة عن مالكٍ مثل قول محمد بن مسلمةٍ، أنَّ العبد يخرج عن نصفه الحر. ••• [٨٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اشْتَرَى عَبْداً قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ لَيْلَةَ الفِطْرِ، فَالزَّكَاةُ عَلَى البَائِعِ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا (٢). • إذا اشتراه قبل الفطر بيومٍ أو يومين، أو قبل طلوع الفجر من يوم الفطر، فزكاته على المشتري؛ لأنَّهُ قد ملكه قبل وجوب زكاة الفطر، وقبل دخول وقتها أيضاً، ولأنها وجبت في ملك المشتري. فأمَّا إذا اشتراه ليلة الفطر، فقد اختلف قول مالك: فقد قال: «إنها على البائع»، حكاه عنه أشهب (٣) وابن عبد الحكم. ووجه هذا القول، أنها تجب بدخول شوالٍ وتقضي رمضان، وذلك هو برؤية هلال شوالٍ.

стр. 118

وقد قال: «إنها على المشتري» (١)، وهذا القول أصح؛ لِمَا ذكرناه أنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر، فوجبت في ملك المشتري دون البائع. ••• [٨٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُخْرِجُ الرَّجُلُ زَكَاةَ الفِطْرِ عَنْ كُلِّ مَنْ يَضْمَنُ نَفَقَتَهُ، وَعَنْ مُكَاتَبِيهِ، وَعَنْ مَمْلُوكِيهِ كُلِّهِمْ، غِائِبِهِمْ وَحَاضِرِهِمْ. وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي النَّصَارَى مِنْهُمْ، وَلَا آبِقٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً، وَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي عَبِيدِ عَبِيدِهِ وَلَا فِي أَجِيرِهِ وَلَا فِي رَقِيقِ امْرَأَتِهِ زَكَاةٌ، إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَخْدِمُهُ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ (٢)، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (٣).

стр. 119

• إنَّمَا قال: «إنَّهُ يُخرِج عن كل من يضمن نفقته»؛ فلأنها تجري مجرى النّفقة والمؤنة إذا كانت النّفقة تلزمه بنسبٍ أو سببٍ أو رِقٍّ؛ فوجب عليه أن يخرج عن كل من تلزمه النّفقة عليه بهذه الوجوه. وقد روى وكيع، عن سفيان، عن عبد الأعلى (١)، عن أبي عبد الرحمن (٢)، عن علي ﵁، قال: «صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَجْرِي عَلَيْهِ نَفَقَتُكَ» (٣). فأمَّا المكاتب فإنه يخرجها عنه بالرق الذي له عليه لا بالنفقة؛ لأنَّ المكاتب ليس على سيده أن ينفق عليه. وعبيده فعليه أن يخرج عنهم، غائبهم وحاضرهم ومن أبق منهم؛ لأنَّهم كلهم في رقِّه. فأمَّا من قد أيِسَ منه فليس عليه أن يخرج عنه؛ لجواز أن يكون قد تلف؛ ولأنه لا ينتفع أيضاً إن كان باقياً في ملكه، فليس عليه أن يخرج عنه زكاة الفطر، كما ليس عليه أن ينفق على من امتنع من خدمته والتصرف في منافعه، وكما أنَّهُ ليس عليه أن ينفق على زوجته إذا نشزت عليه. وقوله: «ليس عليه في عبيد عبيده زكاة الفطر»؛ فلأنَّ عبيد عبيده ليسوا

стр. 120

بملكٍ له، فإنهم ملك عبيده، وليس عليه في ملك عبده صدقةٌ إلَّا أن ينزعهم منه فيصيروا ملكه. وليس على عبده أيضاً فيهم صدقةٌ؛ لأنَّ العبد غير مستقر الملك؛ لما عليه من الحق لسيده في ملكه. وقوله: «ولا في أجيره»؛ فلأنَّ الأجير ليس ممن تلزمه نفقته، والزَّكاة فإنما تجب على من تلزمه النّفقة بنسبٍ أو سببٍ أو رقٍّ على ما ذكرناه. فإن كان الأجير في نفقته فلا زكاة عليه أيضاً؛ لأنها إنَّما هي كالأجرة، ولم تجب إلَّا بالأشياء التي ذكرناها من نسبٍ أو سببٍ أو رقٍّ. وكذلك مماليك امرأته لا زكاة عليه فيهم؛ لأنهم ليس (١) بملكه، وعلى امرأته أن تُخرج عنهم الزَّكاة. فأمَّا من كان يخدم امرأته ممن لا بدّ لها منه، فعليه أن ينفق عليهم ويؤدِّي عنهم زكاة الفطر؛ لأنَّ خدمة امرأته إذا كانت لا تخدم نفسها واجبةٌ عليه، كنفقتها هي في نفسها. ••• [٨٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَدِّي عَنْ أَبَوَيْهِ زَكَاةَ الفِطْرِ (٢).

стр. 121

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ عليه أن ينفق عليهما إذا كانا محتاجَين؛ فعليه أن يخرج عنهما زكاة الفطر؛ لأنَّهُ تبع النَّفقة، كما ذكرنا. ••• [٩٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الفِطْرِ عَنِ امْرَأَتِهِ التِي لَمْ يَبْنِ بِهَا (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ ليس عليه أن ينفق عليها حتى يبني بها أو يُدعى إلى البناء بها مع إمكان استمتاعه بها، ثم يمتنع، فتلزمه النّفقة حينئذٍ عليها، وعليه أن يخرج زكاة الفطر عنها إذا وجبت عليه النَّفقة عليها. ••• باب عشور أهل الذمَّة (٢) [٩١] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، مَا عَلَيْهِمْ مِنَ العُشُورِ وَالجِزْيَةِ؟ قَالَ: لَا جِزْيَةَ إِلَّا عَلَى رِجَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لَيْسَ عَلَى نِسَائِهِمُ الجِزْيَةُ وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغُ الحُلُمَ مِنْهُمُ الجِزْيَةُ، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَلَا كُرُومِهِمْ وَلَا زُرُوعِهِمْ وَلَا مَوَاشِيهِمْ، إِنَّمَا الجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ، هِيَ الَّتِي تَلْزَمُهُمْ.

стр. 122

وَلَوْ تَجَرُوا فِي بِلَادِهِمْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلِهَا، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ فِي تِجَارَتِهِمْ عُشْرٌ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الاخْتِلَافِ لَهُمْ مُبَاحاً. وَلَوْ تَجَرُوا إِلَى غَيْرِ البَلَدِ الَّذِي هُمْ بِهِ، أُخِذَ مِنْهُمْ مِمَّا حَمَلُوا مِنْ تِجَارَتِهِمُ العُشْرُ بَعْدَ أَنْ يَبِيعُوا، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إِنْ كَسَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَوْ أَحَبُّوا أَنْ يَرْجِعُوا وَلَا يَبِيعُوا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَعْدَ البَيْعِ. وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ أَقَلُّ مِنَ العُشْرِ، إِلَّا فِي مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ خَاصَّةً؛ فَإِنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ فِيمَا حَمَلُوا مِنَ الحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ خَاصَّةً فِي هَذَيْنِ البَلَدَيْنِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ نِصْفُ العُشُرِ؛ إِرَادَةَ المرْفَقِ بِالنَّاسِ، وَأَنْ يُكْثِرُوا مِنْ حَمْلِهِ إِذَا خُفِّفَ عَنْهُمْ مِنْ عُشْرِهِ؛ لِأَنَّ عِظَمَ حَاجَةِ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ إِلَى الحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ، وَكَذَلِكَ خَفَّفَ عَنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁. قَالَ: وَيُفْعَلُ فِي أَعْرَاصِهِمَا وَقُرَاهُمَا (١) مِثْلُ مَا يُفْعَلُ فِيهِمَا (٢). • قوله: «الجزية على رجال أهل الذمة وليست على نسائهم ولا صبيانهم»؛ فلأنَّ الجزية إنَّما وجبت عليهم لامتناعهم من الإسلام وترك قتلهم بعد الامتناع؛ لأنَّ علينا قتال المشركين ودعوتهم إلى الإسلام، فإن امتنعوا قُتِلوا إلَّا أن يُعطوا الجزية.

стр. 123

وليس كذلك النّساء والصبيان؛ لأنهم إن امتنعوا لم يُقتلوا، فلم تجب الجزية عليهم؛ لأنها بدلٌ من إقرارهم على الكفر في ديارنا وترك قتلهم بعد. وهذا للرجال البالغين دون النّساء والصبيان، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. وقد وجَّه النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ معاذاً إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ ديناراً أو عِدْلَهُ مَعَافِرِيَّ (١)، ولم يأمره بأخذ الجزية من النّساء والصبيان. وقوله: «لا زكاة عليهم في شيءٍ من أموالهم كلها، من الزرع والمواشي وغير ذلك»؛ فلأنَّ الزَّكاة إنَّما تجب على المسلمين في أموالهم طُهرةً لهم ورِفعةً لدرجتهم؛ لأنهم أهل توحيدٍ وصلاةٍ، قال الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، هذا خطابٌ للمؤمنين، ولا زكاة على غيرهم من أصناف الكافرين. وقوله: «إنَّهُ يؤخذ منهم العشر إذا تجروا من بلدهم إلى غير بلدهم»، يعني من إقليمٍ إلى إقليمٍ؛ فلأنه يُحتاج لحفظ الطرق التي يسلكونها ويتعيَّشون فيها إلى مؤنةٍ، فأُخِذ منهم ما يستعان به على حفظها؛ لأنَّ المسلمين تؤخذ منهم الزكوات والصدقات، وأهل الذمة فلا يؤخذ منهم ذلك، فإذا انتقلوا في بلدان المسلمين، أُخِذَ منهم ما تُحفظ به الطرق لهم وللمسلمين، وكذلك أَخَذَ منهم عمر بن الخطاب ﵁. فروى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن سالم، عن أبيه، «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ النَّبَطِ، مِنَ الحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ العُشْرِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكْثُرَ الحِمْلُ إِلَى

стр. 124

المَدِينَةِ، وَيَأْخُذُ مِنَ القِطْنِيَّةِ العُشْرَ» (١)، قال مالكٌ: «فَسَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ، عَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَخَذَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ مِنَ النَّبَطِ العُشْرَ؟، قَالَ: كَانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ عُمَرُ» (٢). وروى جرير (٣) عن عطاء بن السائب (٤)، عن حرب بن عبيد الله (٥)، عن جده أبي أمه رجلٍ من تغلب قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِينَ عُشُورٌ، إنَّما العُشُورُ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى» (٦). وروى ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة (٧) ويحيى بن أيوب (٨)، عن

стр. 125

عمارة بن غزية (١)، عن ربيعة، أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لأهل الذمة الذين كانوا يتجرون إلى المدينة: «إنْ تَجَرْتُمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ زَكَاةٌ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ إلَّا جِزْيَتُكُمْ الَّتِي فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ خَرَجْتُمْ وَضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ، أَخَذْنَا مِنْكُمْ وَفَرَضْنَا عَلَيْكُمْ، كَمَا فَرَضْنَا جِزْيَتَكُمْ» (٢)، فلهذا قال مالك: «إنَّهُ يؤخذ منهم العشر إذا تجروا من إقليمٍ إلى إقليمٍ». فأمَّا إذا تجروا في إقليمهم لم يؤخذ منهم؛ لأنَّ حكم إقليمهم كحكم بلدهم، وإذا تجروا في بلدهم، لم يؤخذ منهم شيءٌ. وقوله: «إنَّهُ يؤخذ منهم فيما حملوا إلى مكة والمدينة نصف العشر، فيما كان قوتاً»؛ فلأنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يأخذ ذلك منهم، ويخفِّف عنهم فيهما خاصة؛ لأن يكثر الحمل إليهم؛ لضرورتهم إلى القوت؛ لأنها بلادٌ ضيقةٌ ليست كغيرها من البلدان التي لأهلها اتساعٌ في أقواتهم وإِدَامِهمْ؛ فلهذه العلَّة خُفِّفَ فيهما دون غيرهما. وكان ذلك في الحنطة والشعير والزيت دون سائر الأشياء من المأكولات؛ لأنَّ الحنطة والزيت والشعير هي أشياءٌ لا بد منها، وسائر الأشياء من الفواكه

стр. 126

والقطاني (١)، فقد يُستغنى عنها، فلم تكن الضرورة فيها كالضرورة في الحنطة والزيت. وقوله: «إنَّهُ يؤخذ منهم بعد أن يبيعوا السلع التي حملوها»؛ فلأنَّ منفعتهم في الاختلاف إنَّما تحصل ببيع ما حملوه، فأمَّا قبل ذلك فلا. وكذلك إن جاؤوا بمالٍ فاشتروا سلعاً أُخِذَ منهم؛ لحصول منفعتهم بالشراء، فإن لم يشتر بالمال الذي معه أو لم يبع السلعة التي هي معه لم يؤخذ منه شيءٌ؛ لأنَّ غرضه لم يحصل في الاختلاف، ولا انتفع بذلك. ••• [٩٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اخْتَلَفَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ بِالتِّجَارَةِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّمَا جَاءَ مِنْ مَرَّةٍ، وَلَا تُكْتَبُ لَهُ بَرَاءَةٌ لِلسَّنَةِ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ ضَرْبَةٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَ فِي السَّنَةِ مِرَاراً (٢). • إنَّمَا قال: «إنَّهُ يؤخذ منه في كل مرةٍ تجر فيه (٣)»؛ فلأن الأخذ منه إنَّما هو لما قلناه من حفظ الطرق عليهم في تجاراتهم؛ لما يلزم من المؤن في ذلك؛ فلما كنا نحفظ الطريق لهم في كل مرةٍ تجروا، وجب الأخذ منهم في كل مرةٍ؛ لأنَّ علينا المؤنة في ذلك.

стр. 127

وليس كذلك الجزية؛ لأنها إنَّما تؤخذ بمرور الزمان عليهم عندنا وفي بلادنا، فمتى مرت سنةٌ واحدةٌ، أخذت منهم الجزية ولم يجز تكريرها عليهم؛ لأنها إنَّما تؤخذ بمرورها. ••• [٩٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: فَإِنْ بَاعَ، ثُمَّ اشْتَرَى لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ فِيمَا اشْتَرَى شَيْءٌ إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، وَمَا اشْتَرَى فِيمَا سِوَاهَا مِنْ تِجَارَةٍ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المال الذي اشترى قد أُخذ منه العشر؛ لأنَّهُ ثمن ما باع من السلع، فلم يجز أن يؤخذ منه فيما اشتراه العشر ثانيةً إذا رجع إلى بلده. فإن ذهب إلى إقليمٍ آخر، غير بلده، ثم باعها أُخِذ منه العشر ثانيةً؛ لحصول منفعته في الاختلاف إلى غير إقليمه؛ وذلك مثل أن يمضي من الشام إلى العراق، أو من العراق إلى الشام، أو ما أشبه هذه الأقاليم، إذا انتقل من إقليمٍ إلى إقليمٍ غير إقليمه بالتجارة، ثم باع أو اشترى، أُخِذ منه العشر؛ لأنَّهُ قد تجر في غير بلده على ما قلناه. ••• [٩٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ عَبِيدِ النَّصَارَى إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَاتِ فِي

стр. 128

بُلْدَانِ المُسْلِمِينَ العُشْرُ، يُعَشَّرُ عَبِيدُهُمْ كَمَا يُعَشَّرُ أَحْرَارُهُمْ، هُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ (١). • إنَّمَا قال: «إنَّهُ يؤخذ من عبيدهم إذا اختلفوا في التّجارة إلى غير إقليمهم كما يؤخذ من أحرارهم»؛ فلأنَّ الحاجة إلى حفظ الطرق للجميع واحدةٌ، والمؤنة فيه متساويةٌ، فوجب أن يؤخذ منهم. ولم يشبه أخذ الجزية منهم كأخذ العشر في تجاراتهم؛ لأنَّ الجزية إنَّما هي على الرّجال الأحرار البالغين من أهل الذمة دون النّساء والصبيان والعبيد؛ لأنَّ هؤلاء تبعٌ للرجال، وهم في عقدهم وذمتهم، وأَخْذُ العشر فهو لحفظ الطريق كما ذكرنا، وذلك يستوي في الرّجال والنساء والعبيد؛ لأنَّا نحفظ على كل واحدٍ منهم ماله بحفظ الطرق، وفي ذلك مؤنةٌ عليهم. ••• [٩٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَوْ قَدِمَ نَصْرَانِيٌّ إِلَى بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ المُسْلِمِينَ؛ لِيَشْتَرِيَ تِجَارةً، فَلَمْ يَشْتَرِ وَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ شَرْيٌ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإنِ اشْتَرَى أُخِذَ مِنْهُ العُشْرُ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا اشترى ما أراده من السلع فقد حصلت له

стр. 129

المنفعة في اختلافه وتجارته، فوجب أن يؤخذ منه العشر، فإذا لم يشتر، لم تحصل له منفعةٌ، فلم يجز أخذ ذلك منه. ••• [٩٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَكَذَلِكَ تُجَّارُ الحَرْبِ، يُؤْخَذُ مِنْهُمُ العُشْرُ كُلّمَا قَدِمُوا، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا مِرَاراً فِي السَّنَةِ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لا فرق بين أهل الذمة الذين هم عندنا وأهل الحرب إذا دخلوا بأمانٍ؛ لأنَّ كل واحدٍ منهم قد صار ذمةً للمسلمين؛ فوجب أن يستووا فيما أُخِذَ منهم؛ لحصول انتفاعهم في الاختلاف إلى غير بلدهم كما ذكرنا. ••• باب قَسْمِ الصَّدقات [٩٧] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَسْمَ الصَّدَقَاتِ، تُقْسَمُ أَجْزَاءً ثَمَانِيَةً عَلَى الأَصْنَافِ الَّتِي سَمَّى اللهُ ؟ قَالَ: لِكُلِّ مَنْ سَمَّى اللهُ فِيهَا حَقٌّ، وَلَيْسَ حَقُّ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ ذَلِكَ الثُّمُنُ، إنَّمَا دَلَّنَا اللّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ هِيَ لَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَقْسِمَهَا أَثْمَاناً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الاِجْتِهَادِ مِنَ الوَالِي.

стр. 130

وَأَيُّ الأَصْنَافِ كَانَتْ فِيهِ الحَاجَةُ وَالفَاقَةُ، أُوثِرَ ذَلِكَ الصِّنْفُ بِقَدْرِ مَا يرَى أَهْلُهُ لِحَاجَتِهِ وَفَاقَتِهِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، فَيُؤْثِرُوا عَلَى مَنْ أُوثِرَ عَلَيْهِمْ بِانْتِقَالِ الحَاجَةِ مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ. وَعَامِلُهَا (١) يُعْطَى مِنْهَا بَقَدْرِ مَا يَرَاهُ الإِمَامُ، وَلَيْسَ الثُّمُنُ لَهُ فِي ذَلِكَ بِفَرِيضَةٍ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠]، الآية، فعرَّفنا الله الأصناف الذين يُعطون، ووَصَفَهم بصفاتٍ من فقرٍ ومسكنةٍ وغُرمٍ وسبيل الله وعمَالةٍ، فوجب أن يُعطَوا على حسب صفاتهم وحاجتهم، فمن كان أشد وصفاً وحاجةً كان أكثر استحقاقاً للصدقة. ولم تجب أن تقسم أثماناً، وإن كان الله تعالى ذكرها في الأصناف، كما لم يجب أن يُعطى العامل الثُّمنَ فريضةً لا تزاد ولا تنقص وإن كان أحد المذكورين، فكذلك سائر الأصناف؛ لأنهم إنَّما يعطون بمعانٍ، فمن كان أحوج كان أولى وجاز تفضيله. ألا ترى: أنَّ الله تعالى قد سوى بين الفقراء والمساكين في العطية، ثم جاز تفضيل فقيرٍ على فقيرٍ ومسكينٍ على مسكينٍ لحاجته إلى ذلك، فكذلك يجوز تفضيل صنفٍ على صنفٍ لحاجته إلى ذلك، وإن كان قد سوَّى بينهم في اللفظ.

стр. 131

ومما يدل على صحة ما قلنا، أنا وجدنا العطايا على وجهين: (فوجهٌ يُعطى الإنسان بعينه، كزيدٍ وعمرو، فمتى مات المُعْطَى، كان ذلك الشيء لورثته أو للمعطي، على حسب ما يقول أهل العلم، أعني: من الصدقات والهبات والوصية، ليس يُرَدُّ إلى من معه في العَطِيَّةِ، كأنه أعطى لزيدٍ ولعمرو درهماً أو أوصى لهما بذلك، فمات واحدٌ منهما أو فُقِدَ، لم يرجع نصيبه إلى الآخر في العطية. (وكذلك من أُعْطِيَ بصفةٍ، مثل أن يُعْطِي الفقراء والمساكين والعلماء والجيران، أو أوصى لهم بذلك، فإنَّ عطيَّته تُقْسَم على حسب ما يخص الأصناف، فمتى عُدِمَ صنفٌ أو مات، لم ترجع حصته إلى الباقين من الأصناف، لكنها ترجع إلى المُعْطَى أو إلى ورثته، وهذا في عطايا الآدميين. فلو لم يجز في الزَّكاة أن يُفَضَّل صنفٌ على صنفٍ، أو يُعْطَى صنفٌ دون صنفٍ مع وجود الأصناف، لما جاز أن ترد إليه مع عدمه، كما لم يجز ذلك فيما ذكرناه من عطايا الأدميين، سواءٌ كان المُعْطَون بأعيانٍ أو صفاتٍ. فلما جاز عند مخالفنا (١) في هذه المسألة أن يرد حق صنفٍ مع عدمه في الزَّكاة إلى الصنف الآخر، ولم يجز ذلك في سائر العطايا مع عدم الصنف الذي معه، ثبت بهذا أنَّهُ يجوز في الزَّكاة أن يُعْطى صنفٌ أكثر من صنفٍ، أو يُعْطَى

стр. 132

صنفٌ دون صنفٍ مع وجوده، ولو لم يجز ذلك مع الوجود، لما جاز مع عدمه، والله أعلم. فإن قيل (١): فقد روي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أنَّهُ قال: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَرْضَ فِي الصَّدَقَاتِ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، حَتَّى جَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ» (٢)؟ قيل له: روى هذا الحديث سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد (٣)، عن زياد بن نعيم (٤)، عن زياد بن الحارث الصدائي، قال: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ، فَسَأَلَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ» الحديث، وعبد الرحمن بن زياد هذا ضعيف الحديث، يعرف بالأَفْرِيقِي، ترك أحمد بن حنبل حديثه؛ لأنَّهُ منكر الحديث (٥). وقد روي عن جماعةٍ من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ خلاف هذا، منهم: عمر، وابن عباس، وحذيفة، ومحال أن يذهب عنهم الصواب في ذلك وفعل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ فيه، والزَّكاة فهو حكمٌ يكثر نزوله بالناس، وليس يجوز أن يذهب ذلك على من ذكرناه من الصحابة.

стр. 133

فروى حفص بن غياثٍ (١)، عن ليثٍ (٢)، عن عطاء (٣): «أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَضَعُ الصَّدَقَةَ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِمَّنْ سَمَّى اللهُ سُبْحَانَهُ» (٤). وروى وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال (٥)، عن زر (٦)، عن حذيفة، قال: «إِنْ جَعَلَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ» (٧). وروى سليمان بن حرب (٨)، قال: حدثنا وهيب (٩)، قال: حدثنا عطاء بن

стр. 134

السائب، عن سعيد بن جبير (١)، عن ابن عباس: «﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، حَتَى خَتَمَهَا، فِي أَيِّهَا وَضَعْتَ أَجْزَأَكَ» (٢). وهذا قول جماعة من التابعين وعلماء أهل المدينة والكوفة (٣). •••

стр. 135

كتاب الصّيام [٩٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ الشَّهَادَةَ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، أَيُقْبَلُ فِيهَا غَيْرُ العُدُولِ؟ قَالَ: لَا يُصَامُ رَمَضَانُ وَلَا يُفْطَرُ مِنْهُ إِلَّا بِشَهَادَةِ عُدُولٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا. وَلَا يُصَامُ بِشَهَادَةِ الوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ عَدْلاً، وَلَا يُفْطَرُ بِشَهَادَةِ الوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ عَدْلاً (١). • أما اشتراطه العدالة في الشهادة على صوم رمضان وفطره؛ فلأنهما حكمٌ من أحكام الدِّين الذي يلزم النَّاس العمل به، ولا يجوز أن يُلزموا شيئاً لم يثبت وجوبه، وثبوت وجوبه هو شهادة العدول كسائر الشهادات، لا يقبل فيها إلَّا العدول، فكذلك الصّوم والفطر. وأما اشتراطه شهادة رجلين مسلمين عدلين؛ فلأنَّ الشهادة في غير الأموال لا يجوز فيها على شيء مَغِيبٍ أقل من رجلين عدلين، وذلك كالعدالة والطلاق (٢)

стр. 136

والنكاح، والزنا فجُعِل فيه أربعة، خُصَّ بذلك، فكذلك الصّوم والفطر، لا يجوز فيهما أقل من شهادة عدلين؛ لأنَّهُ حكمٌ ثبت على البدن، وليس هو مالاً فتجوز فيه شهادة رجلٍ وامرأتين، أو شاهدٍ ويمينٍ. ومما يدل على أنَّهُ ليس يجوز شهادة رجلٍ واحدٍ في شهر رمضان على رؤية الهلال، أنَّ شهادة الواحد على انفراده في الأصول غير جائزةٍ دون أن يقارنها شيءٌ آخر، وإذا كان كذلك، لم تجز أيضاً على رؤية هلال شهر رمضان. فإن قيل: إنَّ مجرى الشهادة هاهنا مجرى الأخبار، فيجوز فيها رجلٌ واحدٌ، كما يجوز في الأخبار التي تنقل عن رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ كل ذلك إلزام شرعٍ؟ (١) قيل له: لو كان مجراها مجرى الأخبار، لجاز فيها شهادة العبد والمرأة، كما يجوز قبول خبرهما إذا نقلاً عن رسول الله صلى الله عليه، ولاستوى ذلك في الصّوم والفطر؛ لأنَّ كلاهما إثبات شرعٍ، ولو جاز أن يصام بشهادة واحدٍ، لجاز أن يفطر بشهادة واحد. فإن قيل: إنَّ الإنسان يُتَّهم على الفطر بأنَّه يُسقط فرضاً عنه، ولا يتهم على الصّوم، فافترقا لهذه العلَّة (٢). قيل له: قد يُتَّهم أيضاً في ادِّعائه رؤية الهلال لشهر رمضان؛؛ لأنَّهُ

стр. 137

يجوز أن يوجب لنفسه حقوقاً تجب بدخول شهر رمضان، من ديونٍ تحل له، ويُسقِطُ عن نفسه حقوقاً تسقط بدخول شهر رمضان، فالتهمة قائمةٌ في الأمرين جميعاً. فإن قيل: قد روى سماك بن حربٍ (١)، عن عكرمة (٢)، عن ابن عباس قال: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الهِلَالَ، يَعْنِي: رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَداً» (٣) (٤). قيل: قد روى هذا الحديث جماعةٌ من الأثبات فأرسلوه عن النبي صلى الله

стр. 138

عليه، فقالوا: عكرمة عن النبي صلى الله عليه، منهم: الثوري (١)، وشعبة (٢)، وحماد بن سلمة (٣) وغيرهم (٤)، وصحيحه مرسلٌ. على أنَّهُ قد يجوز أن يكون رآه مع الأعرابي غيره، ثم ذكر للنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قبل ذكر الأعرابي، فأمرهم لذلك أن يصوموا، لا لقول الأعرابي وحده. ومما يدل على ما قلنا: أنَّ شهادة من لا يُدرَى هل هو عدلٌ أم لا غير مقبولةٍ، فكيف بمن لا يُعلم هل هو مسلمٌ أو لا دون أن يُمتحن. فإن قيل: قد روى ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم (٥)، عن أبي

стр. 139

بكر بن نافع (١)، عن أبيه، عن ابن عمر قال: «تَرَاءَى النَّاسُ الهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ» (٢) (٣). قيل: وهذا أيضاً على ما ذكرناه، يجوز أن يكون رآه غير ابن عمر، فأخبر النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بذلك، ثمَّ أخبره ابن عمر، فقبل شهادتهما، على أنَّ يحيى بن عبد الله بن سالم، في حديثه لِين (٤). ومما يدل على ما قلنا، أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ إنَّما قبل شهادتهما مع

стр. 140

انضمام غيرهما إليهما: ما رواه أبو عوانة (١)، عن منصور (٢)، عن ربعي، بن حراش (٣)، عن رجلٍ من أصحاب النّبيّ ﷺ قال: «اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ بِاللهِ لَأَهَلَّا الهِلَالَ أَمْس عَشِيَّةً، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا» (٤)، فعُلِم بهذا أنَّ شهادة الأعرابي مذكورةٌ مرةً في الفطر ومرةً في الصّوم، ودلَّ هذا على اضطراب الحديث. وقد روى سعيد بن سليمان (٥)، قال: حدثنا عباد بن العوام (٦)، عن أبي مالك الأشجعي (٧)، قال: حدثنا حسين بن الحارث الجدلي (٨)، أنَّ أمير مكة، قال: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنْ نُمْسِكَ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ

стр. 141

شَاهِدَا عَدْلٍ أمْسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا»، فَسَأَلْتُ الحُسَيْنَ بْنَ الحَارِثِ: مَنْ أَمِيرُ مَكَّةَ؟، فَقَالَ: الحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، ثُمَّ قَالَ الأَمِيرُ: إِنَّ فِيكُمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ مِنِّي، وَشَهِدَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَجُلٍ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِاللهِ مِنْهُ، فَقَالَ: بِذَلِكَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ» (١). وقد روى محمد بن كثير (٢)، قال: أخبرنا إسرائيل (٣)، قال: أخبرنا عبد الأعلى (٤)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٥)، قال: «كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ عُمَرَ، فَأَتَاهُ رَاكِبٌ زَعَمَ أنَّهُ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْطِرُوا» (٦). وهذا الحديث خلاف الأصول، وإذا لم يجز قبوله لمخالفته للأصول، فكذلك حديث الأعرابي الواحد، ليس يجوز قبوله لمخالفته للأصول.

стр. 142

وقد روى وكيع، عن الأعمش (١)، عن أبي وائلٍ (٢)، قال: «كُنَّا بِخَانِقِينَ فَأَهَلَّنَا هِلَالُ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ: أَنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ نَهَاراً، فَلَا تُفْطِرُوا، إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا أَهَلَّاهُ بِالأَمْسِ» (٣). وروى عاصم (٤)، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار (٥) قالَ: «أَبَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ هَاشِمٍ الأَعْوَر عَلَى رُؤْيَةِ الهِلَالِ» (٦). ومما يدل على أنَّهُ لا يجوز قبول شهادة واحدٍ في الصّوم، ما قال مالكٌ: «إنه إذا صاموا بشهادة واحدٍ احتياطاً للصوم، أدَّى ذلك إلى أن يفطروا يوماً من شهر رمضان، والاحتياط واجبٌ في آخره كهو في أوله» (٧)، وإذا كان كذلك، لم يجز أن يصام ولا يفطر بأقل من شهادة مسلمين عدلين. •••

стр. 143

[٩٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ نَهَاراً، كَفَّ النَّاسُ عَنِ الطَّعَامِ، وَقَضَوْا يَوْماً سِوَاهُ، وَإِنْ ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ نَهَاراً، فَإِنَّ النَّاسَ يُفْطِرُونَ سَاعَةَ ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَهُمُ الثَّبْتُ أَنَّ الصِّيَامَ كَانَ قَبْلَ صِيَامِهِمْ بِيَوْمٍ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ العِيدِ إِذَا ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلَا يُصَلُّونَ مِنَ الغَدِ، وَلَا تُصَلَّى صَلَاةُ العِيدِ فِي غَيْرِ يَوْمِ العِيدِ (١). • قوله: «يكف النَّاس عن الطعام إذا ثبت أنَّ يومهم من رمضان»، فلأنَّ الأكل في شهر رمضان من غير عذرٍ غير جائزٍ، والعذر هو أن يكون الإنسان مريضاً أو مسافراً، أو تكون المرأة حائضاً، ومن لم يكن كذلك فليس يجوز له أن يأكل وإن كان غير صائمٍ، فعليه أن يكف عن الأكل لهذه العلَّة. ويقضي يوماً سواه؛ لأنَّهُ قد أفطر في شهر رمضان، فعليه القضاء. وكذلك لو لم يكن أكل في هذا اليوم فعليه القضاء؛ لأنَّ الصّوم لا يصح بغير نيةٍ مُقدَّمةٍ له أو مقارنةٍ للدخول فيه. وكذلك إذا ثبتت الشهادة أنَّ يومهم من شوال أفطروا؛ لأنَّ صوم يوم الفطر غير جائزٍ، بل لا يصح فيه الصّوم؛ لنهي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ عن صيامه (٢)، كما لا يصح الصّوم بالليل.

стр. 144

وقوله: «لا يصلون صلاة العيد بعد الزوال»؛ فلأنَّ سنة صلاة العيد هي في أول النهار لا في آخره، لا خلاف في ذلك؛ ولأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ صلَّاها كذلك. وقوله: «لا تصلى من الغد»؛ فلأنه لَمَّا لم تُصَلَّ في يوم العيد بعد الزوال وهو أقرب إلى الوقت الذي تُصلى فيه، لم تصل من الغد؛ لأنَّهُ أبعد من الوقت الذي يجوز أن تصلى فيه. فإن قيل: قد روي أن النّبيّ ﷺ قال لهم: «اغْدُوا إِلَى المُصَلَّى» (١) حِينَ شُهِدَ عنده أنَّ يَوْمهم يَوْمَ الفِطْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَشِيّاً (٢). قيل له: هذا الحديث رواه جماعة عن أبي بشر (٣)، عن أبي عمير بن أنس (٤)، قال: «أَخْبَرَنِي عُمُومَةٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ»، لم يروه غير أبي بشر فيما يقال، وأبو عميرٍ أيضاً فليس بمعروفٍ، وعمومته فغير مسمَّين، وإذا كان كذلك، لم يحتمل مثل هذا الحكم الكبير المشهور"، ولو كان

стр. 145

كذلك، لنقله أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ صلاة العيد أَمْرٌ ينتشر، فلو صُلِّيت في غير يوم العيد لنقل ذلك أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ ولنُقِل عنهم. ••• [١٠٠] مَسْأَلَةٌ: قال: وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ نَهَاراً فَلَا يُفْطِرْ، وَإنَّمَا هُوَ لِلَّيْلَةِ الَّتِي تَأْتِي (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ». حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إسحاق حرمي (٢)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد (٣) البغوي (٤)، قال: حدثنا أبي (٥)، قال: حدثنا ورقاء بن
следующие страницы →