← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

شَاهِدَا عَدْلٍ أمْسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا»، فَسَأَلْتُ الحُسَيْنَ بْنَ الحَارِثِ: مَنْ أَمِيرُ مَكَّةَ؟، فَقَالَ: الحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، ثُمَّ قَالَ الأَمِيرُ: إِنَّ فِيكُمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ مِنِّي، وَشَهِدَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَجُلٍ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِاللهِ مِنْهُ، فَقَالَ: بِذَلِكَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ» (١). وقد روى محمد بن كثير (٢)، قال: أخبرنا إسرائيل (٣)، قال: أخبرنا عبد الأعلى (٤)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٥)، قال: «كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ عُمَرَ، فَأَتَاهُ رَاكِبٌ زَعَمَ أنَّهُ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْطِرُوا» (٦). وهذا الحديث خلاف الأصول، وإذا لم يجز قبوله لمخالفته للأصول، فكذلك حديث الأعرابي الواحد، ليس يجوز قبوله لمخالفته للأصول.

стр. 142

وقد روى وكيع، عن الأعمش (١)، عن أبي وائلٍ (٢)، قال: «كُنَّا بِخَانِقِينَ فَأَهَلَّنَا هِلَالُ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ: أَنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ نَهَاراً، فَلَا تُفْطِرُوا، إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا أَهَلَّاهُ بِالأَمْسِ» (٣). وروى عاصم (٤)، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار (٥) قالَ: «أَبَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ هَاشِمٍ الأَعْوَر عَلَى رُؤْيَةِ الهِلَالِ» (٦). ومما يدل على أنَّهُ لا يجوز قبول شهادة واحدٍ في الصّوم، ما قال مالكٌ: «إنه إذا صاموا بشهادة واحدٍ احتياطاً للصوم، أدَّى ذلك إلى أن يفطروا يوماً من شهر رمضان، والاحتياط واجبٌ في آخره كهو في أوله» (٧)، وإذا كان كذلك، لم يجز أن يصام ولا يفطر بأقل من شهادة مسلمين عدلين. •••

стр. 143

[٩٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ نَهَاراً، كَفَّ النَّاسُ عَنِ الطَّعَامِ، وَقَضَوْا يَوْماً سِوَاهُ، وَإِنْ ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ نَهَاراً، فَإِنَّ النَّاسَ يُفْطِرُونَ سَاعَةَ ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَهُمُ الثَّبْتُ أَنَّ الصِّيَامَ كَانَ قَبْلَ صِيَامِهِمْ بِيَوْمٍ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ العِيدِ إِذَا ثَبَتَتِ الشَّهَادَةُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلَا يُصَلُّونَ مِنَ الغَدِ، وَلَا تُصَلَّى صَلَاةُ العِيدِ فِي غَيْرِ يَوْمِ العِيدِ (١). • قوله: «يكف النَّاس عن الطعام إذا ثبت أنَّ يومهم من رمضان»، فلأنَّ الأكل في شهر رمضان من غير عذرٍ غير جائزٍ، والعذر هو أن يكون الإنسان مريضاً أو مسافراً، أو تكون المرأة حائضاً، ومن لم يكن كذلك فليس يجوز له أن يأكل وإن كان غير صائمٍ، فعليه أن يكف عن الأكل لهذه العلَّة. ويقضي يوماً سواه؛ لأنَّهُ قد أفطر في شهر رمضان، فعليه القضاء. وكذلك لو لم يكن أكل في هذا اليوم فعليه القضاء؛ لأنَّ الصّوم لا يصح بغير نيةٍ مُقدَّمةٍ له أو مقارنةٍ للدخول فيه. وكذلك إذا ثبتت الشهادة أنَّ يومهم من شوال أفطروا؛ لأنَّ صوم يوم الفطر غير جائزٍ، بل لا يصح فيه الصّوم؛ لنهي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ عن صيامه (٢)، كما لا يصح الصّوم بالليل.

стр. 144

وقوله: «لا يصلون صلاة العيد بعد الزوال»؛ فلأنَّ سنة صلاة العيد هي في أول النهار لا في آخره، لا خلاف في ذلك؛ ولأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ صلَّاها كذلك. وقوله: «لا تصلى من الغد»؛ فلأنه لَمَّا لم تُصَلَّ في يوم العيد بعد الزوال وهو أقرب إلى الوقت الذي تُصلى فيه، لم تصل من الغد؛ لأنَّهُ أبعد من الوقت الذي يجوز أن تصلى فيه. فإن قيل: قد روي أن النّبيّ ﷺ قال لهم: «اغْدُوا إِلَى المُصَلَّى» (١) حِينَ شُهِدَ عنده أنَّ يَوْمهم يَوْمَ الفِطْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَشِيّاً (٢). قيل له: هذا الحديث رواه جماعة عن أبي بشر (٣)، عن أبي عمير بن أنس (٤)، قال: «أَخْبَرَنِي عُمُومَةٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ»، لم يروه غير أبي بشر فيما يقال، وأبو عميرٍ أيضاً فليس بمعروفٍ، وعمومته فغير مسمَّين، وإذا كان كذلك، لم يحتمل مثل هذا الحكم الكبير المشهور"، ولو كان

стр. 145

كذلك، لنقله أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ صلاة العيد أَمْرٌ ينتشر، فلو صُلِّيت في غير يوم العيد لنقل ذلك أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ ولنُقِل عنهم. ••• [١٠٠] مَسْأَلَةٌ: قال: وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ نَهَاراً فَلَا يُفْطِرْ، وَإنَّمَا هُوَ لِلَّيْلَةِ الَّتِي تَأْتِي (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ». حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إسحاق حرمي (٢)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد (٣) البغوي (٤)، قال: حدثنا أبي (٥)، قال: حدثنا ورقاء بن

стр. 146

عمر اليشكري (١)، عن شعبة، عن محمد بن زياد (٢)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «صُومُوا لِرُؤْيَةِ الهِلَالِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ» (٣)، معناه: صوموا لرؤيته من الغد، وأفطروا لرؤيته من الغد. وهذا إذا كان العدد لم يَكْمُل، أعني: ثلاثين يوماً، فإن كان قد كَمُلَ فإنهم لا يزيدون عليه وإن لم يروا الهلال؛ لأنهم قد صاموا أكثر عدة الشهر؛ لأنَّ الشّهر مرةً ثلاثون يوماً، ومرةً تسعة وعشرون يوماً، كما قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وحَبَسَ فِي الثَّالِثَةِ أُصْبُعَهُ» (٤)، يعني: تسعاً وعشرين. ••• [١٠١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ رَأَى هِلَالَ

стр. 147

شَوَّالٍ وَحْدَهُ فَلَا يُفْطِرْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ لِأَهْلِ التُّهَمِ أَنْ يُفْطِرُوا آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ يَدَّعُوا رُؤْيَةَ الهِلَالِ (١). • قد ذكر مالكٌ الفرق بين رؤية الهلال للصوم ورؤيته للفطر، أنَّهُ يصوم ولا يفطر؛ لأنَّهُ لا يُتَّهَم أحدٌ على الصّوم ويتهم على الفطر (٢). ويشبه أن يكون مراد مالكٍ: أن لا يُظْهِر الفطر وإن كان صادقاً فيما ذكره من الرؤية؛ لئلا يقتدي به من ليس بمأمونٍ فيدَّعي ذلك، فأمَّا أن يصوم مع رؤية الهلال فلا؛ لأنَّ يوم الفطر لا يحل صومه. وقد سمعت بعض مشايخنا يحملون قول مالكٍ على الذي ذكرته (٣). ••• [١٠٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ نَهَاراً، فَلَا يَكُفَّ عَنِ الطَّعَامِ، وَإنَّمَا هُو لِلَّيْلَةِ التِي تَأْتِي (٤). • هذا على ما قلناه، إذا لم يكن كمل عدة شعبان ثلاثين، فإنه لا يكف عن الأكل بعد أن رأى الهلال؛ لأنَّ يومه من شعبان.

стр. 148

فإن كان كمل عدَّة شعبان كفَّ عن الأكل؛ لأنَّ يومه من رمضان، وعليه القضاء على ما ذكرناه (١). ••• [١٠٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصْبَحَ يَوْماً مُتَطَوِّعاً وَلَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ وَلَا يَأْكُلُ، وَلَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ صوم رمضان لا يصح بغير نيةٍ لرمضان، وليس تجزئ نية التّطوع عن نية الفرض - أعني: في الصّوم، كما لا تجزئ نية التّطوع عن نية الصلاة الفرض، فلهذا قال مالكٌ: «إنَّ عليه أن يقضي وإن كان قد صامه تطوعاً». ••• [١٠٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ جَاءَهُ الخَبَرُ وَقَدْ أَصْبَحَ مُفْطِراً أَنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَكُنْ أَكَلَ شَيْئاً، فَلْيَكُفَّ عَنِ الطَّعَامِ، وَلَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لم ينوِ الصّوم من اللّيل، وليس يصحُّ صوم شهر رمضان بغير نيةٍ متقدِّمةٍ للصوم. •••

стр. 149

[١٠٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ. وَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ تَبْيِيتٌ فِي رَمَضَانَ - يَعْنِي: تَجْدِيدَ النِّيَّةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ - وَلَا عَلَى مَنْ شَأْنُهُ سَرْدُ الصِّيَامِ، وَلَا عَلَى مَنْ شَأْنُهُ صَوْمُ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ قَدْ عَوَّدَهُ نَفْسَهُ لَا يَدَعُهُ. وَالتَّبْيِيتُ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الصِّيَامِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِالخِيَارِ، يَعْزِمُ وَيَتَرُكُ مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ، فَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ فَهُوَ عَلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ (١). • قوله: «ولا صيام إلَّا لمن يبيِّت الصّيام»، يعني: من الليل؛ فلأنَّ الصّيام عملٌ من أعمال الأبدان المتقرب بها إلى الله ، ولا يجوز بغير نيةٍ متقدمةٍ أو مقارنه، كما لا تجوز الصلاة بغير نيةٍ، والوضوء والتيمم بغير نيةٍ تَقَدَّمَتهُ أو تقارنه، وقد قال النّبيّ ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢)، وقال: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (٣). رواه عبد الله بن وهبٍ، قال: أخبرني ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، عن

стр. 150

عبد الله بن أبي بكر بن حزم (١)، عن ابن شهاب، عن أبيه (٢)، عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (٣). فلهذا قال مالكٌ: «إنَّ عليه أن يُبَيِّت الصّيام من الليل». وقوله: «وليس على النَّاس ذلك في رمضان»، يعني: أنَّهُ ليس عليهم تجديد النيّة في كل ليلةٍ من رمضان، ويجزيهم أن ينووا من أول ليلةٍ من رمضان صيام الشّهر كله. والدليل على صحة ما قاله: أنَّ صوم رمضان لَمَّا كان وقته وقتاً لا يصلح أن يصوم فيه غير الصّوم الحاضر، أعني: لا يجوز أن يقضي فيه رمضان آخر، ولا يصومه عن كفارةِ ظهارٍ ولا قتلٍ ولا تطوعٍ، كانت عينه عيناً مستحقةً للصوم الحاضر، ولم يتخلَّله أيضاً وقتٌ يصلح للصوم، أعني: الليل ليس يصلح للصوم، فلم يحتج لهذه العلَّة أيضاً إلى استئناف النيّة لكل ليلةٍ ما دام صومه متصلاً، لم يقطعه عذرٌ من حيضٍ أو مرضٍ.

стр. 151

فمتى أفطره بعذرٍ أو غيره فابتدأ (١) النيّة للصوم؛ لانقطاع حكم الصّوم واتصاله. وأشبه شهر رمضان فيما ذكرناه الصلاة الواحدة، أنها تجوز بنيَّةٍ واحدةٍ، وإن كانت أعداد ركعاتٍ، وليس عليه تجديد النيَّة لكل ركعةٍ، وإن كانت عملاً غير الأخرى؛ فكذلك ليس عليه تجديد النيَّة لكل يومٍ وإن كان اليوم الثاني غير الأول. فإن قيل (٢): إنّ الصلاة الواحدة إنَّما جازت بنيَّةٍ واحدةٍ، ولم يكن عليه تجديد النية؛ لأنَّهُ عملٌ متعلِّقٌ بعضه ببعضٍ، يفسد أوله بفساد آخره، وليس كذلك صوم رمضان؛ لأنَّ أوله لا يفسد بفساد آخره، وإذا كان كذلك، فقد افترق حكم الصلاة والصيام في النيَّة. قيل له: لو كانت العلَّة ما ذكرت في جواز النيَّة الواحدة: تعلُّقُ بعضه ببعضٍ وفساد أوله بفساد آخره، لجازت نيةٌ واحدةٌ في شهري الصّوم في الظهار والقتل؛ لأنَّ صومه متعلّقٌ بعضه ببعضٍ ويفسد أوله بفساد آخره؛ لأنَّهُ لو أفطر يوماً من آخره متعمداً لبطل صومه كله، فعلم فساد علَّته في جواز النيَّة في تعلُّق بعضه ببعض، وسلم اعتلالنا الذي اعتللنا به، وهو أنَّهُ عملٌ لا يتخلَّله وقتٌ يصلح لصوم فرضٍ ولا نافلةٍ، وهذه علَّةٌ صحيحةٌ لا يعترض عليها أصلٌ. فإن قيل: فأجز صلاتين بنيةٍ واحدةٍ، كما أجزت صوم يومين بنيةٍ

стр. 152

واحدةٍ أو بنيَّةٍ متقدِّمةٍ، وإذا لم يجز ذلك في الصلاتين، فكذلك يلزمك في الصّوم (١). قيل له: ما ذكرته غير لازمٍ لنا ولا قادحٍ فيما اعتللنا به، من قِبَل أنَّ ما بين الصلاتين وقتٌ يجوز أن يُصَلَّى فيه فرضٌ ونفلٌ، فاحتاج للصلاة الثانية إلى استئناف النيّة لهذه العلَّة، وما بين اليومين، فليس وقتاً يصلح لصوم فرضٍ ولا نفلٍ، فلم يحتج إلى استئناف نيةٍ. ومما يدل على جواز تقدم نيَّة الشّهر كلِّه من أوله، أنَّا وجدنا الصّوم مُخصصاً بجواز تقدمة النيّة قبل الدخول فيه بزمانٍ، وهو أن ينوي من أول الليل أن يصوم من الغد، وليس يجوز ذلك في سائر الأعمال دون أن تكون النيّة مقارنةً للدخول فيها، فلمَّا جاز ذلك في الصّوم، وكان مبايناً لسائر الأعمال، لم يكن فصلٌ في جواز تقدمة النيّة بين أول اليوم وآخره. ومما يدل أيضاً على ذلك، أنَّهُ إذا نوى من أول الليل، ثم أكل بعد ذلك لم يحتج إلى تجديد النية، وإن كان قد تخلل بين النيّة والصّوم أكلٌ، وكذلك في اليوم الثاني والثالث والأيام كلها، وإن كانت أعمالاً متغايرةً، والله أعلم. وقوله: «فيمن عوَّد نفسه صيام يومٍ بعينه أو شهرٍ بعينه، أنَّهُ ليس عليه تجديد النيّة عند كل ليلةٍ ولا عند الدخول في الصّوم»، فلهذا المعنى الذي ذكرنا من جواز تقدمة النيّة للصوم. وهذا القول من مالكٍ في صيام النفل، يشبه أن يكون استحباباً لا إيجاباً،

стр. 153

فأمَّا القياس فإنَّ عليه أن ينوي كل ليلةٍ (١)؛ لجواز أن يفطر بدل الصّوم ويصوم عن فرضٍ أو صومٍ غير الذي عوده نفسه، وهو مخالفٌ لصوم رمضان، وإذا كان كذلك، فعليه أن يجدد النيّة للذي يريد كل ليلةٍ، والله أعلم. وقوله: «فإذا طلع الفجر، فهو على ما عزم عليه من فطرٍ أو صيامٍ»، فإنَّ حكم الصّوم أو الفطر قد تقرََّر بطلوع الفجر، فإذا طلع وهو مفطرٌ، فليس يجوز له أن يصوم يومه بعد ذلك، وإن كان صائماً لم يجز له أن يفطر لغير عذرٍ، من قِبَلِ أنَّهُ قد دخل في عملٍ هو قربةٌ إلى الله تعالى له انتهاءٌ، فليس يجوز له أن يخرج قبله لغير عذرٍ، كما لا يجوز له أن يخرج من الحجّ التّطوع إذا دخل فيه قبل أن يتمَّه، وكذلك العمرة التّطوع، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]. فوجب بهذا أن يتم فعل كل خيرٍ دخل فيه ولا يقطعه دون كماله، إلَّا أن يقطعه عن ذلك عذرٌ، فيكون كمن صدَّه العدو عن البيت في الحجّ التّطوع، أنَّهُ يحل ولا قضاء عليه، ولو قطعه مختاراً، لكان عليه القضاء، وكذلك الصّوم والصلاة، وكل عملٍ قربةٍ لله تعالى دخل فيها فعليه تمامها، وقد قال الله سبحانه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].

стр. 154

وروى القعنبي (١)، قال: حدثنا عبد الله بن عمر (٢)، عن الزهري، عن عروة (٣)، عن عائشة وحفصة أنهما قالتا: «أَصْبَحْنَا صَائِمَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ فَأَكَلْنَا، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: اقْضِيَا يَوْماً مَكَانَهُ» (٤). ورواه ابن وهب، عن حيوة بن شريح (٥) وعمر بن مالك (٦)، عن ابن الهاد (٧)، قال: حدثني زميل مولى عروة (٨)، عن عروة، عن عائشة وحفصة قالتا: «أُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ» (٩)، الحديث.

стр. 155

ورواه مالك وابن عيينة (١) ومعمر (٢)، عن الزهري: «أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ أُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ» (٣)، الحديث. وروى جرير بن حازم (٤)، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة (٥)، عن عائشة، عن النّبيّ ﷺ (٦). فإن قيل: قد روي «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ قَعْباً فِيهِ حَيْسٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ، وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ صَائِماً» (٧) (٨).

стр. 156

قيل له: هذا حديثٌ رواه طلحة بن يحيى، عن عمرة (١)، عن عائشة، وطلحة منكر الحديث عند أحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث (٢). فإن كان صحيحاً احتمل أن يكون النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أفطر لحاجته إلى الإفطار لعذرٍ أو سببٍ، لا أنَّهُ اختار الفطر، وهذا التأويل أولى؛ لِمَا ذكرناه من عموم قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وما قد اتُّفِقَ عليه من لزوم الحجّ والعمرة لمن قد دخل فيهما ووجوب إتمامهما عليه. وقد روى سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد (٣)، عن موسى بن أبي عثمان (٤)،

стр. 157

عن أبيه (١)، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه (٢). وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج (٣)، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَا تَصُومُ المَرْأَةُ يَوْماً مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (٤)، معنى ذلك: أنها إذا صامت بغير إذن زوجها، مَنَعَت زوجها من الوطء إن أراد ذلك، فلو كان لها أن تفطر باختيارها، لكان للزوج أن يُفَطِّرَها؛ للحق الذي له في الوطء، فلما منعها النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ من الصوم؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى منع الزّوج من حقِّه من الوطء، دلَّ على أنَّهُ لا يجوز لها أن تفطر اختياراً. ومما يدل على ذلك، أنَّ المتطوع بالهدي إذا قلَّده وأشعره، وجب ذلك عليه، ولم يجز له أن يرجع فيه، كما لو أوجبه بالقول، فكذلك ما يدخل فيه من الصّوم والصلاة والحج في وجوب إتمامه، كما يوجبه بالقول، ثم يدخل فيه، لا فرق في ذلك. •••

стр. 158

[١٠٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَوَى فَقَالَ: إِنْ تَسَحَّرْتُ صُمْتُ وَإِلَّا فَلَا، فَذَلِكَ لَهُ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ أوجب الصّوم على نفسه بشريطةٍ، فإن حصل لزمه الصّوم، وإن لم يحصل لم يلزمه. مثال ذلك: ما ينذره الإنسان فيقول: إن شفى الله عليلي فعليَّ صومٌ أو صلاةٌ أو صدقةٌ، فإن وقع الشرط لزمه ذلك، وإلا لم يلزمه، وكذلك هذا إذا تسحَّر لزمه الصّوم بالنيّة المتقدِّمة وحصول الشرط، وإن لم يتسحَّر لم يلزمه. ••• [١٠٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصْبَحَ مُفْطِراً وَلَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الصِّيَامِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ (٢). • إنَّمَا قال ذلك، لما قلناه: إنَّ الصّوم عملٌ من أعمال الأبدان المتقرب بها إلى الله ، فلا يجوز بغير نيةٍ، والنية فيجب أن تكون متقدِّمةً للصوم، وليس يجوز أن تكون بعد الدخول فيه وتَقَضِّي بعضه؛ لأنَّهُ ليس أحد البعضين بالنيّة أولى من الآخر في وجوب النيّة له، ولو جاز ذلك في الصّوم، لجاز ذلك في الصلاة والتيمم والحج وسائر الأعمال التي لا تصحُّ بغير نيَّةٍ. فإن قيل: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ دخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَ:

стр. 159

هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ؟، قَالُوا: لَا، قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ» (١)، قالوا: ففي هذا الخبر دلالةٌ على أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ صام حينئذٍ، لا أنَّهُ كان نواه من الليل، فيجوز لهذا أن ينوي في صوم النافلة بعد دخول النهار (٢). قيل له: هذا خبرٌ رواه طلحة بن يحيى، عن عمته، عن عائشة: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ دخَلَ عَلَيْهَا»، وطلحة فقد ذكرنا أنَّهُ منكر الحديث، ترك أحمد بن حنبل حديثه، وقال: حدث بحديث العصيفير، وذلك أنَّهُ رواه بهذا الإسناد: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ دُعِيَ إِلَى جِنَازَةِ طِفْلٍ مِنْ أَطْفَالِ الأَنْصَارِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: طُوبَى، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الجَنَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: وَمَا يُدْرِيكِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ لِلْجَنَّةِ خَلْقاً وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ للنَّارِ خَلْقاً وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ» (٣). فأدخل الشك في أطفال المسلمين، هل هم في الجنة أم في النار، ولا يَخْتَلِف أهل العلم أنَّ أطفال المسلمين في الجنة، وإنَّما الخلاف في أطفال المشركين، وقد روِّينا بإسنادٍ صحيحٍ قد تقدَّم ذكره، أنَّ النبي صلى الله عليه (٤): «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» (٥). فإن قيل: إنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال في يوم عاشوراء: «مَنْ لَمْ

стр. 160

يَطْعَمْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ طَعِمَ فَلْيُمْسِكْ» (١)، فأمرهم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أن يصوموا وإن لم ينووه من الليل (٢). قيل له: إنَّما أمرهم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ بذلك؛ ليحصل لهم ثواب الكف عن الأكل؛ لأنهم يتركونه قربةً إلى الله تعالى؛ لأنَّ يوم عاشوراء يومٌ يستحبُّ فيه الصّوم بعينه، فإن أمكنه الصّوم وإلا كفَّ عن الأكل، كما يكفُّ الإنسان في شهر رمضان عن الأكل بالصوم ينويه من أول الليل، فلو أكل بعد طلوع الفجر ولا يعلم بذلك، لكان عليه أن يكفَّ عن الأكل، وليس هو صائماً؛ لأنَّ عليه إعادة يومٍ عندنا، وعند من يجوّز أن ينوي في صوم التطوع (٣)، أو في أول يومٍ من شهر رمضان بعد طلوع الفجر (٤). فثبت بما قلنا أنَّ الكفَّ عن الأكل ليس بصومٍ يحتسب به، والله أعلم. ••• [١٠٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِصِيَامِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ مُتَطَوِّعاً، وَلَا يَجُوزُ

стр. 161

لِأَحَدٍ أَنْ يَصُومَهُ خَوْفاً أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنْ صَامَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ عَلِمَ أنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَلَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ الصِّيَامُ (١) (٢). • قوله: «لا بأس بصيام آخر يوم من شعبان تطوعاً»؛ فلأنَّ الصّوم فعل خيرٍ، فلا بأس أن يصوم هذا اليوم وشعبان كلّه أو بعضه إذا لم يقصد بذلك استقبال شهر رمضان. وقد روى مسلم بن ابراهيم (٣)، قال: حدثنا هشام (٤)، عن يحيى بن أبي كثير (٥)، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ النّبيّ ﷺ قال: «لَا تَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَوْمٌ يَصُومُهُ رَجُلٌ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ» (٦).

стр. 162

وروى شعبة، عن توبة (١)، عن محمد بن إبراهيم (٢)، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْراً تَامّاً إِلَّا شَعْبَانَ، يَصِلُهُ برَمَضَانَ» (٣). وقوله: «إنَّهُ إن صامه على أنَّهُ من رمضان، ثم كان منه، أنَّهُ لا يجزيه»؛ فذلك لأنَّ صوم رمضان لا يصح إلَّا بعد أن يُعلَم دخول رمضان، وذلك بأن يُرى الهلال أو تُكمل عدة شعبان ثلاثين، كما قال النبي صلى الله عليه. فروى حماد بن زيد، قال: حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» (٤). ورواه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ مثله (٥).

стр. 163

ورواه مالكٌ، عن عبد الله بن دينار (١)، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ مثله (٢). وروى جرير بن عبد الحميد، عن منصورٍ، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا تَصُومُوا الشّهر حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ» (٣). فثبت بما روينا أنَّ الصّوم لا يجوز قبل رؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان. ومعنى آخر، وهو أنَّ الصّوم لا يجوز بغير نيةٍ، وهذا الذي يصوم آخر يومٍ من شعبان على أنَّهُ من رمضان فليس يقدر على أن يجرد النيّة فيه لرمضان؛ لأنَّهُ لا يمكنه أن يقطع النيّة أنَّ يومه من رمضان، أعني: الذي يصومه. ولهذا المعنى كَرِهَ من كَرِهَ من العلماء من الصحابة والتابعين صوم يوم الشك.

стр. 164

وقد روى أبو خالد الأحمر (١)، عن عمرو بن قيس (٢)، عن أبي إسحاق، عن صلة (٣)، قال: «كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي اليَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ، فَتَنَحَّى بَعْضُ القَوْمِ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا اليَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ» (٤). معنى الحديث: إذا صامه على أنَّهُ من رمضان؛ لأنَّ صوم رمضان لا يجوز قبل دخول رمضان، ودخوله يُعلم برؤية الهلال أو تكميل عدة شعبان. وقد روى أحمد بن حنبل (٥)، قال: حدثنا عبد الرزاق (٦) ومحمد بن بكر (٧)، قالا: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنَّهُ سمع محمد بن جبير (٨)،

стр. 165

يقول: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْكِرُ أَنْ يُتَقَدَّمَ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ إِذَا لَمْ يُرَ هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيَقُولُ: (١) قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: إِذَا لَمْ تَرَوُا الهِلَالَ فَاسْتَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ لَيْلَةً» (٢)، يعني: شعبان. ••• [١٠٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَالفِطْرُ فِيهِ وَاسِعٌ لِمَنْ صَامَ أَوْ أَفْطَرَ (٣). • إنَّمَا قال ذلك (٤)؛ لأنَّ الله أباح المسافر أن يفطر فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقد صام النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ في السفر وأفطر. فروى مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٥)، عن ابن

стр. 166

عباس: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالأَحْدَثِ، فَالأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (١). وروى مالك، عن حميد الطويل (٢)، عن أنس بن مالك، أنَّهُ قال: «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفْطِرُ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» (٣). ورواه مالك، عن هشام بن عروة (٤)، عن أبيه، عن عائشة: «أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ، قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ: أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟، وَكَانَ كَثِيرَ الصّوم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ: إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» (٥)، فلهذا قال مالك: «إنَّ الفطر والصوم واسعٌ في السفر». قال مالكٌ: «والصوم أحب إليَّ لمن قوي عليه»؛ لأنَّ الصّوم في رمضان هو

стр. 167

فرضٌ، والفطر رخصةٌ من أجل مشقة الصّوم في السفر، فإذا قَوِيَ الإنسان عليه، كان الصّوم أفضل؛ لأنَّ الرخصة إنَّما هي للمشقة. وليس كذلك قصر الصلاة في السفر، الاختيار عند مالكٍ القصر (١)؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قصر، ولم يتم (٢)، وقد صام النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ في السفر وأفطر. ••• [١١٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَعَلِمَ أنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ أَوَّلَ يَوْمٍ (٣) - وَإِنْ طَلَعَ لَهُ الفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ - فَلْيَدْخُلْ صَائِماً (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ (٥) لأنه بدخوله في أول النهار الحَضَرَ تزول مشقة السفر عنه، والرخصة في الفطر لمشقة الصّوم في السفر، فإذا زالت، وجب أن يصوم، هذا هو الاختيار. فإن أفطر لم يكن عليه غير القضاء؛ لأنَّهُ أفطر في السفر قبل أن يحضر. •••

стр. 168

[١١١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ طَلَعَ لَهُ الفَجْرُ وَهُوَ فِي أَرْضِهِ، فَلْيَخْرُجْ صَائِماً (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا كان حاضراً في بعض هذا اليوم صام فيه، فإذا خرج، اختير له تمامه؛ لغلبة حكم الحضر على السفر. فإن أفطر لم يكن عليه شيء؛ لأنَّهُ أفطر وله أن يفطر، كرسول الله صلى الله عليه، وإن كان الاختيار له غيره، كالقوي على الصّوم في السفر إذا أفطر فلا شيء عليه غير القضاء، وإن كان الاختيار له غيره. ••• [١١٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ دَخَلَ مِنْ سَفَرٍ وَهُوَ مُفْطِرٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُفَّ بَقِيَّةَ نَهَارِهِ عَنِ الطَّعَامِ، وَإِنْ وَافَى امْرَأَتَهُ حِينَ طَهُرَتْ، فَلَا بَأْسَ بِإِصَابَتِهَا. وَلَا تَكُفّ الطَّاهِرُ مِنَ الحَيْضَةِ فِي بَقِيَّةِ نَهَارِهَا عَنِ الطَّعَامِ فِي رَمَضَانَ (٢) (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ غير صائمٍ، فليس عليه أن يكفَّ عن الأكل؛ لأنَّهُ لا يستفيد بكفِّه عنه شيئاً؛ من قِبَل أنَّهُ أفطر وله أن يفطر، وكل من أفطر وله أن يفطر

стр. 169

لعذرٍ ما من مرضٍ أو سفرٍ أو حيضٍ، ثم زال ذلك العذر بعد أن أفطر، فليس عليه أن يكفَّ عن الأكل؛ لأنَّهُ أفطر وله أن يفطر. والدليل على صحَّة هذا: أنَّ الإنسان له أن يتزوَّج الأمة إذا لم يجد طولاً لحرةٍ وخَشِيَ العنت، فإذا تزوج أمَةً وهو بهذا الوصف، ثم وجد الطول لتزويج حرةٍ، لم يفسخ نكاح الأمة، وجاز له الثبوت عليها بعد زوال العذر كهو قبل زواله، فكذلك ما ذكرناه من المفطر بالعذر إذا زال، فليس عليه أن يكفَّ. فأمَّا من أفطر وليس له أن يفطر، فإنَّ عليه أن يكفَّ عن الأكل، وذلك مثل من أكل ناسياً، أو أكل وعنده أنَّ الشمس قد غربت ولم تغرب، أو أنَّ الفجر لم يطلع وقد طلع، فعليهم أن يكفوا عن الأكل؛ مِنْ قِبَلِ أنهم أكلوا ولم يجز لهم أن يأكلوا. مثال ذلك: أن يأكل الإنسان من شيءٍ يظن أنَّ له أن يأكل منه، ثم ينكشف له منع ذلك، فعليه أن يكفَّ، ولا خلاف في هذا، وإنَّما الخلاف في الأول، أعني: إذا زال العذر أنَّ عليه أن يكفَّ، وهو قول الثوري (١)، والأوزاعي (٢)، وأبي حنيفة (٣). ••• [١١٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصْبَحَ فِي سَفَرِهِ صَائِماً فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَعَمِّداً فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ، وَعَلَيْهِ القَضَاءُ لِذَلِكَ اليَوْمِ.

стр. 170

وَقَدْ قِيلَ: يَقْضِي وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ نَرَى ذَلِكَ وَاجِباً (١). • قد اختلف قول مالك في هذه المسألة، في وجوب الكفارة عليه: (فقال: «إنَّهُ عليه الكفارة مع القضاء» (٢). (وقد قال: «عليه القضاء بلا كفارة» (٣). فوجه قوله: «إنَّ عليه الكفارة»: هو أنَّ الصّوم في شهر رمضان فرضٌ على الحاضر والمسافر؛ لأنَّ الله سبحانه فرضه على المسلمين جميعاً، ثم أرخص لهم أن يفطروا مع العذر من سفرٍ أو مرضٍ وغيرهما، وإذا كان كذلك، ثم صام المسافر الصّوم الذي فرضه الله عليه وترك الفطر الذي هو رخصةٌ، لزمه تكميل هذا الصّوم مع القدرة عليه، فمتى أفطر من غير عذرٍ، لزمته الكفارة مع القضاء؛ لأنَّهُ قد أفطر يوماً من شهر رمضان عليه أن يصومه، ولا فرق بينه وبين الحاضر في ذلك. ووجه قوله: «أنْ لا كفارة عليه»: فلأنَّ المسافر لَمَّا جاز له ترك الصّوم الذي أفطر فيه مع القدرة على صيامه، ثم لا تكون عليه الكفارة كما تكون على الحاضر إذا ترك صومه رأساً أو أفطر فيه، كذلك المسافر إذا أفطره بعد الدخول

стр. 171

فيه، لا كفارة عليه كهي على الحاضر إذا أفطر من غير عذرٍ؛ لاختلافهما في هذا الوجه. وهذا القول كأنه أقوى والآخر أحوط، والله أعلم. ••• [١١٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَدِمَ مِصْراً وَهُوَ مُسَافِرٌ، فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المسافر يصير مقيماً متى نوى إقامة أربعة أيامٍ بلياليها، فأمَّا دون ذلك فهو مسافرٌ. والدليل على صحة ذلك؛ أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مُكْثُ المُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ». رواه أبو عاصم (٢)، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن محمد (٣)، عن حميد بن

стр. 172

عبد الرحمن (١)، عن السائب بن يزيد (٢)، عن العلاء بن الحضرمي، عن النبي صلى الله عليه (٣). فجعل النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ له المقام ثلاثاً، وجعله غير قاطنٍ بالثلاث، فإذا زاد على ذلك زماناً كاملاً وهو يومٌ وليلةٌ، صار مقيماً؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ لَمَّا منعه من إقامة أكثر من ثلاثٍ عُلِمَ أنَّ الأربع إقامة استقرارٍ. ومما يدل على ذلك، أنَّ النّبيّ ﷺ دخل مكة صبح أربعة من ذي الحجة، ثم خرج إلى منى، فكان يقصر، وكانت إقامته بمكة إلى خروجه إلى منى أقل من أربعة أيامٍ، فوجب أن يكون حكم المسافر متى أقام أقل من أربعة أيامٍ حكم سفرٍ، وإذا أقام أربعاً حكم حضرٍ، وقد ذكرت حدَّ الإقامة للمسافر في كتاب الصلاة، فأغنى عن إعادته. ••• [١١٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِماً فِي رَمَضَانَ وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ، ثُمَّ دَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ، وَقَدْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ رَمَضَانَ (٤).

стр. 173

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد أفطر يوماً من رمضان من غير عذرٍ وهو حاضرٌ، فوجبت عليه الكفارة ولم تسقط عنه للسفر الذي أحدثه بعد حصوله مفطراً؛ لأنَّ الكفارة قد لزمته لفطره في الحضر قبل أن يسافر. وكذلك قال مالكٌ في المرأة إذا أفطرت في شهر رمضان متعمدةً من غير عذرٍ، ثم حاضت بعد ذلك، فعليها الكفارة مع القضاء؛ لأنها قد أفطرت لغير عذرٍ، فلزمتها الكفارة، ولم يُسقط عنها الحيض ما لزمها من الكفارة. وكذلك قال مالكٌ في الرجل إذا أفطر متعمداً في رمضان، ثم مرض في ذلك اليوم، إنَّ عليه الكفارة؛ مِنْ قِبَلِ أنهم أفطروا وليس لهم أن يفطروا؛ لأنَّ أمرهم لا يخلو من أحد أمرين: (إما أن يكون الفطر محرماً عليهم قبل الحيض والمرض، فهم على أصل الصّوم، فمتى تركوه لغير عذرٍ، لزمتهم الكفارة ولا تسقط مما حدث بعد ذلك. (أو ليس عليهم أن يصوموا قبل الحيض والمرض إذا كان يوماً يُتوقع فيه الحيض أو المرض، فيجوز لهم أن يأكلوا قبل ذلك، وهذا لا يقوله أحدٌ من أهل العلم. فثبت بما قلنا وجوب الكفارة عليهم، ومنزلة ذلك، منزلة من وطئ أمةً يعلم أنها لغيره، ثم ملكها بعد الوطء، فعليه الحدُّ، وليس يَسْقُطُ الحد عنه وإن كان جاز له أن يطأها بعد ذلك.

стр. 174

وكذلك من أفطر من غير عذرٍ عامداً فعليه الكفارة، وليس تسقط عنه لما حدث من العذر. ••• [١١٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُفْطِرُ المُسَافِرُ إِلَّا فِي سَفَرٍ يَكُونُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلاً (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ سفر هذا المقدار هو سفر يومٍ وليلةٍ الذي منع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ المرأة أن تسافر بغير محرمٍ. فروى مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري (٢)، عن أبي هريرة، أنَّ النّبيّ ﷺ قال: «لَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ يَوْماً وَلَيْلَةً إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (٣)، ولم يمنع في أقل من ذلك، فكان هذا المقدار من السفر، أعني: يوماً وليلةً مخالفاً لأقله، فكذلك في القصر والفطر. ولأنه هو الزمان الذي تجمع فيه الخمس الصلوات ويصح الصّوم فيه؛ لأنَّ الصّوم يجمع الليل والنهار، يعم النهار ويدخل فيه مع بقيَّةٍ من الليل ويخرج منه في دخول الليل.

стр. 175

وقد رُوِّينَا عَنْ ابن عمر (١) وابن عباس (٢)، أنهما كانا يفطران ويقصران في هذا المقدار دون أقل منه، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة. ••• [١١٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَطَوَّعَ فِي سَفَرٍ، ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَعَمِّداً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بِالوَاجِبِ كَمَا هُوَ فِي الحَضَرِ. وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِماً مُتَطَوِّعاً، ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ، لَمْ أَرَ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ وَاجِباً (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لا قضاء عليه إذا أفطر في التّطوع في السفر وإن كان فطره لغير عذرٍ؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ صوم رمضان لَمَّا كان حكمه في السفر أخفَّ منه في الحضر، أعني: أنَّهُ يفطر في السفر متعمداً، ثم لا تكون عليه الكفارة وتكون عليه الكفارة في الحضر، كان صوم التّطوع الذي هو أخفُّ من صوم الفرض في السفر أخفَّ من صوم التّطوع في الحضر، فوجب أن لا يكون عليه القضاء وإن أفطر لغير عذرٍ.

стр. 176

هذه رواية ابن عبد الحكم عن مالك، وقال ابن القاسم في هذه المسألة عن مالك: «عليه القضاء» (١). ووجه قوله هذا: أنَّ هذا الصّوم قد لزمه إتمامه بدخوله فيه وإن لم يكن واجباً عليه الدخول، فمتى أفسده بعد الدخول، وجب عليه بدله، كالحج التّطوع إذا دخل فيه، ثم أفسده وجب عليه بدله. فكذلك إذا صام تطوعاً في حضرٍ، ثم سافر فأفطر، لم يكن عليه القضاء على رواية ابن عبد الحكم؛ للمعنى الذي قلناه: إنَّ له أن يفطر فيه في شهر رمضان، ثم لا كفارة عليه، لم (٢) يكن عليه القضاء في التّطوع، وعلى رواية ابن القاسم عن مالك: يجب أن يكون عليه القضاء. ••• [١١٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَطَوَّعَ فِي حَضَرٍ، ثُمَّ أَفْطَرَ عَامِداً فَعَلَيهِ القَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَرَضٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (٣). • قد ذكرنا الحجَّة في هذه المسألة ووجوب القضاء عليه إذا أفطر في صوم التّطوع بعد دخوله فيه من غير عذر (٤).

стр. 177

فأمَّا إذا أفطره من عذرٍ فلا قضاء عليه؛ مِنْ قِبَلِ أنَّهُ إنَّما ألزم نفسه الصّوم بشريطة قدرته على الإتيان به، فإذا منعه عذرٌ، لم يكن عليه بدله، وإذا خرج منه بغير عذرٍ، وجب عليه بدله. والدليل على صحَّة هذا: أنَّ الحجّ التّطوع إذا دخل فيه الإنسان لم يجز له أن يخرج منه، ثم إذا صده العدو حلَّ ولم يكن عليه القضاء، فلو جاز له أن يخرج من الصّوم والصلاة اللذين دخل فيهما؛ لأنَّهُ كان مخيراً في الأصل، لجاز له في الحجّ أن يخرج منه؛ لأنَّهُ مخيرٌ في الأصل بين أن يدخل أو لا يدخل، وجاز له في الهدي التّطوع أن يرجع فيه بعد أن قلَّده وأشعره؛ لأنَّهُ كان مخيراً قبل ذلك في أن يقلِّده أو لا. وقد ذكرنا من الأحاديث في وجوب القضاء على من أفطر في التّطوع من غير عذر فيما تقدَّم. ••• [١١٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالفِطْرُ فِي السَّفَرِ لِأَهْلِ البَحْرِ وَالبَرِّ سَوَاءٌ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ مِن قِبَلِ أنَّ السفر حكمه واحدٌ في البر والبحر؛ لمشقة السفر في كل ذلك وخروجه عن وطنه، فاستويا في القصر والفطر. •••

стр. 178

[١٢٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَدِمَ أَهْلَهُ بَعْدَ الفَجْرِ حِينَ حَرُمَ السُّحُورُ فَأَفْطَرَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ كان من أهل السفر قبل طلوع الفجر، فلو لم ينو الصّوم في ذلك الوقت لم يكن عليه شيءٌ، وإن كان قد ترك الاختيار، فكذلك إذا أفطر بعد طلوع الفجر وقد وفد على أهله. ••• [١٢١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَدِمَ مِنَ اللَّيْلِ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لَهُ فِيهِ رُخْصَةٌ فَأَفْطَرَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ من قِبَلِ أنَّهُ أفطر بعذرٍ، وهو ظنُّهُ أنَّ ذلك اليوم مما يجوز له أن يفطر فيه، فلا كفارة عليه، وهو بمنزلة من يأكل بعد طلوع الفجر أو قبل غروب الشمس في غيمٍ، ويظن أنَّ له أن يأكل، فعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ لأنَّهُ معذورٌ بالأكل ولم يتعمَّد الفطر بغير عذرٍ، والكفارة إنَّما تجب على من أفطر متعمداً في رمضان بغير عذرٍ. ••• [١٢٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُوَاصِلُ الصَّائِمُ مِنْ لَيْلٍ إِلَى لَيْلٍ، وَلَا مِنْ سَحَرٍ إِلَى سَحَرٍ (٣).

стр. 179

• إنَّمَا قال ذلك؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ الصّائم يفطر بدخول الليل، كما روي عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أنَّهُ قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (١). ولأنَّ الصّوم لا يصح بالليل، فلا معنى لترك الأكل فيه. وقد روى مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ نَهَى عَنِ الوِصَالِ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» (٢). وروى مالكٌ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالوِصَالَ»، الحديث … ، «قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» (٣). ••• [١٢٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ فِي أَيِّ سَاعَاتِ النَّهَارِ شَاءَ، مَا لَمْ يَكُنْ أَخْضَرَ (٤).

стр. 180

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ السواك مندوبٌ إليه في كل وقتٍ، مستحبٌ فعله، فلا بأس أن يستاك الصّائم أي وقتٍ أراد من النهار، وقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (١). وقد روى أبو إسماعيل المؤدب (٢)، عن المجالد (٣)، عن الشعبي (٤)، عن مسروقٍ، عن عائشة، ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» (٥). وقوله: «ما لم يكن أخضر»، يعني بذلك: العود الأخضر، وهو الرّطب؛ لأنَّ له طعماً يؤدِّي إلى جوفه، وذلك مكروهٌ. •••
следующие страницы →