عليه ردُّه وإن كان قد شاركه غيره في أخذه، كما يجب عليه القود وإن شاركه غيره في القتل، وتجب عليه الكفّارة والجزاء وإن شاركه غيره في القتل.
والقياس أن لا يكون عليه إلّا غرم ما أخذه دون ما أخذه أصحابه؛ لأنَّ كلّ واحدٍ عليه غُرْمُ ما أخذه، ولا يشبه ذلك القتل ولا الكفّارة؛ لأنَّ القتل ليس يقع فيه تبعيضٌ فيُجْعَلُ على كلّ واحدٍ بقدره، والكفارة والجزاء فإنما جعل ذلك تغليظاً؛ لأنّها حقوق الله ، فأمّا حقوق الآدميين فبخلاف ذلك.
ألا ترى: أنَّ جماعةً لو أتلفوا مال انسانٍ، لكن على كلّ واحدٍ بقدر ما أتلف دون ما أتلف صاحبه، وليس كذلك القتل والكفارة.
•••
[١٣١٤] قال: ومن خانه رجلٌ مالاً وجحده، ثمّ قَدِرَ له على مثل ذلك فأراد أن يغصبه، فلا نأمره بذلك (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإنسان لا يجوز له أن يأخذ حقه بيده ممن وجب له عليه؛ لأنَّ ذلك كالحكم له، ولا يجوز له أن يحكم لنفسه.
وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» (٢).
стр. 1192
وقد قال مالك: «إنَّ له أن يأخذ بقدر حقه، إذا كان عليه دَينٌ لغيره مما يصيبه في المحاصَّة، لا يزيد على ذلك» (١).
ووجه هذا القول: هو أنَّ الإنسان له أخذ حق نفسه؛ لأنَّ ذلك فِعْلُ ما يجوز له فعله، فلو قدر على أخذ حق غيره من ظالمٍ لوجب ذلك عليه؛ لأنَّ ذلك فعل خيرٍ ومعونةٌ عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقال النبيُّ ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمَاً أَوْ مَظْلُوماً، قِيلَ: كَيْفَ يَنْصُرُهُ ظَالِمَاً، قَالَ: بِمَنْعِهِ مِنَ الظُّلْمِ» (٢)، وقد قال النبيُّ ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (٣)، فأباحها النبيُّ صلى الله عليه أخذ حقها وحق ولدها بالمعروف من غير علم أبي سفيان ولا إذنه لها في ذلك، فوجب أن يجوز لكل ذي حقٍّ أن يأخذ حقه ممن منعه منه إذا قدر عليه بنفسه وغيره، والله أعلم.
•••
[١٣١٥] مسألة: قال: ومن زرع أرضاً بشبهةٍ، فعليه كراؤها - يعني: ولا يُقْطَع زرعه -، استحقها صاحبها في وقت الزرع أو غير وقته (٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ من زرع بشبهةٍ فليس هو متعدِّياً بالزرع كالغاصب الذي هو متعدٍّ بالزرع، فوجب أن تكون لزرعه حرمةٌ، لا يجوز أن يقلع حتى يبلغ،
стр. 1193
كما وجب أن يكون للواطئ بالشبهة لولده الذي هو زرعه حرمةٌ لا يجوز إسقاطها، كما يكون ذلك في الزّنا.
فكان الزارع بالشبهة في أنّه مثل الزارع في ملكه، أنَّ ذلك لا يُقْلع حتى يبلغ، كما كان الواطئ بشبهة ملكٍ أو نكاحٍ كالواطئ بنكاحٍ أو ملكٍ صحيحٍ في أنَّ لولده حرمةً.
وكان الغاصب في الزرع في أن لا حرمة له، كالواطئ زناً أن لا حرمة لزرعه الذي هو الولد، فوجب قلع زرعه إن أحب ذلك صاحب الأرض.
•••
стр. 1194
باب البضائع
[١٣١٦] قال: ومن أرسل رسولاً يشتري له سلعةً أو يستسلف له شيئاً، ففعل، ثمّ تلف من الرسول، فهو على المُرْسِل، فإن جحد ضمن الرسول (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ يد الرسول يد المُرْسِل؛ لأنَّ المُرْسِل قد ائتمنه، فإذا تلف الشّيء منه فهو على المُرْسِل، وعليه رد مثله، إلى صاحبه الذي استسلف منه، وعليه تَلَفُ ما اشتراه الرسول له.
فإن جحد المُرْسِلُ أن يكون أرسل المُرْسَلَ، ضمن الرسول ما قبضه؛ لأنّه إنّما قبضه لنفسه، ولم يثبت له قبضه لغيره فيكون ذلك على غيره.
•••
[١٣١٧] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ بدينارٍ، وأبضع معه آخر باثنين، فهلك أحد الثلاثة، لا يُدْرَى لمن هو، فهما شريكان في المصيبة، على كلّ واحدٍ منهما بقدر نصيبه (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أصحاب الدنانير قد صاروا شركاء بملك المال، فإذا تلف منه شيءٌ كان عليهم من التلف بقدر ما لكل واحدٍ منهم.
стр. 1195
وقد قيل في هذه المسألة: «إنَّ تلف الدينار يكون من صاحبي المال» (١)؛ لأنَّ صاحب الاثنين قد عَلِمَ أنَّ أحد الدينارين الباقي له، ويحتمل أن يكون الذي سلم منه أو من صاحب الدينار، فوجب أن تكون المصيبة منهما نصفين، وكلّ قولٍ محتملٌ، وهذا قول ابن القاسم.
•••
[١٣١٨] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ في شيءٍ، فاشترى له غيره، فهو بالخيار: إن شاء أخذه، وإن شاء ضمَّنَهُ (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب المال مُتَعَدَّىً عليه، فوجب أن يكون بالخيار، كالمجني عليه وولي المقتول أنّه بالخيار، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية إذا بُذلت له، فكذلك ربُّ المال المبضِعِ، هو بالخيار بين أن يجيز فعله، ويكون على ما دخلا عليه إن كان ذلك على وجه المضاربة أو غيرها، وإن شاء ضمَّنَه المالَ، الخيار في ذلك لرب المال؛ لأنّه إنّما طلب الفضل بدفعه إليه، فلو لم يكن له الخيار لتَعَدَّى كلّ من دُفِعَ إليه مالٌ لِطَلَبِ الفَضْلِ ليكون له الفضل بمخالفة ربّ المال، فكان يكون في ذلك ضررٌ على أرباب الأموال، فكان لهم الخيار لهذه العلَّة.
وقد أعطى النبيُّ ﷺ عروة البارقي ديناراً ليشتري له كبشاً، فاشترى له كبشين بدينارٍ، ثمّ باع أحدهما بدينارٍ، وجاء بكبشٍ ودينارٍ إلى النبيِّ ﷺ ، فأخذ
стр. 1196
النبيُّ صلى الله عليه الكبش والدينار، وبارك له في صفقة يده، وأجاز فعل عروة (١)، ولو شاء صلى الله عليه، لضمَّنَه الدينار؛ لأنّه خالف ما أُمِرَ به.
فلهذا قال مالكٌ: «إنَّ أرباب الأموال بالخيار على من يُخالف عليهم، بين تضمينهم، أو إجازة فعلهم إذا طلبوا الفضل».
فأمّا إذا كان لحفظها فلهم مثل أموالهم، والربح لمن تعدَّى بترك الحفظ؛ إذ لا غرض لأرباب الأموال غير حفظها، فوجب لهم مثلها دون الفضل الذي حصل للمتعدِّي، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم.
وقد رَوَى مسددٌ، حدثنا سفيان، عن شبيب بن غرقدة (٢)، قال: حدثنا الحي (٣)، عن عروة، يعني: ابن الجعد البارقي، قال: «أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ دِينَارَاً يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَّةً أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدَهُمَا بِدِينَارٍ وأَتَى بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ، فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَاباً لَرَبِحَ فِيهِ» (٤).
ورَوَى محمد بن الصبَّاح (٥)،
стр. 1197
حدثنا أبو المنذر (١)، حدثنا سعيد بن زيد (٢)، حدثنا الزبير بن الحارث (٣)، عن أبي لبيدٍ (٤)، قال: حدثني عروة البارقي بهذا الحديث (٥)، ولفظه مختلف.
•••
[١٣١٩] قال: وإن اشترى له ما أمره بأكثر مما أمره به، ولم يُعْلِمه حين دفع إليه، ثمّ طلب ذلك (٦)، فذلك له ما لم تتغير بزيادةٍ أو نقصانٍ، ويحلف الطالب، ويُخَيَّرُ الذي هي عنده.
وإن دخلها فوتٌ، فلا شيء عليه.
وإن علم الزيادة، كان بالخيار: إن شاء قبل، وإن شاء ردَّ (٧).
• إنّما قال: «إنَّ له الزيادة التي زاد ما لم تتغير السلعة بزيادةٍ أو نقصانٍ أو
стр. 1198
حملٍ إن كانت جاريةً»؛ لأنَّ المأمور يقول للآمر: إمّا رضيتَ بما زِدْتُ من الثمنِ ودفعتَ إلي ذلك، أو رددتُ ما اشتريتُ لك وأخذتُ المال ولا مردَّ عليك في ذلك، فيكون القول قول المأمور.
فأمّا إذا فاتت السلعة بزيادةٍ أو نقصانٍ أو حملٍ إن كانت جاريةً، فقد فرط المأمور حيث لم يُعَرِّف ذلك الآمِرَ حتى فاتت السلعة، وكان متعدِّياً بذلك، ولم يكن له شيءٌ؛ لأنّه ضيع ماله ولم يضيعه غيره عليه.
فإن أعلم الآمر بالزيادة وقَبِلَ ما اشتراه له على ذلك، وجبت عليه الزيادة، فإن شاء رضي بها، وإن شاء ردَّ السلعة ما لم تَفُتْ أو تتغيَّر بعد علمه بالزيادة، فلا يكون له ردُّها.
•••
[١٣٢٠] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ بذهبٍ يبتاع بها سلعةً، فزعم أَنَّهَا قد هلكت أو هلكت السلعة، فقوله فيها جائزٌ، فإن اتُّهِمَ حلف بالله : «ما خان» (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المبْضَعَ معه مؤتمنٌ، فالقول قوله في تلف ما ابتاعه، وكذلك في تلف المال قبل أن يبتاعه، مع يمينه؛ لأنّه مؤتمنٌ، بمنزلة المودَعِ.
وكذلك كلّ من كان في يده شيءٌ على وجه الأمانة، فالقول قوله مع يمينه فيما يذكر من تلفه.
стр. 1199
وكل من كان في يده شيءٌ على وجه التعدِّي، فعليه غُرْمُ ما تلف في يده بفعله وغير فعله، وذلك كالغاصب.
وكذلك كلّ من قبض الشّيء لمنفعة نفسه، كالمستعير والمرتهن، فهو ضامنٌ إذا ذكر أنّه قد تلف في يده، إلّا أن يأتي ببيِّنةٍ على تلفه، فلا يكون عليه ضمانٌ، وقد ذكرناه فيما تقدَّم.
•••
[١٣٢١] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ بذهبٍ ليدفعها إلى رجلٍ، فأنكر الرجل، فعلى المبضَعِ معه البيِّنة، فإن قال: «رددتها إلى صاحبها» فهو مصدَّقٌ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المأمور بالدفع كان قادراً على أن يُشْهِد على المدفوع إليه ويتوثق للآمر، فمتى لم يفعل ذلك، فقد ضيَّع على الآمر وفرَّط فيما صنع.
ويجوز أن يكون أيضاً لم يدفع إليه، فلم يقبل قوله إلّا ببيِّنةٍ، وقد قال الله : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦]، فأَمَرَ من في يده المال على وجه الأمانة أن يُشْهِد على من يدفع إليه؛ ليكون ذلك حُجَّةً له في الدفع متى ما أنكر المدفوع إليه، فكذلك ما ذكرناه من المبضع معه.
стр. 1200
فأمّا إذا قال: «قد رددته إلى صاحبه»، قُبِلَ قوله مع يمينه؛ لأنّه قد ائتمنه فيما بينه وبينه، ولم يأتمنه في الدفع إلى غيره بغير بيِّنةٍ.
•••
[١٣٢٢] مسألة: قال: وكذلك لو بعث معه نفقةً لأهله، إلّا أن يكون دفع ذلك إليه، أعني: المأمور بالدفع إليه للمساكين وما أشبههم، فيكون في ذلك مُصَدَّقاً (١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه من قَبْلُ: أنَّ المدفوع إليه إذا كان بعينه، لم يبرأ المأمور بالدفع إلّا ببينةٍ؛ لأنّه يقدر على الإشهاد عليه.
ولأنَّ المدفوع إليه قائمٌ بعينه، مستحقٌّ له.
وسواءٌ كان ذلك نفقةً لأهله، أو دَيناً عليه لأجنبي، أو صلةً له، أو ما أشبه ذلك؛ لقدرة المأمور على الشّهادة عليه.
فأمّا إذا كان ذلك للمساكين، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنهم لا يُعرفون بأعيانهم فيقبل قولهم إذا قالوا: لم نقبض شيئاً؛ لجواز أن يكون غيرهم قد قبض ذلك ودفع إليه.
ولأنَّ الشّهادة عليهم تكثر وتضيق إذا كانوا بغير أعيانهم.
وقد حكي عن مالكٍ أنّه قال: «إذا كان المال الذي أمر بالدفع صلةً للمدفوع إليه أو هبةً، فلا شيء على المأمور وإن لم يُشْهد؛ لأنّه لم يُتلف عليه
стр. 1201
مالاً، وإن كان دَيناً، فعليه ضمانه؛ لأنَّه قد أتلفه عليه؛ لأنَّ صاحب الدَّين يرجع على الآمر بالدفع بالدَّين الذي له» (١).
والقول الأول كأنه أصح، والله أعلم.
•••
[١٣٢٣] مسألة: قال: ومن أُبْضِعَ معه ببضاعةٍ من مكة إلى مصر، فعرضت له إقامةٌ بالمدينة، فلا بأس أن يبعث بها مع ثقةٍ إلى صاحبها يعجلها إليه (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثقة يقوم مقام المدفوع إليه الأول، وقد أذن له أن يسافر بها، فجاز أن يدفعها إلى ثقةٍ مثله يسافر بها؛ لأنَّ إقامة الأول عذرٌ يُجَوِّزُ له دفع ذلك إلى غيره ليدفعها إلى أهلها (٣).
•••
[١٣٢٤] مسألة: قال: ومن أبضع مع رجلٍ ببضاعةٍ على أنّه إن احتاج إليها أنفقها، فلا يجوز ذلك.
فإن اشترى بها سلعةً فربح، فالربح له في القضاء، فأمّا في الحلِّ فإنَّ فيه (٤).
стр. 1202
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أخذ البضاعة إنّما هو على وجه المعروف من الآخذ إلى صاحب المال.
فإذا أخذها على أنّه إن احتاج إليها أنفقها، دخل ذلك قرضٌ يجر منفعةً؛ لأنّه إنّما أقرضه إن احتاج إليها لما أبضع معه، فكُرِهَ ذلك لهذه العلة.
فإن ربح فالربح للمُبْضَعِ معه؛ لأنّه لمّا استقرض المال ضمنه، فكان ربحه له.
•••
[١٣٢٥] مسألة: قال: ومن أرسل إلى رجلٍ يشتري له ثوباً فاشتراه، فقال الرسول: «أذهب به فأريه؟»، فيقول البائع: «نعم»، فينطلق به فيضيع، فضمانه على الذي أرسله (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرسول لمّا اشترى الثوب فقد صار ملكه للمُرْسِلِ، فإذا تلف فمن ماله تلف؛ لأنّه قبضه على وجه البيع لا على وجه الأمانة، والرسول مؤتمنٌ؛ لأنَّ يده يد المُرْسِلِ.
•••
[١٣٢٦] مسألة: قال: ومن دفع إلى رجلٍ بضاعةً ليشتري بها بَزَّاً من الإسكندرية، فيقدم الرّجل فيسأله عن بضاعته، فيقول: «قد رددتها إليك»، فإنّه يحلف ويبرأ (٢).
стр. 1203
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المبْضَعَ معه مؤتمنٌ، والقول قوله في ردِّها إليه مع يمينه.
وكذلك القول قوله مع يمينه إذا قال: تلفت منه، وهو كالمُودَعِ سواءٌ؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما مؤتمنٌ.
•••
[١٣٢٧] مسألة: قال: ومن أبضع معه رجلٌ ببضاعةٍ إلى رجلٍ أو صلةٍ، فيموت الرسول، ويُسْأَلُ الذي بُعِثَ إليه، فيجحد أنْ يكون دُفِعَ إليه شيءٌ، فيحلفُ ورثته - إن كان منهم (١) -: «بالله ما نعلم لها مخرجاً ولا عندنا بها علمٌ».
ولو قال الرسول قبل أن يموت: «بعث بها معي»، كان كذلك (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لجواز أن يكون قد دَفَعَ ذلك إلى المبعوث إليه قبل موته، فلم يكن على ورثته شيءٌ غير يمينهم بالله ما يعلمون أَنَّهَا في ماله.
•••
[١٣٢٨] مسألة: قال: ولو هلك الرسول قبل أن يبلغ البلد، ضمن (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا مات الرسول قبل أن يبلغ البلد الذي فيه المأمور
стр. 1204
بالدفع إليه، عُلِمَ في الأغلب أنّه لم يَدْفَع ذلك إليه، وأنها في ماله، فوجب أن يؤخذ ذلك من ماله.
•••
[١٣٢٩] مسألة: قال: ومن أبضع معه قومٌ في رقيقٍ، فخلط أموالهم، ثمّ اشترى رقيقاً مختلطةً، ليس لكل واحدٍ رأسٌ بعينه، ثمّ أعطى كلّ رجلٍ منهم رأساً بقدر بضاعته، وأعطى رجلاً منهم جارية مريضةً مرتفعةً ابتاعها وهي مريضةٌ، فهلكت، ثمّ اعترف (١)، فهو ضامنٌ.
وإن لم يقر، فلا ضمان عليه أن يشتري مريضاً لمن أبضع معه، إذا لم يكن مرضاً مَخُوفَاً ومثله يُجْتَرَأُ عليه، ولا يرجع المبضع معه على الآخرين، وإنما الضمان عليه (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المبضع معه بخلطه المال غير متعدٍّ إذا كان المال شيئاً واحداً؛ لأنّه لا فضل لمالٍ على مالٍ، ومنفعته واحدةٌ، وبغية النّاس فيه سواءٌ، فإذا اشترى الرقيق، ثمّ فرقه عليهم، جاز فعله إذا دفع إلى كلّ واحدٍ منهم بقدر ماله.
فأمّا المريضة، فإن كان مرضاً مَخُوفَاً، فهو متعدٍّ بالشراء، فعليه ضمان
стр. 1205
ذلك؛ لأنّه فعل ما ليس له أن يفعل، وإذا كان مرضاً غير مخوفٍ ومثله فرصةً عند التجار، فلا شيء عليه؛ لأنّه فعل ما له أن يفعل.
وتلف الجارية ممن دفعها إليه، ولا يرجع على غيره ممن اشترى لهم، ولا على المبضع معه؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم غير جانٍ ولا متعدٍّ، بل أخذ ما له أَخْذُهُ.
•••
[١٣٣٠] مسألة: قال: وإذا بعث قومٌ معه ببضائع في قمحٍ، فجمع بضائعهم فاشترى لهم صفقةً (١)، فلا ضمان عليه (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ خلطه مالهم جائزٌ، إذ لا فضل لمال أحدهم على الآخر، وليس فيه اختلافٌ بعينه، فكان غير متعدٍّ بما فعله، ولا ضمان عليه إذا دفع إلى كلّ واحدٍ ما خصه مما اشترى له بماله.
•••
[١٣٣١] مسألة: قال: ومن أُبْضِعَ معه بثلاثين في جاريةٍ على صفةٍ، فاشتراها بعشرين على ما وُصِف، فهي لازمةٌ للمُبْضِعِ وقد أحسَنَ.
فإن زاد على ثمنها الدينار والدينارين، فذلك لازمٌ.
وإن كان كثيراً، فإنّه يُخَيَّر، فإن أحب أن يأخذ السلعة ويعطيه ما زاد، فذلك له، وإن أبى، غرم الذي أُبْضِعَ مَعَهُ ذهبه (٣).
стр. 1206
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا اشتراها على الصفة بأقل من الثمن الذي سماه له فقد أحسن في ذلك، وعليه قبولها؛ لأنَّ امتناعه من قبولها سفهٌ منه.
فأمّا إذا زاد زيادةً يسيرةً فكذلك؛ لأنّه لا بد من زيادةٍ يسيرةٍ أو نقصانٍ يسيرٍ على الثمن المسمى، ليس يخلو من ذلك النّاس في الأغلب.
فأمّا إذا كانت زيادةً كبيرةً، لم يلزم الآمر قبولها؛ لأنّه يقول: إنّما كان عرض شرائها بثمنٍ ما، فإذا زادت عليه زيادةً بيِّنةً لم أبلغها ولا تسمح نفسي بها، فيكون ذلك له إن شاء.
•••
[١٣٣٢] مسألة: قال: ومن أُبْضِعَ معه ببضاعةٍ في سلعةٍ، فاشترى غيرها فربح، ثمّ اشترى أخرى فوضع، فالربح لصاحبها، والضمان على من افتات (١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ ربّ المال مخيرٌ بين أن يُضَمِّنَ المتعدِّي عليه في ماله إذا خالف ما أمره به من طلب الفضل له، وبين تركه على ما كان عليه، وبين ضمانه المال.
وله الربح فيما اشترى في السلعة الأولى، وعليه ضمان ما اشترى من السلعة الثانية التي خسر فيها؛ لأنّه تعدَّى فيهما جميعاً، فالربح لصاحبه، والضمان عليه بالتعدِّي.
•••
стр. 1207
[١٣٣٣] مسألة: قال: ومن أُبْضِع معه بسلعةٍ، وقيل: «بِع برأيك»، فباع بما لا يُعْرَف، ضَمِنَ، فإن باع بما يعرف، جاز (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا باع بما لا يعرف من الثمن، فقد تعدَّى بالمحاباة، فضمن ذلك لربِّ المال، وإذا باع بما يعرف ولم يحابِ، فلا شيء عليه.
•••
[١٣٣٤] مسألة: قال: ومن أُبْضِعَ معه في ثوبٍ، فاشتراه، ثمّ قال لصاحبه: «أذْهَبُ فأريه»، فأذن له، فسُرِقَ، فضمانه على الذي أرسله (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثوب قد ملكه المُرْسِلُ بشراء الرسول إياه، فتلفه منه على ما ذكرناه.
•••
[١٣٣٥] قال: ومن أُبْضِعَ معه بسلعةٍ يُبَلِّغُهَا، فباعها، فصاحبها بالخيار:
(بينها وبين الثمن الذي بيعت به.
(أو قيمتها يوم بيعت ممن باعها إذا كانت عرضاً.
فأمّا الذهب والورق، فله ذهبه أو مثله، كيله أو وزنه (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب السلعة متعدَّى عليه في ماله، فله أخذ سلعته
стр. 1208
إن شاء، أو أخذ ثمنها الذي بيعت به، أو أخذ قيمتها إن كانت قد تلفت ممن أتلفها، إن كانت عرضاً أو حيواناً.
فأمّا إذا كانت مما يكال أو يوزن، مثل الذهب والورق وغيره من المكيل والموزون، فليأخذ ذلك ممن أتلفه، كما لو تعدَّى عليه إنسانٌ فيما في يده فأتلفه، فعليه مثله في الخلقة أو القيمة على ما بيَّنَّاه.
•••
[١٣٣٦] مسألة: قال: ومن سافر برقيقٍ لنفسه وبضاعةٍ لقومٍ، فأنفق على نفسه، فلا يأخذ من البضاعة شيئاً (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أخذه البضاعة هو على وجه المعروف والحسبة، فليس له أن يأخذ لها نفقةً؛ لأنَّ الصدقة لا يجوز له أخذ عوضها، وقد قال رسول الله ﷺ ، فيما رواه محمد بن المنكدر، عن جابر عنه: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» (٢).
•••
[١٣٣٧] مسألة: قال: ومن بُعِثَت معه ببضاعةٍ لرجلٍ يدفعها إليه، فأخذها على أن لا يُشْهِدَ (٣) ويكون القول قوله، ثمّ يُسْأَلُ عن ذلك الذي بُعِثتَ إليه، فيقول: «لم أقبض»، فإن كان للمبعوث معه بينةٌ نفعه ذلك (٤).
стр. 1209
• يعني: تكون للمبعوث معه بينةٌ أنّه شَرَطَ على الدافع إليه: أن لا يُشْهد على المدفوع إليه، فيكون الأمر على ما دخلا عليه، وشرطه على الدافع، ولا يكون على المدفوع إليه الضمان إذا دفع إلى المأمور بالدفع إليه بغير بينةٍ، لأنَّ الآمر له قد رضي بذلك، فلم يفرِّط ولم يضيِّع عليه شيئاً.
فأمّا إذا لم تكن له بينةٌ على ما يدعيه من ذلك، لم يقبل قوله، وكان عليه غرم المال للآمر متى لم يُشْهِد عند الدفع؛ لأنّه قد فرط بترك الإشهاد.
•••
[١٣٣٨] مسألة: قال: ومن دُفِعَ إليه ذهبٌ وأُشْهِدَ عليه ليدفعها، ثمّ يُسْأل عنها، فقال: «إن كُنْتَ دَفَعْتَ إلي شيئاً فقد ضاع»، فليس عليه إلّا يمينه (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المأمور بالدفع هو مؤتمنٌ على ما دُفِع إليه من المال، فالقول في تلفه قوله مع يمينه لو صحَّ دَفْعُ المال، إليه وهو بمنزلة المودَعِ في ذلك.
•••
[١٣٣٩] مسألة: قال: ومن أُبْضِعَ معه ببضاعةٍ، فأراد أن يحسب على صاحبها من النفقة كما يحسب على نفسه، فإن كان كثيراً، فذلك له (٢).
стр. 1210
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البضاعة إذا كثرت خرج أمرها عن حدِّ المعروف؛ لشدة تشاغل المبضَعِ معه بها وقيامه عليها، فكانت له النفقة فيها بقدرها.
فأمّا إذا قلَّت فأَخَذَهَا على وجه المعروف فلا نفقة له.
•••
[١٣٤٠] قال: وقد قيل: إنه ليس على البضائع نفقةٌ إلّا أن يُبَيِّنَ (١).
• ووجه هذا القول هو ما ذكرناه، أنَّ أخذ البضاعة هو على وجه المعروف والحسبة، فليس له عوضٌ على ما أخذه على هذا الوجه إلّا أن يُبَيِّنَ عند الأخذ ذلك، فتكون له النفقة؛ لأنَّه قد بيَّنَ في وقت الأخذ أنّه لم يأخذها على وجه المعروف بغير نفقةٍ.
•••
[١٣٤١] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ دينارٌ، فيقول له: «معي ذهبٌ لا أعرف وزنها، وهذه ثلاثةٌ فاذهب فاستوفِ دينارك»، فيضيع، فمصيبة ديناره منه، وهو في الباقين أمين (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ قبضه للدينار هو على وجه القضاء، فكانت مصيبته منه، وما زاد عليه فهو أمين فيه، فليس عليه ضمانٌ.
•••
стр. 1211
[١٣٤٢] مسألة: قال: وإن اشترى لرجلٍ ثوباً بأمره، فدفع إليه ثمنه فسقط منه، غَرِمَ الذي أمره ولا يغرم الرسول (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ شراء الثوب هو للآمر وملكه له، فعليه دفع ثمنه إلى البائع.
وما تلف من الثمن في يد الرسول فهو من الآمر؛ لأنَّ يد الرسول يد المُرْسِلِ؛ إذ هو أمينه.
وعليه أن يدفع الثمن إلى بائع الثوب؛ لأنَّ ذلك قد لزمه، ولا ينفسخ البيع بتلف الثمن الذي كان مع الرسول.
•••
[١٣٤٣] مسألة: قال: ومن أُمِرَ ببيع بضاعةٍ، فباع، ثمّ وضع عن المشتري، فأنكر ربها، فليس له أن يضع من ذلك شيئاً إلّا أن يَعْلَمَ أنَّ ذلك رأي صاحبها (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ثمن البضاعة هو ملك للمُبْضِعِ، أعني: صاحب البضاعة، فلا يجوز للمأمور بالبيع أن يضع منه شيئاً بغير أمره؛ لأنّه إنّما يترك حقَّ غيره، وليس ذلك له.
•••
стр. 1212
باب القضاء في الرباع
[١٣٤٤] قال: ومن كانت في يده دارٌ سنين، هو وأبوه من قبله، ثمّ جاء رجلٌ فأقام البيِّنَة أَنَّهَا لجده (١)، وينكر الذي هي في يده ويقول: «هي بيدي وبيد أبي من قبلي (٢)»، فيَحْلِفُ على ذلك: «أنّه ما يعلم للطالب فيها حقاً»، ويذكر من أين صارت له، كان الطالب غائباً أو حاضراً (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النّاس في الأغلب لا يَدَعُون دورهم وأملاكهم في يد غيرهم يتصرفون فيها تصرُّف المُلَّاكِ بالبناء والهدم والإجارة، ثمّ لا يَدَّعُون ذلك ولا يعارضونهم فيها.
وإذا كان ذلك على ما وصفنا في الأغلب والعرف من الناس، ثمّ ادَّعى مُدَّعٍ خلاف نقد الناس، وخلاف سيرهم وحمولتهم في الموضع الذي تعاقدا فيه البيع والإجارة؛ لأنَّ (٤) ذلك يضعِّف دعواه ويتَّهم فيه، فكذلك ما ذكرناه في أمر الدّار
стр. 1213
إذا ادَّعى خلاف ما يعرفه الناس، لم تقبل دعواه واتُّهِمَ في ذلك، وكذلك تُتَّهَمُ بيِّنته فلا تُقبل.
وهذا إذا كان المُدَّعِي حاضراً في البلد الذي به الدار، غير غائبٍ عنه، فأمّا إذا كان غائباً، ثمّ قدِم:
(فإن كانت للذي في يده الدّار بَيِّنَةٌ أنَّ الدّار التي في يده صارت إليه من جهة المدَّعِي أو أبيه أو جده، فكان أولى بالدار؛ لقوة سببه بقيام البيِّنَة له أَنَّهَا له على السماع، مع كونها في يده، فكان أولى من بَيِّنَة الخارج بغير يدٍ؛ لأنَّ بَيِّنَة الخارج بإزائها بَيِّنَةٌ تخبر عن خروجها من ملك المُدَّعي أو من يدَّعي بسببه.
(فأمّا إذا لم تكن للذي في يده الدّار بَيِّنَةٌ على ما ذكره، فالمدَّعي لها أولى إذا أقام البيِّنَة أَنَّهَا له أو لأبيه أو لجده؛ من قِبَل أنَّ البيِّنَة أولى من اليد المفردة التي لا بَيِّنَة معها.
فهذا ما حكاه ابن القاسم عن مالك (١)، وكذلك سائر أصحابه.
وحكى ابن عبد الحكم في هذا الكتاب في الحاضر مثل ذلك.
فأمّا إذا لم تكن للذي في يده الدّار بَيِّنَةُ السماع على ما ذكر: أَنَّهَا صارت إليه من قِبَلِ أبِي المدَّعي أوجده الذي ذكر المدعي أَنَّهَا صارت إليه من أجله، فإن الدّار يحكم بها للذي كان غائباً إذا أقام البيِّنَة؛ لأنَّ البيِّنَة المفردة أولى من اليد المفردة بغير بيِّنةٍ، وقد قال النبيُّ ﷺ : «البيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وِاليِمِينُ عَلَى
стр. 1214
المُدَّعَى عَلَيْهِ» (١)، فإذا ذكر الغائب البيِّنَة، حُكِمَ له بها إذا لم تكن للحاضر بَيِّنَةٌ مع يده.
فأمّا إذا كانت له بَيِّنَة السماع مع يده القديمة وطول حيازته، كانت بيِّنته مع طول حيازته أولى.
فأمّا المُدَّعِي الحاضر إذا أقام البيِّنَة، لم يُسْمَع منه مع طول حيازة المُدَّعَى عليه، وسواءٌ كانت له بَيِّنَة السماع مع طول حيازته أم لا؛ لضعف دعوى المدَّعِي الحاضر، وقوة سبب المُدَّعَى عليه الحائز للدار المدة الطويلة، لا يعارضه فيها الحاضر ولا يذكرها ولا ينسبها إليه على ما ذكرناه.
وقد رَوَى ابن وهب، قال: أخبرني عبد الجبار بن عمر (٢)، عن ربيعة، عن ابن المسيب، يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه أنّه قال: «مَنْ حَازَ شَيْئَاً عَشْرَ سِنِينَ، فَهُوَ بِالخِيَارِ» (٣).
стр. 1215
قال عبد الجبار، وحدثني عبد العزيز بن المطلب (١)، عن زيد بن أسلم عن النبيِّ ﷺ مثله (٢).
قال ابن وهبٍ، وحدثني عبد الجبار عن ربيعة أنّه قال: «إذَا كَانَ الرَّجُلُ حَاضِراً وَمَالُهُ فِي يَدَيْ غَيْرِهِ، وَمَضَتْ عَشْرُ سِنِينَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، كَانَ المَالُ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ لِحِيَازَتِهِ عَشْرَ سِنِينَ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَاهُ، أَوْ أَسْكَنَ، أَوْ أَعَارَ عَارِيَّةً، أَوْ صَنَعَ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَإِلّا فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ»، وقَالَ رَبِيعَةُ: «وَلَا حِيَازَةَ عَلَى غَائِبٍ» (٣).
قال ابن وهبٍ: وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ ذَلِكَ، إِلا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلْحَاضِرِ فِي الحِيَازَةِ وَقْتَاً (٤).
•••
[١٣٤٥] مسألة: قال: ومن كان لهم فناءٌ يرمون فيه، ثمّ غابوا فاتُّخِذَ مقبرةً، ثمّ جاؤوا فقالوا: «نسوي المقابر ونرمي على حال ما كنا نرمي»، فذلك لهم في كلّ قديمٍ، وأمّا كلُّ جديدٍ فلا نحب لهم درسَ ذلك (٥).
стр. 1216
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الفناء حقٌّ لهم وملكٌ، فإذا غُصِبوا عليه فلهم أن يأخذوه ويردُّوهُ إلى ما كان عليه، وسواءٌ جُعِل ذلك مقبرةً أو غيرها؛ لأنَّ حق الإنسان وملكه لا يزول بالتعدِّي عليه.
وكَرِه ذلك في المقبرة الجديدة؛ لقرب عهد الدفن، وتأذِّي أهل الميت بدرس القبور؛ ولأنَّ حرمتهم مع بقائهم أعظم منها إذا كانوا تراباً واندرسوا.
•••
[١٣٤٦] مسألة: قال: ومن قدِم من الأندلس أو إفريقية، فيجد داره قد حازها رجلٌ وبناها، فيقيم البيِّنَة على أصلها، فإن كان الذي فيها قد سُمِعَ أنّه اشتراها، وإن لم يُقِم على أصل البيع بَيِّنَةً إلّا أنَّ ذلك سُمِعَ بحاضرةٍ، فهي للذي هي في يده، وَإِلّا كان القادم أولى بها (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ بَيِّنَة السماع إذا كانت مع طول حيازةٍ، فهي أوكد من بَيِّنَة الخارج الذي لا حيازة له، كما كانت البيِّنَة التي معها اليد أولى من البيِّنَة التي لا يد معها.
وهذا إذا كانت بَيِّنَة صاحب اليد التي هي بَيِّنَة السماع: أنَّ الذي في يده الدّار صارت إليه من جهة المدَّعِي، أو أبيه، أو جده، فإذا لم يُشْهَدْ كذلك كانت بَيِّنَة القادم أولى؛ لأنّها قد أثبتت أنَّ الدّار ملكه، أو ملك أبيه، أو جده، حتى يُعْلَم زوال ذلك منهم إلى الذي هي في يديه.
•••
стр. 1217
[١٣٤٧] قال: ومن باع على ابنته - وقد تزوَّجت - هو وزوجها داراً، فأقامت في يد المشتري أربع عشرة سنةً يبني ويهدم وهي معه في البلد مقيمةٌ، ثمّ أنكرت البيع ووكالتهما، فإن كانت لهما بَيِّنَة عليها أو كانت ممن يليانها، وَإِلّا حلفت بالله: «ما عَلِمْتُ بذلك»، ويُرَدُّ البيع (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ بيع الأب والزوج على المرأة غير جائزٍ إذا كانت المرأة رشيدةً إلّا بوكالتها لهما، وإذا كان كذلك، فبيعهما عليها غير جائزٍ، وتحلف بالله أَنَّهَا لم تعلم ببيعهما لها ولا رضيت به، ويكون لها أخذ الدّار من يد المشتري، ويرجع المشتري بالثمن على من باعه.
•••
[١٣٤٨] مسألة: قال: ومن حاز داراً سنين، ثمّ يأتي من يقيم البيِّنَة أَنَّهَا لجده، وقد كان أبوه حاضراً يراها في يد الذي هي في يده، فنازعه أو لم ينازعه حتى مات، ثمّ جاء الابن يخاصِمُ، فلا يَرِدُ مثل هذا إذا اخْتَزَلَ به زماناً وكانوا حضوراً، ولا سيما إذا كان يُظْهِر ويقول: «هي لي» (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه فيما تقدَّم: أنَّ الإنسان لا يترك غيره يتصرَّف في ملكه مدَّةً طويلةً بهدمٍ وبناءٍ وبيعٍ وشري، لا ينازعه في ذلك ولا ينكر ذلك عليه ولا يكلّمه إذا كانت يداً غاصبةً، وإذا كان الأمر في عرف النّاس وغالبهم
стр. 1218
كذلك، ثمّ ادَّعى إنسانٌ ما يخرج به عن عرف الناس، لم تقبل دعواه، وكذلك إن أقام بَيِّنَةً على ذلك كانت بينته متهمةً.
فلمّا لم يكن لجد هذا المدَّعي الذي صار إليه الملك من جهته أن يدَّعي ذلك لو كان باقياً مع طول حيازة الذي كانت في يده وتصرُّفه فيها وتركه النكير عليه، كان كذلك من يدَّعي بسببه، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم.
•••
[١٣٤٩] مسألة: قال: ومن ادُّعِيَ عليه دورٌ في يديه، فيُسْأَلُ أن يُقِرَّ أو يُنْكِرَ، فيأبى، وقال: «لِتُقِمِ البيِّنَة عليَّ»، فلا يُتْرَك حتى يُجْبَر على أن يقرَّ أو ينكر (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المُدَّعَى عليه قد لزمه الإقرار إذا كانت الدّار له حقاً، أو ردَّها بالإنكار، لا بدَّ له من ذلك، فإذا امتنع من الإقرار أو الإنكار، فهو مُعَنِّتٌ بذلك، تاركٌ لِمَا قد أُمِر به، فوجب جبره على الإقرار أو الإنكار، وقد قال النبيُّ ﷺ : «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (٢)، فعُلِمَ بهذا أن المُدَّعَى عليه لا بدَّ له أن يُقِرَّ أو يُنْكِرَ.
•••
[١٣٥٠] مسألة: قال: وإذا حاز الرّجل الدّار على ربها زماناً طويلاً، والذي
стр. 1219
كانت له الدّار معه بالبلد يراه يسكن ويعمل وينسب المساكن في الدّار إلى نفسه، ظاهِرٌ ذلك في أهل البلد، فأرى أن (١) ينتفع بطول حيازته.
وإن كان على غير ذلك، اجتهد السلطان فيه بقدر ما يحضره (٢).
• قد ذكرنا وجه هذه المسألة فيما تقدَّم؛ وهو أنَّ الإنسان لا يترك ملكه يَتَصَرَّفُ فيه غيرُهُ وينْسِبُه إلى نفسه ويهدم ويبني، لا يُنْكِر ذلك عليه، ولا يمنعه منه، ولا يكلّمه إن كان غاصباً، هذا هو الأغلب من الناس، فإذا خرج المدَّعِي عن عرف النّاس لم تسمع دعواه وإن أقام بيِّنةً؛ لأنَّ تركه طول هذه المدة ما يَتَّهِمُ بيِّنته؛ لجواز أن يكون قد باع، أو وهب من حيث لا تعلم بيِّنَتُه؛ لأنَّ ترك تصرُّف الذي في يده بِهَدْمٍ وبِناءٍ واستغلالٍ وأشباه ذلك، يدلُّ على انتقال ملك ذلك إليه.
•••
[١٣٥١] مسألة: قال: ومن كان له شريكٌ غائبٌ في دارٍ، فيقدُم فيقول: «قد قاسمتك، وهذه ناحيتي»، وينكر الغائب، فعلى الذي يدَّعي القَسْمَ البيِّنَة (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الدّار ملكهما في الأصل، فهي بينهما، وعلى الذي يدّعي القسم البيِّنَة أَنَّهَا قد قُسِمَت، وعلى شريكه المنكِر اليمين أَنَّهَا لم تُقَسَم، فتكون بينهما على الأصل شائعةً.
•••
стр. 1220
[١٣٥٢] مسألة: قال: ومن حاز أرضاً على أبيه سنين يزرعها، فهلك فادَّعاها، وينكر إخوته دعواه، فإن لم تكن بَيِّنَةٌ، فلا حقَّ له، وقد يدبِّرُ الرّجل أمر أبيه.
ولو كان ابنٌ لا يعالج لأبيه ولا يقوم له، فقام بالحيازة على أبيه، لم يكن له شيءٌ إلّا ببيِّنةٍ.
والأجنبي في ذلك أقوى؛ لطول الحيازة وموت الشهداء (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العرف قد جرى من الناس، أنَّ أولادهم يقومون بأمورهم في دورهم وغلَّاتهم، وينوبون عنهم في التّصرُّف والقيام بها، فإذا ادَّعى الابن ملك ذلك بحيازته وتصرُّفه لم يقبل ذلك منه إلّا ببيِّنَةٍ، ولم يكن في ذلك بمنزلة الأجنبي الذي لا يقوم بذلك من الأجنبي إلّا بتسليط الأجنبي إياه ١/ ٣٩/ب] بتوكيلٍ أو غيره.
•••
[١٣٥٣] مسألة: قال: وإذا اختصم رجلان من أهل القرى إلى والٍ في دورٍ، فيقيم هذا بَيِّنَةً - فيُعَدَّلُوا (٢) - على أَنَّهَا له، ويقيم هذا بَيِّنَةً من أهل ناحيته - ولا يأتي لهم بتَعْدِيلٍ - ويقول: «هم يُعْرَفُون بالعَدْلِ في مكانهم»:
(فليكتب القاضي في أمرهم إن كان عليهم والٍ.
стр. 1221
(وإن كانوا على غير ذلك، فليَدَعْهُم ولا يقض بينهم بشيءٍ، ذلك أحب إلينا (١).
• إنّما قال ذلك؛ لجواز أن تكون البيِّنَة الغريبة عدلاً في موضعها، فيجب على الحاكم أن يكتب إلى من يستعلم ذلك منه، ثمّ يحكم بأعدلهما بَيِّنَةً.
فإن استوت في العدالة وكان الشّيء في يد أَحَدِهِمَا حَكَم له، وإن كان ليس في يد أحدهما، حكم به لهما جميعاً بعد أيمانهما؛ لاستوائهما في الحجة.
وكذلك إذا كان في أيديهما وأقاما البيِّنَةَ واستوت في العدالة، حكم به لهما بعد أيمانهما.
وإن كان في يد أحدهما، حكم لصاحب اليد مع البيِّنَةِ، إذا تساوت في العدالة بَيِّنَةُ الذي لا يد له.
وإن لم يكن الحاكم والياً على أهل ناحية التي فيها الشهود، لم يكتب إليها؛ لأنَّ حكمه غير جائزٍ عليهم، وتَرَكَ غيره يحكم بينهم.
•••
[١٣٥٤] مسألة: قال: ومن ثبتت عليه بَيِّنَةٌ بمنزلٍ، فيُسْأَلُ عَنْ حُجَّةٍ، فيذكر حُجَّةً قويةً، فيُضْرَبُ له الأجل الشهرين والثلاثة، ويَذْكُرُ تَفَرُّقَ شهوده (٢):
стр. 1222
(فإن كان مأموناً مُصَدقاً غير مُتَّهمٍ، فليزده في الأجل.
(وإن كان يرى أنّه يريد الإضرار والرجل المُلِدُّ (١)، فلا يُمَكَّن من ذلك، إلّا أن يكون قد تقارب من شأنه، ما لم يُخْتَبر كذبه في مثله، فيُستبرأ بالأجل القريب، ثمّ يقضى عليه (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ بَيِّنَة الإنسان قد تكون غائبةً عنه في وقت خصومة غيره إياه، فإذا ذكر حُجَّةً أو بَيِّنَةً تُبطل حُجَّةُ خصمه أو بيِّنته وكان مأموناً عند الحاكم والناس، أنظره بذلك - على حسب ما يذكر من غيبة بيِّنَتِه وحضورها بعد الأجل الذي يؤخِّره - الحاكم.
وإن كان غير مأمونٍ، لم يُنْظِره الحاكم؛ لأنّه إنّما أراد بذلك إزالة الحكم والحُجَّة التي قد اتجهت عليه وثبتت لخصمه عليه، وإنما يفعل الحاكم من ذلك حسب ما يراه، ويجتهد فيه بقدر ذلك.
•••
стр. 1223
باب في الدعوى والأيمان
[١٣٥٥] قال: ومن ادَّعَى قِبَل رجلٍ دنانير من ثمن سلعةٍ باعها إياه، وقال الرجل: «بل وديعةٌ وقد ضاعت»، فيحلف بالله ما كانت إلّا وديعةً وقد ضاعت، ولا شيء عليه (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المُدَّعِي أَنَّهَا من ثمن سلعةٍ يريد أن يلزم ذمة المُدَّعَى عليه شيئاً، وينكر ذلك المُدَّعَى عليه ويقول: «إنَّها أمانةٌ في يده»، فالقول قوله مع يمينه.
وعلى المُدَّعِي البيّنة على ما يدَّعيه، وَإِلّا حلف المُدَّعَى عليه أَنَّهَا وديعةٌ وقد ضاعت؛ لأنّه في الأصل بريءُ الذمَّة، ولا شيء فيها حتى يُبَيِّن الآخرُ حجةً أنَّ ذمَّته قد وجب فيها حقٌّ له.
•••
[١٣٥٦] مسألة: قال: ومن ادَّعَى قِبَل رجلٍ وديعةً، فقال: «بل مقارضَةٌ وقد هلك بعض المال»، فإنّه يحلف الذي يدَّعِي أَنَّهَا قِراضٌ، لا يكون إلّا ذلك (٢).
• إنّما قال: «إنَّ القول قول الذي يدَّعِي القِرَاضَ، لا قول ربّ المال»؛ لأنَّ القِرَاضَ أمانةٌ كالوديعةِ وليس هو دَيناً يتعلَّق بالذمَّة، فكان القول قول المقِرِّ الذي
стр. 1224
في يده المال؛ لأنَّ حكم الوديعة والقراض في أنهما أمانةٌ واحدٌ؛ فلهذا قال: «إنَّ القول قول الذي في يده المال إذا قال هو قراضٌ»؛ لأنَّ ذلك بمنزلة ما يقول: إنَّهُ وديعةٌ.
•••
[١٣٥٧] مسألة: قال: وقد قيل في رجلٍ يُقِرُّ بقراضٍ عنده في سلعٍ اشتراها، ويقول ربُّ المال: «بل سلفٌ»، فالقول قول ربِّ المال، والبيِّنة على الذي يزعم أنّه قِرَاضٌ (١).
• وجه هذا القول؛ هو أنَّ الذي في يده المال قد أقر أنَّ المال لربه، وادَّعى فيه حقاً وإذناً من صاحبه في التّصرُّف فيه، وقد أنكر ذلك صاحبه، فعليه البيِّنة على ذلك؛ لأنّه مُدَّعٍ ذلك على ربِّ المال، وَإِلّا حلف ربَّ المال على ما يذكره من القراض.
ووجه القول الأول كأنه أصحُّ؛ من قِبَلِ أنَّ الذي في يده المال إنّما أقر به على وصفٍ ما، وهو أنَّه في يده أمانةٌ، دون أن يكون في ذمَّته، فالقول قوله مع يمينه.
وعلى ربِّ المال الذي يدَّعِي ذلك في ذمَّته وهو القرض البيِّنة على ذلك؛ من قِبَلِ أنَّ ذمَّة المُدَّعَى عليه القرض بريئةٌ في الأصل، حتى يُعْلَم أنّه قد تعلَّق بها حقٌّ من قرضٍ أو غيره.
•••
стр. 1225
[١٣٥٨] مسألة: قال: ومن قال: «كان لرجلٍ عليَّ ألف دينارٍ فقضيته»، وأنكر، فهو ضامنٌ (١).
• إنّما قال ذلك لأنَّه قد أقر أنَّ في ذمَّته مالاً لغيره، فقد وجب ذلك عليه بإقراره، ثمّ ادَّعى خروجه منه وبراءَةَ ذمّته مما وجب فيها، فعليه البيِّنة على ذلك.
وإن لم تكن له بيِّنةٌ، حلف المُقَرُّ له أنّه ما اقتضى منه شيئاً، ثمّ غرم له ذلك.
•••
[١٣٥٩] مسألة: قال: وإن قال: «كانت لك عندي وديعةٌ فرددتها إليك»، فقد برئ، وكذلك كلّ ما كان في أمانته.
وكلّ ما كان في ذمَّته، فالمخرج عليه ولا يقبل قوله (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الوديعة هي أمانةٌ في يده، لا تتعلَّق بذمَّته، فإذا قال: «قد رددتها على صاحبها»، فالقول قوله مع يمينه، كما لو قال: «قد تلفت»، كان القول قوله مع يمينه، وكذلك كلّ ما كان أمانةً في يده لا في ذمَّته فالقول قوله مع يمينه في ردِّ ذلك إلى صاحبه، إذا لم يكن أَخَذَهُ منه بالبيِّنة. وكذلك القول قوله مع يمينه إذا قال: «إنها قد تلفت».
فأمّا كلّ ما كان متعلِّقاً بذمَّته، كالدَّين، والقرض، وَأَرْشُ الجناية، وأشباه ذلك، مثل الصداق والإجارة، فعليه البيِّنة على دفع ذلك إلى ربه؛ لأنَّ ذلك كله
стр. 1226
متعلِّقٌ في ذمَّته، لا يخرج عنه إلّا ببيِّنةٍ على دفعه إلى صاحبه، فمتى ادَّعى ذلك من غير بيِّنةٍ، حلف صاحبه أنّه لم يدفع إليه ذلك، وكان عليه دفع ذلك إلى صاحبه.
•••
[١٣٦٠] مسألة: قال: وما وُجِدَ في أيدي اللصوص والسُّراقِ من أمتعة الناس، فيدعيها قومٌ ولا بينة لهم، فَيَسْتَأْنِي بذلك ولا يَعْجَل حتى يكشف، فإن جاء أحدٌ، وَإِلّا دفعه إليه وضمَّنه إيّاه بغير حميلٍ، وما لم يوجد أهله من ذلك تَصَدَّقَ به (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد يجوز أن يكون ذلك لمن يدَّعيه أنّه له، فإذا جاء بعلامةٍ أو شُبههٍ دَفَع ذلك إليه، كما يفعل ذلك في اللقطة؛ لأنَّ الذي في يده الشّيء لا يدَّعيه لنفسه في هذا وفي اللقطة.
ويُضَمنه إياه ولا يأخذ منه حميلاً؛ لجواز أن يكون ذلك لغيره إن لم يره مأموناً.
فأمّا إذا كان الذي في يده الشّيء يدَّعِيه لنفسه، لم يدفع إلى مُدَّعِي ذلك عَلَيهِ إلّا ببيِّنةٍ عادلةٍ تقوم للمُدَّعِي، وَإِلّا حلف المنكِر أنّه ليس للمُدَّعِي، وقد قال رسول الله ﷺ : «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (٢).
وإذا لم يُعْرف صاحب اللقطة والشي المسروق ولم يدَّعِها أحدٌ، تَصَدَّقَ بها
стр. 1227
مَنْ هي في يده، ثمّ يكون لصاحب ذلك الخيار إذا جاء على ما ذكرناه في اللقطة، بين أن يكون الثواب له، وبين أن يغرم الذي تصدَّق بها.
•••
[١٣٦١] مسألة: قال: ومن ادَّعَى على رجلٍ أمراً (١) فأنكره، فقال: «إنَّ فلاناً يشهد عليك»، فيقول: «هو عندي مُصَدَّقٌ»، فيَشْهَد عليه، فينكرُ ويقولُ: «ما كنت أظنك تشهد»، فلا يجوز ذلك عليه (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه يقول: «كنت أظن أنّه يشهد بحقٍّ لا بغيره»، فأمّا إذا شهد بغيره فليس يلزمه ذلك، والقول قوله.
وهذا بخلاف ما يُحَكِّمُ رجلاً على نفسه في حُكُومَةٍ فيَحْكُم عليه، أنَّ ذلك يلزمه (٣)، من قِبَلِ أنَّ الحكم طريقه الاجتهاد، فقد يظنُّ المحكوم أنَّ الحاكم يحكم بالشيء ويحكُمُ الحاكِمُ بغيره، وليس كذلك الشّهادة، لأنَّ طريقها ليس هو اجتهاد الرأي، وإنما هي عن علوم المشاهدات والحواس، والله أعلم.
•••
[١٣٦٢] مسألة: قال: ومن أمر رجلاً أن يبيع ثوباً، فباعه بخمسةٍ وقال: «أمرتني بذلك»، وقال: «لم آمرك إلّا بعشرةٍ»:
стр. 1228
(فإن كان الثوب لم يَفُتْ، فالثوب لصاحبه ويحلف.
(وإن فاتَ، حلف المؤْتَمَنُ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثوب إذا كان قائماً، لم يلحق البائع والمبتاع في رده ضررٌ، فكان القول قول الآمر مع يمينه.
وإن كان قد فات، كان القول قول المأمور مع يمينه؛ لأنَّ في رده الثوب بعد فوته والرجوع إلى قيمته ضرراً على المشتري.
والقياس أن يكون القول قول المأمور إذا باع بثمن مثله؛ لأنَّ الآمر قد ائتمنه على ذلك، كان الثوب قائماً أو قد فات.
•••
[١٣٦٣] مسألة: قال: ومن أرْسَلَ مع رجلٍ بذهَبٍ إلى رجلٍ، فقال (٢): «أرسَلْتَ بها إلي صدقةً»، وقال الرجل: «بل لترفعها لي»، ويشهد الرسول أَنَّهَا صدقةٌ، فإن حلف مع الرسول كانت له (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المبعوث إليه يدَّعِي أنَّ الباعث قد جعلها له وأخرجها عن ملكه، فعليه البيِّنة على ذلك، فإن شهد له الرسول بذلك حلف مع شهادته وحُكِمَ له بها.
стр. 1229
وهذا إذا كان قَبْلَ دفع الرسول إليه المال، فإن كان بعد دفع الرسول إليه المال، لم تقبل شهادة الرسول؛ لأنّه خصمٌ لرب المال، ولأنه إنّما شهد على إجازة فعله الذي قد خالفه فيه ربه وكذَّبَهُ فيه.
فأمّا إذا كان قبل دفع المال فليس هو بخصمٍ لرب المال، وإنما هو شاهدٌ عليه؛ لأنّه لم يخالف ربِّ المال بدفع المال إليه على وجه الصدقة كما يكون ذلك بعد الدفع، وقد فَسَّرْتُ هذه المسألة في غير هذا الكتاب.
•••
[١٣٦٤] مسألة: قال: ومن باع من رجلٍ سلعةً وذَهَبَ يأتي بالثمن، فقال البائع: «بعتك على: إن لم تأتني بالثمن إلى الليل، فلا بيع بيني وبينك»، وأنكر المشتري، فالقول قول المشتري، ولو كانت له بينةٌ، ما جاز - يعني: البيع -؛ لأنّه ليس من بيع المسلمين، فكيف ولا بيِّنة له (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري يدَّعِي صحة البيع الذي قد وقع في الأصل منه ومن البائع واتفقا عليه، والبائع مُدَّعٍ فساده بما يذكره، فالقول قول مدَّعي الصحة على الأصل، وعلى الآخر وهو البائع البيِّنة على ما يذكره، وَإِلّا حلف المشتري على الصحة، إلّا أن تقوم للبائع البيِّنة على ما قال فيكون البيع مفسوخاً.
وفي فسخه بهذا الشرط اختلافٌ من قول مالك، قد ذكرته في كتاب البيوع.
•••
[١٣٦٥] مسألة: قال: ومن دفع إلى رجلٍ ذهباً برهنٍ، ثمّ قضاه ودفع
стр. 1230
إليه حقه، ثمّ ادَّعى أنَّه لم يوفه إياه كله وأعطاه رهنه، فيحلف المرتهن ويسقط ما ادُّعي عليه (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن مؤتمنٌ على مقدار الرهن الذي هو في يده، فمتى قال: إنه كيت وكيت، وادَّعى الراهن أكثر منه، كان القول قول المرتهن؛ لأنَّ الراهن قد ائتمنه عليه.
ولأنه منكِرٌ لأكثر ما يدعيه الراهن أو لغيره إن ادَّعى رهناً غيره، فعليه البيِّنة على ما يدَّعيه، وَإِلّا حلف المرتهن وبرئ؛ لأنَّ البيِّنة على المدَّعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ .
•••
[١٣٦٦] مسألة: قال: ومن كانت بينهم مُشَارَّةٌ (٢)، وكان له عنده مالٌ، فزعم أنّه لم يدفعه إليه، وسأل أن يحلف له، وقال: «إنّما تحلفني بالشرّ الذي بيني وبينك»، فعليه اليمين ولا ينفعه ذلك (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي في يده المال مدَّعٍ الدفع للمال إلى ربه، فعليه البيِّنة إن كان في ذمَّته، أو اليمين إن كان في أمانته، إذا ادَّعى دَفْعَ ذلك إلى ربه.