← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

متعلِّقٌ في ذمَّته، لا يخرج عنه إلّا ببيِّنةٍ على دفعه إلى صاحبه، فمتى ادَّعى ذلك من غير بيِّنةٍ، حلف صاحبه أنّه لم يدفع إليه ذلك، وكان عليه دفع ذلك إلى صاحبه. ••• [١٣٦٠] مسألة: قال: وما وُجِدَ في أيدي اللصوص والسُّراقِ من أمتعة الناس، فيدعيها قومٌ ولا بينة لهم، فَيَسْتَأْنِي بذلك ولا يَعْجَل حتى يكشف، فإن جاء أحدٌ، وَإِلّا دفعه إليه وضمَّنه إيّاه بغير حميلٍ، وما لم يوجد أهله من ذلك تَصَدَّقَ به (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد يجوز أن يكون ذلك لمن يدَّعيه أنّه له، فإذا جاء بعلامةٍ أو شُبههٍ دَفَع ذلك إليه، كما يفعل ذلك في اللقطة؛ لأنَّ الذي في يده الشّيء لا يدَّعيه لنفسه في هذا وفي اللقطة. ويُضَمنه إياه ولا يأخذ منه حميلاً؛ لجواز أن يكون ذلك لغيره إن لم يره مأموناً. فأمّا إذا كان الذي في يده الشّيء يدَّعِيه لنفسه، لم يدفع إلى مُدَّعِي ذلك عَلَيهِ إلّا ببيِّنةٍ عادلةٍ تقوم للمُدَّعِي، وَإِلّا حلف المنكِر أنّه ليس للمُدَّعِي، وقد قال رسول الله ﷺ : «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (٢). وإذا لم يُعْرف صاحب اللقطة والشي المسروق ولم يدَّعِها أحدٌ، تَصَدَّقَ بها

стр. 1227

مَنْ هي في يده، ثمّ يكون لصاحب ذلك الخيار إذا جاء على ما ذكرناه في اللقطة، بين أن يكون الثواب له، وبين أن يغرم الذي تصدَّق بها. ••• [١٣٦١] مسألة: قال: ومن ادَّعَى على رجلٍ أمراً (١) فأنكره، فقال: «إنَّ فلاناً يشهد عليك»، فيقول: «هو عندي مُصَدَّقٌ»، فيَشْهَد عليه، فينكرُ ويقولُ: «ما كنت أظنك تشهد»، فلا يجوز ذلك عليه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه يقول: «كنت أظن أنّه يشهد بحقٍّ لا بغيره»، فأمّا إذا شهد بغيره فليس يلزمه ذلك، والقول قوله. وهذا بخلاف ما يُحَكِّمُ رجلاً على نفسه في حُكُومَةٍ فيَحْكُم عليه، أنَّ ذلك يلزمه (٣)، من قِبَلِ أنَّ الحكم طريقه الاجتهاد، فقد يظنُّ المحكوم أنَّ الحاكم يحكم بالشيء ويحكُمُ الحاكِمُ بغيره، وليس كذلك الشّهادة، لأنَّ طريقها ليس هو اجتهاد الرأي، وإنما هي عن علوم المشاهدات والحواس، والله أعلم. ••• [١٣٦٢] مسألة: قال: ومن أمر رجلاً أن يبيع ثوباً، فباعه بخمسةٍ وقال: «أمرتني بذلك»، وقال: «لم آمرك إلّا بعشرةٍ»:

стр. 1228

(فإن كان الثوب لم يَفُتْ، فالثوب لصاحبه ويحلف. (وإن فاتَ، حلف المؤْتَمَنُ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثوب إذا كان قائماً، لم يلحق البائع والمبتاع في رده ضررٌ، فكان القول قول الآمر مع يمينه. وإن كان قد فات، كان القول قول المأمور مع يمينه؛ لأنَّ في رده الثوب بعد فوته والرجوع إلى قيمته ضرراً على المشتري. والقياس أن يكون القول قول المأمور إذا باع بثمن مثله؛ لأنَّ الآمر قد ائتمنه على ذلك، كان الثوب قائماً أو قد فات. ••• [١٣٦٣] مسألة: قال: ومن أرْسَلَ مع رجلٍ بذهَبٍ إلى رجلٍ، فقال (٢): «أرسَلْتَ بها إلي صدقةً»، وقال الرجل: «بل لترفعها لي»، ويشهد الرسول أَنَّهَا صدقةٌ، فإن حلف مع الرسول كانت له (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المبعوث إليه يدَّعِي أنَّ الباعث قد جعلها له وأخرجها عن ملكه، فعليه البيِّنة على ذلك، فإن شهد له الرسول بذلك حلف مع شهادته وحُكِمَ له بها.

стр. 1229

وهذا إذا كان قَبْلَ دفع الرسول إليه المال، فإن كان بعد دفع الرسول إليه المال، لم تقبل شهادة الرسول؛ لأنّه خصمٌ لرب المال، ولأنه إنّما شهد على إجازة فعله الذي قد خالفه فيه ربه وكذَّبَهُ فيه. فأمّا إذا كان قبل دفع المال فليس هو بخصمٍ لرب المال، وإنما هو شاهدٌ عليه؛ لأنّه لم يخالف ربِّ المال بدفع المال إليه على وجه الصدقة كما يكون ذلك بعد الدفع، وقد فَسَّرْتُ هذه المسألة في غير هذا الكتاب. ••• [١٣٦٤] مسألة: قال: ومن باع من رجلٍ سلعةً وذَهَبَ يأتي بالثمن، فقال البائع: «بعتك على: إن لم تأتني بالثمن إلى الليل، فلا بيع بيني وبينك»، وأنكر المشتري، فالقول قول المشتري، ولو كانت له بينةٌ، ما جاز - يعني: البيع -؛ لأنّه ليس من بيع المسلمين، فكيف ولا بيِّنة له (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري يدَّعِي صحة البيع الذي قد وقع في الأصل منه ومن البائع واتفقا عليه، والبائع مُدَّعٍ فساده بما يذكره، فالقول قول مدَّعي الصحة على الأصل، وعلى الآخر وهو البائع البيِّنة على ما يذكره، وَإِلّا حلف المشتري على الصحة، إلّا أن تقوم للبائع البيِّنة على ما قال فيكون البيع مفسوخاً. وفي فسخه بهذا الشرط اختلافٌ من قول مالك، قد ذكرته في كتاب البيوع. ••• [١٣٦٥] مسألة: قال: ومن دفع إلى رجلٍ ذهباً برهنٍ، ثمّ قضاه ودفع

стр. 1230

إليه حقه، ثمّ ادَّعى أنَّه لم يوفه إياه كله وأعطاه رهنه، فيحلف المرتهن ويسقط ما ادُّعي عليه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرتهن مؤتمنٌ على مقدار الرهن الذي هو في يده، فمتى قال: إنه كيت وكيت، وادَّعى الراهن أكثر منه، كان القول قول المرتهن؛ لأنَّ الراهن قد ائتمنه عليه. ولأنه منكِرٌ لأكثر ما يدعيه الراهن أو لغيره إن ادَّعى رهناً غيره، فعليه البيِّنة على ما يدَّعيه، وَإِلّا حلف المرتهن وبرئ؛ لأنَّ البيِّنة على المدَّعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ . ••• [١٣٦٦] مسألة: قال: ومن كانت بينهم مُشَارَّةٌ (٢)، وكان له عنده مالٌ، فزعم أنّه لم يدفعه إليه، وسأل أن يحلف له، وقال: «إنّما تحلفني بالشرّ الذي بيني وبينك»، فعليه اليمين ولا ينفعه ذلك (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي في يده المال مدَّعٍ الدفع للمال إلى ربه، فعليه البيِّنة إن كان في ذمَّته، أو اليمين إن كان في أمانته، إذا ادَّعى دَفْعَ ذلك إلى ربه.

стр. 1231

وليس تسقط اليمين عنه بما يذكره من الشرّ الذي بينهما؛ لأنَّ ذلك حقٌّ عليه. ••• [١٣٦٧] مسألة: قال: ومن كان مُخَالطاً لرجلٍ فيدَّعِي عليه حقه، فيقال للمطلوب: «احلف»، فيأبى، فلا يُقْضَى عليه حتى يقال للطالب: «احلف إن كان لك حاجةٌ واستحق حقك» (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز أن يحكم بنكول المُدَّعَى عليه دون أن يَحْلِفَ المُدَّعِي؛ لأنَّ الحكم يجب أن يكون بشاهدين، أو بشاهدٍ وامرأتين، أو شاهدٍ ويمينٍ، أو نكول المُدَّعَى عليه ويمين المُدَّعِي؛ ليكون قد اجتمع أمران يُحْكَمُ بهما، وهو نكول المُدَّعَى عليه ويمين المُدَّعِي، فيكون ذلك كالشاهدين، أو الشاهد والمرتين، إذ ليس في الأصول جواز الحكم بسببٍ واحدٍ دون أن يقارنه سببٌ غيره، أعني: إذا كان الحكم يوجب للمحكوم له حقَّاً يأخذه. فأمّا أن يُسْقِط عنه حكماً فإنَّ ذلك يكون لسببٍ واحدٍ، وهي يمين المُدَّعَى عليه؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ ذمّته في الأصل بريئةٌ، فهو أوكد سبباً من المُدَّعِي، فعليه اليمين والقول قوله في ذلك، وعلى المُدَّعِي البينة؛ لأنّه يدّعي ثبوت شيءٍ

стр. 1232

في ذمَّة المُدَّعَى عليه، فهو أضعف حُجَّةً من المُدَّعَى عليه، فكان ما جعل عليه من الحجة أقوى، وذلك هو قول غيره وشهادته، وجعل على المدَّعي قوله مع يمينه. ••• [١٣٦٨] مسألة: قال: ومن تكارى داراً سنةً ونقده كِرَاهَا، فيقول له بعد أشهر: «اخرج من الدّار فقد أوفيت»، ويقول الآخر: «لم أسكن إلّا ستة أشهر»، فيحلف الساكن (١)، فإن أبى، حلف صاحب المسكن (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب المسكن قد أقرَّ للساكن أنَّ له سُكْنَى سنةً وادَّعى نقيضها، والساكن ينكر ذلك، فعلى صاحب المسكن البيّنة على ما يدَّعِي من تقضِّي ما قد وجب للساكن من المدَّة، وَإِلّا حلف الساكن أَنَّهَا لم تنقض وكانت له. فإن أبى أن يحلف، حلف صاحب المسكن، وكان القول قوله مع يمينه؛ لأنّه قد اجتمع له نكول الساكن مع يمينه. ••• [١٣٦٩] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ دينارٌ فقضاه وأشهد عليه، ثمّ تقاضاه فقال: «ما قضيتنيه»، فقال له: «احلف وأعطيك» فحلف، وأراد أن يأتي

стр. 1233

عليه بالبيِّنة التي أشهد عليه أنَّ ذلك له - بعد رضاه بيمينه -، فذلك له عليه، فليأت بالبيِّنة (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البيّنة أقوى من يمين المُدَّعَى عليه، فوجب أن يُحْكَم بها إذا شَهِدَت بخلاف ما حلف عليه المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ الحكم بالبيِّنة إذا وجدت أولى من الحكم بالنكول مع يمين المُدَّعَى عليه. ولأنَّ المُدَّعِي يقول: «لم أعلم أنّه يحلف، ولا أنّه يجترئ على اليمين، وظننته يتورع عن ذلك». فهذا وجه هذا القول، وسواءٌ علم المُدَّعِي ببيِّنته أو لم يعلم، في أنّه يُحْكَمُ بها بعد يمين المدَّعى عليه. وقد قال مالك: «إنَّ المُدَّعِي إذا علم ببيِّنته ثمّ استحلف المُدَّعَى عليه، وكانت بيِّنته حاضرةً، لم تسمع بيِّنته بعد ذلك» (٢). ووجه هذا القول: أنَّ المُدَّعِي إذا استحلف المُدَّعَى عليه بعد علمه ببيِّنته وهو يقدر على إقامتها وهي حاضرةٌ معه في البلد، فقد ترك حقه من البيّنة ورضي بيمين المُدَّعَى عليه، فلزمه ذلك، ولم يكن له الرجوع إلى بيِّنته بعد تركه لها وإن كان ذلك حقَّاً لَهُ، كما لو ترك من حقه شيئاً ورضي بأقل منه على وجه الصلح،

стр. 1234

لم يكن له أن يرجع إلى أصل حقه بعد تركه إياه، وكذلك إذا ترك بيِّنته ورضي بيمينه، لم يكن له أن يرجع إليها بعد رضاه بتركها. فأمّا إذا لم يعلم ببينته ولم يقدر على إقامتها؛ لغيبتها أو عذرٍ منعها من الحضور، كان له أن يقيمها بعد ذلك؛ لأنَّ تركه إقامته إياها لم يكن على وجه الاختيار والرضا منه بذلك، وإنما كان على وجه العذر، فكان له أن يرجع إلى حقه من البيِّنة، كما لو ترك من حقه شيئاً على غير رضاً منه وطيب نفسٍ، كان له أن يرجع إلى حقه فيأخذه، والله أعلم. ••• [١٣٧٠] مسألة: قال: ومن ادَّعَى على رجلٍ دعوى، فأنكره وحلف، ثمّ وَجَدَ بينةً على إقراره بالحق، فإنّه يُقْضَى له به (١). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا بيّناه في المسألة التي قبل هذه. ••• [١٣٧١] مسألة: قال: وإذا كان شريكان متفاوضين أو غير ذلك، فيقول أحدهما لشريكه: «قد جَعَلْتُ في المال الذي نعمل فيه مالاً من عندي

стр. 1235

عند المحاسبة أو قبل ذلك»، فينكر شريكه، فيحلف شريكه بالله: «ما جعل فيه شيئاً ولا له فيه شيءٌ»، وليس له أن يحلف على علمه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الشريك الذي يذكر أنّه جعل من عنده مالاً زيادةً على ما علم به شريكه مُدَّعٍ لذلك، فعليه البيّنة على ذلك، وَإِلّا حلف شريكه بالله: «ما الأمر على ما يدعيه»، ولا يكون عليه شيءٌ؛ لأنَّ البيّنة على المدعي واليمين على المنكِر. فأمّا حلفه على العلم فلا يجوز؛ لأنّه يمكن أن يعلم هل طرح أم لا. ••• [١٣٧٢] مسألة: قال: ومن اشترى سلعةً أو تكارى دابَّةً ونَقَدَ، ويُقِرُّ أنّه إنّما اشترى لامرأته، ثمّ حازت المرأة المنزل أو الدابة، ثمّ يطلب منها الثمن، فتقول: «قد دفعته»، ولا بينة لها. (فإن كان نَقَدَ الثمن: فيمين المرأة بالله «لقد دفعت ثمنه وما له عندي قليلٌ ولا كثيرٌ». (وإن كان لم ينقد: حلف الزوج بالله «ما اقتضيت منها من ثمنه شيئاً، ثمّ يأخذه» (٢).

стр. 1236

• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان قد نَقَدَ الثمن فقد قَوِيَ سبب المرأة مع إقرار الزوج أنّه اشترى لها أو اكترى لها، فصُدِّقَت عليه في أَنَّهَا قد أعطته الثمن أو الكراء. وإن لم ينقد لم يقبل قولها؛ لأنّها لم تقو ببيِّنتها بدفع الزوج ذلك إلى من هو له، فكان القول قوله مع يمينه؛ لأنَّ اليمين في الأصل جُعِلت على أقوى المتداعيين سبباً، وجُعلت البيّنة على أضعفهما سبباً في الدعوى، والله أعلم. ••• [١٣٧٣] مسألة: قال: ومن كتب على رجلٍ ذِكْرَ حَقٍّ (١)، وشَرَطَ: «أنّه إن جاء بِذِكْرِ الحَقِّ فهو براءته»، فجاء به، فادَّعى أنّه سرقه، فإنّه يحلف ويبرأ، وذلك مما يجوز بين النّاس إذا جاء بذكر الحق (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأغلب من النّاس والجاري في عُرْفِهم أنهم يدفعون ذِكْرَ الحقِّ والوثيقة به إلى من عليه الحق عند دفعه ذلك إلى صاحبه، فإذا جاء به الذي عليه الحق برئ منه مع يمينه؛ للشرط الذي شرطه صاحب الحق وألزم نفسه، وهو مجيء الذي عليه الحق به، فكان القول قوله مع يمينه أنّه قد برئ من الحق بإلزام ربّ الحق نفسه ذلك، مع ما ذكرناه من عرف الناس. ولم يقبل قول ربّ الحق إن ادَّعى: أنَّ الذي عليه الحق سرق منه ذكر الحق

стр. 1237

أو ضاع منه؛ لأنَّ هذا ليس هو الأغلب من الناس؛ ولأنه قد ألزم نفسه براءة الذي عليه الحق من الحق متى جاء بذكر الحق مع جواز السرقة والضياع فيه، فهو ألزم نفسه ذلك، فلزمه ذلك. ••• [١٣٧٤] مسألة: قال: وإذا تحاسب الشريكان، وكتب أحدهما لصاحبه البراءة من آخر حقٍّ له قِبَله، ثمّ جاء يدَّعي حقاً لم يقع في أصل البراءة اسمه، فادَّعى الشريك أنّه قد دخل هو وغيره في البراءة، فيحلف بالله: «لقد دخل في حسابنا»، ثمّ يبرأ منه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البراءة قد وقعت جملةً للمبرأ وثبتت له، فدخل فيها كلّ حقٍّ للمبرِّي على المُبَرَّأ؛ لأنَّ البراءة قد عمَّت ذلك كله، إلّا أن يدَّعي حقاً بتاريخٍ متأخِّرٍ عن تاريخ البراءة فيكون ذلك له؛ لأنّه قد عُلِمَ أنَّ ذلك لم يدخل في البراءة، فأمّا ما كان قبل البراءة فقد دخل بالظاهر في البراءة، فالقول قول المبرأ مع يمينه؛ لقوة سببه. ••• [١٣٧٥] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ حقٌّ بِرَهْنٍ، وحقٌّ بغير رهنٍ، فاقتضى بعض حقه، فقال الراهن: «قضيتك الحق الذي في الرهن»، وقال

стр. 1238

المرتهن: «بل قضيتني مِنَ الذي ليس برهنٍ»، فيُقْسَمُ ذلك الذي قُضِيَ بين الحقين جميعاً (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنهما قد استويا في الدَّعوى، فاحتُمِلَ ما قال كلّ واحدٍ منهما، وليس لأحدهما على الآخر سببٌ يُقَوِّي قوله، فكان ذلك كالمدَّعِيينِ شيئاً في أيديهما، أنَّ ذلك بينهما. وكذلك إن أقاما بيِّنَةً وكان الشّيء في أيديهما، أو لم يكن في أيديهما، فهو بينهما بعد أيمانهما؛ لاستوائهما في الحُجَّة، فكذلك يجب أن يكون ما قضاه من المال، بين الحق الذي بالرهن والحق الذي بغير رهنٍ؛ لأنّه ليس هاهنا شيءٌ يسند قول أحدهما (٢). ••• [١٣٧٦] مسألة: قال: ومن قضى رجلاً حقاً عليه، فمات فطلب ورثته الحق، ولم يكن له بيِّنةٌ على الدفع، فيحلف الورثة: «ما علمناه اقتضى». ويأخذ الصغير حقه بغير يمينٍ، ولا يمين عليه إذا كبر؛ لأنَّه ممن يُعْلَمُ أنّه لم يُحِط بذلك علماً (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حق الميت ثابتٌ على الذي هو عليه، فلورثته أَخْذُ

стр. 1239

ذلك ممن هو عليه؛ لأنهم قد ورثوه عنه، فإن ادَّعى أنّه دفع ذلك إلى صاحب الحق كانت عليه البيِّنة، لأنّه يدَّعي خروجه منه، وَإِلّا حلف ورثته بالله ما يعلمون أنّه خرج منه، ثمّ يكون لهم. ولا يحلف الصغير إذا بلغ؛ لأنّه ممن يُعْلم أنّه لم يكن عَلِمَ قضاء ذلك. وقد يجوز أن يقال: إنه يحلف؛ لأنّه يعلم ذلك بالخبر، وهذا أقيس (١). ••• [١٣٧٧] مسألة: قال: وإذا وُهِبَتْ مملوكةٌ متاعاً، ذكرت أنَّ رجلاً أمرها برهنه، وأنكر ذلك السيد، وقال: «المتاع متاعي»: (فإن أقام الذي ذكرت الجارية أنَّ المتاع له، فعليه البيِّنة. (وَإِلّا كان للسيد مع يمينه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما في يد العبد: إما أن يكون هو من مال سيده، فلا يقبل قول العبد والأمة: إنَّ ذلك لغير السيد. أو يكون ذلك للعبد والأمة، فللسيد فيه حقٌّ.

стр. 1240

ألا ترى: أنَّ له انتزاع ذلك من أيديهما، وأنه ليس لهما التّصرُّف فيه بعتقٍ وهبةٍ وصدقةٍ إلّا بإذن السيد. فلا يقبل قولهما: «إنَّ ذلك لأجنبيٍ»؛ لأنَّ ذلك إقرارٌ منهما على سيدهما، إلّا أن تقوم لمدَّعي ذلك بيِّنةٌ، وَإِلّا حلف السيد أنَّ ذلك ليس له؛ لأنَّ البيّنة على المدَّعي واليمين على المنكِر. ••• [١٣٧٨] مسألة: قال: ومن أسلف رجلاً سلفاً برهنٍ ووضعه على يدي رجلٍ، وحمل له ما نقص من رهنه (١)، وأسلف سلفاً آخر برهنٍ ووضعه على يدي الأول (٢)، فحل أجلهم، فقضاه بعض حقِّه (٣) وزعم أنّه قد أعلمه عند القضاء أنَّ الذي قضاه من الحق الذي بالرهن المتحمل به، فأنكر ذلك الرّجل وقال: «بل من الآخر»، فيُقتسَم الذي اقْتُضِيَ بينهما بالحصص (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه يحتمل أن يكون القول كما قاله الذي عليه الحق، ويحتمل أن يكون كما قاله الذي له الحق، وليس هاهنا شيءٌ يُقَوِّي قول أحدهما،

стр. 1241

فوجب أن يكون ما قضاه من الحق الذي برهنٍ والحق الذي ليس برهنٍ (١) على ما ذكرناه فيما تقدَّم. ••• [١٣٧٩] مسألة: قال: ومن ابتاع حائطاً فاسْتُحِقَّ نصفه، فهو (٢) بالخيار، إن أحب أن يرده ويأخذ ماله، وإن أحب، أخذ نصف الثمن وحبس نصف الحائط (٣). • إنّما قال: «إنَّ المبتاع بالخيار فيما ذكره»؛ لأنّه متعدَّى عليه مَغْرورٌ (٤)، وقد جُعِل المُتَعَدَّى عليه مُخَيراً، إن شاء أخذ حقه، وإن شاء ترك. من ذلك المجني عليه، جُعِلَ له أن يعفو، أو يقتص، أو يأخذ أرش الجناية إذا بُذِلَ له ذلك. وكذلك المبتاع، له أن يرُدَّ ما اشتراه إذا اسْتُحِقَّ من يده شيءٌ كبيرٌ؛ لأنّه خرج على خلاف غرضه؛ لأنَّ غرضه كان فيه كله، أو في أكثره، وذلك كما لو وجد فيه عيباً، كان له رده أو إمساكه؛ لأنَّ الحُجَّة له في ذلك لا للبائع، فكذلك

стр. 1242

إذا استُحِقَّ من يده شيءٌ كبيرٌ، كان له ردُّ ما بقي وأخذ الثمن، أو الإمساك وأخذ ثمن ما استُحِقَّ من يده. وإن كان الذي استُحِقَّ من يده شيئاً يسيراً، لم يكن له رد ما لم يُسْتَحَق؛ لأنَّ غرضه في المبيع قائمٌ، وله أن يرجع بمقدار ما استُحِقَّ من يده من الثمن. وكذلك الحكم إذا وجد عيباً، مثله سواءٌ، وقد ذكرناه في البيوع. ••• [١٣٨٠] مسألة: قال: ومن انتَهَبَ صُرَّةً من رجلٍ فاستهلكها، ثمّ اختلفا في العدة، فاليمين على المنتهب (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المنتهب مُدَّعَى عليه لِمَا يذكر صاحب المال من الزيادة، وهو منكِرٌ لها، فعلى صاحب المال البيِّنة على ما يدَّعيه، وعلى المنتهب اليمين؛ لأنّه منكِرٌ، والبينة على المدعي واليمين على المنكِر. ••• [١٣٨١] مسألة: قال: ومن كان من المدينة على ليالٍ، فلا يُجْلَب إلى المدينة ليحلف على المنبر، وليحلف هو بمكانه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في حمله إلى المدينة من البعد ضرراً عليه، ولو جاز

стр. 1243

ذلك، لجاز أن يُحمل من البلاد البعيدة، وإنما يُحمل إلى المدينة مَنْ قَرُبَ منها من أعمالها وأعراضها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: وَإِنْ كَانَ يَسِيرَاً؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ سِوَاكَاً مِنْ أَرَاكٍ» (١). فيُجْلَبُ مَنْ قَرُبَ من المدينة إلى المنبر ومن كان بالمدينة؛ ليرتدع ويتهيَّب أن يحلف غير (٢) صادِقٍ إذا علم ما تواعده به رسول الله ﷺ (٣). ••• [١٣٨٢] مسألة: قال: ومن تزوج امرأةً، فدُخُوله براءةٌ من الصداق العاجل، ومن الآجل الذي قد حلَّ قبل دخوله. وما حلَّ عليه بعد دخوله عليها، فالبراءة عليه، وَإِلّا غرم (٤). • إنّما قال: «إنَّ الدخول بَرَاءَةٌ من الصداق»، يعني: بالمدينة؛ لأنَّ عُرْفَ النّاس قد جرى عندهم بتقدمة الصداق قبل الدخول بالمرأة، هذا هو الغالب عندهم والمعروف منهم، فوجب حملهم على عرفهم وعادتهم الجارية بينهم إذا اختلفوا، كما وجب حمل المتبايعين في النقد إذا اختلفوا على عرف بلدهم، وكذلك في الحمولة والزاد والسير، وغير ذلك من الأمور إذا وقع الخلاف بين المتداعيين، أنّه يُرجع إلى عرف بلدهم الذي هما فيه، فيكون القول قول مدَّعي

стр. 1244

العرف فيه دون من خرج عن العرف؛ لأنَّ قوله نادرٌ والنادر لا يحكم به؛ لأنّه ليس هو الأصل المعروف. والسنَّة عند أهل المدينة تَقْدُمة الصداق قبل الدخول، وكذلك فعل علي بن أبي طالب ﵁ ذلك، قَدَّمَ صداق فاطمة ﵍ قبل دخوله بها، وبذلك أمره النبيُّ ﷺ حين قال له: «أَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ» (١)، الحديث. فأمّا إذا كان ببلدٍ لم يجر عرفهم بتقدمة الصداق قبل الدخول، فادَّعى ذلك الزوج، لم يقبل منه، وكانت عليه البيّنة على ما يدعيه، وَإِلّا حلفت المرأة أنّه لم يعطها الصداق، ثمّ يكون لها ذلك؛ لأنَّ قولها أقوى وقوله أضعف؛ لأنّه يخرج عن العرف الجاري في بلده. وكذلك إذا كان بلداً يُقَدَّمُ فيه بعض الصداق ويُؤَخر بعضه، أو يُقَدِّمُ بعض النّاس ويُؤَخِّرُ بعضهم، رُجِع في ذلك إلى الأغلب من حال البلد وعُرْفِ النّاس فيه، فيُحْمَل المتداعيان عليه. فعلى هذا قول مالكٍ: «إنَّ الدخول براءةٌ من الصداق إذا كان قد حلَّ قبل الدخول». فأمّا إذا حلَّ بعد الدخول فعليه البيِّنة على الدفع؛ لأنّه معلومٌ أنَّ ذلك كان عليه بعد الدخول، فلا يخرج منه إلّا ببيِّنةٍ على الدفع، أو إقرار المرأة بذلك. فكذلك إذا كان لها عليه كتابٌ بالصداق، فقال: «قد دفعته قبل الدخول»، لم

стр. 1245

يقبل منه ذلك؛ لأنَّ مع المرأة حُجَّةً هي أقوى من دخوله بها؛ ولأنَّ تركه الكتاب معها بعد دفع الصداق على ما يذكر دلالةٌ على بطلان قوله، فعلى هذا أصل قول مالكٍ في الصداق، وأنَّ الزوج يبرأ بالدخول. وقال إسماعيل بن إسحاق: «لم يذهب على مالكٍ ولا على من دونه، أنَّ الزوج مُقِرٌّ بالصداق مُدَّعٍ للدفع، فعليه البيِّنة؛ لأنَّ هذا لا يذهب على أهل العلم ومن منزلته فيه قليلةٌ، فضلاً عن مالكٍ وأصحابه، ولكنهم نزَّلُوا الأمور منازلها، وردوا الأمور إلى أصولها، كما يفعل ذلك غيره من العلماء في أشياء إذا وقع التداعي فيها، أنهم يَرْجِعُون إلى أقوى المتداعيين سبباً، فيكون القول قوله مع يمينه، من ذلك ما ذكرناه من غيره يكثر ذكرها. وما قال مالك في الصداق، فهو قول الفقهاء السبعة، وقول غيرهم من التابعين. ••• [١٣٨٣] مسألة: قال: ولا يحلف الرّجل للرجل، إلّا أن تكون بينهما مخالطةٌ فيحلف. فإن نكل ورَدَّ اليمين، حلف الطالب (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ اليمين يثقل أمرها على أكثر الناس، وخاصةً أهل الدِّين منهم، وكذلك التقدمة إلى الحكام، فلو مُكِّنَ النّاس من ذلك، لادَّعَى كلّ إنسانٍ على

стр. 1246

من يريد ممن بينه وبينه شيءٌ، فجَرَّهُ إلى الحاكم واستحلفه وابتذله وامتهنه، وفي ذلك ضررٌ على الناس، فوجب أن يستعلم الحاكم، هل بينهما مخالطة، أو يليق بالمدَّعى عليه ما ادَّعاه المدَّعي، فإن لم تكن بينهما مخالطةٌ ولم يلق بالمدِّعي ما ادَّعاه، لم تُسمع الدعوى؛ لأنَّ المُدَّعِي في الأغلب غير مُحقٍّ في دعواه. وقد رُوِّينَا عن حسين بن عبد الله بن ضمرة (١)، عن أبيه (٢)، عن جده (٣)، عن علي ﵇ قال: «اليمين مع الشّاهد» (٤). فإن لم تكن بيِّنةٌ، فاليمين على المُدَّعَى عليه إذا كان قد خالطه، فإن نكل حلف المدَّعِي. وهو قول عمر بن عبد العزيز، رواه مالك، عن جميل بن عبد الرحمن (٥)، عن عمر بن عبد العزيز (٦).

стр. 1247

وهو قول السبعة الفقهاء (١)، أنهم لا يستحلفون الا من كانت بينه وبين المدَّعي خلطةٌ، فإذا كانت خلطةٌ استُحْلِفَ، فإن حلف برئ، وإن لم يحلف، حلف المدَّعي واستحق ما ادَّعى؛ لأنَّ المدَّعي قد اجتمع له أمران، نكول المُدَّعَى عليه ويمينه، فوجب أن يُحكَم بذلك، ولم يجز أن يُحْكَم بنكول المدَّعَى عليه وحده، إذ ليس في الأصول ثبوت حقٍّ بسببٍ واحدٍ على الانفراد، على ما ذكرناه فيما تقدَّم (٢). ••• [١٣٨٤] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ ذِكْرُ حقٍّ وهو آخر ما عليه، ثمّ مات الرّجل فوُجِدَ في كتبه: «قبضْتُ من فلانٍ كذا وكذا ديناراً»، فقال الغريم: «قد قضيته بعد هذا الذكر الحق»، فعلى الورثة اليمين: «ما علمناه اقتضى بعد هذا الكتاب»، ويُحَقُّوا حقوقهم. ولا يلزم الغريم شيءٌ مما في كتب الميت قد ذكره عليه (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الحق قد ثبت على الغريم، فلا يقبل قوله فيما يدعيه من القضاء. وعلى الورثة أن يحلفوا ما يعلمون صاحبهم اقتضى شيئاً؛ لأنَّ صاحبهم لو كان حياً كان ذلك عليه.

стр. 1248

وقوله: «لا يلزم الغريم شيءٌ مما في كتب الميت قد ذكره عليه»؛ فلأنَّ النّاس لا يلزمهم الحق بقول غيرهم عليهم أو كتابة غيرهم عليهم، حتى تقوم عليهم بينةٌ على أخذهم الشّيء أو إقرارهم به. وكذلك لا يجوز الحكم على خط الانسان إذا أتى به المدعي وإن قامت له البيّنة على ذلك؛ لأنَّ الخط يُعْمَلُ على الخط ويُشَبَّهُ به. وهذا آخر قول مالك الذي استقر عليه، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الشهادات. ••• [١٣٨٥] مسألة: قال: ومن أتاه غَسَّالٌ بثوبٍ، فأنكر أن يكون ثوبه، فالغسال يحلف ويبرأ، فإن نكل حلف ربُّ الثوب: «ما هذا ثوبي وأنَّ قيمته لكذا وكذا»، ثمّ يحقُّ ذلك له (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغسال مُؤتمنٌ على عين الثوب الذي دُفِعَ إليه، وكذلك كلّ صانعٍ، أعني: إذا وقع الخلاف بينه وبين ربّ الشيء، في عين الشّيء المدفوع إليه لا في تلفه، فإنَّ القول قول الصانع في ذلك؛ لأنّ ربه قد ائتمنه على عينه مع يمينه. فإن نكل حلف ربّ الشّيء واستحق ما يدَّعيه؛ لأنَّ الغسال بامتناعه من اليمين قد اتهم نفسه، وضَعَّفَ أمانته، وقَوَّى سبب ربّ الشيء، فوجب أن يحكم له بيمينه مع نكول الصانع، ثمّ يستحق ما يدَّعيه. •••

стр. 1249

[١٣٨٦] مسألة: قال: ومن قامت عليه بينةٌ أنّه أخذ لرجلٍ ثوباً، وأنكر ذلك، فليُجعل من وسط الثياب، ويحلف المدَّعى عليه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشهود عليه قد لزمه ثوبٌ ما بقيام الشّهادة عليه، كما لو أقر بثوبٍ ما. ثم يُرْجَع في ذلك إلى الوسط من الثياب بأهل البلد الذي هم فيه. ويكون القول قول المُدَّعَى عليه مع يمينه؛ لأنَّ ما زاد على ذلك لم تَقُم به بينةٌ ولا ثبت بإقرارٌ، فالذي يذكر أكثر منه مدَّعٍ، فعليه البينة. ••• [١٣٨٧] مسألة: قال: وإذا جحد الرّجل أنَّ عليه حقاً، فأقيمت عليه البينة، فقال: «عندي البيّنة أني قضيته»، قال: «لا يجوز ذلك» (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أمر هذا يُحْمَل على العنت ورفع ما قد ثبت عليه من الحق ووجب عليه ببينةٍ؛ لأنّه غير ثقةٍ فيما يدّعي من القضاء، كما كان غير ثقةٍ في جحوده الحق. ••• [١٣٨٨] مسألة: قال: ومن أسلف رجلاً ذهباً، وأمره بقبضها من صرّافٍ

стр. 1250

فقبضها، فلمّا تقاضاه ذلك، قال: «قد دفعتها إلى الصراف وحسبته وكيلك»، فإنَّ ذلك عليه يلزمه. ولا يحلف الصراف له إن جحده إذا لم يكن مُتَّهماً، فإن اتُّهِم حلف (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي عليه الذهب قد أخطأ في قضائه ما عليه من القرض للصراف إذا لم يُوَكِّلُهُ الذي له الحق بذلك، فكان عليه دفع ذلك إلى صاحبه. ••• [١٣٨٩] مسألة: قال: ومن كانت له على رجلٍ دنانير، فزعم أنّه قد قضاه، فإنّه يحلف: ما اقتضى حقه ويأخذ، فإن نكل، حلف المطلوب (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الحق قد وجب على الذي عليه بإقراره أو بيِّنَةٍ، وادَّعى أنّه قد قضى ذلك وخرج منه، فلا يقبل قوله إلّا ببينةٍ على ما يذكره، وَإِلّا حلف صاحب الحق ما اقتضى شيئاً وأخذ حقه، فإن نكل حلف المطلوب، وسقط عنه الحق بنكول الذي يدَّعي الحق مع يمين الذي ادُّعي عليه. ••• [١٣٩٠] مسألة: قال: ومن وهب هبةً، ثمّ طلب ثوابها، فقال: «قد أثبتك»، فعليه البينة، وَإِلّا حلف الواهب وإن لم يكن يشهد على الهبة.

стр. 1251

وهي مثل البيع، يقول: «بعتك هذا الثوب»، فيقول: «نعم وقد أوفيتك»، فعليه البيّنة وإن لم يكن على أصله البينة (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الموهوب له مقرٌّ بالهبة، مُدَّعٍ أنّه قد أثاب منها، فعليه البيّنة على ما يدّعي من ذلك، وَإِلّا حلف الواهب ما أثابه وكان له الثواب من هبته، وذلك قيمتها. وذلك مثل البيع والشراء وسائر الحقوق إذا ذكر الذي عليه الحق أنّه قد خرج منها، وأنكر ذلك الذي له الحق، فعليه البيّنة وَإِلّا حلف صاحب الحق ما اقتضى ما ذكره ويستحق حقه. ••• [١٣٩١] مسألة: قال: ومن وهب لرجلٍ شاتين، ثمّ أقام أربعة أشهرٍ، ثمّ جاء يطلب الثواب، فيحلف ما أثابه، ويكون مثل البيع (٢). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ الموهوب له مدعٍ أنّه قد أثاب صاحب الهبة وهو الواهب، وينكر ذلك الواهب، فعلى المدَّعي البيّنة وعلى المنكِر اليمين. ••• [١٣٩٢] مسألة: قال: ومن كانت له على رجلٍ مئة دينارٍ، فاقتضاها حتى بقيت له عشرون ديناراً، فكتب بها عليه كتاباً وأُرِّخَتِ البينة، ثمّ تقاضاه العشرين

стр. 1252

فأخرج عليه براءةً بعشرة دنانير ليست بمؤرخةٍ ولا منسوبةٍ إلى شيءٍ، فقال: «هي من العشرين»، وقال: «بل هي من المئة»، فإن كانت بينَةٌ تشهد أَنَّهَا كانت له عليه مئة، أحلف بالله «ما هذه البراءة من العشرين» وأُخِذت (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي عليه الحق يدَّعي أنّه قد برئ أيضاً من عشرة باقيةٍ عليه بعد البراءة؛ لأنَّ الباقية عشرون بعد البراءة، فالقول قول صاحب الحق؛ لأنَّ حقه قد ثبت ببينةٍ، والذي عليه الحق مدَّعٍ لدفع ذلك إليه وخروجه منه، فلا يقبل ذلك منه بغير بينةٍ، وَإِلّا حلف صاحب الحق ما اقتضى منه ما يقول. ••• [١٣٩٣] مسألة: قال: ومن اشترى زبيباً بدينارٍ، فبعث (٢) معه رسولاً يدفعه إليه، فجحد الرسولَ (٣)، فإنَّ الرسول يحلف ويبرأ، إلّا أن يكون صغيراً لا يحلف مثله، فيحلف البائع ما وصل إلي ولا علمته أعطاه، ثمّ يأخذه. فإن أقرَّ الرسول وكان من الرسل الذين لا يجوز إقرارهم، فعلى المعطي البينة، وَإِلّا غرم الدينار (٤).

стр. 1253

• إنّما قال ذلك؛ لأنّه كان يجب على المشتري أن لا يعطي الرسول الدينار بغير بيِّنةٍ، فإذا لم يُشْهِد عليه فقد أتلف على نفسه الدينار، وحق البائع باقٍ عليه. وعلى الرسول اليمين للدافع أنّه لم يدفع إليه ويبرأ؛ لأنّه مؤتمنٌ، فالقول قوله مع يمينه. فإن كان صغيراً مثله لا يحلف ولا يجوز إقراره، لم يكن عليه شيءٌ وإن أقرَّ؛ لأنَّ صاحب الدينار، وهو المعطي، ضيَّع ديناره بدفعه إلى من لا يُدفع إلى مثله. ••• [١٣٩٤] مسألة: قال: ومن أُمِر أن يدفع إلى رسولٍ، فليُشْهد عليه (١). • إنّما قال ذلك؛ ليحفظ ماله ويتوثق له وللآمر بالدفع، وقد قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦]، فأمر من في يده المال أن يدفع إلى من يجوز له دفعه إليه ببيِّنَةٍ؛ ليبرأ بالدفع، فإن لم يُشْهِد لم يُقْبل قوله على ما يذكره من الدفع. ••• [١٣٩٥] مسألة: قال: ومن ابتاع طعاماً فحُمِل إليه وخَلَطَه بغيره، ثمّ إنَّ البائع فقد طعاماً من طعامه، فأتاه فقال: «انظر (٢) أن يكون الحمالون حملوا إليك شيئاً من قمحي»، فكاله فوجده يزيد غِرَارَةً فردَّها عليه، فأراد أن يستحلفه الذي ذهب قمحه، فعليه أن يحلف، فإن أبى أن يحلف، غرمه.

стр. 1254

ولا يمين (١) على الآخر؛ لأنّه لا يدري وصل إليه أم لم يصل، فلا يحلف على ما لا علم له به؛ لأنَّ الحمالين تولَّوا حمله (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ سبب البائع قوِيَ بوجود الزيادة عند المبتاع، فكان له أن يستحلفه، فإن نكل غرم المبتاع بالنكول مع قوة السبب. والبائع لا يحلف؛ لجواز أن يكون قد وصل إليه ما لا يدري، هذا الاحتياط لا الحكم. فإن حلف المبتاع سقط عنه الغرم. وإنما لم يحلف البائع؛ لأنّه لا يدري هل وصل ما افتقده من الطعام إلى المشتري أم لا، فليس يجوز أن يحلفه على ما لا يعلمه. ••• [١٣٩٦] قال: ومن ترك ديناً وترك فضلاً فيه عشرة، فكفَّنه الورثة بخمسةٍ، وأبت المرأة أن تجيز، وادَّعَوا أَنَّهَا أذنت ورضيت، فلا يمين لهم عليها، ويُقَوَّم ويُنْظَر في ذلك (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الورثة فعلوا ما لم يجز لهم من تكفين الميت بسَرَفٍ

стр. 1255

وهو بنصف ما فضل عن الدَّين، وذلك غير جائزٍ، فعليهم غُرم ما زاد على كفن مثله للمرأة بقدر ما يخصها من ذلك. ولا يمين عليها أَنَّهَا ما رضيت بذلك؛ لأنّها في الأصل غير راضيةٍ، وعليهم بيانه. وقد يحتمل أن يكون مالكٌ قال هذا في امرأةٍ بعينها سُئل عنها، كانت مأمونةً عنده في قولها إنها لم ترض، فرأى أن لا تُستحلف، فأمّا غيرها إذا وقع مثل هذا فإنها تُستحلف، وهو القياس؛ لأنّها مُدَّعى عليها، وعلى المُدَّعَى عليه اليمين إذا أنكر ولم يكن للمدعي بيِّنَةٌ، كما قال رسول الله ﷺ . ••• [١٣٩٧] مسألة: قال: ولا يحلف أحدٌ عند منبر النبيِّ ﷺ في أقل من ربع دينارٍ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ربع دينارٍ هو أقل مالٍ ثبتت له حرمةٌ في استباحة يد السارق، وكذلك يستباح به البُضْعُ على وجه النكاح، لا بأقل منه؛ فلهذا المعنى جاز أن يُستحلف الإنسان عند المنبر على هذا المقدار، فأمّا في دون ذلك فلا يُستحلف لقلَّته، ولا خلاف في ذلك نعلمه (٢)؛ لأنَّ أهل العلم على قولين:

стр. 1256

منهم من لم يَرَ اليمين عنده على القليل والكثير. ومنهم من رأى أن يُستحلف على مقدارٍ ما، وهو ربع دينارٍ، على قول مالكٍ وأهل المدينة. ومنهم من رأى أكثر من ذلك، وهو عشرون ديناراً أو مئتا درهمٍ. فأمّا أحدٌ يقول: إنه يحلف في أقل من ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهم، فلا نعلمه قولاً لأحد. ••• [١٣٩٨] مسألة: قال: وتحلف المرأة في المسجد، تخرج بالليل إن كانت ممن لا تخرج بالنهار (١). • إنّما قال ذلك؛ من قِبَل أنَّه لا فصل بين الرجال والنساء فيما يلزمهما من اليمين، فعليها أن تحلف عند المنبر، وتخرج ليلاً إن كانت لا تخرج نهاراً؛ لأنَّ ذلك أستر لها. ••• [١٣٩٩] مسألة: قال: ولا بأس أن يفدي الرّجل يمينه (٢).

стр. 1257

• إنّما قال ذلك؛ لِمَا رُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «مَا وَقَى بِهِ المَرْءُ عِرْضَهُ، فَهُوَ صَدَقَةٌ» (١)، رواه محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ . فجاز لهذا المُدَّعَى عليه أن يزيل عن نفسه البذلة والمهنة بما يبذل من ماله، فلم يُمْنع منه، ولم يجز للمدَّعي أن يأخذ ذلك إذا كان غير مستحقٍّ. ورَوَى القاسم بن عبد الرحمن (٢): «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا أَتَى أَرْضَ الحَبَشَةِ، أُخِذَ فِي شَيْءٍ، فَأَعْطَى دِينَارَيْنِ حَتَّى خُلِّيَ سَبِيلُهُ» (٣). ورَوَى هشيم، حدثنا حجاج، عن عطاء، عن عمرو (٤)، عن جابر بن زيد والشعبي قالوا: (لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ إِذَا ظُلِمَ) (٥). وعن يونس عن الحسن مثله (٦). ••• [١٤٠٠] مسألة: قال: ويحلف النصراني في الكنيسة، ويحلف بالله (٧).

стр. 1258

• إنّما قال ذلك؛ لأنْ يرتدع الحالف ويمتنع من اليمين إن كان كاذباً متى كان في موضع يُعَظِّمُهُ ويشَرِّفه. وإن كان نصرانياً، حلف في البيعة، وإن كان يهودياً، ففي الكنيسة، وإن كان مسلماً، ففي المسجد. وقوله: «يحلف بالله»، فلأنَّ اليمين هي بالله تعالى أو بصفاته، فلا يجوز أن يستحلف حاكم المسلمين بغيرها، وقد قال النبيُّ ﷺ : «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفَاً، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» (١). ••• [١٤٠١] مسألة: قال: ولا يُحْلَفُ عند مِنْبَرٍ، إلّا منبر رسول الله ﷺ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ منبر رسول الله ﷺ له من الحرمة والتعظيم ما ليس لغيره، فاستُحلِفَ الإنسان عنده؛ ليرتدع عن الظلم ويمتنع أن يحلف إن كان كاذباً عنده، وليس كذلك سائر المنابر؛ لأنّه لا حرمة لها كحرمة منبر رسول الله ﷺ ، وقد قال النبيُّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ

стр. 1259

النَّارِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئَاً يَسِيرَاً؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَلَى سِوَاكٍ مِنْ أَرَاكٍ» (١). ••• [١٤٠٢] مسألة: قال: ويُحْلَف في مساجد المدائن، وتُغلظ الأيمان في الدماء واللعان في دبر الصلاة (٢). • إنّما قال ذلك كله؛ لأنْ يرتدع الحالف عن اليمين على غير حقٍّ، وليعترف بالحق إذا ادُّعِي عليه؛ لأنَّ من شأن أهل الدِّين من أي دِينٍ كان، أن يتخوَّف ويرتدع في الأوقات الشريفة والمواضع المعظمة، هذا هو الغالب من أمر أهل الدِّين، فلهذا أوجب أن يُستحلفوا في المواضع التي يعظمونها والأوقات التي يشرفونها، وخاصَّة في الدماء واللِّعان. ويكون ذلك في دُبر الصلاة؛ لأنَّ ذلك الوقت هو وقتٌ يجتمع فيه الناس، فلعله أن يرتدع عن اليمين على الكذب خيفة العقوبة وحياءً من الناس، وقد قال الله سبحانه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة:١٠٦]، فأمر باستحلافهما بعد الصلاة (٣). •••

стр. 1260

[١٤٠٣] مسألة: قال: ومن كان يقتضي دينه ويقتضيه أيضاً عبدُهُ، فإنَّ كلّ واحدٍ منهما إذا وجبت عليه اليمين، حلف على ما اقتضى وحده، ولم يحلف على ما اقتضى غيره (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الحالف إنّما يحلف على ما يعلمه من فعله لا فعل غيره، فوجب أن يحلف كلّ واحدٍ من السيد والعبد على ما اقتضاه وحده؛ لأنَّ ذلك فعله دون فعل غيره الذي لا يعلمه حقاً فيحلفه عليه. ••• [١٤٠٤] مسألة: قال: وإنما يحلف الحالف بالله الذي لا إله إلّا هو فقط (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ اليمين إنّما هي بالله ، وهو أن يذكر الله ويوحِّده وينفي غيره، وذلك هو التوحيد، لا غير ذلك من ذكر صفاته؛ لأنّها تكثر، فوجب أن يقتصر على ذكر اسم الله وأسمائه وحده دون غيره، من غير ذكر صفاته، والله أعلم (٣).

стр. 1261

قال أبو بكر: وقد كان النبيُّ ﷺ يحلف، يقول: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» (١)، وما أشبه ذلك. ••• [١٤٠٥] مسألة: قال: وربع الدينار الذي يحلف فيه عند المنبر: ثلاثة دراهمٍ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ثلاثة دراهمٍ لها حرمةٌ تُقْطَع يد السارق فيها، ويُتَزَوَّجُ عليها، فحرمتها كحرمة ربع دينارٍ. ألا ترى: أنَّ عشرين ديناراً بمنزلة مئتي درهم في وجوب الزكاة فيها، فكذلك كلّ جزءٍ من مئتي درهمٍ بإزاء كلّ جزءٍ من عشرين ديناراً في الحرمة، والله أعلم. ••• [١٤٠٦] مسألة: قال: ومن جحد رجلاً حقاً، فأراد أن يُحَلِّفَه: «ما أسلفتك شيئاً»، وأبى الآخر أن يحلف إلّا: «ما لك عندي شيءٌ»، فيحلف (٣): «ما كان لك عندي حقٌّ وما الذي ادَّعيتَ عليَّ إلّا باطل (٤)»، فإن أبى أن يحلف، حلف صاحب الحق (٥).

стр. 1262

• إنّما قال ذلك؛ لجواز أن يكون كان على المُدَّعَى عليه حقٌّ للمُدَّعِي فقضاه، فليس عليه أن يحلف ما أسلفه، ولكن يحلف: «مالك عندي حقٌّ، وما الذي ادَّعيته إلّا باطلٌ». وفي الكتاب: «ما كان لك عندي حقٌّ» وأحسب «ما كان» غلطاً، وإنما هو: «ما لك عندي حقاً»، لجواز أن يكون كان له عنده حقٌّ فقضاه. فإن امتنع المُدَّعَى عليه عن اليمين، حلف المُدَّعِي واستحق حقه بنكول المُدَّعَى عليه مع يمينه. ••• [١٤٠٧] مسألة: قال: ومن كان لولده عنده مالٌ، فيموت ولده، فطالبت جدته بميراثها، فيقول: «قد أنفقْتُ عليه» - من أمورٍ سمَّاها: من رضاعٍ وغيره -: (فإن كان مقلاً مأموناً، لم يحلف. (وإن كان مكثراً، حلف؛ لأنَّ الآباء هم ينفقون على الأبناء. فلا (١) نرى لأحدٍ أن يُحَلِّفَ أباه (٢). • إنّما قال: «إنَّ قول الأب يقبل فيما يذكر من النفقة من مال ابنه»؛ لأنَّ الابن لا بد له من نفقةٍ ومؤنةٍ في قوته وكسوته وما يصلحه، فإذا أتى الأب بما يشبه، قُبِل قوله وعُلِم أنَّ ذلك من مال ابنه إذا كان الأب فقيراً.

стр. 1263

وإن كان مكثراً، كان ذلك من مال الأب؛ لأنَّ ظاهر نفقته عليه أنّه من ماله، والأصل كذلك، ولا يُعلم أنَّ ذلك قد أزاله عن نفسه، إلّا بأن يَظْهَر ذلك عند الحاكم، أو يُشْهَد على ذلك، فيكون ذلك له. وقوله: «لا نرى لأحدٍ أن يُحَلِّفَ أباه»، فهذا هو على وجه الكراهة لا الواجب؛ لأنَّ استحلافه أباه مما يؤذيه به ويمتهنه بذلك، وذلك مكروهٌ للابن أن يفعل بأبيه؛ من أجل حقوق الأب على الابن، فأمّا الواجب فله ذلك؛ لأنّه لا فرق في الحقوق إذا وجبت للإنسان أنَّ له أنْ يأخذها، سواءٌ كان ذلك أباه أو غيره. ألا ترى: أنّه لو داين أباه لكان له أخذ الدَّين منه. ومالكٌ فيكره أيضاً حبس الابن لأبيه في حقٍّ يكون عليه (١)، فأمّا الواجب فله أن يحبسه حتى يخرج من حقه، كما يحبس غيره، والله أعلم. ••• [١٤٠٨] مسألة: قال: ويحلف النّاس في الأيمان قياماً، ويحلفون في المسجد في أعظم مواضعه عند الناس (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حلفهم قياماً أرهب لهم وأشهر، فلعلهم أن يرتدعوا عن اليمين إن كانوا غير محقين، وقال الله : ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة:١٠٦]، أراد، والله أعلم:

стр. 1264

أنهما يقومان مقام الأولين، ويشبه أن يكون ذلك في اليمين قائماً، أو بدل الأولين، والله أعلم (١). وقوله: «يحلفون في المسجد، في أعظم مواضعه»، فذلك أيضاً ليرتدع الحالف أن يحلف على غير حقٍّ؛ لأنَّ من سبيل أهل الدِّين الارتداع عما لا يجوز في المواضع والأوقات الشريفة، على ما ذكرناه. ••• [١٤٠٩] مسألة: قال: وإذا كان لقومٍ ربع دينارٍ بذكر حقٍّ واحدٍ، لم يحلفوا (٢). • يعني: عند المنبر؛ لأنّه يصير حالفاً على أقل من ربع دينارٍ، وإنما يُحْلَف عند منبر النبيِّ صلى الله عليه على ربع دينارٍ فصاعداً، أو ثلاثة دراهمٍ فصاعداً، على ما بيَّنَّاه. ••• [١٤١٠] مسألة: قال: ويحلف النّاس في المساجد في الأيمان كلها، ويُحْلَف فيما دون ربع دينارٍ في مواضعه، ولا يحلف في مساجد العشائر في ربع دينارٍ (٣).

стр. 1265

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المساجد معظمةٌ عند المسلمين، فيجب أن يحلفوا فيها ليرتدعوا عن اليمين على غير حقٍّ. وهذا إذا كان ما يُحْلَف عليه شيئاً له قيمته، وهو ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهمٍ، فأمّا أقل من ذلك فإنهم يحلفون حيث كانوا؛ لأنَّ ذلك يسير الحرمة والمقدار. ألا ترى: أنّه لا يُحْلَف عند المنبر على أقل من ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهم؛ لِمَا ذكرناه، فكذلك لا يحلفون في المساجد، أعني ليس عليهم أن يأتوا إلى المساجد؛ لأنَّ ذلك يشق عليهم ويضر بهم، إلّا في مالٍ له قدرٌ وحرمةٌ (١). ••• [١٤١١] مسألة: قال: ولا يُجْلَب إلى المدينة من بَعُدَ، إلّا في الدماء والقسامة (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الدماء لها حرمةٌ ليست لغيرها من الأموال؛ لأنَّ حرمة النفس أعظم من حرمة المال، وقد غُلِّظَت الدماء بجعل القسامة فيها؛ حفظاً لها، وليست كذلك الأموال، فجاز أن يُجْلَبوا من أعمال المدينة وإن بَعُدَ ذلك، وكذلك من عمل مكة وبيت المقدس إلى مساجدها ليحلفوا في الدماء؛ لغلظها، دون الأموال.
следующие страницы →