قال أبو بكر: وقد كان النبيُّ ﷺ يحلف، يقول: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» (١)، وما أشبه ذلك.
•••
[١٤٠٥] مسألة: قال: وربع الدينار الذي يحلف فيه عند المنبر: ثلاثة دراهمٍ (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ثلاثة دراهمٍ لها حرمةٌ تُقْطَع يد السارق فيها، ويُتَزَوَّجُ عليها، فحرمتها كحرمة ربع دينارٍ.
ألا ترى: أنَّ عشرين ديناراً بمنزلة مئتي درهم في وجوب الزكاة فيها، فكذلك كلّ جزءٍ من مئتي درهمٍ بإزاء كلّ جزءٍ من عشرين ديناراً في الحرمة، والله أعلم.
•••
[١٤٠٦] مسألة: قال: ومن جحد رجلاً حقاً، فأراد أن يُحَلِّفَه: «ما أسلفتك شيئاً»، وأبى الآخر أن يحلف إلّا: «ما لك عندي شيءٌ»، فيحلف (٣): «ما كان لك عندي حقٌّ وما الذي ادَّعيتَ عليَّ إلّا باطل (٤)»، فإن أبى أن يحلف، حلف صاحب الحق (٥).
стр. 1262
• إنّما قال ذلك؛ لجواز أن يكون كان على المُدَّعَى عليه حقٌّ للمُدَّعِي فقضاه، فليس عليه أن يحلف ما أسلفه، ولكن يحلف: «مالك عندي حقٌّ، وما الذي ادَّعيته إلّا باطلٌ».
وفي الكتاب: «ما كان لك عندي حقٌّ» وأحسب «ما كان» غلطاً، وإنما هو: «ما لك عندي حقاً»، لجواز أن يكون كان له عنده حقٌّ فقضاه.
فإن امتنع المُدَّعَى عليه عن اليمين، حلف المُدَّعِي واستحق حقه بنكول المُدَّعَى عليه مع يمينه.
•••
[١٤٠٧] مسألة: قال: ومن كان لولده عنده مالٌ، فيموت ولده، فطالبت جدته بميراثها، فيقول: «قد أنفقْتُ عليه» - من أمورٍ سمَّاها: من رضاعٍ وغيره -:
(فإن كان مقلاً مأموناً، لم يحلف.
(وإن كان مكثراً، حلف؛ لأنَّ الآباء هم ينفقون على الأبناء.
فلا (١) نرى لأحدٍ أن يُحَلِّفَ أباه (٢).
• إنّما قال: «إنَّ قول الأب يقبل فيما يذكر من النفقة من مال ابنه»؛ لأنَّ الابن لا بد له من نفقةٍ ومؤنةٍ في قوته وكسوته وما يصلحه، فإذا أتى الأب بما يشبه، قُبِل قوله وعُلِم أنَّ ذلك من مال ابنه إذا كان الأب فقيراً.
стр. 1263
وإن كان مكثراً، كان ذلك من مال الأب؛ لأنَّ ظاهر نفقته عليه أنّه من ماله، والأصل كذلك، ولا يُعلم أنَّ ذلك قد أزاله عن نفسه، إلّا بأن يَظْهَر ذلك عند الحاكم، أو يُشْهَد على ذلك، فيكون ذلك له.
وقوله: «لا نرى لأحدٍ أن يُحَلِّفَ أباه»، فهذا هو على وجه الكراهة لا الواجب؛ لأنَّ استحلافه أباه مما يؤذيه به ويمتهنه بذلك، وذلك مكروهٌ للابن أن يفعل بأبيه؛ من أجل حقوق الأب على الابن، فأمّا الواجب فله ذلك؛ لأنّه لا فرق في الحقوق إذا وجبت للإنسان أنَّ له أنْ يأخذها، سواءٌ كان ذلك أباه أو غيره.
ألا ترى: أنّه لو داين أباه لكان له أخذ الدَّين منه.
ومالكٌ فيكره أيضاً حبس الابن لأبيه في حقٍّ يكون عليه (١)، فأمّا الواجب فله أن يحبسه حتى يخرج من حقه، كما يحبس غيره، والله أعلم.
•••
[١٤٠٨] مسألة: قال: ويحلف النّاس في الأيمان قياماً، ويحلفون في المسجد في أعظم مواضعه عند الناس (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حلفهم قياماً أرهب لهم وأشهر، فلعلهم أن يرتدعوا عن اليمين إن كانوا غير محقين، وقال الله : ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة:١٠٦]، أراد، والله أعلم:
стр. 1264
أنهما يقومان مقام الأولين، ويشبه أن يكون ذلك في اليمين قائماً، أو بدل الأولين، والله أعلم (١).
وقوله: «يحلفون في المسجد، في أعظم مواضعه»، فذلك أيضاً ليرتدع الحالف أن يحلف على غير حقٍّ؛ لأنَّ من سبيل أهل الدِّين الارتداع عما لا يجوز في المواضع والأوقات الشريفة، على ما ذكرناه.
•••
[١٤٠٩] مسألة: قال: وإذا كان لقومٍ ربع دينارٍ بذكر حقٍّ واحدٍ، لم يحلفوا (٢).
• يعني: عند المنبر؛ لأنّه يصير حالفاً على أقل من ربع دينارٍ، وإنما يُحْلَف عند منبر النبيِّ صلى الله عليه على ربع دينارٍ فصاعداً، أو ثلاثة دراهمٍ فصاعداً، على ما بيَّنَّاه.
•••
[١٤١٠] مسألة: قال: ويحلف النّاس في المساجد في الأيمان كلها، ويُحْلَف فيما دون ربع دينارٍ في مواضعه، ولا يحلف في مساجد العشائر في ربع دينارٍ (٣).
стр. 1265
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المساجد معظمةٌ عند المسلمين، فيجب أن يحلفوا فيها ليرتدعوا عن اليمين على غير حقٍّ.
وهذا إذا كان ما يُحْلَف عليه شيئاً له قيمته، وهو ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهمٍ، فأمّا أقل من ذلك فإنهم يحلفون حيث كانوا؛ لأنَّ ذلك يسير الحرمة والمقدار.
ألا ترى: أنّه لا يُحْلَف عند المنبر على أقل من ربع دينارٍ أو ثلاثة دراهم؛ لِمَا ذكرناه، فكذلك لا يحلفون في المساجد، أعني ليس عليهم أن يأتوا إلى المساجد؛ لأنَّ ذلك يشق عليهم ويضر بهم، إلّا في مالٍ له قدرٌ وحرمةٌ (١).
•••
[١٤١١] مسألة: قال: ولا يُجْلَب إلى المدينة من بَعُدَ، إلّا في الدماء والقسامة (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الدماء لها حرمةٌ ليست لغيرها من الأموال؛ لأنَّ حرمة النفس أعظم من حرمة المال، وقد غُلِّظَت الدماء بجعل القسامة فيها؛ حفظاً لها، وليست كذلك الأموال، فجاز أن يُجْلَبوا من أعمال المدينة وإن بَعُدَ ذلك، وكذلك من عمل مكة وبيت المقدس إلى مساجدها ليحلفوا في الدماء؛ لغلظها، دون الأموال.
стр. 1266
فأمّا مِنْ غير أعمالها فلا يجلبون إليها؛ لأنّ ذلك يضر بالناس، ولو جاز ذلك، لجلبوا من إقليمٍ إلى إقليمٍ، وهذا لا يقوله أحدٌ (١).
•••
[١٤١٢] مسألة: قال: ولا يُستحلفُ عند المصحف (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ موضع المصحف وكونه فيه، ليس هو موضعاً ثابتاً يعرفه النّاس عند اليمين كثبوت المنبر ومعرفة موضعه.
ولأنه لم يرد أيضاً في اليمين عنده أثرٌ، كما ورد في اليمين عند المنبر وتعظيمها.
•••
[١٤١٣] مسألة: قال: وإذا اختلف البائعان في ثمن السلعة، فقال المشتري: «بخمسةٍ»، وقال البائع: «بعشرةٍ»؟
فإن شاء البائع أعطى المشتري بما قال، وإن شاء حلف على ما ادَّعى.
فإذا حلف قيل للمشتري: «إما أن تأخذ بما قال، وإما أن تحلف على ما قلت»، فإن حلف برئ منها (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ من البائع والمشتري مُدَّعٍ ومُدَّعى عليه،
стр. 1267
فالمبتاع مُدَّعٍ لاستحقاق السلعة بشيءٍ ما، والبائع منكِرٌ أن يكون استحقها بذلك، ومُدَّعٍ لثمنٍ هو أكثر مما أقر به المشتري، فبُدِئَ البائع باليمين؛ لقوة سببه، ثمّ استَحْلَفَ المشتري بعد ذلك وفَسَخَ الأمر بينهما، إلّا أن يتفقا على شيءٍ، فيجوز ذلك بينهما، وبذلك ورد الخبر عن النبيِّ ﷺ .
فرَوَى ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله (١)، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ، فَالقَوْلُ مَا قَالَ البَائِعُ، أَوْ يَتَتَارَكَانِ» (٢).
ورَوَى ابن وهبٍ، قال: أخبرني إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن أمية القرشي، عن عبد الملك بن عبيدة (٣)، عن ابنٍ لعبد الله بن مسعود، حدثه عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا?اخْتَلَفَ?المُتَبَايِعَانِ، اُسْتُحْلِفَ البَائِعُ، ثُمَّ كَانَ المُبْتَاعُ بِالخِيَارِ، إنْ شَاءَ?أَخَذَ?وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» (٤).
стр. 1268
وعن عطاء وشريح والشعبي مثله (١)، وهذا قول جملة أهل العلم.
•••
[١٤١٤] مسألة: قال: وإذا بان (٢) بالسلعة، فالقول قول المشتري ويحلف، ما لم يكن أمرٌ يُعْرَف به كذبه، يقول: «أخذت العبد بدينارٍ أو بدرهمٍ أو ما أشبهه».
وقد قيل: إنَّ ذلك بمنزلة ما لم تَغَيَّرْ، ما إذا كان قريباً لم تتغير السلعة، فإن تغيرت فالقول قول المبتاع، وهذا أحب إلينا (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري إذا قبض السلعة من البائع فقد قَوِيَ سبَبُهُ، فكان القول قوله مع يمينه؛ لأنَّ البائع قد ائتمنه على مبلغ الثمن بتسليم السلعة إليه، وقد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ القول قول من يدَّعِي الأشبه من المتداعيين مع يمينه، وأنَّ اليمين أيضاً جُعِلت على أقوى المتداعيين سبباً، فلمّا قوي سبب المشتري بقبضه السلعة، كان القول قوله مع يمينه في مقدار الثمن، وكان على البائع البيّنة فيما يذكره من الزيادة على الثمن الذي أقر به المشتري؛ لأنَّ البيّنة على المدعي واليمين على المنكِر.
وبهذا المعنى ورد الخبر عن النبيِّ ﷺ الذي ذكرناه، وهو قول النبيِّ صلى الله عليه: «أَوْ يَتَتَارَكَانِ البَيْعَ»، فدل قوله: «أَوْ يَتَتَارَكَانِ»، أنَّ ذلك قبل القبض، فهذا أصل قول مالكٍ، وهو القياس.
стр. 1269
ووجه قوله: «إنهما يتفاسخان وإن كان المشتري قد قبض السلعة وبان بها، ما لم تتغيَّر بزيادة سوقٍ أو بدنٍ؛» فلأنَّ كلّ واحدٍ من البائع والمشتري لا ضرر عليه في فسخ البيع مع بقاء السلعة على حالها؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما يرجع ماله إليه من غير تغيُّرٍ، وأمّا إذا تغيَّر أضرَّ رجوعه إليه متغيِّراً عما باعه؛ لاختلاف غرضه في ذلك.
وهذا القول هو استحسانٌ من مالكٍ لا واجبٌ، كذلك قال ابن القاسم: «إن مالكاً استحسن ذلك» (١).
•••
[١٤١٥] مسألة: قال: وقد قيل: إنَّ العبد إذا اشتراه الرّجل فمكث حيناً، ثمّ اختلفا في الثمن (٢) وقد فات العبد، تحالفا ورُدَّ العبد إلى القيمة، ولا نأخُذ بهذا (٣)(٤).
• وجه هذا القول: هو أنَّ الاختلاف لمّا وقع في الثمن، وجب فسخ البيع بعد أن يحلفا، كما قال النبيُّ ﷺ ، ثمّ وجب أن يرجع البائع إلى عين المبيع فيأخذه إن كان قائماً، وَإِلّا إلى مثله إن كان له مثلٌ في الخلقة، كالمكيل والموزون، أو إلى قيمته إن لم يكن له مثلٌ في الخلقة يُقْدَر عليه، وذلك كالعروض والحيوان.
стр. 1270
ألا ترى: أنَّ ذلك حكم البيع الذي يجب رده لفساده إذا كان عينه باقياً، فإن تلف رُجِع إلى قيمة المبيع أو إلى مثله في الكيل والوزن، فكذلك يجب أن يكون مثله فيما يختلف المتبايعان في ثمنه، والله أعلم.
•••
[١٤١٦] وقد قيل: إنَّ قول أحد الرجلين إذا كان يشبه الحق فيما يراه، فالقول قوله إذا فاتت بنماءٍ أو نقصانٍ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ من ادَّعى ما يُعلم كذبه في الأغلب، لم يقبل قوله، وقُبِل قول مدَّعي الأشبه بما يعرفه النّاس مع يمينه؛ لأنَّ عرف النّاس أصلٌ يُرجع إليه، كما يرجع في النقد إذا اختلف فيه المتبايعان، وفي الحمولة إذا اختلف فيها المُكرِي والمُكْتَري، وكذلك السير وأشباه ذلك.
وهذا يجب أن يكون على كلّ قولٍ لمالكٍ، أنَّ القول قولُ مُدَّعي الأشبه؛ لأنَّ من ادَّعَى أنّه اشترى عبداً بدرهمٍ أو داراً بدرهمٍ، فهو خارج عن عرف النّاس وقوله مردودٌ.
وليس هذا قولاً مفرداً، وقد جعله ابن عبد الحكم قولاً مفرداً، وليس الأمر عندي كما ذكره؛ لأنَّ قول مُدَّعي غير الأشبه مما يعرفه النّاس مردودٌ.
•••
[١٤١٧] مسألة: قال: وإذا ادَّعى أحدهما أنّه باع بنقدٍ، وقال الآخر: «بنظرةٍ»:
стр. 1271
(فإن بان بها فالقول قوله ويحلف.
(وإن لم يحزها، فالقول قول البائع مع يمينه، والمبتاع بالخيار في أن يحبس، أو يحلف ويرد (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الاختلاف في أجل الثمن كالاختلاف في مقداره؛ لأنَّ بائع السلعة يقول: «أنا استحق الثمن عليك نقداً»، والمشتري ينكر ذلك.
وكذلك إذا اختلفا في الأجل، فقال البائع أقل من أجل المشتري، تحالفا وتفاسخا؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه كما ذكرناه في اختلافهما في مبلغ الثمن، فوجب أن يتحالفا في اختلافهما في الأجل كذلك.
فإن كان قد قبض المشتري السلعة، فالقول قوله مع يمينه؛ لقوة سببه وائتمان البائع إياه.
وفي الاستحسان أنهما يتحالفان ويتفاسخان ما لم تتغير في بدنٍ أو سوقٍ، كما ذكرناه في الاختلاف في مقدار الثمن.
•••
[١٤١٨] مسألة: قال: ومن ابتاع سلعةً فقبضها، ثمّ جاء يطلب ثمنها، فيقول: «قد قضيتك»:
стр. 1272
(فأمّا السلع التي تباع بالنقد، مثل: الحنطة والزيت واللحم وما أشبهه، مما النقد فيه مع البيع كهيئة (١) الصرف، فإنَّ المشتري يحلف ويبرأ.
(وما كان من الدور والرقيق والأرضين والثياب وما أشبه ذلك، فإنَّ البائع يحلف ويأخذ حقه، وإن لم يحلف، حلف المبتاع (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلناه فيما تقدَّم: أنَّ اليمين جُعِلت في الأصل على أقوى المتداعيين سبباً من المُدَّعِي أو المُدَّعَى عليه، وإذا كان كذلك، وكان عرف النّاس جارياً أنهم ينقُدون في السلعة التي اشتراها المشتري مع عقد البيع، ولا يبيعونها إلى أجلٍ ولا يتأخر نقد ثمنها عن عقد البيع، كان القول قول المشتري مع يمينه؛ لقوة سببه؛ ولأنَّ قوله يشهد له عرف النّاس في البلد الذي هما فيه، كما يُرْجَع في كيفية عقد هذه السلعة إذا اختلفا إلى عرف البلد، وكذلك في الحمولة والسير إذا اختلفا، فكذلك يجب أن يُرْجع في هل دَفَعَ الثمن أم لا إلى عرف النّاس فيه.
وهذا إنّما قاله مالكٌ بالمدينة؛ لأنَّ عرف النّاس كان جارياً بذلك، أنهم يشترون الحنطة والزيت واللحم في الأغلب بالنقد؛ لعزة ذلك عندهم وشدة حاجتهم إليه، فأمّا إذا كان بلداً لم يَجْرِ عُرْفُهم بالنقد مع العقد، لم يكن القول قول المشتري مع يمينه.
فأمّا ما كان من السلع كالرقيق والثياب والأرضين التي تباع نقداً ونسيئةً؛
стр. 1273
فإنَّ القول قول البائع مع يمينه أنّه لم يقبض الثمن، وعلى المشتري البيّنة في دفع ذلك إليه، فإن لم يحلف البائع حلف المبتاع أنّه قد دفع ذلك الى البائع وبرئ من الثمن، بنكول المُدَّعَى عليه عن اليمين وهو البائع، مع يمين المدَّعِي وهو المشتري.
•••
[١٤١٩] مسألة: قال: ومن باع حائطاً واستثنى ثلاثة أعذقٍ، فقال البائع: «استثنَيْتُ خيارها»، وقال: المبتاع: «لم تُسَمِّ ذلك»، فيحلف المشتري ويُعْطِي البائِعَ ثلاثَةَ أعذقٍ من أوسط المال، إلّا أن يتحالفا جميعاً فيُفْسَخُ البيع (١).
• القياس في هذه المسألة أن يتحالفا ويتفاسخا؛ لأنَّ الخلاف قد وقع بينهما في مقدار البيع لَمَّا اختلفا في المستثنى من النخل، فإن اتفقا على شيءٍ ما من الاستثناء جاز إذا رضيا به، كما لو تراضيا في البيع على شيءٍ جاز إذا لم يكن غرراً ولا مجهولاً.
•••
[١٤٢٠] مسألة: قال: وإذا ابتاع الرّجل المتاع بالدراهم، ثمّ اختلفا في الوزن، فإنَّ للبائع وزن تلك السلعة التي تبتاع بها في ذلك البلد (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ قول أقوى المتداعين سبباً هو المقبول مع
стр. 1274
يمينه؛ لقوة سببه على سبب صاحبه، ومُدَّعي الوزن الذي يعرفه النّاس في البلد الذي تعاقدا فيه هو أقوى سبباً من الآخر الذي يَدَّعِي خلافه؛ لأنَّ العرف أصلٌ يُرجع إليه في النقد والحمولة والسير وغير ذلك.
فإن ادَّعَى كلّ واحدٍ منهما خلاف نقد البلد، تحالفا وتفاسخا؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما يدّعي ما لا يُعْلم صدقه، ولا يشهد له العرف بتصديق قوله.
•••
[١٤٢١] مسألة: قال: ومن تكارى من مصر إلى المدينة، فله بالمدينة نقد مصر (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النقد يكون حيث وقع عقد البيع والإجارة؛ فلهذا قال: «إنَّ له نقد مصر»؛ لأنَّ عقد الإجارة بها وقع.
•••
[١٤٢٢] مسألة: قال: ومن تكارى من المدينة إلى مصر، فله بمصر نقد المدينة (٢).
• وهذا لِمَا ذكرناه؛ لأنَّ عقد الكراء وقع بالمدينة، فله نقد المدينة، كما يكون له نقد المدينة إذا باع بها.
•••
стр. 1275
[١٤٢٣] قال: ومن ابتاع عبداً أو مسكناً، ثمّ مكث حيناً، ثمّ ادَّعى الثمن (١)، حلف وأخذ حقه، إلّا أن تقوم بينةٌ (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الثمن قد وجب على المشتري؛ فعليه البيّنة على دفعه إلى البائع وخروجه منه، وعلى البائع اليمين إن أنكر قبضه؛ لأنَّ البيّنة على المدَّعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ .
•••
[١٤٢٤] مسألة: قال: ومن باع رأساً في السوق، ونَقْدُ السوق المثاقيل (٣)، وأُعْطِي المثاقيل فقال: «ما بعت إلّا بالقائمة» (٤)، فليس له إلّا المثاقيل، ولو شاء، لبيَّنَ (٥).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنّه يُرْجع في ذلك إلى نَقْدِ النّاس في ذلك البلد، وما جرى عرفهم عليه في نقد السلعة المبيعة، فيُحملوا عليه؛ لأنَّ العرف
стр. 1276
أصلٌ يُرجع إليه كما ذكرناه، فليس يقبل قول من يدَّعي نقداً خلافه أو يزيده، إلّا أن يقيم بيِّنةً على ما يدعيه.
والمثاقيل: المكسرة، والقائمة: الدنانير الوزن الصحاح.
•••
[١٤٢٥] مسألة: قال: ومن سلف في قمحٍ، فقال البائع عند الأجل: «إنّما بعتك شعيراً»، تحالفا وتفاسخا (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنهما قد اختلفا في الغرض من الشّيء المبيع، فهو كاختلافهما في الجنس، ومتى اختلفا في الجنس، تحالفا وتفاسخا عند مالكٍ.
فإن كان أجل السلم قد حلَّ، فإن اختلفا في المقدار، وكان أجله قد حل لم يتحالفا ويتفاسخا، وكان القول قول البائع لقوة سببه.
فإن كان عند العقد واختلفا في المقدار، تحالفا وتفاسخا؛ لاختلافهما في مقدار المبيع قبل قبض البائع له، تحالفا وتفاسخا.
وذلك كله، لِمَا ذكرنا لاختلافهما في السلعة المبيعة عيناً أنهما يتحالفان ويتفاسخان، والقول فيها وفي السَّلَمِ واحدٌ إذا كان قبل القبض أو قبل حلول الأجل.
وقال عبد الملك: «إذا اختلفا في الحنطة والشعير، كان القول قول البائع مع يمينه عند حلول الأجل»؛ لأنَّ الحنطة والشعير جنسٌ واحدٌ عنده.
стр. 1277
والصحيح قول مالكٍ، وهو اختلاف الغرض فيهما، وقول عبد الملك محتملٌ أيضاً.
•••
[١٤٢٦] مسألة: قال: ومن أرسل رسولاً يبيع غلاماً له، فاختلفا في الثمن، فقال المشتري: «أربعون»، وقال الرسول: «خمسون»، فإنهما يتحالفان، فإن أبى الرسول أن يحلف، فُسِخ البيع، ولم يُقَل لصاحب الغلام: «احلف».
وقال ابن القاسم: إن نكل الرسول، حلف المشتري على الأربعين وكانت السلعة له، ولا يُفسخ البيع (١).
• إنّما قال ذلك: «إنَّ الرسول يحلف»؛ لأنّه هو البائع الذي تولى العقد، فيجب أن يحلف على فعله.
ولا يحلف صاحب الغلام؛ لأنّه لم يل العقد ولم يباشره، فوجب أن لا يحلف هو على فعل غيره؛ لأنَّ الحالف إنّما يحلف على فعله.
وقوله: «إنه يُفسخ»، يريد أنَّ امتناع الرسول من اليمين ويمين المشتري على ما يقوله لا ينقل السلعة عن ملك البائع؛ لأنَّ هذا ليس ببيعٍ، وإنما وُكِّلَ بالبيع حسب، فهو وجه قوله يفسخ.
ووجه قول ابن القاسم؛ فلأنَّ الرسول هو الذي تولى عقد البيع، فإذا امتنع من اليمين وجب أن يحلف المشتري؛ لأنَّ المشتري قد قَوِيَ سببه بامتناع رسول
стр. 1278
البائع أن يحلف، فجاز له أن يحلف على ما يقوله؛ لأنّه مباشرٌ لعقد البيع ويكون القول قوله، فوجب أن يُحكم له بالشراء على ما يذكره من اليمين؛ لأنّه قد اجتمع له نكول رسول البائع مع يمينه؛ ولأنَّ البائع قد أقام الرسول مقام نفسه.
ويحتمل أن يقال: إنَّ البائع هو مالكٌ للعقد، فله أن يحلف على ما يذكره من الثمن الذي باع به الرسول؛ لأنَّ الإنسان يعلم الشّيء بالخبر كما يعلمه بالمشاهدة.
ألا ترى: أنّه يجوز له أن يحلف مع شاهده على حق أبيه ويستحقه، وإن كان حين مات أبوه صغيراً؛ لأنّه يعلم ذلك بالخبر كما يعلمه بالمشاهدة، وهذا القول أقيس.
•••
[١٤٢٧] مسألة: قال: ومن ابتاع رُطَباً بدرهمٍ، فكال الرطب وحازه، ثمّ طُلِبَ الثمن، فقال: «قد دفعت»، فالقول قول الرطَّابِ ما لم يفارقه، وكذلك الطعام يكتاله في وعائه (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشتري إذا لم يفارق البائع عند عقد البيع، ففي الأغلب أنّه لم يدفع إليه الثمن، فالقول قول البائع مع يمينه، وعلى المشتري البيّنة على دفع ذلك إليه.
فإن افترقا كان القول قول المشتري مع يمينه على دفع ذلك إلى البائع، إذا
стр. 1279
كان عرف البلد جارياً بدفع الثمن في تلك السلعة قبل أن يتفارقا، على ما ذكرناه فيما تقدَّم.
•••
[١٤٢٨] مسألة: قال: وإذا اختلف المتكاريان (١): فقال الكَرِيُّ (٢): «إلى المدينة»، وقال المُكتري: «بل إلى مكة»، فقد اختُلِف فيه:
(فقيل: • إن كان لم يركب: فالقول قول الكَرِيِّ وعليه اليمين.
• وإن ركب (٣): فالقول قول المتكاري، فإن بلغا المدينة سُئل عن كراء المدينة، ثمّ حملا عليه، والقول قول المتكاري، ويحلف صاحب الدابة: «ما أكريتك إلّا إلى المدينة» ولا شيء عليه.
فإن انتهيا إلى مكة، ثمّ اختلفا، فإن الكري يحلف للمتكاري: «ما تكارى إلّا إلى المدينة».
(وقد قيل: إذا اختلفا في المدينة بعد أن يبلغا المدينة، فالقول قول صاحب الظهر، إلّا أن يكون في زمان الحاج (٤).
стр. 1280
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه في اختلاف المتبايعين في السلعة المبيعة عيناً، أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا اختلفا في مقدار ثمنها أو مقدار عينها في الكيل والوزن، أو غير ذلك؛ لأنَّ الكراء هو بيع منافع الأعيان، كالبيع هو بيع رقاب الأعيان، فمتى قبض المتكاري ما اكتراه وركبه، فالقول قوله مع يمينه؛ لقوة سببه بقبضه الشّيء الذي اكتراه، كما يكون القول قول المشتري فيما قبضه.
فأمّا ما بقي من المسافة، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، ويكون القول قول المكتري في الكراء مما قد ركب إذا كان يشبه ما قال مع يمينه، فإن لم يشبه فالقول قول المُكْرِي مع يمينه؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ قول مدعي الأشبه أولى بالقبول مع يمينه؛ لقوة سببه وشهادة العرف له.
فأمّا إذا كان في وقت الحاج لم يقبل قول من يدَّعِي مسافةً دون مكة؛ لأنَّ الأغلب في وقت الحاج أنهم إنّما يكترون إلى مكة، فلا يقبل قول المُكري أنّه إلى غير ذلك من الطريق؛ لقوة سبب المكتري، وشهادة العرف له.
وقد قيل: «إذا اختلفا وقد بلغا المدينة، نُظِرَ إلى الكراء، فإن كان الذي أعطاه كراء المدينة، أُحْلِفَ على ذلك صاحب الظهر أنّه إنّما أكرى إلى المدينة ولم يجاوز به المدينة، وإن كان الكراء أكثر من كراء المدينة، أُعطِيَ الذي تكارى فضل الكراء ويحلف المكري، فإن أبى أن يحلف، حلف المتكاري ومضى به إلى مكة» (١).
وجه هذا القول: هو أنَّ مقدار الكراء فيه دلالةٌ على قدر المسافة وما اكترى
стр. 1281
منها؛ لأنَّ النّاس إنّما يعطون الكراء على حسب مسافة الطريق في القرب والبعد، فإذا كان يشبه قول المكري، كان القول قوله في مدة المسافة أنَّ ذلك إلى المدينة، وإن كان في وقت الحاج؛ لجواز أن يكون الأمر كما قال، وقوة سببه بمقدار الكراء أنّه إلى المدينة، وكان له كراء مكة (١)؛ لقوة سببه؛ لامتناع المكتري عن اليمين، ويمينه هو على ما يقوله.
•••
[١٤٢٩] مسألة: قال: فإن اختلفا في الكراء، فقال المتكاري: «بكذا وكذا»، وقال المكري: «بكذا وكذا»:
(فإن كان الكري (٢) لم يبعد أو لم يبرح، فالقول قول الكَرِيِّ مع يمينه، ثمّ المكتري بالخيار، إن رضي وَإِلّا حلف وبرئ.
(وإن كان قد أبعد، فالقول قوله، إن جاء بما يشبه وعليه اليمين.
وإن كان قد حمل وسار بعض الطريق أو جُلِّها ولم ينقد الكراء، فالقول قول المتكاري وعليه اليمين؛ لأنّه قد انتقل حمولته وائتمنه على الكراء، إلّا أن يأتي بما لا يعرف.
стр. 1282
وكذلك لو اختلفا في شيءٍ من الوزن والحمولة أو نقصان الذهب، إلّا أن يكون خروجه حين اختلفا من قُرْبٍ، ليس في رجوعه كبير مؤنةٍ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ قبض المكتري ما اكتراه وركوبه له، بمنزلة قبض المشتري للسلعة، فالقول قوله مع يمينه في مقدار الكراء والمسافة، إذا كان يشبه ما يقوله؛ لائتمان المكتري (٢) له على ذلك كله، إلّا أن يكون لم يبعد في السير، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان؛ لأنّه ليس في ذلك ضررٌ على المكتري في الرجوع، وذلك بمنزلة ما لم تتغير السلعة في يد المشتري، أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وهذا هو استحسانٌ من قول مالكٍ، والقياس أنَّ القول قول المشتري بعد قبض السلعة، وقول المكتري بعد قبض ما اكتراه؛ لأنَّ البائع والمكري قد ائتمناهما على ذلك.
وكذلك لو نقد المشتري البائع الثمن، والمكتري للمكري الكراء، ثمّ اختلفا في مبلغه، كان القول قول البائع والمكري في ذلك، إذا كان يشبه ما يقول، لائتمان المشتري والمكتري لهما على الثمن والكراء.
وكذلك إذا اختلفا في الوزن والحمولة، الحكم فيه كاختلافهما في مسافة الطريق ومقدار الكراء، يُرجع في ذلك إلى مُدَّعي الأشبه منهما، ويكون القول قوله مع يمينه، فإن ادَّعَى أحدهما ما لا يشبه، كان القول قول مدعي الأشبه، فإن
стр. 1283
خرجا جميعاً عما يشبه، رجع إلى كراء المثل فيما قد ركب، وقيمة السلعة إن كانت قد تغيرت أو فاتت في يد المشتري، والله أعلم.
•••
[١٤٣٠] قال عبد الله: والذي نأخذ به من ذلك، أنَّ الرّجل إذا تكارى دابَّةً بعينها، ثمّ اختلفا في البلد قبل أن يرحلا من البلد وفي الكراء، انتقدا أو لم ينتقدا، فإنَّ المكري يحلف، ثمّ يقال للمتكاري: «إن شئت فخذ، وإن شئت فاحلف وينفسخ أمركما».
وإن اتفقا على الكراء واختلفا في البلد فكذلك.
وإن كان إنّما أسلفه في كراءٍ مضمونٍ، واختلفا بقرب ذلك ولم يتطاول، تحالفا وتفاسخا، فإن طال حتى يمضي شهران أو نحو ذلك، كان القول قول الكَرِيِّ فيما ادَّعى من البلدان وإن لم يرحلا؛ لأنَّ ذلك قد طال.
وإن تكارى منه ونقده وركب وسار السير القريب، أو لم ينقده، واختلفا في الثمن والمسير، تحالفا وتفاسخا، والقريب مثل: الجيزة وبئر عميرة (١)، فأمّا إذا أبعد فليس ذلك بقريبٍ.
فإن كان قد سار رجلٌ الطريق ولم ينتقده، ثمّ اختلفا، فالقول قول المتكاري، ويَبْلُغُ حيث أقر له به المكري، ويفسخ عنه ما بقي، يُنظر إلى الذي أقر به من الكراء، وكم الذي أقر به المكتري، وكم الذي أقر به الكَرِيُّ، وكم ذلك من الطريق:
стр. 1284
فإن كان نصفها، دفع نصف ما أقر به من الكراء وفسخ ما بقي مما لم يقر به الكري، ولم يلزم الكري أن يحمله بما ادَّعاه.
وإن كان قد انتقد الكراء، فالقول قول المكري في الطريق وفي الكراء بعد الأيمان، إلّا أن يكون في أيام الحاج، فإنَّ الحاج إنّما يكترون على مكة (١).
• قد ذكرت وجه ما قاله عبد الله واختاره من ذلك، وهو قول مالكٍ الذي هو القياس دون الاستحسان الذي ذكرناه، وأنَّ حكم الكراء في ذلك كحكم البيع إذا اختلفا فيه بعد قبض السلعة وبعد قبض الثمن وقبل قبضه.
وكذلك إذا كان المُكْرَى مضموناً إلى أجلٍ، فحكمه حكم السلم المضمون إلى أجلٍ إذا اختلفا فيه:
إذا كان عند حلول الأجل، فالقول قول البائع وهو المسلم إليه مع يمينه.
وإن كان عند عقد السلم، تحالفا وتفاسخا.
والكراء مثله سواءٌ، لأنَّ الكراء بيع منافع الأعيان، والبيع هو بيع رقابها، فإذا وقع الخلاف في بيع المنافع أو ثمنها عُمِل فيها كما يعمل في وقوع الخلاف في بيع الأعيان وأثمانها، والله أعلم.
•••
стр. 1285
[١٤٣١] مسألة: قال: وإذا تكارى الرّجل إلى بلدٍ، ثمّ اختلفا في الكراء بعد البلوغ، فالقول قول المتكاري (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المتكاري هو أقوى سبباً بقبضه ما اكتراه واستيفائه له، فالقول قوله مع يمينه، كما يكون القول قول المشتري مع يمينه في مبلغ الثمن إذا كان قد قبض السلعة، فأشبه ما قال من الثمن.
•••
[١٤٣٢] مسألة: قال: ومن تكارى إلى بلدٍ، فلمّا قدم، زعم أنّه لم ينقده، فعلى المتكاري البيّنة على الدفع (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المتكاري مدَّعٍ لدفع الكراء إلى المُكْرِي، فعليه البيّنة على ذلك، وَإِلّا حلف المكري أنّه لم يدفع إليه وكان له ذلك؛ لأنَّ البيّنة على المدعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ .
•••
[١٤٣٣] مسألة: قال: ومن تكارى إلى بلدٍ، ثمّ جاء بعد ذلك يطلب منه الكراء:
(فإن كان بعد قدومه باليوم واليومين، فإنّه يحلف على ذلك ويكون ذلك له.
стр. 1286
(وإن تركه حتى مرَّ قابلٌ أو شيءٌ قد طال، فيحلف المتكاري.
وكذلك كراء البيوت والصناع، وكراء الظهر على هذا.
والخياط يطلب حقه أو بعض الأعمال:
(فإن طلب ذلك عند فراغه أو قريباً منه، كان ذلك عليه.
(وإن كان قد تقادم، أُحْلِف الرّجل ما له عنده شيءٌ (١).
• إنّما قال: «إنه إذا طلب المُكرِي الكراء بعد قدومه بالمدة التي تشبه تأخير الكراء إليها، فعلى المُكتري البيّنة على الدفع»؛ لأنّه مدَّعٍ لذلك، وليس معه حُجَّةٌ على المكري في رد قوله من طول المدة التي لا يترك الإنسان الكراء إلى مثلها في الأغلب.
فإذا تَرَكَ إلى مثلها كان القول قول المتكاري مع يمينه أنّه قد دفع إليه الكراء؛ لأنَّ الأغلب والعرف أصلٌ يرجع إليه في تصديق المدعي ما يشهد له عرف النّاس وعادتهم.
وكذلك أمر الصناع على هذا، يُرجع في دفع الكراء إلى عرف النّاس فيه، فإذا لم يؤخّروا إلى مثله كان مُدَّعِي تأخير ذلك خارجاً عن عرف الناس، فلا يقبل قوله، وإذا لم يخرج عن العرف، قُبِل قوله مع يمينه، وكان على صاحبه البيّنة على دفع ما يذكر من الكراء، إذ ليس هاهنا عُرفٌ بخلاف قول الآخر.
فإن قيل: قد قال النبيُّ ﷺ : «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرٍ» (٢)،
стр. 1287
فوجب بعموم هذا القول أن تكون البيّنة على مدَّعي دفع [ ..... ] (١) المال [ .... ] (٢) الكَرِيِّ، طالت مدة ذلك أم قصرت؛ لأنّه يدَّعي خروجه مما قد وجب عليه، وعلى المنكِر اليمين؟
قيل له: هذا الحديث ليس على عمومه في كلِّ مدعٍ.
ألا ترى: أنَّ من ادَّعَى على رجلٍ له زنا، لم يكن على المُدَّعَى عليه يمينٌ أنّه لم يزنِ، وكذلك إذا ادَّعى الوصي أنّه قد أنفق على اليتيم نفقةً تشبه، أنّه لا بيِّنة عليه وأنَّ القول قوله.
فثبت بما قلنا أنَّ الخبر ليس على عمومه.
على أنّه يجب علينا استعمال العرف والرجوع إليه، إذ هو أصلٌ، كما يجب الرجوع إلى الخبر، فلمّا كان العرف أصلاً يُرجَع إليه في بعض الأماكن ويُصَدَّق له قول مدعي الأشبه بالعرف من غير بينةٍ تقوم له غير العرف، وكذلك يجب أن يكون ذلك فيما ذكرناه من دفع الكراء وأجرة الصانع وغير ذلك، والله أعلم، كما يُفعل ذلك في النقد إذا اختلفا فيه، والحمولة والسير.
•••
[١٤٣٤] مسألة: قال: ومن استعمل صائغاً حليّاً بدينارٍ، فلمّا فرغ قال: «عَمِلتُ بدينارين»؟
فيُسأل عن ذلك أهل العلم بذلك العمل، فإن كان شبيهاً بما قال الصائغ،
стр. 1288
لا يُستيقن أنّه قال باطلاً، كان أولى باليمين؛ لأنَّ المتاع بيده، فيأخذ حقه، فإن نكل حلف الآخر إذا لم يأت بما يستنكر (١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ أقوى المتداعيين سبباً هو من يدَّعي الأشبه بما يقوله في عرف النّاس وعادتهم في البلد الذي هما به، فيُرجع إلى ذلك، فكذلك يُرجع في أجرة العمل إذا اختلفا فيه إلى من يقول ما يَعْرِفُهُ الناس، دون من يقول ما لا يعرفه الناس، ويكون القول قوله مع يمينه؛ إذ العرف أصلٌ يُرجع إليه كما ذكرنا.
فإن نكل عن اليمين حلف الآخر وكان القول قوله؛ لأنَّ صاحبه قد أضعف قوله بامتناعه عن اليمين؛ لأنَّ النّاس في الأغلب لا يمتنعون من اليمين على الحق، وقد قال الله : ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣]، فكان القول قول الآخر مع يمينه مع نكول صاحبه، واستَحَقَّ ما يذكره من الأجرة، وكلّ ذلك إذا كان يشبه ما يقول.
•••
[١٤٣٥] مسألة: قال: وإذا هلك رجلٌ وترك ابنين، ثمّ أقرَّ أحدهما: «أنَّ أباه أقرَّ أنَّ فلاناً ابنه»، أَنَّ النسب لا يثبت، ولا يجوز إقراره إلّا على نفسه، ويعطيه ثلث ما في يديه، وهو نصف ميراث المستَلْحَقِ.
стр. 1289
وكذلك المرأة تُقرُّ بالدَّين على زوجها وينكر الورثة، فتدفع إلى الغريم ثُمُنَ (١) حقه إن كانت ورثت الثُمُن.
وإن كانت ابنةٌ، ورثت النصف ودفعت إلى الغريم نصف حقه.
فإن شهد على ذلك ابنه، حلف صاحب الحق مع شاهده، وإن لم يحلف، أُخِذ من ميراث الذي أقر له من ذلك؛ لأنّه أقر له به وأنكر غيره (٢).
• إنّما قال: «إنَّ اقراره لا يجوز في النسب»؛ فلأنه إنّما يُقِرُّ على غيره ويُلْزِمه نسباً لا يُعْلَم ثبوته بغير قوله، فلا يقبل قوله؛ لأنَّ إقرار الإنسان على غيره غير مقبولٍ، وإنما يقبل إقراره على نفسه إذا كان ممن يجوز إقراره عليها، قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤].
ويعطيه ثلث ما في يده؛ لأنّه قد أقر على نفسه لغيره بمالٍ يستحقه في يده، فيلزمه ذلك، ووجب أن يعطيه ما أقر له به؛ لأنّه يقول: «أنت مستحقٌّ لثلث ميراث أبي، وأنا مستحقٌّ لثلثه، وأخي مستحقٌّ لثلثه»، فيلزمه أن يعطيه من الميراث ثلث ما في يده، وهو سدس جميع المال؛ لأنَّ أخاه لو أقر به لأعطاه أيضاً ثلث ما في يده، وتكامل للمُقَرِّ له جميع الميراث.
فإن قيل: كيف يجوز أن يلزَمَ المُقِرُّ أن يعطيه الميراث من غير ثبوت نسبٍ،
стр. 1290
وإنما أقر أنَّ له مالاً على وصفٍ ما، فإذا لم يثبت ما ذَكَرَ لم يثبت المال؛ لأنّه مأخوذٌ به؟ (١)
قيل له: ليس يمنع أن يثبت المال وإن لم يثبت نسبه الذي أقر به، أو قامت به الشّهادة.
ألا ترى: أنَّ الرّجل والمرأتين إذا شهدا على رجلٍ أنّه سرق مالاً، وأنكر ذلك الرّجل المشهود عليه، كان عليه غُرْمُ المال ولا قطع عليه، وليس يخلو ثبوت السَّرِقِ الذي كان أخذ به المال أو لا، فإن ثبت فالقطع واجبٌ وإن لم يثبت، فالغرم غير واجبٍ.
وإذا كان هذا قول مخالفنا في المسألة (٢)، فكذلك يجب أن يقول في الإقرار بالنسب.
وكذلك يقول: لو أقر رجلٌ أنَّ امرأته أخته، لحرمت عليه ولم يثبت نسبها من أبيه، سواءٌ كانت معروفة النسب أو مجهولةٌ (٣)، فقد ثبت تحريمها عليه وإن لم يثبت نسبها، وإن كان التحريم متعلقاً بالنسب.
فإن قيل: لمّا كان التحريم للزوجات يكون بضروبٍ، قُبِلَ قوله في التحريم ولم يثبت نسبها (٤).
стр. 1291
قيل له: وكذلك يجب المال بوجوهٍ، فوجب أن يثبت له أخذ المال بإقراره بالنسب، وإن لم يثبت النسب، وكذلك لو أقر العبد بسرقة مالٍ في يديه، يقبل قوله في القطع، ولم يقبل في دفع المال إلى المسروق منه، فعُلِمَ بهذا أنَّ الشّيء يثبت وإن لم يثبت سببه.
فإن قيل: لمّا كان المُقِرُّ بالبيع لا يلزمه دفع سلعته إلى المشتري، دون أن يدفع المشتري إليه الثمن إذا أنكر ذلك المشتري؛ لأنَّ البيع معاوضةٌ، فكذلك يجب أن يكون الإقرار بالنسب مثله؛ لأنّه كما لا يرث هو المُقَرَّ، فكذلك لا يجب أن يُورَثَ المُقَرُّ لَهُ بالنسب (١).
قيل له: ما ذكرته غلطٌ؛ من قِبَل أنَّ النسب والإقرار به لا يجري مجرى المعاوضات؛ لأنَّ النسب يثبت وإن لم يكن بينهما ميراثٌ؛ ولأنه لا يُدرى من يموت قبل صاحبه، فليس فيه وجوب معاوضةٍ ولا تعلُّق فيها لا محالة.
والبيع فوضعه على المعاوضة؛ لأنّه إخراج شيءٍ عن ملك البائع بإخراج شيءٍ عن ملك المشتري، لا يصح أحدهما دون الآخر؛ إذ كلّ واحدٍ منهما متعلقٌ بالآخر، فيجب قول البائع: «بعت سلعتي من زيدٍ إلى أبي إسحاقٍ» عليه ثمنها؛ لأنَّ البيع لا يكون إلّا بثمنٍ.
ولو لزمنا ما قاله في البيع، للزمه أن لا يُقْبَل قوله: «إنها أخته» في وقوع التحريم عليه إذا كانت زوجته؛ لأنَّ التحريم وثبوته متعلقٌ بثبوت الأُخُوَّةِ، فإذا لم تثبت، لم يجب أن يثبت التحريم على قوله، وإذا ثبت بذلك عنده وإن لم يثبت
стр. 1292
النسب، فكذلك يجب أن يثبت وجوب المال في الإقرار بالنسب وإن لم يثبت النسب، ومخالفنا في هذه المسألة وهو الشافعي، فالكلام عليه.
فأمّا أبو حنيفة، فإنّه يقول: «إنه يدفع إليه نصف ما في يده» (١)، قال: لأنَّه يقول: «أنت أخي، تستحق مثلما أستحقه أنا»، فلا يجب أن يفضل عليه في الميراث.
فالجواب: أنَّ المُقِر يقول للمُقَرِّ له: أنا إنّما يلزمني أن أعطيك ما يزيد على حقي الذي أرثه من أبي، وليس عليَّ أن أدفع إليك من حقي شيئاً، وليس إذا منعك غيري من حقك، وجب عليَّ أن أدفع إليك من حقي شيئاً.
فهذه حُجَّةٌ صحيحةٌ للمُقِرِّ على المُقَرِّ له، فوجب لهذا أن يعطيه ثلث ما في يده.
وقد قالوا: إذا أقر بوصيَّةٍ وأنكر ذلك أخوه، أنّه يعطي ثلث ما في يده إذا كان الإقرار بثلث المال.
وأمّا إقرار الوارث بالدَّيْنِ، فإنَّ عليه أن يعطي من مقدار الدَّين قدر ما أخذ من الميراث، على ما قاله مالك (٢)، إن كانت ابنةً فنصف الدَّين، وإن كانت زوجةً فثُمُن الدَّين أو رُبعه؛ مِنْ قِبَل أنَّ الدَّين يُقضَى من جملة المال قبل الميراث، فعلى كلّ واحدٍ أن يدفع من حصته من الميراث ما يخص الدَّين دون ما يخصُّ غيره.
стр. 1293
والحجة فيه ما ذكرنا: أنَّ الوارث المقرّ بالدَّين يقول لرب الدَّينِ: «ليس إذا جحدك غيري وظلمك ومنعك من حقِّك، جاز لك أن تمنعني من حقِّي وتظلمني»، وإذا كان كذلك، وجب عليه أن يعطيه ما يخصُّه من الدَّين، لا كلّ ما في يده، إلّا أن يكون الدَّين مثل الميراث الذي أخذه الورثة، أو يكون محيطاً به، فعليه دفع ذلك كله إلى المُقَرِّ له بالدَّيْنِ؛ لأنَّ أحداً من الورثة لا يرث مع الدَّين شيئاً، وإنما يرث ما فضل عن الدَّيْنِ، والله أعلم.
فإن كان المُقِرُّ ممن تجوز شهادته، حلف المُقَرُّ له مع شهادته واستحق حقه؛ لوجوب الحكم بالشاهد واليمين على ما ذكرناه، وإن كان ممن لا تجوز شهادته ولا إقراره، لم يُحْكم بشهادته ولا إقراره؛ لأنَّ إقرار السفيه والمحجور عليه غير جائزٍ على نفسه وماله، والله أعلم.
فإن قيل: فيجب أن يَدْفَع المُقِرُّ المالَ إلى المُقَرِّ له وإن كان غير (١) معروف النسب، على ما ذكرت من أنَّ المال يثبت وإن لم يثبت النسب؟
قيل له: لسنا نحفظ عن مالكٍ ولا عن أصحابه القدماء شيئاً في هذا، والذي كان يقوله شيوخنا ممن أدركنا، والذي أقوله أنا: «إنَّ عليه أن يعطيه المال، معروف النسب كان أو مجهولاً»؛ لأنَّ ذلك إنّما هو إقرارٌ بالمال من غير ثبوت نسبٍ، فلا فصل بين أن يكون المُقَرُّ له معروف النسب أو مجهولاً، ولو لزمنا ذلك، للزمه أن لا يُحَرِّمَ زوجة المُقِرِّ بأنها أخته إذا كانت معروفة النسب، وهو فيُحَرِّمُهَا بهذا القول، كما يُحَرِّمُ عليه مجهولة النسب وإن لم تثبت الأخوَّة،
стр. 1294
فكذلك يثبت إقراره بالمال وإن لم يثبت نسب المُقَرِّ به، معروف النسب كان أو مجهولاً، والله أعلم.
•••
[١٤٣٦] مسألة: قال: ومن باع جاريةً حاملاً، فتَبَرَّأَ من حملها، فتلد عند مشتريها ويقيم الولد سنين، فإذا حضرته الوفاة ادَّعاه وقال: «هو ابني»، فإنّه يُصَدَّقُ، إلّا أن يُتَّهَم بأن لا يكون له وارثٌ وقد كان تُعْرَفُ من المستلحق ناحيةٌ (١) منه، فإن اتُّهِم فليس ذلك له، وإن لم يتهم، أُلْحِقَ به ووَرِثَهُ (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا الذي استلحقه إذا كان حَمْلُ جاريته التي ملكها أو وُلِدَ في ملكه، قُبِل قوله في النسب إذا احتمل ذلك ولم يُعلم كذبه؛ لأنّه مقرٌ على نفسه بنسبٍ وذلك لازمٌ له؛ لأنَّ إقرار الإنسان مقبولٌ على نفسه، سواءٌ كان في نسبٍ أو حق غيره، إلّا أن يتعلق ذلك الإقرار بغيره فلا يلزم غيره.
فأمّا إذا لم يولد العبد في ملكه، ولا كان حَمْلَاً في ملكه، لم يقبل قوله؛ لأنَّ ليس هاهنا ملك نكاحٍ ولا ملك يمينٍ فيُلْحَقُ به الولد، إلّا أن يدَّعِي وطأً بشبهةٍ في ملك غيره، فيكون صاحب الملك أولى بالولد إلّا أن ينفيه، فيَلْحَق بمدَّعي الوطء بالشبهة إذا ثبتت شبهته.
وكذلك إذا ادَّعَى نسب ولدٍ يُعْلَم أنَّ مثله لا يولد لمثله، لم يقبل قوله.
стр. 1295
وكل مُتَّهَمٍ في إقراره فإقراره غير مقبولٍ، كان ذلك في نسبٍ أو مالٍ؛ لأنّه يريد بهذا الإقرار إسقاط حق غيره، وذلك غير جائزٍ.
فإن كان المشتري أعتق العبد ثمّ استلحقه البائع، لحق به؛ لأنَّ حرمة النسب أوكد من حرمة الولاء، فكان الإقرار بالنسب مقدماً على الولاء الذي قد ثبت للمشتري عليه.
ألا ترى: أنَّ الميراث بالنسب لمّا كان مُقَدَّماً على الميراث بالولاء؛ لقوة أمر النسب، فكذلك يجب أن يكون ثبوت النسب مقدماً على ثبوت الولاء.
فأمّا أم الولد، فقوله مقبولٌ أيضاً أَنَّهَا أم ولده، أعني: قول البائع إذا كان معها ولدٌ، وإن كان المشتري قد أعتقها؛ لأنَّ إقراره بنسب ولدها أثبت لها حرمةً ولا يجوز له بيعها، فلمّا قُبِل قوله في نسب ولدها إذا وُلِد في ملكه، فكذلك قُبِل قوله في ثبوت حرمتها التي تتعلق بحرمة الولد.
فإن لم يكن لها ولدٌ وأقر بأنها أم ولدٍ، فإن ابن القاسم قال: «لا يقبل قول البائع في ذلك إذا كان المشتري قد أعتقها، ورجع على البائع بالثمن» (١)؛ لأنّه يقر بأنه لا يجوز له أخذ ثمنها ولا بيعها.
ومما يدلُّ على قبول قول البائع أَنَّهَا أم ولده إذا كان معها ولدٌ، أنَّ حرمة النسب لها كانت أوكد من حرمة العتق بغير نسبٍ، فكذلك حرمة العتق الذي تعلَّقَ بالنسب.
ألا ترى: أنَّ المريض إذا وطئ جاريةً لا يملك غيرها فحملت أَنَّهَا تصير أم
стр. 1296
ولدٍ، ولم يجز بيعها في دَيْنٍ ولا يرثها ورثته، ولو أعتقها بالقول، لبيعت في الدَّين، وورث ورثته ما زاد على الثلث؛ من قبل أنَّ العتق بالقول لا يتعلَّق بالنسب، والوطء إذا حدث عنه ولدٌ فقد تعلَّق حرمة الموطوءة بحرمة النسب، فصار حرمتها أقوى من حرمة المعتقة بالقول دون الفعل، فلهذا قُبِلَ قول البائع بعد البيع أَنَّهَا أم ولدٍ، ولم يقبل قوله أنّه كان أعتقها بالقول، والله أعلم.
•••
[١٤٣٧] مسألة: قال: ومن تزوَّج امرأةً وشرط إن تَسَرَّى عليها فامرأته طالقٌ البتَّةَ، فلمّا حضرته الوفاة، استلحق ابناً لجاريته، فإنّه يلحق به ويرثه، وترثه المرأة (١).
• أمّا لحوق الولد به؛ فلأنه قد أقر على نفسه بنسب ولدٍ وُلِد على فراشه، فذلك يلزمه على ما بيَّنَّاه، ويرثه؛ لأنّه ابنه بثبوت نسبه منه.
وقوله: «ترثه المرأة التي كان حلف بطلاقها أنّه لا يتسَرَّى عليها»؛ فلأنَّ الولد قد يحدث من غير التسري، وهو أن يطأ أمَةَ غيره على فراشه، أو امرأةَ غيرِهِ يجدها على فراشه، فإذا نفى صاحب الفراش الولد الحادث، لحق ذلك بالواطئ بالشبهة، فورثت امراته لهذه العلة؛ لأنّه لا يُعْلم أنّه تسرَّى عليها لا محالة.
ووجهٌ آخرٌ، وهو أنَّ الطلاق كأنه لزمه في حال مرضه إن كان تسرَّى عليها؛
стр. 1297
لأنّه إنّما يلزمه الطلاق في حال إقراره بالولد الحادث عن التسري، وذلك في حال مرضه، والمريض إذا طلق امرأته أو أقر أنّه طلق في صحته، ورثته زوجته إذا مات في مرضه، وإن كان طلاقاً بائناً.
•••
[١٤٣٨] مسألة: قال: ومن قال لغلامه: «هذا ابني»، والغلام معروفٌ أنّه سِنْدِيٌّ، والرجل فارِسِيٌّ، هل يصير حرّاً - لِمَا استُوقِنَ من ذلك أنّه ليس بابنه ولا ولده -؟
فهو غير لاحقٍ به (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المقر إذا عُرِف كذبه في الأغلب، لم يقبل إقراره في نسبٍ كان أو غيره، وكذلك إذا تُيُقِّنَ كذبه فيما أقر به، وإن كان بإقراره ملزماً لنفسه حقاً من نسبٍ أو حدٍّ أو غيره.
ألا ترى: أنّه إذا أقرَّ بنسبِ مَنْ هو أكبر منه أنّه ابنه لم يُقبل إقراره؛ لأنّه يُعلم كذبه في ذلك، وكذلك إذا أقرَّ المجبوبُ (٢) أنّه زنا بعدما جُبَّ، لم يقبل إقراره؛ لأنّه يُعْلم كذبه، وكذا إذا أقرَّ بنسب ولد جاريةٍ في أرضٍ، يعلم أنَّ المُقِرَّ لم يدخلها، عُلِم كذبه ولم يلزمه ما أقر به، وكذلك كلّ ما كان في هذا المعنى مما يُعلم كذبه لا محالةَ.
стр. 1298
فإن كان الأغلب أنّه كاذبٌ في إقراره، لم يقبل منه؛ لأنّه يريد بذلك إلزام نفسه شيئاً لا يلزمه، ولعله يُخرِج بذلك حقاً لورثته إلى غيرهم.
•••
[١٤٣٩] مسألة: قال: ومن أنكر حمل أمته وزعم أنّه كان يعزل عنها، أُلحِقَ به الولد (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الولد قد يكون عن العزل، فليس يَسْقُط عنه الولد للعزلِ.
ألا ترى: إلى ما رواه أبو سعيدٍ الخدري، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال حيث سألوه عن العزل: «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ مَا مِنْ نَسَمَةٍ قَدَّرَ اللهُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا كَانَتْ» (٢)، وقد قال عمر بن الخطاب: «لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ قَدْ أَقَرَّ سَيِّدُهَا أَنَّهُ قد أَلَمَّ بِهَا إِلَّا أَلْزَمْتُهُ الوَلَدَ» (٣).
ولَمَّا كان الوطء بملك اليمين بمنزلة الوطء في النكاح، ثمّ كان الولد يلزم بعقد النكاح مع إمكان الوطء إذا وُلِدَ لمدةٍ يجوز أن يكون للزوج، فكذلك يجب أن يلزم الواطئ بملك اليمين الولد إذا وطئ وأتت به لمثل ما تلد له النساء.
стр. 1299
ألا ترى: أنَّ الأمة تحرم على أبي الواطئ وابنه إذا وطئ بملك يمينٍ أو شبهة ملكٍ، كما تحرم امرأة الابن على أبيه وابنه بعقد النكاح إذا كان صحيحاً.
فلمّا كان الوطء في ملك اليمين بمنزلة العقد في النكاح، ثمّ لحق الولد بعقد النكاح مع إمكان الوطء على ما ذكرنا، وجب أن يلحق بالوطء بملك اليمين وإن لم يُقِرَّ به الواطئ، كما يلزم الولد الواطئ بعقد النكاح وإن لم يقر بالوطء.
وأصل هذا، هو أنَّ الولد للفراش، كما قال رسول الله ﷺ : «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» (١)، فلمّا كانت الأمة تصير فراشاً للواطئ إذا كانت ملكاً له، لزمه الولد الحادث عن هذا الفراش وإن لم يقر به، كما يلزمه ذلك في عقد النكاح وإن لم يقر به، والله أعلم.
•••
[١٤٤٠] مسألة: قال: ومن تبرَّأَ من حمل أم ولده وزعم أنّه قد استبرأها، فذلك له، ولا لعان عليه ولا يمين (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ اللعان إنّما يكون في الزوجات في نفي ولدهن إذا وُلِد على فراش الواطئ - وهو الزوج - دون ملك اليمين؛ لأنَّ حرمة الوطء بعقد النكاح أوكد من حرمته بملك اليمين، وكذلك حرمة الولد الحادث بعقد النكاح
стр. 1300
هي أوكد من حرمة الولد الحادث بملك اليمين، لذلك لم يكن اللعان في الولد الحادث بملك اليمين.
وقوله: «لا يمين عليه إذا قال: إنه ليس مني وقد استبرأها»؛ فلأنه لمّا كان قوله مقبولاً إذا قال: «قد استبرأتها»، ثمّ باعها، فكذلك قُبِل قوله: «إنه قد استبرأها، وأنَّ الولد ليس منه»؛ لأنّه مؤتمنٌ على ذلك، وله أن يسقطه من غير لعانٍ أو يمينٍ، وهذا قول مالك ﵀، حكاه ابن القاسم وغيره عنه (١).
قال (٢) عبد الملك: إنه يحلف يميناً واحداً أنّه قد استبرأها؛ لأنّه مؤتمن على ما يقوله، والقول قول المؤتمن مع يمينه فيما يدعيه، وقول مالكٍ أقيس؛ لِمَا ذكرناه.
•••
[١٤٤١] مسألة: قال: ومن ادَّعى عبداً أعجمياً قدم به من الديلم (٣)، فقال الرجل: «إنَّه ولدي»:
(فإن كانت أرضاً قد دخلها وكان بها، لَحِقَ به.
(وإن لم يكن دخلها ولا كان بها، لم يلحق به.