ولدٍ، ولم يجز بيعها في دَيْنٍ ولا يرثها ورثته، ولو أعتقها بالقول، لبيعت في الدَّين، وورث ورثته ما زاد على الثلث؛ من قبل أنَّ العتق بالقول لا يتعلَّق بالنسب، والوطء إذا حدث عنه ولدٌ فقد تعلَّق حرمة الموطوءة بحرمة النسب، فصار حرمتها أقوى من حرمة المعتقة بالقول دون الفعل، فلهذا قُبِلَ قول البائع بعد البيع أَنَّهَا أم ولدٍ، ولم يقبل قوله أنّه كان أعتقها بالقول، والله أعلم.
•••
[١٤٣٧] مسألة: قال: ومن تزوَّج امرأةً وشرط إن تَسَرَّى عليها فامرأته طالقٌ البتَّةَ، فلمّا حضرته الوفاة، استلحق ابناً لجاريته، فإنّه يلحق به ويرثه، وترثه المرأة (١).
• أمّا لحوق الولد به؛ فلأنه قد أقر على نفسه بنسب ولدٍ وُلِد على فراشه، فذلك يلزمه على ما بيَّنَّاه، ويرثه؛ لأنّه ابنه بثبوت نسبه منه.
وقوله: «ترثه المرأة التي كان حلف بطلاقها أنّه لا يتسَرَّى عليها»؛ فلأنَّ الولد قد يحدث من غير التسري، وهو أن يطأ أمَةَ غيره على فراشه، أو امرأةَ غيرِهِ يجدها على فراشه، فإذا نفى صاحب الفراش الولد الحادث، لحق ذلك بالواطئ بالشبهة، فورثت امراته لهذه العلة؛ لأنّه لا يُعْلم أنّه تسرَّى عليها لا محالة.
ووجهٌ آخرٌ، وهو أنَّ الطلاق كأنه لزمه في حال مرضه إن كان تسرَّى عليها؛
стр. 1297
لأنّه إنّما يلزمه الطلاق في حال إقراره بالولد الحادث عن التسري، وذلك في حال مرضه، والمريض إذا طلق امرأته أو أقر أنّه طلق في صحته، ورثته زوجته إذا مات في مرضه، وإن كان طلاقاً بائناً.
•••
[١٤٣٨] مسألة: قال: ومن قال لغلامه: «هذا ابني»، والغلام معروفٌ أنّه سِنْدِيٌّ، والرجل فارِسِيٌّ، هل يصير حرّاً - لِمَا استُوقِنَ من ذلك أنّه ليس بابنه ولا ولده -؟
فهو غير لاحقٍ به (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المقر إذا عُرِف كذبه في الأغلب، لم يقبل إقراره في نسبٍ كان أو غيره، وكذلك إذا تُيُقِّنَ كذبه فيما أقر به، وإن كان بإقراره ملزماً لنفسه حقاً من نسبٍ أو حدٍّ أو غيره.
ألا ترى: أنّه إذا أقرَّ بنسبِ مَنْ هو أكبر منه أنّه ابنه لم يُقبل إقراره؛ لأنّه يُعلم كذبه في ذلك، وكذلك إذا أقرَّ المجبوبُ (٢) أنّه زنا بعدما جُبَّ، لم يقبل إقراره؛ لأنّه يُعْلم كذبه، وكذا إذا أقرَّ بنسب ولد جاريةٍ في أرضٍ، يعلم أنَّ المُقِرَّ لم يدخلها، عُلِم كذبه ولم يلزمه ما أقر به، وكذلك كلّ ما كان في هذا المعنى مما يُعلم كذبه لا محالةَ.
стр. 1298
فإن كان الأغلب أنّه كاذبٌ في إقراره، لم يقبل منه؛ لأنّه يريد بذلك إلزام نفسه شيئاً لا يلزمه، ولعله يُخرِج بذلك حقاً لورثته إلى غيرهم.
•••
[١٤٣٩] مسألة: قال: ومن أنكر حمل أمته وزعم أنّه كان يعزل عنها، أُلحِقَ به الولد (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الولد قد يكون عن العزل، فليس يَسْقُط عنه الولد للعزلِ.
ألا ترى: إلى ما رواه أبو سعيدٍ الخدري، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال حيث سألوه عن العزل: «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ مَا مِنْ نَسَمَةٍ قَدَّرَ اللهُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا كَانَتْ» (٢)، وقد قال عمر بن الخطاب: «لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ قَدْ أَقَرَّ سَيِّدُهَا أَنَّهُ قد أَلَمَّ بِهَا إِلَّا أَلْزَمْتُهُ الوَلَدَ» (٣).
ولَمَّا كان الوطء بملك اليمين بمنزلة الوطء في النكاح، ثمّ كان الولد يلزم بعقد النكاح مع إمكان الوطء إذا وُلِدَ لمدةٍ يجوز أن يكون للزوج، فكذلك يجب أن يلزم الواطئ بملك اليمين الولد إذا وطئ وأتت به لمثل ما تلد له النساء.
стр. 1299
ألا ترى: أنَّ الأمة تحرم على أبي الواطئ وابنه إذا وطئ بملك يمينٍ أو شبهة ملكٍ، كما تحرم امرأة الابن على أبيه وابنه بعقد النكاح إذا كان صحيحاً.
فلمّا كان الوطء في ملك اليمين بمنزلة العقد في النكاح، ثمّ لحق الولد بعقد النكاح مع إمكان الوطء على ما ذكرنا، وجب أن يلحق بالوطء بملك اليمين وإن لم يُقِرَّ به الواطئ، كما يلزم الولد الواطئ بعقد النكاح وإن لم يقر بالوطء.
وأصل هذا، هو أنَّ الولد للفراش، كما قال رسول الله ﷺ : «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» (١)، فلمّا كانت الأمة تصير فراشاً للواطئ إذا كانت ملكاً له، لزمه الولد الحادث عن هذا الفراش وإن لم يقر به، كما يلزمه ذلك في عقد النكاح وإن لم يقر به، والله أعلم.
•••
[١٤٤٠] مسألة: قال: ومن تبرَّأَ من حمل أم ولده وزعم أنّه قد استبرأها، فذلك له، ولا لعان عليه ولا يمين (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ اللعان إنّما يكون في الزوجات في نفي ولدهن إذا وُلِد على فراش الواطئ - وهو الزوج - دون ملك اليمين؛ لأنَّ حرمة الوطء بعقد النكاح أوكد من حرمته بملك اليمين، وكذلك حرمة الولد الحادث بعقد النكاح
стр. 1300
هي أوكد من حرمة الولد الحادث بملك اليمين، لذلك لم يكن اللعان في الولد الحادث بملك اليمين.
وقوله: «لا يمين عليه إذا قال: إنه ليس مني وقد استبرأها»؛ فلأنه لمّا كان قوله مقبولاً إذا قال: «قد استبرأتها»، ثمّ باعها، فكذلك قُبِل قوله: «إنه قد استبرأها، وأنَّ الولد ليس منه»؛ لأنّه مؤتمنٌ على ذلك، وله أن يسقطه من غير لعانٍ أو يمينٍ، وهذا قول مالك ﵀، حكاه ابن القاسم وغيره عنه (١).
قال (٢) عبد الملك: إنه يحلف يميناً واحداً أنّه قد استبرأها؛ لأنّه مؤتمن على ما يقوله، والقول قول المؤتمن مع يمينه فيما يدعيه، وقول مالكٍ أقيس؛ لِمَا ذكرناه.
•••
[١٤٤١] مسألة: قال: ومن ادَّعى عبداً أعجمياً قدم به من الديلم (٣)، فقال الرجل: «إنَّه ولدي»:
(فإن كانت أرضاً قد دخلها وكان بها، لَحِقَ به.
(وإن لم يكن دخلها ولا كان بها، لم يلحق به.
стр. 1301
فإن ألحقه به فأنكره عند موته وساعده المُدَّعَى عليه، فليس ذلك لهما، ويلحق به (١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلنا: إنَّ كلّ من ادَّعَى ولداً يُعلم كذبه لا محالة، وهو أن يكون أكبر من المُدَّعِي، أو يكون كاذباً في الأغلب، لم تُقبل دعواه، ولم يلزمه نسب المُقَرِّ به، من ذلك أن يُقِرَّ بنسب غلامٍ قدِم به من أرضٍ لم يدخلها المُقِرُّ، يُعلم ذلك لا محالة، فهذا في الأغلب أنّه كاذبٌ، وإذا كان كذلك، لم يكن يلزمه الإقرار.
فأمّا إذا كان يشبه أن يكون كما قال، ولم يعلم كذبه لا محالة أو في الاغلب، قبل إقراره وثبت نسب المقر به، ثمّ لم يُقبل قوله بعد ذلك في إسقاطه.
وكذلك لو صدَّقه على ذلك المُقَرُّ به؛ من قِبَل أنَّ النسب إذا ثبت تعلَّقَ به حقٌّ لله ، فلا يجوز أن يُتَّفَقَ فيه على رفعه؛ لأنَّ في ذلك إسقاط حقٍّ قد وجب لله تعالى.
•••
[١٤٤٢] مسألة: قال: وإذا باع الرّجل جاريةً حاملاً فتلد، ثمّ ادَّعى الوَلَدَ وزعم أنّه منه:
(فإن كان موسراً، رُدَّ عليه.
(وإن كان لا شيء له، فلا أرى ذلك (٢).
стр. 1302
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان مُعسراً فإنّه يريد إبطال حق غيره بغير بدلٍ يعطيه، فلا يقبل قوله.
فأمّا إذا كان موسراً قُبِل قوله؛ لأنّه يُخْرِجُ ملك المشتري من يده ببدلٍ يعطيه إياه، فلا ضرر عليه في ذلك.
وأحسب أنَّ مالكاً قد قال: «إنَّ قوله في الولد يقبل وإن كان معسراً، وأنَّ النسب يلحق به، ويتبعه البائع بثمن الولد دَيناً في ذمَّته» (١).
ووجه هذا القول ما ذكرناه من وكود حرمة النسب، فقبل قوله موسراً كان أو معسراً.
•••
[١٤٤٣] مسألة: قال: ومن طلب منه ذو قرابةٍ له مسكناً ليسكنه، فقال: «هو لامرأتي»، ثمّ طلبه آخر، فقال مثل ذلك، ثمّ قامت المرأة عليه، فقال: «إنّما قلته تنجِّيَاً منهما»، فذلك له ولا شيء لها على هذا الوجه.
وقد يَطْلُبُ السلطانُ العبدَ أو الأمةَ من الرجل، فيقول: «هو مُدَبَّرٌ»، «وقد ولدت الأمة مني»؛ مخافة أن يأخذ ذلك منه، فليس عليه شيءٌ، وليس مثل هذا شهادة (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ إقراره لغيره على هذا الوجه؛ انما هو ليدفع الظلم
стр. 1303
عن نفسه ممن يريده، لا أنّه أراد بذلك الإقرار له، وهو بمنزلة إقرار المضطر، أنَّ ذلك غير لازمٍ له؛ لأنّه لم يكن منه على وجه الاختيار بما يُعرف من حاله، فكذلك هذا المقرُّ لغيره إذا أراد إزالة ظلمٍ أو منع من يطلب ذلك منه، ممن يثقل عليه ردُّه.
•••
[١٤٤٤] مسألة: قال: ومن أقرَّ لامرأته بدَينٍ، فعليه المخرج بالبيِّنة (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإقرار بالدَّين متعلقٌ بالذمَّة.
(وكلّ شيء تعلق بالذمَّة، ثمّ ادَّعى خروجه منه فإنَّ قوله غير مقبولٍ، إلّا أن يقيم بينةً على ذلك.
(وكلّ من أقر بشيءٍ في يده على وجه الأمانة، ثمّ ذكر الخروج منه، فالقول قوله مع يمينه، إذا ذكر أنّه قد رده على صاحبه، أو ضاع ذلك منه، وقد بيَّناه فيما تقدَّم.
•••
[١٤٤٥] مسألة: قال: ومن قبض لها زوجها شيئاً بوكالةٍ، أو باع لها أو اشترى لها، فالقول قوله في ذلك مع يمينه إذا ادَّعى أنّه دفعه إليها (٢).
стр. 1304
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: وهو أنَّ هذه الاشياء أمانةٌ في يده لا في ذمَّته، فالقول قوله مع يمينه في دفع ذلك إلى امرأته.
•••
[١٤٤٦] مسألة: قال: ومن أتى إلى رجلٍ فقال: «إنَّ أباك أسلفني مئة دينارٍ، وَبَقِيَتْ لَهُ عشرةٌ»، وقد هلك الأب:
(فإن كان ذلك قد طال، فهو مُصدَّقٌ.
(وإن كان حديثاً، فعليه البينة.
وقد قيل: إنه يغرم ذلك كله، إلّا أن يأتي بالبينة، وهو أحب إلينا (١).
• وجه قوله: «إنَّ قوله يقبل فيما ذكر من دفع ذلك»؛ فلأنه لم يقصد الإقرار بالمئة، وإنما ذكر ذلك على وجه الحمد لمن فعل ذلك به، ولم يحصل إقراره بغير العشرة.
ووجه القول الآخر؛ فلأنه قد أقَرَّ بالمئة وادَّعى الخروج من تسعين، فلا يقبل قوله بغير بينةٍ؛ لأنَّ كلّ من أقر بشيءٍ في ذمّته، ثمّ ادعى الخروج منه، لم يقبل قوله بغير بينةٍ.
•••
[١٤٤٧] مسألة: قال: ومن أقرَّ لرجلٍ بمالٍ عليه، وقال: «دفعته إليه»، لزمه المخرج منه بالبينة.
стр. 1305
وإنما يُقبل ما ذَكَر: عَلَيْهِ وَلَهُ، في الحساب والشركة (١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ من أقرَّ بشيءٍ في ذمَّته، ثمّ ادَّعى الخروج منه، لم يقبل ذلك منه بغير بينةٍ، وإذا أقرَّ بشيءٍ هو في أمانته دون ذمَّته، قُبِل قوله إذا قال: دفعته إلى من ائتمنه، وذلك كمال الوديعة والشركة وأشباه ذلك.
•••
[١٤٤٨] مسألة: قال: ومن أقر لرجلٍ برهنٍ، وأنكر الرّجل وقال: «وديعةٌ أو عاريةٌ»، فذلك له، وعليه اليمين (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي في يده الشّيء قد أقَرَّ لصاحبه بملكه وادَّعى فيه حقاً، وهو قوله: «إنه رهنٌ»، فلا يقبل قوله على ربّ الشّيء بغير بينةٍ، والقول قول صاحبه أنّه وديعةٌ أو عاريةٌ مع يمينه؛ لأنّه منكرٌ لِمَا ادَّعاه الآخر أنّه رهنٌ.
•••
[١٤٤٩] مسألة: قال: ومن ذكر رجلاً حياً أو ميتاً فقال: «جزاه الله خيراً ما أقرب معروفه، لقد جئته مرَّةً فأسلفني كذا وكذا»، فطلب ذَلِكَ الرَّجُلُ أَو وَرَثَتُهُ، فليس ذلك لهم إذا كان على هذا الوجه ولم يذكره عند تقاضي أحدٍ له ولا دعواه (٣).
стр. 1306
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ هذا لم يقصد بقوله الإقرار، وإنما قصد الشكر والدعاء، فلم يلزمه حكم الإقرار، إلّا أن يكون ذلك عند تقاضٍ ومطالبةٍ، فيلزمه إذا ذكر ذلك عند المطالبة؛ لأنَّ ذلك على وجه الإقرار منه.
•••
[١٤٥٠] مسألة: قال: ومن اعترف لرجلٍ بمتاعٍ لَهُ رَهَنَهُ ولا بَيِّنَةَ له، فإنَّ الورثة يحلفون: «ما نعلمه رهنك هذا المتاع، ولا نعلم لك عليه ما ادَّعيت» (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الذي في يده المتاع قد أقرَّ بأنَّ ملكه لغيره، وادَّعى أنّه رَهْنٌ عنده، فلا يقبل قوله بغير بينةٍ.
وعلى مالك الشّيء أن يحلف ما هُوَ رَهْنٌ عنده إن كان باقياً، أو يحلف ورثته إن كان قد مات أنهم لا يعلمون أنَّه رَهنٌ؛ لأنّه مُدَّعٍ للرهن، فعليه البينة، والمُدَّعى عليه منكرٌ، فعليه اليمين.
•••
[١٤٥١] مسألة: قال: ومن طُلِب منه منزلٌ بكراءٍ، فقال: «هو لابنتي حتى أستشيرها»، ثمّ مات الأب وطلبت الابنة المنزل بهذه الشّهادة، فلا ينفعها ذلك إلّا أن تكون حازت، أو يَكُونَ لها على هبته أو صدَقَتِه شهودٌ.
وكذلك لو كانت البنت صغيرةً فلا حق لها في ذلك (٢).
стр. 1307
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ هذا القول منه ليس على وجه الإقرار منه لابنته، وإنما أراد به إزالة ظلمٍ أو رَدِّ من يثقل أمره عليه، هذا معروفٌ من النّاس أنهم يفعلونه، وذلك يكون منهم لا على وجه التمليك والإقرار لأولادهم، أو لمن ذَكَروا ذلك وأضافوه إليه، فجرى هذا مجرى إقرار المُكْرَه أنَّ ذلك غير لازمٍ له؛ لأنّه لم يقصده.
وسواءٌ كان ولده صغيراً أو كبيراً، إذ لم يجز ذلك في حياته، أعني: حياة الأب؛ لأنَّ ذلك كان قولاً لا حقيقة له، والله أعلم.
•••
[١٤٥٢] مسألة: قال: ومن اعترف لامرأته بدَينٍ في مرضه، ثمّ صحَّ فادَّعى التوليج، فليس ذلك له (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ إقراره بالدَّين قد لزمه وتعلَّق بذمَّته، فلا يقبل منه أنَّ ذلك كان غير صحيحٍ؛ لأنّه يريد بذلك إسقاط ما قد لزمه وتعلَّق بذمَّته من الإقرار.
•••
[١٤٥٣] مسألة: قال: ومن اعتَرَفَ دابَّةً بيد رجلٍ، وقال: «بيِّنَتي غُيَّب»،
стр. 1308
وأنكر ذلك ربُّ الدابة، ويقول الطالب: «أنا أضع (١) قيمتها وأخرج بها»، فليس ذلك له، إلّا أن يأتي بشبهة شاهدٍ يشهد أنْ قد سُرِقَتْ له دابةٌ (٢).
• إنّما قال: «إنه يأخذ الدابة إذا أتى بشبهةٍ من بيِّنةٍ - وإن كانت غير قاطعةٍ - أنَّ دابته سُرِقَت بعد أن يضع قيمتها»، فلجواز أن يكون الأمر كما قال، ويشهد الشهود الذين له في البلد الذي يذكر أَنَّهَا سُرِقت منه على عين الدابة، ليصل إلى حقه، ويكون الذي أخذها من يده أيضاً لا ضرر عليه في ذلك؛ لأنّه قد أخذ بدلها وهي القيمة.
وقد قال مالك: «إنَّ له أن يأخذها بعد أن يضع القيمة، وإن لم تكن له شهادة» (٣).
وقال عبد الملك: «ليس له أخذها إلّا بعد أن يقيم الشّهادة عند الحاكم أنَّ دابَّةً سُرِقت منه، صفتها كذا وكذا، للدابة التي اعترفها، ثمّ يُخْرِجُ القيمةَ ويَدْفَعُ إليه ليذهب بها إلى شهوده فيشهدوا على عينها إن كانت هي، وَإِلّا ردَّها وأخذ القيمة» (٤).
وهذا القول كأنه أشبه؛ من قِبَل أنّه لو سُوِّغَ للمدَّعِي أَخْذَها من غير بينةٍ تقوم
стр. 1309
له على صفة الدابة؛ لأضر ذلك بالناس، ولادَّعى من ليس بمأمونٍ ذلك وأخَذَ أموالهم بغير بينةٍ تقوم له على دعواه، ولدخل عليهم في ذلك ضررٌ.
•••
[١٤٥٤] مسألة: قال: ولو اعترف رجلٌ دابَّةً وقامت له بينةٌ، فقال: «اشتريت منك» أو «وَهَبْتَ لي»، فينكر ويقول: «أنا أذهب بها حتى أقيم البينة»، فليس ذلك له، ويحلف بالله: «ما باع ولا وهب»، ويأخذ دابته (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المعترف قد استحق الدابة ووجبت له بالبينة التي شهدت له، وليس يقبل قول من هي في يده: «أنّه اشتراها أو وهبت له»، دون أن يقيم بينةً على ذلك، وَإِلّا حلف صاحبها أنّه ما باعها له ولا وهبها منه؛ لأنَّ البيّنة على المدَّعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ .
•••
[١٤٥٥] مسألة: قال: وإذا ادَّعَت الجارية الحرية وشُهودها غُيَّبٌ - بموضعٍ تذكره -:
(فإن جاءت بشهودٍ أو شهادةٍ غير قاطعةٍ، أُقِرَّتْ - عند سيدها إن كان مأموناً، ويُمنع من وطئها، وإن لم يكن مأموناً، عُزِلت إلى امرأةٍ، - وضُرِب لها أجل شهرٍ أو شهرين، وأُخِذَ عليها حميلٌ.
والعبد أيضاً يؤخذ عليه حميلٌ ويؤجل لطلب بينته كما قُلت لك.
стр. 1310
(وإن لم تكن له (١) شهادةٌ ولا بظاهرٍ، لم يُؤَجَّلا ولم يُؤخذ منهما حميلٌ، فإن أتيا بشيءٍ قُبِلَ منهما.
وإن قالا: «لا نجد حميلاً» وجاء (٢) ببينةٍ كما قلت، فإنّه يُمَكَّنُ من الخروج فيأتي بشهداء، وإن لم يأت بذلك، طرح لسيده في السجن، ويُوَكَّلُ من يقوم له فيما يدعي، ولا يخلى فيهرب.
فإن خرج فلم يأت ببينةٍ وانقضى أجله وأجلٌ بعده ولم يأت بشيءٍ، وهو على دعواه بعد في شهدائه، فإنّه إذا أعذر إليهما في الأجل قُضِيَ عليه، وكذلك الرّجل يدَّعي البيّنة فتضرب له الآجال.
وذلك يختلف من الرّجل الصالح، فذلك يزاد، والمُلِدُّ الظلوم، فذلك يقضى عليه (٣)(٤).
• إنّما قال: «إنَّ الجارية والعبد يمُكَّنان من إقامة البيّنة إذا ادَّعيا الحرية وأتيا بشبهةٍ على دعواهما من شهادةٍ غير قاطعةٍ أو سماعٍ ممن يذكر ذلك»؛ فلجواز أن يكون الأمر على ما قالا، ولتأكيد سبب الحرية، فأوجب أن يمكنا
стр. 1311
من ذلك؛ لأنَّ في ذلك ثبوت حقٍّ الله من الحرية، وثبوت حقهما في أنفسهما وتصرُّفِهما فيها بالحرية.
فإذا كان كذلك مُكِّنَا من إقامة الشّهادة وطلبها، وضُرِب لهما في ذلك أجلٌ على حسب ما يراه الحاكم من ذلك، وعلى حسب ما يُعرَفُ من صدق قولهما.
فإن لم تكن لهما شبهةٌ من شهادةٍ ولا سماعٍ، لم يُمَكَّنا من ذلك، وكانا على أصل الرقِّ.
وكذلك إذا ادَّعَيا أنَّ سيدهما أعتقهما وكانت لهما شبهةٌ من شهادةٍ، وإن لم تكن قاطعةً، استحلف سيدهما أنّه لم يعتقهما، وإن لم يكن لهما ذلك، لم يُستحلف؛ لأنّه لو استُحْلِفَ مع دعواهما بغير شبهةٍ لأضر ذلك بسادة العبيد، ولَمَا شاء عبدٌ أن يدَّعي ذلك إلّا فعل.
وكذلك المرأة إذا ادَّعت على زوجها الطلاق، لم يستحلف بقولها، إلّا أن تكون لها شبهةٌ من بيِّنَةٍ، وقد بيَّنا ذلك فيما تقدَّم (١).
ومتى ظهر للحاكم أنهما غير مُحِقَّيْنِ فيما ادَّعَيا من شهادةٍ أو عتقٍ، منعهما من ذلك وحبسهما، أو أدَّبَهما؛ ليرتدعا عن ذلك، ويلْزَما خدمة سيدهما وما يلزمهما من أحكام الرقِّ؛ لأنهما قد فعلا ما يضرُّ بسيدهما، فوجب منعهما منه.
•••
[١٤٥٦] مسألة: قال: وإذا ادَّعت الجارية الحرية ونسبت بلادها وقبيلتها:
стр. 1312
(فإن كان ما ادَّعت شيئاً له وجهٌ، كَتَبَ الوالي بأمرها حتى يستبرئ (١) ذلك، والنفقة والمؤنة في ذلك على المشتري، ولا تُرد على البائع بقولها.
فإن تبيَّن صدق ما قالت، رُدَّتْ على البائع، ولم يلزمه شيءٌ مما أنفق المشتري.
(وإن سمَّت بلداً بعيداً ولم تنسب نسباً يُعْرَف إلّا أمر ملتَبِس، بطلت دعواها.
وإن نزعت عن قولها، بطلت دعواها إلّا أن تخاف.
قال: وقال ابن القاسم: ويَرْجِع السيد عليها إذا خرجت حرَّةً بالنفقة التي أنفق عليها باستبانة أمرها (٢).
• إنّما قال: «إن الوالي يكتب بأمرها حتى يستبرئ ذلك»؛ فلجواز أن تكون حرةً كما قالت، ولها على ذلك بينةٌ، وليس يجوز منعها من تثبيت ذلك؛ لأنّه في ثبوته حقاً لله ، وحقاً لها، كما ذكرنا.
وقوله: «إنَّ النفقة والمؤنة على المشتري»؛ فلأنها مُلْكُهُ حتى ينكشف غير ذلك، وما أنفق على ملكه لم يرجع به على غيره وهو البائع.
وكذلك إذا انكشف أَنَّهَا حرَّةٌ، رجع على البائع بالثمن ولم يرجع عليه بالنفقة؛ لأنّه أنفق على أَنَّهَا ملكه.
стр. 1313
وإن ذكرت بلداً بعيداً ونسباً لا يعرف، لم يُقبل منها؛ لأنّها تريد الإضرار بسيدها وإسقاط حكم الرق والخدمة عنها بما تذكره.
وقول ابن القاسم: «إنَّ عليها النفقة إذا خرجت حرةً»؛ فلأنَّ الذي أنفق عليها قد فعل ما عليها أن تفعل من نفقتها على نفسها، فعليها رَدُّ ذلك إليه.
ويشبه أن يكون لا نفقة عليه لها؛ لأنّه إنّما أنفق على أَنَّهَا ملكه، ولم ينفق ليرجع عليها، والله أعلم.
•••
[١٤٥٧] مسألة: قال: ومن دفع إلى رجلٍ ذهباً في خرقةٍ بحضرة شهودٍ، فقال: «هذه مثل الذي تسألني»، وقبضها، ثمّ ادَّعى بعد ذلك أن لم يجد فيها إلّا خمسين، أو وجدها نحاساً، فلا قول له، ولكن يحلف الذي دفعها: «لقد كانت كما حدثتك»، ويبرأ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المدفوع اليه قد صَدَّقَ الدافع على ما قاله وقَبِلَ قوله، فلزمه ذلك، وليس له بعد ذلك أن يقول: «إنها على خلاف ما قلته لي»، إلّا أن يقيم بيِّنَةً على ذلك، وهو أن يفتحها قبل أن يقوم من موضعه بحضرة الشهود، فيجدها على خلاف ما ذكر.
•••
[١٤٥٨] مسألة: قال: وإن قال له: «اذْهَبْ فإن أنكرت شيئاً أبدلت لك»،
стр. 1314
فالقول قول الذي دُفِعَت إليه مع يَمِينِهِ، ويَمِينُهُ أن يحلف بالله: «ما أعطاه إلّا جياداً (١) في علمي».
وقد قال: إنه يحلف بالله: «ما أعطاه إلّا جيداً»، والأول أعجب إلينا (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الدافع في هذا قد ائتمن المدفوع إليه على ما يقوله من الجودة والعدد، فالقول قوله مع يمينه: «إنه ما أعطاه إلّا جياداً، [و] ما (٣) ردَّه هو من دراهم الدافع التي يدفعها إليه» (٤).
وقوله: «ويمينه: أن يحلف بالله ما أعطاه إلّا جياداً»، يرجع إلى المسألة الأولى (٥)؛ لأنَّ المدفوع إليه بتصديقه الدافع قد ائتمنه على ذلك، فكان القول قول الدافع مع يمينه.
وفي هذه المسألة، القول قول المدفوع إليه مع يمينه؛ لأنّه بقول الدافع له: «اذهب فإن أنْكَرْتَ شيئاً أبدلت ذلك» فقد ائتمنه.
ويحلف في المسألة الأولى في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى على العلم، وفي المسألة الثانية على البت (٦) فقط.
стр. 1315
والقياس أن يحلف على البت لا العلم؛ لأنّه يعلم أَنَّهَا جيادٌ حقيقيةً أم غير جيادٍ.
ووجه قوله: «إنه يحلف على العلم أَنَّهَا جيادٌ»؛ فلأنَّ النقد أصله الاجتهاد، وقد يجوز الغلط فيه، فليس عليه أن يحلف على القطع أَنَّهَا جيادٌ.
•••
[١٤٥٩] مسألة: قال: ومن استسلف رجلاً ديناراً، فقال المستسلف: «ما أسلفتني إلّا ديناراً لا يسوى درهماً»، فإنَّ صاحب الدينار الذي أسلفه يحلف: «لقد أعطيتك ديناراً جيِّداً»، ثمّ يأخذ منه (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المستسلف قد أقرَّ أنَّ عليه ديناراً للمُسلِف وادَّعى أنّه غير جيدٍ، فلا يقبل ذلك منه إلّا ببينةٍ، وَإِلّا حلف الآخر: «أنَّه ما أقرضه ديناراً جيداً» ثمّ يأخذ منه.
•••
[١٤٦٠] مسألة: قال: وإذا فارق الرّجل امرأته واختلفا في متاع البيت:
(فما كان من متاع النساء، فهو لها.
(وما كان من متاع الرجال، فهو للرجل.
(وما كان مما يصلح لهما جميعاً: حلف على ذلك وكان له، فإن نكل أحلفت المرأة.
стр. 1316
(وما كان من متاع النساء فأتى عليه بالبينة، فإنّه يحلف مع البينة: «أنَّه ما أعطَتْهُ ثمن ذلك المتاع يشتريه لها»، فإن حلف، كان ذلك له.
وإن ادَّعى ذلك أهل المرأة بعد موتها مما يكون من متاع النساء، فإنهم يحلفون: «ما علمنا ذلك»، ثمّ يكون لهم.
وما أحدثت (١) في بيت زوجها، مثل النسج للثياب - كما تفعل المرأة في بيت زوجها، فيعطيها الصوف فتغزله وتنسجه -، ثمّ تموت فيدَّعيانه، فهما فيه شريكان، يكون لها فيه عملها، ويكون له ثمنه.
والطست والتور (٢) من متاع المرأة، وفرش البيت لها (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ يد الرّجل والمرأة لمّا كانا متساويان في حوزهما متاع البيت وقبضهما له، ثمّ ادَّعى كلّ واحدٍ منهما أنَّ ذلك له، وجب أن يُحْكَم به لأقواهما سبباً مع يمينه، وذلك بأن يدَّعي كلّ واحدٍ منهما المتاع الذي يشبه أن يكون له؛ لأنَّ سببه أقوى فيما يدعيه من سبب صاحبه؛ لأنَّ في الأغلب أنَّ ثياب النساء إنّما تلبسها النساء، وكذلك ما يصلح لهن من المتاع، وكذلك ثياب الرجال في الأغلب هي للرجل؛ لأنّه لبسُهُ، وكذلك ما يستعمله.
стр. 1317
فلهذه العلَّة وجب تغليب قول مُدَّعي الأشبه مع يمينه إذا استويا جميعاً في اليد.
وليس يشبه هذا ما قال مخالفنا من دعوى العَطَّارِ العِطْرَ، والدَّبَّاغِ الجلود (١)، أنّه يُحكم بذلك للأشبه منهما فيما يدعيه إذا كان المتاع لأشبه المتداعيين؛ من قِبَلِ أنَّ يد المتداعيين هاهنا ليست واحدةً فيما يدعيانه، وإنما هو في يد أحدهما، فاليد أقوى من دعوى الأشبه منهما، وفي الزوجين فليس أحدهما أولى باليد من الآخر؛ لأنَّ أيديهما جميعاً في متاع البيت واحدةٌ.
ومثال هذا، أن تكون يد العطار والدباغ واحدةً فيما يتنازعاه، فيجوز أن يُحكم لمدعي الأشبه منهما، وكذلك إن كان الشّيء في يد غيرهما لا يدَّعيه لنفسه، حُكِم للأشبه بالدعوى منهما؛ لأنَّ في الأصول: الحكم لمُدَّعِي الأشبه مع يمينه.
ألا ترى: أنا نحكم في النقد إذا اختُلِفَ فيه لمدَّعي الأشبه بِعُرْفِ النّاس في البلد الذي هما فيه، وكذلك إذا اختلفا في الحمولة والسير وأشباه ذلك، فإنّه يُرْجع في ذلك إلى مُدَّعِي الأشبه بما يعرفه النّاس في البلد الذي هما فيه، فيُحكم له مع يمينه.
وقد رُوِيَ حديثٌ، رواه حذيفة، عن النبيِّ ﷺ : «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ
стр. 1318
فِي خُصٍّ تَنَازَعَاهُ، فَحَكَمَ لِصَاحِبِ القِمْطِ» (١) يعني: الشد؛ لأنَّ الأغلب من عرف النّاس أنَّ وجه الخُصِّ يكون إلى الذي هو له.
وقوله: «وما كان يصلح لهما جميعاً حلف على ذلك وكان له»؛ فلأنَّ سبب الرّجل أقوى؛ لأنَّ البيت بيته، فوجب تغليب سببه وقوة أمره لهذه العلة، فإن نكل حلفت المرأة؛ لأنَّ سببها قد قوي، وهو امتناع الزوج من اليمين، فوجب أنْ يُحْكَم لها مع يمينها، وكلّ من أقام البيّنة أنَّ المتاع له، فإنّه يُحْكم له بذلك؛ لأنَّ البيّنة أقوى من اليد بغير بينةٍ، ويحلف أنّه لم يشتره لامرأته إن ادَّعَتْ عليه ذلك.
وكذلك حكم أهل المرأة وأهل الزوج إن ماتا جميعاً بعد وقوع الطلاق وبعد أن اختلفا في المتاع؛ لأنهما يقومان مقامهما في الميراث، وحكم الوارث حكم الموروث في حقوق الأموال، فوجب أن يكون حكمهما كذلك: أنَّ القول قول مُدَّعِي الأشبه منهما مع يمينه، كما يكون ذلك لمن ورث عنه.
وقوله: «ما أحدثت المرأة في بيت زوجها، مثل: النسج وغيره من العمل، فإنهما يشتركان فيه»؛ فلأنَّ كلّ واحدٍ منهما قد ثبت له حقٌّ في عين المتاع الذي هو بينهما، فوجب أن يُعطى كلّ واحدٍ منهما حقه من ذلك، على حسب قيمة العمل وقيمة الشّيء المعمول فيه بغير عملٍ، يكونان شريكين على حسب ذلك.
وقوله: «إنَّ الطست والتور من متاع المرأة، وفرش البيت لها»؛ فإنَّ هذا كله في الأغلب مما يكون للمرأة، فوجب أن يكون لها ذلك مع يمينها.
•••
стр. 1319
[١٤٦١] مسألة: قال: وما اشترى الرّجل من متاع المرأة فهو له، إلّا أن تقيم بيِّنةً أَنَّهَا دفعت إليه ثمنه ليشتريه لها، وَإِلّا فيمينه (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما اشتراه الرّجل فهو له؛ لأنّه قد عُلِم أنَّ الملك في الظاهر قد وقع له بالشري، سواءٌ كان ذلك من متاع المرأة أو الرجل، إلّا أن تقيم المرأة بيِّنَةً أنَّ الشراء كان لها، وأنها دفعت إليه ثمن ذلك.
فإن لم تكن لها بينةٌ، حلف هو أَنَّهَا لم تدفع إليه ثمنه؛ لأنّها مدَّعِيةٌ وهو منكِرٌ، والبينة على المدَّعي واليمين على المنكِر، كما قال رسول الله ﷺ .
[١٤٦٢] مسألة: قال: وسَفَطُ (٢) الرّجل الذي تأتي به المرأة، فهو لها إذا اختلفا فيه (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد عُلِم أنَّ ذلك ملكها؛ لأنّها هي التي جاءت به لا الزوج.
•••
стр. 1320
[١٤٦٣] مسألة: قال: وإذا ادَّعَت أم الولد متاع البيت، كُلِّفَت البيّنة على متاع النساء، وليست بمنزلة الحرة، وما أعطاها سيدها من الحلي والثياب فهو لها.
وما كان من متاع البيت، مثل: الفرش والحلي واللحاف والثياب التي على ظهرها، فهو لها (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أم الولد ليس لها ملكٌ مستقرٌّ على ما في يدها كاستقرار ملك الحرة على ملكها، فلم يقبل قول أم الولد: أنَّ ذلك لها وإن كان يشبه متاع النساء؛ لأنَّ حكم يدها وملكها مخالِفٌ لحكم يد الحرة وملكها.
فأمّا ما كان من الثياب التي تلبسها أو تنام فيها مما لا بد لها منه، فهو لها؛ لأنَّ ذلك في الأغلب لها؛ إذ لا بد لها منه، وليس يجوز لسيدها تركها من غير ما يُصلحها من ثيابٍ وفرشٍ، يعلم أنَّ ذلك لها؛ لقوة سببها فيما تدَّعيه.
•••
стр. 1321
باب الصلح
[١٤٦٤] قال: ومن جحد رجلاً مالاً، فأقر له في السر ودعاه إلى الصلح، ثمّ انطلق فأشهد (١) أنّه إنّما يصالحه ليقرَّ في العلانية، ثمّ يقوم على حقه، فصالحه في العلانية وأشهد عليه، فلمّا فرغا خاصمه، فالصلح جائزٌ، إلّا أن يأتي بأمرٍ من شهادةٍ أو علمٍ على أصل الحق، أو أمرٍ يُرى أنّه قد ثبت (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصلح قد وقع من ربِّ الحق في الظاهر، فلا يقبل قوله: «إنَّه إنّما صالحه ليقرَّ له في العلانية»؛ لأنّه لو قُبِل ذلك منه، لَمَا شاء أحدٌ أن يُبْطِل ما يلزم نفسه من صلحٍ وبيعٍ وغير ذلك من العقود إلّا فعل ذلك، والصلح فهو فعل مجوَّزٌ إذا كان على ما أذن الله فيه ورسوله ﷺ .
فإن أتى بعذرٍ أو وجهٍ يُقبل قوله: أنَّ صلحه إنّما كان ليقر له في الظاهر، كان ذلك له؛ لأنَّ صلحه إنّما كان على وجه الاضطرار لا الاختيار.
•••
стр. 1322
[١٤٦٥] مسألة: قال: ومن صالح رجلاً من حقه، ثمّ ادَّعى أنَّ عليه يميناً أن لا يأخذ حقه إلّا جُملةً، فالصلح جائزٌ، وليس ذلك له (١).
• إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلنا: إنَّ الصلح فعل مجوَّزٌ مندوبٌ إليه، وإذا فعله الإنسان، لم يكن له أن يرجع عنه إذا كان غير مخالفٍ للكتاب والسنة، وذلك لازمٌ له، كعقد البيع والإجارة.
وليس يقبل قوله: في أنّه لا يأخذ حقه إلّا جملةً؛ لأنّه قد ترك بعضه على وجه الصلح، فليس له أن يرجع عنه.
•••
[١٤٦٦] مسألة: قال: ومن ادَّعى على رجلٍ مئتي دينارٍ، وأنكر الآخر أن تكون له إلّا مئةٌ، وذكر ذهاب ذِكْرِ حَقِّهِ، فصالحه على زيادةٍ من المئة، ثمّ وجد كتاب ذكر حقٍّ، فإنّه يغرم له بقية حقه (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا لم يختر الصلح، وإنما أحوجه إلى ذلك ذهاب حجته وهو ذكر الحق، فلمّا وجده، كان له أن يرجع الى أصل حقه؛ لأنّه لم يختر تركه على طيب نفسٍ، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (٣).
•••
стр. 1323
[١٤٦٧] مسألة: قال: ومن غاب شهوده على حقٍّ، فطلبه فجحده الذي هو عليه، فدعاه إلى الصلح، فأشهد في السر: «أني إنّما أصالحه لجحوده إياي، وإذا حضر شهودي قمت»، فالصلح ماضٍ، ولا ينفعه القيام بشهوده، ولو شاء لم يُعَجِّل حتى يَقْدُمُوا (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لم تدعه إلى الصلح ضرورةٌ، لو شاء صبر حتى يقدُم شهوده فيأخذ حقه كله، فلمّا اختار الصلح وترك بعض حقه، لم يكن له الرجوع عنه، كما ليس له الرجوع عن عقود البياعات والإجارات وغير ذلك.
•••
[١٤٦٨] مسألة: قال: ومن صالح رجلاً على دراهم كانت له عليه، على: «أن يدفع إليه خمسة دراهم كلّ شهرٍ على أنَّ الدافع لا يمين له على صاحب الحق إن لم يأت ببيّنةِ غرمٍ»، فلا ينفعه ذلك الشرط (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّ هذا صلحٌ على خلاف ما أُمِر به، وهو مخالفٌ للأصول؛ لأنَّ اليمين على الدافع متى استحلفه صاحب الحق إذا لم تكن له بينةٌ، فمتى عقدا صلحهما على أن لا يمين على المدَّعَى عليه ولا بينة على المُدَّعِي، فصلحهما غير جائزٍ.
стр. 1324
وقد قال عمر بن الخطاب: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحَاً أَحَلَّ حَرَامَاً أَوْ حَرَّمَ حَلَالَاً» (١).
وقال النبيُّ ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (٢).
•••
[١٤٦٩] مسألة: قال: ومن صالح امرأةً على ثُمُنها من زوجها، وترك مالاً وعَرَضَاً وعليه دَينٌ، فإن كانت العروض معروفةٌ، فلا بأس بذلك (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصلح في هذا الموضع هو بمنزلة البيع، لأنَّ المرأة تترك شيئاً وتأخذ بدله، وإذا كان ذلك كله معروفاً، جاز، وإن كان مجهولاً، لم يجز؛ لأنّها معاوضةٌ على شيءٍ مجهولٍ، وذلك غير جائزٍ.
•••
[١٤٧٠] مسألة: قال: ومن اعْتُرِفَ في يده بعيرٌ، وأتى صاحبه الذي اشتراه منه فأنكر، فصالحه على دينارين كتبهما عليه، ثمّ زعم الذي صالحه أنّه قال: «إن وجدتُ صاحب البعير أعطيتك حقك»، وجحد ذلك الذي عليه الديناران وأراد استحلافه، فليس ذلك عليه إذا لم يكن وضع ذلك في كتابه (٤).
стр. 1325
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا مدَّعٍ يدّعي خلاف ما وقع صلحهما عليه، فلا يقبل قوله.
وهذا إذا كان لهما صلح مكتتبٌ؛ لأنَّ الكتب إنّما تكتب ليُرجع إليها ويُحتج بها على من ادَّعى خلاف ما فيها، فأمّا إذا لم يكن لهما كتابُ صلح، كان عليه اليمين؛ لأنّه منكِرٌ، وعلى الآخر البيِّنة؛ لأنّه مدَّعٍ.
ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّ الصلح وقع على الإنكار، فلم يجب للمدَّعي على المدَّعى عليه حقٌّ، وإنما أعطاه المدَّعى عليه شيئاً ليزيل دعواه، وليس بينهما خلطةٌ، فوجب عليه اليمين.
•••
[١٤٧١] مسألة: قال: ومن ادَّعى على رجلٍ أنّه وعده إذا خرج عطاؤه أعطاه دينارين، فأنكر وأراد أن يُحَلِّفَه، فلا يمين عليه (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الوعد غير لازمٍ لمن وعد، فمن وعد فلا يمين عليه؛ لأنّه لو أقر بالوعد لم تلزمه العطية؛ لأنَّ الوعد ليس بعقدٍ، وإنما يلزمُ الإنسانَ ما يفعله، أو يعقد على نفسه فعله في ثانٍ، فأمّا إذا لم يكن فَعَلَ - أعني: من عطيةِ شيءٍ، أو عقدٍ بعطيةِ شيءٍ في ثانٍ -، فليس يلزمه ما يَعِدُ به، وإن كان الاختيار له أنْ يفي به.
وإنما تلزم الأفعال وعقودها، كما يلزَمُ الانسانَ الحجَّ إذا دخل فيه، وكذلك الصوم والصلاة، وكذلك الهدي إذا قلده وأشعره، ويلزمه أيضاً إذا ألزم نفسه
стр. 1326
قولاً، وذلك لأنَّ الله سبحانه قال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].
•••
[١٤٧٢] مسألة: قال: ومن صالح غريماً له على مالٍ له كان على رجلٍ هو وصيه، فصالحه على رقيقٍ للميت تركهم، على أن يدفع إليه بقية ما صالحه عليه من ثمارٍ لهم وقفاً عليهم، على أنَّه إن كان الرقيق مضت فيهم صدقهٌ أو شيءٌ حال دونهم من أبيهم فلا صلح بينهم، فلا يجوز ذلك، إلّا صلحٌ ثابتٌ ليس فيه: «إن كان كذا وكذا، وإن كان كذا وكذا» (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الصلح هاهنا جرى مجرى المعاوضة، فلا يجوز أن يقع على عوضٍ لا يُدرى هل يحصل أم لا؛ لأنَّ ذلك غررٌ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه عن بيع الغرر، والصلح عليه (٢).
•••
стр. 1327
باب الوكالة
[١٤٧٣] قال: وإذا وكلت المرأة زوجها في حقٍّ لها وبيعٍ وشراءٍ، ثمّ ادَّعَت أنَّه لم يعطها شيئاً، فليس عليه إلّا يمينه ويبرأ.
وكذلك القوم يوكلون الوكلاء في البلدان ويقبضون لهم الأموال (١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الوكيل مؤتمنٌ على ما يتصرَّف فيه من المال، فإذا قال: دفعت ذلك إلى من وكَّلَه، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنَّه قد ائتمنه على ذلك.
وإن قال: قد دفعته إلى غيره، لم يقبل قوله إلّا ببينةٍ؛ لأنَّ غيره لم يأتمنه على المال الذي في يده، كما ائتمنه موكله.
والأصل في هذا:
(أنَّ كلَّ مَنْ كان في يده مالٌ على وجه الأمانة، فقال: قد دفعته إلى من ائتمنه، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنَّ ذلك أمانةٌ في يده، وليس في ذمَّته.
стр. 1328
(وكلّ من كان في ذمَّته شيءٌ، فقال: قد دفعته إلى مَنْ له عليَّ، فلا يقبل قوله إلّا ببينةٍ، لا خلاف في هذه الجملة بين أهل العلم (١).
•••
[١٤٧٤] مسألة: قال: ومن وكَّلَ رجلاً بخصومةٍ، حتى إذَا [أُسْقِطَ] (٢) حلف بالمخاصِمِ بالعتق أن لا يخاصمه، فليس ذلك له، إلّا أن يكون شارَّهُ (٣) أو آذاه فيكون ذلك له، وَإِلّا فليس ذلك له (٤).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّه يريد بذلك قطع ما قد لزمه من الحجة وتوجَّه عليه من الحق، فلا يُتْرَك؛ وذلك لأنَّه في تركه ضررٌ على صاحب الحق.
ولو سُوِّغَ ذلك، لَمَا شاء أحدٌ قطع حُجَّةٍ تتجه عليه وإزالة حقٍّ يجب عليه إلّا فعل، وفي ذلك ضررٌ على الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (٥)، فليس يُتْرَكُ والإضرار بخصمه.
فإن كان آذاه أو شتمه أو خرج عن حدِّ الخصومة، كان له أن يوكِّلَ غيره متى
стр. 1329
حلف؛ لأنَّ تركه خصومته ليس على وجه الإضرار، إنّما هو على وجه صيانته لنفسه.
•••
[١٤٧٥] مسألة: قال: وإذا وكَّلَ رجلٌ رجلاً فقبض (١) ماله، فزعم الوكيل: «أنَّه قد أخذه»، وليس لصاحب الدَّين (٢) بيِّنَةٌ، والوكيل مقرٌّ ولم يدفع إلى صاحبه شيئاً، فليس ينفع إقرار الوكيل إلّا ببينةٍ عليه، وَإِلّا غرم الحق (٣).
• إنَّمَا قال ذلك لأنَّ الذي عليه الدَّين مدَّعٍ لخروجه منه وسقوطه من ذمَّته، فعليه البيّنة على ذلك، وعلى المنكِر لدفعه وهو صاحب الحق اليمين؛ لأنَّ البيّنة على المدَّعي واليمين على المنكِر.
وليس يقبل قول الوكيل على صاحب الحق في قبض ذلك منه؛ لأنَّ الوكيل ليس مؤتمناً فيما بينه وبين غير الموَكِّل، وإنما هو مؤتمنٌ على ما بينه وبين الموكل (٤).
•••
[١٤٧٦] مسألة: قال: ومن باع متاعاً ووكَّل بقبض ثمنه رجلاً، فزعم أنَّه قد
стр. 1330
قبضه منه ودفعه إلى الذي له الحق، فعليهم البيّنة بدفعهم إلى الوكيل، وليس على الوكيل إلّا اليمين بالله جَلَّ وَعَزَّ: «لقد دفع» (١).
• إنَّمَا قال ذلك: لِمَا ذكرنا: أنَّ الذي عليه الحق يدَّعِي خروجه منه ودفعه إلى صاحب الحق أو وكيله، فعليه البيّنة على ذلك، وَإِلّا حلف صاحب الحق أو وكيله أنَّه لم يدفع ذلك إليه؛ لأنَّ البيّنة على المدعي واليمين على المنكِر.
فالقول قول الوكيل مع يمينه في دفعه إلى صاحب الحق؛ لأنَّه مؤتمنٌ على ذلك، والذي عليه الحق ليس مؤتمناً، فكانت عليه البيّنة على الدفع.
•••
[١٤٧٧] مسألة: قال: ومن هلك وترك امرأةً وأخاً بالأندلس، فادَّعَت امرأته جميع ما ترك وأرادت بيعه، فقام ابن الأخ فسأل القاضي أن يُمَكِّنَه من إيقاع البينة: «على ما ترك عمُّه، وأنْ أَثْبَتَ أنَّ أباه وارث الهالك، وكان حياً يوم هلك هذا الموروث»، أُمْكِنَ من تثبيت ذلك وإحيائه، ثمّ يوقف على يدي عدلٍ حتى يأتي فيه أمر أبيه (٢).
• إنَّمَا قال: إنَّه يُمَكن من تثبيت ذلك بغير وكالةٍ؛ لأنَّ هذا انما هو على وجه إحياء حق المسلم، ولِمَا يخص الابن من أبيه أيضاً.
стр. 1331
فعلى هذا الوجه قال ذلك، وهو ضربٌ من الاستحسان لا القياس؛ لأنَّ أحداً لا يُخَاصِم عن أحدٍ إلّا بوكالةٍ منه، أو بإذن الحاكم له في ذلك (١).
•••
[١٤٧٨] مسألة: قال: ومن كان غائباً عن بلدٍ وله به عشيرةٌ ودارٌ في يدي رجلٍ، فادّعاها لنفسه، فسأل عشيرةُ الرّجل أن يؤذن لهم في تثبيت حق صاحبهم ومخاصمة الرّجل قبل هلاك البينة، فلا يُمَكَّنون من ذلك إلّا بوكالةٍ أو أمرٍ يعرفه (٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا قلنا: أنَّ أحداً لا يجوز له أن يتكلم عن أحدٍ في تثبيت حقٍّ له أو مطالبةٍ به، إلّا بوكالةٍ منه، أو أن يأمره الحاكم بذلك، وهذا هو الواجب، وما يقدَّم فاستحسانٌ على ما ذكرناه (٣).
•••
стр. 1332
[١٤٧٩] (١) مسألة: قال: ومن أعمر أرضاً مواتاً لا يطلبها أحدٌ، ثمّ يأتي من يستحقها، فيقال له: «أعطه ما عَمَّر وخذها وعِمَارتها»، فلا يقدر، فيقال للذي أحيا الأرض: «أعطه قيمة أرضه»، فلا يجد، فإنهما شريكان على قدر قيمة الأرض بغير عمارتها، وقيمة العمارة بلا أرضٍ (٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما له حقٌّ، فلا يجوز أن يبطل حق كلّ واحدٍ منهما؛ لأنَّ صاحب الأرض له حقٌّ في الأرض، والثاني بشبهةٍ له حقٌّ، فوجب أن يوصل كلّ واحدٍ منهما إلى حقه.
فبدأ صاحب الحق: بأن يعطي الباني بالشبهة قيمة بنائه يوم يستحقها؛ لأنَّه أقوى سبباً؛ من قِبَل أنَّ حقه متقدِّمٌ لحق الباني، والباني داخلٌ عليه.
فإن لم يعطه قيمة بنائه، قيل لصاحب البناء: «أعط صاحب الأرض قيمة أرضه بلا بناءٍ».
فإن أبى، كانا شريكين في الأرض والبناء، بقدر قيمة ما لكل واحدٍ منهما من قيمة الأرض وقيمة البناء، فيكون لصاحب الأرض من ذلك كله بقدر قيمة الأرض بلا بناءٍ، ولصاحب البناء بقدر قيمة البناء بلا أرضٍ، يشتركان في الأرض والبناء على حسب ذلك.
وهذا الذي قاله مالك، قد رُوِيَ عن عمر بن الخطاب أنَّه حكم بذلك (٣).
•••
стр. 1333
[١٤٨٠] (١) مسألة: قال: ومن اشترى داراً فاستغلها حيناً، ثمّ استُحِقَّت، فالكراء له ولا شيء فيه للمستحق، وكذلك العبد (٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الخراج للمشتري بالضمان؛ لأنّها لو تلفت كان تلفها من المشتري بالقيمة إن كان البيع فاسداً، وإن كان فيه عيبٌ، فتلفها منه بالثمن، فوجب أن يكون خراجها له لهذه العلة (٣).
وقد رَوَى ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف (٤)، عن عروة، عن عائشة، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه قال: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (٥).
وقد رَوَى مسلم بن خالد (٦)، عن هشام، عن عروة، بإسناده مثله (٧).
•••
стр. 1334
[١٤٨١] مسألة: قال: ومن بنى في أرض قومٍ بغير إذنهم، ثمّ استحقوها، فإن شاؤوا أعطوه قيمة عمارته منقوضَةً وأخذوها، وإن شاؤوا نقله عنهم (١).
ولا يكون له نقض ما لا ينفعه، من تغوير ماءٍ أحدثه (٢)، أو هدمِ شيءٍ أصلحه، وهو لصاحب الربع (٣).
• إنَّمَا قال: «إنَّ له قيمته منقوضةً؛» لأنَّه لم يبن بإذن صاحب الأرض، فكان إمّا متعدِّياً بالبناء إن كان غاصباً، أو مقصِّراً إن كان غير غاصبٍ بتركه استئذان صاحب الأرض، فكان لصاحب الأرض أن يأخذه بنقل بنائه عنه إن شاء، أو يعطيه قيمته مقلوعاً؛ لأنَّ قلعه يضر بصاحب الأرض، فله إزالة الضرر عنه بدفع قيمته مقلوعاً إلى الباني.
وإنما تكون قيمة البناء غير مقلوعٍ إذَا كان بإذن صاحب الأرض، ويكون الباني قد دخل على أن يكون مؤبَّداً، فأمّا إن كان دخل على أن يقلعه بعد مدةٍ، وذلك أن يكتري أرضاً سنين ليبني فيها، أو يبني بغير إذن صاحب الأرض، فإنَّ على صاحب الأرض دفع قيمته مقلوعاً إن شاء.
وقوله: «ليس له ردمُ بئرٍ أو هدم شيءٍ أصلحه إذَا كان لا ينتفع به وفي تركه كذلك منفعةٌ لصاحب الأرض»؛ فلأن فعله هذا هو ضررٌ أيضاً بصاحب الأرض، من غير أن ينتفع هو بشيءٍ من ذلك، فليس له أن يضر به إذَا كان لا ينتفع.
стр. 1335
وقد رَوَى مالكٌ، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، ومنهم من يقول: عن أبي سعيدٍ من غير حديث مالكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه أنَّه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (١).
•••
[١٤٨٢] مسألة: قال: وكذلك من اكترى فَعَمر، فليس له أن يردم البئر، وله أن يأخذ طيَّها (٢) إن أحب صاحب المنزل، وإن نقل منه تراباً فأراد أن يرده فليس ذلك له، وإن كان نزع خشبةً ردَّ مكانها، وإن هدم جداراً بناه، وإن أحبَّ صاحب الدّار أن يرد خشبةً مثل خشبته أو طوباً مثل طوبه فعل، وإن أحب فقيمته، والقيمة في ذلك أعدل، وليس له أن ينزع جيراً (٣)، ولا يردم عيناً (٤).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ فعله ما لا ينتفع به ويضر بصاحب الأرض هو إضرارٌ منه بغيره، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ».
فأمّا أخذُهُ ما ينتفع به فله ذلك؛ لأنَّه يأخذ حقه وماله.
وقوله: «إنَّ له طوباً كطوبه وخشباً كخشبه»؛ فلقرب شبه ذلك بعضه من