← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فعلى هذا الوجه قال ذلك، وهو ضربٌ من الاستحسان لا القياس؛ لأنَّ أحداً لا يُخَاصِم عن أحدٍ إلّا بوكالةٍ منه، أو بإذن الحاكم له في ذلك (١). ••• [١٤٧٨] مسألة: قال: ومن كان غائباً عن بلدٍ وله به عشيرةٌ ودارٌ في يدي رجلٍ، فادّعاها لنفسه، فسأل عشيرةُ الرّجل أن يؤذن لهم في تثبيت حق صاحبهم ومخاصمة الرّجل قبل هلاك البينة، فلا يُمَكَّنون من ذلك إلّا بوكالةٍ أو أمرٍ يعرفه (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا قلنا: أنَّ أحداً لا يجوز له أن يتكلم عن أحدٍ في تثبيت حقٍّ له أو مطالبةٍ به، إلّا بوكالةٍ منه، أو أن يأمره الحاكم بذلك، وهذا هو الواجب، وما يقدَّم فاستحسانٌ على ما ذكرناه (٣). •••

стр. 1332

[١٤٧٩] (١) مسألة: قال: ومن أعمر أرضاً مواتاً لا يطلبها أحدٌ، ثمّ يأتي من يستحقها، فيقال له: «أعطه ما عَمَّر وخذها وعِمَارتها»، فلا يقدر، فيقال للذي أحيا الأرض: «أعطه قيمة أرضه»، فلا يجد، فإنهما شريكان على قدر قيمة الأرض بغير عمارتها، وقيمة العمارة بلا أرضٍ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما له حقٌّ، فلا يجوز أن يبطل حق كلّ واحدٍ منهما؛ لأنَّ صاحب الأرض له حقٌّ في الأرض، والثاني بشبهةٍ له حقٌّ، فوجب أن يوصل كلّ واحدٍ منهما إلى حقه. فبدأ صاحب الحق: بأن يعطي الباني بالشبهة قيمة بنائه يوم يستحقها؛ لأنَّه أقوى سبباً؛ من قِبَل أنَّ حقه متقدِّمٌ لحق الباني، والباني داخلٌ عليه. فإن لم يعطه قيمة بنائه، قيل لصاحب البناء: «أعط صاحب الأرض قيمة أرضه بلا بناءٍ». فإن أبى، كانا شريكين في الأرض والبناء، بقدر قيمة ما لكل واحدٍ منهما من قيمة الأرض وقيمة البناء، فيكون لصاحب الأرض من ذلك كله بقدر قيمة الأرض بلا بناءٍ، ولصاحب البناء بقدر قيمة البناء بلا أرضٍ، يشتركان في الأرض والبناء على حسب ذلك. وهذا الذي قاله مالك، قد رُوِيَ عن عمر بن الخطاب أنَّه حكم بذلك (٣). •••

стр. 1333

[١٤٨٠] (١) مسألة: قال: ومن اشترى داراً فاستغلها حيناً، ثمّ استُحِقَّت، فالكراء له ولا شيء فيه للمستحق، وكذلك العبد (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الخراج للمشتري بالضمان؛ لأنّها لو تلفت كان تلفها من المشتري بالقيمة إن كان البيع فاسداً، وإن كان فيه عيبٌ، فتلفها منه بالثمن، فوجب أن يكون خراجها له لهذه العلة (٣). وقد رَوَى ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف (٤)، عن عروة، عن عائشة، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه قال: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (٥). وقد رَوَى مسلم بن خالد (٦)، عن هشام، عن عروة، بإسناده مثله (٧). •••

стр. 1334

[١٤٨١] مسألة: قال: ومن بنى في أرض قومٍ بغير إذنهم، ثمّ استحقوها، فإن شاؤوا أعطوه قيمة عمارته منقوضَةً وأخذوها، وإن شاؤوا نقله عنهم (١). ولا يكون له نقض ما لا ينفعه، من تغوير ماءٍ أحدثه (٢)، أو هدمِ شيءٍ أصلحه، وهو لصاحب الربع (٣). • إنَّمَا قال: «إنَّ له قيمته منقوضةً؛» لأنَّه لم يبن بإذن صاحب الأرض، فكان إمّا متعدِّياً بالبناء إن كان غاصباً، أو مقصِّراً إن كان غير غاصبٍ بتركه استئذان صاحب الأرض، فكان لصاحب الأرض أن يأخذه بنقل بنائه عنه إن شاء، أو يعطيه قيمته مقلوعاً؛ لأنَّ قلعه يضر بصاحب الأرض، فله إزالة الضرر عنه بدفع قيمته مقلوعاً إلى الباني. وإنما تكون قيمة البناء غير مقلوعٍ إذَا كان بإذن صاحب الأرض، ويكون الباني قد دخل على أن يكون مؤبَّداً، فأمّا إن كان دخل على أن يقلعه بعد مدةٍ، وذلك أن يكتري أرضاً سنين ليبني فيها، أو يبني بغير إذن صاحب الأرض، فإنَّ على صاحب الأرض دفع قيمته مقلوعاً إن شاء. وقوله: «ليس له ردمُ بئرٍ أو هدم شيءٍ أصلحه إذَا كان لا ينتفع به وفي تركه كذلك منفعةٌ لصاحب الأرض»؛ فلأن فعله هذا هو ضررٌ أيضاً بصاحب الأرض، من غير أن ينتفع هو بشيءٍ من ذلك، فليس له أن يضر به إذَا كان لا ينتفع.

стр. 1335

وقد رَوَى مالكٌ، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، ومنهم من يقول: عن أبي سعيدٍ من غير حديث مالكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه أنَّه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (١). ••• [١٤٨٢] مسألة: قال: وكذلك من اكترى فَعَمر، فليس له أن يردم البئر، وله أن يأخذ طيَّها (٢) إن أحب صاحب المنزل، وإن نقل منه تراباً فأراد أن يرده فليس ذلك له، وإن كان نزع خشبةً ردَّ مكانها، وإن هدم جداراً بناه، وإن أحبَّ صاحب الدّار أن يرد خشبةً مثل خشبته أو طوباً مثل طوبه فعل، وإن أحب فقيمته، والقيمة في ذلك أعدل، وليس له أن ينزع جيراً (٣)، ولا يردم عيناً (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ فعله ما لا ينتفع به ويضر بصاحب الأرض هو إضرارٌ منه بغيره، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ». فأمّا أخذُهُ ما ينتفع به فله ذلك؛ لأنَّه يأخذ حقه وماله. وقوله: «إنَّ له طوباً كطوبه وخشباً كخشبه»؛ فلقرب شبه ذلك بعضه من

стр. 1336

بعضٍ وتقارب منافعه ما جاز أن يعطى بدله، والقيمة في ذلك أعدل كما قال مالك، وهو القياس. ••• [١٤٨٣] مسألة: قال: ومن تكارى أرضاً فبنى وعَمر، ثمّ جاء فيها أمر سلطانٍ؛ لأنّها كانت قطيعةً، فينبغي أن تقر في يده على حالها، فإن أبى ذلك السلطان فقد ظلمه، وليس له فيما أنفق شيءٌ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الذي أخذ من يده القطيعة فقد ظلمه إن كان قد عَمَّر فيها وبنى، أو كان مستحقّاً لها، فليس له أن يرجع على غيره ممن اكترى منه أو أقطعه بشيءٍ؛ لأنَّ الظلم لم يقع عليه من أجله، وإنما وقع من أجل غيره. ••• [١٤٨٤] مسألة: قال: ومن ابتاع داراً فهدمها، ثمّ استُحِقَّتْ، أو شجراً فقطعها وغرس غيرها، فليس عليه في ذلك شيءٌ إذَا كان مما يعمل به (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّه فَعَل ما له أن يفعله في ملكه في الظاهر، وليس هو متعدِّياً بالفعل، فلا قيمة عليه لمستحقه، إلّا أن يكون أتلفها بغير الوجه الذي يجوز له، فأمّا أن يتصرَّف في الهدم والعمارة فليس عليه شيءٌ؛ لأنَّه على

стр. 1337

ذلك دخل، من قِبَل أنَّ شبهة الملك تُجَوِّز له التّصرف فيه بالظاهر، كما يجوز ذلك لمن له ملكٌ مستقرٌّ. ألا ترى: أنَّ الأرض تتلف منه بالقيمة، فله الخراج بالضمان، وله التّصرُّف بالملك من غير بدلٍ يكون عليه غير قيمة الأصل. ••• [١٤٨٥] (١) مسألة: قال: ومن أحيا أرضاً ميتاً فهي له، وذلك في فيافي (٢) الأرض والصحارى، وحيث لا يتشاحُّ فيه الناس. وإحياؤها: إجراء العيون، وحفر الآبار، والبنيان، والحرث، فهذا كله من إحياء الأرض. وليس ذلك في أرض أهل الذمَّة التي قد حيزت وتُرِكت خراجاً. ولا يجوز إحياء كلّ موضعٍ تشاحَّ فيه النّاس قريبٍ من القرى، إلّا بقطيعةٍ من سلطانٍ (٣).

стр. 1338

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضَاً مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (١). ورَوَى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال ذلك (٢). ورَوَى أبو [أنيس] (٣)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيِّ صلى الله عليه (٤). ورَوَى وكيع، عن هشام بن عروة، عن ابن أبي رافع (٥)، عن جابرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «مَنْ أَحْيَا أَرْضَاً مَيْتَةً فَلَهُ مِنْهَا أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَ العَافِيَةُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» (٦). ورَوَى الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنَّه سمع عمر يقول: «مَنْ أَحْيَا أَرْضَاً مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالَاً كَانُوا يَتَحَجَّرُونَ مِنَ الأَرْضِ» (٧).

стр. 1339

ورَوَى عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبيِّ صلى الله عليه قال: «مَنْ أَحَاطَ حَائِطَاً عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» (١). وقوله: «إنَّ ذلك فيما لا يتشاحُّ النّاس فيه»، فأمّا ما يتشاحُّ فيه فيحتاج إلى إذن من الإمام؛ فلأنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الحَارِثِ المُزَنِيّ مَعَادِنَ القَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ». رواه كثير بن عبد الله بن عمرو المزني (٢)، عن أبيه (٣)، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ »، الحديث (٤). وكذلك رواه مالك، عن ربيعة، عن غير واحدٍ من علمائهم: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الحَارِثِ مَعَادِنَ القَبَلِيَّةِ» (٥). فوجب استعمال الحديثين جميعاً:

стр. 1340

فما وقع فيه تشاحٌّ وتنافسٌ، لم يكن لأحدٍ عمارته بغير إذن الإمام. وما تباعد من العمارة ولم يُتَشاح فيه، جاز أن يعمر بغير إذن الإمام؛ لإذن النبيِّ ﷺ في ذلك. ورَوَى شعبة، عن سماك، عن علقمة بن وائل الحضرمي (١)، عن أبيه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضَاً بِحَضْرَمَوْتَ وَبَعَثَ مَعَهُ?مُعَاوِيَةَ?بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يُوَفِّيهِ?إيَّاهَا» (٢). فأمّا صورة الإحياء فعلى ما وصفه مالك، وذلك كحفر الآبار، وجرِّ العيون، والبنيان، والحرث؛ لأنَّ إحياء الأرض بهذا يكون وأشباهه. وقوله: «إنَّ ذلك في غير الأرض التي قد حِيزت وتُركت لأهل الذمَّة خرجاً»؛ فلأن الإحياء إنّما يكون فيما لا حقَّ فيه لأحدٍ من الناس، فأمّا إذَا كانت أرضٌ فيها حقٌّ لأحدٍ من مسلمٍ أو ذميٍّ، فهو أحقُّ بها. ••• [١٤٨٦] مسألة: قال: ومن زرع أرضاً فاستُحِقَّت، فالزرع للزارع، وللمستحِقِّ كراء الأرض، ولا شيء له فيما زرع فيما قبل تلك السنة (٣).

стр. 1341

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الخراج للمشتري بالضمان، فللزارع الزرع، ولا كراء عليه إن كان اشتراها. وإن كان اكتراها، فكذلك لا كراء عليه للمستحق إن كان اكتراها ممن له شبهة ملكٍ. فإن كان اكتراها من غاصبٍ، فله أن يأخذ كراء الأرض من ربِّ الزرع؛ لأنَّ الذي أكراها لا ملك له في الأرض ولا شبهة ملكٍ، ولا خراج له ولا كراء. وكُلُّ من زرع بشبهةٍ، فليس للمستحقِّ للأرض قَلْعُ زرعه؛ لأنَّ الزارع غير متعدٍّ، فله زرعه، كالواطئ بالشبهة أنَّ النسب يلحق به، ولا يبطل زرعه؛ لأنَّه ليس بغاصبٍ، وكذلك الزارع بشبهةٍ. فأمّا إن كان غاصباً، فللمستحق أن يقلع زرعه إن شاء إذَا جاء في وقت الزرع؛ إذ لا حرمة لزرعه، وإن شاء تركه وأخذ الكراء، كما أنَّه لا حرمة لولد الواطئ على وجه الغصب. ••• [١٤٨٧] مسألة: قال: ومن عمَّرَ أرضاً وغرس فيها، وخرج إلى أرضٍ أخرى، فأراد هذه رجلٌ آخر، فإن كانت خربت وذهب غَرْسها وماؤها إلى ما لا ذِكْرَ له، فذلك له (١).

стр. 1342

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنّها إذَا خربت وعادت إلى ما كانت عليه من الخراب، رجعت إلى ما كانت عليه من الأصل، فكانت لمن عمَّرَها ثانيةً؛ لأنَّه إنّما صار أولى بها من أجل العمارة، وإذا زالت العمارة، عادت إلى ما كانت عليه في الأصل. وذلك بمنزلة الصيد إذَا خرج عن يد من صاده بانفلاتٍ، وعاد إلى ما كان عليه من التوحش، فهو لمن صاده دون الأول؛ لأنَّه قد عاد إلى ما كان عليه في الأصل من الإباحة، وقد ذكرنا هذه المسألة قبل هذا الموضع. ••• [١٤٨٨] مسألة: قال: ومن زرع أرضاً ظلماً، قُلِعَ زرعه إن كان في إبان الزرع، وإن كان في غير إبانه، فله الكراء، وإن كان غرساً، قُلع غرسه (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضَاً مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٢)، فليس للغاصب حقٌّ في أرض المغصوب فيُقَرُّ زرعه. والأمر في ذلك إلى ربِّ الأرض، إن شاء قلع زرعه وزَرَعَ هو إن كان في وقت الزرع؛ لأنَّه أحقُّ بأرضه والانتفاع بها من الغاصب المتعدِّي.

стр. 1343

فأمّا إذَا كان في غير وقت الزرع، فقد قال مالك: «إنَّ له أن يقلعه»؛ لهذا المعنى الذي قلناه. وقد قال: «ليس له قلعه وله الكراء»؛ لأنَّه بقلعه مضرٌّ بالغاصب متلفٌ لماله من غير أن ينتفع هو بقلعه، وذلك ضررٌ، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (١). وقوله: «إنَّه إن كان غرساً قَلَعَه»؛ فلأنَّ الغرس مخالفٌ للزرع؛ لأنَّ الزرع له نهايةٌ ووقتٌ يُزْرَع إليه ويقصد، وذلك معلومٌ تناهيه، والغرس هو على وجه التأبيد، ليس إلى وقتٍ يقلع فيكون كالزرع، وهو بمنزلة البنيان، فلربِّ الأرض أن يأخذه بإزالة ذلك عنه وقلعه، أو دفع قيمته مقلوعاً إليه إن أحبَّ ذلك، على ما بيَّنَّاه فيما تقدَّم. •••

стр. 1344

باب القضاء في البنيان [١٤٨٩] قال: وإذا كان للرجل سُفْلٌ وللآخر عُلْوٌ (١)، فإصلاح السقف والجريد على صاحب السُّفل، وكذلك لو انهدم الجدار، بناه إلى حدِّه، ولو انهدم البيت، بناه وسَقَّفَه. وكذلك لو كانت عليه غرفتان، واحدةٌ فوق واحدةٍ، بنى صاحب السفل وسَقَّفَ، ثمّ بنى صاحب الغرفة الأولى وسَقَّفَ، ثمّ بنى الثالث، فإذا قُسِّمَ البيت السفل، قُسِّمَ بسقفه (٢) (٣). • إنّما قال ذلك: «إنَّ على صاحب البيت الأسفل أن يبني ويُسَقِّف»؛ لأنَّ البيت لا يكون بغير سقفٍ؛ فلمّا كان صاحب البيت لو انفرد بملك البيت من غير أن يكون عليه حقٌّ لأحدٍ لكان يحتاج إلى سقف بيته، لا بُدَّ له من ذلك، فكذلك إذا كان عليه حقٌّ لغيره، وجب أن يبني هو البيت ويُسَقِّفَه، ثمّ يبني صاحب الغرفَةِ الغُرْفَةَ ويُسَقِّفها؛ لأنَّ الغرفة لو انفرد بها صاحبها من غير أن يكون عليها حقٌّ لأحدٍ، لم يكن له بدٌّ من سقفٍ يُكِنُّه، ثمّ الثالث كذلك.

стр. 1345

فلهذا وجب على كلّ واحدٍ من صاحب البيت والغرفة، أن يبني ويُسَقِّف، ثمّ إذا قُسِّمت أضيف سقف البيت الأسفل إليه، ثمّ كذلك كلّ غرفةٍ وقِسْمٍ كذلك. ••• [١٤٩٠] مسألة: قال: ومن كان له جدارٌ سِتْرُهُ لدارِ آخرَ، فسقط، فليس يكره على بنائه، ويَسْتُرُ من شاء على نفسه (١). • إنّما قال ذلك؛ من قِبَل أنّه لم يمتنع ببنائه عن حقٍّ لزمه فيُكره على ذلك؛ لأنَّ له أن يستر على نفسه إن شاء أو لا يستر، فإن أراد غيره أن يستر على نفسه كان له ذلك إن شاء. ••• [١٤٩١] مسألة: قال: وليس للرجل أن يفتح كُوَّةً في جداره فيشرف منها على جاره، وأمّا كواء الضَّوءِ والرَّوْحِ التي يطَّلع منها، فلا بأس (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في اطلاعه على جاره وإشرافه عليه اضراراً منه به، وليس للجار أن يضر بجاره، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (٣).

стр. 1346

وأمّا كواء الضوء والروح، فله أن يفتح ذلك إذا كان في ملكه، وليس لجاره أن يمنعه من ذلك، لأنّه لا ضرر عليه فيها وعلى جاره ضررٌ بمنعه من ذلك. ••• [١٤٩٢] مسألة: قال: وللرجل أن يرفع جداره وإن ستر على جاره، وإن منعه الشمس والرَّوح (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه يبني في ملكه وحقه، فليس لجاره أن يمنعه من ذلك، وإن كان بناؤه يستره من الشمس والرَّوح. ••• [١٤٩٣] مسألة: قال: ومن أعار جاره خشبةً يغرسها في جداره، ثمّ أغضبه فأراد نزعها، فليس ذلك له، وأمّا إن احتاج إلى ذلك لأمرٍ نزل به فذلك له، وإن أراد بيع داره، فقال: «أنا أنزع خشبك»، فليس ذلك له (٢). • إنّما قال: «إنه ليس له نزع خشبه من داره إذا أغضبه»؛ فلأنَّ نزعها ليس هو على وجه انتفاع صاحب الجدار بنزعه إياها، وإنما هو على وجه الغضب منه والإضرار بربِّها، ولا ضرر ولا إضرار، كما قال رسول الله ﷺ .

стр. 1347

فأمّا إذا أراد نزعها لأنْ ينتفع هو بمكانها، جاز له ذلك؛ لأنَّ نزعها هو على وجه انتفاعه هو بمكانها، لا أنّه على وجه الإضرار بصاحبها. وكذلك إذا أراد بيع داره لم يكن له نزعها؛ لجواز أن يتركها له المشتري؛ ولأنَّ نزعها له ليس لأنَّ ينتفع هو بمكانها، فليس له ذلك. ••• [١٤٩٤] مسألة: قال: وليس يُقضى على الرّجل أن يغرس خشبةً لجاره في جداره، وإنما نرى أنَّ ذلك من رسول الله ﷺ على الوصاة بالجار (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز أن يُجبر أحدٌ على أن يفعل في ملكه ما يضر به، من غير أن يجب ذلك عليه بحقٍّ واجبٍ، إلّا بطيب نفسٍ، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (٢)، وقال: «أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (٣). فأمّا قول النبيِّ ﷺ : «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» (٤)، فهذا على وجه الوصية بالجار ومعرفة حقوقه، كما أوصى الله تعالى بالجار،

стр. 1348

وكما قال النبيُّ ﷺ : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (١)، وكما قال صلى الله عليه: «مَا آمَنَ بِي مُسْلِمٌ، مَنْ بَاتَ شَبْعَانَاً وَجَارُهُ طَاوٍ» (٢). وهذا كله إنّما هو على وجه الحثِّ على حقِّ الجار المؤمن، لا على وجه الفرض والحتم، والله أعلم. ••• [١٤٩٥] مسألة: قال: ومن كان له ممرٌّ في حائط رجلٍ إلى مالٍ له وراء ذلك الحائط، ولم يكن الحائط مُحَظَّراً، فأراد أن يُحَظِّرَه ويجعل عليه باباً، فليس ذلك له إلّا برضا الذي الممر له. وإن أراد أن يُحَظِّرَ ولا يجعل باباً يغلق، فليس ذلك له؛ خوفاً أن يطول ذلك ويُنسى فيُجْعَل عليه بابٌ، ويقال لصاحب الممر: «ثبت البيِّنة على ممرِّك» (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الممرِّ يلحقه ضررٌ بحظر صاحب الحائط عليه؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى منعه من الدخول إلى حائطه أي وقتٍ أراد إذا حُظِّرَ على الطريق الذي له وقد جُعِل عليه بابٌ إذا طال ذلك كما قال مالك، ويُنْسَى حق صاحب الممرِّ، ويكلف تثبيت ذلك، وفي ذلك كله ضررٌ عليه. •••

стр. 1349

[١٤٩٦] مسألة: قال: وإذا كان حائطٌ بين شريكين، فأراد أحدهما يغرس، فدعا صاحِبُهُ أن يحظر معه، فليس ذلك عليه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الحائط يقدر على الانتفاع به من غير حظار، فليس عليه أن يحظره، يعني: يبني عليه حائطاً ويلزم نفسه نفقةً من غير ضرورةٍ منه إلى ذلك، إلّا أن يحبَّ ذلك، فأمّا أن يجبر عليه فلا. ••• [١٤٩٧] مسألة: قال: وإذا كان بين الرجلين جدارٌ فانهدم: (فقد قيل: إنه لا يؤمر ببنائه. (وقيل: إنه يؤمر به، وذلك أحبُّ إلينا (٢). • وجه قوله: «إنه لا يؤمر ببنائه»؛ فلأنَّ هذا لا يُجْبَرُ على بناء مُلْكِهِ إذا لم يختر ذلك، ولا حق لأحدٍ عليه فيه، فأمّا إذا كان في بنائه حقٌّ لغيره فإنّه يجبر على ذلك إذا امتنع. ووجه قوله: «إنه يؤمر بذلك»؛ فلأنَّ في امتناعه مع حاجته إلى بنائه إضراراً بنفسه وبشريكه، فلا يُترك وذلك، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (٣)، فليس له أن يدعَ بناء شيءٍ يحتاج إليه ويقصد بذلك الإضرار بشريكه،

стр. 1350

فإما بَنَى، أو قَاسَمَ إن كان مثله ينقسم، أو باع ممن يبني مع شريكه، وهذا القول أقيس، والله أعلم. ••• [١٤٩٨] مسألة: قال: وإذا كان شريكان في زُقَاقٍ ليس بنافذٍ (١)، وباب أحدهما على رأسه، وباب الآخر قريبٌ من أقصاه، ليس يذهب الأول إلى الثاني إلّا لحاجةٍ، فأراد القاصي في الزقاق أن يفتح باباً يقدمه إلى فم الزقاق في فناء نفسه فيما بين بابه وباب الذي على فم الزقاق، فإن كان ذلك يضر به فليس ذلك له، والناس يقبلون ويدبرون، والسَّرَقُ (٢) يكون في مثل هذا (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في تقريب بابه من باب جاره إضراراً بجاره؛ لأنّه يُضيِّقُ فناءَه وموضع بابه ووقوف النّاس على باب جاره، وقد يؤدِّي ذلك إلى السرق؛ لأنَّ جاره يترك التحرز إذا رأى أحداً بقرب بابه؛ لأنّه يظن أنّه على باب جاره، فليس ذلك له. فأمّا إذا أراد أنْ يُنَحِّي بابه عنه ويفتحه في فنائه فلا بأس بذلك؛ لأنّه يبعد

стр. 1351

بهذا الضرر عن جاره، وليس يضره بشيءٍ يفعله، فليس لجاره أن يمتنع عليه في ذلك، والله أعلم. ••• [١٤٩٩] مسألة: قال: وإذا كانت لرجلٍ أرضان متصلتان، ولقومٍ بينهما فيها طريق إلى مالٍ آخر بينهم أيضاً، فغرس في أحد ماليه وَدِيَّاً (١)، فأراد أن يرفع الطريق إلى الأرض البيضاء (٢)؛ لرفقه به وبهم، وبُعْدِه من الوَدْيِ، وأسهل (٣)، فليس ذلك له إلّا برضاهم، إلّا أن يكون عَظْم الذِّرَاعِ (٤)، فلا مضرة عليهم في ذلك، ولا إثم عليه فيه إن شاء الله، وإن كان بعيداً، فليستأذنهم (٥). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا نحَّى الطريق عن موضعه، أضر ذلك بأصحابه، فليس يجوز له فعل ذلك إلّا بإذنهم.

стр. 1352

فإذا كان شيئاً يسيراً لا يضر بهم جاز له فعله بإذنهم وغير إذنهم؛ لأنّه لا مضرة عليهم فيه. ••• [١٥٠٠] مسألة: قال: ومن هارت بئره (١)، أُكْرِه جاره أن يسقيه فضل مائه؛ لئلا يهلك زرعه أو نخله، حتى يُصْلِحَ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ جاره الذي انهارت بئره به ضرورةٌ إلى أن يسقيه فضل مائه؛ لئلا يتلف زرعه؛ لأنّه ينتفع بذلك ولا يضره هو سَقْيُ جاره بفضل مائه إذا أسقى جاره بدلوٍ أو زرنوقٍ (٣) أو أشباه ذلك من عنده، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (٤). ورَوَى مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ» (٥).

стр. 1353

ورَوَى مالك والثوري، عن أبي الرِّجَالِ (١)، عن أمه عمرة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ نَهَى أَنْ يُمْنَعَ نَقْعُ مَاءٍ فِي بِئْره» (٢). ورَوَى القعنبي، قال: حدثنا خارجة بن عبد الله (٣)، عن أبي الرِّجَالِ، عن أمه عمرة، عن عائشة، عن النبيِّ صلى الله عليه: «أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُمْنَعَ نَقْعُ مَاءٍ فِي بِئْره» (٤). ••• [١٥٠١] مسألة: قال: ولا تُبَاع مياه الماشية (٥) (٦). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حفر آبار الماشية إنّما يكون في عفو الأرض، وحيث لا ملك لأحدٍ فيه، وحفرها أيضاً هو على وجه القربة إلى الله ، فلمن

стр. 1354

حفرها أن يأخذ من الماء قدر حاجته إليه في سقي ماشيته، وليس له أن يبيع ما فَضَل عن ذلك؛ لأنّه ليس ذلك له. وقد رَوَى وكيع، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ» (١)، وهي آبار الماشية. ورَوَى مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ» (٢). فأمّا إذا حفر الانسان في ملكه بئراً للماشية أو الزرع، فله أن يبيع فضل مائه إن أراد ذلك؛ لأنّها مُلكه وله أن يمنع ذلك الناس، إلّا على ما ذكرناه، وهو أن ينهار بئر جاره وقد زرع عليها زرعاً ويخاف على زرعه العطش، فعلى جاره أن يسقيه فضل مائه إذا أسقى صاحب الزرع ماله من عنده؛ لأنَّ الماء إذا استُقِيَ عاد مثله إذا كان نبعاً، فلا مضرة عليه في ذلك، وفي منعه جاره مضرةً عليه في ذلك. وهذا إذا كان جاره قد زرع على أصل ماءٍ، ثمّ انقطع ماؤه، فأمّا إذا زرع على غير أصل ماءٍ، فليس على جاره أن يسقيه فضل مائه؛ لأنَّ صاحب الزرع لم يجز له أن يتَّكِل على ماء غيره، ومن له أصلُ ماءٍ، ثمّ انقطع فلم يتكل على ماء غيره، فوجب إعانته لضرورته إلى ذلك. •••

стр. 1355

[١٥٠٢] مسألة: قال: وليس يُكْرَهُ صاحب بئر الزرع والنخل أن يسقي فضل مائه غيرَهُ، إلّا أن تهور بئره (١). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلنا: أنّه قد زرع على أصل ماءٍ، فجاءه ما لم يقدره في انقطاع مائه، فأمّا من زَرَعَ على غير ماءٍ، فهو الذي أتلف زرعه، وليس على جاره أن يسقيه. ••• [١٥٠٣] مسألة: قال: وأمّا بئر الماشية، فإنّه لا يمنع فضله؛ لأنّه مَنْعٌ للكلأ؛ لأنّه لا يستطيع أحدٌ إذا منع أن يرعى (٢). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلناه، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال فيما رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ» (٣). ورَوَى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه قال: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ» (٤). •••

стр. 1356

[١٥٠٤] مسألة: قال: ولا بأس ببيع بئر الزرع (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البئر مُلكه، فلا بأس ببيعها وبيع مائها؛ من قِبَل أن الإنسان يجوز له أن يتصرَّف في ملكه ببيعٍ وهبةٍ. وإنما الذي لا يجوز أن يبيع، ماء آبار الماشية إذا كانت في غير ملكه؛ لأنَّ حفرها هو على وجه السبيل، فجرت مجرى الأحباس والصدقات والمساجد وما أشبه ذلك، أنَّ لأهلها الانتفاع بها دون بيعها، وكذلك لغيرهم الانتفاع بها. ••• [١٥٠٥] مسألة: قال: ومن كانت له بئرٌ يسقي بها حرثه، فأراد آخر أن يحفر قريباً منها: (فإن كان يضر به، مُنِعَ. (وإن كان لا يضر به، خُلِّيَ بينه وبينها. وكذلك العيون يُمْنَع من حفرها إذا كان ذلك يضر بجيرانه، وإن كان ذلك في أرضه، إذا كان يجد عن ذلك مندوحةً (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز لأحدٍ أن يفعل شيئاً يضر بغيره، وسواءٌ ما فعله في ملكه أو غير ملكه إذا كان يجد غناً عنه.

стр. 1357

أما في غير ملكه فليس له فعل ذلك، وذلك كبئر يحفرها في صحراءٍ قرب بئرٍ قد تَقَدَّمه إلى حفرها غيره، إذا كان يضر بمن تقدَّمه. فأمّا في ملكه، فقد قال ابن القاسم عن مالك: «إنه ليس له أن يحفر بئراً يضرُّ ببئر جاره، وكذلك بجدار جاره» (١)؛ لأنّه لا يجوز لأحدٍ أن يفعل ما يضر بغيره، سواءٌ كان في ملكه أو غير ملكه. وحكى ابن نافع وابن عبد الحكم، عن مالك: «أنَّ ذلك ليس له فعله إذا كان يجد مندوحةً عنه، فإن كان لا يجد مندوحةً فله فعله» (٢). ووجه هذا القول: أنَّ للإنسان أن يفعل في ملكه ما ينتفع به، وإن أدَّى ذلك إلى الإضرار بغيره، إذا كان لا يقصد الإضرار به، ولا يستغني عن فعل ما يفعله في ملكه، فأمّا إذا استغنى عنه أو وجد موضعاً يبعد الضرر عن جاره، فليس له فعله، وعليه أن يُبْعِد ذلك عنه؛ لأنّه يقدر أن ينتفع بما يريد فعله من حيث لا يضر بجاره، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (٣). فأمّا حريم الآبار والعيون، فليس فيها حدٌّ يثبت، وإنما ذلك على وجه الاجتهاد، بقدر ما يبعد فيه الضرر من بعضهم لبعض، فأمّا تحديدٌ أو تقديرٌ فليس

стр. 1358

فيه حديثٌ صحيحٌ يلزم قبوله، فكان الأمر على ما قاله مالك من تنحية الضرر من بعضهم عن بعض. ••• [١٥٠٦] مسألة: قال: ومن كانت بينهما عينٌ، فزرع عليها أحدهما فقل ماؤها، فأراد أحدهما أن يرفع فيها، فمنعه صاحبه وقال: «أخاف عليها»، فإن كان ذلك يضر بتلك العين عند أهل البصر، فليس ذلك له، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلَأُ» (١)، وهو فضل آبار الماشية، وقوله: «لَا يُمْنَعَ نَقْعُ بئرٍ» (٢)، وذلك بئر الرّجل ينهار فيقل ماؤها، فلا يمنعه جاره أن يسقي أرضه من بئره (٣). • إنّما قال: «إنَّ لأحد الشريكين أن يمنع الآخر من رفع البئر إذا كان يخاف فيما يفعله انقطاع الماء الذي لهما، أو الضرر بالعين»؛ فلأنَّ في فعله ذلك إضراراً بشريكه، وليس له أن يفعل ما يضر بغيره إلّا بإذنه. وإن كان فعله ذلك ليس يضر بهما، بل ينفعهما ذلك، فليس له منعه منه، وليس على شريكه أن يفعل ذلك معه إذا كان يصيبه من الماء ما يكفيه. فأمّا إذا لم يصبه من الماء ما يكفيه، ولم يخف ذهاب ما هو موجودٌ من الماء بالعمل، فعليه أن يعمل مع شريكه، ويكون الماء بينهما، فإن لم يعمل كان

стр. 1359

لشريكه أن يعمل ويكون له ما فضل من الماء بالعمل حتى يعطيه شريكه ما يخصه من النفقة، وقد فسر مالكٌ هذا كله في غير هذا الموضع (١). ••• [١٥٠٧] مسألة: قال: وإذا كان للرجل الحائط فيه الكلأ، فلا يمنعه أحد، إلّا أن يكون يفسد عليه (٢). • هذا هو على وجه الاستحباب منه، فأمّا الواجب فله منعه إذا كان في ملكه؛ لأنَّ للإنسان التّصرُّف في ملكه بالبيع وغيره، فأمّا الاختيار فهو أن لا يبيعه؛ لأنَّ الكلأ شيءٌ يحدث أولاً فأولاً من غير زرعٍ يزرعه، فهو بمنزلة الماء الذي يأتي أولاً فأولاً من غير أصلٍ يضعه صاحب الماء، فيستحب له أن لا يبيعه ويبيحه النّاس ولا يمنعهم، فإن باع ما كان في ملكه، فله ذلك. ••• [١٥٠٨] مسألة: قال: ولا تورث مياه الماشية، وليس لهم فيها إلّا الشرب سواءٌ (٣). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ حفر آبار الماشية إذا كان في فيافي الأرض، وحيث لا ملك للحافر فيها، فهو على وجه السبيل، فله أن ينتفع منها بقدر كفايته، ثمّ ما بقي يكون لجملة الناس.

стр. 1360

وليس له بيع ذلك؛ لأنَّ حفره كان على وجه القربة إلى الله تعالى، ولأن ذلك في غير ملكه. فأمّا إذا حفر في ملكه للماشية وغيرها فله بيع مائها، كما أنَّ له بيع أصل البئر. وليس له بيع ماء البئر الذي ليس في ملكه، كما أنّه ليس له بيع أصلها. وقد رَوَى وكيع، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ» (١)، وهي آبار الماشية. وإذا كان أصل البئر ليس هو ملكاً لمن حفرها، لم تورث عنه؛ لأنَّ الوارث إنّما يرث ما كان يملكه الموروث عنه، لا ما كان لا يملكه. ••• [١٥٠٩] مسألة: قال: ومن هارت بئره، فليس على جاره أن يسقيه من ماء بئره إذا لم يكن فيها فضلٌ عنه، وإنما يكون ذلك له إذا كان فيها فضلٌ. وليس له أن يقول: «أسقي وديي (٢) حتى يبلغ»، ولكن يسقيه حتى يصلح بئره (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الماء أحق بمائه من غيره، وإنما أُمِر أن

стр. 1361

يسقي جاره فضل مائه؛ لأنّه يستغني عنه وينتفع جاره من حيث لا يضره، فأمّا إذا لم يكن في مائه فضلٌ، لم يكن عليه أن يسقي جاره؛ لأنّه أحوج إليه وأحق به. وقوله: «ليس عليه أن يسقي وديه حتى يبلغ، ولكن حتى يصلح بئره»؛ فلأنَّ صاحب الودي وكذلك صاحب الزرع ليس له أن يتكل على ماء جاره ويدع إصلاح بئره، بل عليه أن يُصلح ذلك، فمتى ترك إصلاحه، لم يكن على جاره سقيه، كما أنّه ليس على جاره أن يبتدئ بسقيه إذا زرع أو غرس على غير أصل ماءٍ. ••• [١٥١٠] مسألة: قال: وليس لآبار الماشية حَريمٌ (١)، إلّا على اجتهاد الإمام في الضرر (٢). • قد ذكرنا أنَّ ذلك إنّما هو على تنحية الضرر من غير حدٍّ محدودٍ من أذرعٍ وغيرها، وسواءٌ كانت بئر ماشيةٍ أو زرعٍ، يُبْعِدُ بعضهم الضرر عن بعض، كما قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (٣). •••

стр. 1362

[١٥١١] مسألة: قال: ومن ترك أرضاً براحاً (١)، فاقتسمت فبيعت وغُرِسَ فيها وعُمِّرَ، ثمّ باع بعضهم حظه، فقال من يمرُّ عليه بمائه: «لا أدعك تمر علي بمائك»، وذلك الماء منذ أربعين سنةً، ولا يعرف إلّا ذلك، فإنَّه ينبغي له أن يدعو بأَصْلِ قَسَمٍ (٢) كانوا عليه فيُحملوا عليه، فإن لم يكن لهم قسمٌ، أُقِرُّوا على حالهم (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان لهم أَصْلُ قَسَمٍ، عُرِف مقدار حق كلّ واحدٍ منهم من الأرض والماء وكيف ممره، فحُمِلُوا على ذلك ومُنِعَ بعضهم من التعدِّي على بعضٍ في منع حقه. وإذا لم يعرف لهم أَصْلُ قَسَمٍ، أُقِرَّت أيديهم على ما هي عليه؛ لأنّه لا يمكن أن يُحْكَم لبعضهم دون بعضٍ؛ لأنَّ الحاكم لا يجوز له أن يحكم بغير بينةٍ ثبتت عنده أو إقرارٍ. ••• [١٥١٢] مسألة: قال: وإذا كانت عينٌ بين نفرٍ فقَلَّ ماؤها، فلم تَكْفِ بعضاً وكفت بعضاً، فسأل من لم تكفه أن يَرْفَعَ فيها، فأبوا عليه، فإن شاء الذي لم تكفه أن يعمل ويكون ما فَضَلَ من الماء بعد حصتهم التي كانت قبل يعمل له دونهم، فذلك له.

стр. 1363

ولا يؤمر من كره الرفع مع صاحبه أن يرفع معه، ولكن الرافع أحق بفضل الماء وبالماء كله إن كانت البئر أو العين خربت، حتى يعطيه نصف النفقة، وليس له في الأرض شيءٌ، إنّما له الماء الذي اعتمل وأحيا. والبئر والعين في ذلك سواءٌ. وكذلك النخل ينهار بئرها فيعمرها أحدهما، فيكون له الماء، ولا يكون له في النخل شيءٌ. وقد قيل: إنه إذا كانت البئر أو العين لم تنهدم وإنما أصابها شيءٌ، كُلِّفَ العمل معه إذا كانت لم تخرب ولكنه يخاف عليها إذا لم يعمر معه ذهب بقيتها؛ لأنَّ ذلك ضررٌ، وقد نُهِي عن الضرر، ولكن يخير على أن يبيع أو يعمر بالشرط، وإنما الذي لا يكلف معه إذا خربت، والأول أعجب إلينا. وليس عليه إذا أعطى نصف النفقة التي أنفق فيها شُرْبٌ من الماء إلى أن أعطاه شيئاً، ولكن يكون ذلك بينهما فيما يستقبلان (١) (٢). • وجه قوله: «إنَّ الشريك الذي يكفيه من الماء مقدار ما له، لا يُجْبر على النفقة مع شريكه الذي لا يكفيه من الماء مقدار ما له على العمل معه»؛ فلأنَّ الشريك الذي يكفيه ما له من الماء غير مضرٍّ بنفسه وبشريكه بترك العمل؛ لأنّه يستغني بمائه الذي له عما يريد بالعمل، ولعلَّ الماء الذي له يذهب بالعمل. فأمّا إذا لم يكفه الماء الذي له، فقد قال مالك:

стр. 1364

إنه يُجبر مع شريكه على العمل؛ لأنّه مضرٌّ بنفسه وبشريكه بترك العمل؛ لأنّه يحتاج إلى الماء والعمل فيه، وإنما يتركه إضراراً بشريكه، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (١). أو يبيع ممن يعمل مع شريكه، لا بد له من أحد الأمرين. وقد قال: «إنَّ لشريكه أن يعمل وينفق ويكون له الماء كله، وما زاد من الماء بنفقته حتى يعطيه شريكه مقدار ما يخصه من النفقة التي أنفقها، ثمّ تكون له حصته من الماء من المستأنف، ولا شيء له فيما تقدَّم؛ لأنَّ ذلك للشريك الذي أنفق بالنفقة». وهذا القول كأنه أولى؛ من قِبَل أنَّا نَقْدِرُ على إزالة الضرر عن الشريك الذي يريد العمل من غير بيع ملك الشريك الذي لم يرد العمل، ونصل إلى إزالة الضرر عن كلّ واحدٍ منهما من غير بيع ملكه عليه. ••• [١٥١٣] مسألة: قال: وإذا كانت بئرٌ بين قومٍ يسقون عليها، فاقتسموها على مناضح خمسةٍ، كلّ واحدٍ يسقي من منضحه مما يليه، ثمّ إنَّ بعضهم انقطع الماء من ناحية منضحه وارتفع التراب، فلا يقدر على أن يستقي شيئاً، يرسل الدلو فلا يُخْرِجُ شيئاً، فأراد أن يسقي في مناضحهم أو يكلفوا العمل جميعاً، فإن لم تكن لهم سُنَّةٌ يُحْمَلون عليها، كُلِّفُوا العمل حتى يسقوا جميعاً (٢).

стр. 1365

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ملك البئر بينهم، فعليهم جميعاً العمل إذا احتاجوا إليه؛ لأنَّ أحدهم ليس أولى بملك أصلها ومائه من الآخر، إلّا أن تكون لهم سُنَّةٌ في عملها فيُحْمَلوا عليها، وما اقتسموا من المناضح فهي مهايأةٌ (١)، لا قسمةٌ واجبةٌ؛ لأنَّ البئر لا يُقسم. ••• [١٥١٤] مسألة: قال: وإذا غرَّت الأمة من نفسها فتزوجت حراً، أو اشترى رجلٌ جاريةً فولدت له ولداً، فإنَّ السيد يأخذ أمته ويكون الولد على أبيهم بقيمتهم يوم يُحْكَم فيهم، فليس عليه فيمن مات قيمةٌ، ويُتْبَعُ به ديناً إنْ لم يكن له مالٌ، ولا يُسْتَرَقُّ ولده. وقد قيل في الأمة تُشْتَرى فتُتَّخذُ أم ولدٍ فتُستحق: إنه ليس للمُسْتَحِق إلّا قيمتها، إلّا أن يكون عليه في ذلك ضررٌ، والأول أعجب إلينا (٢) (٣). • وجه قوله: «إنَّ سيد الأمة يأخذها وقيمة ولدها من أبيهم»؛ فلأنَّ الأمة هي مُلْكُه ولم تخرج عن ملكه بما فعلت من تزويجها نفسها أو بيع غيره إياها بغير أمره.

стр. 1366

وأمّا أخذ قيمة ولدها؛ فلأنهم عبيده، فله أخذ قيمتهم؛ لأنّه لا يجوز إخراجهم عن ملكه بغير بدلٍ يُدفع إليه، فأمّا أخذهم فليس له ذلك. وإنما لم يكن له أخذهم؛ لأنَّ أباهم دخل على أنَّ ولده حرٌّ، وليس هو متعدٍّ بالوطء؛ لأنّه وطئ من له أن يطأ في الظاهر، فكان ولده حرّاً عليه بالقيمة. ووجه قوله: «إنَّ له أنْ يأخذ قيمة الأمة وقيمة ولدها، وليس له أخذها»؛ فلأن الأمة قد ثبت لها حرمة حُرِيَّةٍ بِحُرِيَّةِ ولدها، فصارت أم ولدٍ للواطئ؛ لأنّه وطئ وله أن يطأ في الظاهر، فلم يكن للمستحق أخذها، وكان له أخذ قيمتها، كما أنَّ ذلك له في ولدها. وقوله: «إنَّ قيمة الولد يوم يحكم فيهم لا ما قبله»؛ فلأنَّ ذلك هو وقت الاستحقاق، فله قيمتهم حينئذٍ، فأمّا من مات قبل ذلك فلا قيمة له؛ لأنَّه مات في ملكه، ولم يكن لأبيه صنعٌ فيه. وليس يشبه هذا الغاصب إذا وطئ؛ لأنَّ الغاصب زانٍ ولا حرمة لوطئه، وولده عبدٌ لسيد الأمة، لا يثبت نسبه منه. بل يشبه هذا المشتري شراءً فاسداً للأمة إذا وطئها، أنَّ ولده حرٌّ، وأنها تصير أم ولدٍ، فهذا وجه هذا القول. فأمّا على القول الأول، فبين وطء المشتري للأمة شراءً فاسداً إذا باعها سيدها وبين الوطء لها إذا باعها غير سيدها أو غرت من نفسها فتزوجت على أَنَّهَا حرةٌ فرقٌ بَيِّنٌ، وهو أنَّ الواطئ للأمة بالشراء الفاسد إذا باعها سيدها، فالسيد الذي سلَّطَه على ملكها، فوطْؤه هو بسبب مُلْكٍ مَلَّكَه مَنْ له أن يملكه،

стр. 1367

فصارت أم ولدٍ لهذه العلة؛ لأنَّ الحجة على بائعها المالك لها في ذلك؛ لأنّه دخل على أَنَّهَا تصير أم ولدٍ. وليس كذلك مالكها إذا باع عليه غيره بغير أمره؛ لأنّه متعدَّى عليه، ولا يلزمه تعدِّي غيره. وكذلك إذا تزوجت على أَنَّهَا حرةٌ، فهي المتعدِّية على سيدها وزوجها، وليس يلزم ذلك سيدها، فافترقا لهذه العلة. والصحيح من القول: أنَّ له أخذ الأمة وقيمة الولد. ••• [١٥١٥] مسألة: قال: وإذا غرت أمُّ الولد من نفسها فولدت، ثمّ استحقها سيدها، فإنَّ الولد يُقَوَّمون على أبيهم على أنهم أحرارٌ بعد موت سيدهم، ويُخَفَّفُ عنهم في القيمة. فإن لم يقام الولد حتى مات سيد أم الولد، فلا شيء له ولا لورثته؛ لأنهم قد عتقوا بعِتقها (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حكم ولد أم الولد حُكْمُهَا في عقد الحرية التي قد ثبتت لها إذا كانوا من زوجٍ أو زنا. فأمّا إذا كانوا من سيدها فهم أحرارٌ، فوجب قيمتهم لسيدها، كما تجب

стр. 1368

قيمة أم الولد لسيدها إذا قُتِلت، فكذلك تجب قيمة الولد على أبيهم لسيدهم؛ لأنهم قد أُخرِجوا عن ملكه. ولم يكن لسيدها أخذهم؛ لأنَّ أباهم وهو الواطئ، دخل على أنَّ ولده حرٌّ، فلم يجز استرقاق ولده. ويخفف في القيمة كما قال مالك؛ لأنهم ليسوا بعبيدٍ قِنٍّ (١) فيكون حكمهم في القيمة حكم العبيد؛ لِمَا قد ثبت لهم من عقد الحرية بعقد أبيهم. فإن تأخرت قيمتهم حتى مات سيدهم، لم يكن لهم قيمةٌ؛ لأنهم قد عُتِقوا بعِتق أمهم، ولا قيمة للحرِّ، والله أعلم. ••• [١٥١٦] مسألة: قال: وما أفسدت المواشي والدواب من الزرع والحوائط بالليل، فضمان ذلك على أهلها، وما كان بالنهار، فلا شيء على أصحاب الدواب، ويُقَوَّم الزرع الذي أفسدت على الرجاء والخوف (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ على أرباب المواشي حفظها بالليل؛ إذ لا ضرورة

стр. 1369

بهم إلى إخراجها وتسريحها للرعي، فمتى أطلقوها فأفسدت زرع قومٍ، كان عليهم الغُرم؛ إذ هم مُفَرِّطون. وقد رَوَى سفيان بن عيينة، حدثنا الزهري، أنّه سمع سعيد بن المسيب وحرام بن سعد بن مُحَيِّصَةَ (١) يحدثان: «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنَّ عَلَى أَهْلِ الأَمْوَالِ حِفْظُ أَمْوَالِهِم بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَوَاشِيهِمْ بِاللَّيْلِ» (٢). ورَوَى الثوري، عن عبد الله بن عيسى (٣)، عن الزهري، عن حرام، عن النبيِّ صلى الله عليه مثله (٤). ورَوَى مالك، عن ابن شهاب، عن حرام: «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ» (٥). فأمّا النهار فلا غُرم عليهم فيما أفسدت من الزرع؛ لأنَّ بهم حاجةً وضرورةً إلى إرسالها للرعي، فوجب على أهل الحوائط حفظ أموالهم بالنهار، فمتى لم

стр. 1370

يفعلوا ذلك، فهم مفرطون مُضَيِّعون، ولا نعلم خلافاً أنّه لا شيء على أرباب الماشية بالنهار. وقوله: «إنَّه يُقَوَّم الزرع الذي أفسدت على الرجاء والخوف»؛ فلأنه لمَّا لم يكن بدٌّ من قيمته، ولم تجز قيمته على أنّه يَسْلَمُ لا محالة، ولا على أنّه يتلف لا محالة، وجب قيمته على الرجاء للسلامة، والخوف للتلف. كما جُعِل ذلك في جنين الأمة، أنَّ فيه عُشْر قيمتها، لا قيمة ما يسوى في الحال، ولا قيمته إذا خرج حيّاً؛ لأنَّ ذلك غير مُتَيَقنٍ. وكذلك جنين الحرة فيه عُشْر ديتها، لا قيمته في الحال، ولاديته إذا خرج حيّاً، بل جُعِل فيه غرة عبدٍ أو أمةٍ، هي وسطٌ ما بين قيمته في الحال، وديته إذا خرج حيّاً، وكذلك جنين الأمة. فوجب أن تكون كذلك قيمة الزرع على الرجاء والخوف، لا على التلف لا محالة، أو السلامة. لا محالة. ••• [١٥١٧] مسألة: قال: وإذا تُقُدِّمَ إلى أصحاب الكلب الضاري أو البعير أو الدابة، فما أفسدت ليلاً أو نهاراً فعليهم غرمه (١).
следующие страницы →