← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وأمّا أخذ قيمة ولدها؛ فلأنهم عبيده، فله أخذ قيمتهم؛ لأنّه لا يجوز إخراجهم عن ملكه بغير بدلٍ يُدفع إليه، فأمّا أخذهم فليس له ذلك. وإنما لم يكن له أخذهم؛ لأنَّ أباهم دخل على أنَّ ولده حرٌّ، وليس هو متعدٍّ بالوطء؛ لأنّه وطئ من له أن يطأ في الظاهر، فكان ولده حرّاً عليه بالقيمة. ووجه قوله: «إنَّ له أنْ يأخذ قيمة الأمة وقيمة ولدها، وليس له أخذها»؛ فلأن الأمة قد ثبت لها حرمة حُرِيَّةٍ بِحُرِيَّةِ ولدها، فصارت أم ولدٍ للواطئ؛ لأنّه وطئ وله أن يطأ في الظاهر، فلم يكن للمستحق أخذها، وكان له أخذ قيمتها، كما أنَّ ذلك له في ولدها. وقوله: «إنَّ قيمة الولد يوم يحكم فيهم لا ما قبله»؛ فلأنَّ ذلك هو وقت الاستحقاق، فله قيمتهم حينئذٍ، فأمّا من مات قبل ذلك فلا قيمة له؛ لأنَّه مات في ملكه، ولم يكن لأبيه صنعٌ فيه. وليس يشبه هذا الغاصب إذا وطئ؛ لأنَّ الغاصب زانٍ ولا حرمة لوطئه، وولده عبدٌ لسيد الأمة، لا يثبت نسبه منه. بل يشبه هذا المشتري شراءً فاسداً للأمة إذا وطئها، أنَّ ولده حرٌّ، وأنها تصير أم ولدٍ، فهذا وجه هذا القول. فأمّا على القول الأول، فبين وطء المشتري للأمة شراءً فاسداً إذا باعها سيدها وبين الوطء لها إذا باعها غير سيدها أو غرت من نفسها فتزوجت على أَنَّهَا حرةٌ فرقٌ بَيِّنٌ، وهو أنَّ الواطئ للأمة بالشراء الفاسد إذا باعها سيدها، فالسيد الذي سلَّطَه على ملكها، فوطْؤه هو بسبب مُلْكٍ مَلَّكَه مَنْ له أن يملكه،

стр. 1367

فصارت أم ولدٍ لهذه العلة؛ لأنَّ الحجة على بائعها المالك لها في ذلك؛ لأنّه دخل على أَنَّهَا تصير أم ولدٍ. وليس كذلك مالكها إذا باع عليه غيره بغير أمره؛ لأنّه متعدَّى عليه، ولا يلزمه تعدِّي غيره. وكذلك إذا تزوجت على أَنَّهَا حرةٌ، فهي المتعدِّية على سيدها وزوجها، وليس يلزم ذلك سيدها، فافترقا لهذه العلة. والصحيح من القول: أنَّ له أخذ الأمة وقيمة الولد. ••• [١٥١٥] مسألة: قال: وإذا غرت أمُّ الولد من نفسها فولدت، ثمّ استحقها سيدها، فإنَّ الولد يُقَوَّمون على أبيهم على أنهم أحرارٌ بعد موت سيدهم، ويُخَفَّفُ عنهم في القيمة. فإن لم يقام الولد حتى مات سيد أم الولد، فلا شيء له ولا لورثته؛ لأنهم قد عتقوا بعِتقها (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حكم ولد أم الولد حُكْمُهَا في عقد الحرية التي قد ثبتت لها إذا كانوا من زوجٍ أو زنا. فأمّا إذا كانوا من سيدها فهم أحرارٌ، فوجب قيمتهم لسيدها، كما تجب

стр. 1368

قيمة أم الولد لسيدها إذا قُتِلت، فكذلك تجب قيمة الولد على أبيهم لسيدهم؛ لأنهم قد أُخرِجوا عن ملكه. ولم يكن لسيدها أخذهم؛ لأنَّ أباهم وهو الواطئ، دخل على أنَّ ولده حرٌّ، فلم يجز استرقاق ولده. ويخفف في القيمة كما قال مالك؛ لأنهم ليسوا بعبيدٍ قِنٍّ (١) فيكون حكمهم في القيمة حكم العبيد؛ لِمَا قد ثبت لهم من عقد الحرية بعقد أبيهم. فإن تأخرت قيمتهم حتى مات سيدهم، لم يكن لهم قيمةٌ؛ لأنهم قد عُتِقوا بعِتق أمهم، ولا قيمة للحرِّ، والله أعلم. ••• [١٥١٦] مسألة: قال: وما أفسدت المواشي والدواب من الزرع والحوائط بالليل، فضمان ذلك على أهلها، وما كان بالنهار، فلا شيء على أصحاب الدواب، ويُقَوَّم الزرع الذي أفسدت على الرجاء والخوف (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ على أرباب المواشي حفظها بالليل؛ إذ لا ضرورة

стр. 1369

بهم إلى إخراجها وتسريحها للرعي، فمتى أطلقوها فأفسدت زرع قومٍ، كان عليهم الغُرم؛ إذ هم مُفَرِّطون. وقد رَوَى سفيان بن عيينة، حدثنا الزهري، أنّه سمع سعيد بن المسيب وحرام بن سعد بن مُحَيِّصَةَ (١) يحدثان: «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنَّ عَلَى أَهْلِ الأَمْوَالِ حِفْظُ أَمْوَالِهِم بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَوَاشِيهِمْ بِاللَّيْلِ» (٢). ورَوَى الثوري، عن عبد الله بن عيسى (٣)، عن الزهري، عن حرام، عن النبيِّ صلى الله عليه مثله (٤). ورَوَى مالك، عن ابن شهاب، عن حرام: «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ» (٥). فأمّا النهار فلا غُرم عليهم فيما أفسدت من الزرع؛ لأنَّ بهم حاجةً وضرورةً إلى إرسالها للرعي، فوجب على أهل الحوائط حفظ أموالهم بالنهار، فمتى لم

стр. 1370

يفعلوا ذلك، فهم مفرطون مُضَيِّعون، ولا نعلم خلافاً أنّه لا شيء على أرباب الماشية بالنهار. وقوله: «إنَّه يُقَوَّم الزرع الذي أفسدت على الرجاء والخوف»؛ فلأنه لمَّا لم يكن بدٌّ من قيمته، ولم تجز قيمته على أنّه يَسْلَمُ لا محالة، ولا على أنّه يتلف لا محالة، وجب قيمته على الرجاء للسلامة، والخوف للتلف. كما جُعِل ذلك في جنين الأمة، أنَّ فيه عُشْر قيمتها، لا قيمة ما يسوى في الحال، ولا قيمته إذا خرج حيّاً؛ لأنَّ ذلك غير مُتَيَقنٍ. وكذلك جنين الحرة فيه عُشْر ديتها، لا قيمته في الحال، ولاديته إذا خرج حيّاً، بل جُعِل فيه غرة عبدٍ أو أمةٍ، هي وسطٌ ما بين قيمته في الحال، وديته إذا خرج حيّاً، وكذلك جنين الأمة. فوجب أن تكون كذلك قيمة الزرع على الرجاء والخوف، لا على التلف لا محالة، أو السلامة. لا محالة. ••• [١٥١٧] مسألة: قال: وإذا تُقُدِّمَ إلى أصحاب الكلب الضاري أو البعير أو الدابة، فما أفسدت ليلاً أو نهاراً فعليهم غرمه (١).

стр. 1371

• إنّما قال ذلك؛ لأنهم مُتعدُّون بإمساكها (١) بعد التقدمة إليهم، فلزمهم ضمان ما أفسدوا؛ لأنّه كان عليهم أن لا يمسكوها إذا تقدَّم إليهم. وذلك بمنزلة الحائط المائل إذا تقدَّم إلى صاحبه في نقضه، فلم يفعل حتى أتلف إنساناً أو شيئاً، أنَّ عليه قيمة ذلك في ماله، أو الدية على عاقلته. ••• [١٥١٨] مسألة: قال: والحوائط التي تُحْرَس والتي لا تحرس سواءٌ، والمُحظَّرِ عليها وغير المحظر سواءٌ، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغاً ما بلغ، وإن كان ذلك أكثر من قيمتها (٢). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا قلناه، ولا فرق في غرم ذلك بين المُحَظَّرِ من الحيطان وغيرها؛ لأنَّ ما أتلف منه هو بتفريط صاحب الماشية، فعليه قيمة ذلك كله بالغاً ما بلغ، كما لو أتلف هو شيئاً أو تلف بفعله، لكان عليه قيمته بالغةً ما بلغت، فكذلك هذا. ••• [١٥١٩] مسألة: قال: ولو انفلتت الدابة بالليل فوطئت على رجلٍ نائمٍ، لم يغرم صاحبها شيئاً، وإنما هذا في الحوائط والزرع (٣).

стр. 1372

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النائم قد كان قادراً أن يتحرَّزَ فيتَنَحَّى عن طريق الماشية، أو ينام في موضعٍ لا تناله الماشية، وليس كذلك الحيطان والزرع؛ لأنّه لا يمكن تنحيتها والاحتراز لها. وقد رَوَى مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبيَّ صلى الله عليه قال: «العَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» (١)، فوجب بهذا الحديث أن لا يكون على صاحبها شيءٌ مما جرحتْ أو جنتْ، إلّا ما قامت الدلالة على أنّه يلزمه ذلك، وهو ما ذكرناه مما تفسده من الزرع ليلاً، لوجوب الجمع بين الحديثين واستعمالهما من حيث لا يُسْقِط أحدهما الآخر؛ إذ ليس أحدهما أولى بالاستعمال من الآخر (٢).

стр. 1373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1378

(١) ولا ما يصلحها، فكانت أمها أولى بها وأشفق عليها وأصون

стр. 1379

لها حتى تتزوج فتستغني بزوجها عن أمها، فلهذا قال: «إنَّ حدَّ استغناء الجارية عن الحضانة أن تتزوج»؛ لأنّها تخرج من كفاية الحضانة إلى كفاية الزوج. وقوله: «إنَّ الأب ينفق عليها عند أمها»؛ فلأنَّ النفقة واجبةٌ عليه في الأصل، فلا تسقط عنه إلّا باستغناء الولد، إمّا بمالٍ، أو تصرُّفٍ في كسبٍ. وحدُّ ذلك: في الجارية أن تتزوج ويَدخل بها زوجها؛ لأنّها تستغني بنفقة الزوج عن نفقة الأب. والغلام حتى يبلغ، ويكون غير زَمِنٍ (١)؛ لأنّه يستغني بتصرُّفه وكسبه عن نفقة أبيه. وقوله: «فإذا نكحت فأولياؤهم أحقُّ بهم»، فقد رُوِّينا عن النبيِّ ﷺ أنّه قال للأم: «أَنْتِ أَحَقُّ بالوَلَدِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي» (٢). ولأنها إذا تزوجت، اشتغلت بخدمة زوجها عن خدمتهم (٣).

стр. 1380

ولأنَّ زوجها يشنأ ولدها من غيره ويمقتهم ويبغضهم، فيلحقهم ضررٌ في ذلك، فوجب لأوليائهم أخذهم من أمهم، فإن كانت لهم جدةٌ أو خالةٌ فهي أحقُّ بهم من الأولياء. ••• [١٥٢٠] مسألة: قال: وإذا ثغر الصبي، أدَّبه أبوه وعلَّمه، ثمّ يصير إلى أمه يكون معها (١) (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في أدبه صلاحاً ومنفعةً له في العاجل والآجل، وقد قال النبيُّ ﷺ فيما رواه الحسن، عن سمرة، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ، أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ» (٣)، وقال ﷺ : «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (٤). فللأب أن يؤدِّب ابنه ويعلِّمَه ما يُصْلِحُه ديناً ودنياً، ويتقلب بالليل وأوقات حاجته إلى أمه. والإثغار: هو سقوط سن الصبي، مأخوذ من الثغر، وهي ثلمةٌ تكون في الشيء، وكذلك الصبي إذا وقع سنُّه يكون قد انثلم فُوهُ. •••

стр. 1381

[١٥٢١] مسألة: قال: وإذا كُنَّ النساء عند أمهنَّ في كفايةٍ، فالأب أولى بهنَّ، إلّا أن تكون أمهنَّ لها كفايةٌ وحرزٌ وأمانةٌ فلا يخاف عليهنَّ في موضعهنَّ، فتكون أولى بهنَّ. وإنما يُنظر في ذلك - عندما يُحْتَاجُ إليه - إلى الذي هو أفضل وأكفأ وأحرز، - يعني: للولد -، وليس هؤلاء يشبهن الصغار. وإذا لم يؤمن موضع المرأة لابنتها، أُخِذت منها (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّ النساء عورةٌ، يحتاج إلى حفظهنَّ والاحتياط لهنَّ؛ لِمَا لا يؤمن عليهنَّ من الفساد، وما يكثر ضرر وقوعه بهن، فيجب أن يُنظر إلى الأصلح لهنَّ في الحرز والكفاية والأمانة ويحكم لهنَّ بالكون فيه، إن كان ذلك في موضع أمهنَّ فهي أحق، وإن لم يكن كذلك، كان أبوهنَّ أو غيره من ذوي أرحامهنَّ أولى بهنَّ. وإنما يُنظَرُ في ذلك إلى ما هو أصلح لهنَّ وأحرز كما قال مالكٌ، يجتهد فيه الحاكم حسب ما يراه صلاحاً لهنَّ، وقد قال الله : ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]. فإذا لم يكن للولد صلاحٌ - وبخاصةٍ النساء - في كونهنَّ عند الأم، أخذوا منها وجُعِلوا عند غيرها. وكذلك الأب، إذا لم يكن في كونهنَّ عنده صلاحٌ لهنَّ؛ لأنّه لا يقوم بهنَّ

стр. 1382

ولا يراعيهنَّ، بأن يكون سكيراً فاسقاً لا يتعاهدهنَّ، أخذوا منه، يفعل الحاكم ما يراه صلاحاً للولد. ••• [١٥٢٢] مسألة: قال: ويُقضى للخالة بولد أختها في حضانتهم (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الخالة شقيق الأم، فلها من الشفقة عليهم قريبٌ من شفقة أمهم، فصارت أولى بحضانة الولد (٢). ورَوَى إسماعيل بن جعفر (٣)، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ (٤) وهبيرة (٥)، عن علي ﵁ قال: «لَمَّا خَرَجْنَا مِنْ مَكَّةَ تَبِعَتْنَا بِنْتُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمِّ، يَا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ ﵁ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، فَقَالَ: دُونَكِ بِنْتَ عَمِّكِ، فَحَمَلَهَا، فقال جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالَتُهَا تَحْتِي، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» (٦).

стр. 1383

ورَوَى الثوري، عن أبي بردة (١) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: «وَقَضَى بِهَا لِجَعْفَرٍ، لِأَنَّ خَالَتَهَا عِنْدَهُ» (٢)، يعني: النبيّ ﷺ . ••• [١٥٢٣] مسألة: قال: وتُقَرُّ الجارية عند جدتها في حضانتها، إلّا أن تضعف أو تكون مسنةً (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الجدة أحق بحضانة ولدها بعد الأم؛ لأنّها تدلي بالأم. فإذا ضعفت عن القيام بالولد أُخِذ منها الولد؛ لأنّه يلحقهم الضرر بترك خدمتهم والقيام عليهم في مصالحهم. ••• [١٥٢٤] مسألة: قال: والأم أولى بحضانتها وإن تزوجت، ما لم يدخل بها زوجها (٤).

стр. 1384

• يعني: أنَّ الأم أولى بحضانة الجارية ما لم يدخل زوج الأم بها؛ لأنّها بدخوله بها تشتغل عن ابنتها وتعاهدها لها. وكذلك تكون الأم أحق بحضانة بنتها وإن تزوجت البنت ما لم يدخل زوج البنت بها؛ لأنّها لا تستغني عن خدمة الأم وقيامها بها إلّا بخدمة الزوج لها وقيامه عليها. ••• [١٥٢٥] مسألة: قال: والجدة للأم أولى بحضانة ولد ابنتها من الجدة للأب، وأولى من ولاة الولد (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الجدة - أم الأم - تقوم مقام الأم؛ لأنّها تدلي بالأم وهي أصل الأم، فكانت أولى بالولد من الجدة أم الأب؛ لأنّه لمّا كانت أمهم أولى بهم من أبيهم، فكذلك أم أمهم أولى بهم من أم أبيهم. وكذلك هي أولى بهم من جميع أولياء الولد؛ لأنّها أشفق على الولد وأرفق بهم. وأحق النّاس بحضانة الولد: الأم، ثمّ الجدة أم الأم، ثمّ الخالة أخت الأم، ثمّ الجدة أم الأب، ثمّ الأب، ثمّ أخت الأب وهي العمة إن لم يكن أب، ثمّ الأولياء إن لم يكن عمة، على هذا الترتيب تكون حضانة الولد، يُقدَّم فيها

стр. 1385

كلّ من كان أشفق على الولد وأرفق به من غيره، فإن عُدِمَ أو حدث شيءٌ يوجب أخذ الولد منه، كان من بعده أولى على هذا التنزيل. ••• [١٥٢٦] مسألة: قال: وليس للأم ولا للجدة أن يخرجوا بالولد عن نسبه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في ذلك ضرراً عليهم؛ لأنّه يُجهل نسبهم ولا يُدرى من هم، ويفقدون بفقد الأولياء لهم وتعاهدهم إياهم، وفي ذلك ضررٌ عليهم. ••• [١٥٢٧] مسألة: قال: وإن تزوجت الأم، فالجدة أولى إذا كانت غير ذات زوجٍ، إلّا أن يكون زوجها جدهم فتكون أولى بهم (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأم إذا تزوجت اشتغلت عن خدمة الولد وحضانتهم بخدمة الزوج، والزوج أيضاً يشنؤهم ويمقتهم، فكانت جدتهم أولى بهم إلّا أن يكون لها زوجٌ أجنبيٌّ منهم، فليست أحق بهم؛ لمقته لولد غيره. فإن كان زوجها جدهم، فهي أحق بهم؛ لأنّه لا يمقت ولده ولا يقصيهم؛ لأنهم أولاده، أعني: ولد بنته. •••

стр. 1386

[١٥٢٨] مسألة: قال: ولا يُكَلَّفُ النفقةَ على جدته (١)، ولا يعطيها أجر حضانةٍ، إلّا النفقة على ولده قط (٢)، وكذلك الأم إذا قامت عليهم، لا نفقة لها ولا أجر حضانةٍ (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حضانة الأم والجدة حقٌّ للولد عليهم، ليس يجوز لهم الامتناع منه؛ لأنَّ الله جعل ذلك حقّاً عليهم، ببيان رسول الله ﷺ ، فليس لهم أجرةٌ على فعل شيءٍ واجبٍ عليهم فعله. ألا ترى: أنّه لا أجرة للمرأة في قيامها على ولدها وحضانتها لهم إذا كانت تحت أبيهم؛ لأنَّ ذلك حقٌّ عليها، فكذلك إذا فارقها. وكذلك الجدة والخالة وأشباههما ممن عليهن الحضانة، ليس يجوز لهنَّ أن يأخذن أجراً عليها. ••• [١٥٢٩] مسألة: قال: والجدة أولى من الخالة (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الجدة تدلي بالأم وتقوم مقامها، فهي أولى.

стр. 1387

••• [١٥٣٠] مسألة: قال: والخالة أولى من العمة (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الخالة تدلي بالأم، وهي شفقة الأم، فصارت أولى من العمة. ••• [١٥٣١] مسألة: قال: ومن طلق امرأةً وهي تُرْضِعُ، فألقت ابنها إليه، حتى إذا فُطِم أخذته؟ فقال: إن كان لها عذرٌ لتركها الرضاع، فإنها أولى بحضانته، تكون تركته لوجعٍ أو قلة دَرٍّ، ولم تتركه رفضاً له (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّها إذا تركته لعذرٍ، لم يكن تركها على وجه المقت للولد وقلة الشفقة عليهم، فلها أخذهم بعد ذلك؛ لأنّها تركتهم للعذر لا رغبةً عنهم. فأمّا إذا تركتهم لغير عذرٍ، فليس لها أن تأخذهم بعد ذلك؛ لعدم شفقتها عليهم، ولأنه لا يؤمن منها أن تتركهم ثانيةً فيضر ذلك بهم؛ لأنهم ينقطعون عن

стр. 1388

رضاع مَنْ قَدْ أَلِفوا رَضَاعه، ويضر أيضاً بأبيهم ذلك؛ لأنّه يحتاج أن يطلب لهم من يرضعهم، وفي ذلك ضررٌ على الولد (١). ••• [١٥٣٢] مسألة: قال: وإذا تزوجت المرأة، فأخذ الأب ولده منها، ثمّ طُلِّقَت، فليس لها إليهم رجعةٌ، ولا حقَّ لها فيهم (٢). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أَنَّهَا إذا تركتهم، ثمّ طلب الأب لهم من يرضعهم ويكفلهم، ثمّ أرادت أمهم أن يُرَدُّوا إليها بعد طلاق زوجها، لم يكن لها ذلك؛ لأنَّ في ذلك ضرراً على الولد؛ ولأنه لا يؤمن منها أن تتركهم ثانيةً وتتزوج، وفي ذلك ضررٌ على الولد. ••• [١٥٣٣] مسألة: قال: وإذا طلق الرّجل المرأة فطرحت ولدها إلى أبيهم استثقالاً لهم (٣)، ثمّ أرادت أخذهم، فليس ذلك لها، إلّا أن تكون طرحتهم من عذرٍ أو انقطاع لبنٍ، فإنَّ لها في ذلك عذراً (٤). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أَنَّهَا إذا تركتهم لغير عذرٍ، عُلِم قلة شفقتها

стр. 1389

على ولدها، فإن رُدُّوا إليها لم يؤمن أنْ تتركهم ثانية، وفي ذلك ضررٌ على الولد وأبيهم أيضاً. فإن كان لها عذرٌ في تركهم رُدُّوا إليها؛ لأنَّ تركها لهم ليس لقلة الشفقة عليهم والرفق بهم، إنّما هو لعذرٍ كان لها. ••• [١٥٣٤] مسألة: قال: وإذا طلق العبد الحرة وله منها ولدٌ فنكحت، فهي أولى بالولد منه، وليس هو في ذلك مثل الحر، إلّا أن يُخَاف عليه عندها الضرر، فإذا كبر ذهب حيث شاء (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العبد مشغولٌ بخدمة سيده عن خدمة ولده والقيام عليهم وتعاهدهم، فكانت أمهم أولى بهم وإن كان لها زوجٌ؛ لأنّها وإن كانت تشتغل بخدمة الزوج عن خدمتهم، فهي أشفق عليهم وأرفق بهم من أبيهم، فصارت أولى لهذه العلة؛ لأنَّ الأب مشغولٌ بخدمة سيده، ولأنه لا يملك من نفسه شيئاً، أعني: أنّه لا يتصرُّف إلّا بإذن سيده، فهو في خدمة ولده وتعاهدهم أقل تصرُّفاً من أمهم؛ لأنَّ أمهم لا تُمْلَكُ رقبتها، وأبوهم فتُملَك رقبته وخدمته. •••

стр. 1390

[١٥٣٥] مسألة: قال: ومن تزوج امرأةً ولها بنتٌ صغيرةٌ، يَعْلَمُ بذلك، ثمّ بنى بها وهي معها، ثمّ قال لها بعد: «أخرجيها عني»، فليس ذلك له (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز له أن يفرق بين الابنة إذا كانت صغيرةً وأمها؛ لأنَّ ذلك حقٌّ لهما جميعاً، وفي ذلك ضررٌ عليهما، وليس له أن يفعل ما يضر بهما، وقد قال النبيُّ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (٢)، وقال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣]، فأخبر سبحانه أنَّ الربيبة تكون في حجر المتزوج بأمها، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا» (٣)، أي: لا يفرَّق بينهما. ••• [١٥٣٦] مسألة: قال: ويلزم المرأة رضاع ولدها ما كانت تحته، يعني: تحت الزوج - أم الولد -، فإذا طلقها لم يلزمها. ولا يكون ذلك عليها وهي تحته إذا كانت الشريفة الموسرة التي ليس لها مثلٌ يُرْضِع، فذلك على الزوج إذا كان قوياً.

стр. 1391

وكذلك يكون لها من النفقة بقدر الغنى واليسر؛ لأنّه نكحها وهو يعرف حالها، وينفق على خادمها وإن كانت لا تخدمه (١). • إنّما قال: «إنَّ على المرأة رضاع ولدها إذا كانت تحت أبيهم»؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فألزم الله سبحانه بعموم هذه الآية الوالدات يرضعن أولادهن إذا كنَّ تحت أبيهم، إلّا من خرج من هذه الآية بدليلٍ، وهي التي لا تطيق الرضاع؛ لأنَّ مثلها لا يقدر عليه ولا على إمساك الصبيان وتعاهدهم والقيام عليهم، فليس تكلف ذلك؛ لأنَّ في ذلك إضراراً بها، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة:٢٣٣]. ولأنَّ العرف جارٍ بأنَّ مثلها لا تُكَلف مثل ذلك، قال الله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩]، أو لتعذرِ لبنٍ، فليس عليها ذلك؛ لأنّها لا تقدر عليه. فأمّا إذا كانت ممن يقدر، وجب عليها أن ترضعه أو تكتري له من يرضعه من مالها؛ لأنَّ ذلك حقٌ عليها، فعليها أن تفعله بنفسها أو بمن يقوم مقامها. فأمّا إذا طلَّقها زوجها، أعني: أبا الولد، فليس عليها أن ترضع ولده، وعلى أبيه أن يُرْضِع له، إمّا بأن يعطي أمه أجرة رضاعةٍ، وإما استرضع له من غيرها.

стр. 1392

والدليل على أنّه ليس عليها أن ترضعهم بعد الطلاق بأجرةٍ (١) كما عليها ذلك قبل الطلاق، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وقال جل اسمه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق:٦]، وذلك بعد الطلاق، فعُلِم بهذا أنّه ليس عليها أن ترضعهم بعد الطلاق بغير أجرةٍ، إلّا أن يكون أبوهم ممن لا يقدر على أجرة الرضاع، ولا مال للولد، فعليها أن ترضعهم على طريق الإعانة لهم؛ لأنّه لا يجوز لها أن تفعل ما يؤدِّي إلى تلفهم، كما لا يجوز ذلك للمسلمين جملةً أن يفعلوه بمن احتاج إليهم. وقوله: «إنه ينفق على امرأته حسب ما تحتاج إليه، وعلى قدر حالها من الغنى واليسر»؛ فلأنه على ذلك دخل، فعليه أن يقيم بكفايتها أو يطلقها إن لم يقدر على ذلك. وليس له أن ينتقصها من قدر كفايتها؛ لأنَّ ذلك يضر بها، كما ليس له أن ينتقص غيرها من مقدار قوتها وما يصلحها؛ لأنَّ كفاية كلّ إنسانٍ على حسب حاله، وقد قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦]، وقال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وليس من المعروف أن يكلفها ما لم تجر عادتها به، ولا أن يقطعها عما دخلت عليه من النفقة على قدر حالها، كما لو دخلت على أنّه لا يقدر على النفقة عليها على حسب حالها، أو لم يقدر على الوطء أو أشباه ذلك، لم يكن لها أن تطالبه بأكثر مما دخلت عليه. وقوله: «وينفق على جاريتها»؛ فلأنَّ عليه أن يُخدِمها إذا كانت لا تخدم

стр. 1393

نفسها والخدمة من كفايتها، فعليه أن يكفيها ذلك وينفق على من يخدمها؛ لأنَّ ذلك لا بد لها منه. وإن كانت ممن تخدم نفسها، لم يلزمه ذلك (١). ••• [١٥٣٧] مسألة: قال: وللمرأة أن تسترضع لولدها إذا لزمها ذلك وهي تحت الزوج، إذا كان لها عذرٌ أو علةٌ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ رضاعها ولدها إذا كانت تحت أبيهم لازمٌ لها إذا كانت ممن يرضع ويتكلف ذلك، فلها أن ترضعهم بنفسها أو من يقوم مقامها إذا اختارت ذلك، أو كان لها عذرٌ من مرضٍ أو غيره. ••• [١٥٣٨] مسألة: قال: وإذا كان للمرأة الولد الصغير، فأرادت أن ترمي به إلى عمه وتَنْكِح، فليس ذلك لها، إلّا أن يكون له من المال ما يُسْتَرْضَعُ له، فيكون لها أن تلقيه إلى عصبته وتنكح. وليس لها أن تطرح ولدها مكانها على زوجها حتى يطلب له مُرضعاً. ولو كان لا يقبل من غيرها وثبت ذلك، أُلزمت رضاعه (٣).

стр. 1394

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في رميها لولدها وترك رضاعهم ضرراً عليهم، فليس لها أن تفعل ذلك؛ لأنَّ إعانتهم وإحياءهم قد لزمها، فليس لها أن تمتنع منه. فإن كان لهم مالٌ كان لها ترك ذلك؛ لأنهم يستغنون بمالهم عنها، ويسترضع لهم أبوهم أو عصبتهم، وعليها أن تُرضعهم حتى يجدوا لهم من يرضعهم. فإن لم يجدوا من يرضعهم أو وجدوا فلم يقبلوا الرضاع إلّا منها، لزمها أن ترضعهم وتجبر على ذلك؛ لأنَّ في ترك رضاعها لهم مضرةً عليهم، ولعلَّ ذلك يؤدي إلى تلفهم؛ وليس لها أن تفعل ما يؤدي إلى تلفهم، وقد لزمها إحياؤهم كما يلزم جملة المسلمين أو أحدهم إذا تعيَّن الفرض عليه أن يطعم الجائع ويسقي العطشان ويكسو العاريَ، وأشباه ذلك، فكذلك هي قد لزمها رضاعهم حتى يستغنوا بغيرها. وقوله: «إنَّ لها أن ترمي به إلى عمه وعصبته إذا كان له مالٌ، وليس لها أن ترميه إذا لم يكن له مالٌ»، فإنّه يعني بذلك: إذا كان للولد مالٌ، لا العم ولا العصبة؛ لأنّه ليس على العصبة ولا العم أن ينفق عليه؛ لأنَّ نفقة الأصاغر تلزم الأب وحده إذا لم يكن للولد مالٌ، ليس تلزم الجد أبا الأب ولا عماً ولا غيره من العصبات، ولا ذوي الأرحام من النساء والرجال، وسنذكر حجة ذلك في موضعه إن شاء الله. ••• [١٥٣٩] مسألة: قال: وولاة الولد بالخيار على الأم، إن وجدوا من يرضعه بدون ما ترضعه انتزعوه منها، إلّا أن ترضعه بذلك.

стр. 1395

فإن وجدوا باطلاً، كان ذلك لهم، إلّا أن ترضعه أمه كذلك. ولا يُقْبَل في ذلك قول الأب: «إني قد وجدت»، حتى يُعْلَم ذلك، وليس له أن يأتي بمن يضار الأم برضاعةٍ باطلاً (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ على أبي الولد وأوليائهم أن يفعلوا بالولد وماله ما هو صلاحٌ لهم، فإذا وجدوا من ترضعه بأجرةٍ هي أقل من أجرة الأم استرضعوا غير الأم؛ لأنَّ في ذلك توفيراً لمالهم. وكذلك إن وجدوا من يرضعهم بغير شيءٍ، ارتضعوا له ولم يدفعوا أجرة الرضاع إلى الأم إذا طلبت ذلك، إلّا أن ترضعهم بمثل الأجرة التي ترضع غيرها، أو ترضع بغير شيءٍ، فتكون الأم أولى بهم؛ لأنّه قد توفِّر عليهم مالهم، وهي أشفق عليهم وأرفق بهم من غيرها، فصارت أولى بإرضاعهم لهذه العلة. وكذلك إذا كان الأب قليل ذات اليد فوجد من يرضع ولده بأجرةٍ قليلةٍ أو بغير شيءٍ، فله أن يدفع ذلك إليهم دون أبيهم (٢)؛ لأنَّ في ذلك رفقاً به إذا لم يقصد بذلك الضرر بالولد وأمهم. فأمّا إن كان غنياً لا تُؤَثِّرُ عليه أجرة رضاعهم، فليس له أن يعدل بهم عن أمهم إلى غيرها وإن كانت ترضع بغير شيءٍ؛ لأنّه يقصد بهذا الضرر بأمهم، وليس يقصد توفير الأجرة عليه، إذا كان يُعْلَم أنَّ مثله لا يؤثر عليه توفيرها

стр. 1396

إن أخرجها من ماله، وقد قال الله : ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، أي: لا يضار، فليس للأب أن يضر بأمهم في رضاع ولده، وليس للأم أن تَضُرَّ أيضاً بأبيهم في رضاعهم. والضرر في ذلك كله هو على ما فسرناه: أن يفعل الإنسان فعلاً يَخْرُجُ به عما يعرفه المسلمون بينهم ويَخْرُجُ عن عشرتهم، وقد قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، فمن (١) خرج عن العشرة المعروفة والعرف الجاري نُهي عنه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]، وقال: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص:١٩]. ••• [١٥٤٠] مسألة قال: وأم الولد تعطى رضاع ولدها إذا مات سيدها (٢). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ الزوجة إذا طلقها زوجها لم يكن عليها رضاع ولدها؛ لزوال النكاح الذي لزمها معه رضاع ولدها، فكذلك أم الولد إذا زال ملك سيدها عنها بموته لم يكن عليها رضاع ولدها، وكان لها الأجرة في رضاعهم إذا كان للولد مالٌ، وإن لم يكن لهم مالٌ، لزمها أن ترضعهم حتى يستغنوا بغيرها، على ما ذكرناه. ••• [١٥٤١] مسألة: قال: وقد قيل: إذا كان الرّجل موسراً فوجد من يرضع

стр. 1397

له باطلاً، فليس ذلك له، ولكن ترضعه أمه ولها أجر رضاعها، وذلك له إذا كان معسراً (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان موسراً فعدل برضاع الولد عن أمه، كان مضراً بها، وليس له أن يفعل ذلك؛ لأنّه لم يقصد الرفق إذا كان لا يُؤَثِّرُ عليه توفير أجرة رضاعه، وإنما يريد الإضرار بأمه، وليس ذلك له. فأمّا إذا كان معسراً فله ذلك؛ لأنّه إنّما يقصد الرفق به لا الإضرار بأمه. ••• [١٥٤٢] مسألة: قال: وإذا كانت المرأة موسرةً وزوجها معسراً فأرضعته، لم تتبعه بشيءٍ مما أرضعته به (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان معسراً فليس عليه رضاع ولده؛ لأنّه لا يقدر على ذلك، وقد قال الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فولد المعسر هم من فقراء المسلمين، وهو كذلك، وإذا كان كذلك، كان رضاعهم على وجه القربة إلى الله تعالى والحسبة، فليس لها أن تتبعه بأجرة ذلك، إذ ذلك ليس واجباً عليه.

стр. 1398

ولأنَّ ذلك منها على وجه الحسبة، وقد لزمها أيضاً إعانتهم بالرضاع؛ لأنّها متى لم تفعل ذلك أدى إلى تلفهم. ••• [١٥٤٣] مسألة: قال: ويُفْرض للمرأة على زوجها إذا كانت ترضع ما تقوى به على رضاعها، وليس المرضع كغيرها (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرضع تحتاج من النفقة والمؤنة إلى أكثر من غيرها، فعلى زوجها أن يعطيها ما يكفيها من النفقة وولدها في رضاعها، على حسب كفايتها وحالها من حاله، وذلك على ما يعرفه النّاس في بلدهم ووقتهم وحالهم، وعلى قدر اجتهاد الحاكم في ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فعليه أن ينفق عليها حسب كفايتها بالمعروف. وقد رَوَى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أَنَّ هِنْدَاً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي بِالمَعْرُوفِ، أَفَآخُذُ مِنْهُ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (٢).

стр. 1399

فثبت بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه، أنَّ على الرّجل أنْ ينفق على امرأته وولده بقدر ما يكفيهم بالمعروف، لا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ. ••• [١٥٤٤] مسألة: قال: وإذا هلك الرّجل عن الحامل، فنفقتها عليها. فإذا وضعت، كان رضاع الصبي من ماله، فإن لم يكن له مالٌ، فليس على ورثته ولا على عصبته رضاعه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الميت قد زال ملكه عن ماله وصار لغيره من الغرماء أو الورثة، فليس تجب للحامل نفقةٌ في مال غير الزوج، فعليها أن تنفق على نفسها من مالها (٢). فإذا وضعت الحمل كان رضاعه من ماله؛ لأنّه ليس عليها أن ترضعه إذا كان غنياً بماله مستغنياً عنها به. فإن لم يكن له مالٌ لم يكن على ورثته ولا على عصبته رضاعه؛ لأنَّ رضاع الولد ونفقته على الأب إذا لم يكن للولد مالٌ، دون غيره من العصبة وذوي أرحامه.

стр. 1400

فإن قيل: إنَّ على الوارث أنْ ينفق عليه؛ لقول الله : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣] (١). قيل: معنى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، راجعٌ على أن لا يضار، والنسق عليه رجع لا على النفقة؛ لأنّه لم يتقدَّم ذِكْرٌ لنفقة الولد، وإنما تقدَّم ذِكْرُ نفقة الزوجات، وهو قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أراد الزوجات. ويستحيل أن يتسق بالوارث على نفقة الزوجات؛ لأنَّ الوارث لا ينوب مناب الزوج في النفقة؛ لأنَّ نفقة الزوجات هو للاستمتاع بالزوجة، وليس يجوز أن تقوم مقامه في المعنى الذي وجب من أجله نفقة الوارث. وقد قال مخالفنا في هذه المسألة: «إنَّ الصبيَّ إذا كان له ابن عمٍ وخالٌ، أنَّ نفقته على خاله وأن ميراثه لابن عمه إذا مات» (٢)، فقد ألزموا النفقة غير الوارث وأسقطوها عن الوارث. فهذا نقضٌ لقولهم، وتركٌ لظاهر ما احتجوا به من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، أنّه النفقة (٣). •••

стр. 1401

[١٥٤٥] مسألة: قال: وإذا استرضع الأب لابنه وقد ماتت أمه، ثمّ يموت أبوه قبل تستوفي أجر رضاعها: (فما أرضعت في حياة أبيه، فذلك لها في مال أبي الغلام. (وما كان بعد موته، ففي مال الغلام (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما أرضعته في حال حياة الأب فذلك كان واجباً على الأب، فتؤخذ من ماله أجرة ذلك؛ لأنَّ ذلك كان لازماً له. فإذا مات سقط عنه الرضاع والنفقة على ولده؛ لأنَّ ملكه قد انتقل إلى غيره، فصار ما أُرضع به الصبي في ماله دون مال الأب، ودون سائر ورثته؛ لأنّه ليس على ورثته أن يسترضعوا له، ولا على أمه أن ترضعه بعد موت أبيه (٢)، فصار ذلك في مال الصبي دون غيره. ••• [١٥٤٦] مسألة: قال: وإذا استرضع الرّجل لابنه فدفع إليها نفقة سنةٍ، ثمّ هلك ابنه بعد شهرٍ أو شهرين، فإنّه يحاسبها بقدر الشهور ويأخذ ما فضل عندها (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أجرة الرضاع إنّما تستحقه المرضعة بالرضاع المدة التي استأجرها، فإذا مات الصبي رجع عليها بما بقي من المدة؛ لأنّها لم تستحقه،

стр. 1402

كما لو اكترى غلاماً ليخدمه سنةً فمات قبل السنة، رجع من الأجرة ببقية السنة، وكذلك يرجع عليها بما دفع من النفقة للصبي تمام السنة؛ لأنّه قد بقي في يدها، فعليها أن ترد ذلك إلى أبيه. ••• [١٥٤٧] مسألة: قال: ويفرض للمرأة إذا خاصمت زوجها في نفقتها ولها عيالٌ ورقيقٌ: مُدٌّ من (١) حنطةٍ بمد مروان، وما يصلحها من الزيت والحطب والكسوة. وإن كان موسراً، زِيدَ في الحنطة على مدِّ مروان في كلّ يومٍ ويجعل لها شيءٌ من اللحم، ومن وسط الكسوة مما يكسو الناس. فأمّا الخز (٢) والعَصْب (٣) والسمن والعسل، فلا يفرض ذلك على أحدٍ. وليس ذلك عليه أن ينفق على رقيقها، إلّا على خادمٍ؛ فإنّه لا بد لها من خادمٍ يخدمها (٤) (٥).

стр. 1403

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فألزم الله الأزواج أن ينفقوا على أزواجهم ما بهنَّ إليه حاجةٌ في القوت وما يتبعه من الأدم والكسوة، على حسب حاجتهن وكفايتهن وحالهن من حال الزوج، على ما قد جرى من عرف النّاس في البلد الذي هم فيه في مثلهم بقدر كفايتهم، وعلى قدر اجتهاد الحاكم في ذلك. فيفرض لها من القوت والأدم والكسوة بقدر حاجتها، وقد قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦]، وقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧]، وقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النسا:١٩]، وقال: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]. فعلى الحاكم أن يفعل ما هو صلاحٌ للزوج والزوجة، ولا يفعل ما هو ضررٌ على واحدٍ منهما من تكليفه ما لا يقدر عليه، أو ينقص الزوجة عما تحتاج إليه. فهذا هو الأصل في اعتبار مقدار نفقة الزوجة وفرضها على الزوج، يُرجع في ذلك في كلّ بلدٍ إلى ما يعرفونه (١) في الحنطة والزيت واللحم والحطب وغير ذلك من الأدم، ما لا يستغنون عنه. وقوله: «مد مروان»، فلا أعرف كم مقداره، وهو شيءٌ يعرفه أهل المدينة، ولكن هو على حسب كفاية النّاس بالمدينة.

стр. 1404

وكذلك قال مالك في كفّارة اليمين: «إنَّ المد عندنا بالمدينة كافٍ» (١)، يعني: مد النبيِّ صلى الله عليه، فأمّا في سائر المواضع فيشبعهم غداءً وعشاءً. فكذلك نفقة الزوجات، على كلّ إنسانٍ أن يقيم بكفايتها على حسب حالهم وعرفهم في بلدهم، في قوتها وأدمها، وسائر مصالحها وكسوتها، ليس لذلك حدٌّ محدودٌ، وهو على اجتهاد الناظر فيه على حسب الوقت. وقوله: «إنه لا يفرض لها العصب والخز والسمن والعسل»، فإنما يعني بذلك: أهل مدينة الرسول ﷺ ؛ لأنَّ أحوال أكثرهم تقصر عن ذلك. فإن كان فيها من يحتمل حاله ذلك وحال زوجته، وتحتاج إلى ذلك وعليه دَخَل، فعليه أن ينفق عليها ذلك ويكسوها، وَإِلّا فارق إن امتنع منه وطالبته بالفراق. وكذلك سائر الأمصار إذا كان عرفهم قد جرى بنفقةٍ أو سعةٍ من قوتٍ وعسلٍ وسمنٍ وخزٍّ ووشيٍ (٢)، فإنَّ عليه أن ينفق عليها ما تحتاج إليه في قوتها ومصالحها وكسوتها حسب كفايتها، وَإِلّا فارقها؛ لأنّه على ذلك دخل. وقد ذكرنا أنَّ أصل ذلك هو على حسب كفايتها وحالها من حاله، على ما قد جرى العرف في بلدهم ووقتهم. وقد رَوَى حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂. ورواه الزهري، عن عروة، عن عائشة: «أَنَّ هِنْدَاً بِنْتَ عُتْبَةَ، جَاءَتْ إِلَى

стр. 1405

النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (١)، فهذا هو الأصل في مقدار وجوب نفقة الزوج على الزوجة، أنَّ ذلك على حسب كفايتها وكفاية ولدها بالمعروف. وقوله: «إنَّه ليس عليه أن ينفق على خدمها، إلّا واحداً»، فلأنَّ الخادم الواحد لا بد للمرأة منها (٢) إذا كانت لا تخدم نفسها، وأقل ذلك هو واحدٌ، فليس عليه أن ينفق على أكثر منه؛ لأنّها تستغني عنه، إلّا أن تكون تحتاج إلى أكثر من خادمٍ لمرضٍ أو عذرٍ، أو تكون المرأة ممن لا يكفيها خادمٌ (٣). •••
следующие страницы →