← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

[١٥٤٥] مسألة: قال: وإذا استرضع الأب لابنه وقد ماتت أمه، ثمّ يموت أبوه قبل تستوفي أجر رضاعها: (فما أرضعت في حياة أبيه، فذلك لها في مال أبي الغلام. (وما كان بعد موته، ففي مال الغلام (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما أرضعته في حال حياة الأب فذلك كان واجباً على الأب، فتؤخذ من ماله أجرة ذلك؛ لأنَّ ذلك كان لازماً له. فإذا مات سقط عنه الرضاع والنفقة على ولده؛ لأنَّ ملكه قد انتقل إلى غيره، فصار ما أُرضع به الصبي في ماله دون مال الأب، ودون سائر ورثته؛ لأنّه ليس على ورثته أن يسترضعوا له، ولا على أمه أن ترضعه بعد موت أبيه (٢)، فصار ذلك في مال الصبي دون غيره. ••• [١٥٤٦] مسألة: قال: وإذا استرضع الرّجل لابنه فدفع إليها نفقة سنةٍ، ثمّ هلك ابنه بعد شهرٍ أو شهرين، فإنّه يحاسبها بقدر الشهور ويأخذ ما فضل عندها (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أجرة الرضاع إنّما تستحقه المرضعة بالرضاع المدة التي استأجرها، فإذا مات الصبي رجع عليها بما بقي من المدة؛ لأنّها لم تستحقه،

стр. 1402

كما لو اكترى غلاماً ليخدمه سنةً فمات قبل السنة، رجع من الأجرة ببقية السنة، وكذلك يرجع عليها بما دفع من النفقة للصبي تمام السنة؛ لأنّه قد بقي في يدها، فعليها أن ترد ذلك إلى أبيه. ••• [١٥٤٧] مسألة: قال: ويفرض للمرأة إذا خاصمت زوجها في نفقتها ولها عيالٌ ورقيقٌ: مُدٌّ من (١) حنطةٍ بمد مروان، وما يصلحها من الزيت والحطب والكسوة. وإن كان موسراً، زِيدَ في الحنطة على مدِّ مروان في كلّ يومٍ ويجعل لها شيءٌ من اللحم، ومن وسط الكسوة مما يكسو الناس. فأمّا الخز (٢) والعَصْب (٣) والسمن والعسل، فلا يفرض ذلك على أحدٍ. وليس ذلك عليه أن ينفق على رقيقها، إلّا على خادمٍ؛ فإنّه لا بد لها من خادمٍ يخدمها (٤) (٥).

стр. 1403

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فألزم الله الأزواج أن ينفقوا على أزواجهم ما بهنَّ إليه حاجةٌ في القوت وما يتبعه من الأدم والكسوة، على حسب حاجتهن وكفايتهن وحالهن من حال الزوج، على ما قد جرى من عرف النّاس في البلد الذي هم فيه في مثلهم بقدر كفايتهم، وعلى قدر اجتهاد الحاكم في ذلك. فيفرض لها من القوت والأدم والكسوة بقدر حاجتها، وقد قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦]، وقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧]، وقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النسا:١٩]، وقال: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]. فعلى الحاكم أن يفعل ما هو صلاحٌ للزوج والزوجة، ولا يفعل ما هو ضررٌ على واحدٍ منهما من تكليفه ما لا يقدر عليه، أو ينقص الزوجة عما تحتاج إليه. فهذا هو الأصل في اعتبار مقدار نفقة الزوجة وفرضها على الزوج، يُرجع في ذلك في كلّ بلدٍ إلى ما يعرفونه (١) في الحنطة والزيت واللحم والحطب وغير ذلك من الأدم، ما لا يستغنون عنه. وقوله: «مد مروان»، فلا أعرف كم مقداره، وهو شيءٌ يعرفه أهل المدينة، ولكن هو على حسب كفاية النّاس بالمدينة.

стр. 1404

وكذلك قال مالك في كفّارة اليمين: «إنَّ المد عندنا بالمدينة كافٍ» (١)، يعني: مد النبيِّ صلى الله عليه، فأمّا في سائر المواضع فيشبعهم غداءً وعشاءً. فكذلك نفقة الزوجات، على كلّ إنسانٍ أن يقيم بكفايتها على حسب حالهم وعرفهم في بلدهم، في قوتها وأدمها، وسائر مصالحها وكسوتها، ليس لذلك حدٌّ محدودٌ، وهو على اجتهاد الناظر فيه على حسب الوقت. وقوله: «إنه لا يفرض لها العصب والخز والسمن والعسل»، فإنما يعني بذلك: أهل مدينة الرسول ﷺ ؛ لأنَّ أحوال أكثرهم تقصر عن ذلك. فإن كان فيها من يحتمل حاله ذلك وحال زوجته، وتحتاج إلى ذلك وعليه دَخَل، فعليه أن ينفق عليها ذلك ويكسوها، وَإِلّا فارق إن امتنع منه وطالبته بالفراق. وكذلك سائر الأمصار إذا كان عرفهم قد جرى بنفقةٍ أو سعةٍ من قوتٍ وعسلٍ وسمنٍ وخزٍّ ووشيٍ (٢)، فإنَّ عليه أن ينفق عليها ما تحتاج إليه في قوتها ومصالحها وكسوتها حسب كفايتها، وَإِلّا فارقها؛ لأنّه على ذلك دخل. وقد ذكرنا أنَّ أصل ذلك هو على حسب كفايتها وحالها من حاله، على ما قد جرى العرف في بلدهم ووقتهم. وقد رَوَى حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂. ورواه الزهري، عن عروة، عن عائشة: «أَنَّ هِنْدَاً بِنْتَ عُتْبَةَ، جَاءَتْ إِلَى

стр. 1405

النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (١)، فهذا هو الأصل في مقدار وجوب نفقة الزوج على الزوجة، أنَّ ذلك على حسب كفايتها وكفاية ولدها بالمعروف. وقوله: «إنَّه ليس عليه أن ينفق على خدمها، إلّا واحداً»، فلأنَّ الخادم الواحد لا بد للمرأة منها (٢) إذا كانت لا تخدم نفسها، وأقل ذلك هو واحدٌ، فليس عليه أن ينفق على أكثر منه؛ لأنّها تستغني عنه، إلّا أن تكون تحتاج إلى أكثر من خادمٍ لمرضٍ أو عذرٍ، أو تكون المرأة ممن لا يكفيها خادمٌ (٣). •••

стр. 1406

[١٥٤٨] مسألة: قال: ويلزم الرّجل النفقة على ابنه حتى يحتلم، وعلى ابنته حتى يدخل بها زوجها. فإذا رجعت إليه بموتٍ أو فراقٍ، فلا نفقة لها عليه (١). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، فأوجب الله تعالى على الأب أن يرتضع لولده وأن يقوم بكفايته؛ لأنَّه غير مستغنٍ بنفسه، فكان ذلك واجباً عليه حتى يستغني بنفسه، وذلك بأن يحتلم الغلام؛ لأنَّه حينئذٍ يلزمه الخطاب ويقوى على التّصرُّف والكسب، أو تتزوجَ الجارية ويَدْخُلَ بها زوجها؛ لأنّها تستغني بنفقة زوجها عليها عن نفقة أبيها؛ أو تتصرَّف لنفسها ببروز وجهها ومعرفة مصالحها.

стр. 1407

فأمّا قبل ذلك، فعلى الأب أن ينفق عليهما جميعاً، إلَّا أن يحدث لهما مالٌ يستغنيان به عن نفقة الأب، فينفقان من مالهما دون مال الأب. وقوله: «إِذَا رجعت إليه بموتٍ أو فراقٍ فلا نفقة لها»؛ فلأنَّ فرض النفقة قد زال عن الأب بدخول الزوج بها، فلا يعود ذلك إليه، وكذلك إِذَا بلغ الغلام وهو صحيح، ثمّ زَمِن فلا نفقة على أبيه؛ لأنَّ فرض النفقة قد زال عن الأب، ولا يعود إليه إلَّا بدلالةٍ. ••• [١٥٤٩] مسألة: قال: ولا يحاسِبُ الرجلُ ولده (١) إِذَا لم يكن له مالٌ، وإنما يحاسبه من يوم يحدث له المال فيما يستقبل، عرضاً كان أو عيناً (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ نفقته قبل أن يحدث لولده مالٌ عليه، فليس يجوز له أن يحاسبه في ماله بنفقةٍ تلزمه. وإنما يحاسبه من حين يحدث لولده مالٌ؛ لأنَّ فرض النفقة حينئذٍ يزول عن الأب ويصير في مال الابن، سواءٌ كان ماله عيناً أو عرضاً، إلَّا أن يعلم أنَّ الأب تبرع بالنفقة عليه، أو لم يرد الرجوع بها في مال الابن، فلا يكون له أن يحاسبه حينئذٍ؛ لأنَّ نفقته كذلك هو على وجه الحسبة والصلة. •••

стр. 1408

[١٥٥٠] مسألة: قال: ولا يلزم الأم النفقة على ولدها (١). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الله تعالى جعل نفقة الولد على الوالد دون الأم، بقوله : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، ولم يُلْزِم الأم النفقة على ولدها. وكذلك ليس في السُّنَّة إلزام الأم النفقة على ولدها، وإنما ذلك على الأب، وقد قال النبيُّ ﷺ لهند: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (٢)، حيث قالت له: إنَّ أبا سفيان لا يعطيها ما يكفيها وولدها بالمعروف. فثبت بدليل الكتاب والسُّنَّة، أنَّ النفقة على الأب دون الأم. فأمّا من جهة النظر؛ فلأنَّ النساء لمّا كُنَّ ممَّن يُنفَقُ عليهم ويُرْفق بهنَّ، لم يجب عليهنَّ أنْ يُنْفِقْنَ على أولادهنَّ، وقد قال الله سبحانه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]. فأمّا نفقتها على أبويها فذلك عليها إذا كانا محتاجين؛ لأنّها قد أمِرَت بالبر بهما، وفُرِضَ عليها أن لا تعقَّهما، وليس من البر إجاعتهما، فالنفقة عليهما واجبةٌ

стр. 1409

عليها بإجماع العلماء، فأمّا على ولدها فغير واجبةٍ؛ لعدم قيام الدليل على ذلك، ولأنَّ حرمة الولد ليس كحرمة الأبوين. ••• [١٥٥١] مسألة: قال: ولا يلزم الرّجل النفقة على أخيه ولا أخته، ولا على ابن ابنه. ويلزم المرأة النفقة على أبيها وإن كره ذلك زوجها (١)، وإن أحاط ذلك بمالها (٢). • إنّما قال: «إنَّه لا يلزمه النفقة على أخيه ولا على ابن ابنه»؛ فلعدم قيام الدلالة على وجوب النفقة عليه لهما؛ لأنَّ وجوب نفقتهما هو على غيره، فلا ينقل إليه إلَّا بدلالةٍ. ألا ترى: أنّه لا نفقة على الجد لابن ابنه إِذَا كان أبوه باقياً، وكذلك لا نفقة على أخيه إِذَا كان أبوه باقياً موسراً. وإذا كان كذلك، عُلِم بهذا أنَّ فرض النفقة في الأصل ليس على الجد، ولا على الأخ، وأنَّ ذلك على غيرهما.

стр. 1410

فإن قيل: قد قال الله : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وهذا يوجب أن تكون النفقة على كلّ وارثٍ (١). قيل له: معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، راجعٌ على أن لا يُضَارَّه على النفقة؛ لأنَّ النفقة للولد لم يَتَقَدَّم لها ذِكْرٌ هاهنا فيرجع النسق عليها، وإنما تقدَّم ذكر نفقة الزوجات بقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ويستحيل أن يقوم الوارث في النفقة على الزوجة مقام الموروث؛ لأنَّ الزوج إنّما أنفق لوجود الاستمتاع الذي له في الزوجة، ولا يقوم وارثه مقامه فيها (٢). وقد رَوَى أشعث، عن الحسن، عن مجاهد، عن ابن عباس: «﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، قَالَ: لَا يُضَارَّ» (٣). وكذلك قال الشعبي، والضحاك، وغيرهما، قالوا: لَا يُضَارَّ. وقد قال مخالفنا في هذا: «إنَّ رجلاً لو خَلَّفَ جده أبا أمه، وابن عمه، كان الميراث لابن عمه، والنفقة على جده أبي أمه» (٤)، فقد جعل النفقة على غير وارثٍ، وكذلك يقول في الخال والعم، أنَّ النفقة على الخال، والميراث للعم، وهذا خلاف أصله الذي بناه، فعُلِم بهذا فساد قوله. وقوله: إنَّ المرأة تُلْزَم النفقة على أبيها وإن كره زوجها؛ فلأنَّ نفقتها على أبويها حقٌّ من الحقوق التي تلزمها في مالها، كالزكاة وأرش جناية وشبه ذلك،

стр. 1411

فليس لزوجها منعها من ذلك كله؛ لأنَّه حقٌّ عليها في مالها، كما أنَّه ليس له منعها من حقوق الله عليها في بدنها، مثل الصلاة والصيام، وغير ذلك من العبادات. ••• [١٥٥٢] مسألة: قال: ولا يأخذ الرّجل من مال ولده شيئاً إلَّا بإذنه، إلَّا أن يحتاج فينفق عليه ابنه (١)، فضلاً عن نفسه وأهله (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الرّجل لا يملك مال ابنه كما لا يملك رقبته، فلا يجوز له أن يأخذ من ماله بغير إذنه إِذَا كان مستغنياً عنه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (٣). فأمّا إِذَا كان محتاجاً فإنّه يأخذ منه بقدر حاجته؛ لأنَّ على الابن أن ينفق على أبيه إِذَا أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه لم يكن عليه أن ينفق على أبيه؛ لأنَّه أحق بذلك من أبيه. وقد رَوَى حماد بن زيد، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَعِي دِينَارٌ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ، قَالَ: مَعِي آخَرُ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى زَوْجَتِكَ، قَالَ: مَعِي آخَرُ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: مَعِي آخَرُ، قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ، قَالَ: مَعِي آخَرُ، قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ

стр. 1412

رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَقُولُ زَوْجَتُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ وَإِلّا طَلِّقْنِي، ويَقُولُ وَلَدُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي، ويَقُولُ خَادِمُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ بِعْنِي» (١) فكان الإنسان أولى النّاس بماله حتى يستغني، ثمّ زوجته؛ لأنَّ نفقتها تجري مجرى المعاوضة، ثمّ ولده الذي لا يستغني عنه بنفسه، وكذلك أبواه، عليه أن ينفق عليهما إِذَا كانا محتاجين، وكلُّ ذلك فيما يَفْضُلُ من قوته وما يحتاج إليه، لا فيما هو محتاجٌ إليه. ••• [١٥٥٣] مسألة: قال: ولا يأخذ الرّجل من مال والديه إلَّا بإذنهما (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّه لا يملك مال والديه، ولا يجوز للإنسان أن يأخذ مال غيره بغير إذنه، إلَّا أن يكون له حقٌّ في ماله فمنعه منه، فيجوز له أن يأخذه. ••• [١٥٥٤] مسألة: قال: وللرجل أن يُخْرِج ولده إِذَا بلغ (٣). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ فرض نفقته عليه يسقط ببلوغه إِذَا كان صحيحاً غير

стр. 1413

زَمِنٍ، فله أن يُخْرِجه؛ لأنَّه قد استغنى عن أبيه وَكَوْنِهِ عنده، قال مالك: «وقد فعل عمر بن الخطاب» (١). ••• [١٥٥٥] مسألة: قال: وإذا أنفق الرّجل على ولده ولهم مالٌ قد ورثوه، وكتب ما أنفق عليهم، فلمّا هلك، أراد الورثة أن يحاسبوهم: (فإن كان لهم مالٌ موضوعٌ، فليس عليهم غُرْم ما أنفق عليهم إِذَا لم يقل ذلك عند موته. (وإن كان لهم مالٌ قد استنفقه فلم يوجد، فإنهم يحاسبون بما أنفق عليهم. (وإن كانت أموالهم حيواناً أو عروضاً، حُوسِبوا (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ نفقته عليهم من ماله وتَرْكَهُ أن ينفق عليهم من أموالهم إِذَا كان غنياً، دلالةٌ في الأغلب أنّه لم يُرد النفقة عليهم من أموالهم، وأنه أرادها من ماله، فليس للورثة أن يرجعوا عليهم بذلك؛ لأنَّ أباهم تبرَّع بالنفقة عليهم وَتَرَكَ مالهم لهم، إلَّا أن يأمر بذلك الأب عند موته، فيُعْلَم أنّه لم يرد التبرع بالنفقة عليهم. فأمّا إِذَا كان مالُهُم عروضاً أو حيواناً أو عقاراً فأنفق عليهم من ماله، فإنَّ

стр. 1414

للورثة أن يحاسبوهم؛ مِنْ قِبَل أنَّ نفقة الأب عليهم من ماله تجوز أن تكون إنّما هي حتى يبيع العروض والعقار، ثمّ يأخذ ما أنفق من ثمن ذلك، وليس تركُه النفقة هاهنا من مالهم التي يحتاج إلى بيعها كتركه من المال الذي يمكن التّصرُّف فيه والنفقة منه من غير بيعٍ. ••• [١٥٥٦] مسألة: قال: وليس على الابن الموسر أن يُحِجَّ أباه من ماله (١). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الابن عليه أن يقيم بمؤونته لِقُوتِهِ وكِسوته، ويعفَّ فرجه إن احتاج إلى ذلك، فأمّا الحج به فليس يلزمه؛ لأنَّه لا فرض على أبيه إِذَا لم يقدر على المشي، أو لم يكن له مالٌ يحج به إِذَا كان لا يقدر على المشي. ••• [١٥٥٧] مسألة: قال: وعلى الرّجل أن يُنفق على أُمِّهِ إِذَا كانت تحت زوجٍ، إِذَا كان زوجها محتاجاً (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ على الابن أن ينفق على أمه إِذَا كانت محتاجةً إلى نفقته، سواءٌ كان لها زوج أو لم يكن. ألا ترى: أَنَّهَا لو لم يكن لها زوجٌ وكانت تصلح للزوج، لم يكن له أنْ يُجْبِرَها على التزويج ولا يطالبها بذلك لتزول عنه النفقة، وإن كانت قادرةً على

стр. 1415

الاستغناء بنفقة الزوج عن ابنها، فكذلك إِذَا كانت تحت زوجٍ، ولم تكن مستغنيةً بنفقة زوجها عن نفقة ابنها، فعليه أن ينفق عليها؛ لأنَّه لا يجوز له أن يجيعها ويعريها وهو قادرٌ على أن يكفيَها مؤونة ذلك. ••• [١٥٥٨] مسألة: قال وليس على الرّجل أن ينفق على جده ولا على جدته (١). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّه قد حال بينه وبين فرض النفقة عليه غيره، إِذ ليس أصْلُ فرضهما عليه؛ لأنَّ نفقة الابن على أبيه الأدنى دون جده، وكذلك على الابن الأدنى أن ينفق على أبيه دون ابن الابن. ألا ترى: أنَّ كلّ واحدٍ منهما إِذَا كان موجوداً موسراً، كانت النفقة على الأقرب منهما دون الأبعد ولم يشتركا فيه، فكذلك إِذَا عدِمَ الأقرب، لم يلزم الأبعد؛ لأنَّ أصل وجوبها ليست عليه. ولا فصل بين نفقة الجد والجدة في ذلك؛ لأنَّ أصل الجد والجدة ووجوب نفقتهما وميراثهما هما الأبوان. ألا ترى: أنهما لا يرثان مع وجود الأبوين، فكذلك لا يلزم ولد ولدهما النفقة عليهما، ولا يلزمهما أيضاً النفقة على ولد ولدهما؛ لِمَا ذكرناه. •••

стр. 1416

[١٥٥٩] (١) مسألة: قال: ويُقْضَى على الغائب في الدَّين ويُقْسَمُ عليه الرَّبْع (٢). ولا يقضى عليه في الرَّبْع إلَّا أن يكون قد خاصم عند القاضي ووقعت عليه البيّنة واستقصى حجته وسأله عما يريد، ثمّ هرب عنه، فليُقْضَ عليه وإن كان غائباً (٣). • إنَّما قال: «إنه يُقضى على الغائب في الدَّين ويقسم عليه الرَّبْع»؛ فلأنَّ الله أوجب على الحاكم أن يحكم بالحق على من ثبت عليه ولزمه ببينةٍ تقوم لمدعي الحق، أو إقرارٍ مِنَ الذي عليه الحق؛ لأنَّه لو لم يحكم لصاحب الحق حتى يحضر الذي عليه الحق، لَمَا شاء أحدٌ أن يُبْطِل حق غيره ويؤخِّره عن محله إلَّا غاب، ثمّ لم يَحْكُم عليه الحاكم إلَّا فعل ذلك، فكان يؤدي هذا إلى الإضرار بالناس في حقوقهم وتأخيرها عنهم، وليس على صاحب الحق أن لا يغيب مَنْ عليه الحق؛ لأنَّه لا يمكنه منعه من ذلك وحفظه حتى لا يغيب، ولو كُلِّفَ ذلك، لأضر ذلك به وبالذي عليه الحق. وإذا كان كذلك، وجب أنْ يُحْكَمَ له بالحق على من ثبت عليه، غائباً كان

стр. 1417

أو حاضراً، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (١)، والبينة إنّما يقيمها المُدَّعِي ليُحْكَم له بها، لا لتُسْمَعَ من غير حُكْمٍ بها؛ لأنَّه لا يستفيد بذلك شيئاً، فإذَا أقامها المُدَّعِي على غائبٍ أو حاضرٍ سُمِعَت منه وحُكِمَ له بها. وقد حكم النبيُّ ﷺ على أبي سفيان وهو غائبٌ لهندٍ وولدها بالنفقة عليه في ماله، وأمر هنداً أن تأخذ ذلك من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف. فرَوَى الثوري وأبو أسامة وابن نمير (٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (٣). ورَوَى معمر، عن الزهري، عن عائشة ذلك (٤). وقد قال مخالفنا (٥): إنه تُسْمَع البيّنة على الغائب في وجوب نفقة امرأته،

стр. 1418

ويُدْفَع ذلك إليها من ماله إذا كان له مال عينٍ عند رجلٍ، أمره الحاكم يدفع إلى امرأته إذا طالبت بالنفقة وإن كان غائباً (١). وكذلك يقول: في الرّجل يدَّعِي وكالة رجلٍ، وادَّعى رجلٌ قِبَل الموكِّلِ حقاً، أنَّ للوكيل أن يثبت الوكالة على الغائب، ثمّ يتصرَّف في ماله في البيع والشراء من غير حضور المُوَكِلِ (٢). فقد قضى على الغائب وألزمه الوكالة، وتَصَرَّفَ الوكيل في ماله من غير حضور المُوَكِّلِ، وقد يجوز أن يكون الشهود كذبوا أو غلطوا في الوكالة والشهادة بها. فإن قيل: قد قال النبيُّ ﷺ لعليٍ: «إِذَا أَتَاكَ الخَصْمَانِ، فَلَا تَقْضِينَّ لِأَحَدِهِمَا دُونَ أَنْ تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ» (٣) (٤). قيل له: إنّما أراد بذلك إذا حضرا. ألا ترى: إلى قوله: «إِذَا أَتَاكَ الخَصْمَانِ»، فهما جميعاً حاضران. ولأنه ليس في هذا ضررٌ أن لا يحكم حتى يسأله، وفي غيبة أحد الخصمين ضررٌ على خصمه إذا لم يحكم عليه. وقوله: «إنَّه لا يُقْضَى عليه في الرِّبَاع»؛ فلأنَّ الرباع وهي الدُّور وكذلك

стр. 1419

الأرضون، هي مأمونةٌ بعيدةٌ من التلف، فوجب انتظاره حتى يَقْدُم؛ لجواز أنْ تكون له حُجَّةٌ لخروجه مما شُهِد عليه به، وليس في تأخر بيع ذلك ضررٌ على صاحب الحق في خوفه أنْ يتلف أو يتلف مال خصمه، فأمّا إذا كان عيناً أو عروضاً فإنّه يُخْشَى تلفها إذا لم تُبَع عليه، فكان في بيعها صلاحٌ للذي له الحق والذي عليه الحق جميعاً. وقد قال مالك: «إنَّ الرباع تباع على الغائب ويقُضْى دَينه منها، كما يُقْضى من غيره من أمواله» (١). وهذا هو الصحيح؛ لأنَّ في ترك بيعها ضرراً بصاحب الحق، وسواءٌ كانت مما يسوغ تلفها أم لا؛ لأنَّه لا منفعة له في بقائها على ملك الذي عليه الحق، وإنما ينتفع إذا بِيعَت ودفع حقه إليه من ثمنها (٢). ••• [١٥٦٠] (٣) مسألة: قال: ومن فَلَّسَ (٤)، فقد حلَّت حقوق النّاس عليه. وكذلك من مات (٥).

стр. 1420

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الميت قد بطلت ذمَّته التي كان الدَّين بها متعلِّقاً ووجب قسم ماله بالموت، والدَّين مقدَّمٌ على الميراث، ولا خلاف في ذلك. وكذلك إن فَلَّسَ؛ لأنَّ صاحب الدَّين إنّما رضي بذمَّةٍ سليمةٍ من العيب، فإذَا فَلَّسَ فقد طرأ عيبٌ لم يرض به عند المداينة، فحلَّ حقُّه لهذه العلَّة. وأيضاً فلمّا وجب تَفْرِقة ماله على الغرماء، كان هو أحدهم، وقد رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه: «أَنَّهُ خَلَعَ مُعَاذَاً مِنْ مَالِهِ، وَقَسمَهُ عَلَى غُرَمَائِهِ» (١). ••• [١٥٦١] مسألة: قال: ولا يباع حرٌّ، ولا يؤاجر في دَينٍ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ بيع الحر غير جائزٍ بوجهٍ من الوجوه؛ لأنَّ ثمنه حرامٌ كتحريم ثمن الخمر والخنزير، بل هو أوكد؛ لحرمة الحر. ولا يؤاجر أيضاً في دَينٍ؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فأوجب الله تعالى إنظار المعسر حتى يجد ما يقضي دَينه. فلا يجوز بيع رقبته في دينه، حراً كان أو عبداً، ولا تجوز إجارته أيضاً فيه؛

стр. 1421

لوجوب إنظار الله تعالى إياه حتى يجد ما يقضي، فمتى بيع أو حُبِسَ أو أُوجِرَ، فهو خلاف ما أمر الله به من إنظاره حتى يجد. وهو أيضاً إضرارٌ به، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (١). ولأنَّ الذي داينه إنّما دخل على أن يأخذ دَيْنَهُ من ماله ورضي بذلك، لا من إجارته أو ثمنه إن كان حراً، أو قيمته إن كان عبداً، أو أجرة منافعهما، والله أعلم. ••• [١٥٦٢] مسألة: قال: وإذا أَفْلَسَ الرجل، فوجد رجلٌ سلعته - ارتفعت الأسواق أو انخفضت -، فهو أحق بسلعته، إن شاء أخذها، وإن شاء تركها وحاصَّ (٢) الغرماء، إلّا أن يشاء الغرماء أن يعطوه ثمنها فيكون ذلك لهم. وإن كان المشتري قد باع بعض متاعه، فرب المتاع أولى بما وجد منه، إن وجد نصفه أخذه بنصف الثمن وحاصَّ الغرماء بالنصف. ولو وجد المتاع كله وقد اقتضى بعض ثمنه، فإن أحبَّ أن يردَّ ما اقتضى ويأخذ سلعته، فذلك له. فإن وُجِدَتْ سلعته قد عَمِيَتْ (٣)، فإن شاء أخذها بالجميع، وإن شاء أسلمها.

стр. 1422

فإن وجدها قد ولدت فباعها وحبس ولدها، كان له أن يأخذ ولدها بحصتهم من الثمن (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ بائع السلعة إذا وجدها عند المشتري وقد أفلس، أقوى سبباً من غيره من الغرماء الذين ليس سلعهم موجودةً بأعيانها، فكان أولى بها؛ لوجود عين (٢)، كما كان المُرْتَهِنُ أولى بالرهن الذي في يده من سائر الغرماء الذين ليس لهم في أيديهم رهنٌ؛ لقوة سبب المُرْتَهِنِ على غيره ممن ليس معه رهنٌ. وقد رَوَى مالك، عن (٣) يزيد بن هارون وغيره، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز (٤)، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ مُفْلِسٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٥).

стр. 1423

ورواه فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ مثله (١). ورَوَى سليمان بن بلال، عن خُثَيْمِ بْنِ عِرَاك بن مالك (٢)، عن أبيه (٣)، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» (٤). فلهذا قال مالك: «إنَّ البائع أحق بسلعته إذا وجدها عند المفلس، إنْ شاء أخذها، وإن شاء تركها وَحَاصَّ الغرماء». وقوله: «إلّا أن يشاء الغرماء أن يعطوه ثمنها فيكون ذلك لهم»، فإنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ بائع السلعة إنّما كان أحق بها؛ لأنَّ المشتري لمّا لم يعطه ثمنها كان له أخذها، فإذَا أعطاه المشتري أو الغرماء ثمنها لم يكن له أخذها؛ لأنَّ علة الأخذ إنّما هي من أجل تعذُّرِ الثمن، فإذَا دُفِعَ إليه ثمنها لم يكن له أخذها. وقوله: «إِنْ كان المشتري قد باع بعض متاعه، فرَبُّ المتاع أولى بما وَجَدَ منه، وحاصَّ مما بقي من الثمن»؛ فلأن البائع لمَّا كان له أن يأخذ كلّ السلعة إذا

стр. 1424

وجدها إذا لم يُدْفَع إليه الثمن، كان له أن يأخذ بعضها إذا وجده ويحاص الغرماء بما لم يجد في ذمَّة المشتري، ويأخذ ذلك من ماله. وقوله: «إن كان قد اقتضى بعض ثمن سلعته فله أن يَرُدَّه ويأخذ سلعته»؛ فلأنه لا يجوز له أن يأخذ الثمن والسلعة جميعاً، فكذلك لا يجوز أن يأخذ بعض السلعة وكلّ الثمن؛ لأنّه إنّما يجوز له أخذ السلعة أو الثمن، أو ما يجد منها بحصته من الثمن ويحاص الغرماء بما لم يجد. وقد رَوَى مالك ويونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن عن (١) الحارث بن هشام، أنَّ رسول الله صلى الله عليه قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعَاً، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئاً، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٢)، زاد يونس: «وَإِنْ كَانَ قَدْ قَضَى مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئاً، فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ». ورواه الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه، وقال: «فَإِنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئَاً، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ» (٣). وقوله: «فإن وجد سلعته قد عميت فإن شاء أخذها بالجميع، وإن شاء أسلمها»؛ فلأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا جعل لبائع السلعة أَخْذَهَا، كان له أن يأخذها إذا

стр. 1425

وجدها بعينها أو أنْقَصَ منها، إذا كان النقصان بمثل العور والعمى لا يتلف بقطعها. وليس له أكثر منها؛ من قِبَلِ أنّه مُخَيَّرٌ بينَ أَخْذِهَا على ما يجدها وإن كانت ناقصةً، أو محاصَّة الغرماء بالثمن. ألا ترى: أنَّ المغصوب منه إذا وجد سلعته عند الغاصب وقد نقصت، فله أخْذُهَا وإنْ نقصت، أو تضمين الغاصب قيمتها يوم غصبَ، فكذلك هذا. وقوله: «فإن وجدها قد ولدت فباعها وحبس ولدها، كان له أن يأخذها (١) وولدها بحصتهم من الثمن»؛ فلأنه لَّما باع الأم فقد أخَذَ عوضاً من الثمن، فهو بمنزلة ما لو باع بعض السلعة وبقي بعضها عنده، فللبائع أن يأخذ ما وجده بحصته من الثمن، ويحاص الغرماء بما لم يجد بقدره من الثمن. فأمّا إذا ماتت الأم وبقي ولدها الذي وُلِدَ في يد المشتري، فله أخذ الولد بكل الثمن إن شاء أو تركه، وذلك بمنزلة ما لو نقصت الأم في بدنها، لكان له أخذها بكل الثمن، أو تركها ومحاصة الغرماء؛ لأنَّ المشتري لم يأخذ عوضاً إذا ماتت الأم، وقد أخذ عوضها إذا باعها. فإن مات الولد أو باعه وبقيت الأم، فإنَّ البائع له الخيار بين أخذها بكل الثمن، أو تركها ومحاصة الغرماء؛ من قِبَلِ أنَّ الأم هي التي يقع عليها عقد البيع، وهي بدل الثمن الذي وجب له على المشتري، فإذَا وجدها، كان له أخذها على

стр. 1426

ما يجدها وإن كانت ناقصةً، أو تركها ومحاصة الغرماء، وسواءٌ وجد ولدها الذي وُلِدَ عند المشتري، أو كان قد مات أو باعه المشتري. فأمّا إذا مات المشتري للسلعة، فليس لبائعها أن يأخذها وإن وجدها بعينها؛ من قِبَل أنَّ ذمة المشتري قد تلفت، فلو جعلنا البائع أولى بالسلعة، كان سائر الغرماء لا يرجعون إلى حقهم من مال الميت، ولا إلى ذمَّةٍ تتعلق حقوقهم فيها، والمفلس فيرجع الغرماء الذين لا سلع لهم إلى ذمَّته، فكان ردُّ السلعة أولى؛ لقوة سببه؛ ولأنَّ سائر الغرماء لا تتلف أموالهم ولا تبطل حقوقهم. فإن قيل: لم لا قلت: إنَّ أخذ البائع سلعته في موت المشتري أولى إذا وجدها بعينها؛ لأنّه لمَّا كان له أخذها مع وجود ذمَّته، كان أن يأخذها مع عدمها أولى، كما كان المرتهن أولى بالرهن في موت الراهن وفَلَسِهِ (١). قيل له: ما قلته غير لازمٍ، من قِبَلِ أنَّ النبيَّ ﷺ إنّما جعل بائع السلعة أولى بها إذا وجدها بعينها في موضعٍ يرجع سائر الغرماء إلى شيءٍ يتوثقون به لحقوقهم، وهي ذمة المفلس، فلا تتلف حقوقهم، وفي ذلك نَظَرٌ لجميع الغرماء، وأمّا إذا تلف ماله وذمته، فليس يجوز أن يُنْظَر لبعضهم دون بعضٍ؛ لأنَّ صاحب السلعة إذا أخذها لم يكن للباقين شيءٌ يرجعون إليه من مالٍ أو ذمةٍ، فكان في ذلك حملٌ عليهم، وقد قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥]. فأمّا المرتهن فقد صار أولى بالرهن؛ لقبضه الرهن وحيازتِهِ، لا أنَّ الموت والفلس أحْدَثَا له حقّاً في الرهن لم يكن قبل ذلك.

стр. 1427

ألا ترى: أنَّ الراهن لو أراد أخذ الرهن من يد المرتهن، لم يكن له ذلك بغير إذنه؛ لأنَّ حقه قد ثبت له بالرهن وقبضه، ولم يثبت حق البائع في السلعة التي باعها قبل فَلَسِ المشتري أو موته على ما ذكرت. على أنَّ السنة قد فَرَّقَتْ بين الموت والحياة، فرَوَى مالك، ويونس، وجماعة، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعَاً، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئَاً، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَإِنْ مَاتَ فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ» (١)، وقد وصله عبد الرزاق عن مالك، فقال: عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ (٢). ورَوَى إسماعيل بن عياش (٣)، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه أنَّه قال مثله، وقال: «أَيُّمَا امْرِئٍ هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتَاعُ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئَاً أَوْ لَمْ يَقْتَضِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاء» (٤).

стр. 1428

فإن قيل: قد رَوَى ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر (١)، عن عمرو بن خليدة (٢)، قال: «أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا أَفْلَسَ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ?بَيْنَكُمْ بِقَضَاءِ?رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٣) (٤). قيل له: أبو المعتمر هذا رجل مجهولٌ (٥)، وقد ضعفه يحيى بن معين (٦)، وقال أبو داود السجستاني: «أبو المعتمر من هو؟، لا نعرفه، ومن يأخذ بهذا؟» (٧). فأمَّا من قال (٨): إنَّ البائع لا يكون أحق بسلعته إذا وجدها عند المشتري؛ لأنَّ ملك المشتري قد استقر عليها، فيجب أن يُفَرق بين غرمائه إذا أفلس أو مات، فالحجة عليه ما ذكرناه من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه أنّه قال: «أَيُّمَا

стр. 1429

رَجَلٍ بَاعَ سِلْعَتَهُ فَأَفْلَسَ الذِي ابْتَاعَهَا وَلَمْ يَقْبِضِ الذِي بَاعَهَا مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئَاً، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» (١). فإن قيل: إنَّ معنى هذا الحديث: هو أن يُفْلس الرجل، فيجد رجلٌ سلعته عند مفلسٍ قد أودعها إياه، أنَّه أحق بها من غرمائه، لا ما قد اشتراها المفلس (٢). قيل: هذا لا فائدة فيه؛ لأنَّ أحداً من أهل العلم لم يختلف في هذا، وحَمْلُ الحديث على فائدةٍ مؤتنفةٍ أولى. على أنَّ هذا الحديث مُفَسَّرٌ، وهو على ما ذكرناه من قوله صلى الله عليه: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ أفْلَسَ المُشْتَرِي، فَوَجَدَ البَائِعُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ». وقد قال مخالفنا: «إنَّ المتبايعين إذا اختلفا في الثمن، أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ويكون البائع أولى بالسلعة وإن كان المشتري قد قبضها وصارت ملكه؛ لقوة سبب البائع» (٣). فكذلك يجب أن يكون بائع السلعة إذا وجدها عند المفلس؛ لقوة سببه، والله أعلم (٤). •••

стр. 1430

[١٥٦٣] مسألة: قال: وإن وجد ثوبه قد خَلُقَ (١)، فإنْ شاء أخذه، وإن شاء أسلمه (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنّه له أَخْذ سلعته إذا كانت بحالها أو كانت قد نقصت بكل الثمن؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ جعل له أخذها إن شاء، أو تَرَكَهَا وحاصَّ الغرماء. ••• [١٥٦٤] مسألة: قال: ومن اشترى غزلاً فنسجه، أو بُقعهً فبناها، ثمّ فَلَّسَ، فإنَّ صاحب الغزل والبقعة يكونان شريكين بقدر الكّتَّان من النسج، وبقدر البقعة من قدر العمارة (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنهما قد صارا شريكين، البائع بقدر سلعته، والمشتري بقدر عمله، فوجب أن يشتركا في البقعة مع البنيان أو الثوب على قدر ما لكل واحدٍ منهما؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما له حقٌّ لا يجوز إبطاله ولا يمكن تمييزه، فوجب أن يشتركا فيه بقدر قيمة ما لكل واحدٍ منهما. •••

стр. 1431

[١٥٦٥] مسألة: قال: ومن اشترى جاريةً فولدت من غير سيدها، فسيدها أولى بها وبولدها، إلّا أن يُعْطَى ثمنها (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ حُكْمَ الولد حُكْمُ الأم؛ إذ هو بمنزلة عضوٍ منها، فله أن يأخذها مع الولد، كما لو زادت الأم في بدنها، لكان للبائع أخذها. ومما يدل أنَّ حكم الولد حكم الأم وأنه ليس بخراجٍ فيكون للمشتري بالضمان، أنَّ ولد أم الولد حكمه كحكم أمه، وليس لسيده أن يبيعه كما ليس له أن يبيع الأم، ويُعتقون بعتق الأم، وليس كذلك خراجها؛ لأنَّ للسيد أخذ خراجها والتصرُّف فيها. وكذلك ولد المكاتبة والمدبرة، حكمهم حكم أمهم (٢)، وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع. فأمّا ما كان خراجاً فهو للمشتري دون البائع، وذلك كاللبن والصوف وكسب العبد وأشباه ذلك؛ لأنَّ الخراج له بالضمان، وليس الولد خراجاً. •••

стр. 1432

[١٥٦٦] مسألة: قال: ومن اشترى زيتاً فصبه في جِرَاره بشهودٍ معه، أو دنانير فصبها في كيسه، أو بَزَّاً فرقَّمَه (١) وخلطه بغيره، فهو أولى به إذا فَلَّس (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ عين الزيت والدنانير والبز قائمةٌ متى خُلِط الزيت بمثله، وكذلك الدنانير إذا خلطها بمثلها؛ لأنَّ منفعة ذلك كله واحدةٌ، ولا فصل بين ذلك كله، فللبائع أن يأخذ بمقدار ما باعه من سلعته مما خلطه به. وكذلك البَزُّ مثله؛ لأنَّ غرضه بالخلط لم يتغيَّر، وهو باقٍ كغرضه قبل الخلط، وكذلك غرض النّاس فيه مثله (٣). ••• [١٥٦٧] مسألة: قال: ومن فَلَّسَ وعليه طعامٌ وعروضٌ، فإنما يحاصُّ له بقيمة ذلك يوم يُشترى لهم، ويبيعوه بالفضل (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ من الغرماء إنّما يحاص له في مال المفلس بقدر ما له من الحق من عينٍ أو عرضٍ، ثمّ يُشْترى له العرض الذي يضرب بقيمته؛ لأنّه هو الذي يجب له على الغريم. •••

стр. 1433

[١٥٦٨] مسألة: قال: والأجير أولى بما في يديه من الزرع والحائط إذا فَلَّسَ صاحبه، فإن مات فالأجير أسوة الغرماء (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الاجير في الحائط والزروع بمنزلة بائع السلعة إذا وجدها عند المفلس أنّه أحق بها، فكذلك هذا الأجير؛ لأنَّ الزرع والنخل إنّما زاد أو وُجِد بعمله، فكان أولى به لوجود عين ماله. ولا يكون أولى به في الموت، كما لا يكون بائع السلعة أولى بها إذا مات المشتري، بل يكون أسوة الغرماء على ما بيَّنَّاه. ••• [١٥٦٩] مسألة: قال: والأجير الذي يبيع في الحوانيت أو يخدم، أسوة الغرماء (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذا الأجير ليس لعمله تأثيرٌ يحصل فيكون أحق به، كتأثير الذي يزرع أو يسقي الحائط أو يؤبِّر وما أشبه ذلك؛ لأنَّ من له تأثير عملٍ هو بمنزلة من وجد سلعته عند مفلسٍ، ومن لا تأثير لعمله فهو بمنزلة من لم يجد سلعته عند مفلسٍ، فهو أسوة الغرماء (٣). •••

стр. 1434

[١٥٧٠] مسألة: قال: وصاحب الأرض أولى بالزرع، حتى يستوفي كراء أرضه (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنّه بمنزلة من وجد عين ماله عند مُفلسٍ فهو أحق به؛ لأنَّ الزرع إنّما نبت عن أرضه، فهو كأنه سبب حدوثه، فأشبه ذلك من وجد عين ماله عند مفلسٍ فهو أحق به (٢). ••• [١٥٧١] مسألة: قال: ومن فَلَّسَ، ثمّ ثاب (٣) له مالٌ، فغرماؤه أسوةٌ. فإن لم يثب له مالٌ حتى داين آخرين فَفَلَّسَ، فقام به الأولون والآخرون، فإنَّ الآخرين أولى به (٤). • إنَّمَا قال: «إنَّ غرماءَه أولى بماله إذا ثاب له»؛ فلأنه ليس أحدهم أولى بأخذ ماله من الآخر، إذ حقوقهم كلهم واحدةٌ، لا فضيلة لأحدهم على الآخر في ذلك (٥). فإن داينه قومٌ آخرون بعد الأولين، ثمّ فَلَّسَ، كان الآخرون أولى بماله من

стр. 1435

الأولين؛ مِنْ قِبَل أنَّ هذا المال الذي هو في يده لغرمائه الآخرين دون الأولين، فكانوا أولى به؛ لقوة سببهم في أنَّ ذلك مالهم، أو حدث ذلك عن مالهم. وأشبه ذلك، من وجد سلعته بعينها عند مفلسٍ فهو أحق بها من سائر الغرماء؛ لقوة سببه. ••• [١٥٧٢] مسألة: قال: ومن دخلت عليه فائدةٌ من ميراثٍ أو عقلِ جرحٍ، تحاصَّ فيه الأولون والآخرون، وتبع الغرماء المفلس بما بقي من حقوقهم، إلّا أن يكونوا يوم حاصوه رضوا بماله فابتاعوه بيعاً فنقص عن حقوقهم، فلا يتبعونه (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ ما حدث له من فائدة ميراثٍ أو عقل جرحٍ، فغرماؤه فيه سواءٌ؛ لأنَّ أحدهم ليس أولى من الآخر. وليس هذا بمنزلة ما يداينه قومٌ بعد قومٍ، أنَّ الآخرين أولى؛ لأنَّ هؤلاء أحق بالمال الذي في يديه؛ إذ هو عين مالهم أو بدله، وليس كذلك ما كان من فائدة ميراثٍ أو عقل جرحٍ (٢). وقوله: «إنَّ الغرماء يتبعون المفلس بما بقي من حقوقهم»؛ فلأن حقهم باقٍ في ذمته، فلهم أن يتبعوه ويأخذوا ذلك من ماله إذا وجدوه، إلّا أن يكون رضوا منه بما أخذوه من المال، وكان أخذهم له على وجه بيع ما لهم عليه من الدَّين

стр. 1436

بالعرض الذي قد أخذوه، أو يكون على وجه الإبراء له، فليس لهم أن يتبعوه بعد ذلك بشيءٍ. ••• [١٥٧٣] مسألة: قال: ويُحبس المُوسِرُ في القضاء إذا لم يَقضِ، حتى يَقضي (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنّه متعدٍّ بترك قضاء الحق وأدائه إلى صاحبه إذا أمكنه ذلك؛ فليس يُتْرَك وذلك، بل يُؤخذ بدفعه إلى صاحبه، ويحبس حتى يقضيه. وقد حبس النبيُّ صلى الله عليه، فرَوَى معمر، عن بهز بن حكيم (٢)، عن أبيه (٣)، عن جده (٤): «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ» (٥). ورَوَى عبد الله بن المبارك، عن وَبْرِة بن أبي مليكة (٦)، عن محمد بن

стр. 1437

ميمون (١)، عن عمرو بن الشريد (٢)، عن أبيه (٣)، عن رسول الله ﷺ قال: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ»، قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: «يُحِلُّ عِرْضَهُ: يُغَلَّظُ لَهُ، وَعُقُوبَتَهُ: يُحْبَسُ لَهُ» (٤). ورَوَى النضر بن شميل (٥)، حدثنا هرماس بن حبيب (٦)، رجلٌ من أهل البادية، عن أبيه (٧)، عن جده، قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِغَرِيمٍ لِي، فَقَالَ لِي: الزَمْهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ، مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرِكَ؟» (٨). ••• [١٥٧٤] مسألة: قال: ولا يُحْبَس المعسر إذا ثبت عُسْرَتُه (٩).

стр. 1438

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، ولا يجوز حبس من قد أنظره الله تعالى. ولأنَّ صاحب الحق لا يستفيد بحبسه شيئاً، ويضرُّ به هو بانقطاعه عن معاشه وتصرُّفه (١). ••• [١٥٧٥] مسألة: قال: ومن اكترى ظهراً، فحمل عليها حمولةً وبرز بها، فهو أولى بها من الغرماء، إلّا أن يضمنوا له كراءَه في ثقةٍ وملاءٍ. وكذلك من تكارى دابةً أو استأجر أجيراً، فهو أولى بالدابة والعبد الذي بيده حتى يستوفي. وكذلك لو لم يقبضه حتى فَلَّسَ، كان أحقَّ به، وكذلك إذا كانت إبلاً بأعيانها (٢). • إنَّمَا قال ذلك كله؛ لأنَّ المكتري أقوى سبباً من غيره من الغرماء؛ لقبضه ما اكتراه من الدابة أو العبد، فصار أحق به، كالمرتهن أنّه أحق بالرهن؛ لقبضه له وحيازته من غيره من الغرماء. وكذلك الصُّنَّاع أولى بما في أيديهم مما قد عملوه في الموت والفَلَس؛

стр. 1439

لقوة سببهم بقبض الشّيء الذي عملوه، فجرى مجرى المرتهن لا مجرى من وجد عين ماله؛ لأنَّ هذا أحق في الفلس دون الموت على ما بيَّنَّاه. وقوله: «وكذلك لو لم يقبضه حتى فَلَّسَ كان أحقَّ به، وكذلك إذا كانت إبلاً بأعيانها»، يعني: أنَّ المكتري وإن لم يقبض حتى فَلَّسَ صاحب الظهر، وكذلك المشتري وإن لم يقبض السلعة، لهما حقٌّ بالعقد، فكانا أولى بما عقدا فيه بالشراء والكراء من سائر الغرماء، بمنزلة من وجب له ذلك بالقبض. ••• [١٥٧٦] مسألة: قال: ومن تكارى حانوتاً يبيع فيه، ثمّ فَلَّسَ، فصاحب الحانوت أسوة الغرماء، وكذلك المنزل يسكنه (١) (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ المال [ ..... ] (٣)، لأنهما وسائر الغرماء بمنزلةٍ لا فضيلة لهما عليهم؛ إذ لم يجدا عين أموالهما، ولا تأثير لِمَا اكترى منهم المفلس. •••

стр. 1440

[١٥٧٧] مسألة: قال: ومن قام عليه غرماؤه ففلَّسوه بغير سلطا [ن] (١)، ثمّ داينه آخرون، فهم أولى بما في يديه (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ المال الذي في يده للغرماء الآخرين؛ لأنّه عين مالِهِم أو بدل مالهم، فهم أولى بذلك من الغرماء الذين لا مال لهم في يده، ولا بدل مالهم. ••• [١٥٧٨] مسألة: قال: ومن اشترى أدماً (٣) وقَطَّعَها خِفافاً أو نِعالاً، فلا سبيل لصاحبه؛ للفوت الذي دخله (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ قَطْعَها وإزالتها عن حالها هو تغيير لها، وذلك فوتٌ، فليس له أخذها. ولا يشبه هذا بناء البقعة ونسج الغزل؛ لأنَّ عين الغزل باقٍ، وإنما ألَّفَ بعضه إلى بعضٍ، وكذلك عين البقعة باقيةٌ، وإنما جُعِل فيها غيرها، وقطع الأديم بمنزلة قطع الثوب، وذلك فوتٌ. •••
следующие страницы →