← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

[١٦٢١] مسألة: قال: وتجوز حمالة المرأة بغير إذن زوجها، ما بينها وبين ثلث مالها (١). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ المرأة لا يجوز لها أن تتصرف في مالها على غير وجه المعاوضة في أكثر من ثلث مالها، فلا تجوز حمالتها بغير إذن زوجها في أكثر من ثلث مالها؛ لأنَّ الحمالة: إخراج مالٍ على غير عوضٍ، وقد قال النبيُّ ﷺ : «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» (٢)، هذا معنى الحديث. ••• [١٦٢٢] مسألة: قال: ومن لزم رجلاً بحقٍّ له، فقال له رجلٌ: «أنا لك بمالك (٣)، فَخَرِّق الذِّكْرَ الحق (٤) واطلبني بما عليه» - من غير أن يكون تحولٌ على حقٍّ (٥) كان للغريم، إلَّا حَمَالَةً -، فشَقَّ الصحيفة واتبعه، وأفلس أو مات، فلا شيء له، فإنّه يرجع إلى غريمه الأول (٦).

стр. 1472

• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ هذه حمالةٌ وليست حوالةٌ؛ لأنَّ الحمالة هي وثيقةٌ وليس انتقالاً من دَينٍ إلى دَينٍ، والحوالة انتقالٌ من دَينٍ إلى دَينٍ، فللمتحمل له أن يرجع الى المُتَحَمَّلِ عنه فيطالبه إذا لم يعطه الحمِيل حقه؛ لأنَّ الحق لم يُنْقَل عنه إلى الحمِيل، وإنما الحمالة وثيقةٌ كالرهن أنَّ الدَّين لا ينتقل من ذمَّة الراهن إلى الرهن، وإنما الرهن وثيقةٌ به، وحكم الحمالة والكفالة والضمان حكمٌ واحدٌ، وهي ألفاظٌ مختلفةٌ لمعنى واحدٍ وحكمٍ واحدٍ. فأمّا الحوالة فهي مخالفةٌ للحمالة؛ لأنَّ الحوالة انتقالٌ من دَينٍ إلى دَينٍ، كأنَّ صاحب الدَّين باع دَينه الذي على زيدٍ بالدَّين الذي لزيدٍ على عمرٍو، فمتى مات عمرٌو أو فلَّس، لم يرجع على زيدٍ. ••• [١٦٢٣] مسألة: قال: والحمالة بِجُعْلٍ حرامٌ لا تحل (١). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الحمالة معروفٌ وفعل خيرٍ، ولا يجوز أن يأخذ الانسان عوضاً على شيءٍ يفعله على وجه المعروف والقربة إلى الله جَلَّ وَعَزَّ، كما لا يجوز أن يأخذ عوضاً على معروفٍ يأمر به أو منكَرٍ ينهى عنه، أو صلاةٍ يصليها، أو صومٍ يصومه؛ لأنَّ فعل هذه الأشياء قربةٌ إلى الله ، وليس طريقها المكسب للدنيا. •••

стр. 1473

[١٦٢٤] مسألة: قال: ومن تَحَمَّلَ لرجلٍ بدَينٍ، فهلك المتَحَمِّلُ، رجع صاحب الحق على غريمه (١). • إنَّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ الحمالة وثيقةٌ لصاحب الحق، بمنزلة الرهن هو وثيقةٌ للمرتهن، وليس هو انتقالاً من دَينٍ إلى دَينٍ، ولا من ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ، فمتى هلك الحمِيل، رُجِعَ إلى المُتَحَمَّلِ عنه، كما إذا تلف الرهن فللمرتهن أخذ حقه من الراهن، والله أعلم. ••• [١٦٢٥] مسألة: قال: ومن تَحَمَّلَ بوجهِ رجلٍ (٢) فخرج إلى سفرٍ، كان عليه أن يعطيه الحق. والحميل بالوجه إذا لم يأت به، حميلٌ بالحق، إلّا أن يشترط: «أَنِّي (٣) حميلٌ

стр. 1474

بوجهه، لستُ (١) من المال في شيءٍ»، فإن شرط ذلك فلا مال عليه (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ فائدة الحمالة إنَّما هي ليأخذ المُتَحَمَّلُ له الحق من الحمِيل متى لم يأت به، وذلك أن يغيب أو يهرب، وَإِلّا فلا فائدة للحمالة في المال، كما لا فائد للحمالة في الحدود والقصاص في القتل والجرح، ولم تجز الحمالة بها؛ لأنّه لا يجوز أن يُحَدَّ غير من لزمه الحد، وكذلك القتل، ثمّ لمّا جازت الحمالة في المال، دل أنَّ ذلك لأنّه يؤخذ من الحمِيل ما كان على المُتَحَمَّلِ عنه، إلّا أنْ يشترط الحمِيل أنّه إنَّما هو حميلٌ بالبدن دون المال، فلا يلزمه المال؛ لأنّه على ذلك دخل. ••• [١٦٢٦] مسألة: قال: وإذا تحملت المرأة بزوجها، ثمّ ادَّعَت الإكراه، فإنَّ ذلك يُكشف (٣) (٤). • إنَّما قال ذلك؛ لأنّه إذا ثبت أَنَّهَا أُكرِهَت على الحمالة لم يلزمها ذلك، كما لا يلزم المكره على البيع ما باع، وكذلك الطلاق وغيره. •••

стр. 1475

[١٦٢٧] مسألة: قال: وإذا تَحَمَّلَ الرجلان بالرجل: أيهما شاء أن يأخذ بحقه أخذه - من سلعةٍ باعها إياهما حيهما بميتهما -، فمات أحدهما (١)، فإنّه يأخذ حقه من ماله كله، ويتبع الورثة الآخر بما عليه إلى منتهى أجله، وليس لهم شيءٌ قبل ذلك. ولو أنَّ الميت لم يكن له مالٌ، لم يكن لصاحب الحق أن يأخذ من الباقي شيئاً حتى يحل أجله (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ أصل الحق قد وجب على الرجلين جميعاً، على كلّ واحدٍ منهما نصفه، ولزم كلّ واحدٍ منهما ضمان النصف الآخر الذي على صاحبه، فلصاحب الحق أن يطالب من شاء منهما إذا حل أجله. فإن مات أحدهما، كان لصاحب الحق أن يأخذ حقه كله من مال الميت، النصف بالذي عليه من أصل الحق، والنصف الآخر بما لزمه من الضمان عن صاحبه، فإن لم يكن له مالٌ، لم يكن لصاحب الحق أن يطالب الباقي بحقه حتى يحل أجله؛ لأنّه لم يجب عليه بموت صاحبه شيءٌ وإنما وجب على صاحبه بموته؛ لأنَّ الدَّين يحل على الميت، فأمّا الحي فلا يحل عليه حتى أجله، إلّا أن يفلس الحي فيحل عليه الدَّين. ومتى أخذ صاحب الحق من مال الميت كله، رجع ورثته على الآخر

стр. 1476

بنصف الحق يأخذونه منه إذا حل عليه؛ لأنهم إنَّما غرموا عنه، فلهم أن يرجعوا عليه فيأخذوه منه. ••• [١٦٢٨] مسألة: قال: ومن باع غلامه وانتزع ماله وعليه دَينٌ، وتحمَّل: «أن يأتي بعْضَ غرمائه بماله إذا طلبه، سالماً من كلّ علقٍ ينقص حقه»، فذلك حمالةٌ (١). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ سيد العبد الذي باعه قد تَحَمَّلَ بدَين العبد الذي عليه، فالحمالة لازمةٌ له لأرباب الدَّين، لأنَّه قد ألزم نفسه ذلك. ••• [١٦٢٩] مسألة: قال: ومن تَحَمَّلَ بكراءٍ، فأعطاه الكَرِيُّ دنانير وثيقةً من حمالته، فأفلس فأراد الغرماء يدخلون عليه، فليس ذلك لهم، وهو بمنزلة الرهن (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ المُتَحَمِّلَ بقبضه الدنانير قد صار بمنزلة المرتهن إذا قبض الرهن، فهو أولى به من سائر الغرماء؛ لقبضه الرهن وحوزه إياه، فكذلك

стр. 1477

هذا هو أولى بالدنانير؛ لقبضه لها وثيقةً بحقه الذي يجب له بالحمالة من سائر الغرماء. ••• [١٦٣٠] مسألة: قال: ومن كان له على رجلٍ حقٌّ، ثمّ باعه بيعاً وكتب على رجل حمالةً، أيهما شاء أن يأخذ بحقه أخذ، ثمّ مات فباع كلّ شيءٍ له فاستوفى ثلثي حقه، فسأله ورثته أن يحلله ففعل، ثمّ ذهب إلى الحمِيل يطالب، فقال: «قد أحْلَلْتَ الذي تَحَمَّلْتُ لك به، وليس لك شيءٌ»، فأرى أن يكون الذي وصل إليه من المالين جميعاً بالحصص، ويحلف بالله ما وضعت إلّا للميت، ثمّ يكون على حقه (١). • يعني: يكون على الميت حقان، حقٌّ بحمالةٍ وحقٌّ بغير حمالةٍ، فيُقْضَى بعض ذلك، فهو بالحصص، أعني: ما يقضيه أو يُقضى عنه، ويلزم الحمِيل ما يبقى من الحق الذي تَحَمَّلَ به بعد أن يحلف ربُّ المال أنّه ما وضع الذي وضعه إلّا من المال الذي هو بغير حمالةٍ؛ لأنَّ ما هو بحمالةٍ قد لزم الحمِيل، فليس يزول عنه بقوله بغير بينةٍ تقوم له، وعلى المُتَحَمَّلِ له اليمين؛ لأنَّ البيّنة على المدعي واليمين على المنكِر. ••• [١٦٣١] مسألة: قال: ومن تَحَمَّلَ لرجلٍ بحقٍّ، فأخَّره عند محل

стр. 1478

الأجل، فقال له الحمِيل: «قد انفسخت حمالتي»، فليس ذلك له، وهو حميلٌ كما هو يقول، إلّا أن يكون قام عليه (١). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ تأخيره الحق هو رفقٌ منه بالذي عليه الحق، لا إسقاطٌ منه له، فله أن يطالبه إذا انقضت مدَّة التأخير، وكذلك له أن يطالب الحمِيل بذلك. ألا ترى: أنّه لو أخَّرَ الحمِيلَ في المطالبة، لكان له أن يطالبه بعد ذلك، فكذلك إذا أخَّرَ صاحب المال، فله أن يطالبه، والحميل بذلك. وإنما يخرج الحمِيل من الحمالة بأداء الذي عليه الحق إلى ربه، أو إبراء ربه إياه منه، وأمّا تأخيره عليه فليس يُخْرِجُ الحمِيلَ من الحمالة؛ لأنَّ الحق باقٍ على الذي عليه الحق، كما لا يخرج الذي عليه الحق منه، والله أعلم. ••• [١٦٣٢] مسألة: قال: ومن تَحَمَّلَ فمات قبل الأجل، فدعا ورثتُهُ إلى وثيقةٍ بالحق، فأبى الغريم، فليس ذلك لهم، ويأخذ حقه (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الحق قد وجب في مال الحمِيل إذا مات، فللمُتَحَمَّلِ له أن يأخذه، وليس عليه أن يأخذ به وثيقةً، إلّا أن يحب ذلك. •••

стр. 1479

[١٦٣٣] مسألة: قال: وإذا كتب الرّجل حقه على الرجلين: «حيهما عن ميتهما، فأيهما شاء أن يأخذ أخذ»، فلا بأس بذلك. وليس له أن يعمد إلى أحدهما فيأخذه بماله كله وكلاهما حاضرٌ موسرٌ، فأمّا إذا كان معسراً أو غائباً فذلك له. فإن كان أحدهما غائباً فقام على الحاضر، فلم يجد عنده إلّا نصف الحق، فأخَّره السلطان بالنصف الآخر، ثمّ قدم الغائب، فله أن يأخذه بحقه كله (١). • إنَّما قال: «إنَّ حمالة الرجلين كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبه جائزةٌ»؛ فلأنه لا فرق أن يتحمل كلّ واحدٍ من الرجلين عن الآخر، أو يتحمل واحدٌ عن آخر من غير أن يتحمل عنه الآخر؛ لأنَّ ذلك كله إلزام الإنسان نفسه حقاً وضماناً به، فذلك لازمٌ له، كما قال النبيُّ ﷺ : «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» (٢). وليس له أن يطالب أحدهما دون الآخر إذا كان صاحبه موسراً؛ لأنَّ ذلك على وجه الإضرار به. وهذا هو على وجه الكراهة لا الواجب، فأمّا الواجب فله أن يطالب من شاء منهما بكل الحق، على ما بيَّنَّاه فيما تقدَّم. فأمّا إذا كان غائباً أو معسراً فله أن يطالبه بحقه كله، أو ما وجد عنده، ويأخذ ما لم يجد من صاحبه إذا قدم.

стр. 1480

وقوله: «وإن كان أحدهما غائباً،» يعني: أنَّ له إذا قدم الغائب أن يأخذه بحقه الذي أخَّره السلطان به الحاضر والقادم؛ لأنَّ على ذلك كتبا على أنفسهما، ثمّ يرجع المأخوذ منه الحق منهما على صاحبه. ••• [١٦٣٤] مسألة: قال: وإذا تحمَّلت المرأة عن ابن زوجها بدينٍ ورهنته بذلك عبداً لها عنه، فحل الأجل وهو غائبٌ، فتدفع ذلك بالسلطان أوثق لها، وإن دفعته بغير السلطان، أجزأها (١). • إنَّما قال ذلك؛ ليثبُتَ لها عند السلطان ما تدفعه من الحق، فترجع به على من تحملت عنه، وذلك أحوط لها. فإن فعلت بغير سلطانٍ جاز لها ذلك. وإنما هذا جواب مسألةٍ سُئل عنها مالك، فأشار بذلك. ••• [١٦٣٥] مسألة: قال: ومن أحال رجلاً على رجلٍ وهو مليءٌ أو مفلسٌ، قد عَلِمَ بفَلَسِه، ثمّ رضي به وبرَّأه منه، فليس له أن يرجع على صاحبه. وإن أحاله على مفلسٍ لا يعرفه، فإنّه يرجع عليه؛ لأنّه غره ولم يطَّلع منه على مثل ما اطلع هذا (٢).

стр. 1481

• إنَّما قال: «إنه لا يرجع المحتال في الحوالة على المُحِيلِ الذي كان عليه الدَّين، متى فلَّس المحتال عليه أو كان مفلساً فعلم به صاحب الحق - وهو المحتال -؛ لأنَّ الحوالة هي بيع دَينٍ بدَينٍ، باع صاحب الحق دَينه الذي له على زيدٍ بالدَّين الذي لزيدٍ على عمرو، فليس له أن يرجع على زيدٍ متى مات عمرو أو أفلس؛ لأنَّ حقه قد وجب على عمرو وفي ذمّته دون ذمة زيدٍ (١). وذلك مخالفٌ للحمالة والكفالة والضمان على ما ذكرناه؛ لأنَّ هذه وثيقةٌ وليس بيع شيءٍ بشيءٍ. فأمّا إذا غره بِفَلَسٍ فإنّه يرجع على من غَرَّهُ؛ لأنَّ ذلك عيبٌ لم يرض به صاحب الحق، كما يرجع المشتري على البائع بأرش العيب إذا دلَّس له بالعيب، أو يرد السلعة إن كانت باقيةً. والحوالة هي بيع دَينٍ بدَينٍ على ما ذكرنا، وهي مستثناةٌ من جملة الدَّين بالدَّين؛ لأنّها معروفٌ، كما كانت العَرِيَّةُ مستثناةً من المزابنة؛ لأنّها معروفٌ، وكما جاز قرض الدرهم بالدرهم إلى أجلٍ، وكذلك الطعام بالطعام؛ لأنَّ ذلك معروفٌ. وقد رَوَى مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه قال: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ، فَلْيَتْبَعْ» (٢). ولو جاز أن يرجع المحتال على المحيل، لَمَا كان لذكر الملاء وجهٌ إذا كان له أن يرجع إذا لم يحتل على مليء.

стр. 1482

فإن قيل: قد رُوِيَ عن عثمان في الحوالة أنّه قال: «يَرْجِعُ إِلَى مَنْ أَحَالَه، وَلَا تَوَىً (١) عَلَى مَالِ امْرِئ مُسْلِمٍ» (٢) (٣). قيل: هذا مرسلٌ عن عثمان (٤)، وإن صحَّ، فقد يجوز أن يكون أراد الحمالة، فنقله الراوي على لفظ الحوالة. ويجوز أن يكون أراد إذا غرَّه المحيل بِفَلَسٍ، فيطابِقُ ما رُوِيَ عن عثمان ما ذكرناه من شهادة الأصول بصحَّة ما قلناه. ورَوَى عبدة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن: «إِذَا احْتَالَ عَلَى مَلِيءٍ، ثُمَّ أَفْلَسَ بَعْدُ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ» (٥). ورَوَى أبو الأحوص، عن مغيرة (٦)، عن إبراهيم، قال: «كُلُّ حَوَالَةٍ تَرْجِعُ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَبِيعُكَ مَا عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَكَذَا، فَإِذَا بَاعَهُ فَلَا يَرْجِعْ» (٧).

стр. 1483

ورَوَى يحيى بن زكريا، عن ابن أبي غَنِيَّةَ (١)، عن الحكم (٢)، قال: «لَا يَرْجِعُ فِي الحَوَالَةِ إِلَى صَاحِبِهِ» (٣). وهذا قول جماعة علماء المدينة. ••• [١٦٣٦] مسألة: قال: ومن أحال رجلاً بدَينٍ له على مُكَاتَبِهِ، ففلس المُكَاتَبُ أو عَتَقَ أو مات، فإنّه يرجع إلى سيد المُكَاتَبِ، وإن أحاله في أول نجمٍ أو آخره، فذلك سواءٌ. وإنما الحَوْلُ (٤): أن يُحَوِّلَ الرجُلُ الرجُلَ على مالٍ له على الذي أحيل له، فذلك الحَوْلُ الذي لا يرجع (٥) به صاحبه على من أحاله. فإن كان إنَّما أحاله عليه ولم يكن له عنده شيءٌ فأفلس الذي أحيل عليه، فإنّه يرجع إلى صاحبه الذي أحاله؛ لأنَّ ذلك حمالةٌ وليس بحولٍ (٦). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ كتابة المكاتب ليست بدَينٍ لازمٍ؛ لأنّها تسقط بعجز

стр. 1484

المكاتب، والحوالة إنَّما تكون إذا أُحيل صاحب الحق على دَينٍ ثابتٍ، لا على حقٍّ غير ثابتٍ. وقد ذكرنا الفرق بين الحمالة والحوالة (١)، وأنه يَرْجِعُ في الحمالة الذي لم يعطه الحمِيل؛ لأنّها وثيقةٌ كالرهن، وأنه لا يرجع في الحوالة؛ لأنّها بيع دَينٍ بدَينٍ، إلّا أن يكون غرَّه بِفَلَسٍ فإنّه عيبٌ، كما يرجع المشتري في العيب على البائع. ••• [١٦٣٧] مسألة: قال: ومن كان عليه خمسون ديناراً، فأحيل عليه رجلٌ بمئةٍ، فخمسون حوالةً لا يرجع فيها، وخمسون حمالةً يرجع بها (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الحوالة إنَّما هي تحولٌ من دَيْنٍ إلى دَيْنٍ، فالذي تحول منه خمسون التي للمُحيل على المحتال عليه، وخمسون حمالةً، فيرجع بها إذا لم يُعطه الحمِيل، ولا يرجع بالحوالة؛ لأنّها وجبت للمحتال على المحتال عليه. •••

стр. 1485

باب المُوَلَّى عَلَيْهِ [١٦٣٨] قال: وما ادَّانَ به السفيه، فلا يلحقه ذلك إذا صلُحَت حاله، وذلك مخالفٌ للعبد (١). • إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ السفيه ممن لا تجوز عقوده وأخذه وإعطاؤه؛ لنقصه في نفسه، لا من أجل حقِّ غيره عليه، ولو لزمه ما استدانه إذا صَلُحَت حاله، لَمَا كان للحجر عليه فائدةٌ. فأمّا العبد، فإنّه لم يُحْجَر عليه من أجل نقصه، وإنما حُجِر عليه من أجل حق السيد، فإذا زال عنه حقُّ السيد لزمه ذلك. ألا ترى: أنَّ السيد لو أذِنَ له في ذلك للزمه، وليس يجوز ذلك في المحجور عليه، فافترقا لهذه العلة. واتبع العبد بما يستدينه، ولم يتبع المحجور عليه به إذا صلحت حاله؛ لأنَّ الذي داينه أتلف ماله (٢). •••

стр. 1486

[١٦٣٩] مسألة: قال: ومن أراد أن يحجر على ولِيِّهِ، فَلْيَحْجُرْ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، حتى يوقفه للناس ويُسْمَعَ به في مجلسه، ويُشْهِدُ على ذلك، وَيَرُدُّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا بُويِعَ به (١). • إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنْ يشتهر أمره ويعرِفُ النّاس حالَه، فيمتنعوا من معاملته ومداينته، فيجب أن يكون ذلك عند الحاكم؛ ليُظْهِره ويُشْهِره في مجلسه وغيره؛ لأنَّ في ذلك احتياطاً له ولغيره من الناس. ••• [١٦٤٠] مسألة: قال: وإذا مات المُوَلَّى عَلَيْهِ وقد ادَّانَ، فلا يقضى عليه، وهو في موته بمنزلته في حياته، إلّا أن يوصي بذلك في ثلثه، فيكون ذلك له إذا بلغ مثله الوصية (٢). • إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ المُوَلَّى عَلَيْهِ ليس ممن يُدَايَنُ مِثْلُهُ، فمن داينه فقد أتلف ماله إن كان عالماً بأنه مُولَّى عليه، أو قَصَّر في تركه تَعَرُّفَ ذلك إن لم يعلم، ولو لزمه ما استدانه، لَمَا كان للحجر عليه فائدةٌ. فأمّا وصيته بذلك في ثلثه، فإنّه يجوز إذا كان صحيح التمييز، كما تجوز وصية الصبي إذا كان مثله يميز وكان ذلك في ثلثه؛ لأنّه لمّا جاز أن يوصي بثلثه

стр. 1487

ابتداءً لمن لم يأخذ منه شيئاً وينفُذُ ذلك، جاز أن يوصي به لمن أخذ منه شيئاً على وجه الدَّين، والله أعلم. ••• [١٦٤١] مسألة: قال: وإذا بلغ الولد، فله أن يخرج عن أبيه وإن كان أبوه شيخاً ضعيفاً، إلّا أن يكون الابن مُوَلَّى عليه أو سفيهاً أو ضعيف العقل يُخاف عليه، فلا يكون ذلك له (١). • إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ الابن إذا بلغ فقد ملك أمر نفسه وتدبيرها، وكذلك تدبير ماله إذا كان رشيداً مميزاً، فله أن يفعل ما شاء في نفسه وماله إذا كان مما يجوز فعله، وله أن يخرج عن أبيه وينفرد بنفسه. فإن كان سفيهاً أو مُوَلَّى عليه، فإنّه لا يجوز أن يخرج عن ولاية أبيه وحجره؛ لأنّه ليس بأهلٍ أنْ يلي نفسه وماله، لأنَّ الحجر يزول عن الإنسان بالبلوغ مع إيناس الرشد، وذلك هو التمييز والصلاح في التّصرف في المال دون الفساد والتبذير، وقد قال الله : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥]، أي: أموالهم، بدلالة قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾،

стр. 1488

وإنما يزول السفه بالبلوغ والرشد، يعني (١): البلوغ، وإذا لم يكن كذلك، لم يجز دفع المال إليه؛ لأنّه في الحجر بَعْدُ، وكذلك لا يجوز له أن يخرج عن ولاية أبيه. ولهذا المعنى قال مالك: «إنَّ الحجر على السفيه واجبٌ وإن كان بالغاً، إذا كان مبذراً لماله غير رشيدٍ فيه» (٢)؛ لأنَّ المعنى الذي من أجله وجب أن لا يُدْفَع المال إلى الصغير والمجنون هو السفه وأنَّه ليس رشيداً لماله والتصرف فيه، فإذا وُجِدَ ذلك في الإنسان بعد بلوغه وجب الحجر عليه؛ لأنَّ في ذلك معونةً على الخير ومنعاً من الفساد، وقد قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. ••• [١٦٤٢] مسألة: قال: وإذا تزوَّجت المرأة بالبلد وولدت، فأراد أبوها الخروج بها وكرهت فراق ولدها، فذلك لها، وليس ذلك لأبيها (٣). • إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّها إذا تزوجت ودخل بها زوجها وكانت صحيحة العقل والتمييز، فقد خرجت من حجر الأب، وملكت نفسها ومالها والتصرُّف فيهما، فلها أن تقيم حيث شاءت، وتخرج حيث شاءت، وليس لأبيها منعها من ذلك؛ لأنّها قد خرجت عن حجره. فإن كانت سفيهةً فلأبيها منعها من ذلك؛ لأنّها في حجره.

стр. 1489

وكذلك له منعها من مالها حتى يُؤْنِسَ رُشْدَهَا بتمييزها وعقلها، فيكون ذلك لها. ••• [١٦٤٣] مسألة: قال: ومن تصدق على أمِّهِ وهو مُوَلَّى عليه بدارٍ حياتَهَا، ثمّ مَرْجِعُها إليه، فأجاز ذلك وليه، فلا يجوز ذلك، وليس ذلك له، ولا ينبغي أن يُشْهَدَ عليه، ومن شهد على ذلك فليمح شهادته، وإن أبوا ذلك، فليرفعه إلى السلطان حتى يرده أو يجيزه (١). • إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ المُوَلَّى عَلَيْهِ لمّا لم يجز له التّصرُّف في ماله على وجه المعاوضة، كان تصرُّفه على غيرها أولى، وسواءٌ وهب ذلك لأمِّهِ أو غيرها من ذوي أرحامه، لا يجوز له ذلك، ولا تجوز الشّهادة عليه، ولا للحاكم أن ينفذ ذلك، إلّا أن يرى له وجهاً، بأن تكون الأم محتاجةً إلى مال ابنها المحجور عليه، فيجيز لها الحاكم ذلك؛ لحاجتها إليه؛ لأنَّ كفايتها لقوتها وكسوتها ومسكنها واجبٌ لها في مال ابنها، محجوراً عليه كان أو غير محجورٍ. ••• [١٦٤٤] مسألة: قال: ومن ولَّاه السلطان كبيراً ضعيف العقل وهو كثير المال، وفرض له نفقته، وهو يخرِجُ له جوائز وأعطيةٌ، فلا ينبغي أن يعطيه منها شيئاً إلّا بالسلطان (٢).

стр. 1490

• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ السفيه لا يجوز دفع شيءٍ من ماله إليه، من أي وجهٍ حدث له مالٌ، بل يُنْفَقُ عليه حسب كفايته وحاجته، ولا يجوز له أن يدفع إليه شيئاً يستغني عنه؛ لأنَّ في ذلك إتلاف ماله، ولا يجوز لمن يلي سفيهاً أنْ يُتلف شيئاً من ماله، فمتى فعل ذلك، لزمه غُرْمه. ••• [١٦٤٥] مسألة: قال: وإذا رأى الولي من يلي عليه يبيع ويشتري، فليس على الولي في ذلك شيءٌ يَلْزَمه (١) (٢). • إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ المُوَلَّى عَلَيْهِ لا يجوز بيعه وشراؤه، قد عُلِمَ ذلك من حاله، فمتى باعه أو اشترى منه، فقد أتلف ماله، وليس سكوت وليه رضاً بذلك؛ لأنَّ من عرف حاله وجب عليه امتناعه من ذلك، وإن لم يعرف حاله، وجب عليه تَعَرُّفَهَا. ••• [١٦٤٦] مسألة: قال: وإذا تجر المُوَلَّى عَلَيْهِ في السوق وماله بيد وصيه، ولا يُعْرَف منه إلّا خيراً، ويكون وصيه قد أراد أن يختبره، فيدَّانُ دَيناً، فإنَّ ذلك يبطل عنه وإن كان وصيه قد خلَّى بينه وبين التجارة، إذا كان ماله بيد غيره (٣).

стр. 1491

• إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنّه لا يخرج من الحجر الذي هو عليه إلّا بفك الحاكم عنه ذلك ودفعه ماله إليه وإذنه له في التصرُّف، واختبار الوصي إياه بإذنه في البيع والشراء ليس فكاً لحجره مما داين قبل زوال الحجر. ••• [١٦٤٧] مسألة: قال: وإذا كان للموَلَّى عليه أختٌ فتزوجت، فأراد صلتها، فلا يُخلَّى بينه وبين ذلك، ولا ينبغي له أن يجيز ذلك له (١). • إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ المُوَلَّى عَلَيْهِ لا يجوز له التّصرُّف في ماله بإخراجه بعوضٍ وغير عوضٍ على وجهٍ، إلّا بإذن من يليه، فمتى فعل ذلك، كان لمن يليه رَدُّ ذلك، ولو جاز فعله، لَمَا نفع الحجر عليه شيئاً، ولا كان في ذلك حفظ ماله. ••• [١٦٤٨] مسألة: قال: وإذا كسب المُوَلَّى عَلَيْهِ مالاً بيده، نزعه منه وليه، وإنْ كان كَسَبَهُ وسعى فيه (٢). • إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ المُوَلَّى عَلَيْهِ يجب منعه من ماله كله وتصرُّفه فيه، سواءٌ كان ذلك من كسبه، أو غير ذلك من وجوه الفوائد؛ لأنّه غير موضعٍ لحفظ ماله وكونه في يده وتصرُّفه فيه؛ لأنَّ ذلك سببٌ لإتلاف ماله الذي قد أُمِرنا

стр. 1492

بحفظه عليه، بقوله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء:٥]. ••• [١٦٤٩] مسألة: قال: وإذا باع المُوَلَّى عَلَيْهِ ثوباً بثلاثين درهماً، ثمّ باعه المشتري بأكثر، ثمّ باعه الذي اشتراه أيضاً بأكثر، ثمّ صبغه الآخر بدينارٍ، فيُقَوَّمُ على المبتاع أيضاً بغير صبغٍ، ويترادَّان الأرباح فيما بينهم، ولا يكون لأحدٍ في ذلك ربحٌ، وما أخذ اليتيم من ذلك بطل عنه (١). • يعني: أنهم يتراجعون فيما بينهم بالثمن، ويُؤخذ الثوب إذا كان باقياً؛ لأنّه لم يزل عن ملك المُوَلَّى عَلَيْهِ ببيعه إياه. وإن كان قد تلف، كان على الذي تلف عنده قيمته إذا كان تلفه بصبغه. ولا يلزم المحجور عليه شيءٌ في ماله؛ لأنَّ من اشتراه منه أتلف ماله بدفع المال إلى من لا يجوز له دفعه إليه وشراؤه ممن لا يجوز شراؤه منه. وإن كان قد صبغه أحدٌ منهم [ ....... ] (٢) حقه الذي وجب له في مال المحجور عليه، وإنما يمنع من حق المحجور عليه وماله دون ما زاد عليه. •••

стр. 1493

[١٦٥٠] مسألة: قال: وإذا تكارى المُوَلَّى عَلَيْهِ الدابَّة فتعدَّى عليها فتلفت، فلا ضمان عليه (١). • إنَّمَا قالَ ذلك؛ لأنَّ الذي أكرى دابته من المُوَلَّى عَلَيْهِ هو الذي أتلفها حيث سلَّطه عليها وائتمنه عليها، فلا يلزم المُوَلَّى عَلَيْهِ قيمتها في ماله ولا كراؤها؛ لأنَّ ربها أتلفها بدفعها وكرائها ممن لا يجوز له كراؤها منه ولا ائتمانه عليها لحفظها، فمن قِبَلِه أتي؛ لأنّه لا يخلو أن يكون عالماً بحاله، فقد اختار إتلاف ماله، أو غير عالمٍ، فقد قصر بترك تعرفه، وذلك فمن قِبَلِهِ أُتِيَ في إتلاف ماله في الوجهين جميعاً. •••

стр. 1494

باب ما جاء في الديون [١٦٥١] قال: وإذا ادَّان العبد بغير إذن سيده، ثمّ عَتَقَ، لحقه ذلك إذَا لم يكن السيد ردَّهُ عنه (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ العبد إنَّمَا مُنِعَ من الدَّين بغير إذن سيده؛ من أجل حق سيده؛ ولئلا يخرج ماله عن يده إلَى غير من يأذن له سيده في ذلك. ولا تلزم ذمَّته ديناً أيضاً إلَّا بإذن سيده؛ لأَنَّ في ذلك كله ضرراً على سيده، وله أنْ يزيل الضرر عنه بإبطال ذلك من ذمَّة عبده، فَإِنْ لم يبطله حتى عتق كان الدَّين في ذمّته كما كان؛ لأَنَّ حق سيده قد زال من رقبته وماله. وليس يشبه العبد في هذا الحرَّ السفيه إذَا ادَّان بغير إذن وليه؛ لأَنَّ السفيه إنَّمَا مُنِع من أجل نقصٍ في نفسه، فلا يلزمه ما استدان بوجهٍ؛ لأَنَّ من داينه قد أتلف ماله، والعبد لم يُمنع من أجل نقصه في نفسه وقلة تمييزه، وإنَّما منع من أجل سيده، فإذا زال حق سيده كان الدَّين ثابتاً عليه (٢). ••• [١٦٥٢] مسألة: قال: ومن مات أو فَلَّسَ، فقد حلَّ دينُهُ (٣).

стр. 1495

• إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الميت قد زال ملكه عن ماله بالموت، ووجب قَسَمُ ماله بين ورثته، وكان الدَّيْنُ مُقَدَّماً على الميراث؛ لأنَّه أولى من الميراث. وكذلك المفلس يَحِلُّ ما عليه؛ لأَنَّ الغرماء إنَّمَا رضوا بدينهم أن يكون في ذمَّةٍ غير مُعَيَّبةٍ، وأن يكون ذلك على ثقةٍ وملاءٍ، فإذا فلَّس فقد حدث عيبٌ لم يرضوا به، فوجب تفرقة ماله عليهم. وقد خلع النبيُّ ﷺ معاذاً من ماله، وقسمه بين غرمائه (١). ••• [١٦٥٣] مسألة: قال: ومن غاب وله مالٌ حاضرٌ، فيريد الغرماء اقتضاء حقوقهم من ماله، ويُخَافُ أن يكون عليه دَينٌ لغيرهم، فيباع لمن قام بحقه ولا يؤخَّر لاستبراء دَينه، إلَّا أن يكون دَيناً معروفاً، وليس الحي كالميت، لأنَّ الحي تبقى ذمَّته. وإن كان إنَّمَا مات: (وكان معروفاً بالدَّيْنِ في ظاهر معرفة النّاس به، لم يُعَجَّل في أمره حتى يُستبرأ. (وإن كان غير معروفٍ، قُضِيَ حقه ولم يُنْتَظَر. وإنْ كان معروفاً بالدَّيْنِ لا يُجْهَلُ، فباع الورثة ماله واقتسموا ثمّ طرأ دَينٌ، فَإِنَّ الغرماء يأخذون ما وجدوا، ويَتْبَعُ المشتري الورثة.

стр. 1496

وإن كان دخل شيئاً من ذلك نماءٌ أو نقصانٌ، فأَحَبَّ الذي ابتاع ذلك الرقيق أن يؤدي قيمته يوم قبضه، كان ذلك له. وأمَّا الذي لا يُعرفُ بالدَّيْنِ، فإنما يَتْبَعُ الغرماءُ الورثةَ بثمن ما باعوا (١). • إنَّمَا قال: «إنَّه يُباع من مال الغريم لمن قام بحقه من غرمائه ولا يؤخَّر»؛ لأَنَّ القضاء على الغائب واجبٌ عنده، ودَفْعُ الحق إلَى من يطلُبُه أيضاً واجبٌ. فعلى الحاكم أن يبيع مال الغريم ويدفع إلى صاحب الحق حقه إذَا لم يعلم أنَّ على الغريم حقاً غيره. فمتى كان عليه دَينٌ لغيره، تثبَّتَ في ذلك حتى ينكشف له، ويقف على مقدار الديون التي عليه، فيعطي كلّ واحدٍ من الغرماء ما يصيبه في المحاصة. وكذلك يُفْعَل في مال الميت، بل الميت أولى بالتثبيت في أمره وأن لا يُقضى غرماؤه حتى يُجمَعَ مالُهُ ويُنظَرَ ما عليه من الدَّين، ثمّ يُقضى كلّ واحدٍ دَيْنَه على ما يصيبه في المحاصة؛ لأَنَّ ذمَّة الميت قد بطلت، والمفلس فذمَّته باقيةٌ، فمتى طرأ غريمٌ، رجع إلَى ذمَّة الغريم، وليس كذلك الميت، فكان الميت في أمره أولى. ويفعل الحاكم في ذلك كله حسب ما يعلم من حال الميت والمُفلِسِ، وهل هو ممن عليه دَينٌ أو ممن كان يُداين النّاس أم لا، فيعمل في ذلك كله ما يؤدي إِلَيْهِ الاجتهاد من الصلاح في مقدار التوقف والتثبت على ما فسر مالك.

стр. 1497

وقوله: «فَإِنْ كان معروفاً بالدَّين لا يُجْهل، فباع الورثة ماله واقتسموا ثمّ طرأ دَينٌ، فإنَّ الغرماء يأخذون ما وجدوا بغير ثمنٍ يدفعونه إلَى المشتري»؛ فلأنَّ الورثة في بيعهم مالَ الميت مع عِلمِهِم بالدَّين الذي عليه مُتَعَدُّونَ؛ لأنهم فعلوا ما لا يجوز لهم فعله من بيع ماله وعليه دَينٌ إذَا لم يقضوا دينه منه. وقوله: «فإن تغير ما اشتراه في يد المشتري فله أن يدفع قيمة ذلك إلَى الغرماء يوم قبضه»؛ فلأنَّ المشتري له شبهة ملكٍ، فإذا فات الشّيء في يده أو تغير في بدنه فعليه قيمته يوم قبضه. فأمّا إذَا كان الميت ممن لا يُعرف بالدَّين، فَإِنَّ الورثة باعوا ولهم أن يبيعوا في الظاهر، فهم غير متعَدِّينَ ولا غاصبين، فكان بيعهم جائزاً، وليس للغرماء فسخ ذلك ولا أخذ ما باعوه، وذلك بمنزلة الحاكم إذَا حكم بشيءٍ يجوز له أن يحكم فيه، ثمّ يتبين غيره من الحكام أنَّ الحق في غيره، فليس له نقض ما حكم الأول إذَا لم يكن خطأً بيِّنَاً، فكذلك ليس للغرماء أن يبطلوا بيع الورثة؛ لأنهم باعوا ما لهم بيعه. ويَتْبَعُ الغرماء الورثة بثمن ما باعوا؛ لأنهم لا يرثون مع الدَّين حتى يُقْضَى الدَّين قبل، فكان لهم أن يأخذوا ثمن ما باعوه؛ لأنهم أولى به منهم، ويَتْبَعُوهم في ذممهم إن كان قد تلف، والله أعلم. ••• [١٦٥٤] مسألة: قال: ومن هلك وترك عيناً وعرضاً ودَيناً، لا يُدرَى كم الدَّين ولا كم المال، فيريد بعض الورثة أن يحتمل للغرماء بالدَّين

стр. 1498

ويُخَلُّوا بينهم وبين ما ترك، فلا بأس بذلك، إنْ كان فيه فضلٌ كان للورثة، وإن كان فيه نقصانٌ كان عليه ويكون نقداً، فلا بأس به. وإن كان يكون له الفضل وعليه النقصان ويكون فيه تأخيرٌ، فلا خير فيه. وقد قيل: إنَّ ذلك وإن تأخر فلا بأس به، وكلٌ واسعٌ لمن عمل به إن شاء الله (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الفضل إذَا كان للورثة والنقصان على الوارث الغريم، فهذا ضربٌ من الرفق بالورثة، وذلك جائزٌ؛ لأنَّه لم يختر به نفعاً، وإنما فَعَل معروفاً، والمعروف فيجوز فيه ما لا يجوز في المتاجرة والمكايسة وطلب الفضل. ألا ترى: أنّه يجوز قرض الدرهم بالدرهم والطعام بالطعام إلَى أجَلٍ على وجه القرض؛ لأنَّه معروفٌ، ولا يجوز على وجه البيع؛ لأنَّه متاجرةٌ، وكذلك الحوالة؛ لأَنَّ ذلك معروفٌ، وهي مخصوصةٌ من الدَّيْنِ بالدَّيْنِ. فأمّا إن كان الفضل للحميل والنقصان عليه، فذلك مكروهٌ؛ لأنَّه إنّما أخَّرَهم للانتفاع بالمال مدَّة التأخير ليجمعوا له ماله، وذلك قرضٌ جر منفعةً، وهو مكروهٌ. ووجه إجازته ذلك وإن تأخر؛ فلأنَّ الدَّين ليس في ذمَّة الورثة حتى إذَا

стр. 1499

أخرهم به لمنفعةٍ له من جمعهم المال أو غيره كان مكروهاً، وإنَّما يكره ذلك فيما بين الغريم والذي عليه المال في ذمَّته، وأمّا فيما بينه وبين غيره فلا بأس. ومعنى آخر، وهو أنَّ عين المال الذي خلَّفَه الوارث ليس هو للغرماء لا محالة؛ لأَنَّ الورثة لو قضوا الغرماء دَينهم من غيره جاز، فكأنه لم يؤخِّر مالاً له لا محالة، كما يؤخِّر الدَّين الذي له لا محالة لمنفعةٍ ما، فيكون غير جائزٍ. ••• [١٦٥٥] مسألة: قال: وإذا هلك رجلٌ وله دَينٌ فيه شاهدٌ، وعليه دَينٌ (١)، فحلف الغرماء فاستحقوا، فليس للورثة أن يحلفوا على الفضل؛ لأنهم تركوا الأيمان، إلَّا أنْ يقولوا: لم نعلم أنَّ لصاحبنا فضلاً، فَإِنْ عُلِمَ ذلك حلفوا وأخذوا ما فضل (٢). • إنَّما أجاز للغرماء أن يحلفوا؛ لأنهم يستحقون الدَّين، فهم بمنزلة الورثة، بل هم أولى بمال الميت من الورثة حتى يأخذوا دَيْنَهم، فجاز لهم أن يحلفوا إذَا لم يحلف الورثة؛ لئلا تبطل حقوقهم التي على الميت؛ وليأخذوا ذلك من دَينه. فَإِنْ فضَلَ عن دينهم شيءٌ لم يكن للورثة أن يحلفوا عليه؛ لأنهم لمّا امتنعوا من اليمين كانوا بمنزلة من يقول: «إنَّه لا حق له على زيدٍ»، ثمّ ادَّعَى عليه ذلك

стр. 1500

الحق، فقوله غير مقبولٍ؛ لأنَّه يُكَذِّبُ نفسه، إلّا أنْ يقول الورثة: «لم نعلم أنَّ لنا فضلاً عن الدَّين فنحلف»؛ إذ لا فائدة لنا في يمينٍ لا نستحق بها شيئاً، فإذا عُرِف وجه قولهم هذا كان لهم أن يحلفوا ويستحقوا ما فضل؛ لأَنَّ لتركهم اليمين وجهاً. ••• [١٦٥٦] مسألة: قال: ومن قضى بعض غرمائه، فقام عليه الآخرون، فليس ذلك لهم (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ له أن يقضي بعض غرمائه دون بعضٍ، كما أنَّ له أن يبيع ويشتري ويتصرَّف في ماله إذَا لم يتلف. وهذا كله قبل أن يُفَلِّسَه الغرماء؛ لأَنَّ تصرُّفه قبل ذلك جائزٌ في القضاء والاقتضاء. ••• [١٦٥٧] مسألة: قال: ومن هلك وعليه دَينٌ، فاقتسم الغرماء ماله، ثمّ طرأ غريمٌ، فإنّه يرجع على أهل الدَّين بمقدار ما يُصيبُ كلَّ واحدٍ منهم. فَإِنْ كان بعضهم مَلِيَّاً وبعضهم مُعْدَماً، لم يرجع على المليء إلَّا بقدر

стр. 1501

ما كان يُصيبُه مع أصحابه لو وجدهم أملياء كلهم، ويَطلُبُ المعدَمين بما صار عليهم (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الغريم الذي طرأ، له من الحق في مال الذي عليه الدَّيْنِ مثل ما للغرماء الذين أخذوا دَيْنَهم من ماله؛ لأنَّه لو كان حاضراً لأخذ معهم ما يصيبه في المحاصة، وغيبته لا تُبطل حقه، فوجب أن يرجع على كلّ واحدٍ من الغرماء بمقدار ما كان يصيبه فِي المُحَاصَّةِ أنْ لو كان حاضراً معهم، يرجع على المليء بقدر ذلك، وعلى المعسر بقدره ويَتْبَعُه في ذمَّته؛ لأنَّه لا يجوز له أن يأخذ أحدهم بما يجب على الآخر، إلَّا أنْ يرضى بذلك أحدهم ويتبرَّع به، فيجوز ذلك. ••• [١٦٥٨] مسألة: قال: وإن كان الغرماء اقتضوا ديونهم وافيةً، وفَضَلَ فَضْلُ ماله يكون مقدار دَين الغريم الذي طرأ، فاستهلك ذلك الورثة، ووجَدَ الغرماء مياسير، فلا يتبعهم بشيءٍ (٢). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الغريم الذي طرأ لو كان حاضراً لأخذ الغرماء مثل ما كانوا أخذوا؛ لأنهم إنَّمَا أخذوا مقدار حقوقهم، فلا حجة لهذا الغريم الذي حضر على الذين أخذوا قدر حقوقهم؛ لأنهم قد تركوا في يد الورثة مقدار دَين

стр. 1502

الغريم الغائب أو أكثر منه، فليس له أن يتبعهم بدَينه؛ لأَنَّ دَينه على الميت كانَ، ثمّ صار في ماله دون مال سائر الغرماء ودون ذممهم. وليس على الغرماء أن يتوقَّفُوا عن قبض حقوقهم لغيبة غريمٍ آخر، أو لجواز أن يكون غريمٌ لا يُعْلَمُ به؛ لأَنَّ في ذلك إضراراً بهم. فإذا كان هذا هكذا، لم يجر للغريم أن يتبعهم بما أخذوه، ولكنه يتبع الورثة؛ لأَنَّ الورثة لا يستحقون شيئاً مع بقاء الدَّين، والغرماء يستحقون مع الدَّين، والله أعلم. ••• [١٦٥٩] مسألة: قال: وإنْ كان الذي فضل في أيدي الورثة بمقدار نصف دَين الذي طرأ، ثمّ وجدهم معدَمين، فإنّه يتبع الغرماء بنصف دَينه بقدر ما يُصيبُ كلَّ واحدٍ منهم، يأخذ من الموسر ويَتْبَع المعدم (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأنهم أخذوا زيادةً على ما كان يصيبهم فِي المُحَاصَّةِ لو كان حاضراً؛ فوجب عليهم أن يدفعوا إلَى الغريم نصف دَينه، يأخذ ذلك منهم ويَتْبَعُهُم في ذممهم بقدر ما أخذ كلّ واحدٍ منهم. ويتبع الورثة بنصف دينه الآخر؛ لأنهم أخذوا ما لم يستحقوه؛ لأَنَّ الدَّين مقدَّمٌ على الميراث، على ما بيَّنَّاه. •••

стр. 1503

[١٦٦٠] مسألة: قال: وإذا هلك الرّجل فاقتسم الورثة ميراثه، ثمّ طرأ دَينٌ، فوَجَدَ بعضهم قد أفلس، فإنّه يأخذ ممن وجد منهم ملياً دَيْنَهُ، ويَتْبَعُ أصحابه بما أُخِذَ منه؛ لأنَّه لا يرث أحدٌ منهم وعلى الميت دَينٌ (١). • قد ذكر مالك العلة في ذلك، وهو قوله: «لأنّه لا يرث أحدٌ منهم وعلى الميت دَينٌ»، فكان ما أخذه الورثة فهم غير مستحقين لأخذه حتى يُقضى الدَّين، فللغريم أن يأخذ حقه منهم أو ممن وَجَدَ منهم ملياً؛ لأنَّه لا يرث أحدٌ قبل قضاء الدَّين شيئاً، فكان أَخْذُهُم غير جائزٍ وقسمتهم باطلةٌ، والمال على ملك الميت حتى يُقْضى دينه، ثمّ يقتسمون ما فضل بعد الدَّين والوصية إن كانت. ولا يشبه هذا الغريمَ إذا طرأ وقد فُرِّقَ مال الميت أو المفلس على الغرماء، أنّه يأخذ من كلّ واحدٍ بقدر دَينه ولا يأخذ دَينه كله من المليء دون المعدَم؛ لأَنَّ الغريم الغائب لو كان حاضراً لأخذ كلّ الغرماء معه ولم يكن هو أولى منهم، فوجب أن يستووا كلهم في مال الميت أو المفلس على قدر حقوقهم، ويَتَحَاصّون فيه من غير تَقْدُمَةِ أحدهم على الآخر. وليس كذلك الورثة مع الغرماء؛ لأنهم لا يأخذون مع الغرماء شيئاً إذَا كان الدَّين بقدر التركة أو أقل، فوجب أن يأخذ الغريم من الورثة كلهم أو من لحق منهم موسراً، ثمّ يَتْبَعُ الورثة بعضهم بعضاً، أعني: أنَّ الموسر الذي أُخِذ الدَّين منه يرجع على غيره من الورثة بمقدار ما كان يَحُصُّه، فيتبعه به في ذمَّته؛ لأَنَّ أحد

стр. 1504

الورثة ليس هو أحق بالميراث من الآخر، كما أنَّ أحد الغرماء ليس هو أولى بمال الميت والمفلس من الآخر. ••• [١٦٦١] مسألة: قال: ومن كان عليه دَينٌ، فإذا دنا حلوله وأراد سفراً، فليس ذلك له إلَّا بحميلٍ، إلَّا أن يكون سفراً يأتي في مثله إلَى ذلك الأجل، فلا يُعرَض له (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأنّه معلومٌ أنَّ الحق يحل عليه قبل رجوعه، إذَا كان سفراً لا يرجع في مثله حتى يحل الحق، فليس له أن يخرج بغير حميلٍ؛ لأَنَّ صاحب الحق لا يمكنه أخذ حقه منه وهو غائبٌ، فعليه أن يقيم له من يأخذ حقه منه. فإذا كان سفراً يرجع في مثله قبل حلول الحق، لم يُمنع منه؛ لجواز أن يرجع قبل حلول الأجل. ••• [١٦٦٢] مسألة: قال: ومن ابتاع من رجلٍ طعاماً ونقده، ثمّ مات قبل أن يقبضه، فوثب عليه الغرماء، فهو أحق به منهم (٢). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ المشتري قد ملك الطعام باشترائه إياه وصار له وإن

стр. 1505

لم يقبضه، وسواءٌ مات البائع قبل قبض المشتري له أو أفلس، فالمشتري أولى به؛ لملكه إياه. وليس لغرماء البائع أخذه بدينهم؛ لأنَّه قد صار ملكاً للمشتري قبل أن يتعلق للغرماء فيه حقٌّ بموت البائع أو الفلس. ••• [١٦٦٣] مسألة: قال: ومن هلك وعليه ألف دينارٍ دَينٌ، وترك ابناً له، ولم يترك إلَّا ثلاثمئة دينارٍ، فقال ابنه: «أنا أضمن لكم جميع دَين أبي، وخلوا بيني وبين هذه الثلاثمئة سنتين»، فلا بأس بذلك (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ هذا لا يجري مجرى قرضٍ يجر نفعاً؛ لأَنَّ للابن مُلكاً في مال أبيه، وإن كان عليه دَينٌ. ألا ترى: أنَّ له أن يقضي دَين أبيه من غير مال أبيه، وليس للغرماء أن يعترضوا عليه في ذلك، فثبت بهذا أنَّ له شبهة ملكٍ في الثلاثمئة، فجاز أن يقضي دَين أبيه من غيرها بعد مدَّةٍ، ولم يكن في ذلك قرضٌ يجر منفعةً؛ لأنهم لم يقرضوه شيئاً، ولا أخَّروا عنه دَيناً هو في ذمَّته لزيادةٍ ما فيكون مكروهاً. ••• [١٦٦٤] مسألة: قال: ومن هلك وترك ابناً وخادماً (٢)، فعَجَّل ابنه فوطئها فحملت:

стр. 1506

(فَإِنْ كان ذلك مبادرةً للغرماء ليَذْهَبَ بحقهم، بيعت وكان عليه قيمة الولد. (وإن كان لم يعلم، قُوِّمَت وكان ثمنها دَيناً للغرماء عليه (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الابن إذَا علم بدَين أبيه فهو متعدٍّ بالوطء؛ لأَنَّ الغرماء أولى بالجارية منه إذَا لم يكن للأب مالٌ غيرها، فكانت الجارية للغرماء يبيعونها في دَيْنِهم، ولحق به الولد؛ لأنَّه وطِئ بشبهةِ ملكٍ. ألا ترى: أنَّ له قضاء دَين أبيه من غير ثمن الجارية. فأمّا إذَا لم يعلم بالدَّين فهو غير متعدٍّ بالوطء؛ لأنَّه فعل ما له فِعْلُهُ، فصارت أم ولدٍ، وكان قيمتها للغرماء دَيناً عليه في ذمَّته. وأشبه ذلك من وطئ جاريةً فحملت منه وعليه دَينٌ يغترق ثمنها، أَنَّهَا تكون أم ولدٍ؛ لأنّه وطئ وله أن يطأ، فكذلك الابن إذَا وطئ ولم يعلم أنَّ على أبيه دَيناً، فله أن يطأ، فوجب أن تكون الأمة أم ولدٍ له. ••• [١٦٦٥] مسألة: قال: ومن بِيعَ عَبْدُهُ في دَيْنِهِ بعده، فاشتراه بعض الغرماء، فأراد أن يقاصوه (٢) وقد فَضَلت عليه فضلةٌ، فلا شيء له، فَإِنْ كان له مالٌ، وَإِلّا بِيعَ

стр. 1507

الغلام (١) وجُبِرَ (٢) منه ما نقص من ثمنه، فَإِنْ لم يوجد له مالٌ، كان النقصان بين الذين لهم الدَّيْن (٣). • ولا أعرف معنى هذه المسألة، ولعلِّي أقف عليها فيما بعد بإذن الله تعالى. ••• [١٦٦٦] مسألة: قال: ومن كتب في ذكر حقٍّ: «من جاء به اقتضاءً كان له»، فيأتي به غير صاحبه، فلا يَدْفَعُ إِلَيْهِ إلَّا بوكالةٍ (٤). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يكون قد ضاع منه فأخذه الذي جاء به، أو أخذه منه بغير إذنه، ولا يجوز للذي عليه الحق أن يدفع ذلك إِلَيْهِ إلَّا أنْ يعلم أنَّ صاحب الحق أمره بذلك. قال مالك في هذه المسألة: «قد يجوز أن يكون قد سُرِقَ منه ذكر الحق، يعني من صاحبه» (٥). •••

стр. 1508

[١٦٦٧] مسألة: قال: ومن كان عليه دَينٌ، فذكر في مالٍ عنده أنّه وديعةٌ، فَإِنْ كان يُعرف أو كانت له بينةٌ فهو أحق به، إلَّا أنْ يأتي بما لا يُعْرَف (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ صاحب الوديعة حقه معروفٌ بعينه، فهو أولى به، كما كان صاحب السلعة وهو البائع أولى بها إذَا وجدها بعينها عند مفلسٍ من سائر الغرماء؛ لقوة سببه. فأمّا إذَا لم تعرف عين الوديعة، أو اتُّهِم في إقراره، لم يقبل قوله، وكان صاحبها أسوة الغرماء. ••• [١٦٦٨] مسألة: قال: ومن أوصى إلَى رجلٍ، فباع ماله وهلك عنده ثمّ طرأ دَينٌ، فلا ضمان عليه، والوارث إذَا كان أمْرُهُ على الصحة مثل ذلك. وقد قيل: إنَّ الورثة يضمنون ما غابوا عليه من العين، وأمّا الحيوان الذي اشتروه، ثمّ مات فلا ضمان عليهم فيه، مات في أيديهم أو في يدي غيرهم (٢). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الوصي والوارث فعلا ما لهما أن يفعلاه من بيع التركة والتصرُّف فيها، فلم يكن عليهما ضمانٌ. أما الوصي فلا شيء عليه فيما باع، ولا يُتْبَعُ بثمن ما باعه في ذمَّته.

стр. 1509

وأمّا الوارث فبيعه جائزٌ إذَا لم يعلم بالدَّين على ما بيَّناه، ويؤخذ ثمن ما باع منه، ويُتبَعُ في ذمَّته إن كان معسراً. فأمّا ما تَلِفَ في يد الوارث: فإنّه إذَا عُلِمَ تَلَفُهُ فلا شيء عليه في ذلك، كالحيوان والعقار؛ لأَنَّ ذلك على مُلكِ الميت؛ لأَنَّ الوارث لا يملك من مال الميت شيئاً، ولا يرثه دون قضاء دَينه. فأمّا ما يذكر أنّه تلف عنده مما يخفى تلفه، فَإِنْ قوله غير مقبولٍ؛ لأَنَّ قبضه له ليس هو على وجه الأمانة، وإنما قبضه هو لنفسه. فأمّا الوصي، فَإِنَّ قبضه له هو على وجه الأمانة، فالقول قوله في تلفه ولا ضمان عليه. ••• [١٦٦٩] مسألة: قال: وإذا ترك رجلٌ ألف دينارٍ، فتجر فيها الوصي فصارت ألفين، ثمّ طرأ دَينٌ، أُخِذَت الألفان كلها (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الصغير ليس بضامنٍ للألف التي خلفها أبوه لو تلفت في يد الوصي، فلم يكن له ربحها؛ لأَنَّ الربح إنَّمَا يكون لمن يملك أصل المال الذي ربح فيه، أو يُجْعَلُ له حقٌّ في الربح بتصرفه في أصل المال، وذلك

стр. 1510

كالمضارب، والصبي فليس ضامناً للغرماء الألفَ لو تلفت، فلا ربح له؛ لأنَّه لا يملكه بالضمان، ولا هو متصرِّفٌ في المال بأمر الغرماء فيكون له حقٌّ في الربح. ••• [١٦٧٠] مسألة: قال: ولو أنفق الوصي المال كله على الأطفال، لم يضمنه الوصي ولا الأطفال (١). • إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الوصي فعل ما له أن يفعل من النفقة على الأطفال، وذلك واجبٌ عليه، كما لو فعل الحاكم ذلك بهم لجاز فعله، فلم يجب أن يضمن ذلك للغرماء؛ لأنَّه لم يتعمد إتلاف مالهم ولا أخطأ عليهم؛ لأنَّه فعل ما هو واجبٌ عليه من النفقة. وكذلك الأطفال لا شيء للغرماء عليهم، ولا يتبعونهم في ذممهم؛ لأنهم لم يُتلفوا أموالهم عامدين، ولا أخطؤوا عليهم بإتلافها، وإنما أنْفَقَ عليهم من يلزمه أنْ يُنفقَ عليهم في الظاهر من مال أبيهم، فلم يكن عليهم ولا على الوصي غُرْمُ ذلك، ولا اتباعهم دَيناً. ••• [١٦٧١] مسألة: قال: ولو ترك ورثةً قد بلغوا، فتجروا في الألف فصارت ألفين، ثمّ طرأ دَينٌ، كان النماء لهم، والتَّوَى (٢) عليهم (٣).
следующие страницы →