← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الوصيّة فيه؛ لأنَّهُ لا يمكن إيصال ذلك إلى الموصى له، فكأنها لم تكن، وأُخرجت سائر الوصايا من ثلث جملة ما بقي من ماله. ••• [١٩٩٧] مسألة: قال: ومن أوصى بوصايا، «وما بقي من الثّلث فلفلانٍ»، فهلك بعض أهل الوصايا قَبْلَ الموصِي، فَإِنَّهُ يُنظَر إلى ما بقي بعد وصايا أهل الوصايا، فيكون للموصى له ببقيّة الثُّلث (١). • يعني: تسقط وصايا من مات قبل موت الموصي، وترجع إلى الورثة، ويكون ما بقي من الثّلث بعد ذلك للموصى له بالثلث؛ لأنَّهُ أعطاه ما بقي من الثّلث بعدها. ••• [١٩٩٨] قال: وقال ابن القاسم وأشهب: ومن أوصى لرجلٍ بوصيّةٍ، ثمَّ مات قبله ولم يعلم به الموصِي، فَيُحَاصّ بوصيته أهْلُ الوصايا، فما صار له صار للورثة. وإن كان قد علم بموته: قال أشهب: يحاصّ بها، وقال ابن القاسم: لا يحاصّ بها (٢).

стр. 1752

• قد ذكرنا وجه هذين القولين فيما تقدَّم (١)، وقد اختلف قول مالك في ذلك، فقال مثل ما رواه أشهب. ووجهه: أنَّ الشّيء على ملك الموصي، فإذا مات الموصى له قَبْلَه، كان ذلك لورثة الموصي؛ لأنَّ الموصى له لم يستحِقّه وعِلْمُ الموصي به كان متقدِّماً قبل الوصيّة. ووجه القول الآخر، وهو قول ابن القاسم: أنَّ ذلك بمنزلة ما يحدث للموصي لم يعلم به، فلا تدخله الوصايا؛ لأنَّهُ لم يُرِدْ دخولها فيه، وإن علم به دخلته الوصايا؛ لأنَّهُ قد أراد دخوله فيها. ••• [١٩٩٩] مسألة: قال: ومن ختم وصيّته، ودفعها إلى قومٍ أشْهَدَهم عليها، وأمرهم: «أن لا يفُضُّوا خاتمه حتى يموت»، فذلك جائزٌ إذا أشهدهم أنّ ما فيها منه، فيجوز ما فيها من عتقٍ وغيره (٢). • إنَّما قال: «إنّ شهادتهم تجوز وإن لم يَقْرَؤوها»؛ لأنّهم وإن قرؤوها لا يحفظون ما فيها وقت الشّهادة، وإذا كان كذلك، فلا فرق بين قراءتهم لها وبين إقراره بما فيها؛ لِأَنَّهُم إِنَّمَا يشهدون على إقراره بها، فإن كانت مِمَّا يجوز جازت، وإلا رُدَّتْ. وإِنَّمَا كره قومٌ ذلك، وقالوا: لعلّ فيها جوراً.

стр. 1753

وقد كان خلفاء رسول الله صلَّى الله عليه وأمراؤه يقبلون كتبه، من غير أنْ كان النَّبِيُّ صلَّى الله عليه يقرؤها عليهم؛ لعلمهم بأنّها كتبه، فكذلك هذا مثله، إذا أقرّ بأنّها وصيّته جازت الشهادة عليها وإن لم يقرأْها الشهود. ولأنَّ الموصي أيضاً يكره أن يُوقف على أَمْرِهِ ومَالِهِ وما تقدَّم به إلى غيره في حال حياته، فجاز له أن يُقِرَّ بالوصية، ووجب أن يُشْهَدَ عليها وإن لم تُقْرَأ لهذه العلّة. ••• [٢٠٠٠] مسألة: قال: ومن قال: «وصيّتي عند فلانٍ»، فلمَّا مات، أخرج فلانٌ وصيّته، فأراها جائزةٌ. وأَبْيَنُ ذلك (١): أن يكتب وصيّتين، يضع عند كلّ رجلٍ وصيّته (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أقرَّ أنَّهَا وصيّته، والذي عنده هو مؤتمنٌ عليها، فكأنّه قال: «اقبلوا قوله عليها». وتجوز شهادة الشّهود عليها - إذا عرفوا ختمهم عليها وعرفوا كتاب الوصيّة -، كما جاز لعمّال رسول الله صلَّى الله عليه أن يعملوا بكتبه إذا

стр. 1754

عرفوها؛ لأنَّهُ يَعْلَمُ أنّهم يعرفونها، إمَّا بعلامةٍ، أو خبرٍ غير تواترٍ، فجاز قبولها للضّرورة إلى ذلك، فكذلك هذا مثله. ••• [٢٠٠١] مسألة: قال: ومن أوصى: «إن حدَث به (١) حدثٌ من مرضه هذا، ما بينه وبين سنةٍ، بكذا وكذا»، فَسَلِمَ وجاوَزَ الأَجَلَ، ثمَّ مات والوصيّة على حالها، فإنَّهَا جائزةٌ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ إقراره للوصيّة على حالها بعد الأجل، دلالةٌ على رضائه بها، فهي جائزةٌ. وهذا إذا كانت على يد غيره. ••• [٢٠٠٢] مسألة: قال: ومن أوصى: «إن حدث به حدثٌ من مرضه هذا أو سفره»، ثمَّ صحَّ أو قدم، ثمَّ مات والوصيَّة على حالها: • فإن كان وضعها على يدي أحدٍ، جازت. • وإن لم يكن وضعها على يدي أحدٍ، كَأَنَّه لا يراها تجوز إذا لم يضعها على يدي أحدٍ (٣).

стр. 1755

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ إقراره لها عند غيره ووضعها له، دلالةٌ على رضائه بها؛ لأنَّهُ لو رجع لعَرَفَ ذلك الذي عنده الوصيّة، وتَقَدَّمَ إليه به. فأمَّا إذا كانت عنده لم تجز؛ لأنَّهُ قد يجوز أن يكون قد بدا له فيها ورجع عنها ولم يُعْلَم بذلك منه. ••• [٢٠٠٣] مسألة: قال: ومن طَبَعَ على وصيّة رجلٍ: • فإذا (١) عَرَفَ خَاتَمَهُ، فليَشْهَد وتجوز. • وإن لم يعرف خاتمه أو شك فيه، فلا يشهد (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ معرفة الختم دلالةٌ على صِحّة الكتاب الذي شَهِدَ عليه وأنَّه لم يُغَيَّر، فجاز أن يشهد به إذا عرفه. وجازت الوصيّة؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ إقرار المقرِّ بها ينوب عن قراءة الشّهود لها. ••• [٢٠٠٤] مسألة: قال: ومن كتب وصيّته وطبع عليها وأشْهَدَ عليها: (فَأَمَّا الذي عنده فَيَشْهَدُ.

стр. 1756

(وأما الآخرون، فلا أدري كيف يشهدون (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الذي عنده يعلم أنَّهَا وصيّة الموصي لا محالة، والذي ليست عنده: فإن عرف خاتمه ولم يشكّ، شهد وجازت شهادته على ما ذكرناه. وإن شكّ لم يشهد، فإن شهد لم تجز شهادته؛ لأنَّهُ لم يتيقّن ما شهد به. وقد قال مالك: الأحوط أن تكون عند كلّ رجلٍ وصيةٌ، لا تخرج عن يده. ••• [٢٠٠٥] مسألة: قال: ومن دعا بوصيَّةٍ قد كتبها من عند أهله، فقال: «اشهدوا عليها»، فليَشْهَدُوا، وليس عليهم أن يقولوا: «اقرأها، لعله زِيدَ فيها» (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُم إِنَّمَا يشهدون على إقراره بما فيها، فإذا أَقَرَّ بذلك، شهدوا عليه، ليس عليهم غيره. ••• [٢٠٠٦] مسألة: قال: ومن أوصى: «أنَّ ثلث ماله صدقةٌ»، ولم يسمِّ شيئاً، فيُقْسَمُ على أهل الحاجة (٣).

стр. 1757

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الصّدقات لأهل الحاجة والفقراء، بدلالة: جَعْلِ الله تعالى الصّدقات للفقراء والمساكين، وكذلك كفّارة اليمين، وكذلك أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أبا طلحة أن يجعل الحائط الذي جعله صدقةً في فقراء أقاربه (١). ••• [٢٠٠٧] مسألة: قال: ومن دفع إلى رجلٍ مالاً يَقْسِمُهُ، فمات وقد بقي بَعْضُهُ: • فإن كان أخرجه على وجه الصدقة ولا يقدر يرجع فيه، فما بقي (٢) من رأس ماله.

стр. 1758

• وإن كان لو أراد أن يرجع فيه رجع، فما بقي لورثته (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا عُلِم بالشهادة عليه أَنَّهُ قد أخرجه على وجه الصدقة، فقد صار للفقراء بإخراجه كذلك، وخرج عن ملكه، فلا يرجع إلى ورثته، وينفذ من رأس ماله. وإن أخرجه ودفعه إلى الرّجل على وجه الوديعة يُخرجُ أولاً فأولاً، كان ما بقي لورثته؛ لأنَّ ملك ربّه لم يزل عنه قبل موته، والأوَّل إذا لم يكن على وجه الوديعة وكان على وجه الصّدقة على الفقراء، زال ملك ربِّه عنه، كان للفقراء، مات المخرِجُ أو عاش. ••• [٢٠٠٨] مسألة: قال: ومن أُوصِيَ إليه بأن يَقْسِمَ وَرِقَاً وحنطةً على المساكين، فيُعطي المتعفِّفِين أحبّ إلي، وإن أعطى الذين يسألون النّاس ففي سعةٍ إن شاء لله، والذين يعطيهم الوَرِقَ لا يعطيهم الحنطة. ولا بأس أن يُفَضِّلَ بعضهم على بعضٍ في القَسَمِ؛ لموضع الصَّلاح والزَّمَانَةِ (٢) (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ، حضَّ على ذلك ونبَّه عليه بقوله تعالى:

стр. 1759

﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣]، وقال النَّبِيُّ صلَّى الله عليه: «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، قِيلَ: فَمَنِ المِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ» (١)، فكان هؤلاء أولى من غيرهم مِمَّنْ يسأل؛ لأنَّهُ يستغني بالمسألة، والآخر لا يستغني بها حَتَّى تُدفع إليه ابتداءً. وقوله: «لا يُعْطِي الوَرِقَ من يعطيه الحنطة»، فلأَنْ تعمّ منفعة التَّفرقة كثيراً من الفقراء، فإن فعل جاز. وقوله: «يُفَضِّل في التَّفرقة حسب ما يراه من النَّظر»، فكما يفعل ذلك في الزكَّاة وجزاء الصيد والنَّذور وأشباه ذلك، فكذلك هذا. ••• [٢٠٠٩] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن يُكَفَّن بِسَرَفٍ، وأوصى بمثل ذلك في حنوطه وقبره»، فلا يجاز من رأس ماله، إلَّا ما يجوز لمثله في قدر ماله، وإن لم يوص. وقاله ابن القاسم وأشهب (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّرف ممنوعٌ منه في حال الحياة، وكذلك هو مثله

стр. 1760

ممنوعٌ بعد الموت، بل ذلك أولى بالمنع، وقد قال الله : ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١]. ولأنَّ في ذلك ضرراً بورثته، فوجب إزالة ذلك عنهم، وأن يُكَفَّن ويحنَّط بقدر ما يُعرف لمثله، على ما يعرفه الناس في غير سرفٍ. ••• [٢٠١٠] مسألة: قال: ووصيّة المسلم للكافر جائزةٌ، إذا كان مِمَّا يَحِلُّ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ذلك عطيّةٌ له، فهي جائزةٌ، كما تجوز عطيّته له في حال حياته. وقد وهب عمر بن الخطاب ﵁ لأخٍ له مشركٍ ثوباً (٢).

стр. 1761

وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه لأسماء: «صِلِي أُمَّكِ» (١)، وكانت مشركةً، بعد أن سألته أسماء، هل يجوز لها أن تَصِلَهَا (٢). ••• [٢٠١١] مسألة: قال: ومن أوصت: «لمولاتها بجميع ما في بيتها، ولفلانةٍ بثلثي ثلثها، ولفلانةٍ بثلث الثّلث (٣) الباقي»، ولم يرث المرأة الميتة إلَّا (٤) ولدها، فإنَّ جميع ما في البيت من كسوةٍ وغيرها للمولاة، ولا عمل بينها وبين الورثة، إنّما العمل بينها وبين أهل الوصايا؛ لِأَنَّهَا قد زادت على الثّلث، تحاصُّهُم. قال: وقد قال مالك: إذا كانت ثيابها الثياب الدّنيئة التي ليست بالرَّائعة (٥)، وكانت تُورَثُ كلالَةً، فلها ما في بيتها وما على ظهرها إذا ماتت وهو عليها، وما ماتت وهو مرهونٌ من ثيابها أو عند أختٍ لها، فليس للمولاة فيه شيءٌ (٦). • يعني: ليس بين المولاة وبين الورثة عملٌ؛ لأنَّ ثيابها من الثّلث، وإنّما

стр. 1762

العمل بينها وبين أهل الوصايا في المحاصّة، فتحاصّ أهل الوصايا بقيمة الثّياب؛ لأنَّ الثّلث ينقص عن الوصايا وقد عالت الوصايا. فهذا معنى قول مالكٍ: «لِأَنَّهَا زادت على الثّلث»، أي: تحتاج إلى المحاصّة في الوصايا، ويُرجَع في معرفة ثيابها على حسب ما ذكره مالكٌ. وما كان مرهوناً أو لم يكن في بيتها، فليس للمولاة؛ لأنَّهُ ما كان مرهوناً فقد تعلّق به حقٌّ لغيرها. ولأنَّها إِنَّمَا أوصت لها بما هو في بيتها من الثّياب، دون ما كان خارجاً عن بيتها. ••• [٢٠١٢] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن ادفعوا إلى فلانٍ مئة درهمٍ، وخذوا منه خمسة دنانير لي عنده»، فأبى أن يدفع الدّنانير: • فإن كانت الدّراهم أكثر من الدّنانير، دُفِعَ إليه الفضل. • وإن كانت الدنانير أكثر، أُحْلِفَ الموصى له على الفضل، فإن نَكَلَ غَرِمَ الفضل. ويحلف وإن لم تكن بينهما مخالطةٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لما قال: «خذوا منه خمسة دنانير وادفعوا إليه مئة

стр. 1763

درهمٍ»، أراد أن يُدْفَع إليه الفضل، فإن فضلت الدّنانير أُخِذَ منه ولم يعط شيئاً؛ لأنَّ عليه أكبر من الوصيّة، فيؤخذ منه الفضل، فإن أنكر حلف. وإن نكل غرم؛ لنكوله مع قول الميِّت؛ لأنَّ المريض في حال مرضه يتخوَّف أن يقول ما لا أصل له، كما يُقْسِمُ مع قوله عند مالكٍ إذا قال: «قتلني فلانٌ»، فكذلك قوله هاهنا سببٌ يقوِّي النكول فيوجب الغرم. وقوله هذا بمنزلة الخلطة وأوكد، فلهذا قال: «يُستحلف وإن لم تُعلم خلطةٌ متقدِّمةٌ». فإن فضلت الدّارهم على الدّنانير، دُفِعَ إلى الموصى له ما فضل عن الدّنانير؛ لأنَّ ذلك وصيّةٌ له (١). ••• [٢٠١٣] مسألة: قال: ومن أسلفَ رجلاً (٢) عشرة دراهم، وقال: «إِنْ مِتُّ فَهِيَ لَكَ»، فهي من ثلثه، وإن لم يكن له وارثٌ، تُصُدِّقَ بثلثيها (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا جعلها له بعد موته، فهي من ثُلُثِهِ.

стр. 1764

وإن لم يكن له وارثٌ تُصُدِّقَ بثلثيها، يعني: إذا لم يكن صاحب بيت المال عدلاً. وكذلك يقول في الزكاة، إن لم يكن الإمام عدلاً لم يُعط، وإن كان عدلاً أعطاه الزكاة والوصية (١). ••• [٢٠١٤] مسألة: قال: وإذا ادَّان الموَلَّى عليه، ثمَّ مات، لم يُقْضَ عنه، وإن أوصى به وبلغ الوصيّة، جاز ذلك (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الذي أَدَانَ المحجور عليه قد أتلف ماله؛ لأنَّهُ دفعه إلى من لا يجوز دفعه إليه، فلم يلزم ذلك المحجور عليه. فإذا أوصى به، قُضِيَ عنه من ثلثه؛ لأنَّ وصيّته تجوز في الثّلث ابتداءً لمن لم يأخذ منه شيئاً، فجازت لهذا، بل هي أولى لما أَخَذَ من ماله. ••• [٢٠١٥] مسألة: قال: ومن دَفَعَتْ إليه امرأةٌ ذِكْرَ حَقٍّ لها على زوجها، ثمَّ ماتت، والزّوج مولاها ولا وارث لها غيره: • فإن لم يكن عليها دَينٌ، فليدفَعْ إليه الذِّكْرَ حَقٍّ. • وإن كان عليها دَينٌ، فلا يدفعه إليه.

стр. 1765

• وإن كانت أوصت بوصايا ولا دَينَ عليها، فليدفعه إليه، ويُشْهِد عليه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا لم يكن على المرأة دَيْنٌ، فالزّوج يرث النّصف بالزّوجية، والنّصف الآخر بالولاء؛ لأنَّهُ مولاها. وإن كان عليها دَينٌ فهو قبل الميراث، فلا يجوز أن يُعْطَى ذلك الزوج؛ لأنَّهُ لا يستحق مع الدَّين شيئاً، إلَّا أن يَفْضُلَ عن الدَّين شيءٌ. وكذلك إذا أوصت بوصايا، دُفِعَ ذلك إليه لينفذها الزوج؛ لأنَّهُ وليُّها. ••• [٢٠١٦] مسألة: قال: ومن أوصى: «إلى رجلٍ بثلث ماله، يجعله حيث أراه لله »، فيجعله في سبل (٢) الخير، فَأَمَّا أن يأكله فلا (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أوصاه الميّت بتَفْرُقَتِهِ في وجوه الخير، فلا يجوز أخذه، إلَّا أن يكون فقيراً إليه، فيأخذ منه ويفرّق منه على غيره؛ لأنَّ أَخْذَهُ مع فَقْرِهِ من سبل الخير، فيجوز له ذلك. ••• [٢٠١٧] مسألة: قال: ومن أوصى: «لرجلٍ بثلاثين ديناراً، ولرجلٍ بثلث ثلثه، ولآخر بالثُّلث الباقي»، وماله دَينٌ على النّاس، فاستُؤجر من يتقاضى الدَّين بعشرةٍ، وتَرَكَ ثلثاً يكون تسعين ديناراً:

стр. 1766

فإنَّ العشرة من رأس (١) المال، ويُعطى صاحب الثلاثين (٢) الثلاثين، وصاحب ثلث الثّلث ثلث الثّلث من رأس المال بعد إخراج العشرة، ويعطى صاحب ما بقي من الثّلث ما بقي، إِنَّمَا يدخل نقصان العشرة على صاحب بقيّة الثّلث (٣). • إنَّما قال: «إنَّ العشرة تُخرَج من رأس المال»؛ لأنَّ لتقاضي المال مؤونةٌ ولا بدّ منها، وبخروج المال وتقاضيه ما ينفذ الوصايا، ثمَّ يُعطى كلّ من سُمِّيَ له شيءٌ ما أُوصِيَ له، ثمَّ يعطى الموصى له بباقي الثّلث ما بقي، ويكون النُّقصان لاحقاً به؛ لأنَّ غيره من أهل الوصايا قُدِّمَ عليه وبُدِئَ به دونه. ••• [٢٠١٨] مسألة: قال: ومن أوصى: «إلى امرأته بثلثه تجعله في سبل الخير»، فأعتقت عنه وقضت دَيناً عليه بغير بَيِّنَةٍ، فما أراها أصابت، والسُّلطان يُغَيِّرُ ذلك عليها، وللورثة أن يعلموا علم ما تجعله فيه (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قضاءها للدَّين بغير بيّنةٍ غير واجبٍ قضاؤه، فيشبه أن تغرم ذلك؛ لِأَنَّهَا متعدِّيةٌ في فعله، ثمَّ يُفَرَّق ذلك في سبل الخير. وما أعتقت فجائزٌ؛ لأنَّهُ من سبل الخير.

стр. 1767

وللورثة أن يعلموا أين يُجعل المال؛ لئلا تأخذ لنفسها منه شيئاً، فتكون وصيّةً لوارثٍ، ولا تجوز وصيّةٌ لوارثٍ إلَّا بإذن كلّ الورثة. ••• [٢٠١٩] مسألة: قال مالك: ومن أوصى: «بثلث ماله للفقراء والمساكين»، وترك دوراً ومنازل، فلهم ثلث كلّ شيءٍ، يُقطَع لهم به، ولا يباع عليهم ولا يقام (١). إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُم قد صاروا شركاء بالثّلث للورثة، وصار لهم في ماله حقٌّ لا يجوز إخراجهم عنه ببدله إلَّا برضاهم، كما لا يجوز ذلك في الورثة. وهذا إذا كانوا الفقراء بأعيانهم، فَأَمَّا إذا كانوا بغير أعيانهم، بيع ذلك وفُرِّقَ فيهم ثمنه. ••• [٢٠٢٠] مسألة: قال: ومن أوصى إلى امرأته، وكتب وصيّته ودفعها إليها، فلمّا حضرته الوفاة، دعت تُقرأ، ففتحوا الصحيفة فقرأها عليهم رجلٌ منهم، وزاد فيها وكتبوا الزّيادة، وقد قال لامرأته وإليها أوصى: «فما بقي من ثلثي فَحَبْسٌ على بني فلانٍ، يُنْفَق (٢) منه عليهم في كلّ شهر كذا وكذا» - فيما بينه وبينها -، ولم يُشْهِد أحداً (٣)، وقال ذلك عند موته، إلَّا أَنَّهُ لم يَكْتُبْ ولم يَتَكَلَّم، فلا يجوز ذلك،

стр. 1768

وما بقي من الثّلث رُدَّ على الورثة، وما يصيبها من بقيّة الثّلث حبسٌ على بني فلانٍ، ينفق عليهم منه في كلّ سنةٍ من النّفقة التي أوصى بها (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قولها لا يُقْبَلُ على الورثة فيما ذكرت من النّفقة على بني فلانٍ، ويلزمها هي أن تُنفق ما يخصها من بقية الثّلث بعد الوصايا، كما لو أقرَّت بدَينٍ على زوجها، لزمها في حصَّتها دون سائر الورثة. ••• [٢٠٢١] مسألة: قال: ولا بأس بالتَّشَهد في الوصيّة، ولا يَكتُب (٢): «أؤمن بالقدر كلّه، خيره وشرِّه» (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كتابة الشّهادة بالتوحيد، وما أشبه ذلك من الإقرار بالله ورسله وكتبه والبعث والجنّة والنّار، فعل خيرٍ واعترافٌ بحقٍّ، فجائزٌ فعله. وقوله: «ولا يذكر القدر»؛ فلأنَّ ذكره مِمَّا لم يتقدَّم من السّلف فيه شيءٌ في الوصايا، فكره ذكره والخوض فيه. ••• [٢٠٢٢] مسألة: قال: ومن أوصى: «لرجلٍ بثلاثة دنانير، وللآخر بثلاثةٍ»،

стр. 1769

فأقامت في يدي الوصيّ سنين لا يدري من صاحبها، فإذا سأل عنهم فلم يعرفهم، فليتصدّق بها عن أصحابه الذين أُوصِيَ لهم بها (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قد صارت حقاً للموصى له ومالاً من ماله، فوجب أن يتصدَّق بها عنه إذا لم يُعرَف، كالوديعة إذا أُيِسَ من صاحبها واللّقطة، أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بها عنه؛ لأنَّ ترك ذلك يؤدِّي إلى تلفها من غير انتفاع النّاس بها، ولا حصول الثّواب لصاحبها، وفي صدقتها عنه حصول الثّواب له، فكان أولى من تركها كذلك. ••• [٢٠٢٣] مسألة: قال: ومن لم يترك وارثاً ولا عصبةً، فليس له أن يوصي بماله كلّه (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المسلمين عصبته وورثته، فكانوا أولى به من هذا الذي أوصى له - أعني: بثلثي ماله - (٣).

стр. 1770

ألا ترى: أنَّ المسلمين يعقلون عنه إذا جنى جناية خطأٍ، ويُنفَق عليه من مالهم إذا احتاج، فكذلك يرثونه (١). ••• [٢٠٢٤] مسألة: قال: ومن أوصى: «لرجلٍ بعبدٍ آبقٍ وبجملٍ (٢) شاردٍ»، فأُتِيَ به بإجارةٍ، فإنَّ الإجارة على الموصى له بالعبد (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصى له قد ملك العبد الآبق والجمل الشّارد بوصيِّة الموصي وقبولها له بعد موته، فكان الجُعل عليه؛ لأنَّهُ قد أُتِي بشيءٍ قد مَلَكَهُ، كما لو أُتِيَ بعبدٍ له قد أبق منه من غير وصيَّةٍ، كان جُعْلُهُ عليه؛ لأنَّهُ مُلْكُهُ، فكذلك هذا. ••• [٢٠٢٥] مسألة: قال: ومن أوصى (٤): «بوَسَقٍ من غلّته بخيبر»، فإنَّ على الموصى له أن يذهب إلى خيبر فيأخذه. وكذلك كل من أوصِيَ له بجملٍ في صحراء بني فلانٍ، أو عبدٍ بأرض بني فلانٍ، على الموصى له أن يذهب (٥) فيأخذه.

стр. 1771

وإن قال الورثة: «نحن نريد أَنْ نُقْدِمَه المدينةَ حَتَّى نُقَوِّمَهُ»: • فإن كان مِمَّا له ثَمَّ قيمةٌ - مثل (١): رقيق المال، إِنَّمَا يُقوَّمون حيث هُمْ -: قُوِّمَ ثَمَّ وأخذه الموصى له ثَمَّ. • وإن لم تكن له ثَمَّ (٢) قيمةٌ: فجلبوه إلى المدينة، فذلك على الورثة، ويقبضه الموصى له بالمدينة. وليس كلّ الوصايا تُقَوَّمُ، إِنَّمَا يُقَوَّمُ ما يُخاف أن يكون أكثر من الثُّلث (٣). • إِنَّمَا قال: «إنَّ الموصى له يذهب فيأخذ ما أُوصِيَ له به حيث هو»؛ فلأنّه قد ملك ذلك بقبوله الوصيّة بعد موت الموصي، فوجب عليه أن يأخذ ملكه حيث هو. فأمَّا إذا أراد الورثة اعتبار قيمته؛ لئلا يزيد على الثّلث، فإنَّ جُعْلَه عليهم؛ لِأَنَّهُم قد منعوه من أخذه حيث هو، فالامتناع منهم. فأمّا قيمته، فيجب أن تكون حيث يكون أكثر؛ لأنَّ في ذلك حظّاً للورثة والموصى له، وعدلاً بينهم، وتوفيراً لمال الموصي. ••• [٢٠٢٦] مسألة: قال: ومن أوصى: «لأخٍ له مملوكٍ بِدَرَاهِمَ»، فأبى الوصيّ

стр. 1772

أن يدفعها إليه ودَفَعَهَا إلى مولاه، فكساه منها، وسأله بقيّة الدّراهم فأبى، فلقيه الذي أُوصِيَ إليه، فقال: «ما نزعتها منه ولا أعطيته (١)»، فلم تزل في يده حَتَّى باعه مِمَّنْ أعتقه، ثمَّ طلبها منه، فأبى أن يعطيه إيّاها: • فإن كان نزعها منه وهو له مملوكٌ، فليس له منها شيءٌ. • وإن لم يكن نزعها منه، فهي له (٢). • يعني: إذا أشهد على نزعها منه قبل عِتْقِهِ، فهي له، بأن يقول: «قد نزعت الوصيّة التي لعبدي في يد فلانٍ»، وثبت هذا القول منه. فإن لم ينزعها حَتَّى عَتَقَ، كان ذلك للعبد المعتق؛ لأنَّ ماله يتبعه إذا عتق. وقد روى اللّيث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بُكير بن الأشجّ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَاً تَبِعَهُ مَالُهُ، إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ» (٣). •••

стр. 1773

[٢٠٢٧] مسألة: قال: ومن أوصى: «لأقارب له بوصيّةٍ» ولم يُشهد عليها إلَّا أقارب لهم، فهذا ضعيفٌ (١) (٢). • يعني: إذا كانوا يُتَّهَمُون بالشّهادة لهم فهو ضعيفٌ؛ لأنَّ التّهمة إذا دخلت في الشّهادة لم تقبل، وإذا لم يُتَّهموا، قُبِلت شهادتهم. ••• [٢٠٢٨] مسألة: قال: ومن أوصى: «بثلث ماله لقومٍ، وأوصى أن لا يباع طعام منزله وأن يُقَرَّ لورثته يأكلونه»، فليس لأهل الثّلث من الطّعام شيءٌ، وإنّما الكلام للورثة؛ لأنَّ بعضهم يأكل ما لا يأكل بعض (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يُرِدْ دخول الطّعام في الثّلث؛ لأنَّهُ قد أقرَّهُ لورثته يأكلونه، فهو حصّته منه، إلَّا أن يتراضوا، فيجوز. ••• [٢٠٢٩] مسألة: قال: ومن أوصى: «بثلث ماله لرجلٍ، وأوصى لوراثٍ بثلاثين ديناراً»، فيَسْتَخِطَّها بعد موته، فإنَّهَا تُرَدُّ إلى الورثة (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا على ملك الموصي حَتَّى يقبلها الموصى له بعد

стр. 1774

موت الموصي، فإذا لم يقبلها أو ردَّها بعد قبوله، كانت لورثة الموصي، ولم تدخلها الوصايا - إن كان ثلثه قد عجز عن الوصايا -؛ لأنَّ الموصي لم يقصد دخول الوصايا فيها؛ لأنَّهُ قد كان أوصى بها لغيرها، ولا الذين عجز عنهم الثّلث، فلم تُرَدّ إليهم، وكانت للورثة. ••• [٢٠٣٠] مسألة: قال: ومن أوصى: «لرجلٍ بغلامٍ له مُحَبَّسٍ حَتَّى يَجْمَع ماله»، فجمع مالاً من خراجه، فماله للذي أوصى له به (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد قد وجب للموصى له بموت الموصي وبقبوله إيَّاه، فما جمعه من المال بعد موته فهو للموصى له؛ لأنَّ ماله يتبع رقبته، فمن مَلَكَهَا ملك ماله. ••• [٢٠٣١] مسألة: قال: ومن أوصى: «بثلث ماله» (٢)، وله حائطان، فأرادوا (٣) يجمعوا الثّلث في حائطٍ واحدٍ، فلا بأس (٤).

стр. 1775

هذا يحتمل أن يكون إذا تراضى بذلك أهل الثّلث والورثة، فَأَمَّا إذا أبوا فهم شركاء للورثة في الحائطين جميعاً. ••• [٢٠٣٢] مسألة: قال: ومن أوصى: «بثلث ماله إلى رجلٍ يجعله حيث أراه لله»، فيجعله في سبيل الخير. فإن قال: «حيث شئت، أو أحببت»، فصرفه إلى أقاربه أو إخوته، فلم يُجِز الورثة، فهو مردودٌ على كتاب الله جَلَّ وَعَزَّ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصي أراد بتفرقته قربةً إلى الله ﵎، فيجب أن يكون في سبيل الخير، وذلك إذا قال له: «تُفَرِّقُه حيث أراك الله». فأمَّا إذا قال: «حيث شئت أو أحببت»، فَصَرَفَهُ إلى بعض ورثة الموصي، لم يجز ذلك؛ لِأَنَّهَا تصير وصيّة لوارثٍ، وذلك غير جائزٍ إلَّا بإذن كلّ الورثة. ••• [٢٠٣٣] مسألة: قال: ومن أوصت فقالت: «عندي خمسةٌ وثلاثون درهماً، ولي على زوجي أربعة أبعرةٍ، فإمَّا جعلتم الدَّراهم في سبيل الله، أو أحد الأبعرة التي على الزّوج»، ثمَّ سألوها عن الدّراهم فلم تخبرهم، ثمَّ ماتت (٢) ولم توجد

стр. 1776

الدّراهم، فيُجعلُ بعيرٌ مِمَّا على زوجها في سبيل الله ، ولا يُنْظَرُ في شأن الدّراهم التي لم توجد (١) (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدارهم إذا لم توجد، فكأنّها لم تتركها، وقد أوصت ببعيرٍ من أباعرها في سبيل الله، فوجب تنفيذ ذلك إذا كان قدر ثلثها. ••• [٢٠٣٤] مسألة: قال: ومن قال: «ما كان لي من حقٍّ عند قرابتي فهو لهم»، ثمَّ مات وله عند بعضهم قِرَاضٌ، فهو له في رأيي (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القراض حقٌّ من الحقوق. ألا ترى: أنَّ عليه الخروج منه إذا طالبه به ربُّ المال، كما أنَّ عليه الخروج من سائر الحقوق من الأموال وغيرها إذا طولب بها. ••• [٢٠٣٥] مسألة: قال: ومن أوصى: «لعبدٍ له بدنانير»، لم أحبّ للورثة انتزاعها منه (٤).

стр. 1777

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في انتزاعها منه إبطال وصيّة أبيهم، كأنّهم لم يُعطوا شيئاً. ••• [٢٠٣٦] مسألة: قال: ومن أوصى: «لعبدٍ (١) بدنانير»، فأراد سيِّده انتزاعها منه، فلا يُمنع من ذلك (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ لسيِّده أن ينزع ماله، وليس في ذلك إبطال الوصيّة كهو في المسألة الأولى. ••• [٢٠٣٧] مسألة: قال: ومن أوصى: «لرجلٍ بدنانير (٣)»، فطُلِبَ فلم يوجد، فيُتَصَدَّقُ بها عنه (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قد صارت مالاً من ماله، فيُتَصَدَّقُ عنه إذا لم يُعرَف

стр. 1778

خبره، كما يُتَصَدَّق باللّقطة والوديعة إذا أُيِسَ من صاحبها، وقد ذكرنا هذا (١) (٢). ••• [٢٠٣٨] مسألة: قال: ومن أوصى: «بدَينٍ للنّاس، ولرجلٍ بمئة درهمٍ (٣) من عملٍ عمله له»، فطُلِب فلم يوجد، فليُتَصَدّق بها عنه (٤). • هذا مثل ما ذكرناه قبل هذا. ••• [٢٠٣٩] مسألة: قال: ومن أوصى: «لرجلٍ بعبدٍ»، أو تَصَدَّقَ به عليه، أو وهبه له، فالمال لربّ العبد، إلَّا أن يشترطه، هو بمنزلة البيع، وأمّا ما لَهُ من الكِسوة والشّيء اليسير، فلا أرى ذلك له (٥)؛ لأنَّ هذا ضررٌ (٦).

стр. 1779

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ منزلة الوصيّة بالعبد والهبة له كمنزلة البيع؛ لأنَّهُ نقلٌ من ملكٍ إلى ملكٍ، فماله للنّاقل لا للمنقول إليه؛ لأنَّهُ إِنَّمَا ينقله من ملكٍ إلى ملكٍ، فكان سيّده الأوّل أولى به، إلَّا أن يشترطه الثاني، وبذلك ورد الخبر عن النَّبِيِّ صلَّى الله عليه في البيع. فروى الزهري، عن سالمٍ، عن أبيه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه قال: «مَنْ بَاعَ عَبْدَاً وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ» (١)، والبيع هو نقل العبد من ملكٍ إلى ملكٍ، فكان كلّ موضعٍ نُقِل فيه العبد من موضعٍ إلى موضعٍ مِثْلُهُ. فأمَّا إذا أعتقه، تبعه ماله، إلَّا أن يشترطه سيّده؛ لأنَّهُ نقل ملكٍ إلى غير ملكٍ - وهي الحريَّة -، فوجب أن يتبعهما (٢) المال وأن تكون مُكَمّلَةً؛ لقوّة حرمة الحريّة على الملك، وقد قال النَّبِيُّ صلَّى الله عليه: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَاً، تَبِعَهُ مَالُهُ» (٣). رواه بكير بن الأشجّ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه. وقد قال مالكٌ في الوصيّة والصّدقة: «إنَّ المال يكون للموصى له، والمتصدَّقِ به عليه». ووجه هذا القول: هو أنَّ نقل ملك العبد على وجه الصّدقة والوصيّة، هو

стр. 1780

قربةٌ إلى الله ، وهو أيضاً على غير عوضٍ، فأشبه ذلك العتق الذي هو نقل ملكٍ قربةً إلى الله على غير عوضٍ، ولم يشبه البيع؛ إذ لا قربة فيه، وهو نقل ملكٍ على وجه عوضٍ. وكلا القولين محتملٌ، وكان الأقيس أن يكون ذلك للموصي والواهب؛ لأنَّهُ نقل ملكٍ إلى ملكٍ، وليس كالحريّة التي في نقل ملكٍ إلى غير ملكٍ، فهي أقوى وأوكد حرمةً (١). ••• [٢٠٤٠] مسألة: قال: وقال ابن القاسم: ومن أوصى: «أن يُنْفَقَ على أمّ ولدٍ له عشرة دنانير، على أن تحضن ابناً له من غيرها»، أو: «أوصى به لأجنبيةٍ»، أو: «يُبْتَاعَ عَبْدُ فلانٍ بمئة دينارٍ فيخدم ابنه»، فلا يجوز ذلك؛ لأنَّهُ بمنزلة ما لو أوصى له بمئة دينارٍ يُبتاع له بها عبدٌ، فلا يجوز، ولا يُدفع إلى أمّ الولد ولا إلى الأجنبية شيءٌ، ولا يُشترى الغلام، يَدْخُل (٢) في ذلك الورثة. وإن كان الولد من أمّ الولد، جاز ذلك فيها، ولا يجوز ذلك في ولد غيرها (٣). • إِنَّمَا قال: «إنَّه لا يجوز في ولده إذا كان من غير أمّ ولده»؛ لأنَّ ذلك وصيّةٌ لوارثٍ، فلا تجوز إلَّا بإذن الورثة؛ لأنَّهُ إِنَّمَا قصد بذلك منفعة ابنه.

стр. 1781

فأمَّا إذا كان الولد من أمّ ولده جاز؛ لأنَّهُ أراد إرقاقها بالنّفقة من أجل نفسها للحرمة التي لها، فلا يُتَّهم في هذا أن يكون أراد ولده بذلك. فأمَّا إذا كانت أجنبيةً، اتُّهِم أن يكون أراد ذلك من أجل ولده لا من أجلها، فلم يجز ذلك. وقوله: «يدخل الورثة في خدمة الغلام وغيره مِمَّا أوصى به لابنه»؛ فلأنَّ ما أوصى به لابنه وصيّة لوارثٍ، ولا تجوز إلَّا بإذن كلّ الورثة، فَأَمَّا إذا لم يجيزوا ذلك له، أُشركوا فيه كلّهم. ••• [٢٠٤١] مسألة: قال: ومن أوصى: «لرجلٍ بخمسةٍ، ولرجلٍ بعشرةٍ، ولرجلٍ بثلاثةٍ، ولرجلٍ بدينارٍ، وقال: ما بقي من ثلثي فيُقْسَمُ أثلاثاً، فثلثاه لمن لم أفَضِّلُهُ في وصيَّتي»، فإنّهم يُعطون وصاياهم، ثمَّ يُنظر إلى الثّلث (١) فيُقْسَم، فيؤخذ ثلثاه فيُعطَى الذي أوصِيَ له بدينارٍ؛ لأنَّ كلّ من أُوصِيَ له قد فُضِّلَ عليه. ورواه أشهب عن مالكٍ (٢). • هذه بيِّنَةٌ قد فسرها مالكٌ. •••

стр. 1782

[٢٠٤٢] مسألة: قال: ومن قال: «لفلانٍ مئةٌ، ولفلانٍ خمسون»، ثمَّ قيل له: «فلفلانٍ؟»، فقال: «وله مثله»، ولا يُدرَى ما أراد: (فقال مالكٌ: يُعطى نصف الأَوَّل، ونصف الآخرِ (١). (وفيها قولٌ آخر قاله أشهب: يُعْطَى مثل الآخر (٢)؛ لأنَّهُ قال: «ولفلانٍ خمسون، ولفلانٍ مثله»، وإنّما أراد الآخر فيما يُرى. (وفيها أيضاً قول آخر ذُكِرَ (٣)، أن يقال له: «نعطيك خمسين حَتَّى نَسْتَيْقِنَ». فهذه ثلاثة أقوال، وبقول مالكٍ ﵁ نأخذ (٤). • إنَّما قال: «إنَّ له نصف المال ونصف الخمسين»؛ لأنَّ ذلك العدل بين الورثة والموصى له: لأنّه يجوز أن يكون أراد الأكثر، فإذا اقتُصِر بالموصى له على الأقل، ظُلِمَ. ويجوز أن يكون أراد الأقل، فإذا أعطِيَ الأكثر، ظُلِمَ الورثة. وقد استوت الحال فيهما جميعاً، فوجب توسّط ذلك بينهما بما قاله مالك؛

стр. 1783

لأنَّهُ لا يمكن غير ذلك، ومتى تُرِكَ ذلك، أدَّى ذلك إلى الحمل على أحد الفريقين، فهذا قول مالكٍ. ووجه قول أشهب: هو أنَّ النّسق رجع إلى الأخير، فوجب أن يُعطى الآخر منهما، مئةً كانت أو خمسين؛ لأنَّ حكم العطف يرجع إلى الذي يليه، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ أُرِيدَ ما قبله. ووجه القول أَنَّهُ يُعطى الأقل: فلأنَّ ذلك يقينٌ أَنَّهُ قد استحقّه الموصى له، وما زاد عليه شكٌّ، فهو على ملك الموصي حَتَّى يُتَيقَّن زواله، فلما لم يُتَيقَّن ذلك، كان ذلك لورثته (١). وقول مالكٍ هو الصحيح لِمَا ذكرناه، والله أعلم. آخر كتاب الوصايا، والحمد لله ربِّ العالمين.

стр. 1784

كتاب القسامة (١) والجراح [٢٠٤٣] قال عبد الله بن عبد الحكم: قال مالكٌ: يوجب القَسَامَةَ: الشّاهِدُ العدلُ. وقيل: اللَّوْثُ (٢) من البيِّنة (٣): الشّهادةُ وإن لم تكن قاطعةً، - من شهادة بعض النّاس تكون في الدم، يَرَى المتّهَمُ نحو المقتول أو قُرْبَهُ، وعسى أن لا يكونوا رأوه حين أصابه -.

стр. 1785

وقد قال مالكٌ: الشَّهادةُ غير العدلِ اللّوثُ، وشهادة المرأة من اللّوث. والأوّل أحبّ إلينا، ألّا تكون القسامة إلَّا مع العدل، ولا يُقْسَم مع شهادة النِّساء (١). • إِنَّمَا قال: «إنَّه يُقْسَم مع اللّوث، يُقْسِم أولياء المقتول، يحلفون خمسين يميناً، ثمَّ يستحقّون دم من أقسموا عليه، أو دية وليّهم المقتول»؛ من قِبَلِ أنَّ الشّهادة على القتل لَمَّا لم يمكن التّوثق فيها؛ لأنَّ القتل والجراح لا تكاد تقع في مواضع يحضرها النّاس، وإنّما يتبع القاتل في ذلك المواضع الخالية من النّاس، وليس كذلك سائر الحقوق. ولأنَّ الشّهادات يمكن فيها، والتّوثُّق (٢) لها. فكان الحكم في القسامة مخالفاً للحكم في سائر الحقوق، فجُعِلَ للوليّ أن يقسم مع اللّوثِ، وقد قال الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩] معناه: أنّ القاتل إذا قُتِلَ ارتدع غيره عن القتل، فكان في ذلك حياةٌ للنّاس. فجاز القتل بالقسامة وأخذ الدّية بها؛ حياطةً للدّماء؛ وليرتدع النّاس عن ارتكاب ذلك (٣).

стр. 1786

وقد حكم النَّبِيُّ صلَّى الله عليه بالقسامة، فروى مالكٌ، عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبدالرحمن بن سهلٍ (١)، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ (٢)، أَنَّهُ أخبره هو ورجالٌ من كبراء قومه: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمَا، وأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، قَالَ فَأَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ، ثمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ - وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ -، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ -، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: «السِّنّ»، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ»، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟»، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِئَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ (٣).

стр. 1787

رواه حماد بن زيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن بشير بن يسارٍ، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ ورافع بن خديج: أَنَّ مُحَيِّصَةَ وَابْنَ مَسْعُودٍ (١) وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ، وَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وذكر نحوه، وفيه: «فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ»، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ نَحْلِفُ؟، قَالَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ، قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِهِ (٢). فلهذا الحديث قال مالك: «إنَّ الأيمان في القسامة خمسون يميناً، وإنَّ الأولياء يبدؤون بالأيمان، وإنَّ المدّعى عليه يقتل إذا أقسم أولياء المقتول عليه». فإن قيل (٣): كيف يجوز أن يبدأ المدَّعون بالأيمان في القسامة، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (٤)؟ قيل له: إِنَّمَا جاز ذلك؛ لتبدئة النَّبيِّ صلَّى الله عليه إيّاهم لها، على ما ذكرناه في الحديث الصّحيح. ولأنَّ القسامة أيضاً، لَمَّا كان المدّعى عليهم يحلفون، ثمَّ تكون عليهم

стр. 1788

الدّية عند مخالفنا (١)، وكانت مخالفةً لسائر الدّعاوى؛ لغلظ الدّم ووكود حرمته؛ لأنَّ في سائر الدّعاوى يبرَّأ المُدَّعَى عليه إذا حلف، ولا يبرَّأ في القسامة إذا حلف، أعني: المدّعى عليهم، فكذلك وجب أن يُبْدَأَ في الأيمان بالمدَّعِين؛ لأنَّ الدماء مخالفةٌ لغيرها من الحقوق. وقد روى مسلم بن خالدٍ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، عن أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه قال: «البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، إِلَّا فِي القَسَامَةِ» (٢). فأمَّا قوله: «عن اللّوث يكون بالشاهد الواحد العدل دون غيره من الشهود إذا لم يكونوا عدولاً»؛ فلأنَّ شهادة غير العدل غير مقبولةٍ في الأصول، فلا فائدة لشهادته ولا يُقْسم معها. ووجه قوله: «إنّه يُقْسم معها»؛ فلأنَّ الشّهادة هي ضربٌ من اللّوث، فإذا قوَّى دعوى الوليِّ شيءٌ من شهادةٍ ما، كان له أن يُقْسِم معها؛ لغلظ أمر الدّماء ووجوب حفظها وحقنها (٣). وقوله: «إنَّ الوليَّ يقسم مع قول المجروح: قتلنى فلانٌ، وأنَّ قوله لوثاً» (٤)؛

стр. 1789

فلأنَّ العرف جارٍ من المسلمين أنهم يرتدعون في حال الموت ويَتَحَوَّبُون ويُحْدِثُون توبةً، هذا الغالب من أمرهم، وأنَّهم لا يركبون الكبائر من المعاصي في هذه الحال، وإذا كان كذلك، كان قوله: «قتلني فلانٌ» لوثاً يجوز للوليّ أن يُقْسِمَ معه، بل قوله أقوى من قول غيره. وقد قال بعض من يخالفنا في هذا: «إنَّ الوليّ يقسم إذا رأى رجلاً يعرف وليَّه - وهو مقبولٌ -، ومع الرّجل سكينٌ أو شبه هذا»، وهذا أضعف من قول المقتول: «دمي عند فلانٍ». فأمَّا أهل العراق، فإنهم يقولون: «إنَّ المقتول إذا وُجِدَ في محلة قومٍ، أنَّ أهل المحلة يحلفون أنّهم لم يقتلوه، ثمَّ تكون عليهم الدّية» (١). وهذا قول ضعيفٌ؛ من قِبَلِ أَنَّهُ قد يجوز أن يقتله قومٌ، ثمَّ يطرحوه في محلّة قومٍ. ومن قولهم أيضاً: «إنَّ ديته على أهل الحطة (٢) وإن كانوا قد ماتوا قبلها بمئة سنةٍ، أو انتقلوا إلى بلدٍ غيرها». فإن قيل (٣): كيف يجوز أن يُقبَل قول المجروح: «قتلني فلانٌ»، فيُعطى بدعواه، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه: «لَوْ أُعْطِيَ قَوْمٌ بِدَعَاوِيهِمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (٤).

стр. 1790

قيل له: لسنا نعطي المدّعي بقوله، ولكن قوله: «قتلني فلانٌ» لوثٌ يُقْسِم معه الأولياء، ثمَّ يستحقّون القتل أو الدّية باللّوث مع الأيمان، كما تفعلون أنتم مثله، وليس ذلك حكمٌ بالدّعوى دون أن تأتي معه بيِّنةٌ وهي الأيمان، جعلها رسول الله صلَّى الله عليه بَيِّنَةً في استحقاق الدم. وقوله: «لا يُقْسَم مع شهادة النِّساء»؛ فلأنَّ شهادة النِّساء لم يكن لها مدخلٌ في القتل العمد، فكذلك لا يُقْسَم معها في قتل العمد، فأمَّا قتل الخطأ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ معها. ويجوز أن يقال: «لا يُقْسَم مع شهادتهنَّ أصلاً»؛ لضعف شهادتهنَّ عن شهادة الرّجال (١). ووجه قوله: «إنه يُقْسَم مع شهادتها»؛ فلأنَّ اللوث هو سببٌ يُقَوِّي دعوى الولي، يجوز له معه أن يحلف، فإذا كان له شهادةٌ ما تُقوِّي قوله، جاز له أن يحلف معها؛ لأنَّ الحكم إِنَّمَا هو ليمينه لا للّوث (٢). ••• [٢٠٤٤] مسألة: قال: ويَبْدَأُ الذين يَدَّعُون الدّم في القَسَامَةِ. ولا تجب القسامة إلَّا بأحد أمرين: (إمَّا أن يقول المقتول: «دمي عند فلانٍ».
следующие страницы →