← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وقد حكم النَّبِيُّ صلَّى الله عليه بالقسامة، فروى مالكٌ، عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبدالرحمن بن سهلٍ (١)، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ (٢)، أَنَّهُ أخبره هو ورجالٌ من كبراء قومه: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمَا، وأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، قَالَ فَأَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ، ثمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ - وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ -، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ -، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: «السِّنّ»، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ»، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟»، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِئَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ (٣).

стр. 1787

رواه حماد بن زيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن بشير بن يسارٍ، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ ورافع بن خديج: أَنَّ مُحَيِّصَةَ وَابْنَ مَسْعُودٍ (١) وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ، وَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وذكر نحوه، وفيه: «فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ»، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ نَحْلِفُ؟، قَالَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ، قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِهِ (٢). فلهذا الحديث قال مالك: «إنَّ الأيمان في القسامة خمسون يميناً، وإنَّ الأولياء يبدؤون بالأيمان، وإنَّ المدّعى عليه يقتل إذا أقسم أولياء المقتول عليه». فإن قيل (٣): كيف يجوز أن يبدأ المدَّعون بالأيمان في القسامة، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (٤)؟ قيل له: إِنَّمَا جاز ذلك؛ لتبدئة النَّبيِّ صلَّى الله عليه إيّاهم لها، على ما ذكرناه في الحديث الصّحيح. ولأنَّ القسامة أيضاً، لَمَّا كان المدّعى عليهم يحلفون، ثمَّ تكون عليهم

стр. 1788

الدّية عند مخالفنا (١)، وكانت مخالفةً لسائر الدّعاوى؛ لغلظ الدّم ووكود حرمته؛ لأنَّ في سائر الدّعاوى يبرَّأ المُدَّعَى عليه إذا حلف، ولا يبرَّأ في القسامة إذا حلف، أعني: المدّعى عليهم، فكذلك وجب أن يُبْدَأَ في الأيمان بالمدَّعِين؛ لأنَّ الدماء مخالفةٌ لغيرها من الحقوق. وقد روى مسلم بن خالدٍ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، عن أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه قال: «البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، إِلَّا فِي القَسَامَةِ» (٢). فأمَّا قوله: «عن اللّوث يكون بالشاهد الواحد العدل دون غيره من الشهود إذا لم يكونوا عدولاً»؛ فلأنَّ شهادة غير العدل غير مقبولةٍ في الأصول، فلا فائدة لشهادته ولا يُقْسم معها. ووجه قوله: «إنّه يُقْسم معها»؛ فلأنَّ الشّهادة هي ضربٌ من اللّوث، فإذا قوَّى دعوى الوليِّ شيءٌ من شهادةٍ ما، كان له أن يُقْسِم معها؛ لغلظ أمر الدّماء ووجوب حفظها وحقنها (٣). وقوله: «إنَّ الوليَّ يقسم مع قول المجروح: قتلنى فلانٌ، وأنَّ قوله لوثاً» (٤)؛

стр. 1789

فلأنَّ العرف جارٍ من المسلمين أنهم يرتدعون في حال الموت ويَتَحَوَّبُون ويُحْدِثُون توبةً، هذا الغالب من أمرهم، وأنَّهم لا يركبون الكبائر من المعاصي في هذه الحال، وإذا كان كذلك، كان قوله: «قتلني فلانٌ» لوثاً يجوز للوليّ أن يُقْسِمَ معه، بل قوله أقوى من قول غيره. وقد قال بعض من يخالفنا في هذا: «إنَّ الوليّ يقسم إذا رأى رجلاً يعرف وليَّه - وهو مقبولٌ -، ومع الرّجل سكينٌ أو شبه هذا»، وهذا أضعف من قول المقتول: «دمي عند فلانٍ». فأمَّا أهل العراق، فإنهم يقولون: «إنَّ المقتول إذا وُجِدَ في محلة قومٍ، أنَّ أهل المحلة يحلفون أنّهم لم يقتلوه، ثمَّ تكون عليهم الدّية» (١). وهذا قول ضعيفٌ؛ من قِبَلِ أَنَّهُ قد يجوز أن يقتله قومٌ، ثمَّ يطرحوه في محلّة قومٍ. ومن قولهم أيضاً: «إنَّ ديته على أهل الحطة (٢) وإن كانوا قد ماتوا قبلها بمئة سنةٍ، أو انتقلوا إلى بلدٍ غيرها». فإن قيل (٣): كيف يجوز أن يُقبَل قول المجروح: «قتلني فلانٌ»، فيُعطى بدعواه، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه: «لَوْ أُعْطِيَ قَوْمٌ بِدَعَاوِيهِمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُنْكِرِ» (٤).

стр. 1790

قيل له: لسنا نعطي المدّعي بقوله، ولكن قوله: «قتلني فلانٌ» لوثٌ يُقْسِم معه الأولياء، ثمَّ يستحقّون القتل أو الدّية باللّوث مع الأيمان، كما تفعلون أنتم مثله، وليس ذلك حكمٌ بالدّعوى دون أن تأتي معه بيِّنةٌ وهي الأيمان، جعلها رسول الله صلَّى الله عليه بَيِّنَةً في استحقاق الدم. وقوله: «لا يُقْسَم مع شهادة النِّساء»؛ فلأنَّ شهادة النِّساء لم يكن لها مدخلٌ في القتل العمد، فكذلك لا يُقْسَم معها في قتل العمد، فأمَّا قتل الخطأ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ معها. ويجوز أن يقال: «لا يُقْسَم مع شهادتهنَّ أصلاً»؛ لضعف شهادتهنَّ عن شهادة الرّجال (١). ووجه قوله: «إنه يُقْسَم مع شهادتها»؛ فلأنَّ اللوث هو سببٌ يُقَوِّي دعوى الولي، يجوز له معه أن يحلف، فإذا كان له شهادةٌ ما تُقوِّي قوله، جاز له أن يحلف معها؛ لأنَّ الحكم إِنَّمَا هو ليمينه لا للّوث (٢). ••• [٢٠٤٤] مسألة: قال: ويَبْدَأُ الذين يَدَّعُون الدّم في القَسَامَةِ. ولا تجب القسامة إلَّا بأحد أمرين: (إمَّا أن يقول المقتول: «دمي عند فلانٍ».

стр. 1791

(أو يأتي ولاة الدم بِلَوْثٍ من بيِّنةٍ - وإن لم تكن قاطعةً - على الذين (١) يدَّعون عليه الدم. ولا يُقْسَم مع شهادة الصّبيان ولا العبيد، ويُقْسَم مع الشّاهد العدل، ويُقسم على شهادة العدل إذا عُرِف أَنَّهُ كان حاضر الأمر (٢). • إنّما قال: «إنَّه يَبْدَأُ بالأيمان الذين يدَّعون الدّم في القسامة»؛ فلأنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه بدأ الأنصار بذلك. وقد ذكرنا وجه وجوب القسامة مع اللّوث، وأنها تجب بأحد وجهين: ببيّنةٍ غير قاطعةٍ، أو قول المجروح: «دمي عند فلانٍ». ••• [٢٠٤٥] مسألة: قال: ويبدأ الَّذِينَ يَدَّعون الدّم في القسا [مة] (٣)، فيحلف منهم خمسون رجلاً خمسين يميناً. فإن قلَّ عددهم أو نكل بعضهم - مِمَّنْ لا يجوز له قيامٌ بالدّم ولا عفوٌ عنه -، فتُرَدُّ الأيمان على من بقي منهم، فيحلفوا خمسين يميناً. فإن نكل أحدٌ من ولاة الدّم الَّذِينَ يجوز لهم القيام بالدّم أو العفو عنه، أو لم يبلغوا خمسين رجلاً، رُدَّت الأيمان على الَّذِينَ ادُّعِيَ عليهم الدّم، فيحلف منهم

стр. 1792

خمسون رجلاً خمسين يميناً ويبرؤون، فإن لم يجدوا أحداً يحلف إلَّا الَّذِي ادُّعِيَ عليه الدّم، حلف خمسين يميناً وبرئ (١). إنّما قال: «إنَّ المدَّعِينَ من الأولياء يحلفون خمسين رجلاً خمسين يميناً؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه قال للأنصار - أولياء عبد الله بن سهلٍ المقتول بخيبر -: «أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينَاً وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟». فإن كانوا أولياؤه خمسين رجلاً (٢)، حلفوا خمسين يميناً ولم يحلف الباقون؛ لأنَّهُ قد حصل ما يُسْتَحَقُّ الدَّم به من الأيمان، وهي خمسون يميناً، فلا فائدة لأكثر من ذلك، كما إذا شهد رجلان على الدّم ثبت الدّم بهما، ولا فائدة لأكثر منهما (٣). وقال عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون - صاحب مالك -: «إنَّ الأولياء يحلف كلُّ واحدٍ منهما (٤) يميناً واحدةً إذا كانوا أكثر من خمسين»؛ لأنَّهُ ليس أحدهم باليمين أولى من الآخر، ولا أحدهم بالقَوَد والدّية أولى من صاحبه، فوجب أن يحلفوا كلّهم لهذه العلّة.

стр. 1793

وقول مالكٍ أولى؛ لِمَا ذكرناه. فإن نكل واحدٌ من الأولياء إذا كانوا قُعْدُدَ (١) واحدٍ، كالبنين والإخوة والعمومة، حلف المدّعى عليهم خمسين يميناً، كلّ واحدٍ منهم؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم يدرأ القتل عن نفسه ويبرأ منه، فوجب أن تكون خمسين يميناً. وكذلك قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه لأولياء المقتول - وهم الأنصار- «تُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينَاً»، يعني: المدّعى عليهم القتل؛ لأنَّ الدعوى لا تصحّ على غير مدّعى عليه معيّنٍ. ••• [٢٠٤٦] مسألة: قال: ولا يُقْتَل في القسامة إلَّا واحد، لا يُقتل فيه اثنان (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لَمَّا رواه حمّاد بن زيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن بشير بن يسارٍ، عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال للأنصار: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» (٣)، فدلَّ هذا الخبر أَنَّهُ لا يُقْسَمُ في القسامة على أكثر من واحدٍ يُقْتَل بها. وكذلك روى مالكٌ، عن أبي ليلى، عن سهل بن أبي حثمة، أنَّ رسول الله

стр. 1794

صلَّى الله عليه قال للأنصار: «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟» (١)، فوجب بهذا الخبر أن لا يقتل أكثر من واحدٍ. ولأنّ المقتول قد ثبت أنَّ له قاتلاً لا محالة، وليس يُعْلَم أنَّ له أكثر من قاتلٍ، وإذا كان كذلك، لم يجز أن يُقْتَلَ أكثر من واحدٍ. ولأنَّ القسامة أيضاً لمَّا كانت بدلاً من الشّهادة، وجب أن تكون أضعف من المُبْدَل، كالتّيمم هو بدلٌ من الماء، فهو أضعف منه؛ لأنَّ الماء يرفع الحدث ولا يرفعه التّيمم. ••• [٢٠٤٧] مسألة: قال: وإذا كان المُدَّعُون والمُدَّعَى عليهم في القسامة، لم يَبْرؤوا إلَّا بالأيمان، يحلف كلّ واحدٍ منهم خمسين يميناً، إذا كان الَّذِينَ يُتَّهَمُون بالقتل كلّهم. فَأَمَّا القبيلة إذا دُعُوا أو أهل القرية ليُقْسِموا، فإنَّ الأيمان تُرَدُّ عليهم. والقسامة تصير إلى عصبة المقتول، هم ولاة الدّم الَّذِينَ يقسمون عليه، ويَقْتُلُون بقسامتهم (٢). • إِنَّمَا قال: «إنَّ المدّعى عليهم لا يَبْرَؤونَ إذا نكلوا بغير يمينٍ»؛ فلأنَّ

стр. 1795

اليمين حقٌّ عليهم، فإذا نكلوا عنها، لم يُتركوا حَتَّى يحلفوا، كما لا يُترك من لزمه الحقّ وامتنع من الخروج منه حَتَّى يؤخذ منه. وقوله: «إنَّ القسامة تصير إلى عصبة المقتول»؛ فلأنّهم هم أولياؤه، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، وقال النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ لعصبة المقتول: «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ». ••• [٢٠٤٨] مسألة: قال: ولا يُقْسِمُ في قتل العمد إلَّا اثنان فصاعداً (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه قال لِحُوَيِّصَةَ ومُحَيِّصَةَ وعبد الرحمن: «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟»، فكانوا أكثر من اثنين، فكانت القسامة تكون باثنين فصاعداً، ولا تكون بواحدٍ. ولأنَّ القسامة أمرها اتِّبَاعٌ ولا تؤخذ بقياسٍ. ولأنّها تشبه الشّهادة أيضاً، والشَّاهد الواحد لا تقبل شهادته حَتَّى يكون اثنين، فكذلك لا يقبل بقسامة واحدٍ حَتَّى يكونا اثنين (٢). •••

стр. 1796

[٢٠٤٩] مسألة: قال: ومن دُعِيَ إلى القسامة، فنكل عنها ورَدَّ اليمين على المدّعى عليهم، فنكلوا ورَدُّوهَا على المُدَّعِين، فأراد يحلف، فإذا كان قد نكل نكولاً بَيِّنَاً، فلا قسامة له بعد ذلك (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد ترك حقّه من اليمين بنكوله، وصارت اليمين لغيره، فليس له أن يرجع إليها بعد نكوله. ••• [٢٠٥٠] مسألة: قال: ولا يقبل (٢) في القسامة إلَّا واحدٌ، ويُجلد من بقي منهم مئةً مئةً ويحبس عاماً (٣). • إِنَّمَا قال: «إنَّه يجلد من بقي مِمَّنْ لم يُقْبَل (٤) بالقسامة»؛ فلأنه قد كان يجوز أن يُقسَم عليه فيقتل بدل صاحبه، فلما زال القتل عنه وقد ارتكب ما نهى الله عنه، وجب أن يعاقب. وتقدير عقوبته ضرب مئةٍ وحبس عامٍ؛ لأنَّ القتل قرين الزِّنا، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ

стр. 1797

وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] (١)، فلما زال القتل عنه، بقي حقّ الله من الزّجر، فوجب أن يُزْجَر بالضّرب والحبس. ألا ترى: أنَّ الزّاني البكر لَمَّا زال الرّجم عنه، كان بدله مئة جلدةٍ وحبس عامٍ وهو التّغريب؛ لأنَّهُ يُغَرَّب، ثمَّ يحبس. فهذا وجه قول مالكٍ: «إِنَّهُ يضرب مئةً ويحبس عاماً»، وهو قول جماعةٍ من أهل المدينة، وقد رُوِيَ حديثٌ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه أَنَّهُ قال: «قَاتِلُ العَمْدِ إِذَا عُفِيَ عَنْهُ، ضُرِبَ مَئِةً وَحُبِسَ عَامَاً» (٢). ••• [٢٠٥١] مسألة: قال: ولا يَحْلِفُ في القسامة في العمد أحدٌ من النِّساء. وإن لم يكن ولاة المقتول إلَّا نساءً، فلا قسامة لهنَّ ولا عفو (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنّ الله قال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فجعل الله القيام بالدّم لأولياء المقتول، وهم الرّجال دون النِّساء، بدلالة: قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه: «لَا نِكَاحَ

стр. 1798

إِلَّا بِوَلِيّ» (١)، وكانت المرأة غير وليةٍ في النّكاح، والأولياء فيه الرّجال، وكذلك القتل مثله؛ لأنَّ اسم الولاية إذا أُطلِق اقتضى الرّجال دون النِّساء. ولَمّا لم تكن المرأة وليةً في الصّلاة على الموتى، ولا توَلّى الحكم ولا الإمامة؛ لنقصانها عن ذلك، فكذلك ليست وليّةً في الدّم. ولأنَّ الرجال أعرف بعواقب الأمور، ومن يحبُّ العفو عنه، ومن يحبّ قتله، وإذا كان كذلك، كانوا هم أولياء دون النِّساء. ولأنّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه قال لأولياء المقتول بخيبر، وهم الأنصار: «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟»، ولم يقل ذلك للنّساء، ولا سأل هل له أحدٌ من النِّساء مِمَّنْ يستحقّ القيام بدمه (٢). وقد قتل الحسن بن علي ﵉ ابن ملجمٍ لعنه الله، وقد كان لعليٍّ ﵁ عدداً أولاد ذكورٍ وإناثٍ، فلم ينتظر بقتله بلوغهم، وكان لهم مدخل في ولاية الدّم مع الحسن والحسين ﵄. •••

стр. 1799

[٢٠٥٢] مسألة: قال: وإذا ضرب النَّفَرُ الرّجُلَ حَتَّى يموت تحت أيديهم، قُتِلوا به جميعاً، وإن كانت قسامةً (١) لم يُقْسَم إلَّا على واحدٍ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، فقد جعل الله لوليّ المقتول السّلطانَ على القاتل بقتله إن شاء، كان واحداً أو جماعةً، ولا فرق بين أن يكون القاتل واحداً أو جماعةً. ولأنّه لو لم يُقتل اثنان بواحدٍ؛ لأدّى ذلك إلى الهرج والفساد، ولزال معنى الحياة الَّتِي جعلها الله ﵎ في القصاص بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩]؛ لأنَّهُ كان لا يشاء أحدٌ أن يقتل أحداً، إلَّا دعا غيره يقتل معه، وكان لا يكون عليهما قتلٌ، ولدخل في ذلك الضّرر وفسادٌ عظيمٌ، وهذا قولٌ يؤدِّي إلى الهرج والفساد. وقد قتل عمر ﵁ سبعة نفرٍ بواحدٍ، بمشهدٍ من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه، لا يُنْكِرُ ذلك عليه أحدٌ، وقال: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ» (٣). وهذا إذا ثبت القتل بغير قسامةٍ، من شهادةٍ أو إقرارٍ، فَأَمَّا إذا كان بقسامةٍ لم

стр. 1800

يُقْتَل بها غير واحدٍ يُقْسَم عليه، وقد ذكرناه (١)؛ لأنَّ القسامة أضعف من الإقرار والبيّنة، فلم يكن حكمها في قتل الجماعة بواحدٍ كحكم البيّنة والإقرار. ••• [٢٠٥٣] مسألة: قال: وإذا ادُّعِيَ الدّمُ على نفرٍ لهم عددٌ، ونكل ولاة الدّم عن القسامة، ورُدَّت الأيمان عليهم، لم يبرأ كلّ واحدٍ منهم دون أن يحلف عن نفسه خمسين يميناً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المدَّعى عليهم يدَّعِي البراءة من الدَّم، فلا تثبت براءته بأقل من خمسين يميناً؛ لِأَنَّهَا تُبرِي من الدَّم ويَثْبُتُ بها الدَّم (٣). ••• [٢٠٥٤] مسألة: قال: وولاة الدّم، إذا نكل واحدٌ منهم، لم يكن إلى القتل سبيلٌ: البنون، والإخوة، وبنو العمّ (٤)، وكلُّ من يجوز له العفو منهم (٥). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هؤلاء يستوون في القرب من المقتول، فمن عفا فلا سبيل إلى الدَّم؛ لأنَّهُ قد ترك حقَّه من الدَّم.

стр. 1801

فإن كان بعد الأيمان: فلمن بقي الدِّية. وإن كان قبل القسامة: أقسم من بَقِي إذا كانوا اثنين فصاعداً، وكان لهم نصيبهم من الدِّية. وقال ابن القاسم في هذه المسألة: «لا يُقسمون ولا دية لهم، إلَّا أن يكون العفو وقع من بعضهم بعد الأيمان؛ لأنَّهُ لم يجب لهم شيءٌ بعد» (١). والصَّحيح قول مالكٍ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يبطل حقُّ من لم يقف عن الدّم لأجل من عفا. ••• [٢٠٥٥] مسألة: قال: وإذا قال رجلٌ: «بِي فُلَانٌ، وَفُلَانٌ أَنْفَذَ مقاتلي»، لم يُقْسِم ولاته إلَّا على الَّذِي زعم أَنَّهُ أنفذ مقاتله، ولم يُقْسَمْ على غيره، وإن دَعَوا إلى ذلك (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المقتول قرَّرَ القتل على الَّذِي زعم أَنَّهُ أنفذ مقاتله دون غيره؛ لأنَّ القاتل هو الَّذِي يُقْسَمُ عليه ويُقتل، فكان الَّذِي قرّر القتل أولى من غيره. •••

стр. 1802

[٢٠٥٦] مسألة: قال: ومن وجبت عليهم قسامةٌ وهم ناؤون عن المدينة، جُلِبوا إليها حَتَّى يحلفوا بها، ويُستحبّ أن يحلفوا بعد الصّلاة (١). • إنّما قال: «إنّهم يُجلبون إلى المدينة أو مكة أو بيت المقدس»؛ إرادة أن يرتدعوا عن الأيمان على غير حقٍّ، تعظيماً للمواضع، وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ، تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَوْ عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ: قَالَ: وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ مِنْ أَرَاكٍ» (٢)، فأخبر النَّبيُّ صلَّى الله عليه أنَّ أمر اليمين على منبره عظيمٌ، وكذلك في المواضع المشرّفة، وإنّما يُجلب إلى هذه المواضع من أعمالها دون غيرها. وكذلك قوله: «يُحْلَف فيها بعد الصّلاة»، تعظيماً للأيمان، وأن يرتدع من على غير حقٍّ. ••• [٢٠٥٧] مسألة: قال: وليس في الجِرَاح قسامةٌ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجراح أخفض حرمةً من القتل، فلم يكن حكمها في القسامة كحكم الدّماء أنَّ الدّماء حُفِظَت وحيطت بحعل القسامة فيها تعظيماً لها، ولم تكن الجراح مثلها.

стр. 1803

ولأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه جعل القسامة في النّفس دون الجراح، فاقتُصِرَ عليها. ولم يجز ردُّ الجرح إليها؛ لمخالفتها الدّم، لِمَا ذكرناه: من انخفاض حرمته عن حرمة الدَّم. ••• [٢٠٥٨] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وله بنون أو إخوةٌ، فدَعَوا إلى القسامة، فنكل واحدٌ منهم، فلا سبيل إلى القتل، ولمن بقي أنصباؤهم من الدّية، وتكون الدّية في ذلك بالقسامة. وقال ابن القاسم: «لا يكون لهم من الدّية شيءٌ، إلَّا أن يكونوا قد أقسموا، ثمَّ عفا بعضهم» (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد ترك القسامة من كان له حقٌّ في الدّم مِثْلُ حقِّ من يطالب به، فلا سبيل إلى القتل؛ لأنَّ واحداً من الأولياء إذا عفا، لم يكن إلى القتل سبيلٌ. وكذلك إذا أبى أحدهم أن يقسم، لم يكن للآخر أن يُقْسِم ويَقْتُل، لكنّه يقسم، ثمَّ يأخذ الدّية، ولا يبطل حقُّه من الدّية لترك غيره حقّه من الدّية. •••

стр. 1804

[٢٠٥٩] مسألة: قال: ومن قُتِل وله عَصَبَةٌ - غير الولد والإخوة -، فنكل بعضهم عن القسامة، فإنَّ من بقي يحلف ويجب لهم الدّم. وإن لم يوجد إلَّا رجلٌ من عشيرة الميّت، حلف مع من بقي واستحقَّ الدَّم. ولا يكون لمن نكل أن لا يُقْسِم من بقي، إلَّا في الولد والإخوة، فَأَمَّا العصبة وبنو العمِّ فإنَّ من بقي يُقْسِمون ويستحقُّون. وإذا أقسموا، ثمَّ عفا بعضهم، فمن قام بالدَّم أولى مِمَّنْ عفا - إذا كانوا من غير الولد والإخوة -، وإن لم يكن، ثمَّ وارثٌ غيرهم. وقد قال مالك: إذا كانوا بني عمٍّ في القُعْدَدِ سواءٌ، فعفى بعضهم وأبى بعضٌ، اتُّبِعَ فيه قول الَّذِي عفا، وإن كان بعضهم أقعد اتُّبِعَ قول الَّذِي هو أقعد من بعضٍ. وكذلك الموالي إذا كانوا في القُعْدَدِ سواءٌ، فمن عفا أولى (١). • وجه هذا القول: هو أنَّ البنين والإخوة، وكذلك الأب أيضاً، لا يدانيهم أحدٌ من العصبة في القُرْبِ والرَّحِمِ، فإذا عفا أحدهم، سقط الدم؛ لأنَّهُ لا يُتَّهم في ذلك بقلّة النّظر، أو أن يرى خطأً في القتل فيتركه، فمن عفا من هؤلاء جاز عفوه، وكان لمن بقي الدّية كما ذكرنا. فأمَّا من بَعُدَ من العصبة عن هؤلاء، فَإِنَّهُ لا يمسُّهم من المقتول ما يمسُّ هؤلاء، فكان من طلب بالقَوَدِ أولى مِمَّنْ عفا؛ لأنَّهُ لا يُتَّهم على طلب القَوَدِ، ويُتَّهم مَنْ تَرَكَهُ أن يكون استبَدَّ بأخذ شيءٍ من المال، لا أنَّه رأى في ذلك حظّاً ونظراً، وهذا وجه هذا القول.

стр. 1805

ووجه قوله: «إنَّ من عفا منهم جاز عفوه، وكان لمن بقي الدّم مِمَّنْ لم يقف»؛ فلأنَّ قُرْبَاهُم لَمَّا كان متساوياً من المقتول، لم يكن أحدهم أولى بالقَوَدِ من الآخر؛ لأنَّ النَّسب الَّذِي يَقْتُلُون به واحدٌ، وكذلك ما يعفون واحدٌ، إذ ليس أحدٌ أولى به من الآخر، فجاز عفو من عفا عن القَوَدِ، وكان لمن بقي الدّية، مثل ما يكون ذلك في البنين والإخوة، فكذلك مثله في العمومة والعصبة والموالي إذا استوى قعددُهم من المقتول، وهذا هو القول الصحيح، قد حكاه جماعةٌ من أصحاب مالكٍ عنه (١). ••• [٢٠٦٠] مسألة: قال: وإذا كانوا بنين، فعفا واحدٌ منهم وأخذ شيئاً أُرْضِيَ به، جاز عفوه على من بقي، وأُعْطُوا أنصباءَهم من الدّية. وإن كان عفا عن غير شيءٍ، فَإِنَّهُ يُعْطى الَّذِينَ بقوا حظوظهم من الدّية، إلَّا أن يعفوا كما عفا (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قرب البنين من الأب واحدٌ، فمن عفا جاز عفوه، وكان للباقي نصيبه من الدّية، وإن عفا على مالٍ، كان للابن الآخر أن يدخل معه فيه. •••

стр. 1806

[٢٠٦١] مسألة: وقال مالكٌ: من قُتِلَ وترك أختاً وعصبةً، فعفت الأخت وأَبَى العصبة، أَنَّ العفو أولى أبداً. وقال مالكٌ: ومن قُتِلَ وله ابنةٌ وعصبةٌ، فمن دعا إلى الدّم أولى مِمَّنْ عفا عنه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العصبة إليهم القيام بالدّم والمطالبة به، فهم أولى بالقَوَدِ من البنت إذا عفت؛ لأنَّهم أعرف بالحال والعاقبة من البنت وغيرها من النِّساء. فإن عفا العصبة وطالبت البنت بالدّم، كانت أولى؛ من قِبَلِ أنَّهَا أقرب إلى الأب من عصبتها. ولأنَّ العصبة يُتَّهَمُون على العفو؛ لأخذ المال لا على وجه النّظر فيه، وليس تُتَّهم البنت في مطالبة ما قد وجب، فكان قول من طلب القَوَدِ أولى، وكذلك الأخت مع العصبة مثله سواءٌ. ووجه قول مالك: «إنَّ العفو أولى في الأخت مع العصبة»؛ فلأنَّ الأخت ليس قربها من الأخ كقرب البنت من الأب، فكان النّظر في القَوَدِ والعفو إلى العصبة دونها (٢). ويمكن أن يقال: إنَّ حكم البنت مع العصبة في جواز عفو العصبة، حكم

стр. 1807

الأخت مع العصبة؛ إذ لا فرق بينهما في ذلك، ويكون هذا أحد الروايات عن مالكٍ. ••• [٢٠٦٢] مسألة: قال: ومن قال: «قتلني فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ وفلانٌ»، أربعة نفرٍ، فقال أحدهم: «أنا قتلته»، ثمَّ رجع، قُبِلَ رجوعه، وأقسم ولاته على واحدٍ من الأربعة وقتلوه. وإن أقام على إقراره قُتِلَ بغير قسامةٍ، وأقسموا على واحدٍ من الثّلاثة، فقُتِلَ أيضاً مع المقرِّ (١). • إنَّما قال: «إنَّه يقبل رجوعه»؛ فلجواز أن يُقْتَل بالقسامة كما يقتل بإقراره، فجاز قبول رجوعه؛ لأنَّ ذلك لا يخرجه من القتل إن أراد العصبة ذلك. وفي بعض النُّسَخِ: «لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، ثمَّ أُقْسِمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ»، وهو أولى. وقوله: «إنَّه إذا ثبت على إقراره قُتِلَ وأُقْسِم على واحدٍ من الثّلاثة فقُتِلَ أيضاً»؛ فلأنَّ قتل المقرّ واجبٌ بإقراره، والمُقْسَمِ عليه أيضاً واجبٌ قتله؛ لوجوب القتل بالقسامة على ما ذكرناه. •••

стр. 1808

[٢٠٦٣] مسألة: قال: ويُجْلَبُ في القسامة إلى مكّة والمدينة وبيت المقدس، ولا يُجْلَب إلى غيرها من البلدان، إلَّا أن تكون مثل عشرة أميالٍ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذه المواضع مفضّلةٌ، لها حرمةٌ ليست كغيرها. ألا ترى: أنَّ الإنسان إذا ألزم نفسه المسير إليها لعَمَلِ قربَةٍ لزمه ذلك، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (٢)، فلهذا وجب أن يُجلبوا إليها من أعمالها؛ ليرتدع الحالف على غير حقٍّ في هذه المواطن. فأمَّا غيرها من المواضع، فَإِنَّهُ لا يُجْلَبُ إليها إلَّا مِنْ قَرِيبٍ؛ لأنَّ ذلك يضرّ بالنّاس؛ ولأنه لا فرق بين المكانين (٣). ••• [٢٠٦٤] مسألة: قال: ويُحْلَفُ في القسامة قياماً (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ ترهيباً للحالِفِ أن يحلف على غير حقٍّ. وليرتدع أن يحلف إذا رآه النّاس يحلف.

стр. 1809

ولأنَّ قعوده أستر له، وقيامه أشهر. وكذلك يحلف قائماً في كلّ الحقوق عند مالكٍ لهذه العلّة، وقد قال الله : ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة:١٠٧]. ••• [٢٠٦٥] مسألة: قال: وإذا قتل نفرٌ رجلاً وأقسم ولاته على واحدٍ منهم، حلفوا: «لمات من ضرب فلانٍ» (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأولياء لا يثبت لهم قَوَد من يدَّعون عليه قَتْلَ وَلِيِّهِم، حَتَّى يحلفوا أَنَّهُ قتله، أو أنَّه مِنْ ضَرْبِهِ مات، فإذا حلفوا على ذلك، استحقّوا القَوَدَ. ••• [٢٠٦٦] مسألة: قال: ومن قُتِلَ، فادَّعى بعض ولاته أَنَّهُ قُتِلَ عمداً، وقال بعضهم: «لا علم لنا به، ولا بمن قتله، فلا نحلف»، فإنَّ دمه بَطَلَ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأولياء لم يَتَّفِقُوا أنَّ وَلِيَّهم قُتِلَ عمداً فيستحقّون القَوَدَ، ولا اتَّفَقُوا على من قَتَلَهُ، فلم يكن لهم أن يُقسموا على أحدٍ دون أن تتّفق

стр. 1810

جماعتهم على قتل وليّهم عمداً فيقتُلُوا من يُقسمون عليه، أو خطأً فتكون الدّية على عاقلة القاتل (١). ••• [٢٠٦٧] مسألة: قال: وإن قال بعضهم: «خطأً»، وقال بعضهم: «لا علم لنا بذلك»، ولم يحلفوا، كان للّذين حلفوا أنصباؤهم من الدّية بأيمانهم، وليس للّذين لم يحلفوا شيءٌ (٢). • إنَّما فرَّق بين العمد والخطأ في القسامة، فجعل في الخطأ القسامة لمن ادّعى القتل من الأولياء؛ لأنَّ الخطأ إِنَّمَا هو وجوب مالٍ، وحُكْمُ المال أخفض من حكم القتل. وكان القياس على قوله أن لا يحلفوا؛ لِأَنَّهُم لم يتّفقوا على قتلٍ واقعٍ، ولا دعوى على دمٍ، سواءٌ كان عمداً أو خطأً. وأحسب هذه المسألة من رأي ابن القاسم، أدرجها ابن عبد الحكم (٣). ••• [٢٠٦٨] مسألة: قال: فإن قال بعضهم: «قُتِلَ عمداً»، وقال بعضهم: «قُتِلَ

стр. 1811

خطأً»، وحلفوا جميعاً، كانت فيه الدّية إنْ أحبَّ الَّذِينَ ادّعوا الدم، وأمّا القتل فلا سبيل إليه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هؤلاء قد اتفقوا على القتل - أعني: الأولياء -، ويجوز أن نأخذ من العمد الدّية، ولا يجوز أن يكون الخطأ قودٌ؛ فلذلك جاز أخذ الدّية بعد أيمانهم، وإن اختلفوا في صورة القتل، ولا يجوز القَوَدُ مع اختلافهم فيه هل هو عمدٌ أو خطأٌ (٢). ••• [٢٠٦٩] مسألة: قال: ومن حُبِسَ في قتل خطأٍ أو عمدٍ، ثمَّ مات قبل أن يُقْسَم عليه، فَإِنَّهُ يبطل العمد ولا يقام عليه، ولا يبطل الخطأ ويأخذون الدّية (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي يجب في العمد القَوَدُ، فإذا مات القاتل، بطل حقُّ الأولياء؛ لأنَّهُ لا يمكن القَوَدُ بعد الموت. فأمَّا الخطأ، فإنَّ الَّذِي يجب فيه الدّية على العاقلة، فإذا مات القاتل، حلف الأولياء خمسين يميناً، وكانت الدّية على عاقلة القاتل؛ لأنَّ الَّذِي وجب للأولياء في الخطأ المال لا القَوَدُ، ويمكن أخذه بعد موت القاتل. •••

стр. 1812

[٢٠٧٠] مسألة: قال: ومن جُرِح فمات من ذلك الجرح، فَنَكَل ولاته عن القسامة، ونكل الجارح عن القسامة، فإنَّ العقل يكون على الجارح خاصّةً. ويُقْتَصُّ منه للجرح سوى العقل (١). • يعني: دية المقتول تكون على الجارح في ماله؛ لأنَّهُ متولّدٌ عن العمد، ولا تحمل العاقلة دية العمد. فَأَمَّا الجرح فَإِنَّهُ يُقتص منه؛ لأنَّهُ تعمَّد ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]. ••• [٢٠٧١] مسألة: قال: وليس فيمن قُتِلَ بين الصّفين قسامةٌ، وإنّما فيه الدّية لبعضهم من بعضٍ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القسامة إِنَّمَا تكون على واحدٍ بعينه لا غيره، وليس يمكن في هذا تعيين واحدٍ والقسامة عليه فيقتل، أو تكون على عاقلته الدّية، فكانت ديته على عاقلة من نازعته؛ لأنَّ القتل منهم كان. وهذا إذا اقتتلوا على غير تأويل دينٍ، فَأَمَّا إذا قتلوا على تأويل دينٍ فلا قَوَدَ ولا دية، بدلالة: أنَّ أهل الحرب إذا قتلوا المسلمين، ثمَّ أسلموا، لم يُتْبَعُوا بقتلٍ ولا ماٍل، وكذلك لم يَتْبَعْ أهلُ الجمل وأهل صِفِّينَ بعضهم بعضاً بقودٍ ولا مالٍ.

стр. 1813

فأمَّا إذا اقتتلوا على عصبيّةٍ لا على وجه تأويلٍ، فإنَّ في ذلك القَوَدَ إذا كان القتل عمداً، والدِّية على العاقلة إذا كان خطأً (١). ••• [٢٠٧٢] مسألة: قال: والقسامة في قتل الخطأ: أن يبدأ الَّذِينَ يَدَّعُون الدّم، فيحلفون خمسين يمنياً، ويكون قَسَمُ الأيمان عليهم على قدر مواريثهمْ. فإن كان في الأيمان كسورٌ إذا قُسِمَت، نُظِرَ إلى الَّذِي عليه أكثر تلك اليمين، فيُجْبَرُ عليه. وإن لم يكن للمقتول ورثةٌ إلَّا النِّساء، فإنهنَّ يحلفن ويأخذن الدّية. وإن لم يكن وارثٌ إلَّا رجلٌ واحدٌ، حلف خمسين يمنياً وأخذ الدّية (٢). • إنّما قال: «إنّه يبدأ المُدَّعُون للدم بالقسامة في الخطأ، فلأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه بدَّأ المدَّعِين من الأنصار بالأيمان في العمد، ولا فصل بين حكم العمد والخطأ في وجوب تبدئة المدّعِين بالأيمان فيها؛ لأنَّ الخطأ أيضاً فيه حقن دمٍ وحِفْظُه؛ ليحترس القاتل أن يخطئ فيقتل، كما يحترس العامد فيه. وكذلك عدد الأيمان في قتل الخطأ كعددها في العمد؛ لأنّ ذلك إثبات دمٍ، لا فرق بين إثبات الخطأ والعمد في ذلك. وقوله: «إنَّ الرّجل الواحد يحلف فيها، والمرأة الواحدة»؛ فلأنَّ قتل الخطأ

стр. 1814

إِنَّمَا يجب فيه مالٌ، والواحد يجوز له أن يُثْبِتَ المال ويشهد عليه، وكذلك المرأة، تشهد على المال وتثبته، فجاز لهم أن يُقْسِموا في الخطأ لهذه العلّة، ولم يجز ذلك في العمد لِمَا ذكرناه قبل. وقوله: «إنَّ الأيمان على حسب المواريث»؛ فلأنَّ الحالف إِنَّمَا يحلف ليُثْبِتَ حقّة من الدّية، فعلى مقدار حقه تجب عليه اليمين دون حقِّ غيره. وقوله: «إنَّ اليمين تُجْبَر إذا وقع فيها الكسر»؛ فلأنّه لا بُدَّ من استكمال خمسين يميناً، فوجب جبر اليمين، فكانت على من عليه أكثرها؛ لأنَّهُ أولى بذلك؛ ولأنه لا يجوز أن يجب قودٌ أو ديةٌ بأقلّ من خمسين يميناً، فوجب جبر اليمين إذا انكسرت، وإن كان في ذلك زيادةٌ على خمسين يميناً (١). ••• [٢٠٧٣] مسألة: قال: وإذا قام بعض الورثة، - ورثة المقتول خطأً -، يريد أن يأخذ بحقّه منها وأصحابه غُيَّبٌ، أو منهم صغيرٌ لم يبلغ، حلف خمسين يميناً وأخذ حقّه من الدّية، ثمَّ إذا قدم الغائب أو كبر الصّغير، حلفا بقدر أنصبائهما وأخذا حقّهما من الدّية، إن كان أخاً لأمٍّ فله السُّدس، وعليه من الخمسين يميناً سُدُسُهَا (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدّية لا تُستَحَقُّ بأقلّ من خمسين يميناً، فوجب أن

стр. 1815

يحلف من يطلب حقّه منها خمسين يميناً؛ لأنَّ الدّية ثبتت بثبوت القتل، ولا يثبت القتل بأقل من خمسين يميناً. فإذا ثبت بها، كان لمن حلف حقّه من الدّية بقدر حقّه منها، ثمَّ من حضر من غائبٍ أو بلغ من صغيرٍ حلف أيضاً بقدر حقّه وأخذ حقّه؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يأخذ حقّه دون أن يحلف عليه إذا منعه منه من يدَّعي عليه. وليس يحتاج أن يحلف خمسين يميناً؛ لأنَّ الدّم قد ثبت بيمين من تقدَّم، وإنّما عليه أن يحلف بقدر ما يأخذ من الدّية، على ما بيَّنَه مالكٌ. ••• [٢٠٧٤] مسألة: قال: وإن حضر ولاة الدّم كلّهم في قتل الخطأ، فأقسم بعضهم ونكل بعضهم، فإنَّ من حلف يأخذ حقَّه من الدّية، ومن نكل فلا شيء له. فإن جاء الَّذِينَ نكلوا بعد ذلك فقالوا: «نحن نحلف»، فليس لهم ذلك، إلَّا أن يكون لهم في تركها عذرٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ: «إنّه يَحْلِفُ من أراد ذلك من الأولياء ويأخذ حقّه من الدِّيَة»؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يَبْطُلَ حقّه من الدّية بنكول غيره. ولا يكون لمن نكل عن اليمين حقٌّ؛ لأنَّهُ اختار ترك ذلك، ولا يستحقّ شيئاً من الدّية دون أن يحلف بقدر نصيبه منها. •••

стр. 1816

[٢٠٧٥] مسألة: قال: ومن قال عند موته: «قتلني فلانٌ خطأً»؛ فلا يُقْسَم مع قوله؛ لأنَّهُ يُتَّهَم أن يكون أراد غنى ولده، ولكن لو كان مع قوله لَوْثٌ أقسموا مع ذلك وإن كان خطأً. وقال ابن القاسم وأشهب: يُقسِمون مع قوله في الخطأ، ولا يُنظَرُ إلى تهمته، والعَمْدُ أَعْظَمُ حُرْمَةً من الخَطَأِ، وهو يُقْسَمُ مع قوله في العمد، ولو اتُّهِم في الخطأ، لاتُّهِم في العمد أن يكون يُحِبُّ قتل عدوّه (١). • إنّما قال: «إنه لا يُقْسَم مع قوله في الخطأ ويُقْسَم مع قوله في العمد»؛ فلأنَّ الخطأ قد يُتَّهَم فيه؛ لأنَّهُ قد يمكن فيه تأويلٌ ما، وهو أن يأخذ ورثته مالاً بأيمانهم، ثمَّ يردُّونه إلى من أخذوه منه، يتّفق هو وهم على ذلك، ويظنّ أَنَّهُ يُدْرِكُ ويتلافى ما كان منه برَدِّ ورثته المال على من أخذوه منه، فكان هذا موضع التّهمة. وليس يمكن تلافي قتل العمد إذا وقع، ولا تزول المظلمة فيه، فلم يُتَّهم المسلم أَنَّهُ أراد قتل عدوه، وهو غير مستحقٍّ للقتل عند موته، فافترقا لهذا الوجه. فهذا معنى قول مالكٍ، ولهذا - والله أعلم - فَرَّقَ بين قتل العمد والخطأ في ذلك. وقد قال ابن القاسم في مسائله: أخبرني عبد الحكم بن أعين، أنَّ مالكاً قال فيمن قال: «قتلني فلانٌ خطأً»، إنَّ عاقلته تُقسِم مع قوله.

стр. 1817

وهذا هو أقيس؛ من قِبَلِ أنَّ الأغلب من حال المسلمين التحوُّبُ عند حضور الموت، وأنّهم لا يرتكبون الكبائر من المعاصي، ولا فرق بين ذلك في استحلال دمٍ حرامٍ أو مالٍ حرامٍ (١). ••• [٢٠٧٦] مسألة: قال: ومن أقَرَّ أَنَّهُ قتل فلاناً خطأً، لم تحمل عاقلته عَقْلَ ذلك الرَّجُلِ، إلَّا أن يكون مع قوله شيءٌ يشدُّه (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ إقراره إِنَّمَا يُلْزِمُ غيره مالاً - وهم عاقلته -، فلا يُقبل ذلك منه عليهم؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُقْبَل إقرار الإنسانِ على غيره. فإذا كان مع قوله شيءٌ يشدُّه، قُبِلَ منه في أَنَّهُ قد قوِي إقراره بما يشدُّه. وقد قال مالك: إِنَّهُ إن لم يُتَّهَم في إقراره، حلف أولياء المقتول خمسين يميناً، وكانت لهم الدّية. وهذا القول كَأَنَّه أولى؛ لأنّ قوله هذا لوثٌ معه أولياء المقتول. ووجه قوله: «إنّه لا يحلف مع إقراره هذا» (٣)، فإنَّ اللَّوث هو ما ذكرناه من

стр. 1818

شهادةٍ غير قاطعةٍ، أو قول الميت: «قتلني فلانٌ لا غيره»، فلا يُقْسَم مع غير أحد هذين الأمرين. ••• [٢٠٧٧] مسألة: قال: وإذا نكل الفريقان في القسامة في الخطأ، لم يكن على العاقلة عقلٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدّية تجب على العاقلة بأيمان الأولياء، فإذا لم يحلفوا، فلا شيء لهم. ولأنه لا يُلْزِمُ أيضاً نكول المدّعى عليه غيرَهُ حقّاً؛ لأنَّ الإنسان لا يؤخذ بنكول غيره عن اليمين. ••• [٢٠٧٨] مسألة: قال: وتُقْسِمُ المرأة الواحدة في دية الخطأ، وإن لم يكن معها رجلٌ حلفت خمسين يميناً وتأخذ حقّها من الدّية (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتل الخطأ إِنَّمَا يجب فيه مالٌ، فللمرأة أن تُثْبِتَ المال وتحلف عليه، وكذلك للرَّجُلِ الواحِدِ. ••• [٢٠٧٩] قال ابن القاسم وأشهب: إذا قتل النفرُ الرّجُلَ خطأً، من قبيلةٍ واحدةٍ

стр. 1819

أو مفتَرِقِينَ، فإنَّ الولاة إِنَّمَا يُقْسِمون عليهم جميعاً، ويكون العقل على قبائلهم، ولا يُقسمون على واحدٍ بعينه، وإنّما يُقْسِمُونَ على واحدٍ بعينه في القِصاص. وكذلك قال ابن القاسم عن مالكٍ في مسائل السَّماع: إنَّهم يُقسمون في الخطأ على الجماعة (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدّية لَمَّا كانت على عاقلة كلّ واحدٍ منهم واستووا في ذلك، وجب أن يستووا أيضاً في القسامة عليهم. وليس كذلك العمد؛ لأنَّهُ لا يجوز قتل جميعهم بالقسامة، كذلك لا تجب القسامة عليهم كلّهم. ••• [٢٠٨٠] مسألة: قال: وإذا قتل رجلٌ رجلاً عمداً، فقال أولياء المقتول: «نحن نعفو ونأخذ الدّية»، وقال القاتل: «لا أعطيكم ديةً»، فليس لهم إلَّا أن يقتلوا أو يعفوا، ولا شيء لهم. وإن عفا بعض أولياء المقتول، وقال بعضهم: «لا نعفو»، فإنَّ الدّية تكون في مال القاتل خاصّةً، ولا تحمل العاقلة من ذلك شيئاً، لا تحمل العاقلة إلَّا عقل الخطأ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي وجب على القاتل القِصاص لا غيره، فإذا بذل ذلك من نفسه، لم يكن عليه غيره، بدليل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ

стр. 1820

الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:١٧٨] الآية، وقال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] (١). فالذي أوجب الله تعالى في القتل أو الجراح القِصَاصَ لا المال، ولولا أَنَّهُ ﵎ أباح أخذ الدّية إذا بُذِلت، لكان ذلك غير جائزٍ، غير أَنَّهُ أباح ذلك بقوله تبارك اسمه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، والعافي هو القاتل؛ لأنَّهُ يترك شيئاً من ماله، ويُتْرَكُ له القَوَدُ، ويُتْبَعَ بالمال. فإن قيل (٢): قد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، بَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا، أَوْ يَعْفُوا وَيَأْخُذُوا الدِّيَةَ» (٣) قيل له: معنى هذا الخبر، أَنَّهُ يجوز للولي أخذ الدّية إذا بُذِلَتْ له، لا أَنَّهُ يُجْبِرُ القاتِلَ على ذلك، ولولا دلالة الخبر والآية على ما ذكرناه، لم يجز للوليّ أخذ المال بدل القَوَدِ؛ لأنَّ في القَوَدِ حياةً للنّاس، كما قال الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩] غير أنَّه خفَّف عنَّا ما كان مشدَّداً على من قبلنا، فجاز لنا أخذ المال بدل الدّم إذا أُعْطِيناه. ومما يدلّ على ما قلناه، ما رواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَنْ قُتِلَ لَهُ وَلِيٌّ

стр. 1821

فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يُقادُوا» (١)، ومعنى المقاداة المفاعلة، وهي تكون من اثنين، إلَّا في أحرف يسيرةٍ يعرفها أهل اللغة، فدلَّ هذا الخبر أنَّ الدّية توجد باتّفاق ولي المقتول والقاتل. وهذا القول أولى؛ لظاهر كتاب الله من غيره. وقوله: «إنَّ دية قتل العمد إذا عُفِيَ عنه، تكون في مال القاتل خاصَّةً دون العاقلة»؛ فلأنَّ القتل العمد لَمَّا كان شيئاً يلزم القاتل في نفسه - أعني: القَوَدَ منه دون غيره -، فكذلك بَدَلُهُ الَّذِي هو المال، عليه في نفسه دون عاقلته. ولأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه ألزم العاقلة دية الخطأ دون العمد؛ لأنَّ المخطئ لم يتعمَّدِ القتل، فخُفِّفَ عنه بحمل غيره عنه الدّية، وليس كذلك العمد، بل هو مُغَلَّظٌ في نفسه وماله، ولا خلاف في هذا بين جملة أهل العلم. ••• [٢٠٨١] مسألة: قال: ويجوز عفو الرّجل عن دمه في قتل العمد، إلَّا أن يكون قَتْل غِيلَةٍ (٢) فلا يجوز عفوه فيه (٣).

стр. 1822

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتل العمد ليس بتركٍ، قال: لأنَّ الَّذِي يجب في العمد القَوَدُ دون المال على ما ذكرناه. ولا يجوز عفوه إذا قُتِل غيلةً؛ لأنَّ قتل الغيلة يجب قَتْلُ القاتل فيها من أجل حقِّ الله جَلَّ وَعَزَّ، كما يجب قتل المرتدّ والزّاني المحصن وقطع السّارق، ولا يجوز العفو عنهم؛ لأنَّ قَتْلَ المغتالِ هو فسادٌ في الأرض، ولا يجوز الفساد في الأرض؛ من أجل حقّ الله جَلَّ وَعَزَّ، لا من أجل حقِّ آدميٍّ. فإذا قَتَلَ على وجه الغيلة - وهي أخذ المال -، وجب قتله، ولم يجز العفو عنه بوجهٍ. ••• [٢٠٨٢] مسألة: قال: وإذا قام عصبة المقتول ومواليه، وقالوا: «نحن نحلف ونستحقُّ دم صاحبنا»، فذلك لهم، وإن أراد النِّساء يعفون فليس ذلك لهنَّ، العصبة أولى بذلك منهنَّ. وإن أراد العصبة أن يعفوا وأبى ذلك النِّساء فذلك لهنَّ، ومن أخذ القَوَدَ أولى مِمَّنْ تركْنَهُ (١) (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأولياء هم العَصَبَة، فلهم القيام بالدَّم دون النِّساء؛ لعلمهم بالصَّلاح ووضع الأمور مواضعها.

стр. 1823

فإذا عفا العصبة وطالبت النِّساء، كان القول قول النِّساء؛ لأنَّ المطالبة بالدّم حقٌّ قد وجب، والعصبة يُتَّهمون على تركه على غير وجه النّظر، بل يجوز أن يكون لأخذ مالٍ، فكان من طلب بالقَوَدِ أولى؛ لأنَّ في قتل القاتل صلاحاً للنّساء وجملة النّاس. وقد قال مالك: إنَّ القول قول العصبة في العفو والقَوَدِ دون النِّساء. ووجه هذا القول، هو أنَّ العصبة هم الأولياء، ولهم القيام بالدّم وإثباته دون النِّساء، فكذلك لهم القَوَدُ والعفو دون النِّساء. ••• [٢٠٨٣] مسألة: قال: وإذا كان بنون وبناتٍ، فعفو البنين جائزٌ على البنات، ولا أمر للبنات مع البنين (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سبب البنين أقوى من سبب البنات؛ لِأَنَّهُم يجمعون رحماً وعصبةً وحسن نظرٍ في الأمور، ولا يُتَّهَمُون أيضاً كما يُتَّهَم غيرهم من العصبة؛ لبعد منزلتهم عن منزلة الابن. وليس كذلك البنات، لأنهنَّ لا عصبة فيهنَّ كهي في البنين، ولأنَّ قربهنَّ وقرب البنين سواءٌ، فلا مدخل لهنَّ مع البنين بوجهٍ. فأمَّا سائر العصبات مع البنين (٢)، فليس كذلك؛ لقرب البنات وبُعدِ العصبة.

стр. 1824

وقد قال مالك: إن عفو العصبة جائزٌ، وإنَّ القيام إليهم والعفو بالدم دون النِّساء. ••• [٢٠٨٤] مسألة: قال: وقاتل العمد إذا عُفِيَ عنه بعد أن يستحقُّوا الدَّم، فلا عقل عليه، إلَّا أن يكون اشتُرِطَ ذلك عليه عند العفو. وقد قال مالكٌ: إذا جاء ما يُسْتَدَلُّ به على ما قال فذلك له، وإلا فلا شيء له. وقد قال أيضاً: إنَّه يحلف بالله ما عفا إلَّا على الدّية، ويكون ذلك له (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي وجب على القاتل القَوَدُ، فإذا تُرِكَ، فلا شيء عليه من المال لِمَا ذكرناه، إلَّا أن يُشْتَرط ذلك عليه فيلزمه بالشَّرط، أو يُعْلَمَ أنَّ الولي إِنَّمَا عفا عنه للمال، فيكون ذلك له. ووجه قوله: «إنَّ الولي يحلف ثمَّ تكون له الدّية»؛ فلأنَّ القصاص حقٌّ للولي، فإذا قال: «تركته لآخذ بدله مالاً»، كان القول قوله مع يمينه؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُبْطَلَ حقُّه بغير تَعَيُّنٍ لتركه له لغير بدلٍ. ••• [٢٠٨٥] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وترك أُمَّهُ وابنةً وعصبته، فتريد العصبة العفو، وأبت الأم والابنة إلَّا القتل، ثمَّ ماتت الأم والبنت قبل أن تَقْتُلَا، وتركت الأمُّ عصبةً ليسوا من عصبة الميّت، وتركت البنت ولداً ليسوا من عصبة الميّت،

стр. 1825

فلهم مثل ما كان للأمّ والبنت من القتل والقيام به، فإنْ عفَوا مع العصبة، كانت الدّية لعصبة المقتول دونهم (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ورثة الأمّ والبنت قد قاموا مقامهما في حقوقهما من المال، فكذلك يجب أن يقوموا مقامهم في القصاص فيمن وجب قتله؛ لأنَّه حقٌّ ورثوه عن الأم والبنت. فأمَّا الدّية فهي لعصبة المقتول وورثته دون ورثة الأم؛ لِأَنَّهُم أقرب إليه من ورثة الأمّ والبنت. ••• [٢٠٨٦] مسألة: قال: وإذا وُجِدَ القتيل في مَحَلَّةِ قومٍ أو دارهم، لم يؤخذ به أقرب النّاس إليه، ولا أحداً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد يقتله قومٌ، ثمَّ ينقلونه إلى محلَّة غيرهم، هذا موجودٌ في النّاس، فلا يجوز أخد من وُجِد ذلك في محلته. وقصة الأنصار، فإنَّمَا أُخِذت اليهود بقتل وليّهم؛ لِأَنَّهُم ادَّعوا عليهم القتل،
следующие страницы →